← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9066

النكت في القرآن الكريم

أبو الحسن المجاشعي

Полный текст (489 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

علينا حجارة من السماء أو إئتنا بعذاب أليم، وأهلكنا ومحمداً ومن معه. فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] أي: وفيهم قوم يستغفرون، يعني المسلمين، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] ، ثم قال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٤] خاصة ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] ، يعني المسلمين، فعذبهم الله بالسيف بعد خروج النبي ﵇ وفي ذلك نزلت: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١] ، وهذا معنى ابن عباس وقال مجاهد في قوله: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ علم الله أن في أصابهم من يستغفر. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: لم طلبوا العذاب من الله تعالى بالحق، وإنما يطلب بالحق الخير والثواب والأجر؟ والجواب: أنهم كانوا يعتقدون أن ما جاء النبي ﵇ بيس بحقٍ من الله، وإذا لم يكن كذلك لم يصبهم شيئ. ويقال: لم قال: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ ، والإمطار لا يكون إلا من السماء؟ وفي هذا جوابان: أحدهما: أنه يجوز أن يكون إمطار الحجارة من مكان عال دون السماء. والثاني: أنه على طريق البيان بـ (من) . وقرئ: ﴿وَإِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ﴾ بالنصب على أنه خبر كان، و (هو) فصل. وقرئ: ﴿إنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ﴾ بالرفع على أن (هو) مبتدأ، والحق خبره، والجمله

стр. 142

خبر كان، ومثل ذلك: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] ، وقرئ ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] و ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ على ما فسرنا. ﴿من سورة التوبة﴾ يقال: لمَ لمْ تستفتح (براءة) بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ؟ وفي هذا جوابان: أحدهمت: أنها ضمت إلى (الأنفال) بالمقاربة، فصارتا كسورة واحدة، إذ الأولى في ذكر العهود والثانية في رفع العهود، وهذا يروى عن أبي بن كعب، ويروى عن ابن عباس أنه قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم إلى (براءة) وهي من المئين وإلى (الأنفال) وهي من المثاني فجعلتموها في السبع الطوال، ولم تكتبوا بينهما ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ؟ فقال عثمان: كان النبي ﷺ تنزل عليه الآيات، فيدعو بعض من يكتب له، فيقول: (ضع هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا) وتنزل الآيات فيقول مثل ذلك، وكانت (الأنفال) من أول ما نزل من القرآن بالمدينة، وكانت (براءة) من آخر ما أنزل من القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننا أنها منها، فمن هنا وضعناها في السبع الطوال، ولم نكتب بينهمت سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . والجواب الثاني: أن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أمان، (وبراءة) نزلت برفع الأمان، وهذا قول أبي العباس، فلم تكتب في أولها، وروى ابن عباس ذلك عن علي ﵄.

стр. 143

ويسأل عن الرفع لـ (براءة) ؟ وفيه جوابان: أحدهما: إضمار المبتدأ أي: هذه براءة. والثاني: أن ترتفع بالابتداء، وإن كانت نكرة؛ لأنها موصوف، والخبر في قوله: (إلى الناس) . * * * قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣] الأذان: الإعلام، هذا قول ابن زيد. والحج الأكبر: الوقوف بعرفة، هذا قول عطاء ومجاهد. والحج الأصغر: العمرة. وأركان الحج: الإحرام بعد الإغتسال، ثم التلبية، ثم طواف القدوم ثم السعي بين الصفا والمروة، ثم المبيت بمنى، ثم الصلاة بمسجد إبراهيم ﵇، ثم الوقوف بعرفة، ثم المصير إلى مزدلفة والمبيت بها، ثم الوقوف بالمشعر الحرام، ثم المصير إلى جمرة العقبة ورميها، ثم حلق الرأس، ثم النحر، ثم طواف الزيارة، ثم الإحلال، ثم الرجوع إلى منىً والمقام بها ثلاثة أيام، ثم العمرة لمن شاءها. وقد قيل: يوم الحج الأكبر يوم النحر، يروى هذا عن النبي ﷺ وعن علي ﵁ وعن ابن عباس ﵁ وسعيد بن جبير وعبد الله بن أبي أوفى وإبراهيم.

стр. 144

واختلف عن مجاهد: فقال مرة بالقولين جميعاً، وقال مرة: أيامها كلها، ويروى مثل ذلك عن سفيان، وبالقول الأول أخذ أبو حنيفة، ويروى مثله عن ابن الزبير. فصل: ويسأل عن قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ، بم ارتفع؟ وفيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه معطوف على (براءة) ، وهو قول الفراء والزجاج. والجواب الثاني: أنه مبتدأ والخبر محذوف، أي: عليكم أذان من الله، وفيه معنى الأمر، وهذا قول علي بن عيسى. والثالث: أنه مبتدأ والخبر في قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ، على حذف الباء، كأنه قال: بأن الله. وعلى الوجهين الأولين يكون موضع (أن) نصباً على أنه مفعول له. وقرأت القراء ﴿وَرَسُولُهُ﴾ بالرفع، وقرأ عيسى بن عمر ﴿وَرَسُولَهُ﴾ . بالنصب، وقرأ بعض أهل البدو ﴿وَرَسُولِهِ﴾ بالجر. فأما الرفع فمن وجهين:

стр. 145

أحدهما: أن يكون معطوفاً على المضمر في (برئ) وحسن العطف عليه وإن كان غير مؤكد؛ لأن قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ قام مقام التوكيد. والثاني: أن يكون ميتدأ، والخبر محذوف تقديره: ورسوله برئ أيضاً، ثم حذف الخبر لدلالة خبر (أنَّ) عليه. وذكر سيبويه وجهاً ثالثاً: وهو أن يكون معطوفاً على موضع (أنَّ) ، وهذا وهم منه؛ لأن (أًنَّ) المفتوحة مع ما بعدها في تأويل المصدر، فقد تغيرت عن حكم المبتدأ وصارت في حكم (ليت) و (لعل) فكأن في إحداثها معنى يفارق المبتدأ، فكما لا يجوز العطف على مواضعهن فكذلك موضع (أنَّ) لا يجوز العطف عليه، وإنما يجوز العطف على موضع (إنَّ) المكسورة، كما قال الشاعر: فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب ولعل سيبويه توهم أنها مكسورة فحمل على موضعها، وقد قرئ في الشواذ ﴿إنَّ اللَّهِ﴾ بالكسر، ولعله تأول على هذه القراءة. فأما النصب: فعلى العطف على اللفظ، ومثله قول الراجز: إن الربيع الجون والخريفا يدا أبي العباس والصيوفا وأما الجر: فحمله قوم على القسم، وهي قراءة بعيدة شاذة. * * * قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] . يسأل عن موضع ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ﴾ من الإعراب؟ وفيه جوابان:

стр. 146

أحدهما: أن موضعه نصب؛ لأنه معطوف على اسم (إن) ، ويكون المعنى: وإن الذين يكنزون الذهب والفضة يأكلونها. والثاني: أن يكون رفعاً على الاستئناف. ويسأل: لم قال: ﴿يُنْفِقُونَهَا﴾ . ولم يقل: (يُنفقُونَهما) ؟ في هذا أجوبة: أحدها: أنه يرجع إلى ما دل عليه الكلام، كأنه قال: ولا ينفقون الكنوز. والثاني: أنه لما ذكر الذهب والفضة دل على (الأموال) ، فكأنه قال: ولا ينفقون الأموال. والثالث: أن الذهب مؤنث، وهو جمع واحده (ذَهْبة) ، وهذا الجمع الذي ليس بينه وبين واحده إلا (الهاء) يذكر ويؤنث، قال الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] وقال: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] فذكر. ثم لما اجتمعا في التأنيث، وكان كل واحد منهما يؤخذ عن صاحبه في الزكاه على قول جمهور أهل العلم جعلهما كالشيء الواحد، ورد الضمير إليهما بلفظ التأنيث. والرابع: أنه اكتفى بأحدهما عن الآخر للإيجاز، ورد الضمير إلى الفضة؛ لأنها أقرب إليه، وإن شئت إلى الذهب، على مذهب من يؤنثه، والعرب تكتفي بأحد الشيئين عن الآخر للإيجاز والاختصار. قال الشاعر: رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئاً ومن أجل الطوى رماني ولم يقل: (بريئين) ، وكذا قول الآخر: نحن بما عندنا وأنت بما عنـ دك راضٍ والرأي مختلف

стр. 147

ومثله قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] ، وتقدير هذا عند سيبويه: أن الخبر الأول محذوف لدلالة الثاني عليه، كأنه قال: والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه، ثم حذف، وقال أبو العباس: هو على التقديم والتأخير، كأنه قال: والله أحق أن يرضوه ورسوله، وقد قيل: أنه اقتصر على أحدهما لأن رضا الرسول ﵇ رضا الله تعالى، فترك ذكره؛ لآنه دل عليه مع الإيجاز، وقيل: أنه لم يذكر تعظيماً له بإفراد الذكر. * * * قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] هذه الآية نزلت في قوم أيأس الله تعالى نبيه من إسلامهم، وروى الحسن وقتادة أن النبي ﵇ قال: لأزيدن على السبعين، فأنزل الله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] ، وكان النبي ﵇ يدعو لهم بالمغفرة رجاءً أن يكون لله تعالى بهم لطف فيستجيب له، فلما أيأيه كف عن ذلك. ويسأل عن صيغة الأمر في قوله: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ ؟ والجواب: أنه للمبالغة عن اليأس من المغفرة، وخص عدد السبعين للمبالغة، وذلك أن الغرب تبالغ بالسبعة والسبعين، ولهذا قيل للأسد سبعٌ؛ لأنهم تأولوا فيه لقوته أنه ضوعفت له سبع مرات. * * * قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: ١١٨] . هذا معطوف على وقله تعالى: ﴿لقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧] . ويسأل عن هؤلاء الثلاثة؟

стр. 148

والجواب: أنهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرار بن ربيعة، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وجابر: هؤلاء الثلاثة من الأنصار. ويسأل عن قوله: ﴿خُلِّفُوا﴾ عن ماذا خلفوا؟ والجواب: أن مجاهداً قال: خلفوا عن التوبة، وقال قتادة: خلفوا عن غزوة تبوك. والظن هاهنا بمعنى اليقين، ومثله قول دريد بن الصمة: قلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارسي المسرد ﴿ومن سورة يونس﴾ * * * قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ [يونس: ٢٧] . الكسب: اجتلاب النفع، والجزاء المكافأة، والسيئة: نقيض الحسنة. ويسأل عن ارتفاع ﴿جَزَاءُ﴾ ؟ وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون مبتدأ والخبر ﴿بِمِثْلِهَا﴾ على زيادة الباء، وهذا قول أبي الحسن؛ لأنه وجد في مكان آخر ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ، ويجوز أن تكون الباء متعلقة بخبر محذوف تقديره: وجزاء سيئة كائن بمثلها، ثم حذفت كما تقول: إنما أنا وأمري بيدك وما أشبه ذلك. والثاني: أن يكون فاعلاً بإضمار فعل تقديره: استقر لهم جزاء سيئة بمثلها ثم حذفت (استقر) فبقي (لهم جزاء سيئة بمثلها) ثم حذفت (لهم) لدلالة الكلام على أن

стр. 149

هذا مستقر لهم. ويجوز أن يكون ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَة﴾ مبتدأ والخبر محذوف تقديره: لهم جزاء سيئة بمثلها، وإن شئت قدرته: جزاء سيئة بمثلها كائن، وهذه إجازة أبي الفتح. * * * قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] . يسأل عن (البشرى في الحياة الدنيا) ما هي: وفيه أجوبة: أحدها: أنها بشرى الملائكة ﵈ للمؤمنين عند الموت. والثاني: الرؤيا الصالحة يراها الرجل، أو ترى له، وهذا في خبرس مرفوع، والأول قول قتادة والزهري والضحاك. والثالث: أن البشري القرآن. والرابع: أن المؤمن يفتح له باب إلى الجنة في قبره فيشاهد ما أعد له في الجنه قبل دخولها. * * * قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يونس: ٦٥] . العزة: القدرة. ويسأل عن صيغة النهي في قوله: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ﴾ ؟ والجواب: أن هذا تسلية للنبي ﷺ .

стр. 150

ويسأل: لمَ كسرت ﴿إِنَّ﴾ هاهنا؟ والجواب: أنها كسرت للاستئناف بالتذكير لما ينفي الحزن، ولا يجوز أن تكون كسرت لأنها وقعت بعد القول؛ لأنه يصير حكاية عنهم، وأن النبي ﵇ يحزن لذلك وهذا كفر. ويجوز فتحها على تقدير (اللام) كأنه قال: ولا يحزنك قولهم؛ لأن العزة لله جميعاً. وقد غلط القتبي في هذا وزعم أن فتحها يكون كفراً، وليس كما ظن، وسواء فتحت أو كسرت إذا كانت معمولة للقول إلا إذا تعلقت بغير القول، ولا خلل في القراءة، ومثل الفتح قول ذي الرمة: فما هجرت النفس يامي أ، ها قلتك ولكن قل منك نصيبها ولكنهم يا أملح الناس أولعوا بقول إذا ما جئت هذا حبيبها وقال القتبي عند ذكر هذه المسألة: إذا قلت هذا قاتل أخي - بالتنوين - دل على أنه لم يقتل، وإذا قلت هذا قاتل أخي - بحذف التنوين - دل على أنه قتل، وهذا غلط بإجماع من النحويين؛ لأن التنويت قد يحذف وأنت تريد الحال والاستقبال، قال الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] ، يريد: بالغاً الكعبة، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] ، أي: ستذوق. * * * قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] . يقال: أجمعت على الأمر، وأجمعت الأمر، أي: عزمت عليه. واختلف في انتصاب قوله: ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ .

стр. 151

فقال الفراء: هو نصب بإضمار فعل، كأنه قال: وادعوا شركاءكم، وقال: كذا هو في مصحف أبي. وقال غيره: أضمر ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ ؛ لأن (أجمعوا) يدل عليه. وروى الأصمعي: أنه سمع نافعاً يقرأ ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ ، فهذا يدل على هذا الإضمار. ويقال: أجمعت الأمر وجمعت الأمر وأجمعت عليه. وذهب المحققون من أصحابنا إلى أنه مفعول معه تقديره: مع شركائكم، كما أنشد سيبويه: فكونوا أنتم وبني أبيكم مكان الكليتين من الطحال ويدل على صحة هذا القول قراءة الحسن ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ فعطف على المضمر في (أجمعوا) ، وحسن العطف عليه؛ لأن الفصل قام مقام التوكيد. قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢] . اختلف في قوله: ﴿نُنَجِّيكَ﴾ . فقال ـكثر المفسرين: معنى ننجيك نخلصك ببدنك أي: بجسمك؛ لأنه لو سلط عليه دواب البحر فأكلته لادعى قومه أنه لم يمت، فالمعنى على هذا: نخرجك ببدنك بعد موتك. وقال أبو العباس المبرد: الناس يغلطون في هذا، إنما المعنى في ﴿نُنَجِّيكَ﴾

стр. 152

نلقيك بنجوةٍ من الأرض. والنجوة ما أرتفع من الأرض، قال الشاعر: فمن بنجوته كمن بعقوبه والمستكن كمن يمشي بقرواح وقوله: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ أي: بدرعك، والدرع يسمى بدناً. قال غيره: المعنى ببدنك دون روحك. * * * قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨] . القرية مأخوذ من قريت الماء إذا جمعته، والخزي: الهوان والوضع من القدر وأصله العيب. ويسأل عن ﴿فَلَوْلَا﴾ ؟ وفيها جوابان: أحدهما: أنها بمعنى (هلا) يكون تحضيضاً، نحو قول الشاعر: تعدون عقر النيب أفضل مجدكم بني ضوطري لولا الكمي المقنعا ويكون تأنيباً، نحو قولك: لولا امتنعت من الفساد، كما تقول: هلاَّ، والمعنى على هذا: هلا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس، والأصل: فلولا كان أهل قرية، فخذف.

стр. 153

والجواب الثاني: أن (اولا) بمعنى (ما) للنفي، وهذا قول ذكره ابن النحاس، ولم أسمع غيره، والتقدير على هذا: ما كانت قرية آمنت فنغعها إيمانها إلا قوم يونس. ويسأل عن هذا الاستثناء ما هو؟ والجواب: أنه استثناء منقطع في اللفظ؛ لأنه بعد ﴿قَرْيَةٌ﴾ ، متصل في المعنى إذ المعنى: فلولا كان أهل قرية. ويونس اسم أعجمي لا ينصرف للعجمة والتعريف، وليس من الأنس والاستئناس وإن وافق اللفظ اللفظ. * * * قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٠٤] . الشك: التوقف بين الحق والباطل، والدين هاهما: الملًّة. ومما يسأل عنه أن يقال: لم قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ وهم يعتقدون بطلان هذا الدين؟ وعن هذا ثلاثة أجوبة: أحدها: أن يكون التقدير: من كان شاكاً في أمري وهو مصمم على أمره فهذا حكمه. والثاني: أن يكون المعنى أنهم في حكم الشاك لاضطراب أنفسهم عند ورود الآيات. والثالث: أن يكون فيهم الشاك وغير الشاك، فجرى على التغليب. وهذه الأقوال كلها عن أصحاب المعاني. زيقال: لمَ جعل جواب ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ﴾ (لا أعبُدُ) ، وهو لا يعبد غير الله شكوا أو لم يشكوا؟ والجواب: أن المعنى لا تطمعوا أن تشككوني بشككم حتى أعبد غير الله كعبادتكم، كأنه قال: إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين يعبدون من دون الله بشككم.

стр. 154

﴿ومن سورة هود ﵇﴾ * * * قوله تعالى: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] معنى آوي: أنضم، والعصمة: المنع. ومما يسأل عنه أن يقال: لم دعاه إلى الركوب معه وقد نهى أن يركب معه كافر؟ والجواب: أن الحسن قال: كان منافقاً يظاهر بالإيمان، وقال غيره: دعاه على شريطة الإيمان. ويسأل عن قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ ؟ وفيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن يكون استثناء منقطعاً، كأنه قال: لكن من رحم معصوم. والثاني: أن يكون المعنى: لا عاصم إلا من رحمنا، كأنه في التقدير: لا عاصم إلا الله. والثال: أن يكون المعنى: لا عاصم إلا رحمة الله فنجاه، وهو نوح ﵇. وقيل (عاصم) هاهنا بمعنى معصوم، والتقدير على هذا: لا معصوم من أمر الله إلا من ﵀، و (فاعل) قد يأتي في معنى (مفعول) ، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ ، وقال الحطيئة: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي و (عاصم) مع (لا) بمنزلة اسم واحد مبني على الفتح لتضمنه معنى (من) ؛ لأن هذا جواب (هل من عاصم) وحق الجواب أن يكون وفق السؤال، فكان يجب أن يكون (لا

стр. 155

من عاصم) إلا أن (من) حذفت، وضمن الكلام معناها، فبني الأسم، وخبر (لا) (اليوم) ، والعامل في (اليوم) الخبر المحذوف، كأنه في التقدسر: لا عاصم كائن اليوم، ولا يجوز أن يعمل (عاصم) في (اليوم) لأنه يصير في صلته، ويبقى بلا خبر. * * * قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] يسأل عن قوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ ؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك، وكان ابنه لصلبه، عن ابن عباس وسعيد بن جبيروالضحاك، واحتجوا بقوله: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود: ٤٢] . وقدره بعضهم: ليس من أهل دينك. والثاني: أنه لم يكن ابنه لصلبه، ولكن كان ابن امراته، وروى عن الحسن ومجاهد أنهما قالا: كان لغير رشدةٍ. وقال أصحاب المعارف اسمه (يام) . وقرأ الكسائي ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ ، جعله فعلاً ماضياً، وقرأ الباقون ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَلِحٍ﴾ ، وفي هذه القراءة وجهان: أحدهما: أن يكون المعنى: أنه ذو عمل غير صالح: ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.

стр. 156

والثاني: أنه لما كثر منه ذلك أقام المصدر مقام اسم الفاعل، كما قالت الخنساء: ترتع ما رتعت حتى إذا ذكرت فإنما هي إقبال وإدبار ومن كلام العرب: إنما أنت أكلٌ وشرب. وقد روي عن ابن عباس ومجاهد وإبراهيم أن المعنى: إن سؤالك هذا عمل غير صالح، فعلى هذا الوجه لا يكون في الكلام حذف. * * * قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤] . يقال: أقلع السحاب إذا ارتفع، وغاض الماء إذا غاب الأرض، والجودي: جبل بناجية آمد. قال أمية: سبحانه ثم سبحاناً يعود له وقبلنا سبح الجودي والجمد ومعنى ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ وقع إهلاك قوم نوح. ونصب ﴿بُعْدًا﴾ على المصدر وفيه معنى الدعاء، ويجوز أن يكون من قول الله تعالى، ويجوز أن يكون من وقل المؤمنين. وقد جمعت هذه الآية من عجيب البلاغة أشياءً:

стр. 157

منها: أن الكلام خرج مخرج الأمر على حهة التعظيم لفاعله من نحو: كن فيكون، من غير معاناة ولا لغوب. ومنها: حسن تقابل المعاني. ومنها: حسن ائتلاف الألفاظ. ومنها: حسن البيان في تقدير الحال. ومنها: الإيجاز من غير إخلال. ومنها: تقبل الفهم على أتم الكمال. إلى غير ذلك من المعاني اللطيفة، وقد رأيت في معنى هذه الآية في نصف سفر من سفار التوارة، وأنت تراها هاهنا في غاية الإيجاز والاختصار والبيان؛ ويروى أن كفار قريش لما تعاطوا معارضة القرآن عكفوا على لباب البر ولحوم الضأن وسلاف الخمر أربعين يوماً؛ ليصفوا أذهانهم، وكانوا من فصحاء العرب، وأخذوا فيمات أرادوا، فلما سمعوا هذه الآية قال بعضهم لبعض: هذا كلام لا يشبه كلام المخلوقين وتركوا ما أخذوا فيه وافترقوا. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] . السلام في الكلام على أربعة أوجه: السلام التحية، والسلام اسم من أسماء الله ، ومنه قوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢٧] ، والسلام جمع سلامة مثل حمام وحمامة، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ﴾ ، أي: دار السلامة؛ لأن من صار إليها يسلم من آفات الدنيا وعذاب النار، والسلام ضرب من الشجر وهو من العضاه، سمي بذلك؛ لأنه لعظمه يسلم من العوارض الداخلة عليه. والحنيذ: المشوي، وهو (فعيلٌ) بمعنى (مَفْعُولٌ) أي: محَنُودٌ، كما يقال: طبيخ ومطبوخ.

стр. 158

قال العجاج: وهربا من حنذه أن يهرجا وقيل: حنيذ نضيج ومما يسأل عنه أن يقال: لم قدم إلى الملائكة الطعام وهو يعلم أنهم لا يأكلون؟ والجواب: أنهم لما أتوه في غير صورهم توهم أنهم أضياف، قال الحسن أتوه في صورة الآدميين فاستضافوه. ويسأل عن البشرى التي أتوا بها؟ والجواب: انها كانت بإسحاق، هـ١اقول الحسن، وقال غيره: كانت بهلاك قوم لوط. وفرأ حمزة والكسائي ﴿سلْمٌ﴾ ، وقرأ الباقون ﴿السَّلَامِ﴾ . وقيل في (سِلْم) أن معناه (الُسالَمةُ) . وقيل (سِلْمٌ) و (سَلامٌ) بمعنى، كما يقال: حل وحلال، وحرم وحرام، وإثم وآثام. قال الشاعر: وقغنا فقلنا: إيه سلم فسلمت كما اكتل بالبرق الغمام اللوائح ويسأل: لم نصب ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ ، ورفع ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾ ؟ والجواب: أن الأول على معنى: سلمنا سلاماً، كأنه دعاء له. والثاني على معنى: عليكم سلامٌ. إلا أنه خولف بينهما لئلا يتوهم الحكاية؛ ولأن المرفوع أبلغ؛ لأنه حاصل، والمنصوب مجتلب، الأول على هذا مصدر لفعل مضمر، والثاني مبتدأ وخبره محذوف،

стр. 159

وأجاز بعضهم أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: أمرنا سلامٌ. قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] . يسأل عن معنى ﴿فَضَحِكَت﴾ ؟ والجواب: أنها ضحكت سروراً بالسلامة. وجاء في التفسير: أنها كانت قائمةً بحيث ترى الملائكة. وقيل: كانت منوراء الستر تسمع كلامهم. وقيل: كانت قائمة تخذم الأضياف، وإبراهيم ﵇ جالس. وقيل: ضحكت تعجباً من حال الأضياف في امتناعهم من أكل الطعام. وقيل: ضحكت تعجباً من حال قوم لوط إذ أتاهم العذاب وهم في غفلة، وهذا قول قتادة. وقيل ضحكت تعجباً من أن يكون له ولد، وهي عجوز قد هرمت، وهذا قول وهب بن منبه. وقال مجاهد: ضحكت بمعنى حاضت، قال الفراء لم أسمعه من ثقة، ووجهه أنه على طريق الكناية. قال الكميت. فأضحكت السباع سيوف سعد لقتلى ما دفن ولا رؤينا و ﴿يَعْقُوبَ﴾ مرتفع بالاستئناف، وفيه معنى البشارة، وهو ولد إسحاق، بشرت

стр. 160

بنبي بين نبيين، وهو (إسحاق) أبوه نبي، وابنه نبي. فأما من قرأ "مِنْ وَرَاءَ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ"، فإنه نصب بإضمار فعل يدل عليه (بَشَّرنَا) كأنه قال: ومن وراء إسحاق وهبنا لها يعقوب. وأجاز بعضهم أن يكون معطوفاً على ﴿إِسْحَاقَ﴾ ، كأنه قال: فبشرناها بإسحاق ويعقوب من وراء إسحاق. قالوا: والوراء بمعنى الولد، والظاهر في الكلام أن بمعنى خلف. ومنع أكثر النحويين العطف هاهنا؛ لأنه لا يجوز العطف على عاملين مع تأخره عن حرف العطف، فلا يجوز: مررت بزيدٍ في الدار والبيت عمروٍ، وكذا إن قلت: مررت بزيدٍ في الداروفي الدار عمروٍ. وإنما لمْ يجز العطف عل عاملين؛ لأنه أضعف من العامل الذي قام مقامه، وهو لا يجرُّ ولا ينصب، أعنى حرف العطف. وأجازه الأخفش، وأنشد: سألت الفتى المكي ذا العلم ما الذي يحل من التقبيل في رمضان فقال لي المكي أما لزوجة فسبع وأما خلةٍ فثمانِ قرأ حمزة وابن عامر وحفص عن عاصم ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ ، نصباً على ما ذكرناه من إضمار فعل، أو على أنه في موضع جر، وهو مذهب الأخفش. وقرأ الباقون رفعاً على الابتداء ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ﴾ الخبر، ويجوز أن ترفعه

стр. 161

بالظرف الذي هو ﴿وَرَاءِ﴾ وهو قياس أبي بالحسن الأخفش. * * * قوله تعالى: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: ٧٢] . البعل: الزوج، وأصله القائم بالأمر، ومن هذا قيل للنخل بعلٌ، وهو الذي استغنى عن سقي الأنهار العيون بماء السماء؛ لأنه قائم بأمره في استغنائه عن تكلف السقي. وبعل اسم صنمٍ، ومنها قوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥] . والعجيب والعجاب بمعنى واحد، قال ابن إسحاق: كان لإبراهيم ﵇ حين بُشَّر بإسحاق ويعقوب مئة وعشرون سنة ولسارة تسعون سنة. ويسأل عن النصب في وله: ﴿شَيْخًا﴾ ؟ والجواب: أنه منصوب على الحال، والعامل فيه معنى التنبيه الذي في (ها) ، كأنه قال: انتبه وانظر. وإن شئت جعلت العامل فيه معنى الإشارة، أي: أشرتُ إليه شيخاً. وإن شئت أعملت فيه مجموعهما. وكذا ما جرى مجراه، تقول: هذا زيدٌ مقبلاً، ولا يجوز: مقبلاً هذا زيدٌ؛ لأن العامل غير متصرف، فإن قلت: ها مقبلاً ذا زيدٌ، وجعلت العامل معنى الإشارة لم يجُز، وإن جعلت العامل معنى التنبيه جاز. ويجوز الرفع في ﴿شَيْخًا﴾ من خمسة أوجه: أحدها: أن تجعل ﴿شَيْخًا﴾ بدلاً من ﴿بَعْلًا﴾ ، كأنك قلت: هذا شيخ. والثاني: أن يكون ﴿بَعْلًا﴾ بدلاً من ﴿هَذَا﴾ و (شيخٌ) خبر المبتدأ. والثالث: أن يكون (بعلي) و (شيخ) جميعاً خبراً عن (هذا) ، كما تقول: هذا حلوٌ

стр. 162

حامضٌ، أي: جمع الطعمين. والرابع: أن يكون (بعلي) عطفَ بيانٍ على هذا و (شيخ) خبر المبتدأ. والخامس: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنك قلت: هو شيخٌ. * * * قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّ بْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] . يقال: سرى وأسرى: سير الليل، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] فهذا من سرى، وقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] ، وقال امرؤ القيس. سريت بهم حتى تكل مطيهم وحتى الجياد ما يقدن بأرسان وقال النابغة: أرت عليه من الجوزاء سارية تزجي الشمال عليه جامد البرد فقال أسرت، وقال سارية أخذه من (سرى) فجمع بين اللغتين. و (القطْعُ) القطعة العظيمة تمضي من الليل. قال ابن عباس: طائفة من الليل. وقيل: نصف الليل، كأنه قطع نصفين. وقرأ ابن كثير ونافع ﴿فَاسْرِ﴾ من سريتُ، وقرأ الباقون ﴿فَأَسْرِ﴾ . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ بالرفع على البدل من ﴿أًحَدَُ﴾ ، كأنه قال:

стр. 163

ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك، وقرأ الباقون ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ بالنصب على الأصل في الاستثناء من أحد. شيئين من أحدٍ. شيئين: إما من الأهل، وإما من أحد، فالتقدير الأول: فاسر بأهلك إلا امرأتك فهذا استثناء من موجب، والتقدير الثاني: ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك، وهذا استثناء من منفي به. * * * قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] . الشقاء والشقاوة والشقوة بمعنى، والياء في شقي منقلبة عن واو. والزفير: ترديد الصوت من الحزن، وأصله: الشدة، من قولهم مزفور للشديد الخلق، وزفرت النار إذا سمع لها صوت من شدة توقدها. والشهيق: صوت فظيع يخرج من الجوف بمد النفس، ويقال: الزفير أول نهاق الحمار والشهيق آخره. والخلود: البقاء في أمد ما، والفرق بين الخلود والدوام: أن الدائم الباقي أبداً، والخالد الباقي في أمد ما، ولذلك يوصف القديم تعالى بأنه دائم ولا يوصف بأنه خالد. السعادة ضد الشقاوة. والجذُّ: القطع، قال النابغة: تجذ السلوقي المضاعف نسجه ويوقده بالصفاح نار الحباحب واختلف في تأويل هاتين الآيتين، وهما من أشد ما في القرآن إشكالاً، والكلام فيهما يأتي على ضربين: أحدهما: على معنى الاستثناء. والثاني: على معنى تحديد الخلود بدوام السموات والأرض.

стр. 164

قال ابن زيد بن أسلم: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] استثناء في الزيادة من العذاب لأهل النار، والزيادة من النعيم لأهل الجنة، وقد بينه بقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] ، و ﴿إِلَّا﴾ على هذا بمعنى (سوى) . قال قتاجة: الله أعلم بثنياه، ذكر لنا ناساً يصيبهم سفع من النار بذنوبهم، ثم يدخلهم الجنة برحمته، يسمون (الجهنميين) ، والاستثناء على هذا متصل من الموحدين الذين هم من أمة محمد ﷺ . العاصين، قال: وهم الذين أنفذ فيهم الوعيد ثم أخرجوا بالشفاعة و ﴿مَا﴾ على هذا القول بمعنى (منْ) كما قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الجمعة: ١] ، وكما تقول العرب إذا سمعت الرعد: سبحان ما سبحت له. قال الفراء والزجاج وغيرهما: هو استثناء من الزيادة في الخلود لأهل النار ولأهل الجنة، و ﴿إِلَّا﴾ بمعنى (سوى) ، حكى سيبويه: لو كان معنا رجل إلا زيد لهلكنا؛ أي: سوى. وقيل: المعنى إلا من شاء ربك أن يتجاوز عنه، وهو استثناء من الجنس، وهذا كقول قتادة. وقيل: إن ﴿مَا﴾ بمعنى (منْ) والاستثناء من الأعيان، والتقدير: إلا من شاء ربك أن يخرجه بتوحيده من النار ويدخله الجنة، وإلا من شاء ربك من أهل الجنة ممن يدخله النار بذنوبه وإصراره ثم يخرجه منها، وهو أيضاً كقول قتادة. وروي عن السُّدي أنه قال: الاستثناء لأهل الشقاء هو لأهل التوحيد الذين يدخلون النار فلا يدومون فيها مع أهلها بل يخرجون منها إلى الجنة، في أهل السعادة استثناء مما يقضي لأهل التوحيد المخرجين من النار، فالاستثناء لأهل الشقاء على هذا من الأعيان،

стр. 165

و (ما) بمعنى (منْ) ولأهل السعادة من الزمان، و (ما) على بابها، وقد روي مثل هذا عن الضحاك، وهو قريب من قول قتادة. وقال يحيي بن سلام البصري: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] . يعني ما سبقهم به الذين دخلوا قبلهم من الفريقين، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١] ، قال: والزمرة تدخل بعد الزمرة، فلابد أن يقع بينهما تفاوت في الدخول، والاستثناء على هذا من الزمان. وقال الفراء والزجاج وغيرهما: هو استثناء تستثنيه العرب وتفعله، كقولك: والله لأضربن زيداً إلا أن أرى غير ذلك، وأنت عازم على ضربه، والضمير عائد على المؤمنين والكافرين الذين تقدم ذكرهم. وفال المازني: هو استثناء من الزمان الذي هم فيه، في قبورهم إلى أن يبعثوا. وقال الزجاج أيضاً مثل هذا. وقال جماعة من المفسرين: الاستثناء واقع على مقامهم في المحشر والحساب؛ لأنهم حيئنذ ليسوا في جنة وى نار. زقال جماعة من أصحاب المعاني: هو استثناء واقع على الزيادة في الخلود على مقدار دوام السموات والأرض في الدنيا، ثم قال: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ من الزيادة في مدة الخلود على دوام السموات والأرض في الدنيا. قال أبو عبيدة: عزيمة المشيئة تقدمت بخلود الفريقين، فوقع الاستثناء، والعزيمة قد تقدمت بالحتم في الخلود، وهو كقول الفراء والزجاج في بعض ما روي عنهما.

стр. 166

وروى عن الزجاج أيضاً أنه استثناء يجوز أن يكون وقع على قوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ من أنواع العذاب التي لم تذكر. وفي أهل الجنة استثناء مما دل عليه الكلام، كأنه قال: لهم نعيم ما ذكر وما لم يذكر مما شاء الله. قال بعض الكوفيين: ﴿إِلَّا﴾ بمعنى (الواو) أي: خالدين فيها مادامت السموات والأرض وما شاء ربك من الزيادة على دوامهما في الدنيا. وقال بعضهم: هو استثناء في أهل الشقاء على تقدير: إلا ما شاء ربك من الوقت الذي يسعدهم فيه بدخول الجنة، وفي ا÷ل السعادة إلا ما شاء ربك من الوقت الذي أشقاهم فيه بدخول النار للزمان الذي يكونون فيه، وهو في الموضعين للموحدين العصاة. وقال جماعة: الاستثناء لأهل التوحيد، والمعنى: إلا ما شاء ربك أن يتجاوز عنهم، ولا يدخلهم النار، قال أبو مجلز: جزاؤه إن شاء تجاوز عنهم والاستثناء عنهم والاستثناء من الأعيان وهم العصاة من الموحدين، و (ما) بمعنى (منْ) ، وكان الحسن يقول: استثنى ثم عزم إن ربك فعال لما يريد، وأنه أراد أن يخلدهم بقوله: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] . وقال بعضهم المعنى: خالدين فيها بعد إعاجة السموات والأرض؛ لأنه تعالى يفنيهما حتى تكونا كما آخراً كما كانتا أولاً، ثم يعيدهما، فاستثنى ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ ، فوقع الاستثناء على موقفهم في الحساب حتى يفرغ منه. وقيل: الاستثاء واقع على الموقفين على النار من المؤمنين، فإذا أخرجوا من النار بالشفاعة، وأدخلوا الجنة سقط الاستثناء عنهم وعن أهل النار، وبقي كل فريق فيها بعد مخلداً أبد الآبدين، وهو كقول قتادة والضحاك. فهذه أقوال العلماء، وفيها تدخل إلا أني أوردتها على ما سمعتها من شيوخنا ﵃ وأما تجديد الخلود بدوام السموات والأرض فقال قتادة: مادامت السموات

стр. 167

والأرض مبدلتين. وقال عبد الرحمن بن زيد: مادامت السماء والأرض أرضاً: مادامت سموات أهل الآخرة وأرضهم، وقيل: العرب تستعمل دوام السموات والأرض في معنى الأبد؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن ذلك لا يتغير فخاطبهم الله تعالى على قدر عقولهم وما يعرفون. قال زهير: ألا لاَ أرى على الحوادث باقيا ولا خالداً إلا الجبال الرواسيا وإلا السماء والنجوم وربنا وأيامنا معدودة واللياليا لأنه توهم أن هذه الأشياء تخلد ولا تتغير. وقال عمرو بن معدي كرب: وكل أخٍ مفارقة أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان لأنه توهم أم الفرقدين لا يفترقان قال يحيي بن سلام: الجنة في السماء والنار في الأرض، وذلك ما لا انقطاع له. قال عمرو بن عبيد قال بعض أهل العلم: إنما عنى بقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [هود: ١٠٧] بعدكا يعيدهما، وذلك أنه يفنيهما، فكأنه قال: خالدين فيها بعد ما يعيد السموات والأرض.

стр. 168

وقال أحمد بن سالم: المعنى في أهل النار خالدين فيها ما دامت سموات أهل النار وأرضهم، وكذلك في أهل الجنة مادامت سمواتهم وأرضهم، قال: وسماء الجنة العرش والكرسي. وقد أشبعتُ القول على هاتين الآيتين في كتاب (مُتخيًّر الفريد) . وقرأ الكسائي وحمزة وحفص عم عاصم ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ [هود: ١٠٨] بضم السين، وقرأ الباقون ﴿سَعِدُوا﴾ بفتحها، وفي ضم السين بعد، ومجازة: أنه استعمل على حذف الزيادة وعلى هذا قالوا: (مسعُود) وإنما هو من أسعده الله، وقالوا (محبوب) وحقه أن يقال: (مُحَبُّ) . قال عنترة: ولقد نزلت فلا تظني غيره مني بمنزلة المحب المكرم وهذا وإن كان الأصل فمحبوب أكثر من الاستعمال، وزعم بعضهم: أن (سعد) يتعدى ولذلك بناه لما يسم فاعله؛ لأن اللازم لا يجوز رده إلى ما لم يسم فاعله. * * * قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [هود: ١١١] . قرأ ابن كثير ونافه ﴿وَإِنْ كُلًّا﴾ بالتخفيف على أنهما أعملا (أنْ) مخففة كعملها مثقلة، وقرأ ابن عامر بتشديد ﴿وَإِنَّ﴾ على الأصل، وكذلك إلا أنهما خففا الميم، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بتخفيف (إنْ) وتشديد الميم. وهذه اللام لام القسم دخلت على (ما) التي للتوكيد، زقيل: هي لام الابتداء

стр. 169

دخلت على معنى (ما) ، وحكى عن العرب: إني لبحمد الله لصالحٌ. فأما من شددها ففيها خمسة أوجه: أحدها: أن المعنى: لممها، فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت واحدة ووقع الإدغام، قال الشاعر: وإني لمما أصدر الأمر وجهه إذا هو أعيا بالسبيل مصادره والثاني: أنها بمعنى (إلا) كقول العرب: سألتك لما فعلت. والثالث: أنها مخففة شددت للتأكيد، وهو قول المازني. والرابع: أنها من (لممت الشيئ) إذا جمعته، إلا أنها بنيت على (فعْلى) قلم تصرف مثل تتْرى. والخامس: أن الزهري قرأ ﴿لمَّا﴾ بالتنوين بمعنى شديد، و (كلٌّ) معرفة؛ لأنها في نية الإضافة. ﴿من سورة يوسف ﵇﴾ * * * قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢] . يسأل عن قوله: ﴿قُرْآنًا﴾ بم انتصب؟ وفيه وجهان: أحدهما أنه بدل من الهاء في ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ ، كأنه قال: إنا أنزلنا قرآنا عربياً. والثاني: أنه توطئة للحال؛ لأن ﴿عَرَبِيًّا﴾ حال، وهذا كما تقول: مررت بزيدٍ رجلاً صالحاً، تنصب (صالحاً) على الحال، وتجعل (رجلاً) توطئةً للحال. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ، يعني: كي تعقلوا معاني القرآن؛ لأنه أنزل على

стр. 170

معاني كلام العرب. * * * قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣] . القصص والخبر سواء. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ قيل معناه: من الغافلين عن الحكم الذي في القرآن. وأجمع القراء على النصب في ﴿الْقُرْآنَ﴾ ؛ لأنه وصف لمعمول ﴿أَوْحَيْنَا﴾ وهو ﴿هَذَا﴾ ، أو بدل، أو عطف بيان. ويجوز الجر على البدل من (ما) . ويجوز الرفع على تقديره (هو) كأنه قال: بما أوحينا إليك هذا: قيل: ما هو؟ قال: القرآن، أي: هو القرآن. ولا يجوز أ، يقرأ بهذين الوجهين إلا أن يصح يهما رواية؛ لأن القرآن سنة. * * * قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] . قال الحسن الأحد عشر إخوته، والشمس والقمر أبواه. ويقال: لم أعيد ذكر ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ ؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنه أعيد للتوكيد لما طال الكلام.

стр. 171

والثاني: ليدل أنه رآهم ورأى سجودهم له. وقيل في معنى السجود هاهنا: أنه سجود التكرمة، وقيل سجود الخضوع. ويسأل عن العامل في ﴿إِذَ﴾ ؟ والجواب: أنه غعل مضمر، كأنه قال: اذكر إذ قال يوسف، وقال الزجاج: العامل فيه ﴿نَقُصُّ﴾ أي: نقصُّ عليك إذ قال يوسف، وهذا وهمٌ، لأن الله تعالى لم يقص على نبيه ﵇ هذا القصص وقت قول يوسف. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: لم قال: ﴿سَاجِدِينَ﴾ بالياء والنون، وهذا الجمع لمن يعقل، ولا يكون لما لا يعقل؟ والجواب: أنه لما أخبر عنهم بالسجود الذي لا يكون إلا لمن يعقل أجراهم مجرى من يعقل، كما قال: ﴿أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨] ، أمروا كما أمر من يعقل. وقرأ ابن عامر ﴿يَا أَبَتَ﴾ بالفتح، وقرأ الباقون بالكسر، ووقف ابن كثير ﴿يَا أَبَه﴾ بالهاء، ووقف الباقون على التاء. فوجه قراءة ابن عامر لأنه أراد (الألف) فحذفها واكتفى منها بالفتحة، وهذه الألف بدل من ياء. وأما الكسر فعلى أنه أراد الإضافة إلى النفس، فحذف الياء واكتفى منها بالكسر. وأجاز الفراء (يا أَبَتْ) والتاء عوض من ياء المتكلم المحذوفة.

стр. 172

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤] . الهَمُّ: مقاربة الشيء من غير دخول فيه. واختلف في معناه هاهنا. فقال بعضهم: هممت المرآة بالعزيمة على ذلك، وهمَّ يوسف لشدة المحبة من جهة الشهوة، وهو قول الحسن. وقال غيره: همَّا بالشهوة. وقال بعض المفسرين: هَّمت به أي عزمت، وهم بها أي: بضربها. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: ما البرهان الذي رآه؟ والجواب: أن ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير ومجاهداً قالوا: رأى صورة يعقوب ﵇ عاضاً على أنامله. وقال قتادة: نودي يا يوسف، أنت مكتوب في الأنبياء وتعمل عمل السفهاء، وروي عن ابن عباس أنه قال: رأى ملكاً. * * * قوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٢٦] . المراودة والإرادة من أصل واحد. واختلف في الشاهد: فقيل: كان صبياً في المهد، وهو قول ابن عباس، وأبي هريرة وسعيد بن جبير، وهو أحد من تكلم في المهد.

стр. 173

وقال ابن عباس مرة أخرى: كان رجلاً حكيماً، وكذلك قال عكرمة ومجاهد، وروي مثل ذلك عن سعيد بن جبير والحسن وقتادة، وروي عن مجاهد أيضاً أن الشاهد قد القميص. و ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ قُبُلٍ﴾ لابتداء الغاية، أي: كان القد من هنالك. و ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ للتبغيض. * * * قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥] . بدا: ظهر وفاعله مضمر، تقديره: ثم بداءٌ ليسجننه. ودل ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ عليه. * * * قوله تعالى: ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [يوسف: ٧٥] . الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، ومن كرمهم: (من أشبه أباه فما ظلم) ، أي: ما وضع الشبه في غير مكانه، ومن هذا يقال: سقاء مظلوم، إذا لم يرب، ومنه سمي النقص. ظلماً، قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] . ويسأل عن معنى قوله: ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٥] ؟ والجواب: أن معناه: جزاء من وجد في رحله أخذه رقاً فهو جزاؤه عندنا. كجزائه عندكم، وذلك أنه كان من عادتهم أن يسترقوا السارق، وهو قول الحسن ومعمر وابن إسحاق والسدي، فهذا تقدير المعنى. فأما الإعراب فيحتمل وجهين:

стр. 174

أحدهما: أن يكون المعنى: جزاؤه استرقاق من وجد في رحله، فهذا الجزاء جزاؤه، كما تقول: جزاء السارق القطع. والثاني: أن يكون المعنى: جزاؤه من وجد في رحله فالسارق جزاؤه، فيكون مبتدأ ثانياً والفاء جواب الجزاء والجملة خبر ﴿مَنْ﴾ . ويجوز في ﴿مَنْ﴾ وجهان: أحدهما: أن يكون خبراً بمعنى (الذي) ، كأنه قال: جزاؤه الذي وجد في رحله مسترقاً، وينصب (مسترقاً) على الحال. والثاني: أن يكون شرطاً، كأنه قال: جزاء السرق إن وجد في رحل رجلٍ منا فالموجود في رحله جزاؤه استرقاقاً. * * * قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ٧٧] . يسأل عن قوله تعالى: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ كيف نسبوا السرق إلى يوسف ﵇؟ والجواب: أن سعيد بن جبير وقتادة وابن جريح قالوا: سرق يوسف صنما كان لجده أبي أمه، فكسره وألقاه على الطريق. وقيل: أنه كان يسرق من طعام المائدة ويعطيه للمساكين. وقال ابن إسحاق: إن جدته خبأت في ثيابه (مِنْطٌَقَة) إسحاق لتملكه بالسرقة؛ محبة لمقامه عندها. ويسأل عن (الهاء) في قوله: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ ؟ والجواب: أنه أسر قوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ ، أي: ممن قلتم له هذا، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة. وأنَّث، لأنه أراد الكلمة.

стр. 175

وقال الحسن: لم يكونوا أنبياء في ذلك الوقت، وإنما أعطوا النبوة بعد ذلك. * * * قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] . العير: جماعة القافلة إذا كان فيها حمير، وقيل: إن قافلة الإبل سميت عيراً على التشبيه بذلك، والعير - بفتح العين - الحمار. والقريه هاهنا مِصْرٌ، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة. وكان الأصل: واسأل أهل القرية وأهل العير، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه للإيجاز؛ لأن المعنى مفهوم. وقيل: ليس في الكلام حذف؛ لأن يعقوب ﵇ نبي يجوز أن تخرق له العادة وتكلمه القرية والعير. * * * قوله تعالى: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] . الاستغفار: طلب المغفرة. ومما يسأل عنه أن يقال: لم أخر يعقوب ﵇ الدعاء لولده مع محبته إصلاح حالهم؟ وعن هذا أجوبة: أحدها: أنه أخرهم إلى السحر؛ لأنه أقرب إلى الإجابة، وهو قول ابن مسعود وإبراهيم التميمي وابن جريح وعمرو بن قيس. وقيل: أخرهم إلى يوم الجمعة، وهو قول ابن عباس رواه عن النبي ﷺ . وقيل: سألوه أن يستغفر لهم دائماً، فلذلك قال: ﴿سَوْفَ﴾ . وقيل: أخر ذلك لحنكته واجتماع رأية؛ لينبههم على عظيم ما فعلوه، ويردعهم، ألا ترى أن يوسف لحداثة سنه كيف لم يؤخر بل قال اليوم يغفر الله لكم.

стр. 176

قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: ١١٠] . الاستيئاس: استفعال من اليأس وهو انقطاع الطمع. والظن: قوة أحد النقيضين. قرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿كُذِبُواْ﴾ بالتخفيف، وقرأ الباقون ﴿كُذِبُوا﴾ ، وقرئ في الشواذ ﴿كُذِبُواْ﴾ . فمعنى قراءة من خفف: أن الأمم طنت أن الرسل كذبوهم فيما أخبروهم به من نصر الله لهم وإهلاك أعدائهم، وهو قول ابن عباس وابن مسعود وابن جبير ومجاهد وابن زيد والضحاك. وأما من شدد فالمعنى: أن الرسل أيقنوا أن الأمم قد كذبوهم تكذيباً عمَّهم حتى لا يفلح فيهم أحد، وهو قول الحسن وقتادة وعائشة. والظن على القول الأول بمعنى الشك، وعلى القول الثاني بمعنى اليقين. وأما من قرأ ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ فالضمير في ﴿ظَنُّوا﴾ عائد على الكفار وفي ﴿كُذِبُوا﴾ عائد على الرسل ﵈، وهو قول عائشة وهذه القراءة تروى عنها. ﴿ومن سورة الرعد﴾ * * * قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢] . والعَمَدُ والعُمُدُ جميعاً بمعنى، واحدها (عَمُود) ، إلا أن (عُمُداً) جمع (عَمُودٍ) و (عَمَداً) اسم للجمع، ومثله: أَديمٌ وأَدَمٌ، وإِهَابٍ وأَهَبٍ.

стр. 177

ويسأل عن قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ ؟ وعنه جوابان: أحدهما: أنها بغير عمد ونحن نراها كذلك، وهو قول قتادة وإياس بن معاوية. والثاني: أنها بعمد لا نراها، وهو قول ابن عباس ومجاهد. وأنكر بعض المعتزله هذا القول، قال: لأنه لو كان لهما عمد لكانت أجساماً غلاظاً، وكانت ترى والله إنما دل بهذا على وحدانيته من حيث لا يمكن أحد أن يقيم جسماً بغير عمد إلا هو فلذلك كان هذا التأويل خطأ. والجواب عن هذا أنه: إذا رفع السموات بعمد وتلك العمد لا ترى، فيه أعظم قدرة، كما لو كانت بغير عمد. وقال النابغة في العمد: وخيس الجن إني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمد * * * قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الرع د: ٥] . العَجَبُ والتًّعَجُب: هجوم ما لايعرف سببه على النفس. قرأ نافع والكسائي ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ على الإستفهام في الأول والخبر في الثاني، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم بالاستفهام في الموضعين جميعاً،

стр. 178

إلا أن حمزة وعاصماً يهمزان همزتين، وقرأ ابن عامر على الخبر في الأول والاستفهام في الثاني، وعنه في ذلك خلاف. ومما يسألعنه أن يقال: ما العامل في ﴿إِذَا﴾ ؟ والجواب أن العامل محذوف تقديره: أإذا كنا تراباً نبعث، ودل عليه ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ . فإن قيل: فهل يجوز أن يعمل فيه ﴿لخَلْقٍ﴾ أو ﴿لجَدِيدٍ﴾ ؟ قيل: لا يجوز ذلك؛ لأن اللام لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. فإن قيل: فهل يجوز أن يعمل فيها ﴿كُنَّا﴾ ؟ قيل: لا يجوز؛ لأنها مضافة إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. * * * قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَ هُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١] . المُعَقَّبَاتُ: المتناوبات، وقيل المعقبات هاهنا ملائكة الليل ملائكة تعقب ملائكة النهار، وهو قول الحسن وقتادة ومجاهد، وروي عن ابن عباس: أنها الولاة والأمراء، وقال الحسن: هي أربعةٌ من الملائكة يحتمعون عند صلاة الفجر، وصلاة العصر. ويسأل عن قوله: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ؟ وفيه جوابان: قال الحسن: يحفظونه بأمر الله، وهو قول قتادة أيضاً. وقال ابن عباس: الملائكة من أمر الله. وقال مجاهد وإبراهيم: يحفظونه من أمر الله من الجن والهوام.

стр. 179

وقيل المعنى: عن أمر الله، كما تقول: أطعمته عن جوع وكسوته عن عري. وأصجُّ هذه الأقوال أن يكون المعنى: له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن خلفه. واختلف في الضمير الذي في ﴿لَهُ﴾ : فقال بعضهم: يعود على ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ [الرعد: ١٠] . وقيل: يعود على اسم الله - جل ثناؤه - وهو عالم الغيب والشهادة. وقيل: على النبي ﷺ في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] . وهو قول عبد الرحمن بن زيد. * * * قوله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد: ١٣] . الرعد: ملكٌ يزجر السحاب، هذا قول ابن عباس. وقال علي بن عيسى: هو اصطكاك أجرام السحاب بقدرة الله سبحانه. والخِيفًةُ والخوف بمعنى واحد. والصواعق جمع صاعقة، وتميم: صاعقة. والجدال: الخصومة. والمحال: الأخذ بالعقاب هاهنا، يقال، ما حلته مما حلة، ومحالاً، ومحلت به محلاً، قال الأعشى:

стр. 180

فرع نبع يهتز في غصن المجرد غزير الندى شديد المحال وهذه الآية نزلت في رجل جاء إلى النبي ﷺ مجادلة، فقال: يا محمد، ممر ربك، أمن لؤلؤ أم ياقوت أم ذهب أم فضة؟ ، فأرسل الله عليه صاعقة ذهبت بقحفه، وهو قول بن مالك ومجاهد. وقيل: نزلت في أرْبد أخي لبيد بن ربيعة لما أراد هو وعامر بن الطفيل قتل النبي ﷺ فقال أربد لعامر: أنا أشغله بالحديث فاضربه أنت، فأقبل أربد يسأل النبي ﷺ ؛ ليشغله وهم عامر بضربه ﵇، فجفت يده على قائم السيف، فرجعا خائبين، وأصابت أربد في طريقه صاعقة فأحرقته، وأما عامر فابتلى بغدة كغدة البعير، فكان يقول: أغدة كغدة البعير، حتى قتلته، وقال لبيد يرثى اخاه أربد: أخشى على أربد الحتوف ولا أرهب نوء السماك والأسد فجعني البرق والصواعق بال فارس يوم الكريهة النجد وكان اسم أربد (قيساً) ولم يكن من أبي لبيدٍِ، وكان عامر قد قال للنبي ﷺ : إن جعلت لي نصف ثمار المدينة، وجعلت لي الأمر بعدك أسلمت، فقال النبي ﵇ (اللهم اكفني عامراً واهد بني عامر) ، فانصرف وهو يقول: والله لأملأنها عليك خيلاً جرداً ورجالاً مرداً، ولأربطن بكل نخلة فرساً. فأصابته غدة في طريقه ذلك، فكان يقول: أغدة كغدة البعير وموتاً في بيت سلولية. فصل: ويسأل عن معنى قوله: ﴿يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ ؟ ففيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه ملكٌ يسبح ويزجر السحاب بذلك التسبيح، وهو قول ابن عباس. والثاني: أنه يسبح بما فيه من الدلالة على تعظيم الله تعالى ووجوب حمده. والثالث: أنه يسبح بما فيه من الآية التي تدعو إلى تسبيح الله .
следующие страницы →