← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9066

النكت في القرآن الكريم

أبو الحسن المجاشعي

Полный текст (489 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فأعمل (وفًّي) ولو أعمل (قَضى) لقال: قضى كل ذي دين فوفاه غريمه، وهو كثير في الشعر والكلام وقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ . ارتفع ﴿امْرُؤٌ﴾ بإضمار فعل يفسره ما بعده تقديره: إن هلك امرؤ هلك، ولا يجوز إظهاره؛ لأن الثاني يغني عنه. وقال الأخفش هو مبتدأ و ﴿هَلَكَ﴾ خبره. والأول أولى؛ لأن الشرط بالفعل أولى. وقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] ، في ﴿أَنْ﴾ ثلاثة أقوال: أحدها: أن المعنى كراهة أن تضلوا، فهي على هذا في موضع نصب مفعول له. والثاني: أنه على إضمار حرف النفي، كأنه قال: أن لا تضلوا، وتلخيصه: لئلا تضلوا. والأول مذهب البصريين والثاني مذهب الكسائي. ومثل الأول قزله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ، أي: أهل القرية. ومثل الثاني قول القطامي يصف ناقته. رأيناه ما يرى البصراء فيها فالينا عليها أن تباعا يريد: أن لا تباعا، ومثل الأول قول عمرو بن كلثوم. فأعجلنا القرى أن تشتمونا

стр. 107

أي: كراهة أن تشتمونا. والثالث: قاله الأخفش وهو أن (أنْ) مع الفعل بتأويل المصدر، وموضع (أنْ) نصب بـ ﴿يُبَيِّنُ﴾ ، وتقديره: يبين الله لكم الضلال لتجتنبوه. ﴿من سورة المائدة﴾ * * * قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥] يسأل عن موضع "أخي" من الأعراب؟ وفيه أربعة أوجه: أحدها: الرفع على موضع ﴿إِنِّي﴾ . والثاني: العطف على المضمر في ﴿لَا أَمْلِكُ﴾ وحسن العطف عليه وإن كان غير مؤكد؛ لأن الحشو الذي هو ﴿إِلَّا نَفْسِي﴾ قام مقام التوكيد. والثالث: أن يكون موضعه نصبا بالعطف على الياء في ﴿إِنِّي﴾ . والرابع: أن يكون معطوفا على ﴿نَفْسِي﴾ . * * * قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦] . يسأل عن انتصاب ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ؟ وفيه جوابان: أحدهما: أن ينتصب بـ: ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾ ، وهو معنى قول الربيع، وهذا القول يجوز دخولها إياها. والثاني: أنه منتصب بـ: ﴿يَتِيهُونَ﴾ ، وهو معنى قول الحسن وقتادة؛ لأنهما ذكرا

стр. 108

أنه ما دخلها أحد منهم، وقيل إن يوشع بن نون وكالب بن يوقنا دخلاها. وجاء عن الربيع أن مقدار التيه كان مقدار ستة فراسخ، وقال مجاهد: كانوا يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا، وروي عن ابن عباس أن موسى ﵇ مات في التيه بخلاف عنه. وكان الحسن يقول لم يمت فيه. وكذا في دخول مدينة الجبارين خلاف عنه وعن ابن عباس أيضاً. * * * قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١] . يسأل عن معنى: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ ؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنهم دخلوا به على النبي ﷺ وخرجوا به إلى أحوالٍ أخر، كقولك: هو يتقلب في الكفر ويتصرف فيه. والثاني: [أنهم دخلوا به في أحوالهم، وخرجوا به إلى أحوال أخر] . و (قد) تدخل في الكلام على وجهين: إذا كانت في الماضي قرينة من الحال، وإذا كانت مع المستقبل دلت على التقليل. وموضع (الباء) من قوله: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ نصب على الحال؛ لأن المعنى: دخلوا كافرين وخرجوا كافرين؛ لأنه لا يريد أنهم دخلوا يحملون شيئأ، وهو كقولك: خرج بثيابه، خرج لابساً ثيابه، ومثله قول الشاعر:

стр. 109

ومستنة كأسنان الخرو ... ف قد قطع الحبل بالمرود أي: وفيه المرود، يعنى هذه صفته. * * * قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: ٦٩] . يسأل عن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم قول: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ ؟ وفيه جوابان: أحدهما: أن المعنى آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وهم المنافقون، وهذا قول الزجاج. والثاني: أن المعنى من دام على الإيمان والإخلاص، ولم يرتد عن الإسلام. ويسأل عن قوله: ﴿َالصَّابِئُونَ﴾ ؟ وفيه أجوبة: أحدها: أنه ارتفع لضعف عمل ﴿إِنَّ﴾ ، وهذا قول الكسائي، وقال أيضا يجوز أنه ارتفع؛ لأنه معطوف على المضمر في ﴿هَادُواْ﴾ ، كأنه قال: هادوا هم والصابئون. وفي هذا بعد؛ لأن الصابئي وهو الخارج عن كل دين عليه أمة عظيمة من الناس إلى ما عليه فرقة قليلة لا يشارك اليهودي في اليهودية، ومع ذلك فالعطف على المضمر المرفوع من غير توكيد قبيح، وإنما يأتي في ضرورة الشعر كما قال عمر بن أبي ربيعة: قلت إذ أقبلت وزهر تهادى كنعاج الملا تعسفن رملا والثاني: أنه عطف على (ما) لا يتبين معه فيه الإعراب مع ضعف (إن) ، وهذا قول الفراء.

стр. 110

والثالث: أنه على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون كذلك، وهذا قول سيبويه. وقال الشاعر: وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق وقوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٧١] . قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي "أن لا تكون فتنة"، وقرأ الباقون "ألا تكون" بالنصب. ولم يختلفوا في رفع ﴿فِتْنَةُُ﴾ ويجوز نصبها. فمن قرأ بالرفع جعل (أن) مخففة من الثقيلة، وأضمر الهاء، وجعل ﴿حَسِبُواْ﴾ بمعنى ﴿عَمُواْ﴾ ، وعلى هذا الوجه تثبت النون في الخط. أما النصب: فعلى أنه جعل (أن) الناصبة للفعل، ولم يجعل ﴿حَسِبُواْ﴾ بمعنى (العلم) وعلى هذا الوجه تسقط النون من الخط. وأما رفع ﴿فِتْنَةُ﴾ فعلى أن تكون ﴿تَكُونَ﴾ بمعنى الحضور والوقوع، فلا تحتاج إلى خبر. ويجوز أن تكون ناقصة، فتنصب ﴿فِتْنَةُ﴾ على الخبر، ويضمر الاسم. وأما قوله: ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ ، فيرتفع من ثلاثة أوجه.

стр. 111

أحدها: أن يكون بدلاً من الواو في ﴿صَمُّوا﴾ . والثاني: أي يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هم كثير منهم. والثالث: أن يكون على لغة من قال (أكلوني البراغيث) ، وعليه قول الشاعر: يلومونني في اشتراء النحيل أهلي فكلهم يعذل. وقال الفرزدق: ألفيتا عيناك عند القفا أولى فأولى لك ذا واقيه ويجوز في الكلام النصب على الحال من المضمر في ﴿صَمُّواْ﴾ ، إلا أنه لا يجوز أن يقرأ به إلا أن تثبت رواية بذلك. * * * قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥] . قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ قولان: أحدهما: وأنتم محرمون بالحج. وقيل: وأنتم قد دخلتم الحرم. وقرأ عاصم وحمزه والكسائي "فجزاء مثل ما قتل" بالرفع وترك الإضافة، وقرأ الباقون بالإضافة فمن قرأ "فجزاء مثل ما قتل" بالرفع، فجزاء: مبتدأ، ومثل ما قتل: الخبر، ويكون المعنى على هذا: أنه يلزمه أشبه الأشياء بالمقتول من النعم؛ من قتل نعامة

стр. 112

فعليه بدنة. وقد حكم بذلك النبي ﷺ عن الحسن: وإن قتل أروى فعليه بقرة، وإن قتل غزالاً أو أرنباً فعليه شاة، وهذا قول ابن عباس والسدي ومجاهد وعطاء والضحاك. وأما من قرأ بالإضافة فإن بعض النحويين أنكر عليه ذلك؛ لأنه من إضافة الشيء إلى نفسه. وليس كذلك؛ لأن (الجزاء) ها هنا مصدر، وهو غير (المثل) وإنما هو فعل المجازي. (ومثل) ها هنا بمعنى ذات الشيء كما تقول: مثلك لا يفعل كذا، وأنت تريد: أنت لا تفعل كذا، وكذلك (مثل) نحو قوله تعالى: ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] . إنما يريد كمن هو في الظلمات. وعلى هذا حمل محمد بن جرير قوله تعالى: "ليسَ كَمِثْلِهِ شَيء"، أي: ليس كذاته شيء. والواجب على القاتل على هذه القراءة أن يقوم الصيد بقيمة عادلة ثم يشترى بثمنه مثله من النعم يهدى إلى الكعبة. * * * قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] قال ابن عباس وأنس وأبو هريرة والحسن وطاووس وقتادة والسَّدي: نزلت في رجل يقال له (عبد الله) وكان يطعن في نسبه، فقال: يا رسول الله من أبي؟ فقال حُذافَة، وهو غير الذي ينسب إليه، فساءه ذلك، فنزلت هذه الآية. وقيل: نزلت لأنهم سألوا عن أمر الحج لما نزلت: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] ، فقالوا: أفي كل عام؟ قال: لا، ولو قلت نعم لوجبت. ويروى عن مجاهد وأبي أمامة وعباس وأبي هريرة بخلافٍ، ويذكر أن السؤال الأول والثاني كانا في مجلس واحد. فصل: ويسأل عن قوله: ﴿أَشْيَاءَ﴾ لمَ لمْ ينصرف؟ وفيه بين العلماء خلاف:

стр. 113

قال الخليل وسيبويه: أصله (شَيئانُ) على وزن (طَرفَاء) ، ثم قدمت الهمزة التي هي لام الفعل إلى موضع الفاء وأسكنت الشين، فقيل (أشياء) والهمزة في آخره للتأنيث فلم ينصرف لذلك. وقال الأخفش والفراء: أصله (أشيِئَاء) على وزن (أَفْعِلاء) ، ثم خفف وشبهاه بـ: (هين وأهوناء) و (صديق وأصدقاء) ، واختلفا في الواحد: فجعله أحدهما كهين وجعله الآخر كصديق. قال المازني: قلت للأخفش كيف تصغر (أشياء) ؟ ، فقال: أُشَيئِاءُ، فقلت خالفت أصلك، وإنما يجب أن تصغر الواحد ثم تجمعه بالألف والتاء، فانقطع. وقال الكسائي: هو (أًفْعَال) إلا أنه لم ينصرف؛ لأنهم شبهوه بحمراء؛ لأنهم يقولون: أشياوات كما يقولون حمراوات، فألزمه الزجاج أن لا ينصرف (أبناء) و (أسماء) ؛ لأنهم يقولون: أبناوات وأسماوات. وقال أبو حاتم هو أفعال كبيت وأبيات إلا أنه شذ فجاء غير مصروف. وقال محمد بن الحسن الزبيدي: توهمت العرب أن همزته للتأنيث فلم تصرفه. * * * قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ١١٢] . يسأل كيف معنى هذا السؤال؟ والجواب: أن فيه ثلاثة أقوال:

стр. 114

أحدها: أن المعنى: هل يقدر، وكان هذا في ابتداء أمرهم، قبل أن تستحكم معرفتهم بالله تعالى، وبما يجوز عليه من الصفات، ولذلك أنكر عليهم عيسى ﵇ بقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ . والثاني: أن المعنى: هل تفعل. والثالث: أن المعنى: هل يستجيب لك ربُّك. قال السُّدي: هل يطيعك ربك 'ن سالته؟ فهذا على أن (استطاع) بمعنى (أطاع) كما تقول: استجاب بمعنى أجاب، وأنشد الأخفش: وداع دعا: يا من يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب وإنما حكى سيبويه (أسطاع) في معنى (أطاع) بقطع الهمزة وزيادة السين. وقرأ الكسائي "هلى تستطيعُ ربَّكَ" بالتاء ونصب (ربًّك) والمعنى في هذه القراءة: هل تستدعي إجابة ربك، وأصله: هل تستدعي طاعته فيما تسألُ من هذا، وهذا قول الزجاج. وقيل معناه: هل تقدر أن تسأل ربك. وموضع (إذ) من الإعراب نصب، والعامل فيها (أوحيت) ويجوز أن يكون العامل: اذكر إذ قال الحواريون.

стр. 115

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦] . يسأل عن معنى سؤاله تعالى لعيسى ﵇؟ وفيه جوابان: أحدهما: التوبيخ لمن ادعى ذلك عليه، كما يقرر الرجل البرئ بحضرة المدعى عليه ليبكت المدعي بذلك، وهذا قول الزجاج. والثاني: أن الله تعالى أراد أن يعرفه أن قومه آلَ أمرهم إلى هذا الأأمر العجيب المنكر، وهذا على تأويل قول السُّدي: أنه قيل له في الدنيا. فصل: ويسأل: هل قيل له هذا في الدنيا، أو سيقال له؟ وفي هذا جوابان: أحدهما: أنه سيقال له يوم القيامة، وهو قول ابن جريح وقتادة والزجاج لقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] . والثاني: أنه قيل له ذلك حين رفعه الله تعالى إليه في الدنيا، وهو قول السُّدي؛ لأنه الفعل بلفظ الماضي، ولا ينكر أن يأتي الفعل الماضي ومعناه الاستقبال في مثل هذا، وقد جاء في القرآن منه مواضع كثيرة، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وقال: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] وقال: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] وقال: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٥٠] ، وهذا إنما يأتي لصدق المخبر فيما يخبر؛ لأنه يصير في الثبات والصحة بمنزلة ما قد وقع.

стр. 116

قال ابو النجم: ثم جزاه الله عنا إذ جزى جنات عدن في العلالي العلا يريد: إذا جزى. فصل: ويسأل عن قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] . قال الزجاج المعنى: تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك. قال غيره: تعلم حقيقتي ولا حقيقتك مشاهدة. وقيل: تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك التي هي نفسي، يعني التي تملكها، وحقيقة ذلك: تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي، إلا أنه ذكر النفس على مزاوجة الكلام؛ لأن ما تخفيه كأنه إخفاء في النفس. وموضع (إذ) نصب؛ لأنها معطوفة على (إذ) الأولى، فالعامل فيهما واحد، ويجوز أن يكون عطف جملة على جملة. والألف في ﴿أَنْتَ﴾ تسمى ألف التوبيخ، ويجوز فيها ثلاثة أوجه: التحقيق في الهمزتين، وتحقيق الأولى وتليين الثانية، وتحقيقهمات جميعاً وإدخال ألف بينهما، وقد شرحنا ذلك في سورة البقرة. * * * قوله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [ المائدة: ١١٧] . الرقيب: الحفيظ، هذا قول السُّدي وابن جريح وقتادة. والمراقبة: في الأصل المراعاة.

стр. 117

والشهيد هاهنا العليم وقيل: المُشاهد. ويسأل عن موضع (أنْ) من الإعراب؟ وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون موضعها جراً على البدل من المضمر في (به) . والثاني: أن يكون موضعها نصباً على البدل من (ما) . والثالث: أن لا يكون لها موضع من الإعراب، ولكن تكون مفسرة بمنزلة (أي) كالتي في قوله: ﴿أَنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦] . ويسأل عن الوجهين الأولين: كيف جاز أن توصل (أنْ) بفعل الأمر، ولم يجز أن يوصل (الذي) به؟. والجواب: أن (الذي) اسم ناقص يقتضي أن تكون منيبة عنه كإنابة الصفة للموصوف، وفعل الأمر لا يصح فيه هذا؛ لأنه إنما يتبين بما علمه عند المخاطب. فأما (أنْ) فحرف لا يجب فيه ذلك كما لا يجب أن يكون في صلته عائد. فصل: ويسأل عن قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ ؟ وفيه جوابان: أحدهمت: أنه أراد وفاة الرفع إلى السماء وهذا قول الحسن. وقال غيره: يعني وفاة الموت. والأولى أولى؛ لقول النبي ﷺ : "لينزُلنَّ ابن مريم حكماً عدلاً، فَلَيَقْتُلَنَّ الدَّجَّالَ". ونصب ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ﴾ ؛ لأنه خبر (كان) و (أنت) فصل، وقرأ الأعمش: "كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبُ" بالرفع.

стр. 118

جعل (أًنتَ) مبتدأ و (الرَّقيبُ) الخبر والجملة خبر (كان) ، ومثله قوله قيس بن ذريح: تبكي على لبني وأنت تركتها وكنت عليها بالملا أنت أقدر فإن تكن الدنيا بلبنى تغيرت فللدهر والدنيا بطون وأظهر ولا يدخل الفصل إلا بين معرفتين، أو بين معرفة ونكرة تقارب المعرفة، نحو: كنت أنت القائم، وكنت أنت خيراً منه. ﴿من سورة الأنعام﴾ * * * قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنهام: ٣] . يسأل عن العامل في الظرف من وقوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ ؟. وفي هذا جوابان: أحدهما: أن (في) متعلقة بما دل عليه اسم الله ؛ لأنه وقع موقع (المدبر) كأنه قال: وهو المدبر في السموات وفي الأرض. والجواب الثاني: أن تكون ﴿فِي﴾ متعلقة بمحذوف، كأنه قال: وهو الله مدبر في السموات وفي الأرض. وقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ معطوف على ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ . ويجوز فيه وجه آخر وهو أن يكون المعنى: وهو الله ملكه في السموات، وفي الأرض يعلم سركم وجهركم، أي: ويعلم سركم وجهركم في الأرض، ولا يجوز أن يتعلق بالاستقرار؛ لأن ذلك يؤدي إلى احتواء الأمكنة عليه والله تعالى لا تحتويه الأمكنة ولا الأزمنة.

стр. 119

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] . يقال كيف كذبوا مع علمهم بأن الكذب في الآخرة لا ينفعهم، وأن الله تعالى يعلم ذلك منهم؟. والجواب: أن للآخرة مواقف، فموقف لا يعلمون فيه ذلك، وموقف يعلمون فيه، وهو استقرارهم في النار، وقال الحسن: جروا على عادتهم في الدنيا لأنهم منافقون. ويجوز في (فتْنتُهُم) الرفع والنصب: فالرفع على أنه اسم (تكن) و ﴿أَنْ قَالُوا﴾ الخبر. والنصب على أن يكون خبراً ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ الاسم. وهو الوجه؛ لأمرين: أحدهما: أن الخبر أولى بالنفي، والاسم اولى بالإثبات. والثاني: أن قوله: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ . يشبه المضمر من قبل أنه لا يُوصف ولا يْوصف به، والمضمر أعرف المعارف، وإذا اجتمع في كان اسمان أحدهما أعرف من الآخر كان به الأعرف اسماً لها والآخر خبراً لها وكذا المعرفة والنكرة تكون المعرفة اسماً والنكرة خبراً، قال الشاعر: وقد علم الأقوام ما كان داءها بثهلان إلا الخزي ممن يقودها فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: لم أنث ﴿تَكُنْ﴾ والاسم مذكر؟

стр. 120

والجواب: لأنه وقع على مؤنث وهو (الفتنة) ، وهي أقرب إلى الفعل مثل قول لبيد: فمضى وقدمها وكانت عادة منه إذا هي عردت إقدامها قال الزجاج: يحوز أن يكون التقدير في قوله إلا أن قالوا: إلا مقالتهم، فتؤنث لذلك، وهذا وجه جيد صحيح. * * * قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧] . يقال: وقف يقف وقوفاً، ووقف غيره يقفه وقفاً، وحكى عن أبي عمرو أنه أجاز (ما أوقفك هاهنا) مع إخباره أنه لم يسمعه من العرب، وهو غير جائز عند علمائنا. ومما يسأل عنه أن يقال: لم جاز ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ و (لو) إنما هي للماضي؟ والجواب: لأن الخبر لصحته وصدق المخبر به صار بمنزلة ما وقع، وقد ذكرنا له نظائر. ويقال: (لو) فيها معنى الشرط فلمَ لمْ تجزم؟ قيل: لمخالفتهما حروف الشرط، وذلك أن حروف الشرط ترد الماضي مستقبلاً، نحو قولك: إن قمتَ قمتُ معك، كما تقول: إن تقم أقم معك، و (لو) لا تفعل ذلك الفعل، فلم تجزم لذلك. ويسأل عن جواب (لو) ؟ والجواب: أنه محذوف، وتاقديره: أرايت أمراً هائلاً، وهذه الأجوبة تحذف لتعظيم الأمر وتفخيمه، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ

стр. 121

الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: ٣١] . يريد: لكان هذا القرآن، مثله قول امرئ القيس: وجدك لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعا يريد: لو أتانا رسوله سواك لما جئنا. وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص وحمزة "ولا نُكذَّبَ ونكونَ" نصب فيهما جميعاً. وقرأ الباقون بالرفع. وفي النصب أوجه: أحدها: أن يكون على إضمار (أنْ) ، وهو الذي يسميه الكوفيون نصباً على الصرف، تقديره: وأن لا نكذب وأن يكون، وإنما احتجت إلى إضمار (أن) ليكون مع الفعل مصدراً، فتعطف مصدراً على مصدر، كأنه في التقدير: ياليتنا اجتمع لنا الرد وترك التكذيب مع الإيمان، ويجوز أ، يكونوا قالوه على الوجهين جميعاً، فاكذبوا على الوجه الأول. وأجاز الزجاج أن تكون (الواو) بمنزلة (الفاء) في الجواب، فيصير كقولك: لو رددنا لم نكذب بآيات ربنا ولكنا من المؤمنين فاكذبوا في هذا، وهو مذهب الكوفيين؛ لأن أكثر البصريين لا يجيز أن يكون الجواب إلا بالفاء. وأما الرفع فعلى القطع والاستئناف، أي: ونحن لا نكذب بآيات ربنا رددنا أو لم نرد. قال سيبويه: دعني ولا أعود، أي: وأنا لاأعود على كل حال تركتني أو لم تتركني،

стр. 122

ويدل عليه ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] ويجوز أن يكون على إضمار مبتدأ، أي: ونحن لا نكذب. * * * قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] . الدابة: كل ما دب من الحيوان. ومما يسأل عنه أن يقال: لم قال: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ وقد علم أن الطائر لا يطير إلا بجناحيه؟ والجواب: أن هذا إنما جاء للتوكيد ورفع اللبس؛ لأنه قد يقول القائل: طرفي حاجتي، أي: أسرع فيها، فجاء هذا التوكيد لإزالة اللبس، وهو كما تقول: مشى برجليه. ومعنى قوله: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ، أي: في الحاجة وشدة الفاقة إلى مدبر يدبرهم في أغذيتهم وكسبهم ونومهم ويقظتهم وما أشبه ذلك. ويسأل عن قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنه قد أتى فيه بكل ما يحتاج إليه العباد في أمور دينهم مجملاً ومفصلاً. والثاني: أنه ذكر فيه جميع الاحتجاجات على مخالفيه. * * * قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] يسأل: ما المشبه وماالمشبه به في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ ؟ وفيه جوابان: أحدهما: التفصيل الذي تقدم في صفة المهتدين وصفة الضالين شبه بتفصيل الدلائل

стр. 123

على الحق من الباطل في صفة غيرهم من كل مخالف للحق. والثاني: أن المعنى كما فصلنا ما تقدم من الآيات لكم نفصله لغيركم. وقرأ حمزة والكسائي وأبوبكر عن عاصم ﴿وَليَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ بالياء ورفع اللام، وقرأ نافع بالتاء ونصب اللام، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وحفص عن عاصم بالتاء ورفع اللام. فمن قرأ بالياء وضم اللام جعل (السًّبيل) فاعلاً وذكره وهي لغة بني تميم. ومن قرأ بالتاء ونصب اللام جعل المخاطب فاعلاً ونصب (السَّبيل) ؛ لأنه مفعول تقديره: ولتستبين أنت يا محمد سبيل المجرمين. ومن قرأ بالتاء ورفع اللام جعل (السَّبيل) فاعله وأنثها وهي لغة أهل الحجاز. وقد روي في في الشاذ. ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ﴾ بالياء وفتح اللام على تقدير: وليستبين السائل سبيل. * * * قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤] . الأصنام: جمع صنم، الصنم ما كان مصوراً، والوثن ما كان غير مصور. والآلهة: جمه إله، كإزارٍ وآزرة. وفي (آزر) ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أسم أب إبراهيم، وهو قول الحسن والسًّدي وسعيد بن جبير وابن إسحاق. والثاني: أنه اسم صنم، وهو قول مجاهد.

стр. 124

والثالث: أنه صفة عيب قال الفراء معناه: معوج عن الدين. وقيل: هو لقب له واسمه تارج. وهو في هذه الأقوال مجرور الموضع على البدل من (أبيه) ولا ينصرف؛ لأنه أعجمي معرفة. وأما على قول مجاهد فقال الزجاج: يكون منصوباً على إضمار فعل دل عليه الكلام، كأنه قال: أتتخذ آزر إلهاً أتتخذ أصناماً آلهة. وقرئ في الشواذ (آزر) ، وتقديره: وإذ قال لإبراهيم لأبيه يا آزر أتتخذ أصناماً آلهة. والعامل في (إذ) فعل مضمر تقديره (اذكر) . فوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٨] . البزوغ: البروز والطلوع، يقال: بزغ يبزغ بزوغاً. والأفول: الغيبوبة. ومما يسأل عنه أن يقال: ما في أفولها من الدلالة على أنه لا يجوز عبادتها، وقد عبدها كثير من الناس مع العلم بذلك؟ والجواب: أن الأفول بعد الطلوع تغير والتغير صفة نقص ودلالة على أن للمغير مدبراً يدبره، وأنه مسخر محدث، وما كان بهذه الصفة وجب أن لايعبد. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: لمَ لمْ يقل: هذي ربي: كما قال: ﴿بَازَغَةً﴾ ؟ والجواب: أن التقدير هذا النور الطالع ربي، ليكون الخبر والمخبر عنه جميعاً على

стр. 125

التذكير، كما كانا جميعاً على التأنيث في ﴿الشَّمْسَ بَازِغَةً﴾ ، هذا الذي قاله العلماء، وعندي أن قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً﴾ إخبار من الله تعالى، وقوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ من كلام إبراهيم ﵇. والشمس مؤنثة في كلام العرب فأما في كلام سواهم فيجوز أنها ليست كذلك، وإبراهيم ﵇ لم يكن عربياً فحكى لنا الله تعالى ما كان في لغته. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: لم أنث الشمس وذكر القمر؟ والجواب: أن تأنيثها تفخيم لها لكثرة ضيائها، وعلى حد قولهم: نسابة وعلامة، وليس القمر كذلك؛ لأنه دونها في الضياء. ويقالك لمَ دخل الألف واللام فيها وهي واحدة، ولم يدخل في زيد وعمرو؟ قيل: لأن شعاع الشمس يقع عليه أسم الشمس، فاحتج إلى التعريف إذا قصد إلى جرم الشمس أو إلى الشعاع، على طريق الجنس أو الواحد من الجنس، وليس زيد ونحوه كذلك. * * * قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] يقال لم أقسموا، وما الآية التي طلبوا؟ والجواب: أنهم أرادوا أن يتحكموا على النبي ﷺ . بأقسامهم، وسألوا أن يحول الصفا ذهباً. وقيل: سألوا ما ذكره الله تعالى في الآية الأخرى من وقله: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] ، الآيات.

стр. 126

ومعنى قوله: التنبيه على موضع الحجة عليهم في أنه ليس لهم مالا سبيل لهم إلى علمه، وقيل المخاطب بهذا المشركون، وهو قول مجاهد وابن زيد، وقيل المؤمنون، وهو قول الفراء وغيره. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿إِنَّهَا﴾ بالكسر، وقرأ عاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي بالفتح، قال ابن مجاهد وأحسب ابن عامر، وقرأ حمزة وابن عامر ﴿تؤْمِنُونَ﴾ بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. فوجه الكسر: أن (إن) جواب هاهنا؛ لأنه استئناف على القطع بأنهم لا يؤمنون، ولو فتحت وأعمل فيها (يُشْعُركُم) لكان عذراً لهم. وأما الفتح فعلى أن تكون (أن) بمعنى (لعل) حكى الخليل: إئت السوق أنَّك تشتري لنا شيئاً، وقال عدي بن زيد: أعاذل ما يدريك أن منيتي إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد والتقدير على هذا: لعلها إذا جاءت لا يؤمنون. وقال الفراء تكون (لا) صلة، نحو قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] ، كقوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] . وقال الأحفش، التقدير وما يشعركم بأنها إذا جاءت يؤمنون، فجعل (لا) زائدة، وجعل (أن) في موضع نصب على حذف حرف الجر.

стр. 127

قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٧] . يقال: لم جاز في صفة القديم تعالى (أعْلَم) مع أنه لا يخلو أن يكون (أعْلَم) بالمعنى ممن يعلمه أو ممن لا يعلمه وكلاهما لا يصح فيه (أَفْعَلَ) ؟ والجواب أن المعنى: هو أ'لم به ممن يعلمه، لأنه يعلمه من وجوه تخفى على غيره، وذلك أنه يعلم ما يكون منه وما كان وما هو كائن من وجوه لا تحصى. وأما موضع (منْ) من الإعراب: فقال بعض البصريين: موضعها نصب على حذف (الباء) حتى يكون مقابلاً لقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ . وقال الفراء والزجاج: موضعها رفع: لأنها بمعنى (أي) كقوله تعالى: ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: ١٢] . وهذه المسألة فيها خلاف، وسأشرحها في موضعها إن شاء الله. قال أبو علي. (من) في موضع نصب بفعل مضمر يدل عليه (أعلم) ، كأنه قال: إن ربك أعلم يعلم من يضل عن سبيله. وزعم قوم أن (أعلم) بمعنى (يعلم) ، وهذا فاسد ولا يجوز أ، يكون (من) في موضع جر بإضافة (أعلم) ؛ لأن (أفعل) لا يضاف إلا إلى ما هو بعضه، وليس ربنا تعالى بعض الضالين، ولا بعض المضلين فامتنع ذلك لذلك. * * * قوله تعالى: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨] . المثوى: موضع الثواء، والثواء الإقامة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٤٥] .

стр. 128

قال الأعشى: لقد كان في حول ثواء ثويته تقضي لبانات ويسام سائم والخلود: البقاء، يقال: خلد يخلد خلداً وخلوداً، والرجل حالد، والخالد اسم من أسماء الجنة، ويقال: أخلد الرجل إذا أبطأ عنه الشيب، وخلد أيضاً، كذلك أخلد إلى الأرض وخلد، ويقال: أصاب فلان خلد الأرض إذا وجد كنزاً. ومما يسأل عنه أي يقال: ما معنى الاستثناء في قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ؟ وللعلماء في ذلك عشرة أجوبة: أحدها: قاله ابن عباس وهو أ، هـ قال: لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله تعالى في خلقه بأن لهم جنة ولا ناراً، وهذا الاستثناء لأهل التوحيد دون أهل الكفر، وهو منقطع على هذا القول. والجواب الثاني: عنه أيضاً وهو أنه لأهل الإيمان، قال: الخلود البقاء فيها، ثم استثنى أهل التوحيد أنهم لا يخلدون فيها كما يخلد أهل الكفر، وإنما يخلدونها فيقمون فيها بقدر ذنوبهم ثم يخرجون. والجواب الثالث: وهو له أيضاً قال: قد جعل الله أمد هؤلاء القوم في مبلغ عذابهم إلى مشيئته، والاستثناء على هذا لأهل الكفر، وهو متصل. والجواب الرابع: للفراء وهو ان العزيمة قد تقدمت بالخلود وهو لا يشاء تركه. والجواب الخامس: لمحمد بن جرير وهو أنه استثنى الزمان الذي هو مدة قيامهم من قبورهم إلى أن يصلوا إلى المحشر؛ لأنهم حينئذ ليسوا في جنة ولا نار.

стр. 129

والجواب السادس: للزجاج قال: أوجب لهم النار بقوله ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ وقامهم في الحشر والوقوف للمحاسبة ليس هم في نار. وهو كالجواب الذي قبله. والجواب السابع: أنه على الزمان الذي هم فيه من قيام في المحشر إلى أن يدخلوا النار، وهو استثناء من الخلود فيها وهو متصل. والجواب الثامن: للزجاج أيضاً وجماعة معه قالوا: الاستثناء في الزيادة من العذاب لهم، أي: إلا ما شاء الله من الزيادة في عذابهم، والاستثناء على هذا القول منقطع، والنحويون مختلفون في تقديره بـ: (لكن) وكذلك جميع أصحابه، والفراء يقدره بـ: (سوى) وكذا من تابعه. والجواب التاسع: قاله بعض أصحاب المعاني وهو أن (ما) في الآية بمعنى (من) والاستثناء منقطع، والمعنى: إلا من شاء الله إخراجه من النار، يعني الموحدين الذين يخرجون بالشفاعة. وقيل: بل هو متصل و (ما) بمعنى (من) والتقدير: إلا ما شاء الله أن يعذبه بأصناف العذاب، يعني الكفَّار. والاستثناء في هذين الجوابين من الأعيان، وعلى ما تقدم قبلها من الأزمان. و (ما) قد تقع في معنى (من) قال الله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥] أي: من، وقال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] وكذلك: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١] وهو كثير، وحكى أبو زيد أن أهل الحجاز كانوا إذا يمعوا الرعد يقولون: سبحان ما سَبَّحتَ له.

стр. 130

والجواب العاشر: ذهب إليه بعض المتكلمين قال المعنى: إلا ما شاء الله من الفائت قبل ذلك من الاستحقاق، كأنه قال: خالدين فيها على مقدار مقادير الاستحقاق إلا ما شاء الله من الفائت قبل ذلك، والفائت من العقاب يجوز تركه بالعفو عنه، والاستثناء على هذا متصل. قال بعض شيوخنا: المعنى: إلا ما شاء الله من تجديد الجلود بعد إحراقها وتصريفهم في أنواع العذاب معها، أي: خالدين فيها على صفة واحدة إلا ما شاء الله من هذه الأحوال والأمور التي ذكرت، و (ما) على بابها على هذا القول. * * * قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٧] . الشركاء هاهنا الشياطين، زينوا للمشركين وأدَ البنات وهو دفنهن وهن في الحياة خوفاً من الفقر والعار، وهذا قول الحسن ومجاهد والسدي، وقيل: هم الغواة من الناس، وقيل: شركاؤهم في نعمتهم وأموالهم، وقيل: شركاؤهم في الاشراك والكفر وما يعتقدونه وينالون عنه، وقيل: هم قوه كانوا يخدمون الأوثان ويقومون بأمرها وإصلاح شأنها وما تحتاج إليه، وهذا قول الفراء والزجاج. وفذ هذه الآية أربع قراءات: قراءة الجماعة: ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ ،

стр. 131

ووجه هذه القراءة ظاهرة. إلا ابن عامر فإنه قرأ ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ ، بضم (الزاي) ونصب (الأولاد) وجر (الشركاء) ، فهذه الرواية المشهورة عنه. ورويت عنه رواية أخرى وهي جر (الأولاد) و (الشركاء) جميعاً، فهذه ثلاث قراءات. والقراءة الرابعة: ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ ، بضم (الزاي) ورفع (قتل) وجر (الأولاد) ورفع (الشُّركاء) وأظنها قراءة أبي عبد الرحمن السلمي. ووجه قراءة ابن عامر أنه فرق بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، كأنه قال: قتل شركائهم أولادهم، والشركاء في المعنى فاعلون، وهذا ضعيف في العربية، وإنما يجوز في ضرورة الشعر نحو قول الشاعر: فزججتها متمكنا زج القلوص أبي مزادة وأما القراءة الثانية: فوجهها أنه جعل (الشركاء) بدلاً من (الأولاد) لمشاركتهم إياهم في النسب والميراث، ويقال إن الذي حمله على هذه القراءة أنه وجد (شركائهم) في مصاحف أهل الشام بالياء. وأما القراءة الرابعة: وهي شاذة، فعلى أنه لما قال ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ﴾ قيل: من زينة؟ قيل: شركاؤهم، أي زينه شركاؤهم، ومثله قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٦-٣٧] على مذهب من قرأ ﴿يُسَبِّح﴾ على ما لم يسم فاعله. وأنشد سيبويه:

стр. 132

يبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح كأنه قال: ليبك يزيد، قيل: من يبكيه؟ قال: ضارع لخصومه. ﴿ومن سورة الأعراف﴾ * * * قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [الأعراف: ١١] . الخلق: التقدير، والتصوير: جعل الشيء على صورة من الصور، والصورة: بنية على هيئة ظاهرة. ومما يسأل عنه أن يقال: كيف جاء: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ ، والقول كان قبل خلقنا وتصويرنا؟ والحِجَاب: الحاجز المانع من الإدراك، ومنه قيل حاجب الأمير، وقيل للصرير (محجوب) . فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: من أصحاب الأعراف؟ وفي هذا أجوبة: أحدها: أنهم فضلاء المؤمنين، وهو قول الحسن ومجاهد. وقيل: هم الشهداء، وهم عدول الآخرة. وقيل: هم ملائكة يرون في صورة الرجال، وهو قول أبي مجلز. وقيل: هم قوم أبطأت بهم صغائرهم إلى آخر الناس، وهو قول حذيفة. وقيل: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، قوله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ قيل: هم أصحاب الأعراف، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة. وقيل: هم أهل الجنة قبل أن يدخلوها، وهو قول أبي مجلز.

стр. 133

وعن هذا ثلاثة أجوبة: الأول: أن المعنى خلقنا آباءكم، ثم صورنا آباءكم، وهذا يروى عن الحسن من كلام العرب: نحن فعلنا بكم كذا وكذا، وهم يعنون أسلافهم، وفي التنزيل: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: ٦٣] . أي: ميثاق أسلافكم الذين كانوا على زمن موسى ﵇. والثاني: أن المعنى خلقنا آدم ثم صورناكم فيى ظهره، وهو قول مجاهد. والثالث: أن الترتيب وقع في الإخبار؛ كأنه قال ثم إنَّا نخبركم أنَّا قلنا للملائكة؛ كما تقول: أنا راجل ثم أنا مسرع، وهذا قول جماعة من النحويين منهم: علي بن عيسى والسيرافي وغيرهما، وقال الأخفش: (ثم) هاهنا بمعنى (الواو) ، وأنكره الزجاج، وقال الشاعر: سألت ربيعة من خيرها أبا ثم أما فقالت لمه أي: ليجيب أولاً عن الأب ثم الأم. * * * قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ٤٦] . الآعراف: المواضع المرتفعة؛ أخذ من عرف الفرس، وكل مرتفع من الأرض عرف، قال الشماخ: فظلت بأعراف تعالى كأنها رماح نحاها وجهة الريح راكز

стр. 134

قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] واعدَ: فاعل من الوعد، وموسى: اسم أعجم لا ينصرف للتعريف والعجمة. قال السدي: أصله (موشا) فـ: (مو) : الماء، و (شا) : الشجر، قال: وذلك أن جواري امرأة فرعون وجدنه بين ماء وشجر، فسمى باسم المكان الذي وجد فيه. وقال غيره: معناه من الماء رفعتك. وجمع (موسى) (موسَون) في الرفع و (موسين) في الجر والنصب، تحذف الألف لالتقاء الساكنين، وتترك الفتحة تدل عليها، هذا مذهب البصريين، وقال الكوفيون: بقال في جمعه (موسون) مثل قولك قاضون. فأما موسى الحديد فيقال في جمعه: (مواسٍ) ، قال الشاعر: عذبوني بعذاب قلعوا جوهر راسي ثم زادوني عذاباً نزعوا عني طساس بالمدى قطع لحمي وبأطراف المواسي. وهي مؤنثة، قال الشاعر: فإن تكن الموسى جرت فوق بظرها فما ختنت إلا ومصان قاعد. واختلف في اشتقاقها: فقال البصريون: هي (مُفْعَل) من أحد شيئين إما من أوسيت الشعر إذا حلقته، أو من أسوت الشيء إذا أصلحته، فعلى القول الأول تكون الواو أصلية، والألف في آخره منقلبة عن ياء، وعلى القول الثاني تكون الواو منقلبة عن همزة، والألف منقلبة عن واو.

стр. 135

وقال الكوفيون: هي (فُعْلَى) من ماس يميسُ، فعلى هذا القول تكون الواو منقلبة عن ياء، لسكونها، وانضمام ما قبلها، والألف زائدة للتأنيث. والإتمام: التكميل، والميقات: الوقت. فصل: ومما يسأل عنه ان يقال: كيف كانت المواعدة هاهنا، والمواعدة إنما تكون من اثنين؟ وفي هذا جوابان: أحدهما: أن تكون (فَاعَل) قد يكون من واحد، نحو: عافاه الله، وعاقبت اللص، وطارقت النعل. فكذلك هاهنا. والجواب الثاني: أن القول كان من الله تعالى، والقبوبل من موسى فصارت مواعدة. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: لم قال: ﴿ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ ، ولم يقل: أربعين ليلة؟ وفي هذا أجوبة: قال مجاهد وابن جريح ومسروق كانت العدة ذا القعدة وعشر ذي الحجة. وقال غيرهم: واعدة ثلاثين ليلة يصوم فيها ويتقرب بالعبادة، ثم أتمت بعشر إلى وقت المناجاة. وقيل: واعدة ثلاثين ليلة، فلم يصمها موسى ﵇، فأمره الله نعالى بعشرٍ زيادة عليها؛ ليصوم فيها لتكون مناجاته بعقب صومٍ؛ لأن خلوف فم الصائم عند الله كرائحة المسك. ويقال: لمَ قال: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ ، وقد دل ما تقدم على هذه العدة؟

стр. 136

قيل: للبيان الذي يجوز معه توهم أتممنا الثلاثين بعشرٍ منها، كأنه كان عشرين ثم أتم بعشر فتم ثلاثين. * * * قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨] . الاتخاذ: افتعالُ من الأخذ، والجليُّ: ما كان للزينة من الذهب والفضة. وقيل: إن العجل عمل من الذهب والفضة. والعجل: ولد البقرة القريب العهد بالولادة، واشتقاقه من التعجيل لصغره. وهو (العِجُّول) أيضاً. والجسد: كالجسم، والخُوارُ: الصوت. ويقال: كيف خار العجل، وهو مصوغ من ذهب؟ وعن هذا أجوبة: قال الحسن: قبض السامري قبضة من تراب من أثر فرس جبريل ﵇ يوم قطع البحر، فقذف ذلك التراب في فيِ العجل، فتحول لحماً ودماً. وقال غيره: احتال السامري بإدخال الريح فيه حتى سمع له صوت كالخوار. وقيل: بل لما جمع الحليًّ أتى بها إلى هارون ﵇، فقال له: إني أريد أن أصنع بهذا الحليًّ ينتفع به بنو إسرائيل، فادع الله أن ييسره علىًّ، فدعا الله له، فأجرى الله تعالى في العجل ريحاً حتى خار. * * * قوله تعالى: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٧٧] . ساء: فعا ماض لا يتصرف إذا أريد به معنى (بئسَ) .

стр. 137

ونصب ﴿مَثَلًا﴾ ؛ لأنه تفسير للمضمر في ساء وبيان، وتقديره: ساء المثل مثلاً. وفي الكلام حذف آخر تقديره: ساء المثل مثلاً مثل القوم، ثم حذف المثل الأول لدلالة المنصوب عليه، وحذف الثاني وأقام المضاف إليه مقامه للإيجاز ولأن المعنى مفهوم. * * * قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف: ١٩٠] . الإيتاء: الإعطاء. وقرأ نافع وعاصم من طريق أبي بكر ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَا﴾ ، وقرأ الباقون ﴿شُرَكَاء﴾ ، وأنكر بعضهم القراءة الأولى، وقال لو كان (شِرْكاً) لقال: جعلا لغيره شِرْكاً؛ لأنه بمعنى (النصيب) . والجواب عن هذا أن الزجاج قال الممعنى: ذا شركٍ، كما قال: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] . وقيل: هو على التفحيش، أي: كان له شركاً، والشرك: مصدر، والشركاء: جمع شريك، ككريم وكرماء. ويسأل: إلى من يرجع الضمير في ﴿جَعَلَا﴾ ؟ وفيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه يرجع إلى النفس وزوجها من ولد آدم لا إلى آدم وحواء، وهو قول الحسن وقتادة. والثاني: أنه يرجع إلى الولد الصالح، بمعنى المعافاة في بدنه، فذلك صلاح في خلقه لا في دينه، وثنى؛ لأن حواء كانت تلد في كل بطن ذكراً وأنثى. والثالث: أنه يرجع إلى آدم وحواء، فإنهما جعلا له شريكاً في التسمية، وذلك أنهما

стр. 138

أقاما زماناً لا يولد لهما، فمر بهما الشيطان، ولم يعرفاه، فشكوا إليه، فقال لهما: إن أصلحت حالكما حتى يولد لكما أتسميانه باسمي؟ فقالا: نعم، وما اسمك؟ قال: الحارث، فولد لهما، فسمياه (عبد الحارث) . وهذا القول بعيد ولا يجوز مثل هذا على نبي من أنبياء الله تعالى، والقول الأول أوضح هذه الأقاويل. * * * قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] . الهمزة في قوله: ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ همزة تسوية كالذي في قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦] ، و (أَم) معادلة لها. ويسأل على من يعود الضمير في قوله: ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ ؟. وفيه جوابان: أحدهما: أنه يعود إلى قوم من المشركين قد صبؤوا بالكفر، وهو قول الحسن. والثاني: أنه يعود إلى الأصنام، وهو قول أهل المعاني. ويقال: لم قال: ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ ، ولم يقل: أم صمتم؟ والجواب: أنه أتى بذلك، لإفادة الماضي والحال؛ لأن المقابلة قد دلت على الماضي، واللفظ دل على معنى الحال، قال الشاعر: سواء عليك الفقر أم بت ليلة بأهل القباب من غير بني عامر فقابل الفعل الماضي بالاسم المبتدأ، كما قوبل في الآية المبتدأ بالفعل الماضي، وساغ هذا فيه لأنها جملة من مبتدأ وخبر قابلت جملة من الفعل والفاعل. ﴿ومن سورة الأنفال﴾ * * * قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال: ٥] .

стр. 139

يسأل عن الكاف هاهنا، ما شبه بها؟ وعن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها: أن المعنى: قل الأنفال لله والرسول مع مشقته عليهم؛ لأنه أصلح لهم كما خرجك ربك من بيتك بالحق مع كراهتهم؛ لأنه أصلح لهم. والثاني: أن المعنى: هذا الحق كما أخرجك ربك من بيتك بالحق. والثالث: أن المعنى: يجادلونك فل الحق متكرهين كما تكرهوا إخراجك من بيتك الحق. وهذ الأقوال كلها من عن أصحاب المعاني. وزعم بعضهم: أن (الكاف) بمعنى (الباء) ، أي: بما أخرجك ربك، وهذا لا يعرف. فصل: ويسأل: بما تتعلق (الكاف) ؟ والجواب: أنها تتعلق بما دل عليه: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] ؛ لأن في هذا معنى بنزعها من أيديها بالحق كما أخرجك ربك من بيتك. وجواب ثان: وهو أن يكون التقدير: يجادلونك في الحق كما كرهوا إخراجك في الحق؛ لأن فيه هذا المعنى وإن قدم ذكر الإخراج. وجواب ثالث: وهو أن يعمل فيه معنى الحق بتقدير: هذا الذكر الحق كما أخرجك ربم من بيتك بالحق. ويقال: لم جاز أن يكره المؤمنون ما أمر الله تعالى به من الإخراج؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنه تكره الطباع من طريق المشقة ألتي تلحق.

стр. 140

والثاني: أنهم كرهوا قبل أن يعلموا أن الله تعالى أمر به، أو أن النبي ﵇ عزم عليه، فلما علموا أرادوه. والقول الأول أبين، لقوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأنفال: ٦] . * * * قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمُ﴾ [الأنفال: ١٧] . يقال: بم قتلهم الله تعالى؟ والجواب: بإعانته للمؤمنين، وإلقاء الرعب في قلوب المشركين، وجاء في التفسير عن ابن عباس والسُّدي وعروة: أن النبي ﷺ قبض قبضة من التراب فرماها في وجوههم وقال: (شَاهَتِ الوجُوه) فبثها الله على أبصارهم حتى شغلهم بأنفسهم. ويقال: كبف جاز نفي الفعل عنه، وقد فعل؟ وفي هذا جوابان: أحدهما: أنه أثبته تعالى لنفسه لقوة السبب المؤدي إلى المسبب. والثاني: أنه أثبته النبي ﵇ بالاكتساب، ونفاه عنه؛ لأنه الفاعل في الحقيقة فأثبته لنفسه تعالى. * * * قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] . جاء في التفسير أن القائل هو: (النضر بن الحارث بن كلدة) ويروى ذلك عن سعيد بن جبير ومجاهد. وذلك أنه قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر

стр. 141

علينا حجارة من السماء أو إئتنا بعذاب أليم، وأهلكنا ومحمداً ومن معه. فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] أي: وفيهم قوم يستغفرون، يعني المسلمين، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] ، ثم قال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٤] خاصة ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] ، يعني المسلمين، فعذبهم الله بالسيف بعد خروج النبي ﵇ وفي ذلك نزلت: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١] ، وهذا معنى ابن عباس وقال مجاهد في قوله: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ علم الله أن في أصابهم من يستغفر. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: لم طلبوا العذاب من الله تعالى بالحق، وإنما يطلب بالحق الخير والثواب والأجر؟ والجواب: أنهم كانوا يعتقدون أن ما جاء النبي ﵇ بيس بحقٍ من الله، وإذا لم يكن كذلك لم يصبهم شيئ. ويقال: لم قال: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ ، والإمطار لا يكون إلا من السماء؟ وفي هذا جوابان: أحدهما: أنه يجوز أن يكون إمطار الحجارة من مكان عال دون السماء. والثاني: أنه على طريق البيان بـ (من) . وقرئ: ﴿وَإِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ﴾ بالنصب على أنه خبر كان، و (هو) فصل. وقرئ: ﴿إنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ﴾ بالرفع على أن (هو) مبتدأ، والحق خبره، والجمله

стр. 142

خبر كان، ومثل ذلك: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] ، وقرئ ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] و ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ على ما فسرنا. ﴿من سورة التوبة﴾ يقال: لمَ لمْ تستفتح (براءة) بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ؟ وفي هذا جوابان: أحدهمت: أنها ضمت إلى (الأنفال) بالمقاربة، فصارتا كسورة واحدة، إذ الأولى في ذكر العهود والثانية في رفع العهود، وهذا يروى عن أبي بن كعب، ويروى عن ابن عباس أنه قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم إلى (براءة) وهي من المئين وإلى (الأنفال) وهي من المثاني فجعلتموها في السبع الطوال، ولم تكتبوا بينهما ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ؟ فقال عثمان: كان النبي ﷺ تنزل عليه الآيات، فيدعو بعض من يكتب له، فيقول: (ضع هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا) وتنزل الآيات فيقول مثل ذلك، وكانت (الأنفال) من أول ما نزل من القرآن بالمدينة، وكانت (براءة) من آخر ما أنزل من القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننا أنها منها، فمن هنا وضعناها في السبع الطوال، ولم نكتب بينهمت سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . والجواب الثاني: أن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أمان، (وبراءة) نزلت برفع الأمان، وهذا قول أبي العباس، فلم تكتب في أولها، وروى ابن عباس ذلك عن علي ﵄.

стр. 143

ويسأل عن الرفع لـ (براءة) ؟ وفيه جوابان: أحدهما: إضمار المبتدأ أي: هذه براءة. والثاني: أن ترتفع بالابتداء، وإن كانت نكرة؛ لأنها موصوف، والخبر في قوله: (إلى الناس) . * * * قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣] الأذان: الإعلام، هذا قول ابن زيد. والحج الأكبر: الوقوف بعرفة، هذا قول عطاء ومجاهد. والحج الأصغر: العمرة. وأركان الحج: الإحرام بعد الإغتسال، ثم التلبية، ثم طواف القدوم ثم السعي بين الصفا والمروة، ثم المبيت بمنى، ثم الصلاة بمسجد إبراهيم ﵇، ثم الوقوف بعرفة، ثم المصير إلى مزدلفة والمبيت بها، ثم الوقوف بالمشعر الحرام، ثم المصير إلى جمرة العقبة ورميها، ثم حلق الرأس، ثم النحر، ثم طواف الزيارة، ثم الإحلال، ثم الرجوع إلى منىً والمقام بها ثلاثة أيام، ثم العمرة لمن شاءها. وقد قيل: يوم الحج الأكبر يوم النحر، يروى هذا عن النبي ﷺ وعن علي ﵁ وعن ابن عباس ﵁ وسعيد بن جبير وعبد الله بن أبي أوفى وإبراهيم.

стр. 144

واختلف عن مجاهد: فقال مرة بالقولين جميعاً، وقال مرة: أيامها كلها، ويروى مثل ذلك عن سفيان، وبالقول الأول أخذ أبو حنيفة، ويروى مثله عن ابن الزبير. فصل: ويسأل عن قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ، بم ارتفع؟ وفيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه معطوف على (براءة) ، وهو قول الفراء والزجاج. والجواب الثاني: أنه مبتدأ والخبر محذوف، أي: عليكم أذان من الله، وفيه معنى الأمر، وهذا قول علي بن عيسى. والثالث: أنه مبتدأ والخبر في قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ، على حذف الباء، كأنه قال: بأن الله. وعلى الوجهين الأولين يكون موضع (أن) نصباً على أنه مفعول له. وقرأت القراء ﴿وَرَسُولُهُ﴾ بالرفع، وقرأ عيسى بن عمر ﴿وَرَسُولَهُ﴾ . بالنصب، وقرأ بعض أهل البدو ﴿وَرَسُولِهِ﴾ بالجر. فأما الرفع فمن وجهين:

стр. 145

أحدهما: أن يكون معطوفاً على المضمر في (برئ) وحسن العطف عليه وإن كان غير مؤكد؛ لأن قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ قام مقام التوكيد. والثاني: أن يكون ميتدأ، والخبر محذوف تقديره: ورسوله برئ أيضاً، ثم حذف الخبر لدلالة خبر (أنَّ) عليه. وذكر سيبويه وجهاً ثالثاً: وهو أن يكون معطوفاً على موضع (أنَّ) ، وهذا وهم منه؛ لأن (أًنَّ) المفتوحة مع ما بعدها في تأويل المصدر، فقد تغيرت عن حكم المبتدأ وصارت في حكم (ليت) و (لعل) فكأن في إحداثها معنى يفارق المبتدأ، فكما لا يجوز العطف على مواضعهن فكذلك موضع (أنَّ) لا يجوز العطف عليه، وإنما يجوز العطف على موضع (إنَّ) المكسورة، كما قال الشاعر: فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب ولعل سيبويه توهم أنها مكسورة فحمل على موضعها، وقد قرئ في الشواذ ﴿إنَّ اللَّهِ﴾ بالكسر، ولعله تأول على هذه القراءة. فأما النصب: فعلى العطف على اللفظ، ومثله قول الراجز: إن الربيع الجون والخريفا يدا أبي العباس والصيوفا وأما الجر: فحمله قوم على القسم، وهي قراءة بعيدة شاذة. * * * قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] . يسأل عن موضع ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ﴾ من الإعراب؟ وفيه جوابان:
следующие страницы →