← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9066

النكت في القرآن الكريم

أبو الحسن المجاشعي

Полный текст (489 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقال بعضهم: خصت بعدد السبعة؛ لأن السبعة أصل للمبالغة في العدة؛ لأن جلائل الأمور سبعة. وأما من يقول هي واو الثمانية، ويستدل بذلك على أن للجنة ثمانية أبواب، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١] ، فشيء لا يعرفه النحويون، وإنما هو من قول بعض المفسرين. ولو حذفت هذه الواو لكان جائزاً؛ لأن الضمير في قوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ﴾ يربط الجملتين، وذلك نحو قولك: رأيت زيدا وأبوه قائم، ولو قلت: رأيت زيدا أبوه قائم لكان جائزا وتقول: رأيت زيدا وعمرو قائم، فلا يجوز حذف الواو؛ لا ضمير هاهنا يربط الجملتين. ولو دخلت الواو في قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] لكان جائزا عند النحويين. * * * قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥] . اختلف العلماء في هذا. فقال قوم: هذا إخبار من الله تعالى بمقدار لبثهم، ثم قال لنبيه ﷺ : إن حاجك المشركون فيهم قل: الله أعلم بما لبثوا، هذا قول مجاهد والضحاك وعبيد بن عمير. وقال قتادة: هو حكاية عن قول اليهود؛ لأجل قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦] ، فكأنه في التقدير: سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقولون كذا وكذا، ويقولون ولبثوا في كهفهم، وقد ذكرنا عن ابن عباس أنه قال: أنا من ذلك القليل الذي استثناه الله تعالى. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: كيف جاء قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ ، وإنما يقال: ثلاثمائة سنة؟

стр. 212

وعن هذا جوابان: أحدهما: أن التقدير: ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة، على المستعمل، إلا أنه وضع الجميع موضع الواحد على الأصل؛ لأن الأصل أن تكون الإضافة إلى الجميع. قال الشاعر: ثلاث مئين قد مضين كواملا وها أناذا قد أبتغي من أربع فجاء به على الأصل. والثاني: أن العرب تستغني عن الواحد بالجمع، وعن الجمع بالواحد، فمما استغنى فيه عن الواحد بالجمع قولهم: قدر أعشار، وثوب أخلاق، ومما استغنوا فيه بالواحد عن الجمع قوله: بها جيف الحسري فأما عظامها فبيض وأما جلدها فصليب وقال آخر: كلوا في بعض بطنكم تعفوا فإن زمانكم زمن خميص وقال الله تعالى في الاستغناء بالجمع عن الواحد: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ [هود: ١٤] ، الخطاب: للنبي ﷺ ثم قال للكفار: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤] ، يدل على ذلك قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤] ، ومما جاء من قوله تعالى على الاستغناء بالواحد عن الجمع قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥] ، وهو كثير.

стр. 213

وهذا كله على قراءة حمزة والكسائي، فأما الباقون فإنهم نونوا ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ﴾ . وفي نصب ﴿سِنِينَ﴾ قولان: أحدهما: أنه بدل من ثلاثمائة. والثاني: أنه تمييز، كما تقول: عندي عشرة أرطال زيتا، قال الربيع بن ضبع الفزاري: إذا عاش الفتى مئتين عاما فقد ذهب المسرة والفتاء وزعم بعضهم: أنه على التقديم والتأخير، تقديره: ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة وازدادوا تسع سنين. * * * قوله تعالى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨] الأصل: لكن أنا هو الله ربي، فألقيت حركة الهمزة على النون فصار: (لكننا) فأسكنت النون الأولى كراهة لاجتماع المثلين، ثم أدغمت في الثانية فصار: لكنا هو الله ربي؛ ويجوز فيها خمسة أوجه: أحدها: لكن هو الله ربي؛ لأن ألف (أنا) محذوف في الوصل، قال الشاعر: وترمينني بالطرف أي أنت مذنب وتقلينني لكن إياك لا أقلي والثاني: لكنا هو الله ربي، وهذان الوجهان قرئ بهما.

стр. 214

والثالث: لكننا هو الله ربي، بطرح الهمزة وإظهار التنوين. والرابع: لكن هو الله ربي، بالتخفيف. والخامس: لكن أنا هو الله ربي، على الأصل. * * * قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣] . قال المفسرون: شغل قلبي بوسوسته حتى نسيت الحوت. ويسأل عن موضع (أن) ؟ والجواب: أن موضعها نصب على البدل من الهاء، كأنه في التقدير: وما أنساني أن أذكره إلا الشيطان. * * * قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] . يقال: سفينة وسفائن سفن وسفين. واختلف في المساكين والفقراء: فذهب بعضهم إلى أنهما بمعنى، وليس كذلك؛ لأن الله تعالى فرق بينهما في آية الصدقة فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] . وفرق بينهما أكثر أهل العلم، واختلفوا في أيهما أشد حاجة: فذهب جمهور الفقهاء إلى أن المسكين الذين له بلغة، واحتجوا بهذه الآية؛ لأن الله تعالى جعل لهم سفينة. وذهب جمهور أهل اللغة إلى أن المسكين الذي لا شيء له، وأن الفقير هو الذي له بلغة وأنشدوا: أما الفقير الذي كانت حلو بته وفق العيال فلم يترك له سبد

стр. 215

واختلف في (وراء) : فقال قوم: هو نقيض قدام. وقال قتادة: هو بمعنى أمام، ومثله: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠] ، وهو محتمل؛ لأنه من المواراة، قال الشاعر: أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي وقومي تميم والفلاة ورائيا أي: أمامى. * * * قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] . قال أصحاب المعاني: المعنى: قل لو كان البحر مداداً لكتابة معاني كلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي، فحذف لأن المعنى مفهوم، والنفاد: الفراغ. ومما يسأل عنه أن يقال: الكلمات لأقل العدد، وأقل العدد العشرة فما دونها، فكيف جاء هاهنا أقل العدد؟ والجواب: أن العرب تستغني بالجمع القليل عن الكثير، وبالكثير عن القليل، قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧] ، وغرف الجنة أكثر من أن تحصى، وقال: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ [آل عمران: ١٦٣] ، وقال حسان: لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما وكان أبو علي الفارسي ينكر الحكاية التي تروى عن النابغة، وأنه قال له: قللت جفناتكم وأسيافكم، فقال: لا يصح هذا عن النابغة.

стр. 216

﴿ومن سورة مريم﴾ ﵍ * * * قوله تعالى: ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم: ٢] . قد فسرنا قواتح السور فيما تقدم. ومما يسأل عنه هاهنا أن يقال: بم ارتفع ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ﴾ ؟ وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هو ذكر. والثاني: أن يكون مبتدأ والخبر محذوف تقديره: فيما يتلى عليك ذكر رحمة ربك. ونصب ﴿عَبْدَهُ﴾ برحمة. * * * قوله تعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦] . قال أبو صالح: يرثني النبوة، وقال الحسن ومجاهد: يرثني العلم والنبوة، وقال السدي: يرث نبوته ونبوة آل يعقوب. ويجوز في ﴿يَرِثُنِي﴾ الرفع والجزم، فالرفع على النعت لولي، وهي قراءة السبعة إلا أبا عمرو والكسائي فإنهما قرآ بالجزم، والجزم على أنه جواب الدعاء. * * * قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥]

стр. 217

السري: الجدول في قول البراء بن عازب، وقال ابن عباس ومجاهد وابن جبير: هو النهر، وقال الضحاك وقتادة وإبراهيم: هو النهر الصغير، وقال الحسن وابن زيد، السري: النهر معروف في كلام العرب. قال لبيد: قتوسطا عرض السري وتصدعا مسجورة متجاورا قلامها فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: لم أمرت بهز الجذع، والله قادر أن يسقط عليها الرطب من غير هز منها؟ والجواب: أن الله تعالى جعل معائش الدنيا بتصرف أهلها وتطلبهم لها. ويسأل: بم انتصب ﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾ ؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنه مفعول لـ: ﴿هُزِّي﴾ ، أي: هزي جنياً يتسلقط عليك، هذا قول المبرد. وقال غيره: هو نصب على التمييز، والعامل فيه ﴿تُسَاقِطْ﴾ . وقرأ أبن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ﴿تُسَاقِطْ﴾ بالتاء، ورد الضمير إلى النخلة، والباء في قوله: ﴿بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ زائدة. وقرأ حمزة ﴿تُسَاقِطُ﴾ أراد: تتساقط، فحذف التاء الثانية لأنها كراهة لاجتماع التائين.

стр. 218

وقرأ حفص عن عاصم ﴿تُسَاقِط﴾ بضم التاء وكسر القاف مخففة السين، جعله مثل: يطارق النعل، ويعاقب اللص. قرئفي غير السبعة ﴿تَسَاقِط﴾ على أن الضمير للجذع. وقرأ نافع والكسائي وحمزة وعاصم فر راوية حفص ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا﴾ وقرأ ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ الباقون بفتح الميم على معنى (الذي) . واختلف فيمن ناداها: فقال ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي: ناداها جبريل ﵇. وقال مجاهد ووهب بن منبه وسعيد بن جبير وابن زيد: ناداها عيسى. فعلى التأويل الأول يكون (تحت) بمعنى المحاذاة، والمعنى: فناداها جبريل من البستان الذي تحتها؛ لأنه يقال: داري تحت دارك، بمعنى: محاذية لها. وعلى التأويل الثاني يكون المعنى: فناداها من تحت ثيابها. وكل الوجهين محتمل. * * * قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] . الفري: العمل العجيب، قال الراجز: قد أطعمنني ذقلاً حوليا مسوسا مدوداً حجريا قد كنت تفرين به الفريا وقال قتادة وكعب وابن زيد والمغيرة بن شعبة يرفعه إلى النبي ﷺ : هارون رجل صالح في بني إسرائيل ينسب إليه من عرف بالصلاح.

стр. 219

وقيل: هو هارون أخو موسى، نسبت إليه، لأنها من ولده، كما يقال: يا أخا بني فلان، وهو قول السدي. وقيل: كان رجلاً فاسقا معلنا بالفسق فنسبت إليه. قال الكلبي: هارون أخوها من أبيها. ومعنى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٦] قالت كلموه. فصل: ومما يسأل عنته أن يقال: لم قال: ﴿بَغْيًا﴾ وهو صفة مؤنث؟ والجواب: أن ما كان على (فعول) فوصف به النمؤنث كان بعير (هاء) ، نحو/ امرأة شكور وصبور، إذا كان بمعنى (فاعل) ، فإن كان بمعنى (مفعول) ثبتت فيه (الهاء) نحو: حلوبة وقتوبة. والأصل في (بَغْيًا) : بغوي، فاجتمعت الواو والياء وسبقت الأولى بالسكون فوجب القلب والإدغام، وكسرت الغين لتصبح الياء ساكنة. فصل: ويسأل عن قوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] ، بم نصب ﴿صَبِيًّا﴾ ؟ والجواب: أ، هـ منصوب على الحال، و ﴿كَانَ﴾ بمعنى الحدوث، وهي العاملة في الحال، ومثل كان هاهنا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] أي: حضر ووقع. ومثله قول الربيع: إذا كان الشتاء فأدفئوني فإن الشيخ يهدمه الشتاء

стр. 220

ويجوز أن تكون زائدة، نحو قول الشاعر: جياد بني أبي بكر تسامى على كان المسومة العراب والعامل في الحال على هذا الوجه ﴿نُكَلِّمُ﴾ . * * * قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] . يسأل: كيف جاز ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ ، وليس في الجنة ليل ولا شمس ولا قمر؟ والجواب: أن العرب خوطبت على قدر ما تعرف، فذكر البكرة والعشي ليدل على المقدار، وكانت العرب تكره (الوجبة) وهي أكلة واحدة، وتستحب الغداء والعشاء، فأعلمهم الله تعالى: أن لهم في الجنة مثل ما كانوا يحبون في الدنيا. * * * قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] هذه الآية نزلت في العاص بن وائل السهمي، وذلك أن خباب بن الأرت صاحب رسول الله ﷺ كان قيناً بمكة يعمل السيوف فباع من العاص سيوفاً، فأعملها له حتى إذا صار له عليه مال جاء يتقاضاه، فقال له: يا خباب، أليس يزعم محمد هذا الذي أنت على دينه، أن في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب أو فضة أو ثياب أو خدم؟ قال خباب: بلى، قال: فأنظرني إلى يوم القيامة حتى أرجع إلى تلك الدار، فأقضيك هنالك حقك، فوالله لا تكون أنت ولا اصحابك يا خباب آثر عند الله مني وأعظم حظاً، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ إلى آخر الآية. قرأ حمزة والكسائي ﴿وَلَدًا﴾ بضم الواو وإسكان اللام، وقرأ الباقون بفتح الواو، فأما الفتح فهي اللغة المشهورة، وأما الضم وإسكان اللام، فيجوز فيه وجهان:

стр. 221

أحدهما: أن يكون (وُلْد) و (وَلَد) بمعنى، كما يقال: رُشْدٌ ورَشَدٌ، وعُدْمٌ وعَدَمٌ، قال الشاعر: فليت فلانا كان في بطن أمه وليت فلاناً كان ولد حمار وقال الحارث بن حلزة: ولقد رأيت معاشراً قد أثمروا مالاً وولداً وقال رؤبة: الحمد لله العزيز فرداً لم يتخذ من ولد شيء ولدا والثاني: أن يكون الولد جمع الولد، كقولهم: أُسْدٌ وأًسَدٌ، ووُثْنٌ ووَثَنٌ، وهي لغة قريش. ﴿ومن سورة طه﴾ * * * قوله تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ٢] . اختلف في معنى: ﴿طه﴾ . فقيل: هو اسم للسورة، وقيل: هو اختصار من كلان يعلمه النبي ﷺ ، وقيل: هو بالسريانية ومعناه: يا رجلاً وهو قول ابن عباس ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير. ويجوز في (طه) أربعة أوجه: أحدها: (طَهَ) بفتح الطاء والهاء والتفخيم. والثاني: (طِهِ) بإمالتها جميعاً. والثالث: (طاهي) بتفخيم الأول وإمالة الثاني. والرابع: (طهْ) بتسكين الهاء، وفيه وجهان:

стр. 222

أحدهما: أن يكون المعنى (طأ) ثم أبدل من الهمزة هاء، كما يقال: هرقت الماء، وهنرت الثوب وهرحت الدابة، في معنى: أرقت وأثرت وأرحت. والثاني: أن يكون على تخفيف الهمز كأنه (طَ يا رجل) كما تقول: رَ يا رجل، ثم أدخلت الهاء للوقف. وقد قرئ بهذه الوجوه كلها: فالوجه الأول: قراءة ابن كثير وابن عامر ونافع في إحدى الروايتين. والثاني: قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر وعباس عن أبي عمرو. والثالث: عن أبي عمرو، وروي عن نافع بين الإمالة والتفخيم في إحدى الروايتين. ويروى أن النبي ﷺ كان يرفع رجله في الصلاة، فأنزل الله تعالى عليه (طَهَ) أي: طء الأرض برجلك، فهذا يقوي إسكان الهاء. * * * قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٢٩-٣٤] . الأرز: الظهر، يقال: آزرني فلان على كذا، أي: كان لي ظهراً، ومنه المئزر لأنه يشد على الظهر. قرأ ابن عامر ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ بقطع الألف ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ بضم الألف، وقرأ الباقون بوصل الألف الأولى وفتح الثانية، فمن قرأ ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ بقطع الألف ﴿وَأَشْرِكْهُ﴾ بضم الألف، فالألف ألف المتكلم، وجزم؛ لأنه جواب الدعاء الذي هو ﴿وَاجْعَلْ لِي﴾ ، ومن وصل الألف وفتح الثانية جعله بدلاً من قوله: ﴿وَاجْعَل لِي﴾ ويسأل

стр. 223

عن قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي﴾ ، أين مفعول ﴿وَاجْعَل﴾ ؟ وفي هذا جوابان: أحدهما: أن يكون الكلام على التقديم والتأخير، حتى كأنه قال: واجعل لي من أهلي هارون أخي وزيراً، فـ ﴿هَارُونَ﴾ مفعول أول، و ﴿وَزِيرًا﴾ مفعول ثان. وإن شئت جعلت ﴿وَزِيرًا﴾ مفولاً أولاً، و ﴿لِي﴾ مفعولاُ ثانياً، وهذا الوجه الثاني. ويجوز في هارون وجهان: أحدهما: أن يكون نصباً بإضمار فعل، كأنه قال: أعني هارون أخي، أو: استوزر لي هارون أخي؛ لأن ﴿وَزِيرًا﴾ يدل عليه. والثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه لما قال: واجعل لي وزيراً من أهلي، قيل له، من هذا الوزير؟ قال: هارون أخي، فهذا وجه في الرفع، إلا أن القراءة بالنصب، فإن رفع رافع من القراء فهذه وجه. ويجوز في النصب أن تضمر (أريد) كأنه قيل له: من تريد؟ قال: أريد هارون أخي. ويسأل عن قوله: ﴿نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٤] ؟ وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون نعتاً لمصدر محذوف، كأنه في التقدير: نسبحك تسبيحاً كثيراً ونذكرك ذكراً كثيراً. والوجه الثاني: أن يكون نعتاً لظرف محذوف تقديره، نسبحك وقتاً كثيراً، ونذكرك وقتاً كثيراً. * * * قوله تعالى: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٨-٥٩] . قوله: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ قال السُّدي وقتادة: عدل، وقال ابن زيد: مستوٍ.

стр. 224

وقرأ ابن عامر وحمزة وعاصم ﴿سُوًى﴾ بضم السين، وقرأ الباقون بكسرها، والضم أكثر وأفصح؛ لأن (فُعَل) في الصفات أكثر من (فِعَل) وذلك نحو: حطم ولبد، فهذا أكثر من باب عدى، وقد قرئ ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ و ﴿طُوًى﴾ ، والضم أفصح لما ذكرناه، ومثل ذلك: ثِنى وثُنى وعِدى وعُدى. قال أبو عبيدة: السوى النصف والوسط، قال الشاعر: وإن أبانا كان حل ببلدة سوى بين قيس عيلان والغزر و ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ : يوم عيد لهم، كذا قال السُّدي وابن إسحاق وقتادة وابن جريح وابن زيد. وقيل يوم الزينة: يوم سوق لهم يتزينون فيه، وهو قول الفراء. ويسأل عن قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ كيف رفع ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ ، وجعله الموعد، وإنما الموعد مصدر؟ وفي هذا وجهان: أحدهما: أن يكون على الحذف، كأنه في التقدير: يوم موعدكم يوم الزينة ثم حذف على حد قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ، وإن شئت قدرته، قال موعدكم يوم الزينة، ذم حذفت على ما قدمناه، ومثله قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] ، تقديره: مواقيت الحج أشهر معلومات، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ، أي: مدة حمله وفصاله ثلاثون شهراً. والثاني: أن تجعل (موعد) ظرف زمان، فتخبر بالظرف عن الظرف، وهذا كقولهم:

стр. 225

أتت الناقة على مضربها، أي: على زمان ضرابها، ومثله قولك: كان ذلك مغار ابن همام، وإمارة الحجاج، وخلافة عبد الملك، ومقتل الحسين وما أشبه ذلك. ويقال: جئته خفوق النجم وطلوع الشمس، فجعلوه هذه المصادر ظروفاً. وقد قرأ الحسن ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ بالنصب، وهو أيضاً على حذف، كأنه في التقدير: محل موعدكم كائن يوم الزينة، أو واقع؛ لأنه لم يعدهم في يوم الزينة، ولكنه وعدهم الاجتماع معه في يوم الزينة. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩] في موضع رفع على تقدير: موعدكم يوم الزينة. ويوم حشر الناس ضحى، وتكون (أن مع الفعل) مصدراً، ثم حذفت (يوماً) لدلالة ما تقدم عليه. ويجوز أن يكون في موضع جر، تعطفه على (الزينة) حتى كأنه في التقدير: موعدكم يوم الزينة ويوم حشر الناس ضحى. * * * قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه: ٦٣] . قال مجاهد: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ بأولى العقل والضرف والأنساب، وقال أبو صالح: بسراة الناس، وقال قتادة: ببنبي إسرائيل، وكانوا أولي عدد ويسار، وقال ابن زيد: طريقتكم التي أنتم عليها في السيرة. وقرأ ابن كثير ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ بتشديد النون من ﴿هَذَانِ﴾ وتخفيف ﴿إِنْ﴾ وقرأ عاصم من طريقة حفص ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ بتخفيف النون وتخفيف ﴿إِنْ﴾ ، وقرأ أبو عمرو بتشديد ﴿إِنَّ﴾ ونصب ﴿هَذَينِ﴾ ، وقرأ الباقون ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ بتشديد ﴿إِنَّ﴾

стр. 226

ورفع ﴿هَذَين﴾ . فوجه قراءة ابن كثير: أنه جعل ﴿إِنَّ﴾ مخففة من الثقيلة، وأضمر فيها أسمها، ورفع ما بعدها على الابتداء والخبر، وجعل الجملة خبر (إن) ، هذا قول البصريين، وفيه نظر؛ لأن (اللام) لا تدخل على خبر المبتدأ إلا في ضرورة شعر، نحو قوله: أم الجليس لعجوز شهربه ترضى من اللحم بعظم الرقبه وقال الكوفيون: (إنْ) بمعنى (ما) و (اللام) بمعنى (إلاَّ) ، والتقدير: ما هذان إلا ساحران، وهذا قول جيد، إلا أن البصريين ينكرون مجئ (اللام) بمعنى (إلاَّ) . والقول على قراءة عاصم من طريق حفص كالقول على قراءة ابن كثير. فأما تشديد النون في قراءة ابن كثير ففيها وجهان: أحدهما: أن يكون تشديدها عوضاً من ألف (هذا) التي سقطت من أجل حرف التثنية. والثاني: أن يكون للفرق بين النون التي تدخل على المبهم والتي تدخل على التمكين، وذلك أن هذه النون إنما هي وجدت مشددة مع المبهم. وقد قيل: إنما شددت للفرق بين النون التي لا تسقط في الإضافة، والنون التي تسقط في الإضافة. وأما قراءة أبي عمرو: فوجهها بين: لأن (إنَّ) تنصب الاسم وترفع الخبر، إلا

стр. 227

أنها مخالفة للمصحف، وقد قرأ بذلك عيسى بن عمر، واحتجا بأنه غلط من الكاتب، وقد روي مثل ذلك عن عائشة ﵂، رواه أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائسة، وكان عاصم الجحدري يقرأ كذلك، فإذا كتب كتب ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ ، واحتجوا له بقول عثمان ﵁: (أرى في المصحف لحناً ستقيمه العرب بألسنتها) ، وهذان الخبران لا يصححهما أهل النظر، ولعل أبا عمرو وعيسى بن عمر وعاصماً والجحدري ما قرؤوا إلا ما أخذوه عن الثقات من السلف. وأما قراءة الجماعة: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ فذهب قوم إلى أن (إنَّ) بمنزلة (نعم) ، وأنشدوا: ولا أقيم بدار الهون إن ولا آتى إلى الغدر أخشى دونه الخمجا وأنشدوا أيضاً: بكر العواذل في الصبو ح يلمنني وألومهنه ويغلن شيب قد علا ك وقد كبرت فقلت إنه وهذا القول لا يصح عندنا لأمرين: أحدهما: أنها إذا كانت بمعنى (نعم) ارتفع ما بعدها بالابتداء والخبر، وقد تقدم أن (اللام) لا تدخل على خبر مبتدأ جاء على أصله. والثاني: أن أبا علي الفارسي قال: ما قبل (إنَّ) لا يقتضي أن يكون جوابه (نعم) ؛ لأن إن جعلته جواباً لقوله: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [طه: ٦٢] قالوا: نعم هذان لساحران كان محالاً أيضاً.

стр. 228

وقيل: الهاء مضمرة بعد (إنَّ) ، وفيه أيضاً نظر من أجل دخول اللام في الخبر ولأن إضمار الهاء بعد (إنَّ) المشددة إنما يأتي في ضرورة الشعر، نحو قوله: إن من يدخل الكنيسة يوماً يلق فيها جاذراً وظباء وقيل: لما كانت (إنَّ) مشبهة بالفغل، وليست بأصل في العمل ألغيت هاهنا، كما تلغي إذا خففت، وهذ قول علي بن عيسى الرماني، وهو غير صحيح؛ لأنها لم تلغ مشددة في غير هذا الموضع، وأيضاً فإنها قد أ'ملت مخففة نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [هود: ١١١] . في قراءة من قرأ كذلك؛ لأنها إنما عملت لشبهها بالفعل كما ذكره والفعل قد يعمل وهو محذوف، نحو: لم يك زيد قائما، ولم يخش عبد الله أحداً وما أشبه بذلك، وقد أعمل اسم الفاعل والمصدر لشبهها بالفعل، ولا يجوز إلغاؤهما، وأيضاً فإن (اللام) تمنع من هذا التأويل؛ لأن (إنْ) إذا ألغيت ارتفع ما بعدها بالابتداء و (اللام) لا تدخل على خبر المبتدأ كما قدمناه. وقيل: ﴿هَذَانِ﴾ في موضع نصب إلا أنه ملني لأنه حمل على الواحد والجمع وهما مبنيان، نحو: هذا وهؤلاء، وهذا أيضاً غير صحيح؛ لأنه لا يعرف في غير هذا المكان؛ لأن التثنية لا تختلف ولا تأتي إلا على طريقة واحدة، والواحد والجمع يختلفان، فجاز فيهما البناء ولم يجز في التثنية؛ لأن فيها دليل الإعراب وهو (الألف) ومحال أن تكون الكلمة مبنيه معربه في حال. وقيل: هذه الألف ليست بالأف تثنيه، وإنما هي ألف (هذا) زيدت عليها النون، وهذا قول الفراء، وهو أيضاً غير صحيح؛ لأنه لا تكون تثنية لا علم للتثنية فيها، فإن قيل: النون علم التثنية، قيل: النون لا يصح على التثنية لأنها لم تأت في غير هذا

стр. 229

الموضع كذلك، ألا ترى أنها تسقط في نحو قولك؛ غلاماُ زيد، فلو كانت علم التثنية لم يجز حذفها، وإنما النون في قولك (هذان) عوض من الألف المحذوفة هذا قول السيرافي، وقال أبو الفتح: هذه النون دخلت في المبهم لشبهه بالتمكن وذلك لأنه يوصف ويوصف به ويصغر، فأشبه المتمكن من هذه الطريقة، ألا ترى أن المضمر لما بعد من المتمكن لم يوصف ولو يوصف به ولم يصغر. وقال الزجاج: في الكلام حذف، والتقدير: أنه هذان لهما ساحران، فحذف (الهاء) فصار: إن هذان لهما ساحران، ثم حذف المبتدأ الذي هو (هما) فاتصلت اللام بقوله: ﴿لَسَاحِرَانِ﴾ فصار: إن هذان لساحران، فـ ﴿لَسَاحِرَانِ﴾ على هذا القول خبر مبتدأ محذوف وذلك المبتدأ مع هبره عن ﴿هَذَانِ﴾ و ﴿هَذَانِ﴾ مع خبره خبر (إنًّ) ، وقد ذكرنا ما في حذف (الهاء) من القبح، وأنه من ضرورة الشعر، وأما ما ذكره من إضمار المبتدأ تخيلاً للم فتعسف لا يعرف له نظير. وأجود ما قيل في هذا أنها لغة بالحارث بن كعب؛ لأنهم يجرون التثنية في الرفع والنصب والجر مجرى واحداً، فيقولون: رأيت الزيدان ومررت بالزيدان، قال بعض شعرائهم: فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى مساغاً لناباه الشجاع لصمما وقال آخر: تزود منا بين أذناه طعنة دعته إلى هابي التراب عقيم وقال آخر:

стр. 230

واها لريا ثم واها واها ياليت عيناها لنا وفاها هي المنى لو أننا نلناها بثمن نرضي به أباها إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها وقال آخر: أي قلوص راكب نراها طاروا علاهن فطر علاها يريد: طاروا عليهن فطر عليها فأبدل الياء ألفاً. وزعم بعض المتأخرين أن هذه الألف مشبهة بألف (يفعلان) فلما لم تنقلب هذه لم تنقلب تلك، وهذا فاسد؛ ذلن هذه ضمير في حيز الأسماء وتلك علامة التثنية وهي حرف، والألف في (يفعلان) لا يصح أن تنقلب؛ لأنه لا يتعاقب عليها ما يغير معناها، لأنها لا تكون إلا فاعله أو ما يقوم مقام الفاعل وهو ما يسم فاعله، والألف في (هذان) حرف إعراب وفيه دليل الإعراب والعوامل تغير أواخر الكلم؛ لتعاورها وتعاقبها عليها. * * * قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧] . اليبس: المكان اليابس وجمعه أيباس. قال المفسرون المعنى اجعل لهم طريقا يابساً في البحر يعبرون فيه لاتخاف لحوقاً من عدوك ولا تخسى من هول البحر الذي انفرج لك. ومعنى قوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] ، أي: ما سمعتم به، وجاءتكم به الأخبار، ومثله قول أبي النجم.

стр. 231

أنا أبو النجم وشعري شعري أي: شعري الذي سمعت به وعلمته. قرأ حمزة ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ ، وقرأ الباقون ﴿دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ ، وأجمعوا على ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧] بالألف. فتحتمل قراءة حمزة وجهين: أحدهما: أن يكون جزاءً، والثاني: أن يكون نهياً. وأما قراءة الجماعة فإنه يكون حالاً، كأنه في التقدير: وأسر بعبادي غير خائفٍ ولا خاشٍ، ومثله قراءة حمزة ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١] . أي: ثم هم لا ينصرون، كذلك في الآية الأخرى: لا تخف وأنت لا تخشى. وقد ذهب بعضهم إلى أن ﴿تَخْشَى﴾ في موضع جزم بالعطف على ﴿لَا تَخَافُ﴾ ، وأن الألف تثبت في موضع الجزم على حد قول الراجز. إذا العجوز غضبت فطلق ولا ترضاها ولا تملق وهذا وجه ضعيف لا يحمل القرآن عليه. * * * قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧] .

стр. 232

يقال: زوج وزوجة، وعلى اللغة الأولى جاء القرآن، ومن اللغة الثانية قول الشاعر: وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي كساع إلى أسد الشرى يستبيلها والظمأ: العطش، ويضحى: ينكشف إلى الشمس، قال عمر بن أبي ربيعة: رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت فيضحى وأما بالعشي فيخصر يقال: ضحى الرجل يضحي إذا برز للشمس، قال ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير: لا تعطش ولا يصيبك حر الشمس. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: لم قال: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ ، ولم يقل: فتشقيا؟ والجواب: أن المعنى على ذلك؛ لأنه خطاب له ولزوجته، إلا أنه اكتفى بذكره عن ذكرها، لأن أمرها في السبب واحد فاستوى حكمهما في استواء العلة. ومما يسأل عنه أن يقال: كيف جمع بين الجوع والعري، وبين الظمأ والضحو، والظمأ من جنس الجوع، والضحو من جنس العري؟ وعن هذا جوابان: أحدهما: أن الصحو الانكشاف إلى الشمس على ما تقدم، والحر عنه يكون، والظمأ أكثر ما يكون من شدة الحر، فجمع بينهما في اللفظ لاجتماعهما في المعنى، وكذلك الجوع والعري يتشابهان من قبل أن الجوع عري في الباطن من الغذاء، والعري ظاهر للجسم.

стр. 233

والجواب الثاني: أن العرب تلف الكلامين بعضهما ببعض اتكالاً على علم المخاطب، وأنه يرد كل واحد منهما إلى ما يشاكله، قال امرؤ القيس: كأني لم أركب جواداً للذة ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل لخيلي كري كرة بعد إجفال وكلن حقه أن يقول: كأني لم أركب جواداً للذة، ولم أقل لخيلي كري، ولم أسبأ الزق الروي، ولم أتبطن كاعباً، كما قال يغوث: كأني لم أركب جواداً ولم أقل لخيلي كري نفسي عن رجاليا ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل لأيسار صدق أظهروا ضوء ناريا وقد تأول قول امرئ القيس على الجواب الأول، وذلك أنه جمع في البيت الأول بين ركوبين: ركوب الجواد وركوب الكاعب، وجمع في الثاني بين سباء الخمر واإغارة لأنهما يتجانسان. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: لم جاز أن تعمل (إنَّ) في (أنَّ) بفصل، ولم يجز من غير فصل؟ والجواب: أنهم امتنعوا عن ذلك كراهة للتعقيد بمداخلة المعاني المتقاربة، فأما المتباعدة فلا يقع فيها تعقيد بالاتصال؛ لأنها مبانية مع الاتصال لألفاظها، فذلك جاز ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨-١١٩] ، ولم يجز: إن إنك لا تظمأ فيها؛ لأنه بغير فصل. وقرأ نافع وعاصم من طريقة أبي بكر ﴿لَا تَظْمَأُ فِيهَا﴾ بالكسر، وقرأ الباقون بالفتح. فمن كسر عطف على ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ﴾ [طه: ١١٨] ، ومن فتح فيجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون في موضع نصب عطفاً على اسم (إنَّ) .

стр. 234

والثاني: أن يكون في موضع رفع على تقدير: ولك أنك لا تظمأ فيها. ﴿ومن سورة الأنبياء﴾ ﵈ * * * قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢] يسأل عن معنى ﴿مُحْدَثٍ﴾ ؟ وفيه وجهان: أحدهما: أن المعنى محدث إنزاله، فحذف لدلالة الكلام عليه. والثاني: أن الذكر هاهنا الموعظة، والمعنى: ما يأتيهم ذكر، أي: موعظة محدثة إلا استمعوها وهو يلعبون. ويجوز في ﴿مُحْدَثٍ﴾ الرفع والجر والنصب: فالجر: بالرد على ذكر، والرفع: على موضع ذكر، والنصب على الحال. ويسأل عن موضع قوله: ﴿الَّذِينَ﴾ في قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣] ظ وفيه ستة أجوبة: أحدها: أن موضعه رفع على البدل من الواو في ﴿وَأَسَرُّوا﴾ . والثاني: أن موضعه رفع بإضمار فعل تقديره: يقول الذين ظلموا. والثالث: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين طلموا.

стр. 235

والرابع: أن يكون رفعاً بـ: ﴿وَأَسَرُّوا﴾ على لغة من قال: أكلوني البراغيث. فهذه أربعة أوجه في الرفع. والخامس: أن يكون في موضع نصب بإضمار (أعني) . والسادس: أن يكون في موضع جر بدلاً من (الناس) في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ﴾ [الأنبياء: ١] . وقد ذهب بعضهم إلى أنه نعت للناس. فهذه سلعة أوجه. * * * قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤] النقص: نقيض الزيادة، واختلف العلماء في معنى ﴿نَنْقُصُهَا﴾ : فقال بعضهم: ننقصها بخرابها: وقيل: بموت اهلها، وقيل ننقصها من أطرافها بما يفتح الله على نبيه منها، وما ينقص من الشرك بإهلاك أهلها، وقيل: ننقصها بموت العلماء؛ لأنه من أشراط الساعة، وقد جاء في الحديث: (إن الله لا ينزع العلم انتزاعاً ولكن ينتزعه بموت العلماء فيتخذ الناس رؤوسا جهالاً فيضلون ويضلون) ، وكان يقال: الأطراف مكان الأشراف. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: ما الأصل في قوله: ﴿أَنَّا﴾ ؟ والجواب: أن الأصل فيها أننا، فحذفت إحدى النونات كراهة لاجتماع ثلاث نونات، والوجه أن تكون المحذوفة الوسطى؛ لأن الثالثة اسم مع الألف ولا يجوز حذفها، والأولى

стр. 236

ساكنه ولو حذفتها لا لتقى مثلان فيجب إسكان الأولى وإدغامها في الثاني، فيجتمع إعلالان، والعرب تفر من مثل هذا. وقيل في قوله: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ أن معناه: أفهم الغالبون على رسول الله ﷺ توبيخاً لهم، وهو قول قتادة، وقيل: من يحفظهم مما يريد الله إنزاله بهم من عقوبات الدنيا والآخرة. * * * قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] . النفش: الرعي ليللاً، هذا قول شريح، وقال الزهري: النفش: العمل بالنهار أيضاً. ومما يسأل عنه أن يقال: كيف أضاف الحكم إليهما، وإنما المتسبب في الحكم أحدهما؟ والجواب أن المعنى: إذا اسرعا في الحكم من غير قطع به، ويجوز أن يكون المعنى: إذطلبا الحكم في الحرث، ولم يبتدئا به بعد، ويجوز أن يكون داود ﵇ حكم حكماً معلقاً بشرط يفعله معه. كل ذلك قد قيل. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: ما الحرث الذي حكما فيه؟ والجواب أن قتادة قال: كان زرعاً وقعت فيه الغنم ليلاً ورعته، وقال ابن مسعود وشريح: كان كرماُ قد نبتت عناقيده، قال ابن مسعود: كان داود ﵇ حكم لصاحب الكرم بالغنم، فقال له سليمان ﵇: غير هذا يا نبي الله، قال: وما ذاك؟ قال: تدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها حتى إذا عاد الكرم كما كان دفع كل واحد منهما إلى صاحبه، وفي هذه الآية دلالة على النظر والاجتهاد. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: كيف قال: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ﴾ وهما اثنان؟

стр. 237

وعن هذا جوابان: أحدهما: أنه وضع الجمع موضع التثنية، والعرب تفعل ذلك وعليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] . قال ابن عباس: اخوان فصاعداً. وقال تعالى: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾ [الأعراف: ١٥٠] ، جاء في التفسير أنهما لوحان. والثاني: أن يكون أدخل معهما المحكوم لهم. والأول أولى؛ لأن المحكوم لهم، لم يحكموا وإنما حكم لهم. وداود وسليمان عطف على قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣] ، وكذلك قوله: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ﴾ [الأنبياء: ٧٤] ، ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٧٦] . * * * قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . النون: الحوت، وجمعه نبنان قياساً لا سماعاً. وذو النون: يونس بن متي ﵇. قال ابن عباس والضحاك: غضب على قومه. وقيل: خرج قبل الأمر بالخروج على عادة الأنبياء ﵈. ومعنى ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: لن نضيق عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] . أي: ضيق، وهو وقل ابن عباس ومجاهد والضحاك، وقال تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] ، والمعنى على هذا: فطن أن لن يضيق عليه فنادي في

стр. 238

الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك. والظلمات هاهنا: ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت، وهذا قول ابن عباس وقتادة، وقال سالم بن أبي الجعد: كان حوت في بطن حوت. وقدر بعض السلف حذف حرف الاستفهام، كأنه قال: أفظن أن لن نقدر عليه، وأنكره علي بن عيسى، وقال لا يجوز حذف حرف الاستفهام من غير دليل عليه، وقال الأصمعي: ما حذفت ألف الاستفهام إلا وعليها دليل، وقد جاء حذفها على خلاف ما قال، أنذد النحويون لعمر بن أبي ربيعة. ثم قالوا تحبها قلت بهراً عدد القطر والحصى والتراب أي: أتحبها؟ وروي عن الشعبي وسعيد بن جبير أنهما قالا: خرج مغاضباً لربه، وهذا لقول مرغوب عنه، ولا يجوز مثل هذا على نبي من أنبياء الله تعالى، وقال بعضهم: غضب لما عفا الله عنهم إذا آمنوا، وهذا القول أيضاً لا يصح؛ لأنه يؤدي إلى الأعتراض على الله تعالى فيما فعله، وأنشد من هذا ما رواه بعضهم من أن المعنى في قوله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ ظن أننا تعجز عنه، وهذا كفر، فمن ظن أن الله تعالى لا يقدر عليه، لا يجوز هذا كله على أنبياء الله تعالى. وفي هذه الآية دلالة على أن الصغائر تجوز على الأنبياء - علبهم السلام، وهم معصومون عن الكبائر، ومعصومون عن الكبائر والصغائر في حال الرسالة. وكان بقاء يونس ﵇ في بطن الحوت حياً معجزة له.

стр. 239

وقيل في قوله: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ معناه: من الظالمين لنفسي في خروجي عن قومي قبل الإذن. ومغاضب: اسم الفاعل من غاضب، و (فاعل) في غالب الأمر إنما يكون من اثنين، نحو: قاتلته وضاربته، إلا أن (مغاضباً) هاهنا من باب: عاقبت اللص وعافاه الله وطارقت النعل. وما أشبه ذلك في أنه من واحد. * * * قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] . قال ابن عباس: حصب جهنم وقودها، وقال مجاهد: حطبها، وقال الضحاك: يرمون فيها كما يرمى بالحصباء، وقيل: الحصب كل ما ألقي في النار. حدثني أبي عن عمه إبراهيم بن غالب عن القاضي منذر بن سعيد عن أبي النجم عصام بن منصور عن أبي بكر عبد الله بن عبد الرحيم حدثنا أبو محمد عبد الملك ابن هشام حدثنا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق قال: جلس رسول الله ﷺ مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معه، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله ﷺ فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله ﷺ حتى أفحمه ثم تلا عليه وعليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ ، ثم قام رسول الله ﷺ ، وأقبل عبد الله ابن الزبعري حتى جلس، فقال له الوليد ابن المغيرة: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفاً ولا قعد، وقد زعم محمد أنَّا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد الله بن الزبعرى: والله لو وجدته لخصمته، فاسألوا محمداً، أكلُّ ما نعبد من دون الله في جهنم مع من عبده، فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد عزيزاً والنصارى تعبد عيسى

стр. 240

ابن مريم ﵇، فعجي الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعرى، ورأوا أنه قد احتج وخاصم، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال ﵇ (من أحب أن يعبد من جون الله فهو مع من عبده في النار، إنما يعبدون الشياطين ومن أمرتهم بعبادته) . فأنزل الله تعالى عليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢] . أي: عيسى وعزيز ومن عبدوا من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله فاتخذتهم من يعبدهم من أهل الضلالة أرباباً من دون الله، فنزل فيما ذكروا لأنهم يعبدون الملائكة وأنهم بنات الله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] ، ونزل فيما ذكر من أمر عيسى ﵇ وأنه يعبد من دون الله، وعجب الوليد ومن حضر من حجة عبد الله الزبعرى وخصومته ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] ، أي: يصجون عن أمرك، ثم ذكر عيسى، فقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] ، إلى آخر القصة، قال أبو ذؤيب في الحصب: فأطفئ ولا توقد ولا تك محصبا لنار العداة أن تطير شكاتها * * * قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] . الطي: نقيض النشر. واختلف في السجل: فقيل: الصحيفة تطوى على ما فيها من الكتابة، وهو قول ابن عباس ومجاهد. وقال ابن عمرو والسدي: السجل ملك يكتب أعمال العباد. وروي عن ابن عباس من جهة أخرى أن السجل كاتب كان للنبي ﷺ .

стр. 241

قرأ عاصم وحمزة من طريقة حفص والكسائي ﴿لِلْكُتُبِ﴾ وقرأ الباقون ﴿لِلْكتَبِ﴾ . ويختلف حكم (اللام) في قوله: (للكتاب) و (للكتب) بقدر اختلاف العلماء في معنى (السجل) : فعلى مذهب من جعل (السجل) ملكاً وكاتباً فـ (اللام) يتعلق لنفس (طي) ؛ لأن الكتب مفعولة في المعنى، وذلك أن التقدير: كما يطوي السجل الكتاب أو الكتب، وهذا القول: كضرب زيد لعمرو وأما على مذهب من جعل (السجل) الصحيفة فتحتمل (اللام) وجهين: أحدهما: أن يكون الكتاب بمعنى الكتابة، والنقدير: يوم نطوي السماء كطي السجل للكتابة التي فبه، أي: من أجلها؛ ليصونها الطي، وهذا كما تقول: فعلت ذلك لعيون الناس، أي: من أجل عيون الناس. والثاني: أن تعلقها بـ: ﴿نَطْوِي﴾ فيكون التقدير: يوم نطوي السماء للكتاب السابق بأنها تطوى كطي السجل، أي: كطي الصحيفة على ما فيها. ﴿ومن سورة الحج﴾ * * * قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] . الزلزلة: شدة حركة الأرض، وزعم بعضهم: أن الأصل في (زلزل) : زل، فضوعف للمبالغة، وأهل البصرة يمنعون من ذلك يقولون (زل) ثلاثي، و (زلزل) رباعي، وإن اتفق بعض الحروف في الكلمتين؛ لأنه لا يمتنع مثل هذا، ألا ترى أنهم يقولونه: دمث ودمثر، وسبط وسٍ بطرٌ، وليس أحدهما مأخوذاً من الآخر، وإن كان معناها واحداً؛ لأن الزاي ليست من حروف الزيادة. والساعة: كناية عن القيامة. والعظيم: نقيض الحقير.

стр. 242

والذهول: الذهاب عن الشيء دهشاً وحيرة، قال الشاعر: صحا قلبه يا عز أو كاد يذهل والحمل: بفتح الحاء، ما كان في البطن، والحملك بالكسر ما كان على ظهر أو رأس، أما ما كان على الشجرة فقد جاء فيه الفتح والكسر: فمن فتح فلظهوره عن الشجرة بالماء الذي يصيبها كظهور ما يكون على الظهر أو الرأس. قال الشعبي وعلقمة: الزلزلة من أشراط الساعة في الدنيا، وروى الحسن في حديث يرفعه: أن زلزلة الساعة يوم القيامة. قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام، وتضع ما في بطنها لغير تمام، وتراهم سكارى من الفزع وما هم بسكارى من شرب الخمر. والفرق بين المرضع والمرضعة: أن المرضع التي أرضعت وانقطع رضاعها، والمرضعة هي التي ترضع ولم ينقطع رضاعها. قال امرؤ القيس في المرضع: فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع فألهيتها عن ذي تمائم محول وإنما خصت التي في حال رضاعها بظهور التأنيث فيها؛ لأنه جار على الفعل، نحو: أرضعت فهي مرضعة، والثاني إنما هو على طريق النسب، أي: ذات رضاع، ويقال: رَضَاعٌ ورِضَاع ورَضاعةٌ ورِضَاعىٌ، ويقال: رضع بكسر الضاد وهي

стр. 243

الفصحى، ويقال: رضع بالفتح، وينشد هذا البيت على اللغتين: وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها أفاويق حتى ما يدر لها ثعل ويقال: سُكارى وسَكارى وهو الباب. وقرأ بعضهم ﴿سَكْارَى﴾ شبهه بصريع وصرعى؛ ذلك أن السكران مشرف على الهلكة، وباب (فعلى) موضوع لهذا نحو: قتلى وصرعى وزمنى وهلكى. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ : يا: حرف نداء، وهو نائب عن الفعل الذي هو (أدعو) و (أنادي) ، واختلف قول أبي علي فيه: فمرة جعل فيه الضمير الذي كان في (أدعو وأنادي) ، ومرة قال لا ضمير فيه، وهو الوجه؛ لأن الحروف لا يضمر فيها. وأي: منادى مفرد مبني على الضم، وكذا حكم كل منادى مفرد معرفة. وإنما بني لأنه أشبه المضمر من ثلاث جهات: أحدها: أنه مخاطب، والمخاطب لا يكون إلا مضكراً (كافاً) أو (تاء) . والثانية: أنه معرفة كما أن المضمر لا يكون إلا معرفة. والثالثة: أنه مفرد أي مضاف، كما أن المضمر لا يضاف. فمتى سقطت واحدة من هذه الخصال أعرب المنادى. و (ها) : عوض من قطع الإضافة عن (أي) ؛ لأنها لا تكون أبداً في غير هذا الموضع إلا

стр. 244

مضافة لفظاً أو معنى؛ لأنها تدل على بعض الشيء، وبعض الشيء مضاف إلى جميعه. واشتقاقها من (أويت) ، ففعلوا بها ما فعلوا بـ: (طيَّ) و (لي) ، وأصلها (طوي) و (لوي) ، وكذا الأصل في (أي) (أوي) ، والاشتقاق في الأسماء المبهمة عزيز لا يكاد يوجد منه إلا حروف يسيرة لإيغالها في شبه الحرف، والحرف غير مشتق نحو: من وإلى وهل وما أشبه ذلك و ﴿النَّاسُ﴾ نعت لـ (أي) لا يستغنى عنه؛ لأنه المنادى في المعنى، وإنما جاءوا بـ: (أي) ليتوصلوا بها إلى نداء ما فيه الألف واللام، وكان أبو الحسن الأخفش يقول في (الناس) وما يجري مجراه: هو صلة لـ (أي) . وأجمع النحويون على الرفع في ﴿النَّاسُ﴾ إلا المازني، فإنه أجاز النصب وشبهه بقولك: يا زيد الظريف، حمله على (أي) ، وهذا غير مرض منه؛ لأن (الظريف) نعت يستغنى عنه، وليس كذلك (الناس) . و (الألف واللام) في (الناس) للعهد، وقيل للجنس، وتأول على قول سيبويه: أنهما بدل من الهمزة؛ لأن الأصل (أناس) فحذفت الهمزة، وجعلت (الألف واللام) عوضاً منها، وقال الفراء: الأصل (الأناس) فألقيت حركة الهمزة على (اللام) وحذفت، فصار (الناس) فاجتمع المتقاربان فأسكن الأول وأدغم في الثاني، وقال الكسائي: يقال يا ناس وأناس، فالألف واللام دخلتا على (ناس) . فمن قال: (أناس) أخذه من الأنس أو الإنس، وهو (فعال) ، ومن قال: (ناس) أخذه من ناس ينوس غذا ذهب وجاء، ومنه قيل: ذو نواس لذؤابة كانت عليه، ويجوز أن يكون من ناس في المكان إذا قام فيه، وإن كان (الناووس) عربياً كان مشتقاً من هذا، وقال ابن الأنباري هو من (نسيت)

стр. 245

والأصل فيه (نسي) ثم قلب فصار (نيساً) فقلبت الياء ألفاً؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، فقيل: (ناس) ، ويبطل هذا بقول العرب في تصغيره (نويس) ولو يقولوا (نييس) ولا (نسي) . والعامل في ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ [الحج: ٢] ﴿تَذْهَلُ﴾ [الحج: ٢] أي: تذهل كل مرضعة عما أرضعت وفي يوم ترونها. * * * قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ [الحج: ٤] . الهاء في ﴿عَلَيْهِ﴾ تعود إلى الشيطان. ويسأل عن قوله: ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ [الحج: ٤] ، لم فتحت (أنَّ) ؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنه عطف على الأولى للتوكيد، والمعنى: كتب عليه أنه من تولاه يضله، وهذا قول الزجاج، وفيه نظر؛ لأن الأكثر في التوكيد إسقاط حرف العطف، إلا أنه لا يجوز كما يجوز (زيد) فأفهم في الدار. والثاني: أن يكون المعنى: فلأنه يضله. * * * قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] الحرف: الطرف، والطمئنان: التمكن، والفتنة: هاهنا: المحنة، والانقلاب: الرجوع، والخسران: ضد الربح. والمولى في الكلام على تسعة أوجه:

стр. 246

المولى: السيد، والمولى: العبد، والمولى: المنعم، المولى: المنعم عليه، والمولى: ابن العم، والمولى: واحد الموالي وهم العصبة، والمولى: الوليُّ، والمولى: الصهر، والمولى: الأولى، من قوله تعالى: ﴿اللَّهِ مَوْلَاهُمُ﴾ [الأنعام: ٦٢] أي: أولى بهم، والمولى: الحليف. وقيل المولى هاهنا: الولب والناصر، والعشير: الصاحب المعاشر. قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] ، أي: شاكاً، وأصل الحرف: الطرف، ومن كان متطرفاً لم يطمئن ولم يثبت وكذلك هذا إنما عند الله على ضعف في العبادة كضعف القائم على حرف؛ لأنه لم يتمكن في الدين. فصل: ويسأل عن قوله تعالى: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ [الحج: ١٣] ، لم دخلت هذه (اللام) هاهنا، وأنتم لا تجيزون: ضربت لزيداً؟ وفي هذا للعلماء ثلاثة أجوبة: أحدها: أن في الكلام حذفاً، تقديره: يدعو والله لمن ضره أقرب من نفعه، فاللام على هذا جواب القسم المحذوف. وجواب ثان: وهو أن اللام في موضعها، وفي الكلام تقديم وتأخير، والأصل: يدعو من لضره أقرب من نفعه، وهذا أن ﴿يَدْعُواْ﴾ معلقة؛ لأنها الذي ضره أقرب من نفعه يدعو، ثم حذفت (يدعو) الأخيرة للاجتزاء بالأولى منهما، ولو قلت: يضرب لمن خيره أكثر من شره يضرب، فحذفت الأخير لجاز، والعرب تقول: عندي لما غيره خير منه، كأنه قال: للذي غيره خير منه عندي، ثم حذف الخبر في الثاني والابتداء من الأول، كأنه قال عندي شيء غيره خير منه، وعلى هذا قالوا: أعطيتك لما غيره خير منه، على حذف الخبر. وقيل: المعنى لمن ضره أقرب من نفعه لا يجب لأن يدعى، قـ (منْ) على هذا القول والقول الذي قبله مبتدأ، والخبر محذوف، وعلى قول المبرد يكون موضعها نصباً بـ: (يدعو) .

стр. 247

وقد قيل: اللام زائدة. * * * قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] يسأل عن قوله: ﴿خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ ، كيف ثنى ثم جمع؟ والجواب: أنه يراد بالخصمين هاهنا الفريقان من المؤمنين والكافرين اختصموا في يوم بدر، وهذا قول أبي ذر، وقال ابن عباس: الخضمان أهل الكتاب وأهل القرآن، وقال الحسن ومجاهد وعطاء: المؤمنون والكافرون، وهذا كقول أبي ذر إلا أن هؤلاء لم يذكروا يوم بدر. ويجوز في الكلام: هذان خصم اختصموا، وهؤلاء خصم اختصموا، قال الله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] ، وذلك أن الخصم مصدر يقع على الواحد والاثنين والجماعة من المذكر والمؤنث، وهكذا حكم المصادر إذا وصف بها أو أخبر بها، نحو: عدل ورضا وصوم وفطر وزور ودنف وحري وقمن وما أشبه ذلك. وقيل: كان أحد الخصمين (حمزة) مع قوم من المؤمنين خاصموا قوماً من أهل بدر من المشركين. * * * قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] . الأذان: الإعلام، وأصل الحج: القصد، والضامر: المهزول، والفج: الثنية، والعميق: البعيد. والأيام المعلومات: عشر ذي الحجة، فأما المعدودات: فأيام التشريق، هذا قول الحسن وقتادة، وسميت هذه معدودات لقلتها، وسميت تلك معلومات للحرص على علمها

стр. 248

بحسابها من أجل الحج في آخرها. والبهيمة: أصلها من الإبهام؛ وذلك أنها لا تفصح كما يفصح الحيوان الناطق. والأنعام: الإبل خاصة، واشتقاقها من النعمة، وهي (اللين) سميت بذلك للين أخفافها؛ لأنها ليست كذوات الحافر، وقد يجتمع معها البقر والغنم، ويسمى الجميع أنعاماً اتساعاً، فإن انفردا لم يسميا أنعاماً. والبائس: الذي به ضر الجوع، والفقير: الذي لا شيء له، كأن الحاجة فقرت ظهره، أي: كسرت فقاره، وفقار الظهر: الخرز التي تكون فيه، يقال: فقارة وفقار وفقرة وفقر. والتفث: مناسك الحج كلها، وهذا قول ابن عباس وابن عمر، وقيل: التفث: كشف الإحرام وقضاؤه كحلق الرأس والاغتسال. وقيل للبيت (عتيق) ؛ لأنه أعتق من أن يملكه الجبابرة، وهو قول مجاهد. وقيل: لأنه قديم، وهو أول بيت وضع للناس بناه آدم ﵇، وجدده إبراهيم ﵇، وهو قول ابن زيد وقال علي بن أبي طالب ﵁ هو أول بيت وضعت فيه البركة. والطواف هاهنا طواف الإفاضة بعد التعريف إما يوم النحر وإما بعده وهو طواف الزيارة. ويسأل عن قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ ، علام يعود الضمير؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنه يعود على (إبراهيم) قال ابن عباس: قام في المقام فقال: يا أيها الناس إن الله دعاكم إلى الحج، فأجابوا بلبيك اللهم لبيك.

стр. 249

وقال الحسن: الضمير يعود على النبي ﵇، أي: وأذن يا محمد في الناس بالحج، فأذن في حجة الوداع. وقوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ ، أي: مشاة على أرجلهم، وهو جمع (راجل) ، كصاحب وصحاب، يدل على ذلك قراءة من قرأ ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ . ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ : أي على جمع ضامر، أي مهزول من السفر، وقال ﴿يَأْتُين﴾ ؛ لأن كل ضامر في معنى الجمع، والجمع مؤنث، ويجوز أن يعنى بالضامر هاهنا الناقة، لأنه يقال: ناقة ضامر وضامرة وقد قرأ بعضهم ﴿يَأْتِونَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ ، حمل على المعنى: أي: يأتي ركاب كل ضامر من كل فج عميق. قرأ الكسائي ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾ [الحج: ٢٩] بإسكان اللام، وهذه القراءة فيها بعد عند البصريين من جهة إسكان (اللام) ؛ لأن هذه (اللام) أصلها الكسر، وإنما تسكن إذا وقع قبلها حرف يتصل بها كالواو والفاء كما يفعل بـ: (هو) إذا اتصلتا به، نحو: فهو وهو وما أشبه ذلك، فهذا مشبه بعضد في عضد، و (اللام) معها في نحو: فليقم وليخرج مشبهة بفخذ في فخذ وليست (ثم) مالفاء والواو؛ لأنه حرف قائم بنفسه يحوز الوقوف عليه، ولا يجوز الوقوف على الواو والفاء، إلا أن أبا علي اعتذر له بأن قال: (ثم) على ثلاثة أحرف ساكنة الأوسط فكأنه وقف على الميم الساكنة المدغمة ثم ابتدأ (ليقضوا) . فأما في قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ ﴿ولْيُوفُوا﴾ وما أشبه ذلك فإسكان اللام حسن جميل، وكسرها جائز على الأصل، وكسر اللام في قوله: (ثُمَّ لْيَقْضُوا) أقيس، والإسكان يجوز على الوجه الذي ذكره أبو علي.

стр. 250

قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥] . خاوية: خالية، وعروشها: سقوفها، هذا قول الضحاك، والمشيد: المجصص وهو المبني بالشيد وهو الحجارة والجيار، قال قتادة: مشيد رفيع، قال عدي بن زيد: شاده مرمراً وجلله كِلـ ... ساً فللطيرِ في ذَراهُ وكُورُ وقال آخر: كحية الماء الطي والشيد وقد عاب قوم من الملحدة قوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ وقالوا: ما الفائدة في ذكر: بئر معطلة وقصر مشيد، وأبدوا فيه وأعادوا، وهذا لجهلهم بجوهر الكلام وغامض المعاني وإشارة البلاغة؛ لأن الله تعالى ذكر هذا وما أشبهه على طريق العظة ليعتبر بذلك، ألا تراه تعالى قال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦] ، يريد: لو ساروا لرأوا آثار قوم أهلكهم وأبادهم، ومازالت العرب تصف ذلك في خطبها ومقامتها، يروى عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه كان يقول في خطبته: (أين بانو المدائن ومحصنوها بالحوائط، أين مشيدو القصور وعامروها، أين جاعلو العجيب فيها لمن بعدهم، تلك منازلهم خاوية، وهذه منازلهم في القبور خالية ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] ) وكان سلمان إذا مر بخراب قال: يا خرب الخربين أين أهلك الأولون؟.
следующие страницы →