← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9066

النكت في القرآن الكريم

أبو الحسن المجاشعي

Полный текст (489 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

المولى: السيد، والمولى: العبد، والمولى: المنعم، المولى: المنعم عليه، والمولى: ابن العم، والمولى: واحد الموالي وهم العصبة، والمولى: الوليُّ، والمولى: الصهر، والمولى: الأولى، من قوله تعالى: ﴿اللَّهِ مَوْلَاهُمُ﴾ [الأنعام: ٦٢] أي: أولى بهم، والمولى: الحليف. وقيل المولى هاهنا: الولب والناصر، والعشير: الصاحب المعاشر. قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] ، أي: شاكاً، وأصل الحرف: الطرف، ومن كان متطرفاً لم يطمئن ولم يثبت وكذلك هذا إنما عند الله على ضعف في العبادة كضعف القائم على حرف؛ لأنه لم يتمكن في الدين. فصل: ويسأل عن قوله تعالى: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ [الحج: ١٣] ، لم دخلت هذه (اللام) هاهنا، وأنتم لا تجيزون: ضربت لزيداً؟ وفي هذا للعلماء ثلاثة أجوبة: أحدها: أن في الكلام حذفاً، تقديره: يدعو والله لمن ضره أقرب من نفعه، فاللام على هذا جواب القسم المحذوف. وجواب ثان: وهو أن اللام في موضعها، وفي الكلام تقديم وتأخير، والأصل: يدعو من لضره أقرب من نفعه، وهذا أن ﴿يَدْعُواْ﴾ معلقة؛ لأنها الذي ضره أقرب من نفعه يدعو، ثم حذفت (يدعو) الأخيرة للاجتزاء بالأولى منهما، ولو قلت: يضرب لمن خيره أكثر من شره يضرب، فحذفت الأخير لجاز، والعرب تقول: عندي لما غيره خير منه، كأنه قال: للذي غيره خير منه عندي، ثم حذف الخبر في الثاني والابتداء من الأول، كأنه قال عندي شيء غيره خير منه، وعلى هذا قالوا: أعطيتك لما غيره خير منه، على حذف الخبر. وقيل: المعنى لمن ضره أقرب من نفعه لا يجب لأن يدعى، قـ (منْ) على هذا القول والقول الذي قبله مبتدأ، والخبر محذوف، وعلى قول المبرد يكون موضعها نصباً بـ: (يدعو) .

стр. 247

وقد قيل: اللام زائدة. * * * قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] يسأل عن قوله: ﴿خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ ، كيف ثنى ثم جمع؟ والجواب: أنه يراد بالخصمين هاهنا الفريقان من المؤمنين والكافرين اختصموا في يوم بدر، وهذا قول أبي ذر، وقال ابن عباس: الخضمان أهل الكتاب وأهل القرآن، وقال الحسن ومجاهد وعطاء: المؤمنون والكافرون، وهذا كقول أبي ذر إلا أن هؤلاء لم يذكروا يوم بدر. ويجوز في الكلام: هذان خصم اختصموا، وهؤلاء خصم اختصموا، قال الله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] ، وذلك أن الخصم مصدر يقع على الواحد والاثنين والجماعة من المذكر والمؤنث، وهكذا حكم المصادر إذا وصف بها أو أخبر بها، نحو: عدل ورضا وصوم وفطر وزور ودنف وحري وقمن وما أشبه ذلك. وقيل: كان أحد الخصمين (حمزة) مع قوم من المؤمنين خاصموا قوماً من أهل بدر من المشركين. * * * قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] . الأذان: الإعلام، وأصل الحج: القصد، والضامر: المهزول، والفج: الثنية، والعميق: البعيد. والأيام المعلومات: عشر ذي الحجة، فأما المعدودات: فأيام التشريق، هذا قول الحسن وقتادة، وسميت هذه معدودات لقلتها، وسميت تلك معلومات للحرص على علمها

стр. 248

بحسابها من أجل الحج في آخرها. والبهيمة: أصلها من الإبهام؛ وذلك أنها لا تفصح كما يفصح الحيوان الناطق. والأنعام: الإبل خاصة، واشتقاقها من النعمة، وهي (اللين) سميت بذلك للين أخفافها؛ لأنها ليست كذوات الحافر، وقد يجتمع معها البقر والغنم، ويسمى الجميع أنعاماً اتساعاً، فإن انفردا لم يسميا أنعاماً. والبائس: الذي به ضر الجوع، والفقير: الذي لا شيء له، كأن الحاجة فقرت ظهره، أي: كسرت فقاره، وفقار الظهر: الخرز التي تكون فيه، يقال: فقارة وفقار وفقرة وفقر. والتفث: مناسك الحج كلها، وهذا قول ابن عباس وابن عمر، وقيل: التفث: كشف الإحرام وقضاؤه كحلق الرأس والاغتسال. وقيل للبيت (عتيق) ؛ لأنه أعتق من أن يملكه الجبابرة، وهو قول مجاهد. وقيل: لأنه قديم، وهو أول بيت وضع للناس بناه آدم ﵇، وجدده إبراهيم ﵇، وهو قول ابن زيد وقال علي بن أبي طالب ﵁ هو أول بيت وضعت فيه البركة. والطواف هاهنا طواف الإفاضة بعد التعريف إما يوم النحر وإما بعده وهو طواف الزيارة. ويسأل عن قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ ، علام يعود الضمير؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنه يعود على (إبراهيم) قال ابن عباس: قام في المقام فقال: يا أيها الناس إن الله دعاكم إلى الحج، فأجابوا بلبيك اللهم لبيك.

стр. 249

وقال الحسن: الضمير يعود على النبي ﵇، أي: وأذن يا محمد في الناس بالحج، فأذن في حجة الوداع. وقوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ ، أي: مشاة على أرجلهم، وهو جمع (راجل) ، كصاحب وصحاب، يدل على ذلك قراءة من قرأ ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ . ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ : أي على جمع ضامر، أي مهزول من السفر، وقال ﴿يَأْتُين﴾ ؛ لأن كل ضامر في معنى الجمع، والجمع مؤنث، ويجوز أن يعنى بالضامر هاهنا الناقة، لأنه يقال: ناقة ضامر وضامرة وقد قرأ بعضهم ﴿يَأْتِونَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ ، حمل على المعنى: أي: يأتي ركاب كل ضامر من كل فج عميق. قرأ الكسائي ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾ [الحج: ٢٩] بإسكان اللام، وهذه القراءة فيها بعد عند البصريين من جهة إسكان (اللام) ؛ لأن هذه (اللام) أصلها الكسر، وإنما تسكن إذا وقع قبلها حرف يتصل بها كالواو والفاء كما يفعل بـ: (هو) إذا اتصلتا به، نحو: فهو وهو وما أشبه ذلك، فهذا مشبه بعضد في عضد، و (اللام) معها في نحو: فليقم وليخرج مشبهة بفخذ في فخذ وليست (ثم) مالفاء والواو؛ لأنه حرف قائم بنفسه يحوز الوقوف عليه، ولا يجوز الوقوف على الواو والفاء، إلا أن أبا علي اعتذر له بأن قال: (ثم) على ثلاثة أحرف ساكنة الأوسط فكأنه وقف على الميم الساكنة المدغمة ثم ابتدأ (ليقضوا) . فأما في قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ ﴿ولْيُوفُوا﴾ وما أشبه ذلك فإسكان اللام حسن جميل، وكسرها جائز على الأصل، وكسر اللام في قوله: (ثُمَّ لْيَقْضُوا) أقيس، والإسكان يجوز على الوجه الذي ذكره أبو علي.

стр. 250

قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥] . خاوية: خالية، وعروشها: سقوفها، هذا قول الضحاك، والمشيد: المجصص وهو المبني بالشيد وهو الحجارة والجيار، قال قتادة: مشيد رفيع، قال عدي بن زيد: شاده مرمراً وجلله كِلـ ... ساً فللطيرِ في ذَراهُ وكُورُ وقال آخر: كحية الماء الطي والشيد وقد عاب قوم من الملحدة قوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ وقالوا: ما الفائدة في ذكر: بئر معطلة وقصر مشيد، وأبدوا فيه وأعادوا، وهذا لجهلهم بجوهر الكلام وغامض المعاني وإشارة البلاغة؛ لأن الله تعالى ذكر هذا وما أشبهه على طريق العظة ليعتبر بذلك، ألا تراه تعالى قال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦] ، يريد: لو ساروا لرأوا آثار قوم أهلكهم وأبادهم، ومازالت العرب تصف ذلك في خطبها ومقامتها، يروى عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه كان يقول في خطبته: (أين بانو المدائن ومحصنوها بالحوائط، أين مشيدو القصور وعامروها، أين جاعلو العجيب فيها لمن بعدهم، تلك منازلهم خاوية، وهذه منازلهم في القبور خالية ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] ) وكان سلمان إذا مر بخراب قال: يا خرب الخربين أين أهلك الأولون؟.

стр. 251

قال الأسود بن يعفر: ماذا أؤمل بعد آل محرق تركوا منازلهم وبعد إياد أرض الخورنق والسدير وبارق والقصر ذي الشرفات من سنداد أرضاً تخيرها لدار أبيهم كعب بن مامة وابن أم دؤاد جرت الرياح على مكان ديارهم فكأنما كانوا على ميعاد نزلوا بأنقرة يسيل عليهم ماء الفرات يجيء من أطواد فإذا النعيم وكل ما يلهى به يوماً يصير إلى بلى ونفاد ويروى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه سمع رجلاُ ينشد هذه الأبيات فتلا: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥-٢٨] . فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: علام عطف ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥] ؟ وفيه جوابان: أحدهما: أن يكون معطوفاً على قرية، فيكون المعنى: إهلاك القرية والبئر المعطلة والقصر المشيد. والثاني: أن يكون معطوفاً على عروشها، فيكون المعنى: وكم من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وعلى البئر [بئر] معطلة وقصر مشيد. قال المفسرون: تهدمت الحيطان على السقوف وتعطلت بئرها وقصرها المشيد. والبئر: مؤنثة، وجمعها: آبار وأبور في القلة، وفي الكثرة: بئار.

стр. 252

قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢] . التمني في الكلام على ثلاثة أضرب: أحدها: التلاوة وشاهده الآية، وقال الشاعر: تمنى كتاب الله أول ليلة وآخرها لاقى حمام المقادير والثاني: ما يتمناه الإنسان من الأماني. والثالث: الكذب ومنه قول عثمان: (والله ما تمنيت منذ أسلمت) ، ومر أعرابي بابن داب وهو يحدث، فقال له: أهذا شيء سمعته أم تمنيته. والأمنية في الآية: التلاوة، قال ابن عباس والضحاك وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب ومحمد بن قيس: نزلت هذه الآية لما تلا النبي ﷺ : (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترجى) ، وكان هذا من إلقاء الشيطان. ومما يسأل عنه أن يقال: كيف جاز عليه الغلط في تلاوته؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنه كان على سبيل السهو الذي لا يعرى منه بشر، فنبهه الله تعالى على ذلك. والثاني: أنه إنما قاله في تلاوة بعض المنافقين عن إغواء الشيطان، فأوهم أنه من القرآن. وقوله: ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] في موضع نصب، والمعنى: ما أرسلنا من

стр. 253

قبلك رسولاً ولا نبياً، و (من) زائدة، ومثله ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] ، أي: خيلاً ولا ركاباً. * * * قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج: ٦٣] . اللطيف: المحيط بتدبير دقائق الأمور، الذي لا يخفى عليه شيء يتعذر على غيره، فهو لطيف لاستخراج النبات من الأرض بالماء، وابتداع ما يشاء، وقيل: اللطيف الذي يلطف بعباده من حيث لا يحتسبون. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: بم ارتفع ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣] وقبله استفهام، وهلا انتصب على حد قولك: أفتأتني فأكرمك؟ والجواب: أنه خبر في المعنى، وإن خرج مخرج الاستفهام، كأنه قال: قد رأيت أن الله تعالى ينزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة، وهو تنبيه على ما قد كان رآه ليتأمل ما فيه. قال الشاعر: ألم تسأل الربع القواء فينطق وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق ومعناه: سألته فنطق، وإن شئت قلت معناه: فهو ينطق، وكذا في الآية: فهي تصبح. ﴿ومن سورة المؤمنين﴾ * * * قوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنين: ٢٠] .

стр. 254

طور سناء: جبل الشام، وهو الذي نودي موسى ﵇، وقال ابن عباس ومجاهد: معناه جبل البركة، وقال الضحاك وقتادة: معناه الحسن، وقال ابن الرماني: يجوز أن يكون رفيعاً من (السناء) ، وفي هذا القول نظر؛ لأنه جعله (فيغالاً) ، نحو: ديماس، وهذا الوزن منصرف، وسيناء غير منصرف، إلا أن للمحتج له أن يقول: جعل اسما للبقعة وهو معرفة؛ فلم ينصرف لذلك، ولا يجوز أن تكون همزته للتأنيث؛ لأن همزة التأنيث لا تدخل فيما كان على هذه البنية: مما لأوله مكسور، وإنما يكون هذا البناء ملحقاً نحو: علباء وزيزاء وما أشبه ذلك، ولا يوجد في الكلام مثل: حمراء بكسر الحاء، وهذا على قراءة نافع وأبي عمرو وابن كثير؛ لأنهم قرؤوا بكسر السين، وقرأ الباقون بفتح السين، فعلى هذا يجوز أن تكون همزته للتأنيث فيكون (سيناء) مثل (بيضاء) ، وفيه لغة أخرى وهي: طور سنين، وجاء القرآن باللغتين. والأطوار: جبال بالشام طور سيناء وطور زيتاء وهما بأرض بيت المقدس. وقرأ أبو عمرو وابن كثير ﴿تَنْبُتُ﴾ بضم التاء، وقرأ الباقون بفتحها. واختلف في هذه (الباء) : فقال قوم: يقال (نبت) و (أنبت) بمعنى، وأنشد الأصمعي لزهير: رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم قطيناً بها حتى إذا أنبت البقل فالباء على هذا لتعدي الفعل. وقيل: الباء زائدة، والمعنى: تنبت الدهن كما قال الشاعر:

стр. 255

نحن بنو جعدة أرباب الفلج نضرب بالسيف ونرجو بالفرج أي: نرجو الفرج. وقيل: (الباء) ليست بزائدة، والمفعول محذوف و (الباء) في موضع نصب على الحال تقديره: تنبت ثمرها بالدهن، أي: وفيه الدهن، كما قال الشاعر: ومستنة كاستنان الخرو ف قد قطع الحبل بالمرود أي: وفيه المرود. فهذا على مذهب من ضم (التاء) ، فأما من فتحها فيجوز وجهان: أحدهما: أن تكون للتعدي على حد قولك: ذهبت بزيد، وأنت تريد: أذهبت زيداً فكأنه في التقدير: تنبت الدهن، ومثله: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦] ، أي: تنيء العصبة، وليس قول أبي عبيدة إنه مقلوب، وإن المعنى فيه: ما إن مفاتحه لتنوء العصبة بها بشيء لأن هذا القلب إنما يقع من الضرورة نحو قول الشاعر: كانت فريضة ما أتيت كما كان الزناء فريضة الرجم وكذا قوا امرئ القيس: يضيء الفراش وجهها لضجيعها كمصباح زيت في قناديل ذبال أي: في ذبال قناديل: والثاني: ان تكون (الباء) في موضع نصب على الحال، والتقدير:

стр. 256

تنبت وفيها الدهن، أي: تنبت دهنه، ومثله، خرج بثيابه، والمعنى: خرج لابساً ثيابه، وهو في الكلام كثير. * * * قوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] . معنى هيهات: بعد، والتقدير: بعداً لما توعدون، وهو صوت مثل: صه ومه، وهذه الأصوات إنما تأتي في الأغلب في الأمر والنهي، إلا أن هذا جاء في الخبر، ونظيره (شتان ماهما) أي: بعد بعضهما من بعض جداً. وهذه الأصوات كلها مبنية لإيغالها في شبه الأفعال، وإنما جعلت هكذا للإفهام بها كما تفهم البهيمة بالزجر. قال ابن عباس: المعنى في (هيهات) بعد بعيد، والعرب تقول: هيهات لما تبغي وهيهات منزلك، قال جرير: فأيهات أيهات العقيق ومن به وأيهات خل بالعقيق نواصله ويقال هيهات وأيهات، وفي (هيهات) لغات: منهم من يقول: هيهات على أنه واحد، واختلف في الوقف عليها، فاختار الكسائي الوقف بالهاء؛ لأن التاء زائدة، واختار الفراء الزقف بالتاء، لأن قبلها ساكناً فصارت كتاء (بنت) و (أخت) . والثاني: أن من العرب من يقول: هيهاتُ هيهاتُ بالضم. والثالث: أن منهم من يقول: هيهاتِ بالكسر. والوقف على هذين الوجهين بالتاء؛ لأنها بمنزلة التاء في مسلمات، وهي (تاء) جمع، وليس (هيهات) على هذه اللغة واحداً. ومن العرب من ينون فيقول: هيهاتاً، وهيهاتٌ، كذلك قال الزجاج وغيره. والفرق بين التنزين وحذفه: أن من نون جعل هذه الأسماء نكرة، ومن لم ينون جعلها

стр. 257

معرفة؛ والتنوين يدخل في الأصوات للفرق بين المعرفة والنكرة، نحو: إيِه وإيٍه، وغاقِ وغاقٍ في حكاية صوت الغراب، وكذلك: ماءِ ماءٍ في حكاية صوت الشاء. ومن العرب من يقول: هيهاهِ هيهاهِ بالهاء. وموضع ﴿لِمَا تُوعَدُونَ﴾ رفع؛ أن المعنى: بعد ما توعدون. * * * قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ [المؤمنون: ٤٤] معنى تترى: يتبع بعضهم بعضاً، كذا قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد. وأصلها من (المواترة) ، وكان قبل العلب (وترى) فأبدل من الواو تاء؛ لأن التاء أجلد من الواو وأقوى، كما فعلوا في: تخمة وتمة لأنهما من الوخامة والوهم، وكذلك تجاه وتراث وتولج وما أشبه ذلك. والعرب تختلف في (تترى) : فمنهم من ينونها فيقول ﴿تَتْراً﴾ وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير، والألف على هذا الإلحاق بمنزله (علقى) الملحق بجعفر، و (أرطا) في أحد القولين. والأصل (تَتْرَيٌ) فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ومن كانت هذه لغته لم يمل. ومنهم من يقول: (تترى) بغير تنوين، يجعل الألف للتأنيث، وبذلك قرأ الباقون، ومنهم من يميل؛ لأنها ألف تأنيث بمنزلة الألف التي في غضبى وسكرى، ومنهم لا يميل على الأصل.

стр. 258

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] الطيبات هاهنا: الحلال، وقيل: الطيبات ما يستلذ، فعلى الوجه الأول يكون أمراً واجباً، وعلى الثاني يكون أمراً على طريق الإباحة. والأصل في (كلوا) (أؤكلوا) ، فكره اجتماع همزتين، فحذفت الثانية استثقالا لها؛ لأن الثقل بها وقع، فوليت همزة الوصل متحركا فحذفت للاستغناء عنها. واختلف في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ [المؤمنون: ٥١] : فقيل: هو خطاب لعيسى ﵇، وهو خطاب لواحد، كما تخاطب الواحد مخاطبة الجمع: نحو قولك للواحد: يا أيها القوم كفوا عنا أذاكم. وقيل هو للحكاية لما قيل لجميع الرسل. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: ما موضع (إِنَّ) من قوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٥٢] ؟ وفيها جوابان: أحدهما: أ، موضعها نصب، والتقدير: ولأن هذه أمتكم، فهي مفعول له. والثاني: أن موضعها جر على العطف على قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٥١] . وفي قوله: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٥٢] تقوية لقول سيبويه في قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] ، وعطفه على موضع ﴿أَنَّ﴾ ، وموضع

стр. 259

الدليل من هذه الآية: أن ﴿أَنَاْ﴾ من ضمائر الرفع، وقد عطفه على ﴿أَنَّ﴾ على مذهب من جعلها في موضع نصب. ونصب ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على الحال، والكوفيون يسمون الحال (قطعاً) ، وربما قالوا: نصب على الاستثناء. واختلف في الأمة هاهنا: فقيل: الأمة الملة، وهوقول الحسن وابن جريج، أي: دينكم دين واحد، والأمة قد تقع على الدين، نحو قوله: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] أي: على دين. قال النابغة: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع وقيل: الأمة هاهنا الجماعة، والمعنى: جماعتكم جماعة واحدة في الشريعة، والجماعة تسمى أمة. نحو قوله تعالى: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] . والأمة في غير هذا المكان: الحين، ومنه: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] . والأمة: الرجل العالم المنفرد، نحو قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] . والأمة: القرن من الناس وغيرهم، نحو قوله تعالى: ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] . والأمة: القامة، نحو قول الشاعر: وإن معاوية الأكرمين حسان الوجوه طوال الأمم * * * قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦] .

стр. 260

اختلف في ﴿اسْتَكَانُوا﴾ : فقيل: هو (استفعل) من الكون، والمعنى: ما طلبوا الكون على صفة الخضوع. وقيل: هو من (السكون) ، إلا أن الفتحة أشبعت فنشأت منها ألف، فصار (استكانوا) ، وهو على هذا القول (افتعلوا) ، أي: استكنوا، قال الشاعر في إشباع الفتحة: فأنت من الغوائل حين ترمى ومن ذم الرجال بمنتزاح أي: بمنتزح، وقال عنترة: ينباع من ذفرى غضوب جسرة زيافة مثل الفنيق المكرم يريد: ينبع، فأشبع الفتحة على ما قدمنا. * * * قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] . يسأل: لم جاز ﴿ارْجِعُونِ﴾ بلفظ الجمع؟ وفيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه استغاث أولا بالله تعالى واستعان به، ثم رجع إلى مسألة الملائكة في الرجوع إلى الدنيا هذا القول رواه ابن جريج. والثاني: أن العظماء يخبرون عن أنفسهم كما تخبر الجماعة، فخوطبوا كما تخاطب الجماعة. والثالث: أنه جمع الضمير ليدل على التكرار، فكأنه قال: رب ارجعن ارجعن ارجعن، وهذا قول المازني.

стр. 261

﴿ومن سورة النور﴾ * * * قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ١] . في (السورة) للعلماء أقوال: أحدها: أنها مأخوذة من سور البناء، وهي ارتفاعه، وقيل: هو ساف من أسوافه، فعلى القول الأول تكون تسميتها بذلك لارتفاعها في النفوس، وعلى القول الثاني تكون تسميتها بذلك لأنها قطعة من القرآن. وقيل: السورة الشرف والجلالة، قال النابغة. ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب فإنك شمس والملوك كواكب إذا طلعت لم يبد منهم كوكب وقيل: أصلها الهمزة واشتقاقها من (أسأرت) إذا أبقيت في الإناء بقية، ومنه الحديث: (إذا شربتم فأسئروا) ، إلا أنه اجتمع على تخفيفها كما اجتمع على تخفيف (برية) و (روية) وهما من: برأ الله الخلق وروأت في الأمر. وأصل الفرض: الحز، ثم اتسع فيه فجعل في موضع الإيجاب. والرأفة: التحنن والتعطف، يقال: رأفة ورآفة. والطائفة هاهنا: رجلان فصاعداً، وهو قول عكرمة، وقيل: ثلاثة فصاعداً، وهو قول قتادة والزهري، وقيل: أقله أربعة، وهو قول ابن زيد. واختلف في قوله: ﴿فَرَضْنَاهَا﴾ :

стр. 262

فقيل: معناه فصلنا فيها فرائض مختلفة، كما تقول: فرضت له كذا، أي جعلت له نصيبا منه. وقيل: أوحيناها عليكم وعلى من بعدكم إلى يوم القيامة. فصل: ومما يسأل عنه قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] ؟ وفي هذا أجوبة: أحدها: أنها نزلت على سبب. وهو أن رجلا من المسلمين استأذن النبي ﷺ في أن يتزوج (أم مهزول) ، وهي امرأة كانت تسافح ولها راية على بابها تعرف بها، فنزلت هذه الآية، وهذا قول عبد الله بن عباس وابن عمر، قال مجاهد والزهري وشعبة وقتادة والشعبي: حرم الله تزويج أصحاب الرايات. والثاني: أن النكاح هاهنا الجماع، والمعنى: أنهما اشتركا في الزنا فهي مثله، وهذا قول الضحاك واين زيد وسعيد بن جبير، وروي مثل ذلك عن ابن عباس في أحد قوليه. والثالث: أن هذا الحكم كان في كل زان وزانية ثم نسخ بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] ، وهو قول سعيد بن جبير، ووجه هذا: أن يكون قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣] خبرا وفيه معنى التحذير، فكأنه نهي في المعنى، ثم نسخ؛ وإنما احتيج إلى هذا التأويل من قبل أن النسخ لا يصح في الأخبار، وإنما يصح في الأوامر والنواهي. ويسأل عن قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ﴾ بم ارتفع؟ والجواب: أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه سورة، ولا يجوز أن يكون مبتدأ: لأنها نكرة ولا يبتدأ بالنكرة حتى توصف، وإن جعلت ﴿أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ صفة لها بقي

стр. 263

المبتدأ بلا خبر، هذا قول أكثر العلماء. ويجوز عندي أن تكون مبتدأة على إضمار الخبر، والتقدير: فيما يتلى عليكم سورة أنزلناها، ولا يجوز أن نقدر هذا الخبر متأخراً؛ لأن خبر النكرة يتقدم عليها، نحو قولك: في الدار رجل، وله مال، ولا يحسن: رجل في الدار، ومال له؛ وإنما قبح ذلك لقلة الفائدة. وقرأ عيسى بن عمر ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ على إضمار فعل يفسره ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾ ، والتقدير: أنزلنا سورة أنزلناها، إلا أن هذا الفعل لا يظهر؛ لأن الظاهر يكفي منه. وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النور: ٢] مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير: فيما يتلى عليكم الزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما، هذا قول سيبويه، وتلخيصه: أن المعنى: فيما يتلى عليكم حكم الزانية والزاني فاجلدوا؛ وإنما احتيج إلى هذا التقدير؛ لأن المتلو إنما هو حكمهما لا أنفسهما. والفاء دخلت في قوله: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ جوابا لما في الكلام من الإبهام؛ إذ لا يقصد بها زانية بعينها ولا زان بعينه ولذلك رفعا. ويجوز النصب على وجهين: أحدهما: إضمار فعل يدل عليه ﴿فَاجْلِدُوا﴾ . والثاني: أن يكون منصوبا بـ: (اجلدوا) على تقدير زيادة الفاء، كما تقول: زيدا فاضرب.

стр. 264

قرأ ابن كثير ﴿فَرَضْنَاهَا﴾ بالتشديد و ﴿رَأْفَةٌ﴾ بفتح الهمزة، وقرأ الباقون بالتخفيف وإسكان الهمزة، التشديد للمبالغة، وأما فتح الهمزة وإسكانها فلغتان. * * * قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور: ٢٦] . الخبيث: نقيض الطيب. واختلف في معنى قوله: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦] : فقال ابن عباس والضحاك ومجاهد والحسن: الخبيثات من الكلم للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلم، والطيبات من الكلم للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من الكلم. وقال ابن زيد: الخبيثات من السيئات للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من السيئات، والطيبات من الحسنات للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال، للطيبات من الحسنات. وقيل: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء. ثم جمع ذلك في قوله: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦] فرد الضمير على الطيبات والطيبين. وقال الفراء ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ يعني به عائشة ﵂ وصفوان بن المعطل، وهوبمنزلة قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] والأم تحجب بالأخوين، فجاء على تقليب لفظ الجمع.

стр. 265

قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] . النور: الضياء، ونقيضه الظلمة، والمشكاة الكوة في الحائط يوضع عليها زجاجة ثم يكون المصباح خلف تلك الزجاجة، ويكون للكوة باب آخر يوضع المصباح فيه. ويقال/ زُجاجة وزِجاجة وزَجاجة. والمصباح: (مفعال) من الصبح، ويقال: مِصْبَحُ كمِفْتَاحٌ ومِفْتَحٌ. واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ : فقيل: منورهما بالشمس والقمر والنجوم، وهذا قول ابن عباس وأبي العالية والحسن. وقيل: هادي أهل السموات والأرض، وهذا أيضا يروى عن ابن عباس. وفي تقدير قوله: ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من جهة الإعراب وجهان: أحدهما: أن يكون على حد المضاف، تقديره: ذو نور السموات والأرض، ثم حذف على حد قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧] ، وقوله: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] . والثاني: أن يكون مصدراً وضع موضع اسم الفاعل، كما قال تعالى: ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: ٣٠] ، أي: غائرا، وكما قالت الخنساء: ترتع ما غفلت حتى إذا ادكرت فإنما هي إقبال وإدبار ويسأل عن الضمير في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ علان يعود؟ وفيه أجوبة: أحدها: أنه يعود على اسم الله ، وهو قول ابن عباس، وفي هذا تقديران: أحدهما: أن يكون على معنى: مثل نوره الذي جعله في قلب المؤمن كمشكاة صفتها

стр. 266

كذا وكذا، فأضاف النور إلى نفسه، كما يقال بيت الله، وناقة الله، للتعظيم لهما. والثاني: أن يكون نور المصباح أعظم نور يعرفه الناس، فضرب الله تعالى المثل به، وشبه نوره بأعظم نور يعرفه الناس؛ لأنه تعالى خاطب العرب على قدر ما يفهمون. وقال الحسن المعنى: مثل نور القرآن في القلب كمشكاة. ويروى عن ابن عباس أيضاً: أن النور هاهنا (الطاعة) أي: مثل طاعة الله في قلب المؤمن. وقيل: يعود الضمير على النبي ﷺ ، أي: مثل نور النبي في المؤمنين. واختلف في قوله: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥] : فقال ابن عباس: لا شرقية تشرق عليها الشمس فقط، ولا غربية تغرب عنها الشمس فقط، بل هي شرقية غربية؛ لأنها أخذت بحظها من الأمرين. وروي عنه أيضا أنه قال: هي وسط الشجر. وروي عن قتادة: أنها ضاحية للشمس. وقال الحسن: ليس من شجر الدنيا، فتكون شرقية أو غربية. وقوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور: ٣٥] ، أي: نور هدى التوحيد على نور الهدى بالقرآن، وقيل: نور على نور يضيء بعضه بعضا، وهو قول زيد بن أسلم. قرأ نافع وابن عامر وابن كثير وعاصم من طريق حفص ﴿دُرِى﴾ بضم الدال، نسبوه إلى (الدر) في صفائه وبياضه، وقرأ أبو عمرو والكسائي ﴿دِرِّيءِ﴾ بكسر الدال والهمز، أخذه من (الدرء) وهو الدفع، كأنه يدفع الظاهر بنوره، وقرأ حمزة وعاصم من طريق أبي بكر ﴿دُرِّيءُ﴾ بضم الدال والهمزة، وفي هذه القراءة نظر؛ لأن (فعيل) في الكلام لم يأت منه سوى (مريق) وهو بناء شاذ.

стр. 267

وقرأ عاصم وحمزة من طريق أبي بكر ﴿تُوقِدُ﴾ بضم التاء والقاف مخففة، أعاد الضمير على الزجاجة، وقرأ أبو عمرو وابن كثير ﴿تَوقَدَ﴾ فتح التاء والقاف والدال، أعاد الضمير على المصباح، وجعلا الفعل ماضيا، وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم ﴿يُوقِدُ﴾ بالياء مخففا، أعادوا الضمير على المصباح أيضا، وجعلوا الفعل مستقبلا لما لم يسم فاعله. واختلف في المشكاة: فقيل: هي رومية معربة. قال الزجاج: يجوز أن تكون عربية؛ لأن في الكلام مثل لفظها (شكوة) وهي قرية صغيرة، فعلى هذا تكون (مشكاة) (مفعلة) منها، وأصلها، مشكوة، فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. * * * قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [ النور: ٤٠] . اللجنة: معظم البحر الذي لا يرى له ساحل. ومعنى الآية: أن أعمال الذين كفروا كسراب بقيعة في أنه يظن شيئا وليس بشيء، وهذا من التشبيه المعجز؛ لأنه تشبيه ماله حقيقة بما ليس له حقيقة، لما كان عاقبة ماله حقيقة إلى لا شيء. ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ في أن أعمالهم مظلمة، وبالغ الله تعالى في صفة هذه الظلمات لكثرة حيرة الذين كفروا في أعمالهم وجهلهم. واختلف العلماء في قوله: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ : فقال الجمهور من العلماء المعنى: لا يراها ولا يقارب رؤيتها؛ لأن دون هذه الظلمة لا يرى فيها.

стр. 268

وقال بعضهم: يراها بعد جهد ومشقة رؤية تخيل لصورتها؛ لأن حكم (كاد) إذا لم يدخل عليها حرف نفي أن تكون نافية، وإن دخلها حرف نفي دلت على أن الأمر وقع بعد بطء. فالأول كقوله تعالى: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٣] ، فهذا نفي إلا أنه قارب ذلك، وقال: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] ، والمعنى فعلوا بعد بطء. وقيل: (كاد) هاهنا دخلت للنفي كما يدخل الظن بمعنى اليقين، قال الحسن: لم يرها ولم يقارب الرؤية، قال الشاعر: ما كدت أعرف إلا بعد إنكار وقال ذو الرمة: إذا غير النأي المحبين لم يكد على كل حال حب مية يبرح ويروى: رسيس الهوى من حب مية يبرح. والظلمات: ظلمة البحر وظلمة السحاب وظلمة الليل، وكذا حال الكافرين ظلمة واعتقادهم ظلمة ومصيرهم إلى ظلمة؛ وهي نار يوم القيامة. * * * قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٣] . البرد: حجارة تنعقد من الثلج، والسنا: النور. قيل: في السماء جبال برد مخلوقة، وقيل: بل المعنى قدر جبال يجعل منها بردا.

стр. 269

واختلف النحويون في ﴿مِن﴾ الثانية والثالثة: فجعل بعضهم الثانية زائدة، فعلى هذا المعنى يكون التقدير: ينزل من السماء جبالا فيها من برد، و ﴿مِن﴾ في قوله: ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ لبيان الجنس، كما قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] . وقال بعضهم: الثالثة زائدة، والمعنى على هذا: وينزل من السماء من جبال فيها بردا، أي: وينزل من السماء بردا من جبال فيها، فهذا يدل على أن في السماء جبال برد، و ﴿مِنَ﴾ الثانية على هذا القول لابتداء الغاية، وهي مع ﴿جِبَالٍ﴾ بدل منقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ بإعادة الجار، كما قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَا﴾ [الأعراف: ٧٥] ، وهو بدل الاشتمال؛ لأن السماء تشتمل على الجبال، كما تقول: يعجبني شعبان الصوم فيه، أي: يعجبني الصوم في شعبان. * * * قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [النور: ٥٧] . الحسبان والظن سواء، يقال: حسب يحسب بكسر السين وفتحها، يروى أن الفتح لغة النبي ﷺ . وقرأ حمزة وابن عامر: ﴿ولَا يَحْسَبَنَّ﴾ بالياس وفتح السين، فـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ على هذا فاعلون، والمفعول الأول ليحسبن محذوف، والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين أو إياهم معجزين، وحسن حذف المفعول الأول لأنه هو الذي كان مبتدأ، وحذف المبتدأ جائز لدلالة الخبر عليه، نحو قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] أي: أمرنا حطة أو طلبتنا حطة، وكذلك: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢١] أي: طلبتنا طاعة. وقرأ الباقون بالتاء وكسر السين، فلا حذف على هذه القراءة؛ لأن الفاعل مضمر،

стр. 270

وهو النبي ﷺ والذين كفروا مفعول أول، ومعجزين مفعول ثاني. ﴿ومن سورة الفرقان﴾ * * * قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان: ٢٧] هذه الآية نزلت في أبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط، قال ابن عباس: صنع عقبة طعاما ودعا أشراف مكة، فكان رسول الله ﷺ فيهم، فامتنع أن يطعم أو يشهد عقبة بشهادة الحق، ففعل ذلك، فأتاه أبي بن خلف وكان خليله فقال، أصبوت؟ فقال: لا، ولكن دخل علي رجل من قريش فاستحييت أن يخرج من منزلي ولم يطعم، فقال: ما كنت لأرضى حتى تبصق في وجهه، وتفعل به كذا وتفعل، ففعل ذلك. فأنزل الله هذه الآية فيهما. والظالم هاهنا: عقبة، والمكنى عنه: أبي، ولم يسميا؛ لتكون الآية عامة في كل من فعل فعلهما، ثم أبي بن خلف قتل يوم أحد قتله النبي ﷺ بيده كذا روى قتادة، وقتل عقبة يوم بدر صبرا. * * * قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] . قال بعض النحويين (الباء) في قوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ بمعنى: عن، والمعنى: فاسأل عنه خبيرا، و (الباء) تبدل من (عن) مع (سل) و (سألت) ، قال علقمة: فإن تسألوني بالنساء فإنني بصير بأدواء النساء طبيب والخبير هاهنا: الله تعالى، هذا قول ابن جريج.

стр. 271

وقال بعضهم: (الباء) على أصلها، والمعنى: فاسأل بسؤالك خبيرا أيها الإنسان يخبرك بالحق في صفته، ودل (فاسأل) على السؤال، كما قالت العرب: من كذب كان شرا له، أي: كان الكذب، ودل عليه كذب، وكما قال الشاعر: إذا نهي السفيه جرى إليه وخالف والسفيه إلى خلاف * * * قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] . نصب ﴿سَلَامًا﴾ ؛ لأنه ليس بحكاية، ولو كان حكاية لرفع، كما قال في آية أخرى: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [هود: ٦٩] ، أي: سلام عليكم، وإنما المعنى أنهم قالوا قولا يسلمون به. قال سيبويه المعنى: قالوا سدادا من القول، أي: سلمنا منكم، قال سيبويه: ولم يؤمر المسلمون ذلك الوقت بالقتال، فأنزل، وهي منسوخة بآية القتال، ولم يتكلم سيبويه في شيء من الناسخ والمنسوخ إلا في هذه الآية. قوله : ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ [الفرقان: ٦٩] قيل معناه: يلقى جزاء الآثام كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] . أي: جزاء السيئة سيئة مثلها، وكذلك ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر: ٤٨] ، أي: عقاب ما كانوا به يستهزئون؛ لأن ما كانوا به يستهزئون لا يحيق بهم يوم القيامة. قرأ عاصم من طريقة أبي بكر ﴿يُضَاعِفُ﴾ و ﴿يَخْلُدْ﴾ بالرفع على الاستئناف والقطع، و ﴿يَلْقَ﴾ جواب الشرط الذي هو ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ . وقرأ الباقون بالجزم، إلا أن اين عامر يقرأ ﴿يُضَعَّفُ﴾ بالرفع على الاستئناف، وابن كثير ﴿يُضَعَّفْ﴾ بالتشديد والجزم.

стр. 272

ووجه أنه بدل من ﴿يَلقَ﴾ ، ومثله قول الشاعر: متى تأتينا تلمم بنا في ديارنا تجد حطبا جزلا ونارا تأججا فأبدل (تلمم) من (تأتنا) ، وبدل الفعل من الفعل لا يكاد يوجد إلى في الشرط والجزاء. * * * قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] . يسأل عن توحيد (إمام) هاهنا، وهو يرجع إلى جماعة؟ وفيه خلاف: قال بعضهم: وحد لأنه مصدر من: أم فلان فلانا إماما، كما تقول: قام قياما وصام صياما، ومن جمعه فقال (أئمة) فلأنه قد كثر في معنى الصفة. وقيل: جاء على الجواب، كقول القائل: من أميركم؟ فيقول المجيب: هؤلاء أميرنا، قال الشاعر: يا عاذلاتي لا تردن ملامتي إن العواذل ليس لي بأمير وقيل المعنى: واجعل كل واحد منا إماما، فأجمل والمعنى معنى التفصيل. ﴿ومن سورة الشعراء﴾ * * * قوله تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] . يسأل عن قوله تعالى: ﴿رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لم أفرد وهما اثنان؟

стр. 273

وفيه خلاف: قال بعضهم: المعنى: كل واحد منا رسول رب العالمين. وقيل: الرسول في معنى الرسالة، فالتقدير على هذا ذوو رسول رب العالمين، وهذا كقولهم: رجل عدل، ورضا، ورجلان عدل ورضا، ورجال عدل ورضا، قال كثير: لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول أي: برسالة. وقيل: الرسول يقع على الاثنين والجميع، كما يقع على الواحد، قال الهذلي: ألكني إليها وخير الرسول أعلمهم بنواحي الخبر * * * قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢] قيل: في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ ثلاثة أقوال: أحدها: أن المعنى: اتخاذك بني إسرائيل عبيدا أحبط ذلك. والثاني: أن المعنى أنك لما ظلمت بني إسرائيل ولم تظلمني اعتدت بها نعمة علي. والثالث: أن المعنى: لا يوثق بهذه النعمة منك مع ظلمك بني إسرائيل في تعبيدك إياهم. وكل ذلك حجة على فرعون وتقريع له. ويجوز في موضع ﴿أَنْ﴾ وجهان: أحدهما: أن تكون في موضع نصب مفعولا له، أي: لأن عبدت. والثاني: أن تكون في موضع رفع على البدل من نعمة.

стр. 274

قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] . ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ في موضع نصب؛ لأنه خبر ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ﴾ ، ويجوز أن تنسب ﴿آيَةً﴾ وتجعلها الخبر، وتجعل ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ الاسم، ويجوز أن يكون قوله: ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ مبتدأ والخبر ﴿آيَةً﴾ والجملة خبر ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ﴾ واسمها مضمر فيها، كأنه في التقدير: أو لم تكن القصة لهم أن يعلمه علماء بني إسرائيل آية. هذا على قراءة من قرأ بالتاء وأما من قرأ بالياء فإنه يضمر الأمر أو الشأن، ونحو من ذلك قول الشاعر: إذا مت كان الناس صنفان شامت وآخر مثن بالذي كنت أصنع أي: كان الأمر، وأنشد سيبويه لهشام أخي ذي الرمة: هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها وليس منها شفاء الداء مبذول أي: ليس الأمر. وعلماء بني إسرائيل يعني بهم: عبد الله بن سلام، هذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. * * * قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] . الشعراء هاهنا: الذين تعاطوا معارضة القرآن. والغاوون: أتباعهم كانوا يتبعونهم ليسمعوا ما يقولون ليشيعوه.

стр. 275

وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] يعني به: حسان بن ثابت، وقيل يعني به: شعراء النبي ﵇ كلهم، وقيل يعني به: شعراء المسلمين. وعلى القول الأول جمهور العلماء. وارتفع قوله: ﴿والشعراء﴾ بالابتداء، و ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ الخبر، ويجوز النصب على إضمار فعل، كأنه في التقدير: ويتبع الغاوون الشعراء يتبعهم الغاوون، ثم يحذف الأول لدلاله الثاني عليه، ومثله قولك: زيد ضربته، وزيدا ضربته، إلا أن الرفع أجود، ومن هنالك أجمع عليه القراء المشهورون. وانتصب قوله: ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] ؛ لأنه نعت مصدر محذوف تقديره: وسيعلم الذين ظلموا منقلبا أي منقلب ينقلبون. والعامل في (أي) (ينقلبون) ، ولا يجوز أن يعمل فيها (سيعلم) ؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وإنما يعمل فيه ما بعده، والعلة في ذلك: أن الاستخبار قبل الخبر، ورتبة الاستخبار التقديم، فلم يجز أن يعمل فيه الخبر؛ لأن الخبر بعده، وذلك أنه موضوع على أنه جواب مستخبر. ﴿ومن سورة النمل﴾ * * * قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: ٦-٧] . الإيناس: الأبصار، والقبس: قطعة من النار، قال الشاعر:

стр. 276

في كفة صعدة مثقفة فيها سنان كشعلة القبس والاصطلاء: التسخين إلى النار. وفي (لدن) أربع لغات: لدن، ولدن، ولدى، ولد، والعرب مجمعة على جر ما بعدها إلا مع (غدوة) فإنهم قد ينصبونها بعد (لدن) ؛ وإنما نصبت بها لأن هذه النون شبهت بالنون في (عشرين) فنصب ما بعدها على التشبيه بالتمييز، هذا قول سيبويه. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: ما معنى قوله: ﴿أن بورك من في النار﴾ [النمل: ٨] ؟ وعنه جوابان: أحدهما: أنه يعني به (الملائكة) . والثاني: أنه يعني به (القديم تعالى) ، وحسن ذلك لكلامه لموسى ﵇ من النار، وإظهار الآيات، وهو قول ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة. ومما يسأل عنه أن يقال: لم قال لامرأته ﴿سَآتِيكُمْ﴾ [النمل: ٧] وهي واحدة؟ وعن هذا جوابان: أحدهما: أنه أقامها مقام الجماعة في الأنس بها والسكون إليها في الأمكنة الموحشة. والثاني: أنه على طريق الكناية، والعرب قد تستعمل مثل ذلك. والبركة: ثبوت الخير، قال الفراء يقال، بارك الله لك وباركك، وبارك فيك، وبورك في زيد وبورك عليه. .

стр. 277

قرأ الكسائي وعاصم وحمزة ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ على البدل من (شهاب) ، وقرأ الباقون ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ على الإضافة. قال الفراء: هو بمنزلة قوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩] ، مما يضاف إلى نفسه إذا اختلف اسماه لفظاه. وهذا عند البصريين غلط؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، وإنما يضاف إلى غيره ليخصصه أو ليعرفه، فأما قوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ فتقديره عندهم: ولدار الساعة الآخرة، ثم حذف الموصوف وأقيمت صفتع مقامه، ومثله قوله تعالى: ﴿حَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩] ، إنما معناه: حب النبت الحصيد، ومن كلام العرب: صلاة الأولى ومسجد الجامع، والتقدير فيهما: صلاة الفريضة الأولى، ومسجد اليوم الجامع، وكذا قراءة من قرأ ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ إنما معناه: بشهاب نار؛ لأن الشهاب قد يقع على غير النار، فصار هذا من باب: ثوب خز، وخاتم فضة، والمعنى: من خز، ومن فضة، ومن قبس. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: ما موضع ﴿إِذ﴾ ؟ والجواب: أن موضعها نصب بإضمار فعل، كأنه قال: اذكر إذ قال، وهذا قول الزجاج، وقال غيره: هو منصوب بـ: ﴿عَلِيمٍ﴾ أي: عليك إذ قال. ويسأل عن موضع قوله: ﴿أَنْ بُورِكَ﴾ [النمل: ٨] ؟ قال الفراء: يجعل ﴿أَنْ﴾ في موضع نصب إذا أضمرت اسم (موسى) في (نودي) ،

стр. 278

وإن لم تضمر اسمه في (نودي) فهي في موضع رفع، أي: نودي ذلك، قال: وفي حرف أبي بن كعب "أن بوركت النار". وتلخيص الوجه الأول: أن يكون المعنى: ونودي موسى بأن بورك، ثم حذف (الباء) فوصل الفعل إلى (أن) . وتلخيص الوجه الثاني: أن يكون المعنى: ونودي البركة و ﴿مَنْ حَوْلَهَا﴾ في موضع رفع؛ لأنه معطوف على موضع (من) الأولى. * * * قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل: ٢٤] الخبأ: أصله من خبأت الشيء أي سترته وأخفيته، وخبء السموات: الأمطار والرياح، وخبء الأرض: الأشجار والنبات. ومما يسأل عنه أن يقال: ما موضع (أن) من ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ [النمل: ٢٥] ؟ والجواب أن التقدير مختلف: أما من خفف ﴿ألا يسجدوا﴾ فإن المعنى عنده ألا يا قوم اسجدوا، فاسجدوا على هذه القراءة مبنى؛ لأنه أمر، والعرب تحذف المنادى وتدع حرف النداء ليدل عليه، قال الشاعر: يالعنة الله والأقوام كلهم والصالحين على سمعان منجار والمعنى: يا قوم لعنة الله، وقيل: (يا) هاهنا للتنبيه، وليس بحرف نداء، قال ذو الرمة: ألا يا اسلمي يا دارمي على البلا ولا زال منهلا بجرعائك القطر

стр. 279

روى الفراء عن الكسائي عن عيسى الهمداني قال: لم أسمع المشيخة يقرؤونها إلا بالتخفيف على نية الأمر، قال: وهي حرف عبد الله بن مسعود "هلا تسجدون" بالتاء، فهذا تقوية لقوله: (ألا يا) ؛ لأن قولك: (ألا) تقوم بمنزلة قولك: قم، وفي حرف أبي "ألا تسجدون"، قال: وهو وجه الكلام؛ لأنها سجدة. ومن قرأ "ألا يسجدوا" فشدد، فلا ينبغي لها أن تكون سجدة؛ لأن المعنى: وزين لهم الشيطان ألا يسجدوا، فعلى هذا القول يكون موضع (أن) نصبا على البدل من ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ . وقال علي بن عيسى المعنى: وزين لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا. وقيل موضع (أن) جر على البدل من ﴿السَّبِيلِ﴾ ، كأنه قال: فصدهم عن أن يسجدوا، و (لا) على هذا الوجه زائدة. * * * قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] يسأل عن معنى قوله: ﴿كَرِيمٌ﴾ ؟ وفيه أجوبة: أحدها: أنه مختوم وذلك لكرمه. والثاني: أنه جعلته كريما لكرم صاحبه، فإنه من عند ملك: والثالث: أنه حقيق بأن يؤمل الخير العظيم من جهته. والرابع: أن الطير حملته وذلك لكرمه. والخامس: أنه جعلته كريما من قبل أن صاحبه يعطيه الجن والإنس. وقيل: أنها قالت كريم قب أن تعلم أنه من سليمان، قال الفراء: ولا يعجبني ذلك؛ لأنهم زعموا أنها كانت قارئة قد قرأت الكتاب قبل أن تخرج إلى ملئها.

стр. 280

والملأ: الأشراف لأنهم ملاء بما يراد منهم. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: كيف قال: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] ولم تكن تلك اللغة عربية، وقال علي بن عيسى: هو حكاية للمعنى، وقيل: بل كان بالعربية؛ لأن المكتوب إليها كانت من العرب، وهي بلقيس بنت شراحيل، وقيل: هي بنت الهدهاد الحميري. ومما يسأل عنه أن يقال: لم قدم ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٣٠] على قوله ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ؟ وفيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ كان عنوانا. والثاني: أن (الواو) لا ترتب، فالكلام على التقديم والتأخير، قال حسان: بهاليل منهم جعفر وابن أمة علي ومنهم أحمد المتخير والثالث: أن الكتاب إلى كافرة فخشي سليمان أن يكون منها مكروه في اسم الله تعالى فقدم اسمه قبله. والقراءة ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ بالكسر، قال الفراء: ولو فتحت (إن) والتي قبلها لكان حائزا على قولك: ألقي إلى أنه من سليمان وأنه اسم الله، وقع التكرير على الكتاب، فعلى هذا يكون موضعها رفعا على البدل من الكتاب، قال: ويجوز نصبها على سقوط الجار منهما، قال: وهي في قراءة أبي: "وأن بسم الله الرحمن الرحيم"، وفي ذلك حجة لمن فتحهما؛ لأن (أن) إذا كانت مخففة مفتوحة مع الفعل، أو ما يحكى لم تكن إلا مخففة النون. * * * قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ [النمل: ٣١-٣٢] .

стр. 281

يسأل عن موضع (أن) من قوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا﴾ ؟ والجواب: أنها تحتمل أن تكون في موضع رفع على البدل من كتاب، كأنه قال: ألقي إلي أن لا تعلوا علي. ويجوز أن تكون في موضع نصب على تقدير: بأن لا تعلو علي. قال الزجاج: كان الكتاب (بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله سليمان إلى بلقيس بنت شراحيل: لا تعلوا علي وأتوني مسلمين) . * * * قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل: ٣٣] . قال الزجاج: يروى أنه كان معها ألف (قيل) ، مع كل (قيل) مائة ألف رجل، ولذلك قالوا: قال: وقيل كان من كل (قيل) ألف رجل، وهذا أشبه. وجاء أنهم عرضوا عليها القتال بقولهم: نحن أولو قوة، عن ابن زيد. ومعنى قوله: ﴿أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل: ٣٤] خربوها. وقوله: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] استبعدوهم، قال ابن عباس: وذلك إذا دخلوا عنوة. وقيل في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] أنه من قول الله تعالى، وأن كلامها ينقضي عند قوله: ﴿أَذِلَّةٌ﴾ ، فقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ . وقيل: هو من كلامها.

стр. 282

قال الزجاج: أنفذت إليه لبنة من الذهب مع امرأة في حريرة، فأمر سليمان أن يطرح لبن من ذهب ولبن من فضة تحت أرجل الدواب، ليريها هوان ما بعثت به. قال الفراء: ذكروا أن رسولها مع الهدية كانت امرأة واحدة. قال علي بن عيسى: قيل أرسلت إليه بوصائف وغلمان على زي واحد، وقالت: إن ميز بينهما ورد الهدية، وأبي إلا المتابعة على دينه فهو نبي، وإن قبل الهدية فإنما هو من الملوك، وعندنا ما نرضيه به، وهو قول ابن عباس. قال الفراء: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٣٦] إنما يريد: فلما جاء الرسول سليمان، قال: وهي في قراءة عبد الله "فلما جاءوا سليمن" على الجمع، ولم يقل جاؤوا، وصلح (جاء) لأن المرسل كان واحداً يدل على ذلك قول سليمان: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٣٧] ، فعلى هذا القول يكون الضمير في (جاء) عائداً إلى الرسول. قال غير الفراء: الضمير يعود على المال، أي: فلما جاء المال سليمان؛ لأن قوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ [النمل: ٣٦] يدل على ذلك. وقيل: يعود على المرسل؛ لأن قولها: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ﴾ [النمل: ٣٥] يدل عليه. وقيل: يعود على المهدى؛ لأن المهدى والهدية سواء. وقيل في قوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥] ، إنه جمع في موضع الواحد، وقد تقدم شرح هذا فيما مضى من الكتاب. * * * قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] . قال ابن عمر: إذا لم يأمر الناس بمعروف ولم ينهوا عن منكر خرجت الدابة. وجاء في خبر مرفوع أنها تخرج من شعب بني مخزوم.

стр. 283

واختلف في معنى قوله: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ : فيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن المعنى تكلمهم بما سوؤهم من أنهم صائرون إلى النار، وأنها تكلمهم كلاماً صحيحاً يفهمونه. وقيل: إنها تكتب على جبين الكافر (كافر) وعلى جبين المؤمن (مؤمن) . والثاني: أن معنى (تكلمهم) يجرحهم من الكلم، [٧٠/ب] وشدد لتوكيد الفعل والمبالغة فيه. والثالث: أن كلامها: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] . وقيل: إنما تخرج من بين الصفا والمروة. وموضع ﴿أَنَّ﴾ في مذهب من فتحها نصب، والمعنى: بأن الناس. قال الفراء: وفي قراءة عبد الله ﴿بأَنَّ النَّاسَ﴾ ، وهذا يؤكد النصب، وفي قراءة أبي ﴿تُبينُ لُهم أَنَّ النَّاسَ﴾ ، وهذا حجة لمن فتح ﴿أَنَّ﴾ إلا أن أهل المدينة يكسرونها على الاستئناف. ﴿ومن سورة القصص﴾ * * * قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: ٨] .

стр. 284

اللام في ﴿لِيَكُونَ﴾ لام كي، أي: لكي يكون لهم، إلا أنه أخبر بعاقبة الأمر، ولهذا يسميها بعض النحويين (لام العافية) ، ويسميها قوم (لام الصيرورة) ، أي: فصار لهم عدواً، ومثل هذه اللام قولهم: تلد للموت، ويبني للخراب، أي: هذا عاقبة ما تلم وما يبني، وهذه اللام (لام الجر) دخلت على الفعل فأضمر بعدها (أن) ليكون (أن مع الفعل) بتأويل المصدر، والمصدر اسم، وتكون اللام داخله على اسم؛ لأنها من عوامل الأسماء، ويجوز إظهار (أن) مع هذه اللام، تقول: جئتك لأن تكرمني وما أشبه ذلك. قال ابن إسحاق: التقطوه ليكون لهم ولداً فكان عاقبة أمره أن كان لهم عدواً وحزناً. قال قتادة في قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ٩] أن المعنى فيه: أنهم لا يشعرون أن هلاكهم على يديه. * * * قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣] جاء في التفسير أن موسى ﵇ أخذ بلحية فرعون وهو صغير، فقال فرعون لامرأته: هذا الذي نخافه أن يذهب بملكنا، ألا تري ما فعل؟ فقالت: إنه صغير لا يعقل ما يفعل، ولكن ألق بين يديه ذهباً وجمرةً من النار، فإن أخذ الذهب كان كما قلت، وإن أخذ الجمرة علمت أنه يفعل ما يفعله بغير عقل، ففعل فرعون ذلك، فأراد موسى أن يأخذ الذهب فصرفه عنه جبريل ﵇، فأخذ الجمرة فأحرقت يده فجعلها في فيه فلذلك صار لا يفصح، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: ٢٧] ؛ لأن تلك العقدة حدثت من الجمرة.

стр. 285

وقرأ حمزة وعاصم ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤] بضم القاف على النعت، وقرأ الباقون بالجزم على أنه جواب الدعاء، ومثله قوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٥-٦] ، قرئ رفعاً وجزماً. وأهل المدينة يخففون الهمزة فيقولون: "رِدَاً يُصَدِّقُنِي" * * * قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨] . جاء في التفسير أن المعنى: ويختار للنبوة من شاء. ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أن يتخيروا غير ما اختار اللهتعالى؛ لأنهم لا يعلمون وجه المصلحة. قال الحسن: ما كان لهم أن يختاورا الأنبياء فيبعثوهم. قال الفراء: يقال (الخِيْرَة والخِيَرَة) و (الطَيْرة والطِيَرَة) . و ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ نفي، والوقف المختار: قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ ويبتدأ: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ، فلا يجوز أن تكون ﴿مَا﴾ غير نافية، فقد ذهب ليه بعض القدرية؛ لأن من أصل مذهبهم أن الخير من الله دون الشر، والأول هم الذهب. * * * قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [الق صص: ٧٦] .
следующие страницы →