Полный текст (489 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
قال قتادة: نزلت في أبي جهل، وذلك أنه كان يقول: أنا أعز من بها وأكرم، فقيل له: أأنت الذي كنت تقول ذلك في قومك وتطلب العز والكرم بمعصية الله، ذق هذا العذاب.
ومما جاء على طريق النقيض قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] ، قيل معناه: أنت السفيه الغوي؛ لأنهم إنما قالوا ذلك عن طريق الاستخفاف به، قال الحسن المعنى: ذق إنك أنت العزيز الكريم عند نفسك، والمعني به أبو جهل.
ويجوز في قوله: ﴿أَنْتَ﴾ وجهان:
أحدهما: أن يكون توكيداً للكاف، و ﴿الْعَزِيزُ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ .
والثاني: أن يكون ﴿أَنْتَ﴾ مبتدأ، و ﴿الْعَزِيزُ﴾ خبره، والجملة خبر ﴿إِنَّ﴾ .
* * *
قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٥٦] .
يقال لم استثنى هاهنا الموتة الأولى، وهي قد انقضت؟.
والجواب: أنه استثنى من غير الجنس، والتقدير على مذهب سيبويه: لكن الموتة الأولى، ومثله: ما زاد إلا ما نقص، أي: لكن نقص.
قال الفراء: (إلا) هاهنا بمعنى (سوى) والتقدير: سوى الموتة الأولى، ومثله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] .
وقال غيره: ﴿إِلَّا﴾ بمعنى (بعد) ، والتقدير: بعد الموتة الأولى، وإنما جاز أن تقع (إلا) موقع (بعد) لأن (إلا) لإخراج بعض من كل، و (بعد) لإخراج الثاني عن الوقت الأول.
والموتة: المرة الواحدة من الموت، والميتة الموت، والميتة - بفتح الميم - الميتة، وكثير من المحدثين يغلط في مثل هذا فيقول في (البحر) : (هو الطهور ماؤه والحل ميتته) - بكسر الميم - والصواب فتحها.
стр. 352
﴿ومن سورة الجاثية﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَ ا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٣-٥] .
يقال: ما الآيات في السموات والأرض؟
والجواب: الدلائل، وهي من وجوه كثيرة:
منها: أنه يدل خلقها على خالف لها؛ لأنه لا يكون بناء بغير بان.
ومنها: أنها أعظم الخلق.
ومنها: أنها محكمة على اتساق ونظام، وهذا يدل على أن صانعها واحد، وعلى أنه قديم؛ لأنه صانع غير مصنوع.
ومنها: أنها ممسكة مع عظمها وثقل جرمها بغير عمد ... إلى أشباه ذلك.
ويسأل: عن الآيات في خلق الإنسان؟
والجواب: أنها من وجوه:
منها: خلق الإنسان على ما هو به من وضع كل شيء في موضعه لما يصلح له، وذلك يقتضي أن الصانع عالم بموضع المصالحة.
ومنها: جعل الحواس الخمس على الهيئة التي تصلح لها.
ومنها: آلة مطعمه ومشربه، ومثال ذلك، كل هذا في تدبير محكم.
قرأ الكسائي وحمزة ﴿آيَات﴾ بالكسر، وقرأ الباقون بالرفع في الثانية والثالثة، فمن كسر (التاء) جعل (الآيات) في موضع نصب على التكرير للتوكيد، والعرب تؤكد بتكرير اللفظ، نحو قولك:
стр. 353
رأيت زيداً زيداً. ومثله قوله الراجز:
لقائل يا نصر نصراً نصرًا
هذا مذهب حذاق النحويين، وقال الأخفش: هو عطف على عاملين، كأنه قال: إن في السموات والأرض لآيات وفي خلقكم آيات، فعطف على (إن) و (في) وأنشد:
سألت الفتى المكي ذا العلم ما الذي يحل من التقبيل في رمضان
فقال لي المكي أما لزوجة فسبع وأما خلة فثماني
فعطف (خلة) على زوجة، و (ثمانياً) على سبع، وأنشد سيبويه:
أكل امرئ تحسبين امراً ونار توقد بالليل نارا
فعطف (ناراً) الأولى على (امرئ) الأول، وعطف (ناراً) الثانية على (امرئ) الثاني، ومثل ذلك:
وهون عليك فإن الأمور بكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيها ولا قاصر عنك مأمورها
والعطف على عاملين عند البصريين لا يجوز، لا تقول: في الدار زيد والسوق عمرو، وأنت تريد: وفي السوق عمرو؛ لأن حرف الجر ضعيف، فلا يعمل بعد الفصل بالأجنبي.
وأما من رفع فإنه جعل (الآيات) الثانية رفعاً بالابتداء والخبر المجرور الذي ﴿َفِي خَلْقِكُمْ﴾ [الجاثية: ٤] وجعل (الآيات) الثالثة تكريراً للثانية، قال الفراء: العرب تقول: إن لي عليك مالاً وعلى أخيك مال كثير، فينصبون الثاني ويرفعونه، وأجاز الفراء رفع
стр. 354
(الآيات) وفيها (اللام) وأنشد قال: أنشدنا الكسائي:
إن الخلافة بعدهم لذميمة وخلائف طرف لما أحقر
وذكر أن أبيا قرأ ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ﴾ ، وكذلك في الثالثة، وأجاز الكسائي: في الدار لزيد، والبصريون لا يجيزون ذلك.
﴿ومن سورة الأحقاف﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] .
العارض: الدفعة من المطر هاهنا، وأصل العارض: الماء ولا يلبث. ومنه قيل: الدنيا عرض، ولذلك قالوا لخلاف الجوهر؛ لقلة بقائه، وقيل سمي السحاب عارضاً لأخذه في عرض السماء قال الأعشى:
يا من يرى عارضاً قد بت أرقبه كأنما البرق في حافاته الشعل
والضمير يعود على العذاب، أي فلما رأوا العذاب الذي تقدم ذكره معترضاً مستقبل أوديتهم ظنوه مطراً.
وقوله: ﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ نكرة، وإن كان بلفظ المعرفة؛ لأن الانفصال مقدر فيه، والمعنى: فلما رأوه مستقبلاً أوديتهم، وكذلك ﴿مُمْطِرُنَا﴾ إنما معناه: ممطر لنا، واسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال والاستقبال كان الانفصال مقدراً فيه، نحو قولك: هذا ضارب زيد غداً، وشاتم عمر الساعة، والمعنى سيضربه وهو يشتمه، وعليه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] ، قال جرير:
стр. 355
يا رب غابطنا لو كان يطلبكم لاقى مباعدة منكم وحرمانا
يريد: يا رب غابط لنا؛ لأن (رُبَّ) لا تدخل على معرفة، وإنما تدخل على النكرة وكذلك ﴿كلُّ﴾ .
* * *
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] .
يسأل: عن معنى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا﴾ ؟
وفيه جوابان:
أحدهما: أن المعنى: صرفناهم بالرجم بالشهب، فقالوا إن هذا لأمر كبير، هذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير.
والثاني: أن المعنى عدلنا بهم إليك.
وقيل: قرفوا بالتوفيق.
قال ابن عباس: كانوا سبعة نفر، وقال زر بن حبيش: كانوا تسعة نفر.
قال ابن عباس: كانوا من أهل نصيبين، وقال قتادة، صرفوا إليه من (نينوى) وهي مدينة يونس ﵇,
﴿ومن سورة محمد ﷺ ﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦]
يسأل عن معنى: ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ ؟
وفيه جوابان:
أحدهما: أنه تعالى عرفها لهم، فوصفها على ما يشوف إليها؛ فعلموا ما يتسوجبون بأعمالهم من الثواب، وما يحرمون بارتكاب المعاصي.
стр. 356
والثاني: أن المعنى؛ طيبها لهم بضروب الملاذ من (العرف) والعرف: الرائحة الطيبة التي تتقبلها النفس تقبل ما تعرفه ولا تنكره.
وقيل: طبقات الجنة أربع: طبقة نعيم وهي أعلاها، وهي طبقة النبيين. ثم طبقة نعيم للمؤمنين المجازين بأعمالهم، ثم طبقة نعيم للمعوضين من غيرهم، ثم طبقة نعيم للمفتدين بالتفضل عليهم. وللطبقات تفاوت، والمراتب لا تتفاوت، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ [الحديد: ١٠] ، وقال: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠] .
* * *
قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: ١٨] .
يسأل عن موضع ﴿ذِكْرَاهُمْ﴾ من الإعراف؟
والجواب: أن موضعها رفع، والتقدير: فأنى لهم ذكراهم إذا جاءتهم الساعة.
وأنى: بمعنى: (من أين لهم) ومثل: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ ، أي ليس ينفعه ذكره ولا ندامته.
* * *
قوله تعالى: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢١] .
يسأل عن معنى قوله تعالى: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ ، وبم ارتفع؟ وفيه وجهان:
أحدهما: أن يكون المعنى: قولوا أمرنا طاعة وقول معروف، قال مجاهد: أمر الله تعالى بذلك المنافقين، وقال غيره: هو حكاية عنهم يقولون: طاعة وقول معروف قبل فرض الجهاد؛ لأن نقيضه قوله: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٢١] .
والثاني: أن المعنى طاعة وقول معروف أمثل، وأليق من أحوال هؤلاء المنافقين.
стр. 357
وقيل: المعنى: طاعة وقول معروف خير لهم من جزعهم عند نزول فرض الجهاد وهو قول الحسن، و ﴿طَاعَةٌ﴾ على القول الأول خبر مبتدأ محذوف، وعلى القول الثاني مبتدأ محذوف الخبر.
﴿ومن سورة الفتح﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِ نْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥]
قال قتادة: لولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات بمكة. قال ابن زيد: المعرة: الإثم، وقال: ابن إسحاق: غرم الدية وكفارة قتل الخطأ عتق رقبة مؤمنة، ومن لم يطق فصيام شهرين، قال: وهي كفارة الخطأ في الحرب، قال الفراء: كان بمكة مسلمون من الرجال والنساء، فقال الله تعالى: لولا أن تقتلوهم وأنتم لا تعرفونهم فتصيبكم منعم معرة، يعني: الدية، ثم قال: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أي: لو خلص الكفار من المؤمنين لأنزل الله بهم القتل والعذاب.
ومما يسأل عنه أن يقال: ما موضع قوله تعالى: ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ ؟ وفيه جوابان:
أحدهما: أن موضع ﴿أَنْ﴾ رفع على البدل من رجال في قوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ﴾ والتقدير: ولولا وطئ رجال ونساء، أي: قتلهم، وهو بدل الاشتمال، ومثله: نفعني عبد الله علمه، وأعجبتني الجارية حسنها، ومثله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ ، ومثل ذلك قول الأعشى:
стр. 358
لقد كان في حُولٍ ثَواءٍ ثَوَيتُه تَقضَّى لُبَاناتٍ، ويسْأمُ سَائِمُ
أي: في ثواء حول.
والثاني: أن يكون موضعها نصباً على البدل من (الهاء والميم) في ﴿تَعْلَمُوهُمْ﴾ ، والتقدير ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموا أن تطؤوهم، أي: لم تعلموا وطأهم، وهو بدل الاشتمال أيضا.
* * *
قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] .
يسأل عن الاستثناء في قوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ كذا يسميه المفسرون والفقهاء، وهو في الحقيقة شرط؟ وفيه أجوبة:
أحدها: أنه تأديب من الله تعالى ليتأدب الخلق بذلك، فيقولوا: سأفعل ذلك إن شاء الله.
والثاني: أنه تقييد لدخول الجميع أو البعض، وهو قول علي بن عيسى.
والثالث: أنه على التقديم والتأخير، والمعنى: لتدخلن المسجد الحرام آمنين إن شاء الله، والاستثناء واقع على دخولهم آمنين.
فهذه ثلاثة أقوال للبصريين، وقال بعض الكوفيين ﴿إِنْ﴾ بمعنى (إذ) والمعنى: إذ شاء الله، ولا يجوز عند أهل البصرة.
* * *
قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى﴾ [الفتح: ٢٩] .
стр. 359
الشطأ: فراخ الزرع التي تخرج من جوانبه، ومنه شاطئ النهر، أي: جانبه، وأشطأ الزرع فهو مشطئ.
وآزره: عاونه، واستغلظ: طلب الغلظ، والسوق: جمع: ساق، وساق الشجرة حاملتها.
وقيل: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ : علامة نور تجعل في وجوههم يوم القيامة، وهو قول ابن عباس والحسن وعطية، وقال مجاهد: علامتهم ف الدنيا من أثر الخشوع.
فصل:
ومما يسأل عنه أن يقال ما معنى قوله: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ ؟ وفيه جوابان:
أحدهما: أن هذه الصفات التي تقدمت مثلهم في التوارة، تم الكلام، ثم قال: ومثلهم في الإنجيل كزرع من صفته كيت وكيت.
والثاني: أن المعنى: أن صفته في التوراة والإنجيل الصفة التي تقدمت.
فعلى القول الأول يكون الوقف على ﴿التَّوْرَاةِ﴾ ، وعلى القول الثاني يكون الوقف على ﴿الْإِنْجِيلِ﴾ ، والإشارة بذلك إلى الوصف المتقدم ذكره.
﴿ومن سورة الحجرات﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤]
стр. 360
جاء في التفسير: أن أعراباً جفاة جاءوا، فجعلوا ينادون من وراء الحجرات: يا محمد، أخرج إلينا، وهو قول قتادة ومجاهد وكانوا من بني تميم.
قال الفراء: أتاه وفد بني تميم، وهو نائم في الظهيرة، فجعلوا ينادون: أخرج إلينا يا محمد، فاستيقظ، فخرج إليهم، ونزل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ ، ثم أذن لهم بعد ذلك، وقام شاعرهم وشاعر المسلمين وخطيبهم وخطيب المسلمين فعلت أصواتهم بالتفاخر، فنزلت: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] .
وقيل: نزلت في قوم كانوا يسبقون النبي ﷺ بالقول إذا سئل عن شيء.
والحجرات: جمع حجرة، وفيها ثلاث لغات: حُجُرات - بضمتين - وحُجَرات - بفتح الجيم - وحُجْرات - بإسكانها، والأولى أفصح.
قال الشاعر:
أما كان عباد كفيا لدارم بلى ولأبيات بها الحجرات
* * *
قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧] .
يسأل عن قوله: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ في صفة النبي ﷺ ؟
والجواب: أنه على طريق المجار؛ لأن حقيقة الطاعة: موافقة الداعي الأجل فيما دعا إليه من الأدون، ولا يجوز أن يقال: إن الله تعالى يطيع العبد، كما لا يجوز أن يقال: إن العبد أمر ربه ونهاه، ولكن دعاه فأجابه، فكان الطاعة هاهنا: الإجابة لما سألوا منه.
والعنت: المعاندة.
стр. 361
ويسأل عن خبر ﴿أَنَّ﴾ ؟
والجواب: أن النحويين يجعلونه في الظرف الذي هو ﴿فِيكُمْ﴾ ، وهذا القول فيه نظر؛ لأن حق الخبر أن يكون مفيداً، ولا يجوز: النار حارة؛ لأنه لا فائدة في الكلام، ومجاز هذا القول أنه على طريق التنبيه لهم على مكان رسول الله ﷺ ، كما يقول القائل للرجل يريد أن ينبهه على شيء؛ فلان حاضر، والمخاطب يعلم ذلك، فهذا وجهه.
والوجه عندي؛ أن يكون الخبر في قوله: ﴿لَعَنِتُّمْ﴾ ؛ لأن الفائدة واقعة به؛ والمعنى: واعلموا أن رسول الله لو يطيعكم لعنتم، كما تقول: إن زيداً لو أكرمته لقصدك، وما أشبه ذلك.
﴿ومن سورة ق﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: ١-٣] .
قد تقدم في صدر الكتاب ما قيل في فواتح السور، ومما لم نذكره هنالك بعض ما قيل في ﴿ق﴾ : قيل: ﴿ق﴾ جبل محيط بالدنيا، وقد ذكرنا قول الحسن؛ أنه اسم للسورة، وقيل معناه: قضي الأمر؛ وكذا قيل في ﴿حم﴾ [غافر: ١] : حمَّ الأمر، أي: دنا، قال الفراء: هو قسم أقسم به.
والمجيد: العظيم الكريم، يقال: مجد الرجل، ومجد: إذا عظم وكرم: إذا عظم كرمه، والأصل من مجدت الإبل مجوداً إذا عظمت بطونها لكثرة أكلها من الربيع.
فصل:
ومما يسأل عنه أن يقال: أين جواب القسم؟
стр. 362
والجواب عن ذلك: أنه محذوف، والتقدير فيه: قاف القرآن المجيد ليبعثن، ويدل عليه قوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ .
وكذا جواب (إذا) محذوف، وتقديره أإذا متنا وكنا تراباً بعثنا أو رجعنا، ويدل عليه قوله: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ ، أي: أمر لا ينال، وهو جحد منهم، كما تقول للرجل يخطئ في المسألة: لقد ذهبت مذهباً بعيداً من الصواب، أي: أخطأت.
ويقال: عجيب وعجاب وعجاب، وهذه أبنية للمبالغة، ومثله كبير وكبار وكبار، وله نظائر.
* * *
قوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] .
يسأل عن توحيد ﴿قَعِيدٌ﴾ ؟
وعنه جوابان:
أحدهما: أنه واحد يراد به الجمع، قال الفراء: حدثني حيان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿قَعِيدٌ﴾ قال: يريد قعوداً عن اليمين وعن الشمال، وهذا كما تقول: أنتم صديق لي، وكما قالوا: (رسول) في معنى (رسل) وقال الهذلي:
ألكني إليها وخير الرسول أعلمهم بنواحي الخبر
فجل (الرسول) في معنى (الرسل) ، والعلة في هذا: (أن فعيلاً) و (فعولاً) من أبنية المصادر نحو: الزئير والدوي والقبول والولوع، والمصدر يقع بلفظ الواحد، ويراد به التثنية والجمع: لأنه جنس، والجنس يدل على واحده على ما هو أكثر منه.
الجواب الثاني: أن يكون المعنى: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، ثم حذف اكتفاء بأحد الاسمين عن الثاني؛ لأن المعنى مفهوم، قال الشاعر:
стр. 363
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ، والرأي مختلف
والمعنى: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راضٍ، فحذف، وقال الفرزدق.
إني ضمنت لمن أتاني راجياً وأبي، وكان وكنت غير غندور
يريد: وكان أبي غير غندور، فحذف، ولم يقل: وكنا غير غدورين، ومثله:
رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئاً ومن أجل الطوى رماني
ولم يقل: بريئين، ومثله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً﴾ [الأنبياء: ٩١] وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم.
قال مجاهد: القعيد: الرصد، وقال أيضا: عن اليمين ملك يكتب الحسنات وعن الشمال ملك يكتب السيئات، وهو قول الحسن، وزاد الحسن: حتى إذا مات طويت صحيفة عمله، وقيل له يوم القيامة: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] ، ثم قال: عدل والله من جعله حسيب نفسه.
* * *
قوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: ٢٤] .
جهنم: اسم أعجمي لا ينصرف للتريف والعجمة، وقيل: هو عربي: وأصله من قولهم: بئر جهنام إذا كانت بعيدة القعر، فلم ينصرف في هذا الوجه للتعريف والتأنيث.
ويسأل عن التثنية في قوله: ﴿أَلْقِيَا﴾ ؟ وفيها خمسة أجوبة:
أحدها: ان العرب تأمر القوم والواحد بما يؤمر به الاثنان؛ يقولون للرجل الواحد: قوما، واخرجا، ويحكى أن الحجاج قال: يا حرسي اضربا عنقه، يريد: اضرب، قال الفراء: سمعت من العرب من يقول: (ويلك ارحلاها ويلك ارحلاها) ، وأنشد قال أنشدني بعضهم:
стр. 364
فقلت لصاحبي لا تحبسانا بنزع أصوله واجتز شيحا
ولم يقل: لا تحبسنا، قال وأنشدني أبو ثروان:
وإن تزجراني يا ابن عفان أنزجر وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا
قال: ونرى ذلك منهم أن أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه اثنان، وكذلك الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، ألا ترى أن الشعراء أكثر شيء قيلا: يا صاحبي ويا خليلي، قال امرؤ القيس:
خليلي مرا بي على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب
ثم قال:
أم ترياني كلما جئت طارقاً وجدت بها طيباً وإن لم تطيب
فرجع إلى الواحد؛ لأن أقل الكلام واحد في لفظ الاثنين، وأنشد أيضاً:
خليلي قوما في عطالة فانظرا أثاراً ترى من نحو بابين أو برقا
ولم يقل: تريا، فهذا وجه.
والجواب الثاني: أنه ثنى ليدل التكرير، كأنه قال: الق الق، فثنى الضمير ليدل على تكرير الفعل، وهذا لشدة ارتباط الفاعل بالفعل، حتى صار إذا كرر أحدهما فكأن الثاني كرر؟ ، وهذا قول المازني، ومثله عنده: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ، جمع ليدل على التكرير، كأنه قال: ارجعن ارجعن ارجعن. وقد شرحناه.
والثالث: أن الأمر تناول السائق والشهيد، كأنه قال: يا أيها السائق ويا أيها الشهيد ألقيا في جهنم.
стр. 365
والجواب الرابع: أنه ثنى؛ لأن إلقاءه في النار لشدته بمنزلة إلقاء اثنين للواحد.
والجواب الخامس: أنه يريد (النون الخفيفة) كأنه قال: ألقين، فأجرى الوصل مجرى الوقف، فأبدل من النون ألفا.
كما قال:
وذا النصب المنصوب لا تنسكنه ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا
وعليه تأول بعضهم قول امرئ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
من قال: أراد (قفن) ؛ لأن يخاطب واحداً بدلالة قوله في آخر القصيدة:
أحار ترى برقاً أريك وميضه كلمع اليدين في حبي مكلل
وهذا الجواب أضعف الأجوبة؛ لأنه محال أن يوصل الكلام والنية فيه الوقف.
* * *
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]
قال أنس: طلبت الزيادة، وقال مجاهد: المعنى معنى الكفاية، أي: لم يبق مزيد لامتلائها، ويدل على هذا القول: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] ، ولا يمتنع القول الأول لوجهين:
أحدهما: أن هذا القول كان منها قبل دخول جميع أهل النار فيها.
والآخر: أن تكون طلبت الزيادة على أن يزاد في سعتها، ومثله حمل بعضهم قول النبي ﷺ يوم فتح مكة ألا تترك دارك فقال: (وهل ترك لنا عقيل من دار) ؛ لأنه كان قد باع دور بني هاشم لما خرجوا إلى المدينة. فعلى هذا يكون على المعنى الأول أي: وهل بقي زيادة، وجاء في التفسير: أن الله تعالى يخلق لجهنم آلة الكلام فتكلم، وقال
стр. 366
بعضهم: هو على التمثيل، وأنشد:
امتلأ الحوض وقال قطن
مهلاً رويداً قد ملأت بطني
وكذا قول عنترة:
وشكا إلي بعبرة وتحمحم
والأول هو المذهب؛ لأنه لا يمتنع أن يخلق الله لها آلة فتتكلم؛ لأن من أنطق الأيدي والأرجل والجلود قادر على أن ينطق جهنم، وكذا قوله: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] ، هو قول وليس على طريق التمثيل.
وقيل في هذا الجمع إنه إنما أتى كذلك؛ لأنه لما أخبر عنها بفعل من يعقل جمعها جمع من يعقل فهذا يؤكده ما قلناه.
وقال الكسائي: المعنى أتينا نحن ومن فينا طائعين. وفيها من يعقل فغلب على ما لا يعقل، وكل حسن جميل.
﴿ومن سورة الذاريات﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧-١٨] .
يسأل عن نصب ﴿قَلِيلًا﴾ ؟ وفيه وجهان:
أحدهما: أنه نعت لمصدر محذوف تقديره؛ هجوعاً قليلاً من الليل ما يهجعون، فعلى هذا الوجه تكون ﴿مَا﴾ زائدة، و ﴿يَهْجَعُونَ﴾ خبر ﴿كَانُوا﴾ ، والتقدير: كانوا يهجعون هجوعاً قليلاً.
стр. 367
والوجه الثاني: أن يكون ﴿قَلِيلًا﴾ خبرً لكانوا، والمعنى: كان هؤلاء قليلاً، ثم قال: من الليل ما يهجعون، أي: ما يهجعون شيئاً من الليل.
فعلى الوجه الأول يهجعون عجوعاً قليلاً، وعلى القول الثاني لا يهجعون البتة.
والهجوع: النوم، وهو قول ابن عباس وإبراهيم الضحاك، والأول قول الحسن والزهري. و ﴿مَا﴾ في القول الأول صلة، وفي القول الثاني نافية، وقيل ﴿مَا﴾ مصدرية، والتقدير؛ كانوا قليلاً هجوعهم، وقدر بعضهم ﴿قَلِيلًا﴾ نعتاً لظرف محذوف، أي: كانوا وقتاً قليلاً يهجعون، وكل محتمل، قال قتادة: لا ينامون عن العتمة ينتظرونها لوقتها؛ كأنه عد هجوعهم قليلاً في جانب يقظتهم للصلاة، ولا يجوز أن تجعل ﴿مَا﴾ نفياً وينصب بها ﴿قَلِيلًا﴾ ؛ لأن ما بعد النفي لا يعمل فيما قبله.
* * *
قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢-٢٣] .
قال الضحاك: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ ، أي المطر، لأنه سبب الخير، قال مجاهد: ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ من خير أو شر، وقيل: ما توعدون؛ الجنة؛ لأنها في السماء قال الفراء؛ أقسم بنفسه إن الذي قال لكم حق مثل ما إنكم تنطقون، قال: وقد يقول القائل كيف اجتمع ﴿مَا﴾ و ﴿إِنَّ﴾ وقد يكتفى بإحداهما من الأخرى؟ وفي هذا وجهان:
أحدهما: أن العرب تجمع، بين الشيئين من الأسماء والأدوات إذا اختلف لفظهما، في الأسماء، قال الشاعر:
стр. 368
من النفر اللاتي الذين إذا هم يهاب اللئام حلقة الباب قعقعوا
فجمع بين (اللاتي) و (الذين) وأحدهما مجزي من الآخر، وأما في الأدوات فقول الشاعر:
ما إن رأيت ولا سمعت به كاليوم طالي أينق جرب
فجمع بين (ما) و (إن) وهما جحدان أحدهما يجري مجرى الآخر.
وأما الوجه الآخر: فإن المعنى لو أفرد بـ: ﴿مَا﴾ لكان المنطق في نفسه حقاً لا كذباً، ولم يرد به ذلك، وإنما أراد به أنه لحق كما أن الآدمي ناطق، ألا ترى أن قولك: أحق منطقك؟ معناه: أحق هوأم كذب؟ وإن قولك؛ أحق أنك تنطق؟ معناه؛ ألك النطق حقاً؟ والنطق له لا لغيره، وأدخلت ﴿أن﴾ ليفرق بين المعنيين، قال: وهذا أعجب الوجهين إلي.
وهو كما قال؛ لأن الوجه الأول ضعيف، أما البيت الأول فالرواية المشهورة فيه:
من النفر البيض الذين إذا هم يهاب اللئام حلقة الباب قعقعوا
وأما البيت الثاني فلأن (لا) فيه زائدة، والعرب تزيد (إن) مع (ما) ، نحو قول النابغة:
فما إن كان من نسب بعيد ولكن أدركوك وهو غضاب
وكذا قول الآخر:
فما إن طبنا جبن ولكن منايانا ودولة آخرينا
وهذا إن شاع في الحروف فإنه في الأسماء، بعيد و (ما) و (أن) اسمان في تأويل المصدر، إلا أنه يجوز أن تكون (ما) حرفاً فيسوغ زيادتها، ولا يسوغ إذا كانت مصدرية؛ لأنها في حيز الأسماء، ولا يستحسن زيادة الأسماء، وأما الحروف فيستحسن زيادتها لا سيما (ما)
стр. 369
نحو قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ، و ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] ونحو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ [البقرة: ٢٦] فـ: ﴿مَا﴾ في أحد القولين زائدة، وقد زادت العرب (ما) زيادة لازمة نحو قولهم: افعل ذلك آثراً ما.
قرأ الكسائي وحمزة وعاصم من طريقة أبي بكر ﴿مَثَلً﴾ بالرفع، وهي قراءة الأعمش، وقرأ الباقون بالنصب، وهي قراءة الحسن، فالرفع على أنه نعت للحق، وأما النصب ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون في موضع رفع؛ لأنه مبني لأضافته إلى غير متمكن وهو الاسم الناقص، قال الشاعر:
لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت حمامة في غصون ذات أوقال
فبنى (غير) لمخت مبهمة أضافها إلى مبني وهو (أن) ، وموضع (غير أن نطقت) رفع، وكذلك (مثل) مبهم أضيف إلى مبني، فهذا وجه.
والوجه الثاني: أنه منصوب على الحال، وهو قول الجرمي، وفيه بعد؛ لأن (حقا) نكرة والحال لا تكون من النكرة، إنما شرطها أن تكون نكرة بعد معرفة قد تم الكلام دونها، نحو قولك: جاء زيد راكباً، تنصب (راكباً) لأنه نكرة جاء بعد (زيد) وهومعرفة يجوز أن يوقف دونه؛ لأنك لو قلت: جاء زيد، لكان كلاماً تاماً، وهذه الحال منتقلة، إلا أنه قد جاء عن العرب حرف شاذ، وهو قولهم: وقع أمر فجأة، نصبوا (فجأة) على الحال من (أمر) وأمر نكرة، ولو حمله حامل على أنه منصوب على المصدر لكان وجهاً؛ لأن المعنى: وقع أمر وفاجأ أمر سواء.
стр. 370
وقيل؛ إن ﴿مِثْلَ مَا﴾ حال من مضمر في ﴿حقٌ﴾ ؛ لأنه وإن كان مصدراً فهو في موضع اسم الفاعل، واسم الفاعل يتضمن الضمير، نحو قولك؛ هذا زيد قائم، ففي (قائم) ضمير، ألا ترى أنك لو أجريت (قائماً) على غير من هو له لأظهرت الضمير؛ فقلت: هذا زيد قائماً أبوه، وقائم أبوه، إن شئت، فـ (الهاء) في (أبوه) هو الضمير الذي كان في (قائم) ، ولم يبق في (قائم) ضمير.
والوجه الثالث: أنه منصوب على المصدر، كأنه قيل؛ إنه لحق حقاً كنطقكم، وهو قول الفراء، وزعم أن العرب تنصبها إذا رفع بها اسم، فيقولون؛ مثل من عبد الله ويقولون: عبد الله مثلك، وأنت مثله، وعلة النصب فيها؛ أن الكاف قد تكون داخلة عليها فتنصب إذا ألقيت الكاف، قال؛ فإن قال قائل؛ أفيجوز أن نقول: زيد الأسد شدة، فتنصب (الأسد) إذا ألقيت الكاف؟ قلت: لا، وذلك أن (مثل) تؤدي عن الكاف والأسد، ولا يؤدي عنها، ألا ترى قول الشاعر:
وزعت بكا لهراوة أعوجي إذا ونت الركاب جرى وثابا
أن الكاف قد أجزأت عن (مثل) ، وأن العرب تجمع بينهما، فيقولون: زيد كمثلك، وقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ، قال: واجتماعهما دليل على أن معناهما واحد.
وهذا لا يجوز عند البصريين، و (الكاف) هاهنا زائدة، وإنما لم يجز عندهم؛ لأنه لا ناصب هنالك وإنما ينصب الاسم إذا حذف منه حرف الجر إذا كان قبله فعل ينصبه، نحو قولك: أمرتك الخير، أنت تريد: أمرتك بالخير، وأنت إذا قلت: إنه لحق كمثل ما أنكم تنطقون، فحذفت الكاف لم يبق ما ينصب (مثل) ؛ لأنه فعل هنالك، وإنما قبله (حق) وهو مصدر، والمصدر لا يعمل في المصدر إلا أن يضمر له فعل تقديره: إنه لحق يحق حقاً مثل نطقكم، ثم حذفت الفعل والمصدر جميعاً وأقمت نعت المصدر مقامه، فهذا يجوز على هذا التقدير.
стр. 371
﴿ومن سورة الطور﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] .
الكأس: القدح بما فيه، ولا يسمى كأساً إذا لم يكن فيه شيء، قال الشاعر:
صددت الكأس عنا أم عمرو وكان الكأس مجراها اليمينا
وقد تسمى الخمر نفسها كأساً، قال علقمة:
كأس عزيز من الأعناب عتقها لبعض أربابها حانية حوم
ومعنى ﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ يتعاطفون كأس الخمر، قال الأخطل:
نازعته طيب الراح الشمول وقد صاح الدجاج وحانت وقعة الساري
واللغو واللغا: كل ما لا خير فيه من الكلام، قال الراجز:
عن اللغا ورفث التكلم
والتأثيم والإثم والآثام واحد.
وقرأ ابن كثير ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ بالنصب، وقرأ الباقون بالرفع والتنوين.
فمن نصب أعمل ﴿لَا﴾ في الموضعين، وهي تنصب النكرة بلا تنوين؛ لأنها مشبهة بـ: (إن) / وذلك أن (إن) موجبة و (لا) نافية، والعرب تحمل النقيض على النقيض، كما لم
стр. 372
تحمل النظير على النظير، فلما كانت (إن) تنصب الاسم وترفع الخبر، أعملوا (لا) ذلك العمل، وحكى يونس: لا رجل أفضل منك، تنصب (رجل) وترفع (أفضل) ؛ لأنه خبر (لا) إلا أنها نقصت عن حكم (إن) فلم تعمل إلا في النكرة، وذلك أن (إن) مشبهة بالفعل، و (لا) مشبهة بـ: (إن) فلما كانت مشبهة بالمشبه قصرت على شيء واحد، ولهذا نظير، وذلك أنك تقول: تالله ووالله وبربك ووربك، وتقول: تالله، ولا يجوز: تربك؛ وذلك أن (التاء) بدل من (الواو) و (الواو) بدل (الباء) فلما كانت (التاء) مبدلة من مبدل قصرت على شيء واحد، وكذلك: فلان من آل فلان، ولا يجوز: فلان من آل المدينة؛ لأن (الألف) من الآل بدل من (الهمزة) و (الهمزة) بدل من (أهل) فصارت بدلاً من بدل فقصرت على شيء واحد، وكذلك: أسنى القوم، إذا دخلوا في السنة، وسواء كانت مخصبة أو مجدية، فإذا قالوا: استنوا، لم يقع إلا على المجدية؛ لأن (التاء) بدل من (الياء) و (الياء) بدل من (الواو) و (الهاء) على الخلاف في ذلك؛ لأنه يقال: سانهت وسانيت، وقالوا: سنوات وسنة سنهاء، وهذا كله مذهب سيبويه، وذهب غيره من النحويين، إلى أن (لا) مبنية على ما بعدها على الفتح، وليس ما بعدها معرباً ولكنه مبني لتضمنه معنى الحرف؛ لأن حق الجواب أن يكون وفق السؤال و (لا) جواب لمن قال: هل من رجل عندك؟ فجوابه: لا رجل عندي، وكان يجب أن يقول: لا من رجل، إلا أن (من) حذفت، وضمن الكلام معناها، ووجب البناء؛ لأن كل ما تضمن معنى الحرف يبنى، فإن قال: هل رجل عندك؟ قلت: لا رجل عندي ترفع لا غير؛ لأن الكلام لم يتضمن معنى (من) والنصب أبلغ في المعنى لتضمنه معنى (من) لأن (من) يدخل في (النفي) لاستغراق الجنس، نحو قولك: ما جاءني من رجل، فقد نفيت جميع الرجال، ولو قلت: ما جاءني رجل، لجاز أنك تريد: جاءني اثنان فصاعداً، ومن هذا الوجه كان النصب في قوله: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ أجود؛ لأنه أشد في المبالغة.
ومن رفع جهل ﴿لَا﴾ جواباً لـ (هل) من غير (من) وهذا يقتضي الرفع، والرفع على الابتداء، و ﴿فِيهَا﴾ الخبر، و ﴿تَأْثِيمٌ﴾ عطف على لغو، وإذا نصبت جعلت ﴿فِيهَا﴾ خبراً لـ: ﴿لَا﴾ ويجوز هاهنا خمسة أوجه:
стр. 373
أحدها: نصب الاثنين.
والثاني: رفع الاثنين، وقد قرئ بهما، قال الشاعر في الرفع:
وما هجرتك حتى قلت معلنة: لا ناقة لي في هذا ولا جمل
ويجوز نصب الأول بلا تنوين ونصب الثاني بتنوين قال الشاعر:
لا نسب اليوم ولا خلة اتسع الخرق على الراقع
ويجوز رفع الأول منوناً ونصب الثاني بلا تنوين، قال الشاعر:
فلا لغو ولا تأثيم فيها وما فاهوا به أبداً مقيم
ويجوز نصب الأول بلا تنوين ورفع الثاني بتنوين، قال الشاعر:
وإذا تكون كريهة أدعى لها وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
هذا وجدكم الصغار بعينه لا أم لي إن كان ذاك ولا أب
وحق قوله: (ولا أب) أن يكون منوناً إلا أنه قافية، والقوافي لا تنون في الوصل.
فهذه خمسة أوجه، فإن حذفت (لا) الثانية لم يجز فيما بعد الواو إلا التنوين رفعاً ونصباً، نحو قولك: لا غلام وجارة، ولا غلام وجاريةً، قال الشاعر:
لا أب وابناً مثل مروان وابنه إذا هو بالمجد ارتدى وتآزرا
وهذه الوجوه كلها تجوز في قولنا: (لا حول ولا قوة إلا بالله) .
стр. 374
﴿ومن سورة النجم﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ١-٣] .
النجم هاهنا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الثريا إذا سقطت مع الفجر، وهذا قول مجاهد.
والثاني: أن النجم هاهنا أحد نجوم القرآن، وهو أيضا عن مجاهد، كأنه قال: والنجم إذا نزل، أي؛ والقرآن إذا نزل، فهو قسم به.
والقول الثالث: أن النجم واحد ويراد به الجماعة، أي: والنجوم إذا سقطت يوم القيامة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ ، وهذا قول الحسن، والنجم في كلام العرب يأتي ويراد به الجمع على طريق الجنس قال الراعي:
وباتت تعد النجم في مستحيرة سريع بأيدي الآكلين جمودها
والمستحيرة هاهنا: شحمة مذابة صافية؛ لأنها من شحم سمين.
و ﴿غَوَى﴾ من الغي، يقال: غوى يغوي غياً، قال الشاعر:
فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما
و ﴿الْهَوَى﴾ : ميل الطباع إلى ما فيه الاستمتاع، وهو مقصور، وجمعه: أهواء، فأما (الهواء) الممدود؛ فكل منخرق، قال الله تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣] ، أي: خاوية منخرقة لا تعي شيئاً، قال زهير:
стр. 375
كأن الرحل منها فوق صعل من الظلمان جؤجؤه هواء
أي: خاو ومنخرق، و (عن) في قوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ بمنزلة (الباء) كأنه قال؛ وما ينطق بالهوى، أي: برأية وهواء.
واختلف في قوله: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ وما جرى مجراه من الأقسام التي اقسم الله بها:
فقيل تفضيلاً لها وتنويهاً بها، وقيل: بل المقسم به محذوف، ورب النجم ورب الطور ورب التين والزيتون وما أشبه ذلك.
* * *
قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ٥-١٠] .
قال ابن عباس وقتادة والربيع: شديد القوى هاهنا: جبريل.
وأصل المرة: شدة الفتل، يقال في الحبل: هو شديد المرة، أي: أمررت فتله وشددته، والمرة والقوة والشدة سواء، قال الشاعر:
ألا قل لتيا قبل مرتها اسلمي تحية مشتاق إليها متيم
أي: قبل شدة عزيمتها في السير.
والأفق: واحد الآفاق، وهي نواحي السماء, وقال تسمى نواحي الأرض آفاقاً على التشبيه، قال الشاعر في المعنى الأول:
أخذنا بآفاق السماء عليكم لنا قمراها والنجوم الطوالع
وقال امرؤ القيس في المعنى الثاني:
стр. 376
وقد طوفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب
والتدلي: الامتداد إلى جهة الأسفل.
والقاب والقاد والقيد سواء، والمعنى: فكان قدر قوسين أو أدنى.
وقيل إنما مثل بالقوس؛ لأن مقدارها في الأغلب لا يزيد ولا ينقص.
وقيل: فاستوى جبريل ومحمد ﵉ بالأفق الأعلى، وقيل: الأفق الأعلى، مطلع الشمس.
واختلف في ﴿هُوَ﴾ :
فقيل: ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿بِالْأُفُقِ﴾ ، والجملة في موضع نصب على الحال.
والثاني: أنه معطوف على المضمر في ﴿اسْتَوَى﴾ أي: استوى هو وهو، وحسن ذلك كراهة أن يتكرر (هو) ؛ لأن الوجه أن لا يعطف على المضمر المرفوع إلا بعد التوكيد، نحو قولك: قمت أنا وزيد، ونحو قوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ، إلا أنه حسن هاهنا لما ذكره، وهذا قول الفراء، وأنشد:
ألم تر أن النبع يخلق عوده ولا يستوي والخروع المتقصف
وكان حقه أن يقول: ولا يستوي هو والخروع، إلا أنه لم يقل، وهو في الآية أحسن منه هاهنا، ومثل ذلك قول الشاعر:
قلت إذ أقبلت وزهر تهادى كنعاج الملأ تعسفن رملاً
стр. 377
قال الربيع: فاستوى جبريل ﵇ وهو بالأفق الأعلى، فـ: (هو) على هذا كناية عن جبريل ﵇ وهذا هو القول الأول، و (هو) كناية عن محمد ﵇ في القول الثاني.
قال القتبي: الكلام على التقديم والتأخير في قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٨] ، والمعنى: ثم تدلى فدنا، وهذا لا يجوز في (الفاء) ؛ لأنها مرتبة، وليست كالواو، ولا يحتاج هاهنا إلى هذا التقدير؛ لأن المعنى بين، والتقدير: ثم دنا وامتد في دنوه.
* * *
قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١١-١٥] .
الفؤاد هاهنا: القلب, والمراء: الجدال بالباطل، والسدرة واحدة السدر، وهو شجر النبق، وقيل: سدرة المنتهى في السماء السادسة إليها ينتهي من يعرج إلى السماء، هذا قول ابن مسعود والضحاك، وقال غيرهم:
إليها تنتهي أرواح الشهداء
وجنة المأوى: جنة الخلد، قيل هي في السماء السابعة، وقال الحسن: جنة المأوى: هي التي يصير إليها أهل الجنة.
قال إبراهيم في قوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ أي: أفتجحدونه. وقال غيره: المعنى: أفتجادلونه، وجاء في التفسير، عن عبد الله بن مسعود وعائشة ومجاهد والربيع: أن النبي ﷺ رأى جبريل في صورته التي خلقه الله تعالى عليها مرتين، قال ابن مسعود: رآه
стр. 378
وله ستمائة جناح، وقال ابن عباس: رأى ربه بقلبه، وروي مثل ذلك عن النبي ﷺ .
وأجمع العلماء، على أن النبي ﷺ عرج به، إلا أنه روي عن الحسن أنه قال: عرج بروحه، يذهب إلى أنها رؤية النوم، وهذا القول مرغوب عنه؛ لأنه لا فضيلة له في ذلك؛ لأن الإنسان يرى في منامه مثل ذلك ولا تكون معجزة.
* * *
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩-٢٠] .
﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ : ضمان، واشتقاق ﴿اللَّاتَ﴾ من لويت إذا تحبست ووقفت، يقال: لويت عليه، وما لويت عليه، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] ، والعكوف واللي سواء؛ وذلك أنهم كانوا يلزمونها بالعبادة، ويعكفون عليها ولا يلوون على سواها والأصل فيها: لوية، فحذفت الياء كما حذفت من (يد) و (دم) طلباً للاستخفاف، ثم فتحت (الواو) لوقوع علامة التأنيث بعدها، ثم قلبت (ألفا) لتحركها وانفتاح ما قبلها، فقيل: لات، والألف واللام في (اللات) زائدتان وليستا للتعريف، وكذلك في ﴿الْعُزَّى﴾ ؛ لأن هذه الأصنام معارف عندهم كالأعلام نحو: زيد وعمرو، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] ألا ترى كلها بغير ألف ولام، وكذلك قول الشاعر:
أما ودماء ما تزال كأنها على قنة العزى وبالنسر عندما
الألف واللام في (النسر) زائدتان، هذا قول الأخفش، وتابعه عليه أبو علي
стр. 379
الفارسي، فأما من قرأ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ﴾ بالتشديد فإنه من (لتت السويق) ذكروا أن رجلاً كان يلت السويق هنالك عند هذا الصنم فسمي الصنم باسمه.
﴿ومن سورة القمر﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١-٢] .
جاء في التفسير: أن القمر انشق على زمن رسول الله ﷺ ، قال الزجاج: وقد عاند قوم وارتكبوا العناد، فقالوا: لم ينشق وإنما المعنى: سينشق، وقد روى ذلك عن جماعة، حدثنا الشيخ الفقيه أبو محمد عبد الله بن الوليد عن التميمي قال حدثنا ابن مقسم، قال حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج قال حدثنا القاضي إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا مسدد، قال حدثنا يحيى عن شعبة وسفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين: فرقة فوق الجبل وفرقة دونه، وقال النبي ﷺ : (اشهدوا) ، قال مسدد وحدثنا يحيى عن شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر مثله، قال القاضي إسماعيل وحدثنا علي بن عبد الله، قال حدثنا سفيان قال أخبرنا ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فقال: (اشهدوا اشهدوا) ، وبهذا الإسناد عن ابن مسعود أنه قال:
انشق القمر، فقال لنا رسول الله ﷺ : (اشهدوا) ، قال إسماعيل وحدثنا محمد
стр. 380
ابن أبي بكر، عن محمد بن كثير عن سليمان عن حصين عن محمد بن جبير عن أبيه قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ حتى صال فرقتين على هذا الجبل وعلى هذا الجبل، فقال ناس: سحر محمد القمر، فقال رجل: إن كان سحره وسحركم فلم لم يسحر الناس كلهم، قال محمد بن أبي بكر أخبرني زهير بن إسحاق عن داود عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: ثلاث ذكرهن الله قد مضين: اقتربت الساعة وانشق القمر، فقد انشق على عهد رسول الله ﷺ والدخان والروم. قال إسماعيل وحدثنا حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة وعطاء بن السائب عن عبد الله بن حبيب قال: كنا بالمدائن، فجئنا إلى الجمعة، فخطبنا حذيفة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإن الله تعالى يقول: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ، ألا إن اليوم المضمار وغداً السباق، ألا وأن الغاية النار، قال: فلما كانت الجمعة الأخرى، قال مثل ذلك، ثم قال: والسابق من سبق إلى الجنة.
стр. 381
وروي مسروق عن عبد الله قال، مضى اللزام ومضت البطشة ومضى الدخان ومضى القمر ومضى الروم، والأخبار في هذه كثيرة.
وسمي القمر قمراً لبياضه، والأقمر: الأبيض، وهو يسمى قمراً من الليلة الثالثة، وقيل: إذا حجر، أي: بان السواد حوله، وقيل: إذا بهر، وذلك يكون في السابعة، فإذا انتهى واستوى قيل له بدر، وذلك ليلة الرابع عشر سمي بذلك لتمامه، ومنه اشتقاق البدرة، وقيل: سمي بذلك لمبادرته الشمس بالطلوع، والعرب تقول للهلال أول ليلة: ليلة عتمة سخيلة حل أهلها برميلة، وابن ليلتين: حديث أمتين كذب ومين، وابن ثلاث: قليل اللباث، وابن أربع: عتمة ربع لا جائع ولا مرضع، وابن خمس: عشاء خلفات قعس، ويقال: حديث وأنس، وابن ست: سر وبت، وابن سبع: دلجة الضبع، وابن ثمان: قمر اضحيان، وابن تسع: يلتقط فيه الجزع، وربما قالوا: مقطع الشسع، وابن عشر: مخنق الفجر، وربما قالوا: ثلث الشهر، وليس له اسم بعد ذلك لقربه من الصباح.
وسمي الهلال هلالاً لإهلال الناس عند رؤيته، والإهلال: الصياح، ومنه: استهل الصبي، إذا صرخ عند الولادة.
* * *
قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ١٦]
العذاب: اسم للتعذيب، بمنزلة: الكلام من التكليم والسلام من التسليم، في أنهما اسمان لمصدرين، وليس بمصدرين.
والنذر: قيل هو جمع (نذير) بمنزلة: رغيف ورغف، وقيل: هو واحد، وفي الآية دلالة على أن (الواو) لا ترتب؛ لأن النذر قبل العذاب، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]
* * *
قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر: ٢٤]
نصب ﴿بَشَرًا﴾ بفعل مضمر يدل عليه ﴿نَتَّبِعُهُ﴾ ، والتقدير: أنتبع بشراً منا واحداً نتبعه، إلا أنه حذف اكتفاء بالظاهر الذي هو ﴿نَتَّبِعُهُ﴾ ولا يجوز إظهاره، ولا
стр. 382
نتبعه، إلا أنه حذف اكتفاء بالظاهر الذي هو ﴿نَتَّبِعُهُ﴾ ولا يجوز إظهاره، ولا يجوز أن يكون منصوباً بـ: ﴿نَتَّبِعُهُ﴾ ؛ لأنه عامل في (الهاء) ، ولا ينصب أكثر من مفعول واحد، ويجوز في الكلام الرفع، على الابتداء و ﴿نَتَّبِعُهُ﴾ الخبر، إلا أن النصب أجود؛ لأن الاستفهام أولى: لأنه يقتضي الفائدة، والفائدة أصلها أن تكون بالفعل.
* * *
قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] .
يسأل عن نصب ﴿كُلَّ﴾ ؟
وفيه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه منصوب بإضمار فعل يدل على ﴿خَلَقْنَاهُ﴾ كأنه في التقدير: إنا خلقنا كل شيء خلقنا، ثم حذف على ما تقدم في قوله: ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا﴾ [القمر: ٢٤] ومثله: زيداً ضربته، إلا أنه مع الاستفهام أجود.
والثاني: أنه جاء على ما هو بالفعل أولى؛ لأن ﴿إِنَّا﴾ يطلب الخبر في ﴿خَلَقْنَاهُ﴾ فهو على قياس: أزيداً ضربته، وهذا الوجه في القوة مثل قوله: ﴿أَبَشَرًا مِنَّا﴾ [القمر: ٢٤]
والثالث: أنه يدل على البدل الذي المعنى يشتمل عليه، كأنه قال: إن كلا خلقناه بقدر، وكان سيبويه يقول: الرفع أجود هاهنا، إلا أن العامة أبوا إلا النصب.
والرفع على الابتداء والخبر والجملة خبر ﴿إِنَّا﴾ .
﴿ومن سورة الرحمن﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]
يسأل عن معنى: ﴿بِحُسْبَانٍ﴾ ؟
стр. 383
والجواب: أن المعنى: بحساب يقال: حسبت الشيء حسباً وحسباناً، بمنزلة: الشكران والكفران، وقيل: هو جمع حساب، كشهاب وشهبان، قال ابن عباس وقتادة وابن زيد: بحسبان، أي بحساب ومنازل يجريان فيهما.
وفي تقدير الخبر وجهام:
أحدهما: أن يكون ﴿بِحُسْبَانٍ﴾ الخبر.
والثاني: أن يكون الخبر محذوفاً لدلالة المجرور عليه، والتقدير: والشمس والقمر يجريان بحسبان، والتقدير في الوجه الأول: وجرى الشمس والقمر بحسبان، والمعنيان يتقاربان، إلا أنك تقدر في الوجه الأول حذف مضاف وحذف الخبر، وتقدير على الوجه الثاني حذف الخبر فقط، وحذف شيء واحد أولى من حذف شيئين.
* * *
قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦] .
النجم من النبات: ما لم يقم على ساق، نحو: العشب والبقل، والشجر: ما قام على ساق.
ويسأل عن معنى ﴿يَسْجُدَانِ﴾ ؟
وفيه جوابان:
أحدهما: أن ظلهما يسجد لله بكرة وعشياً، هذا قول جاهد وسعيد بن جبير، وكل جسم له ظل فهو يقتضي الخضوع بما فيه من الصنعة.
والثاني: وهو قول الفراء: أنهما يستقبلان الشمس إذا أشرقت ثم يميلان حين ينكسر الفيء، فذلك سجودهما.
وقيل: سجودها: الخضوع لله بالأقوات المجعولة فيهما للناس وغيرهم من الحيوان،
стр. 384
والاستمتاع بأصناف الرياحين وما في الأشجار من الثمار الشهية، وصنوف الفواكه اللذيذة، فلا شيء أدعى إلى الخضوع والعبادة لمن أنعم بهذه النعمة الجليلة مما فيه مثل الذي ذكرنا في النجم والشجر.
* * *
قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٣١-٣٢] .
يسأل عن معنى: ﴿سَنَفْرُغُ﴾ ؟
والجواب: أن معناه: سنعمل عمل من يتفرغ للعمل لتجويده من غير تصحيح فيه، وهذا من أبلغ الوعيد وأشده؛ لأنه يقتضي أن يجازى العبد بجميع ذنوبه، وليس من الفراغ الذي هو نقيض المشتغل؛ لأن الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء.
والثقلان: الإنس والجن، سميا بذلك لعظم شأنهما إلى ما في الأرض من غيرهما، فهو أثقل وزناً لعظم الشأن بالعقل والتمكين والتكيف لأداء الواجب في الحقوق.
ومما يسأل عنه أن يقال: لم كرر في هذه السورة ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ في عدة مواضع؟
والجواب: أنه ذكر آلاء كثيرة، فكرر التقرير، ليكون كل تقدير لنعمة، والعرب تكرر مثل هذه الأشياء للتوكيد، نحو قولك: اعجل اعجل، وتقول للرامي ارم ارم، قال الشاعر:
كم نعمة كانت لكم كم كم وكم
وقال آخر:
هلا سألت جموع كندة يوم ولوا أين أينا؟
وقال الفرزدق:
стр. 385
ألفينا عيناك عند القفا أولى فأولى لك ذا واقية
وقال عوف بن الخرع:
فكادت فزارة تصلى بنا فأولى فزارة أولى فزارة
وقرئ ﴿سَنَفْرُغُ﴾ و ﴿سَنَفْرُغُ﴾ ، فمن قرأ ﴿سَنَفْرُغُ﴾ فهو على بابه، مثل: دخل يدخل وخرج يخرج، ومن قرأ ﴿سَنَفْرُغُ﴾ فتح (الراء) من أجل حرف الحلق؛ لأن حرف الحلق إذا كان عيناً أو لاماً جاء في غالب الأمر على (يفعل) بالفتح، إذا كان من (فعل) وحروف الحلق ستة وهي: الهمزة، نحو قرأ وسأل، والهاء، نحو: ذهب ووهب، والعين، نحو: جعل وصنع، والحاء، نحو: سمح ولحج، والغين، نحو: فغر وولغ، والخاء، نحو: سلخض وبخع، وما أشبه ذلك.
﴿ومن سورة الواقعة﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ١-٥] .
الواقعة هاهنا: اسم من أسماء القيامة.
ويسأل عن معنى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ ؟
والجواب أن المعنى: ليس لواقعتها قضية كاذبة فيها؛ لإخبار الله تعالى بها، ودلالة العقل عليها، وقيل: ليس لها نفس كاذبة في الخبر بها، وقيل: الكاذبة هاهنا: مصدر مثل العاقبة والعافية.
وقيل: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ تخفض قوماً بالمعصية، وترفع قوماً بالطاعة؛ لأنها إنما وقعت
стр. 386
للمجازاة، فالله تعالى يرفع أهل الثواب ويخفض أهل العقاب، وأضاف ذلك إلى الواقعة؛ لأنه فيها يكون، وقيل: إن القيامة تقع بصيحة عند النفخة الثانية، وهو قول الضحاك.
وقوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ ، أي: زلزلت زلزالاً شديداً، هذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة، ومنه يقال: ارتج السهم، عند خروجه عن القوس.
﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ : فتت فتاً، فكذا قال ابن عباس ومجاهد وابن صالح والسدي، والعرب تقول: بس السويق، أي: لته، والبسيسة: السويق أو الدقيق يلت ويتخذ زاداً قال بعض لصوص غطفان:
لا تخبزا خبزاً وبسا بسا
ورفع قوله: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ على الاستئناف، أي: هي خافضة رافعة، وأجاز الفراء النصب، والنصب على الحال، وهذه حال مؤكدة؛ لأن القيامة إذا وقعت فلابد أن تكون خافضة رافعة.
ويسأل عن موضع قوله تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ ؟
والجواب: أنه بدل من قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ، وهذا كما تقول: سآتيك إذا قام زيد إذا خرج، والمعنى: سآتيك إذا خرج زيد، وهكذا المعنى: إذا رجت الأرض رجاً عند وقوع الواقعة.
стр. 387
قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥-٧٦] .
المواقع: جمع موقع، وأصله من وقع يقع، والأصل في يقع: يوقع؛ لأن كل (فعل) على (فَعَلَ) وفاؤه الواو فإنه يلزم (يَفْعَل) نحو: وعد يعد ووزن يزن، والأصل: يوعد ويزون، فسقطت (الواو) لوقوعها بين (باء) و (كسرة) ، والعرب تستثقل ذلك إلا أن تقع فتحة حرف الحلق وهو (العين) ، و (مَفْعل) يلزم هذا القيبل في المصدر، والمكان نحو قولك: وعدته موعداً، وهذ موعد القوم، قال سعيد بن جبير المعنى: فـ: ﴿لَا﴾ على هذا القول صلة، وقال الفراء: هي نفي، أي: ليس الأمر كما يقولون، ثم استؤنف: أقسم.
وقيل في ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ قولان:
أحدهما: أنه يعني بها القرآن؛ لأنه نزل نحوماً على النبي ﷺ وهذا قول ابن عباس ومجاهد.
والثاني: أنه يراد بها مساقط نجوم السماء ومطالعها، وهو قول قتادة وروي مثله عن مجاهد في بعض الروايات عنه، وقال الحسن: مواقعها: انكدارها وانتشارها يوم القيامة.
* * *
قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]
يقال: مسستُ الشيء أمسه مساً، ويقال: لامَساس ولامِساس.
واختلف في قوله: ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ :
فقال: ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وجابر بن زيد وأبو نهيك ومجاهد:
стр. 388
المعنى: لا يمس الكتاب الذي في في السماء إلا المطهرون من الذنوب وهو الملائكة، وقيل: إلا المطهرون في حكم الله ، وقيل: لا يمس القرآن إلا المطهرون، أي: من كان على وضوء، وهو قول مالك.
واختلف في ﴿لَّا﴾ :
فقيل: هي نافية، و (يَمَسُّ) فعل مستقبل، والمعنى: ليس يمسه، على طريق الخبر، وليس بنهي. وقيل: هو نهي، وجاء على لغة من يقول: مد يا فتى، ومس يا فتى؛ لأن في هذا الفعل لغات:
منها: أن تفتح آخره فتقول: مسَّ ومدً. وهذا أفصح اللغات.
ومنها: أن تضمه فتقول: مسُّ ومدُّ.
ومنها: تكسره فتقول: مسَّ ومدَّ، قال الراجز:
قال أبو ليلى لحبل مده حتى إذا مددته فشده
إن أبا ليلى نسيج وحده
ومنها: أن يفتح ما كان على (فَعِلَ) (يَفْعَل) نحو: مس وسف؛ لأنه من مسست وسففت، ويضم ما كان على (فَعَلَ) (يَفْعُل) نحو: مد وعد، ويكسر ما كان على (فَعْل) (يفْعَل) نحو: مر وفر، وهذه لغات أهل نجد، فأما أهل الحجاز فإنهم يظهرون التعيف، فيقولون: أمسس وأمدد وأفرر، وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧] ، فإذا ثنوا أو جمعوا لم يجز إظهار التضعيف، ورجعوا إلى اللغة الأولى كراهة لاجتماع المثلين.
وقال الفراء في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ أي: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به، يعني القرآن.
стр. 389
قوله تعالى: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨١-٨٢] .
المدهن: المظهر خلاف ما يبطن، ومنه قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ، ويعني به هاهنا: تامنافقون، وقال الفراء: يعني به: الكافرون، يقال: أدهن، أي: كفر، وأصله: من الجهن، كأنه يذهب في خلاف ما يظهر، كالدهن في سهولة ذلك عليه وإسراعه إليه.
وقوله: ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن المعنى: وتجعلون حظكم من الخبر الذي هو كالرزق لكم أنكم تكذبون به.
والثاني: أن المعنى: وتجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون.
قال الفراء: جاء في الأثر أن معنى ﴿رِزْقَكُمْ﴾ شكركم، قال: وهو حسن في العربية، لأنك تقول: جعلت زيارتي إياك أنك استخففت بي، فيكون المعنى: جعلت ثواب الزيارة ذلك، ومثله: قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] .، أي: ما يقوم لهم مقام البشارة عذاب أليم؛ لأن البشارة لا يكون إلا في معنى الخير.
* * *
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠-٩١]
قال علي بن عيسى: دخل كاف الخطاب كما دخل في: ناهيك به شرفاً وحسبك به كرماً، أي لا تطلب زيادة على حلالة حاله، فكذلك سلام لك منهم، أي: لا تطلب زيادة على سلامتهم جلالة وعظم ومنزلة.
стр. 390
ومما يسأل عنه أن يقال: لم كان التبرك باليمين؟
والجواب: أن العمل يتيسر بها؛ لأن الشمال يتعسر العمل بها من نحو: الكتابة والتجارة والأ'مال الدقيقة.
قال الفراء: المعنى في قوله: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ :
فسلام لك أنم من أصحاب اليمين، فألقيت (أنَّ) وهو معناهما، كما تقول: أنت مصدق ومسافر عن قليل، إذا كان قد قال: إني مسافر عن قليل، وكذلك تجده في قولك: إنك مسافر عن قليل، قال: والمعنى: فسلام لك أنت من أصحاب اليمين، ويكون كالدعاء له، كقولك: سقياً لك من الرجال، وإن رفعت (السلام) فهو دعاء، وقال قتادة المعنى: فسلام لك أيها الإنسان الذي هو لك من أصحاب اليمين من عذاب الله، وسلمت عليه الملائكة، وقيل المعنى: سلمت مما تكره؛ لأنك من أصحاب اليمين.
قال أبو الفتح بن جني: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: مهما من شيء فسلام لك إن كان من أصحاب اليمين، ولا ينبغي أن يكون موضع ﴿إِنْ كَانَ﴾ إلا هذا الموضع؛ لأنه لو كان موضعه بعد (الفاء) يليها لكان قوله: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ﴾ جواباً له في اللفظ لا في المعنى، ولو كان جواباً له في اللفظ لوجب إدخال (الفاء) عليه؛ لأنه لا يجوز في سعة الكلام: إن كان من أصحاب اليمين سلام له، فلما وجد (الفاء) فيه ثبت أنه ليس بجواب لقوله: ﴿إِنْ كَانَ﴾ في اللفظ، وإذا ثبت أنه ليس بجواب له في اللفظ ثبت أن موقع ﴿إِنْ كَانَ﴾ بعده لا قبله، قال: فإن قيل: إنما يدل (الفاء) التي تكون جواباً لقوله: ﴿إِنْ كَانَ﴾ لأجل الفاء التي تدخل جواباً لـ (أمَّا) ؛ لأنه لا يدخل حرف معنى على مثله، قيل: إنما يدخل (الفاء) التي لـ (أما) عليه: لأنه ليس بجواب لقوله: ﴿إِنْ كَانَ﴾ ، فلو كان جواباً له لما دخلت هذه (الفاء) في قوله: ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ﴾ على أن (فاء) (أما) قد تكون موقعه بعد (الفاء) لا تليها، فأما ما استدل به أبو علي على قوله:
следующие страницы →