← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9066

النكت في القرآن الكريم

أبو الحسن المجاشعي

Полный текст (489 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٨-٣٩] العرجون: الكباسة، وهو القنو أيضاً والقنا والعثكول والعثكال، والقديم: البالي. ويسأل عن قوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ ؟ وفيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنها تجري لانتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا. والثاني: أنها تجري لوقت واحد لا تعدوه، وهو قول قتادة. والثالث: أنها تجري إلى أبعد منازلها في الغروب. وقوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس: ٤٠] قيل معناه: حتى يكون نقصان ضوئها كنقصانه، وقال أبو صالح: لا يدرك أحدهما ضوء الآخر، وقيل: الشمس لا تدرك القمر في سرعة سيره، ولا الليل سابق النهار وكل على مقادير قدرها الله تعالى. والفلك: موضع النجوم من الهواء، وأصله: الاستدارة، ومنه قيل: فلكة المغزل، ويروى أن بعضهم قرأ ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ أي لا نهاية. وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ﴾ بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب، فمن رفع جعله مبتدأ، والخبر في قوله: ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾ وهذا كما تقول: زيد قام وعبد الله أكرمته، وأما النصب فعلى إضمار فعل يدل عليه ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾ ، كأنه قال: وقدرنا القمر قدرناه منازل، ثم حذف الفعل الأول لدلالة الثاني عليه، كما تقول: زيد قام

стр. 317

وعمراً أكرمته، والنصب أجود من الرفع؛ لأنك تعطف فعلاً على فعل، قال الربيع بن ضبع الفراري: أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا والذئب أخشاه إن مررت به وحدي وأخشى الرياح والمطرا يريد: وأخشى الذئب أخشاه، وأما الرفع فهو عطف جملة على جملة وفي الكلام حذف، والتقدير: والقمر قدرناه ذا منازل، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ولا يجوز أن يكون بلا حذف؛ لأن القمر غير المنازل وإمما يجري في المنازل, ولا يجوز أن تنصب ﴿مَنَازِلَ﴾ على الظرف؛ لأنه محدود والفعل لا يصل إلى المحدود إلا بحرف جر نحو: جلست في المسجد، ولا يجوز: جلست المسجد، وإنما يصل الفعل بغير حرف إلى الظرف المبهم نحو: أمام ووراء وفوق وتحت ويمنة ويسرة وما كان في معناها. * * * قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥١-٥٢] . الصور: قرن من نور ينفخ فيه يوم القيامة، واشتقاقه من: صرت الشيء أصوره، أي: أملته وعطفته، كأنه قال: يميل الناس إلى الحشر ويعطفهم. وقيل: الصور جمع صورة بمعنى الصور، والمعنى: ينفخ في صور بني آدم، وأصل الصورة أيضاً من الميل؛ لأنها تمال إلى هيأة من الهيئات. والأجداث: القبور، واحدها: جدث، هذه لغة أهل العالية، وأهل السافلة يقولون (جدف) .

стр. 318

والويل: بمعنى القبوح، هذا قول الأصمعي، وقال المفسرون: هو وادٍ في جهنم. وموضع قوله: ﴿فِي الصُّورِ﴾ رفع؛ لأنه مفعول لم يسم فاعله لـ ﴿نُفِخَ﴾ ، كما تقول: جلس في المكان. ويحتمل قوله هذا وجهين: أحدها: أن يكون (هذا) نعتاً للمرقد، فتبتدئ حينئذ ﴿مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ . والثاني: أن يكون الوقف على قوله: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ، وانقطع الكلام، ثم قالت الملائكة: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ وفي حرف عبد الله: "من أهبنا من مرقدنا هذا"، وهو بمعنى البعث، والبعث: بمعنى الإيقاظ هاهنا، يقال: بعثت ناقتي فانبعثت، أي: أثرتها فثارت، وهب من منامه وأهبه غيره، وانبعث من منامه وبعثه غيره. والنسول: الإسراع في الخروج، يقال: نسل ينسل نسولاً, قال الشاعر: عسلان الذئب أمسى قارباً برد الليل عليه فنسل قال امرؤ القيس: وإن تك قد ساءتك مني خليقة فسلي ثيابي من ثيابك تنسل وقال قتادة في قوله: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا﴾ يعني بين النفختين. وقال ابن زيد: قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ من قول الكافرين.

стр. 319

وقال قتادة: هو من قول المؤمنين, والأول أعني: أنه من قول الملائكة، قول الفراء. * * * قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] يقال: من المخاطب في قوله: ﴿كُنْ﴾ ؟ وفيه ثلاثة أجوبة عن الزجاج: أحدها: أنه لم يقع، وإنما هو إخبار لحدوث ما يريد، كأنه في التقدير: إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يكونه فيكون, فعبر عن هذا المعنى بـ: ﴿كُن﴾ ؛ لأنه أبلغ فيما يراد. والثاني: أن المعنى: إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول من أجله ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ ، فالمخاطب في هذين الوجهين معدوم, وجاز أمر المعدوم؛ لأن الآمر هو الموجد له. والثالث: أن هذا إنما هو في التحويلات نحو قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] و ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠] وما أشبه ذلك. ولفظ الأمر في الكلام على عشرة أوجه: أحدها: الأمر لمن دونك، نحو قولك لغلامك: قم. والثاني: الندب، نحو قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] . والثالث: الإباحة، نحو قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] . والرابع: الدعاء، نحو قوله: ﴿آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] ، ونحو قوله: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] والخامس: الرغبة، نحو قوله: ارفق بنفسك، أحسن إلى نفسك. والسادس: الشفاعة، نحو قولك: هب لي ذنبه، شفعني فيه. والسابع: التحويل، نحو قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] و ﴿كُونُوا حِجَارَةً﴾ [الإسراء: ٥٠] .

стр. 320

والثامن: التهديد، نحو: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] ، ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: ١٠٢] . والتاسع: الاختراع والإحداث، نحو: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] والعاشر: التعجب، نحو: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] ومن قرأ ﴿فَيَكُونُ﴾ عطف على قوله: ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ﴾ ، ولا يجوز أن يكون جوابا لـ ﴿كُنْ﴾ ؛ لأن حق الجواب أن يكون مخالفا لما هو جواب له: إما باختلاف اللفظ، أو باختلاف الفاعل، فاختلاف اللفظ نحو قولك: قم تكرم، واخرج فيحسن إليك، وأما اختلاف الفاعل فنحو قولك، قم أقم معك، واخرج اخرج معك، وقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ قد اتفق فيه الأمران: اتفاق اللفظ، واتفاق الفاعل، فصال بمنزلة قولك: قم تقم، وهذا لا فائدة فيه. فأما من رفع فعلى القطع؛ كأنه قال: فهو يكون، والرفع أجود من النصب، قال علي بن عيسى: الامر هاهنا أفخم من الفعل فجاء للتعظيم والتفخيم، قال: ويجوز أن يكون بمنزلة التسهيل والتهوين وانشد: فقالت له العينان سمعا وطاعة وحدرتا كادر لما يثقب والملكوت والملك بمعنى واحد إلا أن الملكوت أكثر مبالغة. ﴿ومن سورة الصافات﴾ * * * قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦] . التزيين: التحسين، وحفظ الشيء: صونه، والمارد: الخارج إلى الفساد العاتي. واختلف القراء فقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وابن كثير ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ وقرأ عاصم من طريق أبي بكر ﴿بِزِينَةِ﴾ ينون (زينة) وينصب (الكواكب) ، وقرأ حمزة وحفص

стр. 321

عن عاصم ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ بالتنوين وجر الكواكب. فمن أضاف ولم ينون جعل المصدر الذي هو (زينة) مضافا إلى الكواكب، وأما من نون ونصب (الكواكب) فإنه نصبها (بزينة) ، كأنه قال: ولقد زينا السماء الدنيا بأن زينا الكواكب؛ لأن تزيين الكواكب تزيين للسماء. ومن نون وجر جعل الكواكب بدلا من زينة، كأنه قال: ولقد زينا السماء الدنيا بالكواكب، وهذا من بدل الشيء من الشيء الذي هو هو؛ لأن الكواكب هي الزينة، ومثله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢-٥٣] ، أجاز الفراء الرفع في (الكواكب) مع تنوين (زينة) على أن تكون (الكواكب) هي (الزينة) للسماء، قال: يريد زيناها بتزينها الكواكب. قال تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] القرين والمقارن، والصاحب والمصاحب ألفاظ متقاربة المعنى، والمديون المجازون، والسواء الوسط، سمي سواء لاستواء المسافة منه إلى جميع جوانبه، قال ابن عباس: كان القرين رجلا من الناس، وقال مجاهد: كان شيطانا. وروي عن أبي عمرو ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤] بكسر النون، رواه حسين (فأطلع) بقطع الألف والنحويون لا يجيزون ذلك؛ لأن السماء إذا أضيفت حذفت منها النون، فكان يجب أن يقال: هل أنتم مطلعي وإنما يقال: (يطلعون) في (يطالعونني) بحذف إحدى النونين، كما قرأ نافع ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ ، فهذا يجوز في

стр. 322

الفعل ولا يجوز في الاسم، وأنشد الفراء: وما أدري وظني كل ظن أمسلمني إلى قوم شراح يعني: شراحيل، والمبرد يروي هذا البيت (يسلمني) . قال الفراء في قوله: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ هذا الرجل من أهل الجنة كان له أخ من أهل الكفر وأحب أن يرى مكانه، فيأذن الله له، فيطلع إليه في النار ويخاطبه، فإذا رآه قال: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] ، قال: وفي حرف عبد الله (لتغوين) ولولا رحمة ربي ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧] معك في النار. والعامل في قوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ [الصافات: ٥٣] مضمر، كأنه قال: ندان ونجازى إنا لمدينون، ولا يجوز أن يعمل فيه ﴿لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] ؛ لأن الاستفهام لا يعمل ما بعده فيما قبله. ويقال: مت ومت، وكان القياس أن يقول من يقول: (مت) (أمات) إلا أنه جاء (فعل يفعل) ومثله: دمت أدوم وفضل يفضل، وقد حكى الكسائي: مت تمات ودمت تدام على القياس، كما تقول: خفت أخاف ونمت أنام. * * * قوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢] الألف في قوله: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ﴾ ألف تبكيت وتقريع، وشجرة الزقوم: هي الشجرة الملعونة في القرآن، وكانت فتنتهم بها أن أبا جهل قال: النار تأكر الشجر، فكيف ينبت فيها الشجر!! وللعلماء عن هذا جوابان: أحدهما: أنها شجرة من النار. والثاني: أنها من جوهر لا تأكله النار، وقد استقصيت شرح هذا في سورة بني إسرائيل، وذكر ابن إسحاق أن أبا جهل لما سمع ﴿شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ قال: أتعلمون ما

стр. 323

شجرة الزقوم؟ قالوا: لا، قال: عجوز يثرب، بسمن الحجاز، والله لنتزقمها تزقما. فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان: ٤٣-٤٥] . فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: إنما يشبه الشيء بما يعرف، ورؤوس الشياطين لا تعرف، فكيف شبه طلع هذه الشجرة برؤوس الشياطين وهي لا تعرف؟ وعن هذا ثلاثة أجوبة: أحدهما: أن رؤوس الشياطين ثمرة شجرة يقال لها الأستن، وإياه عني النابغة: تحيد عن أستن سود أسافله مشي الإماء الغوادي تحمل الحزما وهذه الشجرة تشبه بني آدم، قال الأصمعي: ويقال له (الصوم) ، وأنشد: موكل بشدوف الصوم يرقبه من المغارب مهضوم الحشا زرم يصف وعلا يظن هذا الشجر قناصين فهو يرقبه. والجواب الثاني: أن الشيطان جنس من الحيات، أنشد الفراء: عنجرد تحلف حين أحلف كمثل شيطان الحماط أعرف وأنشد المبرد: وفي البقل إن لم يدفع الله شره شياطين يعدو بعضهن على بعض والثالث: أن الله تعالى شنع صور الشياطين عن الناس، فاستقر في قلوبهم أنها شنعة، فشبه طلع هذه الشجرة بما استقرت شناعته في القلوب، قال الراجز:

стр. 324

بصرتها تلتهم الثعبانا شيطانة تزوجت شيطانا. وقال أبو النجم الرأس قمل كله وصئبان وليس في الرجلين إلا خيطان فهي التي يفزع منها الشيطان وقال امرؤ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال فشبه أسنته بأنياب الأغوال، ولا يقول أحد أنه رأى الغول، ومن قاله من العرب فكاذب، نحو ما يحكى عن تأبط شرا، وهذا قول المحققين من أصحابنا. * * * قوله تعالى: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٧-٨٩] قيل في قوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قولان: أحدها: أن المعنى: أي شيء ظنكم به أسوأ ظن. والثاني: فما ظنكم برب العالمين أنه يصنع بكم. وقيل في قوله: ﴿فنظر نظرة في النجوم﴾ أقوال: أحدهما: أن المعنى نظر في علم النجوم ليعلمهم أنه علمهم مثل ما يعلمون، فيكون إنكاره لعبادتهم الأصنام وقولهم بعلم النجوم على بصيرة، لئلا يحتجوا عليه بأنه لا يحسنها، وكان يقال: (من جهل شيئا عاداه) ، فقال: إني سقيم، أي: سأسقم.

стр. 325

والثاني: أنه نظر في نجوم الأرض، وهو جمع نجم وهو ما لم يقم على ساق فرآها تجف وتذوي، فقال: إني سقيم، أي: سأسقم وأذهب كما تذهب هذه النجوم. وقيل: فنظر نظرة في النجوم، أي: فيم ينجم، له من الرأي، أي: يظهر، يقال نجم النبت إذا ظهر، فقال: إني سقيم. قال الفراء في قوله: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي: مطعون، ويقال: إنها كلمة فيها معراض، أي: كل من كان في عنقه الموت فهو سقيم وإن لم يكن به حين قالها سقم ظاهر، قال: وهو وجه حسن. وروي عن يحيى بن المهلب عن الحسن بن عمارة عن المنهال بن عمرو عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب في قوله تعالى: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣] ، وقال: لم يس ولكنها من معاريض الكلام، وقد جاء عن عمر ﵁ (إن في المعاريض لما يغنيط عن الكذب) . وقيل: (كذب إبراهيم ﵇ ثلاث كذبات) : قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ ، وقوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] ، وقوله في (سارة) هي أختي، وهذا على ما ذهب إليه الفراء من المعاريض: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ سأسقم، و ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ على طريق التبكيت لهم، وكأنه فعله لتعظيمهم إياه، وسارة أخته في الدين.

стр. 326

وقيل: الكذب يجوز في المكيدة والتقية ومسرة الأهل بما لا يضر. * * * قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ ال صَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠١-١٠٢] . قوله: ﴿مَاذَا تَرَى﴾ من الرأي، أي: ما رأيك في ذلك، وقال الفراء المعنى: ماذا تريني من رأيك أو ضميرك، و (رأى) في الكلام على خمسة أوجه: - بمعنى أبصر، نحو: رأيت. - وبمعنى علم، نحو: رأيت زيدا عالما. - وبمعنى ظن، نحو قوله: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦-٧] ، فالأول بمعنى الظن، والثاني بمعنى العلم. - وبمعنى أعتقد، نحو قوله: وإنا لقوم لا نرى القتل سبة إذا ما رأته عامر وسلول - وبمعنى الرأي، نحو قولك رأيت هذا الرأي. فأما (رأيت في المنام) فمن رؤية البصر، فلا يجوز أن تكون (ترى) هاهنا بمعنى تبصر؛ لأنه لم يشر إلى شيء يبصر بالعين، ولا يجوز أن تكون بمعنى (علم) أو (ظن) أو (اعتقد) ؛ لانه هذه الأشياء تتعدى إلى مفعولين، وليس هاهنا إلا مفعول واحد، مع استحالة المعنى، فلم يبق إلا أن يكون من (الرأي) والمعنى: ماذا تراه. واختلف في جواب ﴿لَّمَّا﴾ :

стр. 327

فقيل: هو محذوف، والمعنى: فلما أسلما وتله للجبين وناديناه فازا أو ظفرا بما أرادا. وقيل: (الواو) زائدة: والمعنى: فلما أسلما تله للجبين. والتل: الصرع. وقيل في معنى قوله: ﴿بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ : أطاق أن يسعى معه، وهو قول مجاهد، وقال عبد الرحمن بن زيد: هو السعي في العبادة. وقيل: إنه أمر أن يقعد مقعد الذابح، وينتظر الأمر بإمضاء الذبح على ما رآخ في منامه، ففعل، وقيل: إنه أمر على شرط التخلية والتمكين، فكان - كما روي - أنه: كلما اعتمد بالشفرة انقلبت، وجعل على حلقه صفيحة من نحاس، وقيل: بل ذبح، ووصل الله تعالى ما فراه بلا فصل. واختلف في الذبيح: فقيل: هو إسماعيل، وقيل: هو إسحاق، روى محمد بن خالد عن سلم بن قتيبة عن مبارك عن الحسن عن الأحنف عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال: الذبيح إسحاق، وروى أبو الخطاب حدثنا أبو داود عن زيد عن عطاء عن سماك

стр. 328

ابن حرب عن محمد بن المنتشر عن مسروق أنه كان يقول: الذبيح إسحاق، وروى إسحاق بن إبراهيم الشهيدي عن يحيى اليمان عن إسرائيل عن ثور عن مجاهد عن ابن عمر قال: الذبيح إسماعيل، وروى محمد بن عبيد حدثنا مسلم بن إبراهيم عن الحجاج بن الحجاج عن الفرزدق همام بن غالب قال: سمعت أبا هريرة على منبر النبي ﷺ يقول: الذبيح إسماعيل، والأول قول علي وابن مسعود والحسن وكعب الأحبار، والثاني قول محمد بن كعب وسعيد بن المسيب وابن عباس والحسن بخلاف. وقيل: كان الذبيح يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (أنا ابن الذبيحين) ، فهذا يدل على أن الذبيح (إسماعيل) ؛ لأن النبي ﵇ من ولد إسماعيل، والذبيح الثاني (عبد الله) أب النبي ﷺ . حدثني أبي عن عمه حدثنا القاضي منذر بن سعيد حدثنا أبو النجم عصام بن منصور عن أبي بكر أحمد بن عبد الله البرقي عن أبي محمد عبد الملك بن هشام عن زياد

стр. 329

بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري عن يزيد بن عبد الله عن عبد الله بن دريد الغافقي قال: سمعت علي بن أبي طالب ﵁ يحدث، قال: كان عبد المطلب نائماً في الحجر، فأتاه آت، فقال: احفر طيبة، قال عبد المطلب: وما طيبة؟ قال: فذهب عني، قال عبد المطلب: فلما كان الغد رحعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر برة، قلت: وما برة؟ قال: فذهب عني، فلما كان من الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر المضنونة، قلت: وما المضنونة؟ قال: فذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت، فجاءني فقال: احفر زمزم، قلت وما زمزم؟ قال: لا ينزف أبدا ولا يندم، وهي بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل، قال: فلما بين شأنها، وعرف موضعها، وعرف أنه قد صدق، غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث، وليس له يؤمئذ ولد غيره، فحفر فلما بدا له الفئ كبر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه، فقالوا له: يا عبد المطلب، إنما بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك فيها، فقال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم، قالوا له: فأنصفنا، فإنا غير تاركيكحتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا كاهنة بني سعد ابن هذيم، قال: نعم، وكانت بأطراف الشام، فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني أبيه من بني عبد مناف، وركب من كل قبيلة من قريش نفر والآرض إذ ذاك مفاوز، فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام فُني ماء عبد المطلب، فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم، فقالوا إنا بمفاوز، ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم، فلما رأي عبد المطلب ذلك قال لأصحابه ماذا ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع رأيك، فمرنا بما شئت، قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوة، فكلما مات رجل دفنه أصحابه في حفرته، ثم واروه حتى يكون آخركم رجلاً، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب، قالوا نعم ما أمرت به، ففعلوا ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشاً، ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نبتغي لأنفسنا فرجاً لعجز، فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد ارتحلوا، فارتحلوا حتى إذا فرغوا، وقبائل قريش ينظرون إليهم ما هم فاعلون، تقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت به انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب وشربوا، واستقموا حتى

стр. 330

اسقيتهم ودعا عبد المطلب قبائل قريش فقال: هلم إلى الماء، فقد سقانا الله فاشربوا واستقوا، فشربوا واستقوا، ثم قالوا له: والله لقد قضي لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبداً، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو سقاك زمزم فارجع إلى سقايتك راشداً، فرجع ورجعوا، ولو يصلوا إلى الكاهنة، قال: وكان قد نذر حين لقي من قريش ما لقي (لئن ولد له عشرة نقر ثم بلغوا معه حتى يمنعوه لينحرَّن أحدهم عند الكعبة، فلما ولد له عشرة، وعلم أنهم سيمنعونه، أحب أن يفي بنذره، فجمع بنيه وأخبرهم بذلك، ودعاهم إلى الوفاء لله تعالى، فأطعوه، قالوا: كيف نصنع؟ قال: ليأخذ كل رجل منكم قدحاً ثم يكتب عليه اسمه، ثم إئتوني، ففعلوا، وأتوه فدخل بهم على (هبل) في جوف الكعبة، وكان (عبد الله) أحب ولده إليه، فكان يرى أن السهم إذا أخطأه فقد أشوى، فلما أخذ صاحب القداح القدح ليضرب بها، قام عبد الطلب يدعو الله عند هبل، فضرب صاحب القداح، فخرج القدح على عبد الله، فأخذ عبد المطلب يدعو الله عند هبل، فضرب صاحب القداح، فخرج القدح على عبد الله، فأخذ عبد المطلب بيده وأخذ الشفرة، ثم أقبل إلى أساف ونائلة ليذبحه، فقالت إليه قريش من أنديتها، فقالوا ما تريد يا عبد المطلب؟ قال: أذبحه، قالوا به: والله لا ندعك تذبحه، لئن فعلت لا يزال الرجل يأتي بابنه حتى يذبحه، فما بقاء للناس على هذا، وساعدهم بنوه، فقال له المغيرة بن عبد الله المخزومي: لاندعك تذبحه حتى تعذر فيه، فإن كان فداء فديناه بأموالنا، وقالت له قريش: اذهب إلى عرافة بالحجاز لها تابع، فسلها وأنت على رأس أمرك، فذهب وذهبوا معه إلى خيبر، فسألوه العرافة عن ذلك، فقال: ارجعوا عني اليوم حتى يأتي تابعي فأسأله، فرجعوا، فلما كان من الغد، عادوا إليها، فقالت لهم: قد جاءني الخبر، كم الدية فيكم؟ قالوا عشرة من الإبل، وكانت كذلك، قالت: فارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم وقربوا عشراً من الإبل، ثم اضربوا عليه وعليها بالقداح فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم. فإن خرجت الإبل فانحروها عنده، فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم، فرجعوا إلى مكة فلما اجمعوا على ذلك قام عبد المطلب يدعو الله، ثم قربوا عبد الله وعشراً من الإبل، وعبد المطلب يدعو، فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشراً، وضربوا فخرج على عبد الله، فزادوا عشراً فخرج على عبد الله، فزادوا عشراً فخرج على عبد الله، إلى أن بلغت مائة فخرجت على الإبل، فقالت قريش ومن حضر: قد انتهى، رضى ربك يا عبد المطلب فقال: لا والله، حتى أضرب عليها ثلاث مرات ففعل، فخرج في جميع ذلك على الإبل، فنحرت وتركت لا يصد عنها إنسان ولا سبع، فكان النبي ﵇.

стр. 331

يقول (أنا ابن الذبيحين) فهذا يدل على أن الذبيح إسماعيل ﵇ لأن النبي من ولده. * * * قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] . ﴿أَوْ﴾ هاهنا لأحد الأمرين على طريق الإبهام من المخبر، قال سيبويه: هي تخيير، كان الرائي خير في أن يقول: هم مائة ألف أو يزيدون. وقال بعض الكوفيين: ﴿أَوْ﴾ بمعنى (الواو) كأنه قال: ويزيدون. وقال بعضهم: هي بمعنى (بل) ، وهذان القولان عند العلماء غير مرضين قال ابن جني: هي شك من الرائي. وأجود هذه الأقوال الأول والثاني. ﴿ومن سورة ص﴾ * * * قوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ١-٢] الذكر هاهنا: الشرف، وهو قول ابن عباس، كأنه قال: والقرآن ذي الشرف، وقال الضحاك وقتادة: ذي الذكر: ذي التذكير. قال قتادة في قوله: ﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ أي: في حمية وفراق، وقال عبد الرحمن بن زيد: الشقاق: الخلاف، وأصله من المشاقة وهو أن يصبر كل واحد من الفريقين في شق، أي: في جانب، ومنه يقال: شق فلان العصا، إذا خالف.

стр. 332

قال الفراء: أجمع القراء على إسكان (صاد) إلا الحسن فإنه جرها بلا تنوين لاجتماع الساكنين شبهه بقولهم: خاز باز، وتركته في حيص بيص، وأنشد: لم يلتحصني حيص بيص لحاصي قال و ﴿ص﴾ في معنى: وجب والله، نزل والله، حق والله، فهي جواب لقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ كما يقول: نزل والله. قال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله تعالى، وقال السدي: هو من حروف المعجم، وقال الضحاك معناه: صدق الله، وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن. واختلف في كسر ﴿ص﴾ فقال الفراء: هو لالتقاء الساكنين، وقال غيره: هو أمر من المصاداة، كأنه قال: صاد القرآن، أي: عارضة بعملك وقابله، وهذا قول الحسن. وقرأ بعضهم ﴿ص﴾ بالفتح اسماً للسورة، ولم يصرفه للتعريف والتأنيث، ويجوز أن يكون موضع (صاد) في هذا الوجه نصباً، كأنه قال: اتل صاد، ولو رفع لجاز على تقدير: هذه صاد، فأما من أسكن فيجوز أن يكون في موضع نصب على تقدير: اتل، وعلى تقدير حذف حرف القسم في مذهب من جعلها قسماً، ويجوز أن يكون في موضع رفع على تقدير: هذه ص، في مذهب من جعلها اسما للسورة. الصافنات. وقرئ ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ﴾ أي: المتخيرة. والجياد: جمع جواد، وياؤها منقلبه عن واو، وأصلها (جواد) .

стр. 333

والخير هاهنا الخيل وكان النبى ﷺ يسمي (زيد الخيل) (زيد الخير) قال قتادة والسدى: الخير الخيل هاهنا ويقال طفق يفعل كذا وكذا، وجعل يقول كذا وكذا، وأخذ يفعل.. كل ذلك بمعنى واحد. والكرسي أصله من التكرُّس وهو الاجتماع ومنه قيل للجر (كراسة) ؛ لأنها مجتمعة. والجسد هاهنا: شيطان، قال ابن عباس: اسمه (صخر) وقال مجاهد: اسمه (آصف) ، وقال السُّدي اسمه (حبقيق) . واختلف في قوله (فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣) فقيل: كشف عراقيبها وضرب أعناقها، وقال: لا تشغلني عن عبادة ربي مرة أخرى، وهو قول الحسن. وقال ابن عباس: مسح أعرافها، وعراقيبها حبالها قال الزجاج: هذا لا يوجب ذنبا، واستعظم ضرب أعناقها، وكشف عراقيبها، وقال: لعله أوحي إليه بذلك، وأبيح له؛ لأن ضرب أعناق الخيل لا يوجبه تأخره عن الصلاة. قال الفراء في قوله (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ) أي صنماً.

стр. 334

وقيل: كان سليمان، ﵇. يحب بعض ولده فجعله في السحاب خوفاً عليه، فعوقب بذلك وألقي جسد ولده ميتاً على كرسيه. * * * قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص: ٣٤] أي: ابتليناه، وقيل: سلب ملكه أربعين يوماً، وكان ملكه في خاتمه، فلما أخذه الشيطان رماه في البحر، فوجده سليمان بعد أربعين يوماً في بطن سمكة. وقيل: كان ذنبه أنه وطئ في ليلة عدداً كبيراً من جواريه حرصاً على كثرة الولد. وقيل: كان ذنبه أنه وطئ امرأته في الحيض. وقيل: كانت له امرأة سباها من المغرب، وقتل أباها، فاتخذت صنماً على صورة أبيها، فكانت تسجد له، وكان اتخاذها له بعلم سليمان، فعوقب على تمكينها من ذلك. قال الفراء في وقوله: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] . يعني: الشمس، كان قد عرض هذا الخيل، وكان غنمها من جيش قاتله، فظفر به، فلما صلى الظهر دعا بها فلم يزل يعرضها حتى غابت الشمس، ولم يصل العصر، وكان مهيباً لا يبتدأ بشيء حتى يأمر به، فلم يذكر العصر، ولم يكن ذلك عن تخير منه، فلما ذكرها قال: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ يقول: آثرت حب الخير: يعني الخيل، والعرب تقول للخيل: خير. يروى عن علي بن أبي طالب ﵁. في قوله ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أنه قال: يعني صلاة العصر، وهو قول قتادة والسدي، قال الزجاج: أراها صلاة كانت مفروضة عليه في ذلك الوقت؛ لأن صلاة العصر لم تفرض على غير نبينا ﵇. وأضمر (الشمس) في قوله: ﴿تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ أي: سترت، ولم يجر لها ذكر؛ لأنه

стр. 335

شيء قد عرف، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] يعني: القرآن، ولم يجر له ذكر، وقال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] يعني: الأرض، ولم يجر لها ذكر. هذا قول جميع النحويين. قال الزجاج: وما أراهم اعملوا الفكر في هذا؛ لأن في الكلام ما يقوم مقام ذكر الشمس، وهو قوله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ﴾ [ص: ٣١] فالعشي يدل على معنى الشمس. * * * قوله تعالى: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص: ٨٤] قرأ حمزة وعاصم برفع الأول ونصب الثاني، وقرأ الباقون بنصبهما جميعاً، وهي قراءة الحسن، والأولى قراءة الأعمش وابن عباس ومجاهد. فمن رفع الأول جعله خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: أنا الحق، أي: ذو الحق والحق أقول. قال الفراء: هو مبتدأ والخبر محذوف، كأنه قال: فالحق مني: وذكر أن مجاهداً قرأ ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ . والأول معنى قول ابن عباس قال الفراء: وقد يكون رفعه على تأويل: الحق لأقومن، كما تقول: عزمة صادقة لآتينك؛ لأن فيه تأويل: عزمة صادقة أن آتيك، قال: ومثله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥] . ومن نصب فعلى تقدير: فالحق لأملان، فينصب على المصدر، وإن كان فيه الألف واللام؛ لأنه يؤدي عن قولك: حقاً لأملان، ويكون قوله: ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ اعتراضاً بين الكلامين. ونصب ﴿وَالْحَقَّ﴾ الثاني بـ ﴿أَقُولُ﴾ ، ويجوز رفعه على الابتداء، ﴿أَقُولُ﴾ الخبر، و (الهاء) محذوفة؛ كأنه قال: والحق أقوله، كما قال امرؤ القيس:

стр. 336

فلما دنوت تسدَّيتُها فَثَوبٌ نَسيتُ وَثَوباً أجُرُّ يروى: فثوب وثوباً بالرفع والنصب، فالرفع على ما ذكر لك، والنصب على أنه مفعول مقدم. ﴿ومن سورة الزمر﴾ * * * قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦] . الأزواج: الأصناف، ويعني بالأنعام هاهنا: الإبل والبقر والضأن والمعز، من كل صنف اثنين، وهو قول قتادة والضحاك ومجاهد. قال الحسن: أنزل لكم من الأنعام: جعل لكم. وقيل: أنزلها بعد أن خلقها في الجنة. وقيل: الظلمات الثلاث هاهنا: ظلمة ظهر الرجل، وظلمة البطن، وظلمة الرحم، وقيل: بل ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي وعبد الرحمن بن زيد. * * * قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] الألف هاهنا: ألف إنكار. ويسأل عن نصب قوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي﴾ ؟ وفيه جوابان: أحدهما: أن يكون منصوباً بـ: (أعبد) ، كأنه قال: أفغير الله أ'بد، فيكون ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ اعتراضاً، وحقيقته، أفغير الله أعبد فيما تأمرونني أيها الجاهلون. والثاني: أن يكون التقدير: أتامروني أعبد غير الله أيها الجاهلون، فلا يكون ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ اعتراضاً، ولكن على التقديم والتأخير.

стр. 337

ويسأل عن موضع ﴿أَعْبُدُ﴾ من الإعراب؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنه لا موضع لها من الإعراب؛ وذلك إذا جعلت التقدير: أعبد غير الله فيما تأمرونني أيها الجاهلون. والثاني: أن يكون موضعه نصبا على الحال، وذلك إذا لم تجعل ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ اعتراضا، فيكون التقدير: أتأمرونني عابدا غير الله، فخرجه مخرج الحال، ومعناه: أن أعبد، على تقدير المصدر، والمصدر قد يأتي في موضع الحال، نحو قولك: جئته ركضا ومشيا وكلمته مشافهة وشفاها. وارتفع ﴿أَعْبُدَ﴾ لأنك لما حذف (أن) رجع الفعل إلى أصله، قال طرفة: ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي يريد: أن أحضر، فلما (أن) ارتفع الفعل، ورواه بعضهم بالنصب على إضمار (أن) ؛ لأن الثانية تدل عليها. قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] يسأل عن دخول هذه (الواو) هاهنا، وعن جواب ﴿إِذَا﴾ من قوله: ﴿حَتَّى إِذَا﴾ ؟ فذهب المبرد إلى أن (الواو) زائدة، والمعنى: حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها، وكان ينكر قول من يقول هي (واو الثمانية) قال: لأن هذا غير معروف في كلام العرب، وأنشد: فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل

стр. 338

قال: المعنى: فلما أجزنا ساحة الحي انتحى. قال ابن الرماني: جاءت (الواو) هاهنا للتصرف في الكلام، وقال أيضا: جاءت لتدل على أبواب الجنة الثمانية، وهو قول أكثر المفسرين. وأكثر النحويين يمنع ذلك. والجواب على هذا محذوف، والتقدير: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وكان كيت وكيت فازوا ونالوا المنى وما أشبه ذلك، وهذا معنى قول الخليل؛ لأنه قال في بيت امرئ القيس الذي تقدم ذكره. الجواب محذوف، والتقدير: فلما أجزنا ساحة الحي خلونا ونعمنا، قال بعض الهذليين: حتى إذا أسلكوهم في قتائدة شلا كما تطرد الجمالة الشردا فحذف جواب (إذا) ؛ لأن هذا البيت آخر القصيدة. وقيل: (الواو) واو حال، دخلت لتدل على أنهم إذا جاءوها وجدوا أبوابها مفتحة، فلم يعقهم عائق عن الدخول، وحذفت من الأول، كأن جهنم قد أغلقت، وأقيموا على أبوابها؛ لأنه أشد لخوفهم وفزعهم؛ لأن البلاء توقعه أشد من وقوعه. ﴿ومن سورة المؤمن (غافر) ﴾ * * * قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] . يسأل: عن الإماتة الأولى، والإماتة الثانية، والإحياء الأول، والإحياء الثاني؟ وفيه جوابان: أحدهما: أن الإماتة الأولى إماتتهم عند خروجهم من الدنيا، والإحياء الأول

стр. 339

إحياؤهم بمسألة منكر ونكير، والإماتة الثانية إماتتهم بعد المساءلة، والإحياء الثاني إحياؤهم للبعث يوم القيامة، هذا قول السدي. والثاني: أن الإماتة الأولى كونهم نطفة، والإحياء الأول إحياؤهم في الدنيا، والإماتة الثانية إماتتهم عند خروجهم من الدنيا، والإحياء الثاني إحياؤهم يوم القيامة. * * * قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] . قيل: هذا المؤمن كان إسرائيليا يكتم إيمانه من آل فرعون، وقيل: كان قبطيا من آل فرعون. ويسأل عن قوله: ﴿أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ ما علة دخول ﴿أَنْ﴾ هاهنا، وما موضعها من الإعراب؟ والجواب: أنها دخلت لتدل على أن القتل إنما كان من أجل الإيمان، ولو حذفت لم يدل على هذا، وإنما يدل على قتل رجل مؤمن لا من أجل إيمانه، والتقدير: أتقتلون رجلا من أجل أن يقول، أي: لأن يقول، وتلخيصه من أجل قوله، ولو حذفت ﴿أَنْ﴾ كان التقدير: أتقتلون رجلا قائلا ربي الله؛ لأن ﴿يَقُولَ﴾ حينئذ نعت لرجل، كما تقول: مررت برجل يأكل، أي: رجل أكل. وموضع ﴿أَنْ﴾ نصب على المفعول له. وقوله: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ روي عن الخليل أن (بعضا) هاهنا زائدة، والمعنى: يصيبكم الذي يعدكم. وقال بعض المفسرين: ﴿بَعْضُ﴾ هاهنا بمعنى: كل، وبه قال ابن قتيبة. وهذان

стр. 340

القولان غير مرضيين عند العلماء؛ لأن (بعضا) اسم ولا يصح زيادة الأسماء، وإنما يزاد الحرف في بعض المواضع، و (بعض) ضد كل، فلا يدل على ضدها؛ لأن المعاني إن فعل ذلك بها تشكل، قال ابن الرماني: إنما قال: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ على المظاهرة بالحجاج، أي: أنه يكفي بعضه فكيف جميعه، وقيل: بعضه في الدنيا، وقيل: كان يتوعدوهم بأمور مختلفة، فخوفهم ببعض تلك الأمور. ﴿ومن سورة حم السجدة﴾ * * * قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] قد تقدم في سورة البقرة أن السماء قد تقع في معنى الجمع، وهي هاهنا كذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] فرد الضمير على الجمع. جاء في التفسير: أنه تعالى خلقها أولا دخانا، ثم نقلها إلى حال السماء من الكثافة والالتئام. وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ معناه: قصد، وروي عن الحسن أنه قال: ثم استوى أمره ولطفه إلى السماء، حدثنا أبو الحسن الحوفي عن أبي بكر الأذفوي حدثنا أبو جعفر أحمد ابن محمد النحاس قال: قرئ على إسحاق بن إبراهيم عن هناد بن السري حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي سعيد بن المرزبان عن عكرمة عن أبي عباس قال هناد:

стр. 341

وقرأته أنا على أبي بكر: أن اليهود أتت النبي ﷺ فسألته عن خلق السموات والأرض؟ فقال: خلق الله تعالى الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين وخلق الجبال وما فيهن يوم الثلاثاء وخلق الشجر والماء والمدائن والعمارات يوم الأربعاء فهذه أربعة أيام، فقال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩] ، ثم قال: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] ويقول: لمن سأل. وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة - صلوات الله عليهم، إلى ثلاث ساعات بقيت منه، فخلق في أول ساعة من هذه الثلاث الآجال، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينفع الناس، وفي الثالثة خلق آدم ﵇، وأسكنه الجنة أمر الملائكة بالسجود له، وأخرجه منها في آخر ساعة. قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: ثم استوى على العرش، قالوا: قد أصبت لو تممت ثم استراح يوم السبت. فغضب النبي ﷺ غضبا شديدا، فنزلت: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٩] . قال أبو جعفر روي عن عطاء عن ابن عباس ﵁: أن الله تعالى خلق يوما واحدا فسماه (الأحد) ، ثم خلق ثانيا فسماه (الاثنين) ثم خلق ثالثا فسماه (الثلاثاء) ثم خلق رابعا فسماه (الأربعاء) ثم خلق خامسا فسماه (الخميس) ثم جمع الخلق فسماه (يوم الجمعة) . وروى عبد الله بن أبي رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: أخذ النبي ﷺ بيدي فقال: (خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه فيها يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم ﵇ بعد العصر في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل) .

стр. 342

قال أبو جعفر: الحديثان ليسا بمتناقضين؛ لأن إن عملنا على الحديث الأول فالخلق في ستة أيام، وليس في التنزيل أنه لا يخلق بعدها شيئا، فيكون هذا متناقضا، وإن عملنا على الثاني فليس في التنزيل أنه لم يخلق قبلها شيئا. قال ابن عباس فيما روى عنه أبو مالك وأبو صالح: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ كان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس فجعله سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين الخميس والجمعة. قال غيره: قد صح أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام مقدار كل يوم ألف سنة من أيام الدنيا، فكان بين ابتدائه في خلق ذلك وخلق القلم الذي أمره بكتابة ما هو كائن إلى قيام الساعة يوم وهو ألف سنة، فصار ابتداء الخلق إلى الفراغ منه سبعة آلاف سنة. قال ابن عباس: إقامة الخلق في الأرض سبعة أيام، كما كان الخلق في سبعة أيام، ومدة الدنيا سبعة آلاف سنة. قال العلماء: نظير خلق الأرض في يومين، ثم لما فيها من تتمة أربعة أيام، قول القائل: خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام ثم إلى الكوفة في خمسة عشر يوما، أي في تتمة هذا العدد، ولا يريد أنه سار من بغداد إلى الكوفة في خمسة عشر يوما، وقد فسرنا هذا فيما تقدم بأشبع من هذا. * * * قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] . يسأل عن الضمير في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ علام يعود، وكيف جمع، وإنما تقدم ذكر الشمس والقمر؟

стр. 343

والجواب: أن الضمير يعود على الآيات، والمعنى: واسجدوا لله الذي خلقهن، أي: خلق الآيات، وليس يعود الضمير على الشمس والقمر فتجب تثنيته. ﴿ومن سورة حم عسق﴾ * * * قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الشورى: ٣٢] . الجواري: السفن، واحدها جارية. قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر ﴿الجَوَارِي﴾ بالياء في الوصل، ووقف ابن كثير وحده على الياء، وقرأ الباقون بحذف الياء في الوصل والوقف. فإثبات الياء هو الأصل في الوقف، وحذفها على التشبيه بحذفها مع التنوين؛ لأن التنوين وحرف التعريف يتعاقبان على الكلمة، فأعطى أحدهما حكم الآخر، فمن أثبتها في الوقف فعلى الأصل، ومن حذفها فعلى التشبيه بما وقف عليه من المنون. والأعلام: الجبال، واحدها علم، قالت الخنساء: ومعنى يظللن: يدمن ويقمن، ويقال: ظل يفعل كذا وكذا، إذا فعله نهارا، وبات يفعل كذا وكذا، إذا فعله ليلاً. والواكد: الثوابت، والإيباق، الإهلاك والإتلاف هذا قول ابن عباس ومجاهد والسدي.

стр. 344

وقرأ نافع وابن عامر ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ [الشورى: ٣٥] بالرفع على القطع. وقرأ الباقون ﴿وَيَعْلَمَ﴾ بالنصب على إضمار (أن) . والكوفيون يقولون: نصب على الصرف، وإنما أضمرت (أن) ليكون مع الفعل مصدراً فيعطف على مصدر ما قبله، ومثله قول الشاعر: للبس عباءة وتقر عيني أحب إلي من لبس الشفوف أي: (وأن تقر عيني) ، أضمر (أن) ؛ لأن في صدر الكلام مصدراً وهو (لبس) . * * * قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١] قال الفراء هذا: كما كان النبي ﷺ يرى في منامه ويلهمه - يعني الوحي، قال: ومن وراء حجاب كلم موسى ﵇ أو يرسل رسولاً مثل ما كان من الملائكة التي تكلم الأنبياء ﵈. قال غيره: إرسال الرسول أحد أقسام الكلام، كما يقال: عتابك السيف، كأنه قيل: إلا وحياً أو إرسالا. وقيل المعنى: (إلا أن) ، كما تقول: لألزمنك أو تقضيني حقي. فلا يكون الإرسال على هذا الوجه كلاماً. قرأ نافع وابن عامر ﴿أَوْ يُرْسِلَ﴾ بالرفع، وهو وجه، على تقدير: أو هو يرسل رسولاً، وقرأ الباقون بالنصب على إضمار (أن) كأن في التقدير أو أن يرسل رسولاً. ولا يجوز أن يكون معطوفاً على ﴿يُكَلِّمَهُ﴾ ؛ لأن المعنى يصير: وما كان لبشر أن يكلمه الله، ولا كان أن يرسل رسولاً، وهذا إبطال النبوة.

стр. 345

﴿ومن سورة الزخرف﴾ * * * قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] . القريتان هاهنا: مكة والطائف، ويعني بالرجل هاهنا: الوليد بن المغيرة القرشي أو حبيب ابن عمرو الثقفي، وهو قول ابن عباس، وقال مجاهد يعني بالرجلين عتبة بن ربيعة من أهل مكة وابن عبد يا ليل من أهل الطائف، وقال قتادة: يعني من أهل مكة (الوليد بن المغيرة) ومن أهل الطائف (عروة بن مسعود الثقفي) وقيل: يعني بالذي من الطائف (كنانة ابن عمرو) ، وهو قول السدي. وفي الكلام حذف، والتقدير: لولا أنزل هذا القرآن على أحد رجلين من القريتين عظيم، ولا يجوز أن يكون على غير حذف؛ لأن رجلاً لا يكون من قريتين، وقيل التقدير: لولا أنزل هذا القرآن على رجل من رجلين من القرية، ثم حذف؛ لأن المعنى مفهوم. * * * قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] . الأصل في (سل) : (اسأل) فألقيت حركة الهمزة على السين، وانفتحت السين، فاستغنى عن همزة الوصل فبقى (سل) ، ومن العرب من يقول (اسأل) على الأصل، ومنهم من ينقل الحركة إلى السين ويترك همزة الوصل على حالها فيقول (اسال) ومثله في

стр. 346

أن همزة الوصل دخلت على متحرك (الحمر) وليس لهما نظير إلا إذا سميت رجلاً بالباء من قولك: (اضرب) فإنك تقول هذا (إب) وهو مذهب الخليل، وقال غيره (رب) . ومما يسأل عنه أن يقال: من الذي أمر أن يسألهم؟ وفيه جوابان: أحدهما: قال الضحاك وقتادة يعني به: أهل الكتابين. والثاني: أنه يعني به: الأنبياء ﵈ حين جمعوا له ليلة الإسراء، وهوقول عبد الرحمن بن زيد. وفي الكلام على الوجه الأول حذف، والتقدير: وسل أمم من أرسلنا من قبلك، وهو كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ، وقيل: سلهم وإن كانوا كفاراً فإن تواتر خبرهم تقوم به الحجة. والآلهة: جمع إله، مثل: إزار وآزرة، وكان المشركون يعظمون الأصنام تعظيم ملوك بني آدم، وكان ذلك التعظيم كالعبادة لها، والمشركون مع ذلك مقرون أن الله تعالى هو خالقهم ورازقهم، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] . * * * قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] في ﴿إِنْ﴾ هاهنا وجهان: أحدهما: أن يكون نفياً، كأنه قال: ما كان للرحمن ولد، ومثله قوله: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦] أي: في الذي ما مكناكم. والوجه الثاني: أنها شرط، والتقدير: قل إن كان للرحمن ولد على زعمكم فأنا أول العابدين وقيل في العابدين ثلاثة أقوال:

стр. 347

أحدها: أنه من العبادة كأنه قال: فأنا أول من يعبده على أن لا ولد له؛ لأن من جعل له ولداً لم يعبده حق العبادة، هذا قول المبرد. والثاني: أن (عابدين) هاهنا بمعنى (جاحدين) ، والمعنى: أنه لا ولد له على الحقيقة، وإذا كان كذلك وجب أن يجحد ادعاء من ادعاه وينكر ولا يعتقد. والثالث: أن معنى عابدين هاهنا بمعنى الآنفين، يقال عبدت من كذا أعبد عبداً. قال الشاعر: ألا هزئت أم الوليد وأصبحت لما أبصرت في الرأس مني تعبد وقال الفرزدق: أولئك قومي إن هجوني هجوتهم وأعبد أن يهجا كليب بدارم قال مجاهد المعنى: قل إن كان للحمن ولد فأنا أو العابدين لله في تكذيبكم، وقال عبد الرحمن بن زيد وقتادة المعنى: قل ما كان للرحمن ولد، وروي عن ابن عباس فيما روى السُّدي أن المعنى: قل لو كان للرحمن ولد لكنت أول من عبده بأن له ولداً، ولكن لا ولد له. والرحمن: اسم ممنوع، ومعنى ممنوع: أنه لا يسمى به غير الله تعالى، وقيل: إن الجاهلية لم تكن تعرفه، فلما نزل قالوا: لا نعرف هذا الاسم، وقيل: إنه لما نزل قالوا: لا نعرف (الرحمن) إلا هذا الذي باليمامة، وقد جاء في الشعر الجاهلي، قال الشاعر وهو

стр. 348

(سلامة بن جندل) : عجلتم علينا حجتين عليكم وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق * * * قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَ نَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف: ٨٥-٨٨] . الساعة هاهنا: القيامة. ومعنى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ أي: إلا من شهد بأنه أهل العفو عنه. ومعنى قوله: ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: يدعون إلها، إلا أنه حذف. قرأ عاصم ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ﴾ وكذلك قرأ حمزة، وهي قراءة السلمي وبعض أصحاب عبد الله بن مسعود، وقرأ أهل المدينة ﴿وَقِيلِهِ﴾ بالنصب، وهي قراءة الحسن أيضا، وروي عن الأعمش أو غيره ﴿وَقِيلِهِ﴾ بالرفع. فمن جر عطفه على (الساعة) كأنه قال: وعنده علم الساعة وعلم قيله يا رب، وقيل: ويجوز أن يكون معطوفاً على (الحق) من قوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ ، ﴿وَقِيلِهِ﴾ . ومننصب أضمر فعلاً تقديره: ويعلم قيله يارب، وهو اختيار أبي إسحاق، وقال الفراء: كأنه قال: وشكى شكواه إلى ربه، قال: وهي في إحدى القراءتين، قال: ويجوز نصبه على قوله: ﴿نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٠] ﴿وَقِيلِهِ﴾ ، وقال الرماني التقدير: إلا من شهد الحق وقال قيله يارب أن هؤلاء قوم لا يؤمنون، على جهة الإنكار عليهم، ويجوز أن يكون معطوفاً على موضع الساعة؛ لأن معنى قوله: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ ، ويعلم الساعة، والساعة مفعولة وليست ظرفاً؛ لأن الله تعالى لا يعلم في

стр. 349

ساعة دون ساعة تعالى عن ذلك. وأما الرفع فعلى أنه معطوف على ﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ ، والمعنى: وعنده علم الساعة وقيله، أي: وعنده قيله. قال مجاهد: ولا تشفع الملائكة وعيسى وعزير ﵈ إلا من شهد بالحق، وهو يعلم الحق، وقال قتادة: إلا من شهد بالحق الملائكة وعيسى وعزير عند الله شهادة بالحق. ﴿ومن سورة الدخان﴾ * * * قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ٣-٥] أي: أنزلنا القرآن، والليلة المباركة: ليلة القدر، وهوقول قتادة وعبد الرحمن بن زيد، قالوا: أنزل القرآن جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نزل على النبي ﷺ نجوماً في نيف وعشرين سنة، وقال عكرمة: الليلة المباركة: ليلة النصف من شعبان، قيل: الليلة المباركة: في جميع شهر رمضان؛ تقسم فيها الآجال والأرزاق وغيرهما من الألطاف، وهو قول الحسن. وسميت (مباركة) لانها يقسم فيها أرزاق العباد منالسنة إلى السنة، وقيل في ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ أي: ابتدأنا إنزاله. ويسأل عن نصب قوله: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ ؟ وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون مصدراً؛ أي: أمرنا أمراً؛ لأن معنى ﴿فِيهَا يُفْرَقُ﴾ كمعنى (فيها يؤمر) فدل يفرق على يؤمر.

стр. 350

والقول الثاني: أنه منصوب على الحال، على أحد وجهين: إما أن يكون على تقدير: ذا أمرٍ، ثم حذف: كما قال: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ ، أو يكون وضع المصدر موضع الحال كما يقال: جاء مشياً وركضاً، أي: ماشياً وراكضاً. * * * قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] يقال ما معنى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ﴾ ؟. وفيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن المعنى: أهل السماء والأرض؛ لأنهم يسخط الله تعالى عليهم في مكان خزي. والثاني: أن المعنى: لو كانت السماء والأرض ممن يبكي على أحد لم تبك على هؤلاء؛ لأنهم عصاة مجرمون. والثالث: أن المعنى: أنه لم تبك عليهم كما تبكي على المؤمن إذا مات مصلاه ومصعد عمله، وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير، والأول قول الحسن. * * * قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] يسأل عن معنى: ﴿الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ هاهنا؟ وفيه جوابان: أحدهما: أن يكون على طريق النقيض، المعنى: ذق إنك أنت الذليل المهين، إلا أنه جاء على جهة الاستخفاف، وهذا في الكلام مستعمل بقول الرجل للرجل يستجهله ويستحمقه: ما أنت إلا عاقل. والثاني: ذق العذاب إنك أنت العزيز في قومك الكريم عليهم، وما أغنى عنك ذلك شيئاً.

стр. 351

قال قتادة: نزلت في أبي جهل، وذلك أنه كان يقول: أنا أعز من بها وأكرم، فقيل له: أأنت الذي كنت تقول ذلك في قومك وتطلب العز والكرم بمعصية الله، ذق هذا العذاب. ومما جاء على طريق النقيض قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] ، قيل معناه: أنت السفيه الغوي؛ لأنهم إنما قالوا ذلك عن طريق الاستخفاف به، قال الحسن المعنى: ذق إنك أنت العزيز الكريم عند نفسك، والمعني به أبو جهل. ويجوز في قوله: ﴿أَنْتَ﴾ وجهان: أحدهما: أن يكون توكيداً للكاف، و ﴿الْعَزِيزُ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ . والثاني: أن يكون ﴿أَنْتَ﴾ مبتدأ، و ﴿الْعَزِيزُ﴾ خبره، والجملة خبر ﴿إِنَّ﴾ . * * * قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٥٦] . يقال لم استثنى هاهنا الموتة الأولى، وهي قد انقضت؟. والجواب: أنه استثنى من غير الجنس، والتقدير على مذهب سيبويه: لكن الموتة الأولى، ومثله: ما زاد إلا ما نقص، أي: لكن نقص. قال الفراء: (إلا) هاهنا بمعنى (سوى) والتقدير: سوى الموتة الأولى، ومثله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] . وقال غيره: ﴿إِلَّا﴾ بمعنى (بعد) ، والتقدير: بعد الموتة الأولى، وإنما جاز أن تقع (إلا) موقع (بعد) لأن (إلا) لإخراج بعض من كل، و (بعد) لإخراج الثاني عن الوقت الأول. والموتة: المرة الواحدة من الموت، والميتة الموت، والميتة - بفتح الميم - الميتة، وكثير من المحدثين يغلط في مثل هذا فيقول في (البحر) : (هو الطهور ماؤه والحل ميتته) - بكسر الميم - والصواب فتحها.

стр. 352

﴿ومن سورة الجاثية﴾ * * * قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَ ا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٣-٥] . يقال: ما الآيات في السموات والأرض؟ والجواب: الدلائل، وهي من وجوه كثيرة: منها: أنه يدل خلقها على خالف لها؛ لأنه لا يكون بناء بغير بان. ومنها: أنها أعظم الخلق. ومنها: أنها محكمة على اتساق ونظام، وهذا يدل على أن صانعها واحد، وعلى أنه قديم؛ لأنه صانع غير مصنوع. ومنها: أنها ممسكة مع عظمها وثقل جرمها بغير عمد ... إلى أشباه ذلك. ويسأل: عن الآيات في خلق الإنسان؟ والجواب: أنها من وجوه: منها: خلق الإنسان على ما هو به من وضع كل شيء في موضعه لما يصلح له، وذلك يقتضي أن الصانع عالم بموضع المصالحة. ومنها: جعل الحواس الخمس على الهيئة التي تصلح لها. ومنها: آلة مطعمه ومشربه، ومثال ذلك، كل هذا في تدبير محكم. قرأ الكسائي وحمزة ﴿آيَات﴾ بالكسر، وقرأ الباقون بالرفع في الثانية والثالثة، فمن كسر (التاء) جعل (الآيات) في موضع نصب على التكرير للتوكيد، والعرب تؤكد بتكرير اللفظ، نحو قولك:

стр. 353

رأيت زيداً زيداً. ومثله قوله الراجز: لقائل يا نصر نصراً نصرًا هذا مذهب حذاق النحويين، وقال الأخفش: هو عطف على عاملين، كأنه قال: إن في السموات والأرض لآيات وفي خلقكم آيات، فعطف على (إن) و (في) وأنشد: سألت الفتى المكي ذا العلم ما الذي يحل من التقبيل في رمضان فقال لي المكي أما لزوجة فسبع وأما خلة فثماني فعطف (خلة) على زوجة، و (ثمانياً) على سبع، وأنشد سيبويه: أكل امرئ تحسبين امراً ونار توقد بالليل نارا فعطف (ناراً) الأولى على (امرئ) الأول، وعطف (ناراً) الثانية على (امرئ) الثاني، ومثل ذلك: وهون عليك فإن الأمور بكف الإله مقاديرها فليس بآتيك منهيها ولا قاصر عنك مأمورها والعطف على عاملين عند البصريين لا يجوز، لا تقول: في الدار زيد والسوق عمرو، وأنت تريد: وفي السوق عمرو؛ لأن حرف الجر ضعيف، فلا يعمل بعد الفصل بالأجنبي. وأما من رفع فإنه جعل (الآيات) الثانية رفعاً بالابتداء والخبر المجرور الذي ﴿َفِي خَلْقِكُمْ﴾ [الجاثية: ٤] وجعل (الآيات) الثالثة تكريراً للثانية، قال الفراء: العرب تقول: إن لي عليك مالاً وعلى أخيك مال كثير، فينصبون الثاني ويرفعونه، وأجاز الفراء رفع

стр. 354

(الآيات) وفيها (اللام) وأنشد قال: أنشدنا الكسائي: إن الخلافة بعدهم لذميمة وخلائف طرف لما أحقر وذكر أن أبيا قرأ ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ﴾ ، وكذلك في الثالثة، وأجاز الكسائي: في الدار لزيد، والبصريون لا يجيزون ذلك. ﴿ومن سورة الأحقاف﴾ * * * قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] . العارض: الدفعة من المطر هاهنا، وأصل العارض: الماء ولا يلبث. ومنه قيل: الدنيا عرض، ولذلك قالوا لخلاف الجوهر؛ لقلة بقائه، وقيل سمي السحاب عارضاً لأخذه في عرض السماء قال الأعشى: يا من يرى عارضاً قد بت أرقبه كأنما البرق في حافاته الشعل والضمير يعود على العذاب، أي فلما رأوا العذاب الذي تقدم ذكره معترضاً مستقبل أوديتهم ظنوه مطراً. وقوله: ﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ نكرة، وإن كان بلفظ المعرفة؛ لأن الانفصال مقدر فيه، والمعنى: فلما رأوه مستقبلاً أوديتهم، وكذلك ﴿مُمْطِرُنَا﴾ إنما معناه: ممطر لنا، واسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال والاستقبال كان الانفصال مقدراً فيه، نحو قولك: هذا ضارب زيد غداً، وشاتم عمر الساعة، والمعنى سيضربه وهو يشتمه، وعليه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] ، قال جرير:

стр. 355

يا رب غابطنا لو كان يطلبكم لاقى مباعدة منكم وحرمانا يريد: يا رب غابط لنا؛ لأن (رُبَّ) لا تدخل على معرفة، وإنما تدخل على النكرة وكذلك ﴿كلُّ﴾ . * * * قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] . يسأل: عن معنى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا﴾ ؟ وفيه جوابان: أحدهما: أن المعنى: صرفناهم بالرجم بالشهب، فقالوا إن هذا لأمر كبير، هذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير. والثاني: أن المعنى عدلنا بهم إليك. وقيل: قرفوا بالتوفيق. قال ابن عباس: كانوا سبعة نفر، وقال زر بن حبيش: كانوا تسعة نفر. قال ابن عباس: كانوا من أهل نصيبين، وقال قتادة، صرفوا إليه من (نينوى) وهي مدينة يونس ﵇, ﴿ومن سورة محمد ﷺ ﴾ * * * قوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦] يسأل عن معنى: ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ ؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنه تعالى عرفها لهم، فوصفها على ما يشوف إليها؛ فعلموا ما يتسوجبون بأعمالهم من الثواب، وما يحرمون بارتكاب المعاصي.
следующие страницы →