← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9066

النكت في القرآن الكريم

أبو الحسن المجاشعي

Полный текст (489 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وذهب عطاء إلى أنه على التحريم. والوجه الأول أظهر لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . فصل: ويسأل عن جرَّ ﴿قِتَالٍ﴾ ؟ والجواب: أنه بدل من الشهر، وهو بدل الاشتمال، ومثله قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ [البروج ٤-٥] وقال الأعشي: لقدْ كان في حول ثواءٍ ثويته تقضى لبانات ويسأم سائم وقال الكوفيون: هو جرٌّ على إضمار (عن) . وقال بعضهم: هو على التكرير، وهذه ألفاظ متقاربة في المعنى وإن أختلفت العبارة. فصل: ويسأل عن جرَّ ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ؟ وفيه جوابان: أحدهما: أن يكون معطوفاً على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ، كأنه قال: وصدٌّ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، وهو قول أبي العباس. والثاني: معطوف على الشهر الحرام، كأنه قال: يسألونك عن القتال في الشهر الحرام. وهذا قول الحسن والفراء. وأنكر بعضهم هذا؛ لأنه فيما زعم لم يسألوا عن المسجد؛ لأنهم لا يشكون فيه، وليس

стр. 72

كما ذهب إليه من قبل أن القوم لما استعظموا القتال في الشهر الحرام، وكان القتال عند المسجد الحرام يجري مجراه في الاستعظام حمع بينهما في السؤال، وإن كان القتال إنما وقع في الشهر الحرام خاصة، كأنهم قالوا: هل استحللت الشهر الحرام والمسجد الحرام؟ ولا يجوز حمله على (الباء) في قوله: ﴿كُفْرٌ بِهِ﴾ ؛ لأنه لا يعطف على المضمر المجرور إلا بإعادة الجار إلا في ضرورة شعرٍ. وسأشرحه في سورة النساء. فصل: ومما يسأل عنه قوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ ؟ والجواب: أن الفتنة في الدين وهي الكفر أعظم من القتل في الشهر الحرام. ويسأل: بما ارتفع ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ؟ والجواب: أنه مرفوع بالابتداء وما بعده معطوف عليه، وخبره ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وهذا قول الزجاج. وأجاز الفراء رفعه من وجهين، فقال: إن شئت جعلته مردوداً على ﴿كَبِيرٌ﴾ تعني: قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به. وإن شئت جعلت الصد كبيراً، يريد القتال فيه كبير، وكبير الصد عن سبيل الله وكفر به. وخطأه علماؤنا في ذلك، قالوا: لأنه يصير المهنى في التقدير الأول: قل القتال في الشهر الحرام كفر بالله، وهذا خطأ بإجماع. ويصير التقدير في الثاني: وإخراج أهله منه أكبر عند الله من الكفر، وهذا خطأ بإجماع. وللفراء أن يقول في هذا المعنى: وإخراج أهله منه أكبر من القتل فيه لا من الكفر به، لأن المعنى في إخراج النبي ﷺ والمؤمنين معه. فأما الوجه الأول

стр. 73

فليس له منه تخلص. * * * قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [ال بقرة: ٢٥٧] . الولي: النصير والمعين، وجمعه: أولياء، وأصله: من الولي، وهو القرب. قال علقمة: تكلفني ليلى وقد شط وليها وعادت عواد بيننا وخطوب واخنلف في الطاغوت، فقال قوم: هو كاهن، وقال آخرون: هو صنم، وقال آخرون: هو الشيطان، وقيل: هو كل ما عبد من دون الله. وأصله: من الطغيان، يقال: طقى يطغى، وطغا يطغو، وهو (فلعوت) ؛ لأنه مقلوب، وأصله: طيغوت، أو طغووت على إحدى اللغتين، ثم قدمت اللام، وأخرت العين ف صار طيغوتا، أو طوغوتا فقلب لتحرك حرف العلة وانفتاح ما قبله، والطاغوت: يقع على الواحد والجمع بلفظه، ويذكر ويؤنث. قال الله تعالى: ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧] وقال في هذه الآية: ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ ، وقد قيل: هو واحد وضع موضع الجمع في هذا الموضع. كما قال العباس بن مرداس: فقلنا أسلموا إنا أخوكم فقد برئت من الإحن الصدور

стр. 74

وجمع (طاغوت) : طواغيت، وطواغت، وطواغٍ على حذف الزيادة، وطواغي على العوض من الحذف. فصل: ويسأل عن معنى قوله: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ والجواب: أن الظلمات هاهنا: الكفر، والنور: الإيمان. وقال قتادة: من ظلمات الضلاله إلى نور الهدى. ويسأل عن قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ فقال: كيف يخرجونهم من النور وهم لم يدخلوا فيه؟ وفي هذا أربعة أجوبة: أحدها: أنه كقول القائل: أخرجني أبي من ميراثه، وهو لم يدخل فيه، وإنما ذلك لأنه لو لم يعمل ما عمل لدخل فيه، فصار لذلك بمنزلة الداخل فيه الذي أخرج عنه. قال الشاعر: فإن تكن الأيام أحسن مرة لي فقد عادت لهن ذنوب. ولم يكن لها ذنوب من قبل ذلك. والجواب الثاني: يروى عن مجاهد، قال: نزلت في قوم ارتدوا عن الإسلام، فكأنهم خرجوا من نور الإسلام بعدما دخلوا فيه. والجواب الثالث: أنها نزلت في المنافقين، كأنهم كانوا في نور بما أظهروه من الإسلام وخرجوا منه بما أبطنوه من الكفر. والجواب الرابع: أنهم كانوا في نور ولدوا فيه، فلما كبروا وكفروا خرجوا منه.

стр. 75

ويدل على صحة هذا القول، قول النبي ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) . * * * قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠] . الاطمئنان: السكون والتوطؤ، والجزء: النصيب، والصور: الإمالة، والصور أيضا: القطع. ومما يسأل عنه أن يقال: ما سبب سؤاله أن يؤيه كيف الإحياء؟ وفي هذا جوابان: أحدهما: أنه رأي جيفة تمزقها السباع، فأراد أن يعرف كيف الإحياء وهذا قول الحسن وقتادة والضحاك. والجواب الثاني: أن نمرود لما نازعه في الإحياء أراد أن يعرف ذلك علم بيان بعد علم الاستدلال. وهذا قول ابن إسحاق. وزعم قوم أنه شك وهذا غلط ممن قاله؛ لأن الشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى كفر لا يجوز على أحد من الأنبياء ﵈. فصل: ويسأل عن قوله: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ؟ والجواب: أنه أراد ليزداد قلبي يقينا إلى يقينه. وهذا قول الحسن وسعيد بن جبير، والربيع ومجاهد. ولا يجوز أن يريد: ليطمئن قلبي بالعلم بعد الشك لما قدمناه. ويقال: ما كانت الطير؟

стр. 76

والجواب: أن مجاهد وابن جريح وابن زيد وابن إسحاق قالوا: الديك والطاووس والغراب والحمام. أمر أن يقطعها أو يخلط ريشها بدمها، ثم يفرقها على كل جبل جزءاً جزءاً. وقرأ جمزة: ﴿فَصِرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ وقرأ الباقون: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠] بالضم. وقد قلنا أن معنى: صر اقطع، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد. وقال توبة بن الحمير. أذنت لي الأسباب حتى بلغتها بنهضي وقد كاد ارتقائي يصورها. أي: يقطعها. وقال عطاء وابن زيد: المعنى اضممهن إليك، وذا من صاره يصوره إذا أماله. قال الشاعر: وجاءت خلعة دهسن صفايا يصور عنوقها أحوى زنيم يصف غنما وئيسا يعطف عنوقها. فأما من قرأ بالكسر فيحتمل الوجهين المتقدمين. قال بعض بني سليم: وفرع يصير الجيد وحف كأنه على الليت قنوان الكروم الدوالح يريد: تميل الجيد.

стр. 77

فصل: * * * قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ﴾ ؛ موضع ﴿إِذْ﴾ نصب من وجهين: أحدهما: أن يكون على إضمار (اذكر) كأنه قال: اذكر إذ قال إبراهيم. وهذا قول الزجاج. والثاني: أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] . كأنه قا: ألم تر إذ قال إبراهيم. وإذا كان معنى: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ قطعهن؛ فـ ﴿إِلَيْكَ﴾ من صلة خذ كأنه قال: خذ إليك أربعة من الطير فصرهن، وإذا كان معناها أملهن واعطفهن، فـ: ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلقة به؛ وهذه الألف التي في قوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ ألف تحقيق وإيجاب. كما قال جرير. ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح والطير: جمع طائر، مثل راكبٍ وركْبٍ، وصاحبٍ وصَحْبٍ. والطير" مؤنثة. ونصب ﴿سَعْيًا﴾ عل الحال، والعامل فيها ﴿يَأْتًِينَّكَ﴾ ، وقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ في موضع نصب بـ: ﴿أَعْلَمْ﴾ . ﴿من سورة آل عمران﴾ * * * قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ٣] قي في قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني من كتاب ورسول، وهو قول مجاهدة وقتادة والربيع وسائر أهل العلم. فإن قيل: لمَ قال: ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ؟

стр. 78

قيل: لأنه ظاهر له طظهور ما بين يديه. وقيل في معنى ﴿مُصَدِّقًا﴾ قولان. أحدهما: أنه مصدق لما بين يديه لموافقته إياه في الخبر. والثاني: أنه مصدق، أي: يُبخبِرُ بصدق الأنبياء. وفي قوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ قولان. أحدهما: بالصدق في إخباره. والثاني: بالحق، أي: بما توجبه الحكمة من الإنزال كما توجبه الحكمة من الإرسال وهو حق من الوجهين. فصل: والجواب أن فيها ثلاثة أقوال. أحدها: أنها تَفْعلةٌ، وأصلها: تَورَيةٌ، وتحركت الياء زانفتح ما قبلها، فانقلبت ألفا. وتَفْعَلةٌ في الكلام قليل جداً. قالوا: تَنفَلةٌ في تَنْفُلَةٍ. والقول الثاني أنها تَفْعِلَةٌ، والأصل: تَورِيَةٌ، مثل: توقيَة، وتوفيٍة، فنقلت إلى تَفْعلَةٍ، وقلبت ياؤها، وهذان قولان رديئان، وهما للكوفيين. وأما البصريون: فتورية عندهم: فوعَلَةٌ، وأصلها: ووريةٌ، مثل: حوقلةٍ، ودوخلةٍ فأبدلوا من الواو الأولى تاء كما فعلوا في تولج، والأصل: وولَج؛ لأنه من الولوج، وقلبوا الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وهذا القول المختار؛ لأن توقيةً لا يجوز فيها توقاة، وتفعلةٌ قليل في الكلام. واشتقاق تورية من قولهم: زريت بك زنادي، كأنها ضياء في الدين، كما أن ما يخرج

стр. 79

من الزناد ضياء. وأما الإنجيل، فهو: إفْعيلٌ، من النجلِ. واختلف في معناه، فقال علي بن عيسى النجلُ: الأصل؛ لأن الإنجيل أصل من أصول العلم. قال غيره: النجلُ الفرع ومنه قيل للولد نجل، فكأن الإنجيل فرع على التوارة يستخرج منها. وعندى أنه من النجل، وهو السعة. يقال: عين نجلاء، أي: واسعة، وطعنة نجلاء. ومنه قول الشعر: قد أطعن الطعنة النجلاء عن عرض وأكتم السر فيه ضربة العنق. فكأنه قد وسع عليهم في الإنجيل ما ضيق فيه على أهل التوارة. وكل محتمل. * * * قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِ يلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] . المحكم: مأخوذ من قولك: أحكمت الشيء إذا ثقفته وأتقنته، وأم الكتاب: أصل للكتاب، والمتشابه: الذي يشبه بعضه بعضاً فيغمض، والزيغ: الميل، والابتغاء: التطلب، والفتنة: أصلها الاختبار، ومنه قولهم: فتنت الذهب بالنار، أي: اختبرته، وقيل: معنها خلصته، والتأويل: المرجع. يقال: آل الأمر إلى كذا،

стр. 80

أي: رجع. وأكثر العلماء يعبر عنه بالتفسير. والأول الأصل قال الأعشى. على أنها كانت تؤول حبها تأول ربعي السقاب فأصحبا أي: كان حبها صغيراً فآل إلى العظم كما آل السقب - وهو الصغير من أولاد النوق - إلى الكبر. والراسخون: الثابتون، والإيمان: التصديق. فصل: ومما يسأل عنه: أن يقال: ما المحكم، وما المتشابه هاهنا، والجواب فيه خلاف، قيل: المحكم: الناسخ، والمتشابه: المنسوخ. وهذا قوا ابن عباس وقتادة. وقال مجاهد: المحكم: ما لم تشتبه معانيه، والمتشابه: ما اشتبهت: ما اشتبهت معانيه، نحو: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] ، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًىْ﴾ [محمد: ١٧] . وقال محمد بن جعفر ن\بن الزبير: المحكم ما لايحتمل من التأويل إلا وجهاً واحداً، والمتشابه: ما يحتمل أوجهاً. وقال ابن زيد: المحكم الذي لم يتكرر لفظه، والمتشابه: ما تكرر لفظه. قال جابر ابن هبد الله: المحكم ما يعلم تعيين تأويله، والمتشابه: ما لا يعلم نعيين تأويله،

стр. 81

نحو: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧] . فهذه خمسة أقوال للعلماء. ويقال: ما معنى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ ؟ والجواب: أنهم يحتجون به على باطلهم. فإن قيل: ففيمن نزلت؟ والجواب: نزلت في وفد نجران لما حاجوا النبي ﷺ في عيسى بن مريم ﵇ فقالوا أليس هو كلمة الله وروحاً منه، فقال: بلى، وقالوا: حسبنا، فأنزل الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧] ثم أنزل: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] . وقيل: بل كل من احتج بالمتشابه لباطله، فالآية فيه عامة - كالحرورية والسبئية، وهو قول قتادة. ومما يسأل عنه الملحدون هذه الآية، وذلك أنهم يقولون: لم أنزل في القرآن المتشابه والغرض به هداية الخلق؟ والجواب: أنه أنزل للاستدعاء إلى النظر الذي يوجب العلم دون الاتكال على الخبر من غير نظر، وذلك أنه لو لم يعلم بالنظر أن جميع ما أتى به النبي ﵇ حق لجوز أن يكون الخبر كذباً وبطل دلالة السمع. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: ففي أي شيء يقع المتشابه؟ قيل: في أمور الدين، كالتوحيد ونفي التشبيه، الآ ترى أن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] يحتمل في اللغة أن يكون كاستواء الجالس على سريره، ويحتمل أن يكون بمعنى القهر والاستيلاء، كما قال الشاعر:

стр. 82

قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق واستواء الجالس لا يجوز على الله ونحو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] ، يحتمل في اللغة أن يكون ساق الإنسان وساق الشجرة، والشَّدة من قولهم: قامت الحرب على ساق. والوجهان الأولان لا يجوزان على الله في أشباه لذلك. ومما يسأل عنه أن يقال: لم أفرد ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ؟ وفي هذا جوابان: أحدهما: أنه أراد هن أم الكتاب، كما يقال: من نظير زيد؟ ، فيقول مجيب: نحن نظيره. والثاني: أنه استغنى فيه بالإفراد عن الجمع، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] ولم يقل آيتين. ويسأل: هل يعرف الراسخون في العلم تأويل المتشابه؟ وفي هذا جوابان: أحدهما: أن تأويل المتشابة لا يعلمه إلا الله. والوقف على هذا عند قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ويبتدئ ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] ، فعلى هذا ليس للراسخين من المزية إلا قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ وذلك نحو: قيام الساعة وما بيننا وبينها من المدة، وهذا قول عائشة والحسن ومالك ﵁ ومن حجتهم: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُْْْ﴾ [الأعراف: ٥٣] . والجواب الثاني: أن الله تعالى يعلمه، والراسخون يعلمونه قائلين: آمنا به. وهذا قول

стр. 83

ابن عباس ومجاهد والربيع. وقرأ ابن عباس فيما حدثني أبو محمد مكي بن أبي طالب المقرئ (وهو ما يعلم تأويلة إلا الله ويقول الراسخون في العلم يقولون آمنا به) . وهذه القراءة بعيدة من وجهين: أحدهما مخالفة المصحف، والثاني: تكرار اللفظ؛ لأن اللفظ الثاني يغني عن الأول. وموضع: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ على هذا القول نصب على الحال. ومثله قول الشاعر: الريح تبكي شجوة والـ برق يلمع في غمامه. وعلى الوجه الأول يكون موضع: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ رفعاً؛ لأنه خبر المبتدأ، وقوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ في موضع نصب على الحال من الكتاب، أي: أنزله وهذه حاله. * * * قوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٢٧] . الإيلاج: الإدخال، والولوج: الدخول. ومما يسأل عنه هاهنا: أن يقال: ما معنى ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ ؟ فالجواب: أن المعنى يجعل ما نقص من أحدهما زيادة في الآخرة، وهذا قول ابن عباس

стр. 84

والحسن ومجاهد والسُّدي والضحاك وابن زيد. وقيل، معناه: يدخل أحدهما في الآخر؛ لمجيئه بدلاً منه في مكانه. وإلى هذا ذهب الجبائي من المعتزلة. فصل: ويسأل عن قوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ ؟. وفيه جوابان: أحدهما: يخرج الحي من النطفة وهي ميتة، والنطفة من الحي، كذلك الدجاجة من البيضة والبيضة من الدجاجة. وهذا قول عبد الله ومجاهد والضحاك والسُّدي وقتادة. والجواب الثاني: يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. وهذا قول الحسن. واختلف في الَمْيت والَميّت، فقيل: الَمْيت - بالتخفيف - الذي قد مات والميَّت - بالتشديد - الذي لم يمت، وقال أبو عباس: لا فرق بينهما عند البصريين. وأنشد: ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء. إنما الميت من يعيش كئيباً كاسفاً باله قليل الرجاء. فجمع بين اللغتين. * * * قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٤] .

стр. 85

يسأل عن معنى قوله تعالى ﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ ؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنهم في التناصر للدين بعضهم من بعض، أي: في الاجتماع، كما قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] ، أي: في الاجتماع على الضلالة، والمؤمنون بعضهم من بعض، أي: بعضهم أولياء بعض في الاجتماع على الهدى. وهذا قول الحسن وقتادة. والجواب الثاني: أن بعضها من بعض في التسلسل، أي: جميعهم ذرية آدم ثم ذرية نوح، ثم ذرية إبراهيم ﵈. فصل: ويسأل: ما وزن ﴿ذُرِّيَّةٌْ﴾ ، وفيه ثلاثة أوجخ. أحدها: أن وزنها (فُعلِيّةٌ) من الذرًّ، مثل: قمرية. والثاني: أن وزنها (فعولةٌ) والأصل فيها (ذُرُّورةٌ) ، إلا أنه كره التضعيف فقلبت الراء الأخيرة ياء فصارت (ذُرُّويَةّ) ، ثم قلبت الواو ياء، لاجتماع الواو والياء وسبق الأولى منهما بالسكون، وكسر ما قبل الياء الساكنة؛ لتصح، فقيل: (ذُرَّيَّةٌ) . والثالث: أن أصلها (ذُرُؤةٌ) من: ذرأ الله الخلق، فاستثقلت الهمزة فأبدلت ياء، وفعل بها ما فعل بالوجه الذي ذكرناه آنفاً. واجتمع على تخفيفها كما اجتمع على تخفيف (بَرِيَّة) . ويسأل عن نصب ﴿ذُرِّيَّةٌ﴾ ؟ وفي النصب جوابان: أحدهما: أن يكون بدلاً من آدم وما بعده، وإن كان آدم غير ذرية لأحد، وذلك إذا أخذتها من (ذر الله الخلق) . والثاني: أن يكون نصباً على الحال، ويجوز رفعها على إضمار مبتدأ محذوف كأنه قال تلك ذُرِّيَّةٌ.

стр. 86

قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] . المكر: أصله الالتفاف، ومنه قولهم لضرب من الشجر: مكر؛ لالتفافه، وامرأة ممكورة: ملتفة. ومما يسأل عنه، أن يقال: ما معنى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ ؟ وفي هذا جوابان: أحدهما: مكروا بالمسيح بالحيلة عليه لقتله، ومكر الله بردتهم بالخيبة؛ لإلقائه شبه المسيح على غيره. هذا قول السُّدى. والجواب الثاني: أن المعنى، ومكروا بإضمار الكفر، ومكر الله لمجازاتهم بالعقوبة على المكر. فإن قيل المكر لا يحسن من الحكيم، قيل: إنما جاز هذا على مزاوجة الكلام، نحو قوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] . فهذا أحد وجوه البلاغة، وهي على أربعة أضرب: أحدها: المزاوجة، نحو: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ ، والمجانسة، نحو قوله: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧] ، والمطابقة، نحو ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: ٣٠] بالنصب على مطابقة السؤال، والمقابلة، نحو قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٥] . * * * قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] التوفي: القبض، يقال: توفيت حقي واستوفيت بمعنى واحد.

стр. 87

ومما يسأل عنه هاهنا أن يقول: ما معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ هاهنا؟ وفيه أجوبة: أحدها: أن المعنى قابضك برفعك من الأرض إلى السماء غير وفاة الموت، وهذا قول الحسن وابن جريح وابن زيد. والجواب الثاني: أني متوفيك وفاة النوم؛ لأرفك إلى السماء، وهو قول الربيع، قال: رفعه نائماً. والجواب الثالث: إني متوفيك وفاة الموت، وهو قول ابن عباس، ووهب ابن منبه، قالا: أماته ثلاث ساعات. فأما النحويون، فيقولون: هو على التقديم والتأخير، أي: إني رافعك ومتوفيك؛ لأن الواو لا يقتضي الترتيب بدلالة قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] والنذر: قبل العذاب، بدلالة قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] . وموضع ﴿إِذَ﴾ نصب على أحد وجهين: إما على قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] إذ قال الله. وإما على إضمار: اذكر. ويجوز أن يكون موضعها رفعاً على تقدير ذلك إذ قال الله، وتمثيله: ذلك واقع إذ قال الله، ثم حذفت (واقعاً) وهو العامل في (إذ) وأقمت (إذ) مقامه. (وإذ) مبنية على السكون؛ لافتقارها إلى ما يوضحها، فأشبهت بعض الكلمة، وبعض

стр. 88

الكلمة لا يعرب، نحو: الزاي، من زيد، والجيم من جعفر. * * * قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْكُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] . في هذه الآية حجة على من أنكر القياس؛ لأن الله تعالى احتج بذلك على المشركين، ولا يجوز أن يحتج عليهم إلا بما فيه طريق القياس؛ لن قياس خلق عيسى من غير ذكر، كقياس آدم وهو في عيسى أوجب، لأن آدم ﵇ من غير أنثى ولا ذكر. وهذه الآية نزلت في السيد والعاقب من وفد نجران، وذلك أنهما قالا للنبي ﷺ : هل رأيت لداً من غير ذكر، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهذا قول ابن عباس والحسن وقتاده. فصل: ويسأل عن رفع قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾ ولِمَ لَمْ يجر نصبه على جواب الأمر الذي هو ﴿كُنْ﴾ ؟ والجواب: أن جواب الأمر يجب أن يكون غيره في نفسه أو معناه، نحو: إإتني فأكرمك، وائتني فتحسنَ إلىَّ. ولا يجوز (قم فتقوم) ؛ لأن المعنى يصير: قم فإن تقم فقم، وهذا لا معنى له، فلذلك لم يجز في الآية. فإن قيل فقد جاء: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] ، قيل: هذا معطوف على قوله: ﴿أَنْ نَقُولَ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ﴾ ، معناه: فكان، إلا أنه أوقع الفعل امستقبل في موضع الماضي، ومثله قول الشاعر: وانضج جوانب قبره بدمائها فلقد يكون أخا دم وذبائح

стр. 89

قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤] . يسأل من المخاطب هاهنا من أهل الكتاب؟ وفيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن المخاطب نصارى نجران، وهذا قول الحسن ومحمد بن جعفر ابن الزبير والسُّدى وابن زيد. والثاني: أن المخاطب يهود المدينة، وهو قول قتادة والربيع وابن جريح، ومعنى هذا أنهم أطاعوا أحبارهم طاعة الأرباب. والثالث: أن المخاطب الفريقان، وهذا ظاهر التلاوة. ويسأل عن ﴿سَوَاءٌ﴾ ما معناه هاهنا؟ قيل معناه: مستوٍ، فموضع اسم المصدر موضع اسم الفاعل، كأنه قال: تعالوا إلى كلمة مستوية. وقرأ الحسن ﴿سَوَاءٍ﴾ بالنصب على المصدر. ويسأل عن موضع ﴿أَنْ﴾ من قوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ﴾ ؟ والجواب أنها تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون في موضع جر على البدل من ﴿كَلِمَةٍ﴾ ، كأنه قال: تعالوا إلى أن لا نعبد إلا الله. والوجه الثاني: أن تكون في موضع رفع، كأنه قال: هي أن لا نعبد إلا الله. ومن رفع فقرأ "أنْ لاَ نَعْبُدُ"، فأنْ مخففة من الثقيلة، كأنه قال: أنه لا نعبد إلا الله، ومثله: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ [طه: ٨٩] ، وإذا كانت مخففة من الثقيلة كانت من عوامل الأسماء، وثبتت النون في الخط، وعلى الوجه الأول تكون من عوامل الأفعال ولا تثبت النون في الخط.

стр. 90

ومن قرأ "أنْ لاَ نَعْبُدْ إِلاَّ اللهَ" بالإسكان فـ ﴿أَنْ﴾ مفسرة كالتي في قوله تعالى: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا﴾ [ص: ٦] ، فالمعنى: أي لا نعبد إلا الله، ولا ﴿لَا﴾ على هذا جازمة؛ لأنه نهي. * * * قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] . يقال: كأًيًّن وكَاين وكاءٍ بمعنى، قال الشاعر: كأين في المعاشر من أناس أخوهم فوقهم وهم كرام فشدد، وقال جرير: وكائن بالأباطح من صديق يراني لو أصبت هو المصابا فخفف. وفذ هذا لغات أخر، وتعليله من طريق التصريف يطول شرحه، وجملتها أنها (أي) دخلت عليها (كاف) التشبيه، كما دخلت عل (ذا) في قولك: كذا، وغيرت في اللفظ كما غيرت في المعنى؛ لأنها نقلت إلى معنى (كم) في التكثير، والأصل التشديد، وإنما وقع التخفيف لكراهة التضعيف، كما قالوا: لا سيْما، والأصل: لا سيًّما. وقرأ ابن كثير ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ كذلك نافع وأبو عمرو. وقرأ الباقون "قَاتَلَ".

стр. 91

فصل: ويسأل بم ارتفع ﴿رِبِّيُّونَ﴾ ؟. وفيه جوابان؟ أحدهما: أنه مفعول لم يسم فاعله لـ (قُتِلَ) ، وهذا يجئ على مذهب الحسن؛ لأنه قال: لم يقتل نبي قط في معركة. والثاني: أنه مبتدأ و ﴿مَعَهُ﴾ الخبر، كأنه قال: قُتل ومعه ربيُّون. وموضع قوله: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ ، نصب على الحال من المضمر في (قُتل) أي: قُتِلَ ذلك النبي وعه الربيون، وهذا يجئ على معنى قول أبي إسحاق وقتادة والربيع والسُّدي. ويجوز أن يرتفع ﴿رِبِّيُّونَ﴾ بالظرف الذي هو ﴿مَعَهُ﴾ وهو مذهب أبي الحسن. ويجئ أيضا على مذهب سيبويه؛ لأن الظرف إذا اعتمد على ما قبله جاز أن يرفع. والربيون: العلماء، هذا قول ابن عباس والحسن، وقال مجاهد وقتادة الجموع الكثيرة. * * * قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠] قرأ حمزة ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ بالتاء وفتح السين؛ وقرأ الباقون بالياء. فمن قرأ بالتاء فالفاعل المخاطب وهو النبي ﷺ و ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ مفعول أول لـ ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ و ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ المفعول الثاني. و ﴿هُوَ﴾ فصل، وأهل الكوفة يسمونه عمادا، وفي الكلام حذف تقديره: ولا تحسبن يا محمد بخل الذين يبخلون خيرا لهم. وإنما احتجت إلى هذا المحذوف ليكون المفعول الثاني هو الأول في المعنى؛ لأن هذه الأفعال تدخل على المبتدأ والخبر، والخبر هو المبتدأ في المعنى إذا كان الخبر مفرداً.

стр. 92

وأما من قرأ بالياء فـ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ فاعلون، والمفعول الأول ليحسبن محذوف لدلالة ﴿يَبْخَلُونَ﴾ عليه تقديره: ولا يحسبن الذين يبخلون البخل هو خيراً لهم، وهذا كما تقول العرب: منكذب كان شراً له، أي: كان الكذب، فحذف (الكذب) لدلالة (كذب) عليه، ومثله: إذا نهي السفية جرى إليه وخالف، والسفيه إلى خلاف أي: خالف إلى السفه. فأما فتح السين وكسرها فلغتان، ويروى أن الفتح لغة النبي ﷺ . ﴿ومن سورة النساء﴾ * * * قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] . يسأل عن معنى قوله: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ ؟ وفيه جوابان. أحدهما: أن المعنى يسأل بعضكم بعضاً بالهه والرحم، وهذا قول الحسن ومجاهد. والثاني: أن المعنى: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وهذا قول ابن عباس وقتادة والسُّدي والضحاك والربيع وابن زيد. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: ما وجه النصب في: ﴿الْأَرْحَامَ﴾ ، قيل على الوجه الأول: يكون معطوفاً على موضع ﴿بِه﴾ ، كأنه قال: وتذكرون الأرحام في التساؤل. الوجه الثاني: يكون معطوفاً على اسم الله تعالى. وقرأ حمزة "الأرحامِ" بالجر،

стр. 93

والنحويون لا يجيزون هذا؛ لأنه لا يجوز عطف الظاهر على المضمر المجرور إلا بإعادة الجار. قال سيبويه: لأنه لا ينفصل فصار كبعض الحرف، ومثله بعضهم بالتنوين، وذلك أنه يعاقبه، ويحذف في الموضع الذي فيه التنوين، وذلك قولك: ياغلام، تحذف الياء تخفيفاً كما تحذف التنوين من قولك: يا زيد. وقال المازني: المعطوف والمعطوف عليه شريكان، لا يجوز في أحدهما ما لا يجوز في الآخرة، فكما لا تقول: مررت بزيدوك، كذلك لا تقول: مررت بك وزيٍذ، فإن احتج محتج بقول الشاعر: فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيام من عجب وبقول الآخر: تعلق في مثل السواري سيوفنا وما بينها والكعب غوط نفانف قيل: هذا من ضرورات الشعر ولا يحمل القرآن عليه. وقد احتج له بعضهم بأنه على إضمار الباء؛ لتقدم ذكرها في قوله: ﴿بِهِ﴾ ، واستشهد بقول الشاعر: أكل امرئٍ تحسبين امرءاً ونارٍ توقد في الليل نارا أراد: وكل نارٍ، فحذف (كلَّ) لدلالة ما في صدر البيت.

стр. 94

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] . خفتم: من الخوف، والخوف والخشية بمعنى. والإقساط: العدل. ويسأل عن اتصال هذا الكلام بعضه ببعض، كيف يصح؟ وفي هذا جوابان. أحدهما: أن المعنى: فإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى، فكذا خافوا في النساء، وذلك أنهم كانوا يتحرجون في يتامى النساء ولا يتحرجون في النساء، وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة والسُّدي والضحاك والربيع. والجواب الثاني: أن المعنى: وإن خفتم إلا تقسطوا في نكاح اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء غيرهن. وهذا قول عائشة والحسن، وبه قال أبو العباس. فصل: ومما يسأل عن قوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ ، كيف جاءت ﴿مَا﴾ هاهنا، والموضع موضع (مَنْ) ؛ لأن (ما) لما لا يَعْقْل، و (مَنْ) لمن يَعقِل؟ والجواب: أن ﴿مَا﴾ هاهنا مصدرية، كأنه قال: فانكحوا من النساء الطيب، أي: الحلال. وهذا مجاهد وبه أخذ الفراء. ويروى عن مجاهد أيضاً: فانكحوا النساء نكاحاً طيباً. قال أبو العباس: ﴿مَا﴾ هاهنا للجنس، كقولك: ما عندك؟ فالجواب: رجل أو امرأة. وقيل: لما كان المكان مكان إبهام جاءت ﴿مَا﴾ لما فيها من الإبهام، كما تقول العرب: خذ من عبيدي ما شئت. وأما ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ فمعناه: اثنين اثنين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً، فعدل عن

стр. 95

هذا ليدل على هذا المعنى، وهو نكرة، وأمتنع من الصرف للعدل زالوصف. وقال قوم: هو معرفة، لأنه لا يدخله الألف اللام. والوجه ما قدمناه؛ لأن النكرة توصف به، قال صخر الغي: منيت بأهن تلاقيني المنايا أحاد في شهر الحلال وقال تميم بن أبي [بن] مقبل. ترى النعرات الزرق تحت لبانه أحاد ومثنى أصعقتها صواهلة وقيل: لم ينصرف للعدل والتأنيث؛ لأن العدد كله مؤنث. وقيل: لم ينصرف؛ لأنه عدل على غير ما يجب في العدل، لأن أصل العدل أن يكون في المعارف. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: لم جاءت (الواو) هاهنا، ولم تأت (أو) ؛ لأنه لا يجوز أن يجمع بين تسع؟ والجواب: أنه على طريق البدل، كأنه قال: وثلاث بدلاً من مثنى، ورباع بدلاً من ثلاث، ولوجاء بـ: (أو) لجاز أن لا يكون لصاحب المثنى ثلاث، ولا لصاحب الثلاث، رباع. ويوضح هذا: أن مثنى بمعنى اثنتين، وثلاث بمعنى ثلاث. فأما من أجاز تزويج

стр. 96

تسع بهذه الآية فمخطئ؛ لأنه لو كان كذلك لما جاز أن يتزوج دون تسع، وأيضاً فلو أراد الله تعالى ذلك لقال: فانكحوا تسعاً، لأن هذا التكرار عِيُّ، وتسع أخصر منه؛ وهذا على طريق التخيير لا للإيجاب. * * * قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦] يسأل عن دخول (اللاًّم) في قوله: ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ ؟ وفيها ثلاثة أجوبة: أحدها: أن معناها (أنْ) ، و (أنْ) تأتي مع (أردت وأمرت) ؛ لأنها تطلب الاستقبال لذا استوثقوا لها باللام، وربما جمعوا بين (اللام) و (كي) لتأكيد الاستقبال، قال الشاعر: أردت لكيما لا ترى لي عثرة ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل ولايجوز أن تقع (اللام) بمعنى (أنْ) مع الظن؛ لأن الظن يصلح معه الماضي والمستقبل، نحو: ظننت أن قمت، وظننت أن تقوم، وهذا قول الكسائي والفراء، وأنكره الزجاج، وأنشد: أردت لكيما يعلم الناس أنها سراويل قيس والوفود شهود قال: ولو كانت (اللام) بمعنى (أنْ) لم تدخل على (كي) كما لا تدخل (أنْ) عل (كي) ، قال: مذهب سيبويه وأصحابه أن (اللام) دخلت هاهنا على تقدير المصدر، أي: الإرادة للبيان، نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] .

стр. 97

و ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] ، وقال كثير: أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلي بكل سبيل أي: إرادتي لهذا، وهذا الجواب الثاني. والجواب الثالث: أن بعض النحويين ضعف هذين الوجهين بأن جعل اللام بمعنى (أنْ) لم يقم به حجة قاطعة، وحمله على المصدر يقتضي جواز: ضربت لزيد، بمعنى: ضربت زيداً، وهذا لا يجوز، ولكن يجوز في التقديم والتأخير، نحو: لزيد ضربت، وللرؤيا تعبرون؛ لأن عمل الفعل في التقديم يضعف كعمل المصدر في التأخير، ولذلك لم يجز إلا في المتصرف، فأما ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] فعلى تأويل: ردف ما ردف لكم، وعلى ذلك: يريد ما يريد لكم. وهذه الأقوال كلها مضطربة، وقد قيل إن مفعول ﴿يُرِيدُ﴾ محذوف تقديره: يريد الله تبصيركم ليبين لك. * * * قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] القتل: معرفو، وقتل العمْدِ: ما قصد به إتلاف النفس كائناً ما كان بحجر أو عصىً أو حديدٍ أو غير ذلك، وهذا قول عبيد بن عمير وإبراهيم وروى أنس أن يهودياً قتل جارية بين حجرين، فأتى به النبي ﷺ فقتله بين حجرين، (كل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ أرش) . والجزاء والمجازاة واحد، واللعنة: الإبعاد والطرد.

стр. 98

فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: هل القاتل يخلد في النار، أو له توبة؟ والجواب: أن العلماء أختلفوا في ذلك: فقال الضحاك وجماعة من التابعين: نزلت هذه الآية في رجل قتل رجلاً من المسلمين، فارتد عن الإسلام، وسار إلى المشركسن، ونزلت هذه الآية فيه، والتغليظ فيها لارتداده عن الإسلام. وقال جماعة من التابعين: الآية الهينة وهي: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] نزلت بعد الشدية وهي: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] ، وذهبوا إلى أن للقاتل توبة. وقال عمر وعلي وابن مسعود ﵃: كنا نبت الشهادة فيمن عمل الموجبات حتى نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ . وقال أبو مجلز: هي جزاؤه إن جازاه أدخله جهنم خالداً فيها، ويروى هذا أيضاً عن أبي صالح. وروي عن مجاهد أنه قال: المعني إلا من تاب وندم على ما فعل. وروي عن ابن عباس وزيد بن ثابت، وجماعة من التابعين ﵃ أنهم قالوا: الآية ثابتة في الوعيد؛ لأن الله تعالى غلظ فيه. وكرر الوصف بقوله: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] . ٢٥/و. وقال عكرمة وابن جريح وبعض المتكلمين: المعنى ومن يقتل مؤمناً متعمداً، أي:

стр. 99

مستحلاً لذلك؛ لأن المستحل لما حرم الله تعالى كافر؛ لأنه أحل ما حرم الله، فالخلود إذا إنما هو من هذه الطريقة. والعرب تتمدح بإنجاز الوعد وخلف الوعيد، ويروى عن أبي عمرو أنه سمع عمرو بن عبيد ينكر هذا فعابه عليه، وأنشد: وإني وإن أوعدته ووعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي وجاء في الحديث "من وعدَه اللهُ على عمل ثواباً فهو منجز له ومن أوعده على عملٍ عقاباً فهو بالخيار إن شاء عذب وإن شاء غفر له". * * * قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥] . قرأ نافه وابن عامر والكسائي ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ بالنصب، وقرأ الباقون بالرفع، وقرئ في غير السبعة ﴿غَيْرُ﴾ بالجر فوجه النصب: أنه حال، وإن شئت كان استثناء. وأما الرفع: فعلى أنه نعت لقوله: ﴿الْقَاعِدُونَ﴾ . وأما الجر: فعلى أنه نعت للمؤمنين.

стр. 100

وأجود هذه القراءات: الرفع؛ لأن الوصف على ﴿غَيْرُ﴾ أغلب من الاستثناء. وقد زعم بعضهم أن النصب على معنى الاستثناء أجود؛ لتظاهر الأخبار بأنه نزل لما سأل ابن أم مكتوم رسول الله ﷺ عن حاله في الجهاد وهو ضرير فنزل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ . وهذا ليس بشيئ؛ لأن ﴿غَيْرُ﴾ وإن كانت صفة فهي تدل معنى الاستثناء لأنها في كلتا الحالتين قد خصصت القاعدين عن الجهاد بانتقال الضرر. * * * قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] . اختلف في الحنيف: هو المستقيم، وإنما قيل لأعوج الرجل حنيف تفاؤلاً، يقال: حنف في الطريق إذا استقام عليه، فكل من سلك طريق الاستقامة فهو حنيف. ويسأل: ما في اتباع إبراهيم من الحسن، دون اتباع ملة موسى وعيسى وغيرهما من النبيين؟ والجواب: أن إبراهيم ﵇ قد رضى به جميع الأمم، وكلن يدعو إلى الحنيفية لا اليهيودية ولا النصرانية ولا الوثنية، فهو محق في دعائه إليها، وكل من استجاب له بإذن الله فيها فقدمع من المعاني المرغبة ما ليس لغيره. واختلف في معنى الخليل: فقيل: هو المصطفى بالمودة المختص بها. وقيل: هو من الخلة وهي الحاجة، فخليل الله على هذا المحتاج قال زهير:

стр. 101

وإن أتاه خليل يوم مسألة يقول لا غائب مالي ولا حرم ويسأل عن نصب ﴿حَنِيفًا﴾ ؟ وفيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن يكون حالاً من ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ ، وكان حقه أن تكون فيه الهاء؛ لأن (فَعِيلاً) إذا كان بمعنى (فَاعل) للمؤنث تثبت فيه الهاء نحو: رحيمة وكريمة وما أشبه ذلك، إلا أنه جاء مجئ (ناقة سديس وريح خريق) . والجواب الثاني: أنه حال من المضمر في ﴿وَاتَّبَعَ﴾ ، والمضمر هو النبي ﷺ . والثالث: أنه يجوز أن يكون حالاً من إبراهيم، والحال من المضاف إليه عزيزة، وقد جاء ذلك في الشعر قال النابغة: قالت بنو عامر: خالوا بني أسد يا بؤس للجهل ضراراً لأقوام أي: يا بؤس الجهل ضراراً. واللام مقحمة لتوكيد الإضافة. * * * قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] . وفيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه يعود على الكتابي، والمعنى: ليؤمنن الكتابي بالمسيح قبل موت الكتابي، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وابن سيرين وجويبر. والثاني: قبل موت المسيح أي: ليؤمنن الكتابي بالمسيح قبل موت المسيح ﵇ إذا خرج في آخر الزمان، وهذا يروى عن أبي مالك وقتادة وابن زيد عن ابن عباس

стр. 102

والحسن بخلاف. والثالث: أي يكون المعنى ليؤمنن لمحمد ﷺ قبل موت الكتابي وهذا يروى عن عكرمة بخلاف. واختلف النحويون في المضمر المحذوف ما هو؟ فذهب البصريون إلى أن المعنى: وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به قبل موته. وذه الكوفيون إلى أن المعنى: وأن من أهل الكتاب إلا ليومنن به. وأهل البصرة لا يجيزون حذف الموصول وتبقية الصلة ومثله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] . ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] ، يجئ على مذهب البصريين: (وإن منك أحدٌ) ، (وما منا أحد إلا له مقام معلوم) ، قال الشاعر: لو قلت ما في قومها لم تيثم يفضلها في حسب وميسم تقديره: لو قلن في قومها أحد يفضلها في حسب وميسم لم تيثم. و ﴿وَإِنْ﴾ في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾ نافيه، كالتي في قوله تعالى: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠] ، وأكثر ما تأتي (إنْ) نافية مع (إلاًّ) وقد تأتي مع غير (إلاًّ) نحو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦] ، أي: في الذي مكناهم، وهو قليل. * * * قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٦٢] .

стр. 103

اختلف في نصب ﴿الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ : فذهب البصريون إلى أنه نصب على المدح، وهو قول سيبويه وأنشد لخزنق بنت هفان: لايبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك والطيبون معاقد الأزر علة تقدير: أعني الناولين، وهذا: أعني المقيمين الصلاة. واختلف في تأويل ﴿الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ : فذهب قوم إلى أن المراد بهم الأنبياء. وذهب آخرون إلى أن المراد بهم الملائكة. وهذا الوجه عندي أظهر؛ لقطع قوله: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ؛ لأن الملائكة لا توصف بإيتاء الزكاة والأنبياء يوصفون به. وذهب قوم إلى أنه معطوف على ﴿قَبْلِكَ﴾ ، أي يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ومن قبل المقيمين الصلاة، ثم حذف (قَبل) لدلالة (قبل) عليه. وقيل هو معطوف على الكاف من ﴿إِلَيْكَ﴾ أو الكاف من ﴿قَبْلِكَ﴾ ، وهذا لا يجوز عند البصريين؛ لأنه لا يعطف على الضمير المجرور بغير إعادة الجار وقد شرحناه عند قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] . وكذا قول من قال هو معطوف والميم من قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ . وأما من زعم أنه غلط من الكاتب فلا يجب أن يلتفت إلى قوله، وإن كان

стр. 104

قد روي عن عائشة ﵂ وإبان بن عثمان؛ لأنه لو كان كذلك لم تكن الصحابة لتعلمه الناس على الغلط وهم الأئمة. وأجود ما قيل في هذا القولان الأولان. * * * قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦] الاستفتاء: استدعاء الفُتيا. والفُتيل: الإخبار بالحكم ولا يقال للإخبار بالحكم عن علة الحكم فُتيا إلا أن تذهب به مذهب الحكم بالمعنى على البناء له على حكم غيره ليصحح به. والكلالة: ما عدا الوالد والولد، هذا قول أبي بكر الصديق ﵁ يروى عن عمر ﵁ أنه قال: ما عدا الولد - على تشكك منه - وقال الحسن: الإخوة والأخوات. وعلى القول الأول جمهور العلماء، وهو الوجه؛ لأنه من تكلل النسب غير اللاصق به، وإنما اللاصق الوالد والولد. وفي الكلام حذف، والتقدير فيه: إن امرؤ هلك ليس له ولد وقد ورث كلالة وله أخت. وقال العلماء: أصول الفرائض ثمانية عشر: اثنا عشر في أول السورة، وأربعة في آخرها، واثنان سماهما رسول الله ﷺ العصبة وفريضة الجد. وقيل هي تسعة عشر، لقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] ، وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] دلالة على أن للبنتين الثلثين؛ لأن الله تعالى سوى بين البنت والأخت في النصف، فقيست البنتان على الأختين.

стр. 105

فصل: ويسأل عن أي الفعلين أعمل من قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء١٧٦] والجواب: أن المعمل الثاني هو ﴿يُفْتِيكُمْ﴾ ، والتقدير: يستفتونك في الكلالة قبل الله يفتيكم في الكلالة. فحذف الأول لدلالة الثاني، ولو أعمل الأول لقال: يستفتونك قل الله يفتيكم فيها في الكلالة. وإعمال الفعل الثاني عند البصريين أجود وعليه جاء القرآن نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٥] ، فأعمل ﴿يَسْتَغْفِرْ﴾ ، ولو أعمل ﴿تَعَالَوْا﴾ لقال: تعالوا يستغفر لكم إلى رسول الله. فأما في الشعر فقد جاء إعمال الأول كما ىجاء إعمال الثاني، فمن إعمال الأول قول امرئ القيس: فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب قليل من المال يريد: كفاني قليل من المال ولم أطل، ولو أعمل الثاني لا نفسد المعنى. ومن إعمال الثاني قول طفيل: وكمتا مدماة كأن متونها جرى فوقها واستشعرت لون مذهب فأعمل (استشعرت) ولو أعمل (جرى) لقال: جرى فوقها واستشعرت لون مذهب، ومثل ذلك قول كثير: فضى كل ذي دين فوفى غريمه وعزة ممطول معنى غريمها

стр. 106

فأعمل (وفًّي) ولو أعمل (قَضى) لقال: قضى كل ذي دين فوفاه غريمه، وهو كثير في الشعر والكلام وقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ . ارتفع ﴿امْرُؤٌ﴾ بإضمار فعل يفسره ما بعده تقديره: إن هلك امرؤ هلك، ولا يجوز إظهاره؛ لأن الثاني يغني عنه. وقال الأخفش هو مبتدأ و ﴿هَلَكَ﴾ خبره. والأول أولى؛ لأن الشرط بالفعل أولى. وقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] ، في ﴿أَنْ﴾ ثلاثة أقوال: أحدها: أن المعنى كراهة أن تضلوا، فهي على هذا في موضع نصب مفعول له. والثاني: أنه على إضمار حرف النفي، كأنه قال: أن لا تضلوا، وتلخيصه: لئلا تضلوا. والأول مذهب البصريين والثاني مذهب الكسائي. ومثل الأول قزله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ، أي: أهل القرية. ومثل الثاني قول القطامي يصف ناقته. رأيناه ما يرى البصراء فيها فالينا عليها أن تباعا يريد: أن لا تباعا، ومثل الأول قول عمرو بن كلثوم. فأعجلنا القرى أن تشتمونا

стр. 107

أي: كراهة أن تشتمونا. والثالث: قاله الأخفش وهو أن (أنْ) مع الفعل بتأويل المصدر، وموضع (أنْ) نصب بـ ﴿يُبَيِّنُ﴾ ، وتقديره: يبين الله لكم الضلال لتجتنبوه. ﴿من سورة المائدة﴾ * * * قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥] يسأل عن موضع "أخي" من الأعراب؟ وفيه أربعة أوجه: أحدها: الرفع على موضع ﴿إِنِّي﴾ . والثاني: العطف على المضمر في ﴿لَا أَمْلِكُ﴾ وحسن العطف عليه وإن كان غير مؤكد؛ لأن الحشو الذي هو ﴿إِلَّا نَفْسِي﴾ قام مقام التوكيد. والثالث: أن يكون موضعه نصبا بالعطف على الياء في ﴿إِنِّي﴾ . والرابع: أن يكون معطوفا على ﴿نَفْسِي﴾ . * * * قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦] . يسأل عن انتصاب ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ؟ وفيه جوابان: أحدهما: أن ينتصب بـ: ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾ ، وهو معنى قول الربيع، وهذا القول يجوز دخولها إياها. والثاني: أنه منتصب بـ: ﴿يَتِيهُونَ﴾ ، وهو معنى قول الحسن وقتادة؛ لأنهما ذكرا

стр. 108

أنه ما دخلها أحد منهم، وقيل إن يوشع بن نون وكالب بن يوقنا دخلاها. وجاء عن الربيع أن مقدار التيه كان مقدار ستة فراسخ، وقال مجاهد: كانوا يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا، وروي عن ابن عباس أن موسى ﵇ مات في التيه بخلاف عنه. وكان الحسن يقول لم يمت فيه. وكذا في دخول مدينة الجبارين خلاف عنه وعن ابن عباس أيضاً. * * * قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١] . يسأل عن معنى: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ ؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنهم دخلوا به على النبي ﷺ وخرجوا به إلى أحوالٍ أخر، كقولك: هو يتقلب في الكفر ويتصرف فيه. والثاني: [أنهم دخلوا به في أحوالهم، وخرجوا به إلى أحوال أخر] . و (قد) تدخل في الكلام على وجهين: إذا كانت في الماضي قرينة من الحال، وإذا كانت مع المستقبل دلت على التقليل. وموضع (الباء) من قوله: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ نصب على الحال؛ لأن المعنى: دخلوا كافرين وخرجوا كافرين؛ لأنه لا يريد أنهم دخلوا يحملون شيئأ، وهو كقولك: خرج بثيابه، خرج لابساً ثيابه، ومثله قول الشاعر:

стр. 109

ومستنة كأسنان الخرو ... ف قد قطع الحبل بالمرود أي: وفيه المرود، يعنى هذه صفته. * * * قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: ٦٩] . يسأل عن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم قول: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ ؟ وفيه جوابان: أحدهما: أن المعنى آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وهم المنافقون، وهذا قول الزجاج. والثاني: أن المعنى من دام على الإيمان والإخلاص، ولم يرتد عن الإسلام. ويسأل عن قوله: ﴿َالصَّابِئُونَ﴾ ؟ وفيه أجوبة: أحدها: أنه ارتفع لضعف عمل ﴿إِنَّ﴾ ، وهذا قول الكسائي، وقال أيضا يجوز أنه ارتفع؛ لأنه معطوف على المضمر في ﴿هَادُواْ﴾ ، كأنه قال: هادوا هم والصابئون. وفي هذا بعد؛ لأن الصابئي وهو الخارج عن كل دين عليه أمة عظيمة من الناس إلى ما عليه فرقة قليلة لا يشارك اليهودي في اليهودية، ومع ذلك فالعطف على المضمر المرفوع من غير توكيد قبيح، وإنما يأتي في ضرورة الشعر كما قال عمر بن أبي ربيعة: قلت إذ أقبلت وزهر تهادى كنعاج الملا تعسفن رملا والثاني: أنه عطف على (ما) لا يتبين معه فيه الإعراب مع ضعف (إن) ، وهذا قول الفراء.

стр. 110

والثالث: أنه على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون كذلك، وهذا قول سيبويه. وقال الشاعر: وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق وقوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٧١] . قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي "أن لا تكون فتنة"، وقرأ الباقون "ألا تكون" بالنصب. ولم يختلفوا في رفع ﴿فِتْنَةُُ﴾ ويجوز نصبها. فمن قرأ بالرفع جعل (أن) مخففة من الثقيلة، وأضمر الهاء، وجعل ﴿حَسِبُواْ﴾ بمعنى ﴿عَمُواْ﴾ ، وعلى هذا الوجه تثبت النون في الخط. أما النصب: فعلى أنه جعل (أن) الناصبة للفعل، ولم يجعل ﴿حَسِبُواْ﴾ بمعنى (العلم) وعلى هذا الوجه تسقط النون من الخط. وأما رفع ﴿فِتْنَةُ﴾ فعلى أن تكون ﴿تَكُونَ﴾ بمعنى الحضور والوقوع، فلا تحتاج إلى خبر. ويجوز أن تكون ناقصة، فتنصب ﴿فِتْنَةُ﴾ على الخبر، ويضمر الاسم. وأما قوله: ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ ، فيرتفع من ثلاثة أوجه.
следующие страницы →