Полный текст (1 556 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الجزء الاول
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الراغب الأصفهاني وكتابه «محاضرات الأدباء»
بقلم: الدكتور عمّر الطبّاع تعدّدت ينابيع عرفانه، وتنوّعت مناهل علومه وموارد آدابه، وتشعّبت مذاقاته الفكريّة، حتّى شملت جملة ثقافات عصره الأصيلة والدخيلة، فكان طويل الباع في آداب العربية- لغة وبيانا ورواية وقصصا وشعرا ومثلا- كما كان عميق الاطلاع في المعارف الدينيّة الإسلامية- حديثا وفقها وعقيدة وتفسيرا-.
ولئن توزّعت ملكاته بين هذين الاتجاهين الرئيسين من اتجاهات التراث فقد كان مشدودا إلى جداول شتّى من ثقافات اليونان والهند وفارس، والتي كانت قد تآلفت بأسباب التمازج الحضاري والتفاعل البيئي، وبفضل النّقلة وحركة النقل الواسعة، لتناسب بقوّة وزخم في خضم نهر المعارف العربية الدافق والذي كان يتّسع ويمتد ويعمق غوره، وتصطخب أثباجه ولججه، منذ مشارف دولة العبّاسيين على اختلاف أعصرها، وتعدّد أصقاعها، حتّى زمن السلاجقة وحملة الصليبيين، بين بدايات القرن الخامس ونهايات القرن السابع الهجريين.
ذاك هو العلّامة الفذّ الباحث والمؤلف والمصنّف المعروف ب «الراغب الأصفهانيّ» .
هو الحسين بن محمّد بن المفضّل، باتفاق جلّ المؤرخين، أو الفضل في بعض النّصوص والروايات.
وذهب السيوطي إلى أن اسمه هو الفضل بن محمّد. وقد اشتهر بلقبه الراغب الأصفهانيّ في المصادر والمراجع القليلة التي عنيت بأخباره وآثاره، كما كنّي بأبي القاسم.
ولعلّ السيوطي في «بغية الوعاة» ، والذهبي في «طبقات المفسّرين» ، في القديم، وبروكلمن في «دائرة المعارف الإسلامية» وجرجي زيدان في «تاريخ آداب اللغة العربية» حديثا، هم الذين ألقوا الضوء على شخصية الراغب ونتاجه مما دفعنا إلى التساؤل عن أسباب إغفال سيرته ودرسه من قبل مؤرخين مرموقين كبار، من أمثال ياقوت وابن العماد
стр. 2
الحنبلي وغيرهما، في الوقت الذي رحبت فيه موساعاتهم أو معاجمهم بأعلام أقلّ منه نباهة وأقصر، في حقل التأليف، باعا.
بسبب هذا الصدوف عن احتضان الراغب الأصفهاني الرجل والعالم، وجدنا أنفسنا نفتقر إلى كثير من الأرقام والأخبار التي من شأنها تحديد المحطّات الهامة في تاريخ حياته، والخطوط الرئيسة من سيرته، بين الولادة وعهد الطلب وعهد الأستاذية، لمعرفة كبار شيوخه وبالتالي تلامذته، وغير ذلك من وقائع تلك الحياة وروابطها الاجتماعية والسياسيّة.
وأيّا كانت طبيعة المعطيات الكامنة وراء افتقادنا آثار أقدام الراغب الأصبهانيّ فوق رمال عصره، فنحن نستطيع أن نرسم صورة لكثير من معالم تلك الأقدام الضائعة في ضوء أحداث القرن الخامس الهجري والإحاطة بظروفه وأحواله على كافة الصعد سياسيا واجتماعيا وفكريا:
لقد شهد عصر الراغب الأصفهانيّ، من الناحية السياسية حدثين كبيرين في فترتين متباعدتين: أما الأول فهو ظهور مملكة السلاجقة في أواسط تركستان والغرب لتشتمل منذ نهاية العقد الثالث من القرن الخامس أي حوالي سنة ٤٣٠ هـ (١٠٣٨ م) على رقعة واسعة من البلدان، من أرض الصين وأفغانستان في شرقي آسيا إلى كردستان والعراق والشام لجهة الغرب.
أما الحدث الثاني الذي أشرنا إليه فهو حملة الصليبيين التي انطلقت من أوروبا غربا إلى بيت المقدس في فلسطين مكتسحة الشام من أعاليها وصولا إلى مصر.
ويتضح للمتأمل في حياة الراغب أنها ظلّلت جميعا بحكم السلاجقة ولكنّها لم تعاصر حرب الصليبيين إلا في السنوات الاثنتي عشرة التي سبقت وفاته، ومعلوم أن الراغب مات سنة ٥٠٢ هـ (١١٠٨ م) ، وأن دولة الصليبيين أرسيت مدامكها الأولى سنة ٤٩٢ هـ (١٠٩٨ م) .
ولئن كان التمهيد لكتاب من آثار الراغب لا يسمح لنا بأن نتبسط في درس ظروف بيئته العامّة والخاصّة إبّان القرن الخامس الهجري، إلا أننا نقف عند بعض الوقائع الكبرى في سياق العصر انطلاقا من بدايات العقد الخامس أي في حدود السنة ٤٤٤ هـ، ولا ندري هل كان الراغب آنذاك قد أبصر نور الحياة أم أن ولادته كانت بعد هذا التاريخ؟
ففي السنة المذكورة كما يذكر الذهبي في تاريخه «١» ذرّت الفتن المذهبية قرنها في بغداد، ولا سيّما في الكرخ، وجرت تصادمات بين فئات متناوئة فكان قتال وحملات ومناوشات وشبّت نيران ووقعت الضحايا من كل فريق.
وفي هذا العام بالذات لم تقتصر الفتن على داخل البلاد بل بدأت الغارات على جهات
стр. 3
شتّى من العراق بين السلاجقة الغزّ وأنصار الغزنويّ. وكان من نتائج هذه الحروب تقدّم الطلائع السلجوقية نحو الحواضر العراقية.
وفي العام ٤٤٠ رافق وفاة أبي العلاء في المعرّة دخول المصريين إلى حلب بعد أن عجز صالح بن مرداس عن الثبات، والبلاد تعاني قحطا وأزمات اجتماعية، كما حصدت الأوبئة في بلاد ما وراء النهر نحو مليون ونصف من أهاليها.
وفي حدود السنة ٤٥٦ بسط السلطان طغرلبك السلجوقي ملكه على العراق بعد بلاد الريّ ونيسابور، وانتصر للشافعيّة، كما حلّ ألب أرسلان من سلاطين سلجوق على هراة وتقدّمت جيوشه إلى أذربيجان كما غزا العديد من حصون الروم قبل عودته إلى أصبهان.
ومن أبرز مظاهر الفكر في سياق حياة الراغب الأصفهاني قيام المدرسة النظامية ببغداد وانتداب مشاهير العلماء للتدريس فيها. ونظامية بغداد، هي التي احتضنت الغزالي يافعا في عهد الطلب وعالما قطبا في عهد الأستاذية.
وفي السياق عينه امتدت الحركة الإسماعيلية إلى الشام واشتد الصراع بينهم وبين السلاجقة بين كرّ وفرّ في العديد من النواحي والمدن، بينما كانت جيوش الفرنج تستولي على مدن الساحل بين طرابلس وبيروت.
وفي السنة التي مات فيها الراغب كان الملك بغدوين يحاصر مدينة صور. وصادف موته موت الإمام أبي حامد الغزالي.
ولئن كان عصر الراغب قاتما في العديد من النواحي العامّة السياسية والإدارية والاجتماعية ولا سيما من حيث اتساع رقعة الفتن الدينية، فهو في جانب آخر كان عصر ازدهار علمي وأدبي، من أبرز معالمهما قيام المدارس النظاميّة ونبوغ عدد كبير من العلماء والباحثين واهتمام الأدباء بالتأليف في شتّى حقول الأدب، وظهور المعاجم التاريخية والجغرافية والأدبيّة.
عاصر الراغب الأصبهاني من الشعراء أبا العلاء المعري (٤٤٩ هـ ١٠٥٧ م) وابن سنان الخفاجي (٤٦٦ هـ ١٠٧٣ م) ، وابن حيوس (٤٧٣ هـ ١٠٨٠ م) من شعراء الشام؛ والطغرائي (٥١٤ هـ ١١٢٠ م) من شعراء العراق وأعالي الجزيرة، وابن الهبارية (٥٠٩ هـ ١١٥ م) وأبو إسحاق الغزاليّ (٥٢٤ هـ ١١٢٩ م) وابن عبدون (٥٢٠ هـ ١١٢٦ م) ، وابن خفاجة من شعراء الأندلس.
ومن معاصريه الذين كانوا أقطاب العلوم اللغوية والأدبية: التبريزي (٥٠٢ هـ ١١٠٨ م) ، والحريري صاحب المقامات (٥١٦ هـ ١٢٢ م) ، وابن الشجري الشريف أبو السعادات (٥٤٢ هـ ١١٤٧ م) ، وعبد القاهر الجرجاني (٤٧١ هـ ١٠٧٨ م) ، والزوزني شارح المعلّقات (٤٨٦ هـ ١٠٩٣ م) ، والميداني صاحب مجمع الأمثال (٥١٨ هـ
стр. 4
١١٢٤ م) ، وأبو القاسم الزمخشري الموسوعي (٥٣٨ هـ ١١٤١ م) صاحب التصانيف البارعة في اللغة والبيان والتفسير والحديث، وغير هؤلاء العشرات من المؤرخين وأرباب اللغة وكبار النحاة في أقطار العالمين العربي والإسلامي، وهو ما لا يتسع هذا المجال لتعدادهم والتنويه بآثارهم ومآثرهم.
كان من الطبيعي أن يتحفنا الراغب الأصفهاني بعدد لا يستهان به من المؤلّفات والتصانيف في العديد من حقول الفكر والأدب، بمؤثّرات شتّى تمخضّت عن التفاعل العميق، بين الأقاليم الإسلامية آنذاك، وهو الامتزاج الذي كان يتجاوز نطاق الإدارة والسياسة إلى ضرب من التلاقي الثقافي النشيط والتكامل الحضاري الدائب، اللذين تمخّض عنهما العدد الهائل من الدراسات والأبحاث والمختصرات، فضلا عن المعاجم، وبالتالي دوائر المعارف والموسوعات.
ليس بعيدا أن يكون الزمن قد أضاع في ثناياه عددا من تآليف الراغب، لأنه إذا فات أقطاب التاريخ الأدبي الالتفات إلى شخصيّته أو حملهم على إهماله باعث من عصبيّة أو ذريعة من حميّة مذهبية أو دينيّة، فليس ببعيد أن تطمس أعماله بجريرة الرغبة في تقليص أثره وحجمه. ولم يكن التأريخ في أي حقبة من الزمن في منأى عن مثل تلك الأهواء والميول والأغراض، المخالفة للتاريخ كعلم، والتي هي من أغلاط المؤرخين التي نبّه إليها العلماء وعلى رأسهم ابن خلدون في مقدّمته الشهيرة.
وفي اعتقادي أن الراغب الذي نسب عند فريق إلى مذهب المعتزلة، قد أجحف حقّه من قبل الدارسين الذين كانوا يرفعون راية السلفيّة ويحاربون ما اعتبروه بدعة في الاجتهاد وحكموا عليه بالبطلان، ولا ينفي ما ذهبنا إليه كون بعض العلماء أمثال الرازي في كتابه «أساس التقديس» قد قال بأن الراغب من المحافظين وأنه كان من أهل السنة.
وبعد جلاء هذه الظاهرة والتنبّه إلى احتمال وقوع الراغب ضحية مغالطات المؤرخين وخروجهم عن أسس الموضوعية والصدق، نشير إلى أنّ ما ذكر من آثار أبي القاسم موضوع هذه التوطئة يمكن إدراجه في جدولين من جداول مفردات التراث الأدبي والديني، عنيت ما هو ملحوظ في باب المخطوطات، وما هو موصوف في باب المطبوعات.
فمن كتبه التي لا تزال مخطوطة:
أ- حلّ متشابهات القرآن.
ب- تحقيق البيان وهو كتاب في اللغة والحكمة «١» .
стр. 5
د- كتاب في الاعتقاد هـ- كتاب في أدب الشطرنج، محفوظ في قاشان، تحت عنوان: [١٧٠/٩٤ L Menzel isl LL] .
أما كتب الراغب المطبوعة، كما وردت في قاموس تراجم «الأعلام» للزركلي، فهي:
أ- الذريعة إلى مكارم الشريعة.
ب- جامع التفاسير.
ج- المفردات في غريب القرآن.
د- تفصيل النشأتين.
هـ- كتاب «محاضرات الأدباء» الذي تجدّد دار الأرقم اليوم طبعته، بعد مرور نحو قرن على نشر مختصره بالقاهرة عام ١٩٠٢، ولنا عودة ثانية إلى هذه المطبوعة.
وبالرجوع إلى ترجمة الراغب في دائرة المعارف الإسلاميّة، يطلعنا بروكلمن على تفاصيل أشمل وأكثر دقّة تتصل بمجموعة هذه المؤلفات، حرصنا على إثبات ما رأيناه ضروريا منها، لمزيد من الإحاطة بعلم الراغب وأدبه. ولهذا نحن نضع بين يدي الباحث الإلماعات التالية:
أ- يعتبر بروكلمن أن طليعة الدراسات التي قام بها الراغب كانت تدور حول تفسير القرآن الكريم وتعاليمه في التهذيب وهي «رسالة منبهة على فوائد القرآن» قيل إن البيضاوي نقل عنها في التفسير المعروف باسمه.
ويرجّح بروكلمن أن الرسالة المذكورة هي عينها التي طبعت بالقاهرة سنة ١٣٢٩ هـ (١٩١١ م) ذيلا لكتاب «تنزيه القرآن عن المطاعن» لعبد الجبّار، وهي كذلك الرسالة التي تعرف باسم «مقدّمة التفسير» .
ب- أما كتاب «مفردات ألفاظ القرآن» فهو من المعاجم التي ترتّب القرآن على حروف الهجاء، ولهذا الكتاب مخطوطات شتّى في استانبول [ (L Le Monde Oriental LL (٧/١٠٦- ١٢٧) ] ، وفي بنكيبور برمز L Cat LL (١٨/١٤٨٤) . وهذا الكتاب مطبوع في القاهرة سنة ١٣٢٢ هـ (١٩٠٧ م) بعنوان «مفردات في غريب القرآن» ، على هامش كتاب ابن الأثير المعروف باسم «النهاية» .
ويشير إلى بروكلمن إلى أن الراغب أشار في مقدمة كتابه هذا إلى كتاب آخر كان يخطط له بعنوان: «في مترادفات القرآن» .
ج- ويفهم من سياق ترجمة الراغب في دائرة المعارف الإسلامية أن كتاب «الذريعة إلى مكارم الشريعة هو المعنيّ بكتاب الراغب الكبير في الأخلاق وأنه لنفاسته وأهمية مضامينه، كان الإمام أبو حامد الغزالي «يحمل دائما نسخة» منه. ولهذا الكتاب مخطوطات
стр. 6
محفوظة في المتحف البريطاني وفي مكتبة استانبول «١» ، فضلا عن طبعته الصادرة في القاهرة ١٢٩٩ هـ (١٨٨٢ م) .
د- ويعتقد بروكلمن أن كتاب «تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين» - الذي طبعه طاهر الجزائري في القاهرة، نقلا عن مخطوظ بيت المقدس الموجود في المكتبة الخالدية (تحت رقم ٧٢) ، مماثل في موضوعه، وبالتالي غير بعيد في مضمونه عن الكتاب أعلاه، وهو الذريعة إلى مكارم الشريعة.
وتبقى لنا إلمامة وافية بكتاب الراغب الذي نقدّم له وهو «محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء» .
كان الراغب الأصفهاني، مثقفا متوازن الأبعاد الثقافية والفكريّة، وكانت شخصيته كمؤلف ذات مرتكزات ثلاثة فهو في الآن نفسه الفقيه والمتكلّم والأديب. ولهذا خاض في مسائل الشريعة والعقيدة والأخلاق، ومزج الأدلة الدينيّة بالأدلة العقلية وكتابه «تحقيق البيان» المنوّه به في مقدّمة «كتاب الشريعة» كما يقول بروكلمن يعتبر كتابا في اللغة والكتابة والأخلاق والعقائد والفلسفة وعلوم الأوائل.
إلا أن أهم أثر للراغب الذي من شأنه الكشف عن شخصية الأديب الناقد فهو كتابه «محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء» وهو أشبه بالكتاب الموسوعي الغنيّ بالشفافيّة الأدبيّة والذوق الشعري، وروح الكاتب الذي يجيد أساليب التصنيف وطرق العرض والتبويب، والذي لا تحوجه المنهجيّة العلميّة ولا أداة التقسيم المنطقي؛ يستمدها- ولا ريب- من زاد معرفي واسع، وإلمام بمصادر شتّى أدبيّة وفلسفيّة.
وخير دليل على هذه المقولة ما أورده الراغب نفسه في مقدّمة كتابه ذاكرا أنه استجاب في وضعه لرغبة من ينعته بقوله: «سيّدنا» ، دونما تحديد أو تركيز أو وصف. ولا نستيطع نحن التكهن بصاحب السيادة الذي أحبّ أن يختار له الراغب هذه الفصول «في محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء» من «نكت الأخبار وعيون الأشعار» ، ليغدو الكتاب «صيقل الفهم ومادة العلم» .
والدّارس للمقدمة التي صدّر بها الراغب كتابه، والمتأمل في أبواب الكتاب وفصوله والتي استعاض فيها عن التقسيم المألوف بمصطلح «الحدّ» ، فجعل كتابه «خمسا وعشرين حدا» جامعة لمسائل العقل والعلم والجهل والسيادة والعدل والأخلاق والقرابة وأنواع المروءات والعرفان والعقوق، انطلاقا إلى الصناعات ومسائل الإيمان ومرابع العطاء والجود،
стр. 7
وما يدور في فلكها من الكلام على الأطعمة والمشارب، تخلصا إلى الندماء ومجالس اللهو والغناء، انعطافا إلى مراتع الوجدان في دائرة الغزل والهوى والعشق، دون أن يسقط من ثنايا كتابه فضيلة الشجاعة وما كان يدور في فلكها من مواقف الحرب والصلح والثأر ودفع الديات عند العرب، معرّجا إلى موضوع الزواج وحيثيّاته وسياسة الرجل المرأة ومسائل الغيرة والطلاق.
ويستكمل الراغب فيما تبقى من هاتيك الحدود كلّ ما يمسّ واقع الإنسان في بيته وديانته فيتحدث عن الرياش والملابس والعبادات ويخوض في مسائل العقيدة فيشتمل عرضه على قضايا الإيمان والزهد والتصوف والنبوّة مرورا بالإسلام والقرآن وأسباب التنزيل.
ويتبع شؤون الحياة بالكلام على الموت، ويجول عبر الزمان والمكان فيلوّن كتابه بزخارف شيّقة تنساب عبر فصول الطبيعة ونباتها وأزاهرها وحيوانها من وحش وطير وهوام، ثم تراه يذهب بعيدا فيحدث عن الأفلاك والنجوم والسحب انتهاء إلى جملة من النوادر والحكم.
فكتاب «المحاضرات» وجه يكاد يكون فريدا في بابه بين كتب الطرائف والحكايات، لأنه يمتاز بالشمولية والعمق وتلفّه روح العلم وتهيمن عليه هواطل من معطيات الوجدان والعقل. إنّه بحقّ سفر جامع بين الجدّ واللهو والأخبار والملح الأدبية وكأن الراغب يحدّد به صفات النديم وثقافته إذ يقول:
«ومن لا يتحلّى في مجلس اللهو إلا بمعرفة اللغة والنحو كان من الحصر صورة ممثلة أو بهيمة مهملة. ومن لا يتتبع طرفا من الفضائل المخلدة على ألسنة الأوائل كان ناقص العقل. فالعقل نوعان: مطبوع ومسموع، ولا يصح أحدهما إلا بالآخر» .
وكأني بكتاب المحاضرات كما أراده الراغب، قمة أدب المؤانسة والمجالسة حتى عصره وفي ضوئه وضع شهاب الدين الأبشيهي كتابه «المستطرف في كل فن مستظرف» وفي بابه نجد «طرف الألباب وتحف الأحباب» لليافعي و «طرف المجالسة وملح المؤانسة» لابن المرابط وعشرات التصانيف المماثلة.
والكتاب فضلا عمّا تقدّم معرض فكري شيّق لم يدع مفردة من مفردات الواقع الإنساني، إلا تتبعه في دواوين الشعراء وكتب الأمثال وخواطر الحكماء والأدباء، وهو يتميّز بالطلاوة والإيجاز والبعد عن الهذر، مع أمانة في العرض، وروح واقعية، تجعله في منأى عن أي إسفاف أو تبذل، وبعيدا أيضا عن التلفيق أو التصنع فهو لا يتستر على عيب، ولا يتردد في سوق الشواهد على ما فيها أحيانا من الركة أو السخرية أو الابتذال والبذاءة، ما دامت ترمي إلى الإمتاع والمصارحة والمكاشفة.
стр. 8
إن كل إسهاب في وصف مضامين كل حدّ من ماهيات تلك الفصول يصبح ضربا من اللغو والإطالة الباعثة على الإملال، ما دام الكتاب بين أيدينا وهو خير مترجم عن أدب صاحبه وأسلوبه وذائقته الفنيّة وعلو كعبه في العلوم والآداب والخبرة في طبائع الإنسان وملكاته وما فيه من الكياسة والظرف والملاحظة النفسيّة.
إن النسخة التي انطلقنا منها في تحقيق جزئي هذا الكتاب ترتقي إلى العام ١٣٢٦ هـ (١٩٠٨ م) ، وقد تكبّدنا في قراءتها وتصويبها والتغلّب على عثرات الطبع فيها- وهنات الطباعة القديمة وإهمال الضوابط على اختلافها- الكثير من العناء، وإلى درجة الإعياء، وبالرغم من المثابرة والمصابرة والرجوع إلى عشرات المصادر الخاصّة بالشعر لتذليل مواطن الإبهام والغموض المتفشيّة في نسخة الكتاب، لا يسعنا مع ذلك، إلا الاعتذار عمّا يكون قد فاتنا من تقصير أو ضبط أو تحديد لبعض العبارات والشواهد. وفيما خلا ما تقدّم يبقى كتاب المحاضرات في حلّته الجديدة- وإخراجه وطريقة عرضه وتقسيم كل حدّ من حدوده وإبراز مقاطع كل منها وعناوينها. تجعل منه- ملاذ كلّ قارىء محبّ للأدب ومتذوّق لفنون القول وضروب الكلم وأغراضه.
إنّ هذا الكتاب الموسوعة، هو بحق نزهة للعقل والقلب على السواء وزاد لا ينضب من علم الأوّلين وأشعارهم وحكمهم وأمثالهم ومعارفهم.
ولئن كانت ألف ليلة وليلة إحدى قمم السرد الشيّق والحكايات الطريفة الجامعة بين الواقع والخيال فكتاب الراغب- «المحاضرات» - رحلة مماثلة ولكنها في عالم الوعي والحقائق والأمثولات والعبر، فهو يضع بين يدينا الأشياء وأضدادها والفكر ونقائضها، ويترك لنا البحث عمّا هو أكثر صدقا وواقعية.
لعلّ أمثل ما نقوله في ختام هذا التصدير لتبرير عدم ترددنا عن إحياء قديم التراث الذي يظلّ قادرا على مواكبة الحداثة بما فيه من الإبداع والأصالة على ما في هذه الرسالة من صعاب كلمة العماد الأصفهاني إذ يقول: رأيت إنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا قال في غده: لو غيّر هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن ولو قدم هذا لكان أفضل ولو ترك هذا لكان أجمل وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر.
إن الكمال لله وحده، وحسب المرء أن يكون صادقا فيما يعمل وفي هذا كلّ الرضى والعزاء، لأن العطاء مشفوعا بالطموح إلى الأفضل، أجدى من النكوص مع التزمّت، وهذا هو معيار الارتقاء الحقيقيّ، ولله الحمد وعليه التّكلان.
بيروت في: ١٨/٢/١٩٩٩ م ٢/١٠/١٤١٩ هـ
стр. 9
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فاتحة الكتاب
بقلم: الراغب الأصفهاني قال الشيخ أبو القاسم الحسين بن محمّد المفضّل الراغب، رحمه الله تعالى:
الحمد لله الذي تقصر «١» الأقطار أن تحويه، وتعجز الأستار أن تخفيه، حمدا يقتضي تضاعف نعمائه «٢» ويمتري ترادف آلائه «٣» .
وصلّى الله على من أوضح به الإعلام، وشرع بلسانه الإسلام، منار الهدى وخيار الورى «٤» .
وبعد: فإن سيّدنا- عمّر الله بمكانه مرابع الكرم، ومجامع النّعم-، أحبّ أن أختار له ممّا صنّفت من نكت «٥» الأخبار، ومن عيون الأشعار، ومن غيرهما من الكتب، فصولا في محاضرات الأدباء، ومحاورات الشّعراء والبلغاء، يجعله صيقل الفهم «٦» ومادة العلم.
ففعلت ذلك إيجابا له إذ قد جعل مراعاة الأدب شعاره ودثاره «٧» ، ومحاماة الفضل إيثاره «٨» واختياره، وجعل زمام حسبه بكفّ أدبه، وسلك في زماننا طريقا قلّ سالكوه- طرق العلاء قليلة الإيناس «٩» .
.
стр. 10
وقد ضمّنت ذلك طرفا من الأبيات الرائقة، والأخبار الشائقة، وأوردت فيه، ما إذا قيس بمعناه:
يكون منه مكان الروح من جسد ... والبدر من فلك والنجم من قطب
فإنه ظرف «١» ملىء طرفا «٢» ، ووعاء حشي «٣» جدا وسخفا، من شاء وجد منه ناسكا «٤» يعظه ويبيكه، ومن شاء صادف منه فاتكا «٥» يضحكه ويلهيه:
فالجدّ والهزل في توشيح لحمتها ... والنبل والسّخف والأشجان والطرب
وأعوذ بالله أن أكون ممّن مدح نفسه وزكّاها «٦» ، فعابها بذلك وهجاها، وممّن أزرى «٧» بعقله، لإعجابه بفعله، فقد قيل لا يزال المرء في فسحة من عقله، ما لم يقل شعرا أو يصنف كتابا.
وأولى من يصرف همّته إلى مراعاة مثل هذا الكتاب، من تحلّى بطرف من الآداب، فيصير به طليق اللسان، ذليق البيان «٨» ، فكم من أديب تتقاعد بداهة المقال «٩» ، في كثير من الأحوال، فلا يجد من فهمه مساعفة «١٠» ، ولا من علمه مكاتفة «١١» ، فيرى في العيّ مثل باقل «١٢» ، وإن كان في الغزارة سحبان وائل «١٣» .
وقد قيل: خير الفقه ما حاضرت به، ومن لا يتحلّى في مجلس اللهو، إلا بمعرفة
стр. 11
اللغة والنّحو، كان من الحصر «١» صورة مثيلة، أو بهيمة مهملة. ومن لا يتتبع طرفا من الفضائل، المخلّدة عن ألسنة الأوائل، كان ناقص العقل.
فالعقل نوعان: مطبوع ومسموع، ولا يصلح أحدهما إلا بالآخر. وقد تحرّيت فيما أخرجته من كلّ باب غاية الاختصار والاقتصار، وأعفيته من الإكثار والإهذار «٢» ، لئلا تعاف ممارسته ومدارسته، لكن عظم هذا الكتاب بعض العظم، لكثرة فصوله وتحقيق تفاصيله.
وقد جعلت ذلك حدودا وفصولا وأبوابا. وذكرت جملة الحدود والفصول في أوّل الكتاب، ليسهل طلب كل معنى في مكانه. ووضعت كلّ نكتة في الباب الذي هو أليق بها، وإن كان كثير من ذلك يصلح استعماله في أمكنة سهّل الله علينا ما يحمد عقباه «٣» ، ووفّقنا في جميع أمورنا لما يرضاه، وجعل خير أعمالنا ما قرب من آجالنا، إنه عليم قدير. نعم المولى ونعم المصير.
الحدّ الأول: في العقل والعلم والجهل، وما يتعلّق بها.
الأول: العقل والحمق وذمّ اتباع الهوى «٤» .
الثاني: الحزم والعزم وما يضادّهما، والظنّ والشكّ والتثبّت «٥» ، والعجلة.
الثالث: المشاورة والاستبداد بالرأي.
الرابع: العلم والعلماء مدحا وذما، والحفظ والنسيان.
الخامس: التعليم والتعلّم، وما يتعلق بهما.
السادس: البلاغة «٦» وما يضادّها.
السابع: النطق والسماع والمقال والسكوت.
الثامن: المذاكرة والمجادلة «٧» .
التاسع: الشّعر والشّعراء.
стр. 12
العاشر: الكتابة والكتّاب.
الحادي عشر: التصحيفات «١» .
الثاني عشر: آلات الكتابة.
الثالث عشر: الصّدق والكذب.
الرابع عشر: السرّ.
الخامس عشر: النّصح.
السادس عشر: المواعظة والمتّعظون، والآمرون بالمعروف، والقصّاص والمفتون.
السابع عشر: الخطباء وقرّاء القرآن.
الثامن عشر: الفراسة «٢» والقيافة «٣» .
التاسع عشر: تأويل الرؤيا «٤» .
العشرون: جمل علوم الأمم ورموز العرب.
الحدّ الثاني: في السّيادة وذويها وأتباعها:
الأول: السيادة والولاية.
الثاني: أحوال أتباع السلاطين.
الثالث: القضاء «٥» والشهادة.
الرابع: الحجاب والحجّاب والغلمان.
الحدّ الثالث: في الإنصاف والظّلم، والحلم، والعفو، والعقاب، والعداوة، والحسد، والتّواضع والتكبّر:
الأول: الإنصاف والظّلم.
الثاني: مدح الحلم وكظم «٦» الغيظ، والرحمة والعفو، والاستغفار والاعتذار.
стр. 13
الثالث: ذمّ الحلم ومدح العقاب.
الرابع: العداوات.
الخامس: الحسد.
السادس: التّواضع والتكبّر.
الحدّ الرابع: في النّصرة والأخلاق، والمزح والحياء، والأمانة والخيانة، والرفعة والنذالة الأول: الجوار والنّصرة.
الثاني: الأخلاق الحسنة والقبيحة.
الثالث: المزح والضّحك حمدا وذمّا.
الرابع: الحياء «١» والوقاحة.
الخامس: الأمانة والخيانة السادس: المسابقة إلى المعالي، والرفعة والمجد.
السابع: النّذالة والتأخّر عن المكارم والمثالب «٢» ، وصيانة النّفس والفتوّة والمروءة.
الحدّ الخامس: في ذكر الأبوّة والبنوّة ومدحهما وذمّهما والأقارب الأول: البنون والبنات.
الثاني: ممادح «٣» الأبوة ومذامها ووصف القبائل.
الثالث: الدعوة.
الرابع: الأقارب.
الحدّ السادس: في الشكر والمدح والذم والاغتياب والأدعية والتهنئة والهدية الأول: في الشّكر.
الثاني: المدح ومستحقّوه، والهجو وذووه.
стр. 14
الثالث: الغيبة «١» والنميمة «٢» .
الرابع: التحيّة والأدعية والتّهنئة.
الخامس: الدّعاء على الإنسان.
السادس: الهدايا.
السابع: الطبّ والمرض والعيادة «٣» .
الحدّ السابع: في الهمم والجدّ والآمال الأول: الهمم «٤» الرفيعة والوضيعة.
الثاني: الجدّ.
الثالث: الأماني والآمال.
الحدّ الثامن: في الصّناعات والمكاسب، والتقلّب والغنى والفقر.
الأول: الحرفة «٥» .
الثاني: المبايعة.
الثالث: الدّين ومتعلّقاته.
الرابع: الإيمان.
الخامس: الاكتساب والإنفاق.
السادس: مدح الغنى وذمّ الفقر.
السابع: الزهد ومدح الفقر وذمّ الغنى.
الحدّ التاسع: في العطاء والاستعطاء «٦» الأول: قصد أولي الأفضال.
الثاني: السّؤال.
الثالث: الوعد والإنجاز والمطل «٧» .
стр. 15
الرابع: الشّفاعات.
الخامس: البخل بالأموال.
الحدّ العاشر: في الأطعمة والأكلة «١» ، والقرى «٢» وأوصاف الأطعمة الأول: ما جاء في أوصاف الأطعمة.
الثاني: أحوال الأكل والأكلة والتطفّل «٣» .
الثالث: الدّعاء إلى الدعوات.
الرابع: الأجواد بالقرى.
الخامس: في الجود والأجواد.
السادس: البخلاء بالقرى.
الحدّ الحادي عشر: في الشرب والشّراب وأحوالهما وآلاتهما الأول: الشّرب والشّراب.
الثاني: الندام والنّدماء «٤» والسقاة..
الثالث: وصف المجالس وأمكنة الشّرب.
الرابع: آلات الشرب والمجالس.
الخامس: الغناء والمغنّون والملاهي.
السادس: آلات الملاهي.
السابع: آلات القمر.
الحدّ الثاني عشر: في الإخوانيات الأول: الإخوان وأحوالهم.
الثاني: محبّة المعاشرين.
الثالث: الزيارة والمزور.
الحدّ الثالث عشر: الغزل ومتعلقاته الأول: أوصاف الهوى وأحوال العشّاق.
стр. 16
الثاني: التذكّر.
الثالث: التّوديع والفراق.
الرابع: الهجران.
الخامس: البكا ووصف الدّموع.
السادس: الشّوق والحنين «١» .
السابع: السهر وطول الأزمنة.
الثامن: الوشاية «٢» والعذل «٣» .
التاسع: ستر الهوى وكشفه.
العاشر: معاشرة الحبيب ومكاتبته.
الحادي عشر: مزاورة المحبوب وملاقاته، والنّظر إليه والأمنية فيه.
الثاني عشر: الطّيف «٤» .
الثالث عشر: السلوّ «٥» .
الرابع عشر: فنون مختلفة من الغزل.
الحدّ الرابع عشر: الشجاعة وما يتعلق بها الأول: الشجعان وأحوالهم.
الثاني: التهدّد «٦» .
الثالث: الأسلحة والمتسلحة.
الرابع: طلب الثأر والدّية «٧» .
الخامس: التحذير من الحرب وطلب الصلح.
السادس: الهزيمة.
السابع: التلصص «٨» .
الثامن: الحبس والقيد والضّرب ونحوها.
стр. 17
الحدّ الخامس عشر: في التزوج والأزواج، والطّلاق والعفّة والتديّث «١» الأول: النكاح والطّلاق، وأحوال الأزواج وسياستهنّ.
الثاني: العفّة.
الثالث: الغيرة والتّديّث.
الحدّ السادس عشر: في المجونات «٢» والسخف «٣» الأول: الإجازة واللواطة «٤» .
الثاني: الأبنة «٥» والتخنّث «٦» والدبيب «٧» والقيادة «٨» .
الثالث: ذكر السوءتين «٩» والجماع «١٠» .
الرابع: السحق «١١» والدّلك «١٢» .
الخامس: الضراط والفسو.
стр. 18
الحدّ السابع عشر: خلق الناس وأسماؤهم الأول: خلقة «١» الإنسان مستحسنها ومستقبحها.
الثاني: محاسن المحبوب.
الثالث: مقابح خلق النّسوة.
الرابع: الشّيب والشباب وذكر المعمّرين «٢» .
الخامس: الأسامي والكنى والألقاب «٣» .
الحدّ الثامن عشر: في الملابس والفرش الأول: الملابس وذووها.
الثاني: البسط والفرش وآلات المنزل.
الحدّ التاسع عشر: في ذمّ الدنيا، وانكشاف النّوب الأول: ذمّ الدنيا ونوبها «٤» .
الثاني: انكشاف «٥» الشدائد.
الحدّ العشرون: في الدّيانات والعبادات الأول: الوحدانية والتّقوى، والإيمان والتوبة، والورع «٦» والتصوّف «٧» ومتعلّقاتها.
الثاني: المذاهب «٨» المختلفة.
стр. 19
الثالث: الأنبياء والمتنبئون «١» .
الرابع: أحوال القرآن ونزوله وفضيلته.
الخامس: العبادات من الطهارة والصّلاة والزّكاة والصوم والحجّ.
السادس: الأدعية.
الحدّ الحادي والعشرون: في الموت وأحواله الأول: الموت وأحواله.
الثاني: الغموم والصبر والتّعازي والمراثي.
الحدّ الثاني والعشرون: الأسماء والأزمنة والأمكنة والمياه والأشجار والنيران الأول: الملوان والسماء والنجوم.
الثاني: الأزمنة والسّحاب والأمطار والمياه، وما يتعلّق بذلك.
الثالث: الربيع والخريف والأزهار والأشجار والنّبات.
الرابع: الأمكنة والأبنية.
الخامس: المفاوز «٢» .
السادس: السّفر.
السابع: الحنين إلى الأوطان.
الثامن: النّيران.
الحدّ الثالث والعشرون: الملائكة والجنّ الأول: الملك «٣» .
الثاني: إبليس والجن والشياطين.
الحدّ الرابع والعشرون: في الحيوانات الأول: الخيل والبغال والحمير.
стр. 20
الثاني: النّعم «١» .
الثالث: الوحشيات «٢» .
الرابع: الطّيور.
الخامس: الهوام «٣» .
الحدّ الخامس والعشرون: في فنون مختلفة وهو آخر الحدود وإذ قد أتينا على ذكر الحدود والأنواع فلنبدأ، مستعينين بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم.
стр. 21
الحدّ الأوّل في العقل والعلم والجهل وما يتعلّق بها
(١) فيما جاء في العقل والحمق «١» وذمّ اتباع الهوى
ما يحدّ به العقل وبنوه والحمق وذووه
قيل: العقل الوقوف عند مقادير الأشياء قولا وفعلا وقيل النظر في العواقب وقال المتكلّمون اسم لعلوم إذا حصلت للإنسان صحّ تكليفه.
وقيل: العاقل من له رقيب على جميع شهواته. وقيل: من عقل نفسه عن المحارم، ولذلك لم يصح وصف الله تعالى به.
والحمق قلّة الإصابة ووضع الكلام في غير موضعه، وقيل: فقدان ما يحمد من العاقل.
مدح العقل وذمّ الحمق
قال النبي ﷺ : ما اكتسب ابن آدم أفضل من عقل يهديه إلى هدى، أو يرده عن ردى.
وقيل: الحمق يسلب السلامة ويورث الندامة والعقل وزير رشيد وظهير سعيد، من أطاعه أنجاه، ومن عصاه أرداه.
وقيل: لو صوّر العقل لأضاء معه الليل ولو صوّر لأظلم معه النهار.
وقال المتنبّي:
لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان
حاجة الفضائل إلى العقل
قيل: العقل بلا أدب فقر، والأدب بغير عقل حتف. وقيل: بلوغ شرف المنزلة بغير عقل أشفاء على الهلكة. وقيل: من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه، كان حتفه في أغلب خصال الخير عليه.
стр. 22
ذمّ من له أدب بلا عقل
وصف أعرابيّ رجلا، فقال: هو ذو أدب وافر وعقل نافر:
فهبك أخا الآداب أيّ فضيلة ... تكون لذي علم وليس له عقل
وقيل: ازدياد الأدب عند الأحمق، كازدياد الماء العذب في أصول الحنظل، كلّما ازداد ريا ازداد مرارة.
حاجة العقل إلى الأدب
عاقل بلا أدب كشجاع بلا سلاح. العقل والأدب كالروح، والجسد بغير روح صورة، والروح بغير جسد ريح.
وقيل: العقل بغير أدب كأرض طيّبة خربة، وأن العقل يحتاج إلى مادة الحكمة، كما تحتاج الأبدان إلى قوتها من الطعام.
ضياع العقل بفقد التقوى
قيل: كان رسول الله ﷺ إذا بلغه عن إنسان عبادة، قال: كيف عقله؟ فإن قالوا عاقل، قال: ما أخلقه أن يبلغ؛ وإن قالوا ليس بعاقل، قال: ما أخلقه أن لا يبلغ.
وقال الحسين: ثلاثة تذهب ضياعا: دين بلا عقل، ومال بلا بذل، وعشق بلا وصال. وقيل: لا تعتدّوا بعبادة من ليس له عقدة من عقل.
فضل اجتماعهما
قال معاوية، لرجل حكيم مسنّ: أيّ شيء أحسن؟ فقال: عقل طلب به مروءة، مع تقوى الله وطلب الآخرة.
عزّة العقل
كل شيء إذا كثر رخص إلا العقل فإنه كلما كثر كان أغلى. ولو بيع لما اشتراه إلا العاقل لمعرفته بفضله. أوّل شرف العقل أنه لا يشترى بالمال.
قلّة العقل وذويه
قيل لبهلول: عدّ لنا المجانين، فقال: هذا يطول، ولكنّي أعد العقلاء. ومثله وإن لم يكن من بابه- أن رجلا كتب كتابا وعرضه على آخر، فقال: فيه خطأ كثير، فقال الكاتب: علّم على الخطأ لأصلحه، فقال: بل أعلّم على الصواب فهو أسهل.
وقيل لرجل: ما جماع العقل؟ فقال: ما رأيته مجتمعا في أحد فأصفه وما لا يوجد كاملا لا يحدّ.
стр. 23
فضل مصاحبة العقلاء
قال الزهري: إذا أنكرت عقلك، فاقدحه بعاقل.
وقال: عدوك ذو العقل أبقى عليك، وأرعى من الوامق «١» الأحمق.
تبرّم العقلاء بصحبة الجهّال
قيل: العاقل بخشونة العيش مع العقلاء أسرّ منه بلين العيش مع السّفهاء وقيل: قطيعة الجاهل تعدل صحبة العاقل:
لم يبل ذو الجهل الذي ... دارت عليه صروف دهره
ببليّة أشجى له ... من جاهل يزري بقدره «٢»
يمضي حكومته عليه ... بجهله وجواز أمره
النّهي عن مصاحبة الجاهل
قال لقمان: لا تعاشر الأحمق وإن كان ذا جمال؛ وانظر إلى السيف ما أحسن منظره.
وقال الجاحظ: لا تجالس الحمقى، فإنه يعلق بك من مجالستهم من الفساد، ما لا يعلق بك من مجالسة العقلاء دهرا، من الصّلاح. فإنّ الفساد أشد التحاما بالطّباع.
وقيل: العاقل يضلّ عقله بمصاحبة الجاهل.
استعمال العقل والجهل مع ذويهما
قيل: العاقل يعامل الإنسان على خليقته، ويجاري الزمان على طريقته:
فكن أكيس الكيسى إذا كنت فيهم ... وإن كنت في الحمقى فكن مثل أحمق «٣»
وقال آخر:
أحامقه حتّى يقال سجيّة ... ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله «٤»
ذمّ عاقل متجاهل
قيل: عظمت المؤنة «٥» في عاقل متجاهل، وجاهل متعاقل. وددت أني مثلك في ظنّك، وأن أعدائي مثلك في الحقيقة.
قال المتنبيّ:
ومن ذا الذي يدري بما فيه من جهل ... يرى النّاس ضلالا وليس بمهتد
стр. 24
صعوبة مداواة الأحمق
لكلّ داء دواء يستطبّ به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها «١»
وقال المتنبيّ:
ومن البليّة عذل من لا يرعوي ... عن جهله وخطاب من لا يفهم «٢»
روي أن عيسى ﵊، أتى بأحمق ليداويه، فقال: أعياني مداواة الأحمق ولم يعيني مداواة الأكمه «٣» والأبرص «٤» .
وقال الحجّاج: أنا للعاقل المدبّر أرجى منّي للجاهل المقبل.
وقيل: أنك تحفظ الأحمق من كل شيء إلا من نفسه، وتداويه إلا من حمقه.
تعب العاقل واستراحة الجاهل
قيل لحكيم: من أنعم الناس عيشا؟ فقال: من كفى أمر دينه، ولم يهتم لأمر آخرته.
قال أبو علي كاتب بكر:
من رزق الحمق فذو نعمة ... آثارها واضحة ظاهره
يحطّ ثقل المرء عن نفسه ... والفكر في الدنيا وفي الآخره
وقال آخر (المتنبّي) :
ذو العقل يشقى في النّعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشّقاوة ينعم
موصوف بالعقل
كان ابن المقفع والخليل «٥» يحبّان أن يجتمعا. فاتفق التقاؤهما، فاجتمعا ثلاثة أيام يتحاوران. فقيل لابن المقفع: كيف رأيته؟ فقال: وجدت رجلا عقله زائد على علمه.
وسئل الخليل عنه، فقال: وجدت رجلا علمه فوق عقله.
قال بعض العلماء: صدقا فإن الخليل مات حتف أنفه في خص «٦» وهو أزهد خلق الله، وتعاطى ابن المقفع ما كان مستغنيا عنه حتى قتل أسوأ قتلة.
قال الصنوبري:
فإن يلتمس يوما حجاكم فإنّكم ... جبال الحجا لكنّكم أبحر الجدوى «٧»
стр. 25
وقال آخر:
فإن يك حائلا لوني فإنّي ... لعقل غير ذي سقط وعاء «١»
موصوف بالحماقة والجهل
سئل أعرابي عن رجل، فقال: لو كان في بني إسرائيل ووقعت قصة البقرة ما ذبحوا غيره.
وقيل: فلان ليس له من عقله فاه ولا من نفسه واعظ. وقيل: أحمق من دغة ومن رخمة «٢» وفي الرخمة: إنك من طير الله فانطقي، يقال ذلك كناية عن الحمق خامري أم عامر.
وقيل: ليس مع فلان من العقل إلا ما يوجب حجة الله عليه إذا أمر به إلى النار.
وقيل: فلان مخدوع من عقله فلا تستعن به:
ليس يدري من الجهالة ماذا ... دور البعر في بطون الجمال
وقال آخر:
ربّ ما أبين التباين فيه ... منزل عامر وعقل خراب
وإذا قيل: فلان سليم الصدر، أو جامح في المسجد أو هو من أهل الجنة، فهو كناية عن الحمق.
تفضيل الجدّ «٣» على العقل
قيل: استأذن العقل على الجدّ، فلم يأذن له، وقال: أنك تحتاج إليّ وأنا لا أحتاج إليك. وافتخر العقل، فقال له الجدّ: أمسك فما لك نفاذ «٤» ما لم أصحبك. وقيل لأعرابي: فلان أحمق مرزوق، فقال هذا هو الرجل الكامل. قال:
وهيهات الحظوظ من العقول
قال آخر:
وما لبّ اللبيب بغير حظّ ... بأغنى في المعيشة من فتيل «٥»
стр. 26
صعوبة اجتماع العقل والجدّ
قيل: من زيد في عقله نقص من حظّه. وما جعل الله لأحد عقلا وافرا إلا احتسب عليه من رزقه. وقال شاعر في المعنى:
وخصلة ليس فيها من يخالفني ... الرزق والجهل مقرونان في قرن «١»
كون الجدّ من جملة العقل
روى في الخبر، أن الله تعالى إذا أراد أن يزيل نعمة عبد، فأوّل ما يسلب منه عقله.
وفي كتاب كليلة السبب المانع. حظّ العاقل، هو السبب لحظّ الجاهل.
وسئل بعضهم العقل أفضل أم الجدّ؟ فقال: العقل من جملة الجدّ.
موصوف بالجنون
وكأنّه من دير هرقل مفلت ... جرد يجرّ سلاسل الأقياد «٢»
قال آخر:
به ما شئت من حمق ... ومن جهل ومن هوج «٣»
قال آخر:
به طائف من جنّة غير معقب
قال آخر:
كأنّه من شهود الجنّ محتضر ... وقد رأى عقله منه على سفر
ويقال: فلان سمين الجهل مهزول العقل.
كون الهوى غالبا للهدى
قال عامر بن الظرب: الرأي نائم والهوى يقظان فإذا هوي العبد شيئا نسي الله، ثم تلا قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
«٤» .
- العقل صديق مقطوع والهوى عدوّ متبوع.
- كم من عقل أسير في يدي هوى أمير.
стр. 27
وقيل: الهوى شريك العمى واتباع الهوى أوكد أسباب الردى. قال منصور الفقيه:
إنّ المرآة لا تريك ... خدوش وجهك في صداها
وكذاك نفسك لا تريك ... عيوب نفسك في هواها
النهي عن اتّباع الهوى
قال الله تعالى: وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
«١» .
وقال النبي ﷺ : اعص هواك والنساء، وأطع من شئت.
وقيل للناس: في قصة يوسف ﵊ آيات أعظمها قوله تعالى: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
«٢» وقال بعض الحكماء: إذا اشتبه عليك أمران فانظر أيهما أقرب من هواك مخالفة فالصواب في مخالفة الهوى.
قال:
من أجاب الهوى إلى كلّ ما يد ... عو إليه داعيه ضلّ وتاها
النهي عن اتّباع هوى غيرك
قال الله تعالى: وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ
«٣» .
وقال: وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
«٤» . وقال: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ
«٥» . وقال بعضهم لرجل: أني أهوى أن تقتل فلانا، فقال له: إني لا أدخل النار في هوى غيري وإن كنت أدخلها في هواي.
ذمّ من اتبع هواه
قال الله تعالى: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ
«٦» .
وقال النبيّ ﷺ : ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه.
وقيل: اتباع الهوى أوكد أسباب الردى.
ووقّع «٧» عبد الله بن طاهر إلى عامل له:
نفسك قد أعطيتها مناها ... فاغرة نحو مناها فاها «٨»
стр. 28
وقيل: إن قدمت هواك على عقلك لم تصب رشدا في حياتك، ولا أمنا بعد وفاتك. وأنشد:
إنّ الهوان هو الهوى جزم اسمه ... فإذا ألقيت هوى لقيت هوانا «١»
حمد مخالفته
قال الله تعالى: وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى
«٢» .
وبعث ملك إلى عابد مالك لا تخدمني وأنت عبدي. فقال: لو اعتبرت لعلمت أنك عبد عبدي. قال: كيف؟ قال: لأنك تتبع الهوى فأنت عبده وأنا أملكه فهو عبدي. فقال: صدقت.
وقيل: سلطان من ملك الهوى فوق سلطان من ملك الدنيا.
ذمّ من يجهل نفسه
قال أبو علي الورّاق: آفة الناس قلّة معرفتهم بقدر أنفسهم.
قيل لبزرجمهر: أيّ العيوب أعظم؟
قال: قلّة معرفة المرء بنفسه.
وقال المتنبّي:
ومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما لا يرى
وقال سقراط: لا شيء أضرّ بالإنسان من رضاه عن نفسه، فإنه إذا رضي عنها اكتفى باليسير فعابه كل خطير.
مدح من يعرفها
قال أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه: لن يهلك امرؤ عرف قدره. وقيل: أجمع كلمة قول الحكيم: أفضل العقل معرفة المرء بنفسه.
وقال النبي ﷺ : من أراد الله به خيرا فقّهه في الدين وعرّفه عيوب نفسه.
وقيل في قوله تعالى: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا
«٣» : معناه عرّفناهم عيوب أنفسهم.
وقوف المرء على عيب نفسه
قيل: لحكيم ما أصعب الأشياء؟ قال: معرفة الإنسان عيب نفسه، والإمساك عن الكلام في ما لا يعنيه.
وقيل: قد يعرف نقص غيره من لا يعرف نقص نفسه، ولا يعرف نقص نفسه من لا
стр. 29
يعرف نقص غيره. فآكل الثوم لا يجد نتن نفسه.
الحثّ على تدبّر معايبك
قال لقمان ﵇: لا تدع النظر في مساويك كلّ وقت، لأنّ ترك ذلك نقص من محاسنك. وقيل: كن في الحرص على تفقّد عيوبك كعدوّك.
الحثّ على قذع «١» النفس
قال الحسن ﵁: أقذعوا هذه النفوس فإنها طلعة.
وقال حكيم: لا ينبغي لحكيم أن يطلب طاعة غيره وطاعة نفسه عليه ممتنعة.
وقال أبو ذؤيب:
والنّفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع «٢»
وقيل: العاجز من يعجز عن قذع نفسه.
وقال النبي ﷺ : ألا أخبركم بأشدّكم من ملك نفسه عند الغضب.
النهي عن الركون إلى النفس
قال الجنيد ﵀: لا تسكن إلى نفسك وإن دامت طاعتها فإنّ لها خدائع؛ وإن سكنت إليها كنت مخدوعا.
وقيل: من رضي عن نفسه سخط الناس عليه.
المسرور بأن عرف عيوبه
قال عمر ﵁: رحم الله امرا أهدى إلينا عيوبنا.
وقالت الحكماء أنت لا ترى عيب نفسك، فسل من ترضى عقله ونصحه يعرّفك.
وقال رجل لمسعر: أتحبّ أن تهدى إليك عيوبك؟ فقال أمّا من ناصح فنعم، وأمّا من شامت فلا. وقيل: ينبغي للرجل أن يكون مرآة أخيه تريه خيره وشرّه.
قال الشاعر:
أصبحت في هيئة المرآة تخبرنا ... عيوبنا كلّ ما فينا من الكدر «٣»
стр. 30
(٢) ما جاء في الحزم والعزم وما يضادّهما، والظنّ والشكّ والتثبت والعجلة
ماهية الحزم والعزم
قال عبد الملك لعمر بن عبد العزيز: ما العزيمة في الأمر؟ قال: إصداره إذا ورد بالحزم. فقال: وهل بينهما فرق؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:
ليست تكون عزيمة ما لم يكن ... معها من الرأي المشيد رافع «١»
فقال: لله درّك عشت دهرا وما أرى بينهما فرقا.
وقيل لبعضهم: ما الحزم؟ قال: التفكر في العواقب.
النهي عن الدخول فيما يصعب الخروج منه
قال: معاوية لعمرو بن العاص ﵄ : ما بلغ من دهائك؟ قال: ما دخلت في أمر إلا عرفت كيف الخروج منه. فقال: لكنّي ما دخلت في أمر قطّ وأردت الخروج منه.
وقيل في الحكمة: إن اتسع لك المنهج، فاحذر أن يضيق بك الخروج.
قال الشاعر:
وإذا هممت بورد أمر فالتمس ... من قبل مورده طريق المصدر «٢»
حمد تلقّي الأمر بالجزم
قيل: من لم يقدّمه حزمه أخّره عجزه. من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ.
خذ الأمر بقوابله، إن رمت المحاجزة فقبل المناجزة. قبل الرمي تملأ الكنائن «٣» . قبل
стр. 31
الإقدام «١» تراش السهام. دمث لنفسك قبل اليوم مضطجعا. اتّق العثار «٢» بحسن الاعتبار.
قال البحتري:
فتّى لم يضيّع وقت حزم ولم يبت ... يلاحظ أعجاز الأمور تعقبا
قال آخر:
وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبعه اتباعا
مدح التفكّر في العواقب
قال أزدشير: ليس للأيام بصاحب، من لم يتفكر في العواقب. يا عاقد اذكر حلا، من لم ينظر في العواقب تعرض لحادثات النوائب.
قال الشاعر:
ومن ترك العواقب مهملات ... فأيسر سعيه أبدا تبار «٣»
وقيل: الفكرة مرآة تريك الحسنات والسيئات.
إقامة العذر باستعمال الحزم
قيل: من استشار فيما نزل به صديقه واستخار به، وأجهد رأيه، فقد قضى ما عليه، وأمن رجوع الملامة إليه. وقيل: من أعجب الأشياء جاهل يسلم بالتهوّر، وعاقل يهلك بالتوقّي.
قال كشاجم «٤» :
وعليّ أن أسعى ولي ... س عليّ إدراك النّجاح
تفضيل الحزم على الجهل
الحيلة أنفع من الغيلة. قال حكيم لابنه: كن بحيلتك أوثق منك بشدّتك فالحرب حرب للمتهوّر، وغنيمة للمتحذّر.
وقيل: الاهتداء لوجه الحيلة غنيمة جليلة.
قال الموسوي:
ولست مقارعا جيشا ولكن ... برأيي يستضيء ذوو القراع «٥»
стр. 32
فضل التدبير وذويه
نظام الأمر التدبير، ورأس الأمر التقدير. وقيل: من فعل بغير تدبير، وقال بغير تقدير، لم يعدم من الناس هازئا ولا حيا.
وقيل: فلان يعرف من أين تؤكل الكتف «١» ويعرف منابت القصيص، وهما مثلان يقالان في من يعرف وجه الأمر.
الحثّ على الاشتغال بما يعنيك عمّا لا يعنيك
قيل لبعض الحكماء: ما الحزم؟ قال: حفظ ما كلفت وترك ما كفيت. وقيل للأحنف: بم سدت قومك؟ قال: بتركي من أمرك ما لا يعنيني، كما عناك من أمري ما لا يعنيك.
وقال رجل لأفلاطون «٢» لم تختمت في يمينك؟ فقال لأعرف المتكلفين، ومن يسأل عمّا لا يعنيه.
قال الشاعر:
ولا تعترض في الأمر تكفي شؤونه
ذمّ تارك ما يعنيه لما لا يعنيه
قال ابن هرمة «٣» :
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا
وقال آخر:
هراق «٤» الماء واتّبع السّرابا
عتب من نصر نفسه لنفع غيره
قال الشاعر:
يكسي الأنام ويعري إسته ... وينسل من خلفه الأسفل
стр. 33
وقال العبّاس بن الأحتف «١» :
صرت كأنّي ذبالة نصبت ... تضيء النّاس وهي تحترق «٢»
ذمّ الاقتصار على مجرّد التوكّل
جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أرسل ناقتي وأتوكل. فقال: بل اعقلها «٣» وتوكّل.
مرّ الشعبيّ بإبل قد فشا فيها الجرب، فقال لصاحبها أما تداوي إبلك؟ فقال: إن لنا عجوز نتكل على دعائها. فقال: اجعل مع دعائها شيئا من القطران.
وفي كتاب كليلة لا يمنع العاقل يقينه بالقدر من توقّي «٤» المخوف، بل ليجمع تصديقا بالقدر وأخذا بالحزم.
قال الشاعر:
والمرء تلقاه مضياعا لفرصته ... حتّى إذا فات أمر عاتب القدرا
قال أبو عبيدة لعمر ﵁، حين كره طواعين الشأم ورجع إلى المدينة، أتفرّ من قدر الله؟ قال: نعم إلى قدر الله. فقال له: أينفع الحذر من القدر؟ فقال: لسنا ممّا هناك في شيء، إن الله لا يأمر بما لا ينفع، ولا ينهى عما لا يضر، وقد قال تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
«٥» وقال تعالى: خُذُوا حِذْرَكُمْ
«٦» .
ذمّ طلب الأمر بعد فوته
قيل: لبعض الحكماء هل شيء أضرّ من التواني؟ فقال: الاجتهاد في غير موضعه.
وقيل: العجز عجزان عجز التقصير وقد أمكن؟ والجدّ في طلبه وقد فات. أخذه الشاعر فقال:
تتبّع الأمر بعد الفوت تغرير ... وتركه مقبلا عجز وتقصير «٧»
وقيل: شرّ الرأي الدبري «٨» .
стр. 34
قال الشاعر:
أصبحت تنفخ في رمادك بعدما ... ضيّعت حظّك من وقود النّار
الأمر بترك التلهف على ما فات
قال الله تعالى: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ.
قيل: أكبر الأدواء للبدن التلهف على ما لا يدرك. إن ليتاوان لو إعناء.
إظهار النّدامة والتأسّف
قال الشاعر:
عضضت أناملي وقرعت سنّي «١» وقال الكسعي وخبره مشهور:
ندمت ندامة لو أنّ نفسي ... تطاوعني إذا لقطعت خمسي
تبيّن لي سفاه الرأي منّي ... لعمر أبيك حين كسرت قوسي
وهذا هو المضروب به المثل في الندامة وإياه عنى الفرزدق بقوله:
ندمت ندامة الكسعيّ لما ... غدت منّي مطلّقة نوار
وقال صخر بن عمرو:
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان «٢»
قال آخر:
وكنت كناشب في الوحل ينوي ... نهوضا وهو يزداد ارتطاما «٣»
مدح من لا يندم فيما يباشره
قال أبو الأصمع: لا ينهض العجز في أعقاب نهزته «٤» ، ولا يصاحب عزما حين يخترم «٥» المتنبي:
فما تكشّفك الأعداء عن ملل ... من الحروب ولا الآراء عن زلل
وقال الموسوي في مدح بعضهم:
في قرعه سنّه لا يطمع النّدم
стр. 35
النّهي عن الاعتذار
وقيل في المثل: عش ولا تغتر.
وقيل: الفرار بقراب أكيس. وقيل: لا تكن كمن أراق الماء واتبع السّراب.
الأمر بالإقدام بعد الاتضاح والمدح بذلك
قيل: روّ بحزم فإذا استوضحت فاعزم. وقيل: أحزم النّاس من إذا وضح له الأمر صدع فيه. وقيل: أعظم الخطأ العجلة قبل الإمكان، والتأنّي بعد الفرصة.
قال الشاعر:
وواقف عند الأمر ما لم يضح له ... وأمضي إذا ما همّ من كان ماضيا
مدح التجارب
التجارب ليس لها نهاية والمرء منها أبدا في زيادة. وقيل: العقل كالسيف والتجربة أشطر. وقيل: التجارب مرائي الغيوب ونواظر العيوب.
مدح مجرّب
قيل: فلان حلب الدهر بأنقع وهو مؤدم مبشر «١» .
قال الشاعر:
حلبت الدهر من عسل وصاب ... وذرّيت الزّمان بكل ريح «٢»
ومدح أعرابي قوما فقال: أدّبتهم الحكمة وأحكمتهم التجارب ولم تغررهم السلامة المنطوية على الهلكة.
ذمّ غير مجرّب
قيل: فلان غفل لم تسمه «٣» التجارب، ولم تفترعه النوائب، وغفل لم تسمه النوب، ولم يعضّ غاربه القتب «٤» .
وصف إعرابي واليا مغتررا فقال: ما أطول سكر كأس شربها فلان، ولم يخف من عاقبتها الخمّار.
المصيب بظنّه
قيل: من لم ينتفع بظنّه، لم ينتفع بيقينه. وقال النبي ﷺ : إنّ لله عبادا يعرفون النّاس
стр. 36
بالتوسّم. وقال ﵊: اتقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله.
وكان عمر (رضي الله) عنه يقال له المحدّث لصحة ظنّه.
وقال النبي ﷺ : إن يكن في هذه الأمة محدّث فهو عمر. ويقال: فلان ألمعيّ، وقيل: ما تزاحمت الظنون على أمر مستور إلا كشفته.
قال الشاعر:
إذا ما ظنّ أعرض أو أصابا
وقال:
نجيح مليح أخو مارق ... يكاد يخبر بالغائب
وقال البحتري:
وإذا صحّت الرويّة يوما ... فسواء ظنّ امرىء وعيانه «١»
وقال الموسوي:
ولا علم لي بالغيب إلا طليعة ... من الحزم لا يخفى عليها المغيب
مدح الشكّ وسوء الظنّ
قيل: بوحشة الشكّ ينال أنس اليقين. وقيل: عليك بسوء الظنّ، فإن أصاب فالحزم، وإن أخطأ فالسلامة.
قال الشاعر:
وحسن الظنّ عجز في أمور ... وسوء الظنّ يأخذ باليقين
وقيل:
من أطال الركون قلّ ركونه «٢»
وقول الله تعالى: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
«٣» دلالة على أن جلّه صواب. وقال عبد الملك: فرق ما بين عمر وعثمان إنّ عمر أساء ظنّه فاحكم أمره وعثمان أحسن ظنّه فأهمل أمره.
وقيل لبعضهم: أسأت الظنّ، فقال: أن الدنيا لما امتلأت مكاره وجب على العاقل أن يملأها حذرا، وقال أبو محمد الخازن:
وما شكّي وإن أكثرت إلا ... محاماة على الشيء اليقين «٤»
стр. 37
ذمّهما
قال الله تعالى: اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
، وقال شيخ لرجل: أظنّك كاذبا فقال: أحمق ما يكون الشيخ إذا استعمل ظنّه، وقال:
وأضعف عصمة عصم الظّنون
وقال المتنبّي:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توهّم «١»
مدح التغافل
سئل حكيم: ما اللبيب؟ فقال: الفطن المتغافل. ولما أمضى معاوية بيعة يزيد قال:
يزيد: يا أبت ما أدري أنخدع النّاس أم يخدعوننا بما يأخذون منّا؟ فقال: يا بنيّ من خدعك فانخدعت له فقد خدعته. وقيل: إذا أردت لباس المحبّة فكن عالما كجاهل.
وقيل: من تغافل فعقلوه، ومن تكايس فطبطبوه أي العبوا به على الطبطابة.
قال الشاعر:
ليس الغنيّ بسيّد في قومه ... لكنّ سيّد قومه المتغابي «٢»
ولأبي فراس وقد أجاد:
تغابيت عن قومي فظنّوا غباوتي ... بمفرق أغبانا حصى وتراب «٣»
من لا يخدع لعقله
قال عمرو بن العاص: ما رأيت أحدا كلّم عمر ﵁ إلا رحمته لأنه كان لا يخدع أحدا لفضله، ولا يخدعه أحد لفطنته. وقال أياس بن معاوية:
لست بخبّ ولا الخبّ يخدعني «٤»
وقيل لرجل:- فيك فطنة، فقال: ما ذنبي إذ خلقني الله عاقلا.
مدح التثبّت
قال الشعبيّ: أصاب متأمل أو كاد، وأخطأ مستعجل أو كاد. وقال عمرو بن العاص:
لا يزال المرء يجني من ثمرة العجلة الندامة. وروى عن النبي ﷺ : ما دخل الرفق في شيء إلا زانة «٥» ولا الخرف إلا شأنه «٦» .
стр. 38
قال الشاعر:
لا تعجلنّ فربّما ... عجل الفتى في ما يضرّه
وقال الموسوي:
وشوكة ضغن ما انتقشت شباتها ... ذهابا بنفسي أن يقال عجول «١»
مدح العجلة
لأبي العيناء وقد قيل له لا تعجل فالعجلة من الشيطان، فقال: لو كان كذلك لما قال نبيّ الله موسى ﵇ وعجلت إليك ربّ لترضى.
وقيل: المتأنّي في علاج الداء بعد أن عرف الدواء كالمتأنّي في اطفاء النار وقد أخذت بحواشي ثيابه وسأل أبو عليّ البصير ابن منارة حاجة فقال: رح إلى وقت العصر فجاء عند الظهر فقال: ألم أعدك وقت العصر؟ فقال: نعم ولكن رأيت الإفراط في الاستظهار أحمد.
ما تحمد فيه العجلة
قال معاوية: ما من شيء يعدل التثبت، فقال الأحنف: إلا أن تبادر بالعمل الصالح أجلك تعجل إخراج ميتك وتنكح الكفء ابنتك.
مدح انتهاز الفرصة
قيل: الهيبة خيبة والفرصة تمرّ مرّ السحاب. وقيل: انتهز الفرصة قبل أن تعود غصة الإفتراض اقتناص «٢» . وقيل: الفرصة ما إذا أخطأك نفعه لم يصبك ضرّه.
التفكّر في العواقب
قيل: إحمد تغنم، ولا تفكّر في العواقب فتهزم.
قال الشاعر:
إذا حدّثته النفس أمضى حديثها ... وهان عليه ما يرى في العواقب
وقيل: من تفكّر في العواقب لم يشجع في النوائب.
طلب الأمر بالمداراة
قال الأحنف: عجبت لمن طلب أمرا بالمغالبة «٣» ، وهو يقدر عليه بالملاينة «٤» ولمن طلب أمرا بخرق «٥» ، وهو يقدر عليه برفق.
стр. 39
وقيل لبعضهم: ما الدهاء؟ فقال: قتل العدوّ في لطف.
مدافعة العدوّ بالمداراة
في كتاب كليلة: «١» لا تسلم من العدو القويّ بمثل التذلّل والخضوع، كما أن الحشيش إنما يسلم من الريح العاصف بانثنائه معها، أينما مالت به الريح ساعدته.
أخذه ابن الرومي فقال:
كالريح والزرع استكان لمرّها ... وعتت فلم تقدر على تقصيفه «٢»
كم قد نجا منه الضعيف وما نجا ... منه العنيف بلفّه ولفيفه
وتهاتن الجذع الأبي مهزّه ... فأتت عليه ولم ترع لخفيفه «٣»
ولهذا الباب نظائر في العداوات.
الجهل بمستقبل الزّمان
قال الله تعالى مخبرا عن النبي ﵇: ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير، وما مسّني السوء.
قال القطامي:
وما يعلم الخير امرؤ قبل أن يرى ... ولا الشرّ حتّى تستبين دوائره
وقال آخر:
تبين أعقاب الأمور إذا مضت ... وتقبل أشباها عليك صدورها «٤»
(٣) ومما جاء في المشاورة والاستبداد بالرأي
الحثّ على مراجعة الأودّاء «٥» ومدح المشاورة
قال الله تعالى: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
«٦» وقيل من شاور أهل النصيحة سلم من الفضيحة. وقال النبي ﷺ : المشاورة حصن من النّدامة وأمن من الملامة.
стр. 40
وقيل: ما هلك امرؤ عن مشورة. وقيل: الرأي الواحد كالسجيل والرأيان كالحيطتين والثلاثة أمداد لا ينقض.
وقال النبي ﷺ : نعم الموازرة «١» المشاورة وبئس الاستعداد الاستبداد. الأحمق من قطعه العجب عن الاستشارة والاستبداد عن الاستخارة. من شاور الأودّاء أمن من الأعداء.
نصف رأيك مع أخيك فاستشره.
الحثّ على مشاورة الحازم اللبيب
قال الجاحظ: أحسن ما قيل في المشورة قول بشّار:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... بحزم نصيح أو نصيحة حازم «٢»
ولا تجعل الشّورى عليك غضاضة ... فإنّ الخوافي قوّة للقوادم «٣»
وقوله:
ولا كلّ ذي رأي بمؤتيك نصحه ... ولا كلّ مؤت نصحه بلبيب
ولكن إذا ما استجمعا عند واحد ... فحقّ له من طاعة بنصيب «٤»
وقال عبد الله بن معاوية:
وإن باب أمر عليك التوى ... فشاور نبيها ولا تعصه «٥»
وقال عمر ﵁: الرجال ثلاثة رجل ذو عقل ورأي فهو يعمل عليه، ورجل إذا أحزنه أمر أتى ذا رأي فاستشاره، ورجل جائر بائر «٦» لا يأتي رشدا ولا يطيع مرشدا.
الحثّ على استشارة الكبار
قال زياد لأبي الأسود «٧» : لولا أنّك كبرت لاستعملتك واستشرتك، فقال: إن كنت تريدني للصراع فليس في، وإن كنت تريد الرأي فهو وافي. وقيل: زاحم بعود أو دع.
وقيل: عليك برأي الشيوخ، فقد مرّت على وجوههم عيون العبر وتصدّعت لاسماعهم آثار الغير.
следующие страницы →