← Адаб

Адаб · id 9078

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

الراغب الأصفهاني

Полный текст (1 556 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بالتوسّم. وقال ﵊: اتقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله. وكان عمر (رضي الله) عنه يقال له المحدّث لصحة ظنّه. وقال النبي ﷺ : إن يكن في هذه الأمة محدّث فهو عمر. ويقال: فلان ألمعيّ، وقيل: ما تزاحمت الظنون على أمر مستور إلا كشفته. قال الشاعر: إذا ما ظنّ أعرض أو أصابا وقال: نجيح مليح أخو مارق ... يكاد يخبر بالغائب وقال البحتري: وإذا صحّت الرويّة يوما ... فسواء ظنّ امرىء وعيانه «١» وقال الموسوي: ولا علم لي بالغيب إلا طليعة ... من الحزم لا يخفى عليها المغيب مدح الشكّ وسوء الظنّ قيل: بوحشة الشكّ ينال أنس اليقين. وقيل: عليك بسوء الظنّ، فإن أصاب فالحزم، وإن أخطأ فالسلامة. قال الشاعر: وحسن الظنّ عجز في أمور ... وسوء الظنّ يأخذ باليقين وقيل: من أطال الركون قلّ ركونه «٢» وقول الله تعالى: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ «٣» دلالة على أن جلّه صواب. وقال عبد الملك: فرق ما بين عمر وعثمان إنّ عمر أساء ظنّه فاحكم أمره وعثمان أحسن ظنّه فأهمل أمره. وقيل لبعضهم: أسأت الظنّ، فقال: أن الدنيا لما امتلأت مكاره وجب على العاقل أن يملأها حذرا، وقال أبو محمد الخازن: وما شكّي وإن أكثرت إلا ... محاماة على الشيء اليقين «٤»

стр. 37

ذمّهما قال الله تعالى: اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ، وقال شيخ لرجل: أظنّك كاذبا فقال: أحمق ما يكون الشيخ إذا استعمل ظنّه، وقال: وأضعف عصمة عصم الظّنون وقال المتنبّي: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توهّم «١» مدح التغافل سئل حكيم: ما اللبيب؟ فقال: الفطن المتغافل. ولما أمضى معاوية بيعة يزيد قال: يزيد: يا أبت ما أدري أنخدع النّاس أم يخدعوننا بما يأخذون منّا؟ فقال: يا بنيّ من خدعك فانخدعت له فقد خدعته. وقيل: إذا أردت لباس المحبّة فكن عالما كجاهل. وقيل: من تغافل فعقلوه، ومن تكايس فطبطبوه أي العبوا به على الطبطابة. قال الشاعر: ليس الغنيّ بسيّد في قومه ... لكنّ سيّد قومه المتغابي «٢» ولأبي فراس وقد أجاد: تغابيت عن قومي فظنّوا غباوتي ... بمفرق أغبانا حصى وتراب «٣» من لا يخدع لعقله قال عمرو بن العاص: ما رأيت أحدا كلّم عمر ﵁ إلا رحمته لأنه كان لا يخدع أحدا لفضله، ولا يخدعه أحد لفطنته. وقال أياس بن معاوية: لست بخبّ ولا الخبّ يخدعني «٤» وقيل لرجل:- فيك فطنة، فقال: ما ذنبي إذ خلقني الله عاقلا. مدح التثبّت قال الشعبيّ: أصاب متأمل أو كاد، وأخطأ مستعجل أو كاد. وقال عمرو بن العاص: لا يزال المرء يجني من ثمرة العجلة الندامة. وروى عن النبي ﷺ : ما دخل الرفق في شيء إلا زانة «٥» ولا الخرف إلا شأنه «٦» .

стр. 38

قال الشاعر: لا تعجلنّ فربّما ... عجل الفتى في ما يضرّه وقال الموسوي: وشوكة ضغن ما انتقشت شباتها ... ذهابا بنفسي أن يقال عجول «١» مدح العجلة لأبي العيناء وقد قيل له لا تعجل فالعجلة من الشيطان، فقال: لو كان كذلك لما قال نبيّ الله موسى ﵇ وعجلت إليك ربّ لترضى. وقيل: المتأنّي في علاج الداء بعد أن عرف الدواء كالمتأنّي في اطفاء النار وقد أخذت بحواشي ثيابه وسأل أبو عليّ البصير ابن منارة حاجة فقال: رح إلى وقت العصر فجاء عند الظهر فقال: ألم أعدك وقت العصر؟ فقال: نعم ولكن رأيت الإفراط في الاستظهار أحمد. ما تحمد فيه العجلة قال معاوية: ما من شيء يعدل التثبت، فقال الأحنف: إلا أن تبادر بالعمل الصالح أجلك تعجل إخراج ميتك وتنكح الكفء ابنتك. مدح انتهاز الفرصة قيل: الهيبة خيبة والفرصة تمرّ مرّ السحاب. وقيل: انتهز الفرصة قبل أن تعود غصة الإفتراض اقتناص «٢» . وقيل: الفرصة ما إذا أخطأك نفعه لم يصبك ضرّه. التفكّر في العواقب قيل: إحمد تغنم، ولا تفكّر في العواقب فتهزم. قال الشاعر: إذا حدّثته النفس أمضى حديثها ... وهان عليه ما يرى في العواقب وقيل: من تفكّر في العواقب لم يشجع في النوائب. طلب الأمر بالمداراة قال الأحنف: عجبت لمن طلب أمرا بالمغالبة «٣» ، وهو يقدر عليه بالملاينة «٤» ولمن طلب أمرا بخرق «٥» ، وهو يقدر عليه برفق.

стр. 39

وقيل لبعضهم: ما الدهاء؟ فقال: قتل العدوّ في لطف. مدافعة العدوّ بالمداراة في كتاب كليلة: «١» لا تسلم من العدو القويّ بمثل التذلّل والخضوع، كما أن الحشيش إنما يسلم من الريح العاصف بانثنائه معها، أينما مالت به الريح ساعدته. أخذه ابن الرومي فقال: كالريح والزرع استكان لمرّها ... وعتت فلم تقدر على تقصيفه «٢» كم قد نجا منه الضعيف وما نجا ... منه العنيف بلفّه ولفيفه وتهاتن الجذع الأبي مهزّه ... فأتت عليه ولم ترع لخفيفه «٣» ولهذا الباب نظائر في العداوات. الجهل بمستقبل الزّمان قال الله تعالى مخبرا عن النبي ﵇: ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير، وما مسّني السوء. قال القطامي: وما يعلم الخير امرؤ قبل أن يرى ... ولا الشرّ حتّى تستبين دوائره وقال آخر: تبين أعقاب الأمور إذا مضت ... وتقبل أشباها عليك صدورها «٤» (٣) ومما جاء في المشاورة والاستبداد بالرأي الحثّ على مراجعة الأودّاء «٥» ومدح المشاورة قال الله تعالى: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ «٦» وقيل من شاور أهل النصيحة سلم من الفضيحة. وقال النبي ﷺ : المشاورة حصن من النّدامة وأمن من الملامة.

стр. 40

وقيل: ما هلك امرؤ عن مشورة. وقيل: الرأي الواحد كالسجيل والرأيان كالحيطتين والثلاثة أمداد لا ينقض. وقال النبي ﷺ : نعم الموازرة «١» المشاورة وبئس الاستعداد الاستبداد. الأحمق من قطعه العجب عن الاستشارة والاستبداد عن الاستخارة. من شاور الأودّاء أمن من الأعداء. نصف رأيك مع أخيك فاستشره. الحثّ على مشاورة الحازم اللبيب قال الجاحظ: أحسن ما قيل في المشورة قول بشّار: إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... بحزم نصيح أو نصيحة حازم «٢» ولا تجعل الشّورى عليك غضاضة ... فإنّ الخوافي قوّة للقوادم «٣» وقوله: ولا كلّ ذي رأي بمؤتيك نصحه ... ولا كلّ مؤت نصحه بلبيب ولكن إذا ما استجمعا عند واحد ... فحقّ له من طاعة بنصيب «٤» وقال عبد الله بن معاوية: وإن باب أمر عليك التوى ... فشاور نبيها ولا تعصه «٥» وقال عمر ﵁: الرجال ثلاثة رجل ذو عقل ورأي فهو يعمل عليه، ورجل إذا أحزنه أمر أتى ذا رأي فاستشاره، ورجل جائر بائر «٦» لا يأتي رشدا ولا يطيع مرشدا. الحثّ على استشارة الكبار قال زياد لأبي الأسود «٧» : لولا أنّك كبرت لاستعملتك واستشرتك، فقال: إن كنت تريدني للصراع فليس في، وإن كنت تريد الرأي فهو وافي. وقيل: زاحم بعود أو دع. وقيل: عليك برأي الشيوخ، فقد مرّت على وجوههم عيون العبر وتصدّعت لاسماعهم آثار الغير.

стр. 41

الحثّ على استشارة الصّغار قال هرم: عليكم في المشاورة بالحديث السنّ الحديد الذهن. وقيل: رأي الشيخ كالزند قد انثلم «١» ، ورأي الشاب كالزند الصحيح الذي يوري «٢» بأيسر اقتداح. الحثّ على مشاورة العدوّ في كتاب كليلة: لا ينبغي للعاقل أن يترك استشارة عدوّه ذي الرأي فيما يشركه ذلك العدو في نفعه وضرّه. وقيل: استشر عدوّك تعرف مقدار عداوته. من يجب أن تجتنب مشاورته قال قيس لابنه: لا تشاورنّ مشغولا، وإن كان حازما، ولا جائعا، وإن كان فهيما، ولا مذعورا، وإن كان ناصحا، ولا مهموما وإن كان فطنا. فالهمّ يعقل العقل ولا يتولّد منه رأي ولا تصدق منه رويّة. وقيل: لا تدخل في مشورتك بخيلا فيقصّر بفعلك، ولا جبانا فيخوفك، ولا حريصا فيعدك ما لا يرتجي، فالجبن والبخل والحرص طبيعة واحدة يجمعها سوء الظن. وقيل: لا تشاور من ليس في بيته دقيق. وكان كسرى إذا أراد أن يستشير إنسانا بعث إليه بنفقة سنة ثم يستشيره. وقيل لا تشيرنّ على معجب ولا متلوّن «٣» ، وخف الله من موافقة هوى المستشير. وقيل: إياك ومشاورة النساء فرأيهنّ إلى أفن «٤» وعزمهن إلى وهن. وقال النبي ﷺ : شاوروهنّ وخالفوهنّ، وقال: لا تستضيئوا بنار المشرك أي لا تستشيروهم. المستدعي المشورة قال عمر ﵁: صاحب الحاجة أبله لا يرشد إلى الصواب فلقّنوا أخاكم وسدّدوا صاحبكم. وقال إعرابي: دلّا على حيلة فيها لنا فرج ... إذ الدليل على خير كمن فعلا وقال آخر: خليليّ ليس الرأي في صدر واحد ... أشيرا عليّ اليوم ما تريان

стр. 42

الحثّ على نصيحة مستشيرك قال ابن عباس ﵄: إن الرجل لا يزال يزاد في صحة رأيه ما نصح مستشيره، فإذا غشّ مستشيره سلبه الله صحّة رأيه. ولمّا أصاب زيادا الطاعون في يده أحضر له الأطباء فدعا شريحا فقال له: لا صبر لي على شدّته وقد رأيت أن أقطعها فقال شريح: أتستشيرني في ذلك؟ قال: نعم، فقال: لا تقطعها فالرزق مقسوم والأجل معلوم وأنا أكره أن تقدم على ربّك مقطوع اليد، فإذا قال لك: لم قطعتها؟ قلت: بغضا للقائك وفرارا من قضائك. فمات زياد من يومه. فقال: الناس لشريح: لم نهيته عن قطعها؟ فقال: استشارني والمستشار مؤتمن ولولا الأمانة لوددت أن أقطع يده يوما ورجله يوما. وقال يحيى: لا تشيرنّ على عدوّك وصديقك إلا بالنصيحة، فالصديق يقضي بذلك حقّه، والعدوّ يهابك إذا رأى صواب رأيك. من يجب أن يشار عليه إذا استشار قيل: لا تشر على مستبدّ ولا على وغد «١» ، ولا على لحوح «٢» ، ولا معجب، ولا على متلّون، وخف الله في موافقة المستشير، فالتماس موافقته لؤم وسوء الاستماع منه خيانة. وقيل: من طلب الرخص من الإخوان عند المشاورة، ومن الأطباء عند المرض، ومن الفقهاء عند الشبه، فقد خدع نفسه. من ضرب لمستشيره مثلا صمم في مشورته شاور المنصور سلم بن قتيبة في قتل أبي مسلم صاحب الدولة فقال: لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا فقال عيشك، واستشار فيه آخر فقال: ولن يجمع السيفان ويحك في غمد. واستشار معاوية الأحنف في بيعة يزيد فقال الأحنف: أنت أعلم بليله ونهاره وسرّه وإجهاره، فإن كنت تعلمه لله رضا وللأمة صلاحا، فلا تشاور فيه أحدا. وإن كنت تعلم غير ذلك فلا تزوّده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة، وإنما علينا أن نقول سمعنا وأطعنا. الممدوح بأنّه مستشار وقالت امرأة من أياد: المستشار لأمر القوم يجزئهم ... إذ الهنات أهمّ القوم ما فيها وقال أبو تمّام: يطول استشارات التجارب رأيه ... إذا ما ذوو الرأي استشاروا التجاربا

стр. 43

الرغبة في الاستبداد بالرأي قال بعض الحكماء: ما استشرت أحدا قط إلا تكبّر عليّ وتصاغرت «١» له ودخلته العزّة وأدركتني الذلّة. وإيّاك والمشورة وإن ضاقت بك المذاهب. وكانت الفرس والروم مختلفين في الإستشارة. فقالت الروم: نحن لا نملك من يحتاج أن يستشير، وقالت الفرس نحن لا نملك من يستغني عن المشاورة وفضل الفرس لقوله تعالى: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ «٢» وما زال المنصور يستشير أهل بيته حتى مدحه ابن هرمة بقوله: يزرن امرأ لا يصلح القوم أمره ... ولا ينتحي الأدنين فيما يحاول فاستوى جالسا وقال: أصبت والله. فما استشار بعد ذلك. وقال بعض جلساء هارون «٣» : أنا قتلت جعفر بن يحيى، وذلك أني رأيت الرشيد يوما وقد تنفس تنفسا، مفكرا فانشدت في أثره: واستبدّت مرّة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبدّ «٤» فاصغى إليه واستعاده «٥» ، فقتل جعفرا بعد عن لبث. وقال المهلّب: لو لم يكن في الاستبداد بالرأي إلا صون السر، وتوفير العقل لوجب التمسك بفضله. المتفادي من أن يستشار استشار عبد الله بن عليّ عبد الله بن المقفّع، فيما كان بينه وبين المنصور، فقال: لست أقود جيشا ولا أتقلّد حربا ولا أشير بسفك دم وعثرة الحرب لا تستقال، وغيري أولى بالمشورة في هذا المكان. واستشار زياد رجلا فقال: حق المستشار أن يكون ذا عقل وافر واختبار متظاهر ولا أراني هناك. واجتمع رؤساء بني سعد إلى أكثم بن صيفي «٦» يستشيرونه فيما دهمهم من يوم

стр. 44

الكلاب «١» ، فقال: إن وهن الكبر قد فشا في بدني وليس معي من حدة الذهن ما ابتدىء به الرأي، ولكن اجتمعوا وقولوا فإني إذا مرّ بي الصواب عرفته. (٤) وممّا جاء في وصف العلم والعلماء مدحا وذما ووصف الحفظ والنسيان عزّ العلم قال الله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ «٢» ، وقال: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ «٣» وقال الإمام أبو حنيفة: إن لم يكن العلماء أولياء الله في الأرض فليس لله فيها ولي. قال الأحنف «٤» : كلّ عز لم يؤيد بعلم فإلى ذلّ يصير. وقيل: العلم يوطىء الفقراء بسط الملوك. الأدب كالحسب قيل: من نهض به أدبه، لم يقعد به حسبه «٥» ، وقيل: شرف الحسب يحتاج إلى شرف الأدب، وشرف الأدب مستغن عن شرف الحسب. وقال الأحنف: من لم يكن له علم ولا أدب لم يكن له حسب ولا نسب. وقال الشاعر: كن ابن من شئت واكتسب أدبا ... يغنيك محموده عن النسب وقال آخر: ما ضرّ من حاز التأدّب والنّهى ... أن لا يكون من آل عبد مناف «٦» البالغ بعلمه مبلغ الملوك قيل: لما وقعت الفتنة بالبصرة ورضوا بالحسن اجتمعوا عليه، وبعثوا إليه. فلما أقبل قاموا، فقال يزيد بن المهلّب: كاد العلماء يكونون أربابا، أما ترون هذا المولى كيف قام له سادات العرب.

стр. 45

وقيل: تعلموا العلم فإنه يوطىء المساكين بسط الملوك. ونظر عمر ﵁ إلى رجل في هيئة نفيسة فقال: ألست ابن قيس بالبصرة؟ قال: نعم. ولكني كاتب فقال لله درّ العلم ما زال يرفع أهله. قال الشاعر: العلم يرفع بالخسيس إلى العلا ... والجهل يقعد بالفتى المنسوب «١» قيمة المرء علمه قال أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه: قيمة كلّ امرىء ما يحسنه. وأخذ ابن طباطبا «٢» هذا المعنى فقال: حسود مريض القلب يخفي أنينه ... ويضحي كئيب البال عندي حزينه يلوم على أن رحت في العلم دائبا ... أجمع من عند الرواة فنونه فيا عاذلي دعني أغالي بقيمتي ... فقيمة كل النّاس ما يحسنونه «٣» فضل العلم على المال قال عبد الملك: اطلبوا معيشة لا يقدر سلطان جائر على غصبها، قيل ما هي؟ قال: الأدب ولصالح بن عبد القدوس: قد يجمع المرء مالا ثم يسلبه ... عمّا قليل فيلقى الذلّ والحربا وجامع العلم مغبوط به أبدا ... فلا يحاذر منه الفوت والطلبا «٤» وقيل: العلم ميراث غير مسلوب، وقريب غير مغلوب. وقيل: الفضيلة بكثرة الآداب، لا بفراهة «٥» الدواب. وقال الجنيد «٦» : من فضيلة العلم على المال أن الله فهم سليمان مسئلة فمّن عليه

стр. 46

وقال ففهمناها سليمان. وأعطاه الملك ولم يمنّ عليه، بل قال: هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب. من ذمّه وفضل المال عليه قال الشاعر: ما المرء إلا بما يحوي من النّشب «١» وقال آخر: لا تغبطن أديبا ماله نشب ... لا خير في أدب إلا مع النّشب وقال جحظة «٢» : إن الزّمان لمن تقدّم في النباهة منقلب وقال البديهي: أكثر المقتفين للعلم والآ ... داب في ذلّة وفي أملاق «٣» وصف العلم بأنه يورث الغنى قيل: الأدب يجلب الجمال ويفيد المال. وقيل: من لم يفد بالأدب ما لا استفاد به جمالا. وفي كتاب كليلة: العالم إذا افتقر فعلمه الذي معه يقوّيه كالأسد معه قوّته التي يعيش بها حيث توجه. قال الأصمعي «٤» لرجل: ألا أدلك على خليل إن صحبته زانك وإن احتجت إليه مانك، وإن استعنت به أعانك قال: نعم، فقال عليك بالأدب. وصفه بأنه يورث الزهد العلم يزهد في الدنيا الضارّة، ويرغّب في الآخرة السارّة. وقال عمر بن عبد العزيز «٥» ﵁: تعلّموا العلم فإنه عون للفقير أما أني لا أقول يطلب به الدنيا ولكن يدعوه إلى القنوع.

стр. 47

قلة الاعتداد بالخلوّ من العلم كان الوليد يلاعب عبد الله بن معاوية بالشطرنج «١» ، فاستأذن عليه ثقفي موصوف بالثروة فستر الشطرنج بمنديل. فلمّا دخل وجلس استنطقه فقال: أحفظت القرآن وشيئا من الفقه، قال: لا، قال: أفرويت شيئا من الآثار والأشعار وأيام العرب قال: لا. فكشف الشطرنج، وقال: شاهك فنحن في خلوة. ودخل حكيم دار رجل خلو من العلم فرأى أثاثا وهيئة فاخرة، وأراد الرجل الداخل أن يبزق بزقة فبزق في وجه الرجل، فقيل له: ما تفعل؟ قال: نظرت فلم أجد في هذه الدار أخسّ منه لخلوّه من المعاني الفاضلة وإنما يرمي بالبزاق إلى أخس المواضع، فلذلك رميت به في وجهه. تلذّذ العلماء بعلمهم كان أبو حنيفة ﵀ إذا أخذته هزّة المسائل يقول: أين الملوك من لذة ما نحن فيه لو فطنوا لقاتلونا عليه. وقيل: من خلا بالعلم لم توحشه الخلوة، ومن تسلّى بالكتب لم تفته السلوة. وقيل لابن المبارك: من تجالس؟ فقال أصحاب النبي ﷺ . إني أنظر في كتب آثارهم وأخبارهم. التناسب في العلم قيل لعالم: أي المناسبة أخلد؟، فقال: مناسبة العلم التي غذتها عواطف الشيم. وقيل للنوفلي: ما بلغ من شهوتك للعلم؟، قال: إذا نشطت فلذّتي وإذا اغتممت فسلوتي. قال أبو تمّام: وقرابة الآداب تقصر دونها ... عند الأديب قرابة الأرحام «٢» قال الصّولي: إنّ الكتابة والآداب قد جمعت ... بيني وبينك يا زين الورى نسبا «٣» وقيل: لا ينبغي للأديب أن يخالط من لا أدب له، كما لا ينبغي للصّاحي أن يناظر السكران.

стр. 48

مدح صيانة العلم وجّه الرشيد إلى مالك بن أنس «١» ﵀ ليأتيه فيحدثه، فقال مالك إنّ العلم يؤتى فصار الرشيد إلى منزله فاستند معه إلى الجدار، فقال: يا أمير المؤمنين من إجلال الله تعالى إجلال العلم. فقام وجلس بين يديه وبعث إلى سفيان بن عيينة فأتاه وقعد بين يديه وحدّثه. فقال الرشيد بعد ذلك: يا مالك تواضعنا لعلمك فانتفعنا به وتواضع لنا علم سفيان فلم ننتفع به. وفي أمثال العرب أن الثعلب والغراب تحاكما إلى الضب «٢» ، فقالا: أخرج وأحكم بيننا. فقال: في بيته يؤتى الحكم. وقال لقمان لابنه: صن علمك فوق صيانة نفسك. وقيل: لم ير أفضل من الخليل «٣» في التلطّف عن الكسب بالعلم. كان الناس يأكلون بعلمه وهو في خصّ له. وخرج إلى مكّة، والناس يقولون في الحرمين: قال الخليل، وذكر الخليل، ورجع إلى البصرة ولم يعلم بمكانه. قال الشيخ ﵀: ومن ملك نفسه هكذا، فحقيق أن يقال رجل فضل وصدق. وللقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني: ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت لكن لأخدما ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظّموه في النفوس لعظّما ولكن أهانوه فهانوا ودنّسوا ... محيّاه بالأطماع حتّى تجهّما «٤» نهي العلماء عن التّهافت على باب السّلطان قال بعض العلماء: شرار الأمراء أبعدهم عن العلماء، وشرار العلماء أقربهم إلى الأمراء. ودنا سقاء من فقيه على باب السلطان فسأله عن مسألة فقال: أهذا موضع المسألة؟ فقال السقاء: أو هذا موضع الفقيه؟ وكتب عبد الله بن المبارك ﵀ إلى ابن علية حين ولي صدقات البصرة «٥» : يا جاعل العلم له بازيا ... يصطاد أموال المساكين «٦»

стр. 49

احتلت للدنيا ولذّاتها ... بحيلة تذهب بالدّين فأين ما كنت به واعظا ... من ترك أبواب السّلاطين إن قلت أكرهت فما هكذا ... زلّ حمار العلم في الطين من زان علمه بعمله قال أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه: اعقلوا الخير إذا سمعتموه عقل رعاية لا عقل رواية فرواية العلم كثيرة ورعايته قليلة. كثرة العلم في غير طاعة الله مادة الذنوب. وقيل: العلم يهتف «١» بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل. ذمّ من شان علمه بتقصير قال النبي ﷺ : أشدّ الناس عذابا يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه، وقال ﵇: أشدّ الناس ندامة عند الموت العلماء المفرطون «٢» . وقال ﷺ : اللهمّ إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، وعين لا تدمع، ونفس لا تشبع، وأعوذ بك من شرّ هؤلاء الأربع. كتب الشافعي «٣» ﵁ إلى عالم: قد أوتيت علما فلا تطفىء نور علمك بظلمة الذنوب، فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم بنورهم. تفضيل العلم على العمل قال النبي ﷺ : فقيه واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد. وقال ﷺ : عمل قليل في علم خير من كثير منه في جهل. وقال الحسن ﵁: أدركت قوما من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: من عمل بغير علم كان ما أفسد أكثر مما أصلح. ذمّ شره العالم وطلب الدنيا بالعلم قال ﷺ : من إزداد في العلم رشدا ولم يزدد في الدنيا زهدا، لم يزدد من الله إلا بعدا. وروى في الخبر من آتاه الله علما فلم يتنزّه به عن الدنيا كتب بين عينيه الفقير إلى يوم القيامة. قال مالك: قلت للحسن: ما عقوبة العالم؟ قال: موت قلبه. قلت: وما هو؟ قال:

стр. 50

طلب الدنيا بعمل الآخرة. قال بعض الأدباء؟ لأن تطلب الدنيا بأقبح ما تطلب به أحسن من أن تطلبها بأحسن ما تطلب به الآخرة. قلّة العلم وكثرة الجهل قال الطائي «١» : أبا جعفر إنّ الجهالة أمّها ... ولو دوام العلم جدّاء حائل وقال علقمة «٢» : الجهل ذو عرض لا يستزاد له ... والحكم آونة في النّاس معدوم مدح الحديث قال النبي ﷺ : من حفظ حديثا واحدا من أمر دينه أعطاه الله أجر سبعين صديقا. وقال ﷺ : من حفظ على أمتى أربعين حديثا، بعث يوم القيامة فقيها. وقال ابن عبّاس: سمعت النبي ﷺ يقول: اللهم ارحم خلفائي فقلت: ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يروون الأحاديث بعدي. ذمّه وذمّ أصحابه ؟ قال شعبة: إن هذا الحديث يصدّكم عن ذكر الله، وعن الصلاة فهل أنتم منتهون؟ وقال محمد بن مطيع: رأيت الحسن بن زياد أسوأ الناس صلاة فعاتبته، فقال: ما طلب الحديث أحد إلا ساءت صلاته. وقال عمرو بن الحارث: ما رأيت علما أشرف ولا أوضع أهلا من الحديث وهم شرّ خلف من خير سلف. مدح الإسناد قيل: الإسناد قيد الحديث. وقيل: الحديث من غير إسناد كالجمل بلا زمام وخطام. وصف إعرابي رجلا فقال: ما أحسن حديثه لو أنّ له سلاسل يقاد بها يعني الأسانيد، قال: ونصّ الحديث إلى أهله ... وإن الأمانة في نصّه

стр. 51

وقيل: في قوله تعالى: أو أثارة من علم، أنه الأسانيد. ذمّه طلب رجل من الحسن إسناد حديث فقال: وما تصنع به؟ وقد نالتك عظته وقامت عليك حجته. وقيل لرجل: كتبت حديثا بغير إسناده، قال: إني أريده للعمل لا للتسوّق والتجمّل. وسأل رجل آخر عن إسناد شعر فقال: والله ما تركت الحديث إلا بغضا للإسناد وأنت تسألنيه في الأشعار. مدح النحو النحو نصاب العلم ونظامه وعموده «١» وقوامه ووشي «٢» الكلام وحلّته وجماله وزينته. وقيل: النحو يرفع الوضيع ويخفض الرفيع. وكان معلم الرشيد يضرب على الخطأ واحدا وعلى اللحن سبعا. ذمّه نظر بعض الرؤساء إلى ابنه، وهو ينظر في كتاب سيبويه «٣» فقال: أفّ «٤» لك علم المؤدّبين وهمّة المحتاجين. وقيل: من كثرت عليه العربية أظلمت عليه الرويّة. وقيل: إذا كتبت كتابا فالحن فيه فإنّ العربية مجدودة. وممّا يتّصل بهذا الباب أنّ بعض الفصحاء كان يدخل على بعض عمال البصرة، وهو يعرب «٥» في كلامه، فقال له يوما: إن لم تترك الإعراب ضربتك، فقال: إني إذا أشقى الناس، به ضربت صغيرا لأتعلّم وضربت كبيرا لأترك. ذمّ الكثير منه ذكر النحو عند المأمون «٦» فقال: علم يغنيك أدناه عن أقصاه. وقال أبو حنيفة: المكثر من النحو كالمكثر من غرس شجر لا يثمر. وقيل: النحو ملح العلم ومتى استكثر من الملح في الطعام فسد. وذكر أهل النحو عند بعض البلغاء فقال: أغزرهم علما أنزرهم فهما.

стр. 52

مدح العروض وذمّه قيل: معرفة العروض «١» تسهّل عليك ما تعوّج من الشعر، فإنّه نصابه «٢» ونظامه وعموده وقوامه. وعاب النظّام «٣» الخليل فقال: تعاطى ما لا يحسنه، ورام ما لا يناله وفتنته دوائره «٤» التي لا يحتاج إليها غيره. ودخل أعرابي مسجد البصرة فانتهى إلى حلقة علم، يتذاكرون الأشعار والأخبار، وهو يستطيب كلامهم ثم أخذوا في العروض فلما سمع المفاعيل والفعول ورد عليه ما لم يعرفه فظنّ أنهم يأتمرون به فقام مسرعا وخرج وقال: قد كان أخذهم في الشعر يعجبني ... حتّى تعاطوا كلام الزنج والروم لما سمعت كلاما لست أعرفه ... كأنه زجل الغربان والبوم ولّيت منفلتا والله يعصمني ... من التقحم في تلك الجراثيم وقال ابن طباطبا: كلّ العلوم يزين المرء بهجتها ... إلا العروض فقد شانت ذوي الأدب «٥» بي الدوائر دارت من دوارها ... ما لامرىء أرب في ذاك من أرب «٦» فاستعمل الذوق في شعر تؤلّفه ... وزن به ما بنوا في سالف الحقب مدح الملح قال الأصمعيّ: نلت بالعلم وصلت بالملح «٧» . وقيل: النوادر تفتح الآذان وتفتّق الأذهان. قال أبو عبيدة: الملح مروءة تنفق عند الإشراف، فارتادوا لها وانظروا عند من تضعونها.

стр. 53

مدح الكلام قيل: المتكلمون «١» دعائم الدين ولولا هم لأضلّت الملحدة «٢» كثيرا من الناس. وروي أن ملك الصفد كتب إلى الرشيد يسأله أن يبعث إليه من يعلّمه الدين، فدعا يحيى بن خالد فعرض عليه الكتاب، فقال يحيى: لا يقوم لذاك إلا رجلان ببابك هشام بن الحكم وضرار فقال: كلا إنهما مبتدعان «٣» فيلقنان القوم ما يفسدهم ويغويهم بالمسلمين، ليس لذلك إلا أصحاب الحديث، فقال يحيى: أصحاب الحديث لا يحسنون وأهل الصفد قد غلب عليهم الثنوية «٤» فأتى أبو يوسف ووجه بعض أصحاب الحديث فلما ورد أكله أهل الصفد بالحجج. فقال ملك الصفد: ما أضعف دينكم وحججكم، فضحك صاحب الحديث. فقال الملك: وما هذا الضحك؟ فقال إنا لسنا أصحاب الحجج فإننا مقلّدة وعندنا من له الجدل وعنده الحجج ولا يقوى لهم أحد، وقد أشار بعض المحصلين على صاحبنا أن لا يبعثنا فوقع الغلط عليه. ذمّه قال أبو يوسف: من طلب الدين بالكلام تزندق «٥» . وقيل ما تعلم أحد الكلام إلا ساء ظنه بالنّاس. وقيل: من جعل غرضا للجدال أكثر التنقل من رأى إلى رأي. وحكى بعض الصوفية قال: استشرت أبا عبد الله بن حنيف في تعلم الكلام فقال: لا تفعل، فأقلّ ما فيه أنك تسىء عشرة الربّ. فقلت كيف ذلك؟ فقال: لأنك أبدا تقول لو فعل الله كذا لكان جاهلا ولو كان كذا لكان عاجزا، ونحو ذلك مما يجري في كلامهم. مدح الفقه قال النبي ﷺ : إذا أراد الله بعبد خيرا فقّهه في الدّين، وعرّفه عيوب نفسه. وقال ﷺ : لكل شيء عماد، وعماد هذا الدين الفقه. وقال ﷺ الأنبياء سادة والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة. وقال ﷺ : فقيه واحد أشدّ على إبليس من ألف عابد.

стр. 54

مدح الحساب قال الله تعالى: فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ «١» ، وقال الله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ «٢» وقيل الحساب ديباج «٣» العلم، وقال علي بن زين: لو رفع الحساب لبطلت العلوم ولو رفعت العلوم لم يبطل الحساب. مدح إستخراج المعمّى» وذمّه والحاذق فيه قيل: إستخراج المعمّى يدقق النظر ويصقل الذهن ويفطن القلب. وقيل: إن بعض اليونانيين كتب بلغتهم كتابا إلى الخليل فخلا به شهرا حتى فهمه فقيل له في ذلك، فقال: علمت أنه لا بدّ من أن يفتتح الكتاب باسم الله فبنيت على ذلك فقست عليه وجعلت ذلك أصلا ففتحت ثم وضع كتاب المعمى على ذلك. وقال أبو حاتم: سألت الأصمعي عن المعمّى فقال هو عمى القلب. وقال الجاحظ: ليس المعمّى بشيء قد كان كيسان مستملي أبي عبيدة يسمع خلاف ما يقال، ويكتب خلاف ما يسمع، ويقرأ خلاف ما يكتب، يتعسر «٥» عليه إستخراج أخف نكتة «٦» من المعمّى. معرفة النسب سئل بعضهم عن علم النسب، فقال: هو علم لا تنفع معرفته ولا يضرّ جهله. وقال رجل لأبي عبيدة: علّمني شيئا من النسب، فقال: ما تستفيد بذلك إلا معرفة المعايب. وقيل: فلان أنسب من دغفل «٧» ومن ابن لسان الحمرة. وقال المتنبّي في نبطي «٨» عارف بالنسب: وماذا بمصر من المضحكات ... ولكنّه ضحك كالبكا بها نبطيّ من أهل السّواد ... يدرس أنساب أهل العلا

стр. 55

وصف فنون من العلم قيل: علم الملوك النسب والخبر والشعر، وعلم السلطان المغازي «١» والسير وعلم التجار الحساب، وعلم الكتاب معرفة الخط وتصريف اللغات. وقيل العلوم ثلاثة: علم الدين لمعادكم «٢» وعلم الطب لأبدانكم، وعلم الهندسة لمعاشكم. وقيل تعلّموا الفقه لأديانكم والطب لأبدانكم والنّحو لبيانكم. متبجّح باستيعاب العلم قال ابن المنجّم: أحبّ أن ألقى عديّ بن الرقاع «٣» فأقول له: ألست القائل: وعلمت حتى ما أسائل واحدا ... عن علم واحدة لكي أزدادها ثم أريه أنه قد جهل كل علم إلا قوله الشعر الذي يتقدمه عليه غيره ثم أحسن أدبه وأعرك أذنه. ولكشاجم «٤» في معناه: وما زلت أبغى الشعر من حيث يبتغى ... وأفتنّ في أفنائه أتعرّفه فقد صرت لا ألقى الذي أستزيده ... ولا يذكر الشّيء الذي لست أعرّفه وهذا من الإعجاب المفرط والجهل بفنون العلم، وكفى دلالة بقلة معلوم الورى قوله تعالى: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا «٥» . جودة الحفظ وذكر الحفّاظ قيل: فلان أحفظ بما يسمعه من الرمل للماء. وهذا أثبت من صدره من الحمد لله. ولمّا نزل قوله تعالى: وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ «٦» ، قال النبي ﷺ : لعلّي سألت الله أن يجعلها أذنك يا عليّ فلم يسمع بعد ذلك شيئا إلا حفظه. وقيل: كان عمرو بن هبيرة «٧» يضبط حساب العراق وهو أميّ.

стр. 56

وقال الشعبي «١» : ما كتبت سوداء في بيضاء إلا حفظتها. وقال: أحفظ كل حديث سمعت والموضع الذي سمعت فيه. وقال الأصمعي «٢» : أحفظ اثني عشر ألف أرجوزة. فقال رجل منها البيت والبيتان، فقال: ومنها المائة والمائتان. وورد أبو مسعود الرازي أصبهان «٣» ، ويقال أنه أملى عن ظهر قلبه مائة ألف حديث، فلما وصلت كتبه قوبلت بها فلم يعثر منها على سقطة إلا في متن حديثين. وادّعى الخوارزمي «٤» أنه حفظ كتاب الأمثال لأبي عبيدة في ليلة، وقيل جرى حديث الحفظ لما كان بأصبهان فقرىء عليه أوراق من حساب البقّالين فأعادها على الترتيب. النسيان وذكر بنيه قيل: فلان لو غابت عنه العافية لنسيها وحكى جراب الدولة أن رجلا كان على عاتقه صبي عليه قميص أحمر، وهو ينادي من وجد صبيا عليه قميص أحمر؟ فقيل: أليس هو على عاتقك؟ فلمسه فقال: أحسنت كنت نسيته. وقال قتادة يوما: ما نسيت شيئا قط، ثم قال في أثره: يا غلام ائتني بنعلي، فقال له الغلام: أليس نعلك في رجلك، وكان قد نسيه. عذر من نسي أجرا قال النبي ﷺ : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. وقال تعالى في آدم: فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً «٥» ، وقال تعالى: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ «٦» . وسمّي الناسي ابن سهوان ومنه قيل أن الموصين بنو سهوان. قال البحتري: إن كنت أنسيتها فلا عجب ... قد عاهد الله آدما فنسي

стр. 57

وقال آخر: وسميت إنسانا لأنّك ناسي تذكّر الشيء قيل: في المثل ذكرتني الطعن وكنت ناسيا. وقال ابن الرومي في تذكر المتلو بالعود إلى ما قبله وهو بديع في بابه: وتال تلا يوما فأنسي آية ... فأعيت عليه حين رام انتهازها فكرّ على ما قبلها متدبّرا ... فثاب له فكر فأفضى حجازها فشبّهته بابن السبيل تعرضت ... له وهدة فاستصعبت حين رازها فقهقر عنها قيس عشرين خطوة ... فجاش إليها جيشة فأجازها ما يورث النسيان قال أمير المؤمنين عليّ ﵁: مما يورث النسيان الحجامة في النقرة، والبول في الماء الراكد، وأكل التفاح الحامض، وأكل الكزبرة، وأكل سؤر الفأر، وقراءة ألواح المقابر والنظر إلى المصلوب، والمشي بين الجملين المقطرين، وإلقاء القملة إلى الأرض. وقيل: إن الباقلاء تفسد من الحفظ في يوم ما لا يصلحه البلاذر «١» في سنة. تصنيف الكتب قال الجاحظ: لا يزال المرء في فسحة من عقله ما لم يقل شعرا أو يصنّف كتابا. وقيل من ألّف فقد استهدف فإن أحسن فقد استشرف، وإن أساء فقد استقذف. وقيل: عرض بنات الصلب على الخطاب أسهل من عرض بنات الصدر على ذوي الألباب. جاهل يصنّف كتابا أو يقول شعرا قال الفضل بن سلمة: عجبا منك أبا الهيثم إذ كنت تصنّف وقال أحمد بن أبي طاهر: أظنّ دعوته في الشعر جائزة ... له عليّ كما جازت على النسب وقال آخر: ويوهمنا أنّه شاعر ... كأنّا قدمنا من الباديه

стр. 58

وقال ابن الرومي: كيف لا يشتدّ وسواسي ... حيث أشعارك تدراسي ما اقتنى مثلك دهر ... السوء إلا حين إفلاس التعريض بجاهل قال حجازيّ لابن شبرمة: منّا خرج العلم. فقال: نعم ولكن لم يعد إليكم. وأورد رجل على آخر علما فقال: أتحمل التمر إلى هجر «١» ؟ فقال: إذا قلّ حملها ونزر نخلها. قال الشاعر: يتعاطى كلّ شيء ... وهو لا يحسن شيئا وقال آخر: موّه في ما ادّعاه من حكم ... لكنّ تمويهه على بقر «٢» وقال آخر: وقال الطانزون فتى أديب ... فصعّد مقلتيه له وتاها «٣» وأطرق للمسائل أي بايه ... ولا يدري وحقّك ما طحاها «٤» جاهل غير عارف بجهله قيل: من لا يدري، وهو لا يعلم أنه لا يدري فذاك جاهل فعلّموه. ومن لا يدري وهو يقدر أنه يدري فذاك أحمق فاجتنبوه. قال الشاعر: جهلت ولم تعلم بأنّك جاهل ... ومن ذا الذي يدري بما فيه من جهل وقال آخر: أخالد لم تعلم ولست بعالم ... بأنّك لا تدري وذا غاية الجهل وبضد ذلك تمدح من قال: ما فيّ من فضيلة العلم إلا علمي بأني لست بعالم.

стр. 59

العتب على من يذمّ علما تحدّث يوما شريك بحديث فقال عافية القاضي: لا أعلم هذا. فقال: وهل يضرّ عالما جهل جاهل. وقال المتنبي: وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السّقيم «١» وقال ابن الرومي: عابوا قريضي وما عابوا بمعرفة ... ولن ترى الشمس أبصار الخفافيش «٢» ذمّ مستكثر لعلمه معجب بنفسه ذكر النظّام الخليل فقال: توحد به العجب فأهلكه وصوّب له الاستبداد صواب رأيه فتعاطى ما لا يحسنه. وقال إبليس: ثلاث من كنّ فيه أدركت حاجتي منه: من استكثر علمه، ونسي ذنبه، وأعجب برأيه. ويدخل في هذا الباب ما ذكر في قول عديّ بن الرقاع وقد تقدم. ذمّ مدّع للعلم قال كشاجم: تشبّه في النحو بالأخفشين ... فجاء بأعجوبة مطرفه «٣» ولم يسمع النّحو لكنّه ... قرا منه شيئا وقد صحّفه فإن لم يكن أخفش الناظرين ... فإنّ الفتى أخفش المعرفه وقال آخر: فما لك بالغريب يد ولكنّ ... تعاطيك الغريب من الغريب «٤» وقال أبو العتاهية «٥» : أشدّ النّاس للعلم ادعاء ... أقلّهم بما هو فيه علما

стр. 60

وقال الصّولي «١» في نفطويه «٢» : يشرع في أكثر العلوم ولا ... يعرف منها أقلّها خطرا من ادّعى ففضحه الامتحان ويدّعي الحفظ للقران ولا ... يقوم بالحمد وحدها نظرا وقيل: لسان الدعوى إذا نطق فضحه الامتحان. وقال الشاعر: كلّ من يدّعي بما ليس فيه ... كذّبته شواهد الامتحان ذمّ من يصيب من غير قصد ذمّ أعرابي رجلا فقال خطؤه بعد اجتهاد وصوابه من غير اعتماد. قال الشاعر: يصيب وما يدري ويخطي وما درى ... وكيف يكون النّوك إلا كذلك «٣» الموصوف بالإصابة مرّة والخطأ أخرى قيل في المثل: يشجّ مرة ويأسو أخرى. وقيل: شخب في الإناء وشخب في الأرض، يشوب «٤» ويروب» فؤاد خطاء وواد مطر. من سئل فتبلّه قال الشاعر: سألته عن علمه فكأنّما ... سألت عن سكّانه ربعا خلا وقال آخر: كأنّهم عند السؤال جلامد «٦» من يروي علما ولا يفهم قال الله تعالى: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً «٧» .

стр. 61

قال ابن الرومي: فإن تقل إنّني رويت فكالد ... فتر جهلا بكلّ ما أعتقده محنة العلماء في أيدي الجهّال قال النبي ﷺ : ارحموا عزيز قوم ذلّ، وغنيا افتقر، وعالما بين جهال. وقيل: إن أردت أن تعذّب عالما فاقرن به جاهلا. وقيل: إن ثمامة بن أشرس لما غضب عليه الرشيد سلّمه إلى خادم يقال له ياسر، وكان الخادم يتفقّده ويحسن إليه حتى سمعه ثمامة يوما يقرأ: ويل يومئذ للمكذبين «١» (بفتح الذال) فقال ثمامة: ويحك المكذّبين هم الأنبياء، اقرأ المكذّبين (بكسر الذال) . قد قيل لي إنك زنديق ولم أصدق. أتشتم الأنبياء؟ ثم هجره وتركه فلم يتفقّده فلما رضي عنه الرشيد وردّه إلى مجلسه، سأله يوما ما أشدّ الأشياء؟ فقال: عالم يجري عليه حكم جاهل. فظنّ الرشيد أنه تعريض به حتى عرّفه خبر الخادم. معاداة الجاهل العالم قال رجل لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر الناس أعداء ما جهلوا، فقال: هذا في كتاب الله، بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولمّا يأتهم تأويله. معاداة العلماء بعضهم بعضا قيل: هلاك العلماء بحسدهم. وقيل: الحسد والملق «٢» مذمومان في كل شيء إلا في العلم. قال ابن عباس: لا تقبلوا قول العلماء بعضهم على بعض فإنهم يتغايرون تغاير التيس في الزريبة. وقال الأشجّ: أني لأغار على الحديث كما يغار على الجارية الحسناء. قال أبو تمّام: وما أنا بالغيران من دون جارتي ... إذا أنا لم أصبح غيورا على العلم (٥) وممّا جاء في التعلّم والتعليم وما يتعلّق بهما وجوب التعلّم قال النبي ﷺ : طلب العلم فريضة على كل مسلم.

стр. 62

وقال سقراط «١» : من لم يصبر على تعلّم العلم وتعبه صبر على شقاء الجهل. وقال بعضهم: تعلّموا الأدب وإن لم ينلكم حظّ من الدنيا، فلأن يذم فيكم الزمان أحسن من أن يذم بكم. تفضيل بثّ العلم ووجوبه قال النبي ﷺ : من علم علما فكتمه ألجمه الله تعالى بلجام من نار يوم القيامة. وقال الحسن ﵀ : زكاة العلم تعلّمه. أتى رجل الزهريّ ليحدثه فأبى، فقال: إن الله تعالى لم يأخذ الميثاق على الجهال أن يتعلموا حتى أخذه على العلماء أن يعلموا. قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ «٢» . وقيل: ما يتصدق رجل بصدقة أفضل من علم ينشره. وأتى طالب علم باب عالم فقال: أعطني مما أعطاك الله، فأمر له بدراهم، فقال: أنا طالب هدى لا طالب ندى، فعلم أوضح لبسا خير من مال أغنى نفسا. فضل المعلّم والمتعلّم معا قال النبي ﷺ : لا خير في من كان من أمّتي ليس بعالم ولا متعلّم. وقيل: الناس عالم ومتعلّم وما سواهما همج. وجوب تعظيم المعلّم قيل: للإسكندر أنك تعظم معلمك أكثر من تعظيمك لأبيك فقال لأن أبي سبب حياتي الفانية ومؤدبي سبب الحياة الباقية. وقال النبي ﷺ : لا يقام لأحد إلا لذي علم أو لذي سن أو لذي سلطان. وقيل: لا يستخف أحد بمن تعلم منه علما إلا وضيع خامل أو رفيع جاهل. وعن بعض العلماء لا يتحركن ثلاثة لأحد القاضي في يوم مجلسه والكاتب في وقت أمره ونهيه والمؤدب في مكتبة. وجوب تعظيم المتعلّم قال النبي ﷺ : وقّروا «٣» من تتعلمون منه، ووقّروا من تعلّمونه. قال أبو العالية: ولا تصعّر خدّك للناس: أي ليكن الفقير والغنيّ عندك سواء في تعلّم العلم.

стр. 63

اختيار التلامذة وحثّ كلّ إلى تعلّم ما يليق به سأل أفلاطون بعض تلامذته عن مسألة لم تكن تليق بحاله، فقال: لست من أهلها فلكل تربة غرس ولكل بناء أس. وقيل: تصفح طلاب علمك كما تتصفح خطاب حرمك. وكان يونس يختلف إلى الخليل يتعلم منه العروض فصعب عليه تعلّمه، فقال له الخليل يوما: من أي بحر قول الشاعر: إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع ففطن يونس لما عناه الخليل فترك العروض. وقيل اختر كل إنسان للفنّ الذي يستطيبه، فبقدر شهوته يكون نفاذه فيه. منع العلم عن غير أهله قال المسيح ﵇: لا تضعوا الحكمة في غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم. وكن كالطبيب الحاذق يضع دواءه حيث يعلم أنه ينتفع به. وفي بعض الكتب يا بني إسرائيل لا تطرحوا الدرّ بين أيدي الخنازير فتطؤه وهي لا تعرفه. وقال الإمام الشافعي ﵁ : ومن منح الجهّال علما أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم وقيل: ما كلّ تريبة تحتمل القلائد، ولا كلّ ضريبة تستحقّ الفوائد. النّهي عن تعليم الأوغاد، وذمّهم إذا تعلّموا قالت الحكماء: لا تعلمنّ الدنيء علما فيستفيده منك، ويصير به عدوا لك. فلأن يتضع ألف من عليّين أولى من أن يرتفع دنيء واحد. وقيل لبعضهم: أي علم أضر؟ فقال: ما يفاد الأوغاد. وقيل لأبي سنان: تموت وتدخل علمك معك القبر، فقال: ذاك أحبّ إليّ من أن اجعله في إناء سوء. ورأى حكيم رجلا يعلم دنيئا علما فقال له: أتسقي سهما ترمى به يوما. وقال دعبل في أبي تمّام: إن عابني لم يعب إلا مؤدّبه ... فنفسه عاب لمّا عاب آدابه وكان كالكلب أضراه مكلبه ... كيما يصيد له فاصطاد كلابه «١» وقال آخر: أعلّمه الرماية كلّ يوم ... فلمّا اشتدّ ساعده رماني

стр. 64

وكم علّمته نظم القوافي ... فلمّا قال قافية هجاني دنيء استفاد علما فازداد به شرا قال البديهي، وقد أجاد: إذا ما اقتنى العلم ذو شرة ... تضاعف ما ذمّ من مخبره «١» وصادف من علمه قوّة ... يصول بها الشرّ في جوهره وصار عدوّا لإخوانه ... وسيفا حساما على معشره «٢» فضل تعليم الأولاد يروى عن النبي ﷺ : ما منح والد والدا أفضل من أدب حسن. وكانت اليونانية تورث الأبناء الأدب والبنات النسب. وقيل من أدب ولده صغيرا قرّت به عينه كبيرا. وقيل: من أدب ولده أرغم حاسده. حكى أن المنصور بعث إلى من في الحبس من بني أمية يقول لهم: ما أشدّ ما مر بكم في هذا الحبس؟ فقالوا ما فقدنا من تأديب أولادنا. وقيل: لا يحبّ الأب ابنه حتى ينغضه على ترك الأدب. فضل التعلّم في الصّغر قيل: بادروا بتأديب الأطفال قبل تراكم الأشغال. وسمع الحسن رجلا يقول: التعلم في الصغر كالنقش في الحجر فقال الكبير أوفر عقلا منه لكنه أشغل قلبا. وقيل: من لم يتعلّم في الصّغر هان في حال الكبر. وقال الشاعر: هل الحفظ إلا للصبيّ فذو النّهى ... يمارس أشغالا تشرد بالذّكر فضل التعلّم في الكبر قيل لأنوشروان: أيحسن بالشيخ أن يتعلّم؟ قال: إن كانت الجهالة تقبح منه فالتعلم يحسن به، فقيل: وإلى متى يحسن منه؟ فقال: ما حسنت به الحياة. وقيل: لحكيم ما حدّ التعلم فقال حدّ الحياة، أي يجب له أن يتعلم ما دام حيا. وقال شيخ للمأمون: أقبيح بي أن أستفهم؟ فقال: بل قبيح بك أن تستبهم. الأحوال التي تحصل بها العلوم قيل: لا يصير الإنسان عالما إلا بخمس غريزة محتملة للعلم، وعناية تامّة وكفاية قائمة، واستنباط «٣» لطيف، ومعلم فصيح.

стр. 65

وقيل: لا تستطيع أن تعي العلوم السنيّة، حتى تمحو من ذهنك الأمور الدنيّة. الأوقات المرتضاة للدّرس قيل: انظروا في العلم بالليل، فالقلب بالنهار طائر وبالليل ساكر، أي ساكن. وقيل لبعضهم: لم اخترت الغدوة للدرس؟ فقال: لأن العقل أجمّ «١» لقرب عهده بالصمت، وبعد جوارحه من المعاصي. من سهل عليه التعلّم قيل: إذا كانت الطبيعة نقيّة، اكتفت بالأذكار، وغنيت عن التكرار. وقيل: فلان يكتفي باللحظ ويستغني عن اللفظ. من عسر عليه التعلّم قال الله تعالى: لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا «٢» . وقال بعض الحكماء: صقلك سيفا ليس له جوهر من سنخه خطأ، وحملك الصعب المسنّ على الرياضة عناء، وبثّك الحبّ في أرض سبخة ترجو نباتها جهل. وقال أبو تمام: السيف ما لم يلف منه صيقل ... من سنخه لم ينتفع بصقال «٣» وقال الخليل ﵀ لبليد: ما أجد لقفل بلادتك مفتاحا. تعسّر تعلّم الكبار نظر رجل إلى فيلسوف يؤدب شيخا فقال: ما تصنع؟ قال: اغسل مسبحا لعله يبيض. قال: ومن العناء رياضة الهرم «٤» وقال آخر: أدب الكبير من التعب ... كبر الكبير عن الأدب وقال آخر: إن الرياضة لا تجدي لدى الشّيب وأسلم بعض الولاة هرما إلى كتاب ليتعلم شيئا من القرآن، وكان إذا تعلّم شيئا نسي ما قبله، فوجه إليه أن ابعث إليّ من يتسلم منّي ما أحفظه، أوّلا فأوّلا.

стр. 66

من يعلّم من هو أعلم منه قيل: كمستبضع التمر إلى هجر، وكمعلمة أمها البضاع «١» . وقيل: تعلّمني بضبّ أنا حرّشته، وقيل: فلان يقرأ سورة يوسف على يعقوب ﵉. وقال المتنبي: فآجرك الإله على عليل ... بعثت إلى المسيح به طبيبا ويقال: أنا منه كحاقن «٢» الإهالة إذا كنت عارفا به. الحثّ على الحفظ دون الاعتماد على الكتب قيل: إذا فقد العالم الذهن قلّ على الأضداد احتجاجه وكثر إلى الكتب احتياجه. وقيل: لا خير في علم لا يعبر معك الوادي ولا يعمر بك النّادي. وقال محمد بن بشير: ليس بعلم ما يعي القمطر ... ما العلم إلا ما وعاه الصّدر «٣» وله أيضا: إذا لم تكن حافظا واعيا ... فجمعك للكتب لا ينفع وقال آخر: غدوت بتشمير وجدّ عليهم ... فمحبرتي سمعي ودفترها قلبي ضبط العلم بالكتابة قيل: قيّدوا العلم بالكتابة، وقال سقراط: ما بنته الأقلام لم تطمع في دروسه الأيام. وقيل: العلم يندّ فاجعلوا الكتب له حماة والأقلام عليها رعاة. العلم عقود فاجعلوا الكتب لها نظاما. وقيل: اكتبوا ما تسمعونه من الحكم ولو في بياض النواظر بأطراف الخناجر. وصف المثبت لكلّ ما يسمع قال أعرابي في رجل يكتب كل ما يسمع: أنت حتف الكلمة الشّرود «٤» .

стр. 67

وقال آخر: ما أنت إلا الحفظة ... تكتب لفظ اللفظة قال الأصمعي: قال لي أعرابي رآني أكتب ما أسمع وأستحسن لا تدع شيئا إلا نمصته أي نتفته. السؤال عمّا يجهل يروى عن النبي ﷺ أنه قال: العلم خزانة مفتاحها السؤال. وقال أنس: السؤال يعمر العلم. وقيل: لا تسل رياء ولا تتركه حياء. وقيل: سل سؤال الحمقى واحفظ حفظ الأكياس «١» . وقيل لدغفل: بم أدركت هذا العلم؟ فقال بلسان سؤول وقلب عقول. وقال الشاعر: شفاء العمى طول السؤال وإنّما ... تمام العمى طول السكوت على الجهل الحثّ على الأخذ من الصّغير والكبير قال النبي ﷺ : الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها قيّدها. وقيل: خذ الحكمة ممّن تسمعها منه، فرب رمية من غير رام وحكمة من غير حكم. وقيل: لا يمنعنّك ضعة القائل «٢» عن الاستماع إليه، فربّ فم كريه مجّ «٣» علما ذكيا وتبر صاف في صخر جاس «٤» . وسمع الكنديّ كلمة من مخنّث فكتبها، فلاموه على ذلك فقال: ربّ لسان خنث نتج لفظا فحلا، والجوهرة النفيسة لا يشينها سخافة غائصها ولا دناءة بائعها. وقال بزرجمهر: أخذت من كل شيء أحسن ما فيه حتّى من الكلب ذبّه «٥» عن حريمه ومن الخنزير بكوره «٦» في مقاصده. وقال ابن السكيت لرجل: أتراك أحطت بما لم أحط به، فقال وما أنكرت. وقد قال الهدهد- وهو أخس الطيور- لسليمان: أحطت بما لم تحط به. مدح من يقول لا أدري سئل الشعبيّ عن مسألة فقال: لا أدري. فقيل: ألا تستحي من قولك هذا وأنت فقيه العراقيين؟ فقال: إن الملائكة لم تستحي إذ قالت سبحانك لا علم لنا إلا ما علّمتنا.

стр. 68

وقيل لأبي عمرو: ومثله، فقال: أقبح من هذا أن أقول فأخطىء وأروي فلا أروي. وقال شاعر: إذا ما انتهى علمي تناهيت عنده ... أطال فأملى أم تناهى فقصّرا وقال الحسين ﵁ : لو أن العالم كلّ ما قال أحسن وأصاب، لأوشك أن يجنّ من العجب، وإنما العالم من يكثر صوابه. وقال بعض الفقهاء: العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة قائمة، ولا أدري فيقتضي اجتهادا. ذمّ من يقول ذلك سئل رجل عن شيء، فقال: لا أدري، ولا أدري نصف العلم فقيل له: لكنه النصف الأخس. وقال آخر: مثل ذلك فقيل له: فقله مرتين تحز العلم كله. وقال آخر ذلك فقيل له: لكن أبوك بالنصف الآخر تقدم. صعوبة جانب العلم قال الخليل (رحمة الله عليه) : العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلّك، ثم أنت في إعطائه إياك بعضه مع إعطائك إياه كلّك على خطر. وقيل: لا يتأدّب الرجل حتّى يتجنب الفراش الوطيء «١» والدثار الدفيء. وقيل: لا يدرك العلم من لا يطيل درسه، ولا يكدّ نفسه. وقيل لبعض العلماء: ذللت طالبا فعززت مطلوبا، فقال: من ذلّ طلبه عزّ أدبه. وقال أرسطاطاليس: طالب العلم كالغائص في البحر، لا يصل إلى الجواهر الكريمة إلا بالمخاطرة العظيمة. ترفيه النّفس في طلبه قال النبي ﷺ : إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. وقيل: دار القلب فإذا نشط فأودعه، وإذا فتر فتودعه. وقيل: روّحوا الأذهان كما تروّحون الأبدان، فإنّ العقل المكدود «٢» ليس لرؤيته لقاح ولا لرأيه نجاح. وقيل: نفسك مطيتك إن رفهتها اضطلعت، وإن تحاملت عليها انقطعت.

стр. 69

الحرص على الاستكثار منه وعزّه إذا كثر قال ﷺ : منهومان لا يشبعان: منهوم في العلم، ومنهوم في المال. وقيل: الشره في المال دناءة وفي العلم نباهة. وقيل: كل شيء يعزّ حين ينزر والعلم يعزّ حيث يغزر. اتساع القلب بازدياد العلم قال أبو نواس: ما رأيت شيئا إلا قليله أخف من كثيره، إلا العلم فإنه كلما كان أكثر كان أخف محملا. وقيل: كلّ إناء يفرغ فيه شيء يضيق، إلا القلب فإنه كلما أفرغ فيه علم اتسع. وقال أنوشروان: قلب العالم كبيت فيه مصباح لا يضيق عن تظاهر النور فيه، بل يتسع للنظر ويزيد في الضياء. الترغيب في اختيار النّكت قيل: العلم أكثر من أن يحوى، فخذوا من كل شيء أحسنه، وقيل: حلّ طبعك بالعيون والفقر، فالشجرة لا يشينها قلّة الحمل إذا كانت ثمرتها نافعة. وقال ابن عباس ﵄ : العلم كثير فارعوا أحسنه. أما سمعتم قول الله تعالى فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه؟ قال الشاعر: قالوا خذ العين من كلّ فقلت لهم ... في العين فضل ولكن ناظر العين تناول طرف من كلّ نوع قال يحيى بن خالد: انتق من كلّ علم طرفا، فمن جهل شيئا عاداه، واكره أن تكون عدوّا لشيء من الآداب. وقيل: إذا أردت أن تكون عالما فاقصد فنا واحدا، وإذا أردت أن تكون أديبا فخذ طرفا من كل فن. وقيل: من لا يعلم إلا فنا واحدا من العلم سمّي الخصيّ من العلماء. تقديم تعلم ما لا يستغنى عنه قال المأمون: العلم لا يدرك غوره «١» ولا يسبر قعره، فابدؤا بالأهم فالأهم بالفرض قبل النفل «٢» ، إن الأهم المقدّم.

стр. 70

وقيل: ضيّع الناس الأصول بتركهم الأصول. النهي عن الخوض في فنون من العلم قيل: ازدحام العلم في السمع مضلّة للفهم. وقيل: إذا رأيتم رجلا يريد تعلم أنواع العلوم فداووه. وقيل: من رام أن ينتحل فنون العلم استخفّ بنحيزته «١» ، ووقف الناس على غميزته «٢» . قال الشاعر: تعلّمت حتّى من كلاب عواءها ... لعمري لقد أسرفت في طلب العلم كثرة العلم قال الحسن ﵁ : ما ترك قول الله تعالى:- وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا - عالما يظن أنّ علمه كثير. وقيل لفيلسوف: إلى أين بلغت في العلوم؟ قال: إلى الوقوف على القصور عنها. زهد من يقرب من العلماء في العلم قيل: أزهد الناس في العالم جاره. وقيل: العالم كالجمة من البئر، يأتيها البعداء، ويزهد فيها القرباء. وقيل لرجل: كيف غلبت البرامكة؟، فقال: بتطراف الغرباء والملالة من القرباء. وقال أنوشروان: رأيت في منامي رجلا يعدو والماء خلفه يناديه، فعبّر بأنه رجل يفرّ من العلم وعالم يناديه ليفيده وهو يمنع منه. حمد التأديب قال أمير المؤمنين علي رضي عنه: النّاس عالم ومتعلم، وما سواهما همج. فدلّ ذلك على تفضيل التأديب، وجميع ما تقدم من عموم فضل التعليم فدلالة على فضل المؤدبة. وقال ابن ثابت: إن المؤدبة ولدوا بنجم الملوك حاسبون حسابهم. وسأل الرشيد يوما: من أكرم الناس خدما؟ قيل: أمير المؤمنين فقال: لا، بل أكرمهم خدما الكسائيّ فقد رأيته يخدمه الأمين والمأمون وليّا عهد المسلمين وليس لي من الخدم مثلهما. وقال خالد بن صفوان لمؤدب: أنت أنظفنا وصيفا وأحضرنا رغيفا. ذمّ التأديب وكونه نقصا لذوي الفضل كلّف إسماعيل بن علي عبد الله بن المقفع أن يجلس مع ابنه في كل أسبوع يوما،

стр. 71

فقال: أتريد أن أثبت في ديوان النوكي؟ وقال سعيد بن سلم: قصدت الكوفة فرأيت ابن المقفع فرحّب بي، وقال: ما تصنع ههنا؟ فقلت: ركبني دين فأحوجت إلى الإزعاج. فقال: هل رأيت أحدا؟ فقلت: ابن شبرمة وعرّفته حالي، فقال: أنا أكلّم الأمين ليضمّك إلى أولاده فيكون لك نفع. فقال: أف لذلك أيجعلك مؤدبا في آخر عمرك، أين منزلك؟ فعرّفته فأتاني في اليوم الثاني وأنا مشغول بقوم يقرؤون عليّ ومعه منديل فوضعه بين يدي، فإذا فيه أسورة مكسورة ودراهم متفرّقة مقدار أربعة آلاف درهم، وحينئذ» زمان المنصور وفي الدراهم ضيق. فأخذت ذلك ورجعت به إلى البصرة واستعنت به. قال الشاعر: كفى المرء نقصا أن يقال بأنّه ... معلّم صبيان وإن كان فاضلا وقال آخر: إنّ المعلّم حيث كان معلّم ... ولو ابتنى فوق السّماء سماء وصايا المؤدّبين في الأولاد أوصى هشام بن عبد الملك سليمان الكلبيّ، لما اتخذه مؤدّبا أنّ ابني هذا هو جلدة «٢» ما بين عينيّ، وقد ولّيتك تأديبه فعليك بتقوى الله، وأداء الأمانة فيه، بخلال أوّلها أنك مؤتمن عليه، والثانية أنا إمام ترجوني وتخافني، والثالثة كلّما ارتقى الغلام في الأمور درجة ارتقيت معه. وفي هذه الخلال ما يرغبك في ما أوصيك به. إنّ أول ما آمرك به أن تأخذه بكتاب الله وتقرئه في كل يوم عشرا يحفظه حفظ رجل يريد التكسب به ثم روّه من الشعر أحسنه. ثم تخلّل به في أحياء العرب، فخذ من صالح شعرهم هجاء ومديحا، وبصّره طرفا من الحلال والحرام والخطب والمغازي، ثم أجلسه كل يوم للنّاس ليتذكر. وقال عتبة بن أبي سفيان لمؤدب ولده: ليكن أوّل إصلاحك لولدي إصلاح نفسك فإنّ عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنته والقبيح ما استقبحته. علّمهم كتاب الله وروّهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفّه ولا تكرههم على علم فيملّوه ولا تدعهم فيهجروه، ولا تخرجهم من علم إلى علم. حتى يحكموه، فازدحام العلم في السّمع مضلّة للفهم. وعلّمهم سير الحكماء وهدّدهم وأدّبهم دوني، ولا تتكل على كفاية منك، واستزدني بتأثيرك أزدك إن شاء الله تعالى. وضرب أبو مريم مؤدّب الأمين والمأمون الأمين بعود فخدش ذراعه فدعاه الرشيد إلى الطعام فتعمّد أن حسر عن ذراعه فرآه الرشيد. فسأله، فقال: ضربني أبو مريم فبعث إليه ودعاه قال فخفت فلما حضرت، قال: يا غلام وضّئه فسكنت وجلست آكل، فقال: ما بال محمد

стр. 72

يشكوك فقلت قد غلبني خبثا وعرامة «١» قال: اقتله فلأن يموت خير من أن يموق «٢» . الحثّ على تفقّد المؤدب قيل: أولى من تبذل له ثراك من أفادك علاك وصقل حجاك «٣» . قال الشاعر: إن المعلّم والطبيب كلاهما ... لا ينصحان إذا هما لم يكرما فاصبر لدائك إن جفوت طبيبه ... واصبر لجهلك أن جفوت معلّما ووقّع الصاحب لبعض المؤدّبة إلى من تقاعد بمشاهرته: الكلب يرفع نفسه ويجلّها مع خسّته من أن يفيت مؤدّبا مستوجبا من أجرته وسمع مؤدّب يلقّن صبيّا: وإذ قال لقمان «٤» لابنه: وهو يعظه يا بنيّ لا تقصص رؤياك على أخوتك فيكيدوا لك كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدا. فقيل له: ما هذا؟ فقال: إن أباه يدخل مشاهرة شهر في شهر، وأنا أدخله من سورة إلى سورة، لئلا يحصل على شيء كما لا أحصل أنا على شىء. نوادر المعلمين فيما يقرأ عليهم الصبيان قرأ صبيّ على معلم: وإنّ عليك اللعنة يا شيخ، وأخذ يكرر ويقف. فقال: عليك وعلى والديك. فقال الصبيّ: ليس فيه وعلى والديك، لكنه عليك هل ألحقه به؟ وقرأ آخر على معلّم: اخرج منها فإنّك رجيم. فقال: ذلك أبوك الكشحان. وقرأ آخر على معلّم: ما لنا في بناتك من حقّ وأخذ يكررها كالمستفهم، فقال: لا ولا كرامة لك. نوادرهم فيما يقرأ عليهم من التصحيفات «٥» قرأ صبي على معلم إنّي أريد أن أنكحك، فقال: هذا إذا قرأت على أمّك القحبة. وقرأ آخر: عليها ملائكة غلاظ شداد يعصون الله ما أمرهم ولا يفعلون ما يؤمرون. فقال: هؤلاء أكراد لا ملائكة. وكان معلّم يلقّن صبيا «عبس وتولّى» ، فكان يقول: أبس وتولّى. فضربه المعلم فقال: عاه فقال: حوّل العين من ههنا إلى ثمّ وخلّصني.

стр. 73

وقرأ آخر: وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصل، فقال يا ابن الفاعلة لعلك تشتهي البصيلة. ما وصف من لواط المعلمين وفد سعيد بن عبد الرحمن على هشام «١» ، وهو صبي وضيء الوجه فبعث به هشام إلى عبد الصمد مؤدب ولده الوليد ليؤدّبه. فراوده عن نفسه فخرج من عند المؤدب مغضبا ودخل على هشام وهو يقول: إنّه والله لولا أنت لم ... ينج منّي سالما عبد الصّمد فقال وما ذاك؟ قال: أنّه قد رام منّي خطّة ... لم يرمها قبله منّي أحد قال وما ذاك؟ فقال: رام جهلا بي وجهلا بأبي ... يولج العصفور في خيس الأسد «٢» فطرد عبد الصمد عن داره. وحدّث الأحيمر النحوي وكان مؤدّب الأمين اتخذ عليه بعد حمّاد عجرد «٣» ، وكان حماد اتخذ عليه بعد نفي قطرب «٤» قال: كان سبب نفيه أن حمادا كان يتعشّق الأمين ويطمع أن يتخذ عليه مؤدبا فلم يتأتّ له ذلك حتى استوى الأمر على قطرب، فاحتال حمّاد وكتب هذين البيتين وناولهما بعض الخدم على يد مجهول: قل للأمير جزاك الله صالحة ... لا يجمع الدهر بين السخل والذيب «٥» السخل غرّ وهمّ الذيب غفلته ... والذيب يعلم ما في السخل من طيب فلما قرأهما الرشيد نفى قطربا واتخذ حمّاد عجرد، وجعل عليه ثمانين من الرقباء فخاف قطرب لما وسم بهذه السمة فهرب إلى الكرج، والتجأ إلى أبي دلف فحسن حاله. ودخل المأمون ديوان أحمد بن يوسف فصادف حوله مردا حسانا فقال: أسد رابض حواليه أسد ... ليس ينجو من الأسود الظباء وقال خلف الأحمر لمعلمه وهو في الكتاب وقد راوده عن نفسه: أتترك في الحلال مشق صاد ... وتأتي في الحرام مدار ميم «٦»

стр. 74

حماقة المعلّمين قال يعقوب الدورقي: إن الله أعان على عرامة الصبيان، بحماقة المعلمين. وقال سهل بن هارون «١» لم أر قاضيا ولا عدلا معلم كتاب، لا في تافه حقير ولا في ثمين خطير. وقال الشاعر: وكيف يرجّى العقل والرأي عند من ... يروح على أنثى ويغدو على طفل وقال آخر: أنت ألحى معلّم وطويل ... حسبنا ربّنا ونعم الوكيل وقال الجاحظ: المعلمون على ضربين: منهم من ارتفعوا عن أولاد العامّة إلى تعليم أولاد الملوك والمرشّحين للخلافة كالكسائي وقطرب وحماد وعبد الصمد، فهؤلاء لا تجوز عليهم الحماقة، وإن لكلّ قوم حاشية وجهالا وسفهاء. ما وصف من ذكاء الصبيان وكيسهم في الكتاب قال مؤدب يزيد بن عبد الملك: لم لحنت؟ فقال: الجواد يعثر. فقال المؤدب: أي والله ويضرب حتى يستقيم. فقال يزيد: وربما يرمح «٢» سائسه فيكسر أنفه. ويروى عن ابن السكيت قال: أحضرت لاتخذ على المعتز بالله، فقلت له: بأي شيء نبدأ اليوم. فقال: بالخروج. فقلت: نعم. فعدا من بين يدي وعثر على المرمر، فقال: يموت الفتى من عثرة بلسانه، وليس يموت المرء من عثرة الرجل. فقلت للمتوكل: جئتم بي لتأديبه وهو آدب منّي. فأمر لي بعشرة آلاف درهم. قال أبو محمد يحيى- وكان مؤدب المأمون في صغره- صلّيت يوما قاعدا فأخطأ المأمون فقمت لأضربه، فقال: أيها الشيخ أتطيع الله قاعدا وتعصيه قائما فكتب بهذا إلى الرشيد فأمر لي بخمسة آلاف درهم. وحكي أنه بدر من أبي عمر الصباغ إلى الصاحب جفاء وكان مؤدبه، فقام من عنده وكتب إليه: أودعتني العلم فلا تجهل ... كم مقول يجني على مقتل وأنت إن علمتني سوقة ... والسيف لا يبقي على الصّيقل فاتصل ذلك بأبي الحسين بن سعد فتعجب منه وكتبه وقال: ابن ثمانين يكتب شعر ابن عشر ثم تلا: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا «٣» .

стр. 75

أمارة نجابة «١» الصبيان قيل لأعرابي: ما أمارة النجابة في صبيانكم؟ قال: إذا كان أعنق «٢» أشدق أحمق. فأقرب به من السودد «٣» . وقال الزبرقان: أكيس صبياننا العريض الورك السبط «٤» الغرّة، الطويل الغرلة «٥» ، الأبله العقول. وقال بزرجمهر لكسرى، وعنده أولاده: أي أولادك أحب إليك؟ قال أرغبهم في الأدب، وأجزعهم من العار وأنظرهم إلى الطبقة التي فوقه. وروى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: عرامة الصبيّ في صغره زيادة في عقله إذا كبر. وقال معاوية: طيّروا الدم في وجوه الصبيان، فإن بدا في وجوههم الحياء وإلا فلا تطمعوا فيهم. صبيّ استدلّ بعقله على كبر همّته قيل: أول ما عرف من سودد خالد القسري أنّه مرّ في بعض طرق دمشق راكبا، وله عشر سنين فوطىء فرسه صبيا فوقف عليه فرآه لا يتحرك فانتهى إلى أول مجلس مرّ به، فقال: إن حدث بهذا الغلام حدث فأنا صاحب الجناية ولم أعلم. ومرّ عمر ﵁ بصبيان يلعبون وفيهم عبد الله بن الزبير ﵁، فعدا الصبيان ووقف عبد الله فقال له عمر: ما لك لا تذهب مع الصبيان؟ فقال: يا أمير المؤمنين لم أجن إليك فأخافك، ولم يكن في الطريق ضيق فأوسعه لك. فقال عمر: أي شيطان يكون هذا؟ وكان عبد الملك صغيرا فأربى عليه صبيّ فضربه، فقيل له: لو شكوته إلى عمّك لانتقم منه. فقال: أنا لا أعدّ انتقام غيري انتقاما. وقال السري الرفاء يصف غلاما بعلو الهمة: لا تعجبنّ من علوّ همّته ... وسنّه في أوان منشاها إنّ النّجوم التي تضيء لنا ... أصغرها في العيون أعلاها من تكلّم عند الخلفاء وهو صغير فارتفع بذلك شأنه أوفد أبو موسى الأشعري زيادا على عمر ﵁، وكان يكتب له، وهو حين
следующие страницы →