Полный текст (155 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
مقدمة
في كتاب العقد الفريد «١» ، يتحدّث ابن عبد ربه عن الأمثال فيصفها بقوله بأنها «وشي الكلام، وجوهر اللفظ، وحلي المعاني، والتي تخيّرتها العرب، وقدّمتها العجم، ونطق بها في كل زمان، وعلى كلّ لسان، فهي أبقى من الشعر، وأشرف من الخطابة، لم يسر شيء مسيرها ولا عمّ عمومها، حتى قيل: أسير من مثل» .. ويتابع ابن عبد ربه رأيه قائلا: «وقد ضرب الله الأمثال، في كتابه، وضربها رسول الله ﵌ في كلامه.
قال الله : يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ
«٢» وقال: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ
«٣» . ومثل هذا كثير في القرآن الكريم» .
ولا غرو، فالأمثال لدى جميع الشعوب، مرآة صافية لحياتها، تعكس بكل دقة وجلاء الصورة النقيّة لمعظم عاداتها وتقاليدها وعقائدها، كما تعكس بالتالي سلوك أفرادها ومجتمعاتها، بحيث غدت أو كادت أن تغدو، الميزان الرقيق لتلك الشعوب، في رقيها وانحطاطها وبؤسها ونعيمها وآدابها ولغاتها.
في هذا المجال، يقول الحسين بن وهب، في كتابه البرهان في وجوه البيان «٤» :
«وأمّا الأمثال، فإن الحكماء والعلماء والأدباء، لم يزالوا يضربون الأمثال ويبينون للناس تصرّف الأحوال، بالنظائر والأشباه والأمثال، ويرون هذا النوع من القول أنجح مطلبا،
стр. 2
وأقرب مذهبا.. ولذلك جعلت القدماء أكثر آدابها وما دوّنته من علومها، بالأمثال والقصص عن الأمم. ونطقت ببعضه على ألسن الطير والوحش. وإنّما أرادوا بذلك أن يجعلوا الأخبار مقرونة بذكر عواقبها، والمقدّمات مضمونة إلى نتائجها.. ولهذا بعينه، قصّ الله علينا أقاصيص من تقدّمنا ممن عصاه وآثر هواه فخسر دينه ودنياه، ومن اتبع رضاه فجعل الخير والحسنى عقباه، وصيّر الجنّة مثواه ومأواه.
فالأمثال، لها دلالة واضحة على حياة الأمة، فما بالنا بالأمثال العربيّة التي نمت بين أفياء أمتنا، وتناهت إلى أسماع الناس جيلا بعد جيل. إنها بلا شك تكشف عن طبيعة حياة العرب والمسلمين، وتجلي كثيرا من مظاهر هذه الحياة البسيطة أو المعقّدة، والتي لم يهتمّ بها الشعر كثيرا، عنيت بذلك صور الحياة اليوميّة المعاشة، التي يحياها الغني والفقير، والرجل والمرأة، وما ينهل بها من أسباب وأعمال وما يتداول فيها من حرف وما ينشأ عن ذلك من آلات وأدوات تطلبها ظروف العمل والكدح بصورة متعاقبة في البيئة الواحدة والبيئات المتجاورة.
حقّا إن العرب، بلغت شأوا لا يدرك في ضرب الأمثال، فسلكوا فيها كلّ مسلك، حتى أنه لم يخل كلام لهم من مثل في تضاعيفه. وكذلك زينوا بالأمثال فنون القول وتصاريفه. وهذا ما حدا باللغويين العرب، أن يجمعوا لنا منها قدرا كبيرا، منذ فجر التأليف في العربيّة. وقد تناولوها بالشرح والتفسير، كما جمعوا لنا قصصها التي حدثت بالفعل، أو حيكت حولها. فبينوا لنا موردها ومضربها، ورتبوها في ضروب متنوعة، ترتيبا وتبويبا.
فقد وجد الرواة والمؤرخون المسلمون الأوائل، أن الأمثال، لها قيمة عظيمة على صعيد التربية والتعليم والتثقيف والأخذ بالكلام البليغ والفصيح. ولذلك كانوا يحثّون تلامذتهم على حفظها، لأنهم كانوا يجدون فيها الأنغام اللغوية الصغيرة لأبناء جلدتهم أو دينهم، ينعكس فيها الشعور والتفكير، وعادات الأفراد وتقاليدهم على وجه العموم.
وكذلك يظهر فيها نموّ الحياة الاجتماعية في شرائح وطبقات، تمثل صعد مجتمعهم كافة.
وقد كان المفضل الضبيّ مربيا من جهة، وعالما لغويا من جهة أخرى. فهو مؤدب الخليفة العباسي المهدي بناء لطلب من أبيه أبي جعفر المتصور «١» .
стр. 3
وهو أيضا الرواية واللغوي ورأس المدرسة الكوفية «١» . ومن هنا فإن كتابه: أمثال العرب، يندرج في إطار هاتين المهمتين اللتين كان موكلا بهما.
إلى ذلك، فإن الأمثال كما يعرفها لنا أبو عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ/ ٨٣٨ م) ، هي «حكمة العرب في الجاهلية والإسلام. وبها كانت تعارض كلامها، فتبلغ بها ما حاولت من حاجاتها في المنطق، بكتابة غير تصريح، فيجتمع لها بذلك ثلاث خلال:
إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى وحسن التشبيه» «٢» .
فالحكمة تنتج عن التجربة. ولذلك نجد مجموعة الأمثال عند العرب، هي حصيلة تجاربهم في الحياة، التي كانوا يخوّضون فيها بكل قوة. أمّا أسلوب الكتابة للتعبير غير المباشر، فلم يكن إلّا صيغة من الصيغ الأسلوبية المستعملة في التمثيل للابتعاد عن السردية المتصلة عادة بالتقرير المباشر.
وإذا تأملنا الخلال الثلاث التي أشار إليها أبو عبيد القاسم بن سلام في صفة المثل وهي: الإيجاز وإصابة المعنى وحسن التشبيه، فهي توجز لنا التعريف الرقيق للمثل من الناحية الفنيّة.
«فإيجاز اللفظ» تعبير مصيب، لأن التعبير بالمثل عن تجربة أو موقف معين، أسهل في الصياغة من الناحية اللغوية، وأكثر اختصارا من التعبير التجريدي المباشر الخالي من التصوير. وإذا كان أبو عبيد يعدّ حسن التشبيه من سمات الأمثال، فإنه دون ريب، لا يفكّر إلّا في الأمثال التصويرية، على الرغم من أنه ملأ كتابه «الأمثال» ، بمجموعة ضخمة من الحكم الصائبة من حيث معانيها «٣» .
والسؤال الذي يطرح نفسه باستمرار على الباحث، هو تقدير البعد التاريخي للأمثال العربيّة القديمة. وقد ذهب كثير من الباحثين العرب والأجانب، إلى إمكانية تقدير المسافة الزمنية للقصص وأمثالها، من خلال الحوادث التاريخية التي تشير إليها.
وعلى الرغم أن «فرايتاج» كان قد صنع جداول، رتب فيها الأمثال مع «قصصها»
стр. 4
ترتيبا تاريخيا، غير أنه سارع إلى القول في الفصل الذي عقده بعنوان: «العصر الذي نشأت فيه الأمثال» عن كتابه «أمثال العرب» فقال: « ... لأن مثلا كهذا، لم يقل- كما هو واضح- قبل هذه الحادثة، كما أنه لم يستعمل بعدها زمنا طويلا. ولكن من يجرؤ على تحديد الزمن، الذي انتشر فيه هذا المثل» «١» .
وهناك من يشير إلى أن تكون مثل هذه الأمثال التاريخيّة مخترعة اختراعا، فنسجت خيوطها على ضوء هذه الأمثال، تماما كما ترتبط القصص التبريرية، ببعض أبيات الشعر العربي. وهي إشارة واضحة إلى إمكانية أن تكون هذه الوقائع التاريخية التي تحكيها هذه القصص المتصلة بالأمثال، وقائع حقيقية، أو وقائع مزيفة. وقد شكّ أكثر من باحث من المستشرقين بصحة نسبة هذه الأمثال إلى تاريخ العرب قبل الإسلام، وقالوا إنما هي دونت مع الشعر في العصر العباسي «٢» ، بعد ما كانت قد جمعت في العصر الأموي.
فالأمثال وحكاياتها، كانت تشكل جزءا مهما من أدب المسامرة عند العرب في العصر الأموي. هذا الأدب الذي كان يتكوّن من أقاصيص القرآن الكريم والكتاب المقدّس وحكايات جنوبي الجزيرة العربية وأخبار السيرة النبويّة الشريفة والفتوحات الأولى وأيام العرب.
ولم يكن أدب المسامرة ولا الأمثال وحكاياتها أو الأيام وأخبارها، من صنع الخيال الشعبي، أو من صنع أعراب البادية، بل كان رواتها رجالا مشهورين مثل غسان بن ذهيل السليطي ومحمد بن كعب القرظي ودغفل وعبيد بن شرية، الذين كانوا يشكلون همزة الوصل بين أسماء البدو القدماء وأندية البلاطات الأموية.
وقد ذكر أن عبيد بن شرية الجرهمي حضر من الرقة إلى دمشق ليقص على الخليفة معاوية تاريخ العرب وقصص الأولين. وقد وضع كتابا في الأمثال ذكره كل من ابن النديم «٣» وياقوت الحموي «٤» .
стр. 5
ومن المؤلفين في الأمثال في العصر الأموي، صحار بن العباس أو «عيّاش» العبدي «١» ، وكان مثقفا واسع الشهرة في عصر معاوية. كذلك تحدّث أصحاب التراجم عن «علاقة بن كريم» وهو عند البكري كرشم وعند ياقوت الحموي كرسم الكلابي «٢» .
وبرأينا أن هذه الكتب من الأمثال التي صنعت في العصر الأموي، لم تكن لتختلف كثيرا في ترتيبها ومضمونها وحجمها عن كتاب الأمثال الذي ألّفه المفضّل الضبيّ الذي يفيض بالقصص التعليليّة للأمثال.
ففي كتاب أمثال العرب للمفضل الضبيّ، تتجلّى لنا صورة الأديب والمربي، الذي يهتمّ بالقصص المسليّة. فنحن نجد في هذا الكتاب أجمل الأقاصيص والخرافات والأساطير. وهي تنتهي بعبارة مأثورة لأحد أبطالها، وهم عادة ما يكونون من زعماء القبائل والعشائر والشيوخ، أو من جماعة الشعراء والحكماء، أو من الحمقى والمغفلين.
كذلك فنحن نجد قصصا من أخبار أيام العرب، تتعلّق بشخصيّة تاريخيّة معروفة، ولكنها على العكس تماما من أيام العرب، فإنها ذات طابع قصصي محض. فالمكان والزمان غير واضحين. أمّا الجوّ العام للقصّة فهو غامض أيضا، ولا يتّضح وضوحا تاما أيضا.
ولذلك لم يجد فيها المؤرخون قيمة تاريخيّة، اللهم إلّا بالنسبة للأسماء والهيكل العام للحوادث.
وقد حذّر (كاسكل Quellen:ص ٣٣٣ من اعتماد المؤرخين عليها في التاريخ الحضاري، لأنها ليست دقيقة «٣» .
أما ما يجدر ذكره، فهو انتقال معظم قصص الأمثال التي أوردها المفضل الضبيّ، وإن لم تكن بكامل تفاصيلها- إلى مؤلفات اللغويين القدامى، من الكوفيين والبصريين. وقد أضيفت إليها تلك القصص التي رواها ابن الكلبي بأسلوبه البارع في صناعة الخرافات والأحاديث. وكذلك عمدته في أخباره الشرقي القطامي ويعرف بأبي المثنى الوليد بن
стр. 6
الحسين الكلبي الشامي الأصل. ولا ننسى عوانة بن الحكم الذي كان يقوم بدور مماثل لدور الشرقي بن القطامي، في رواية القصص «١» . وقد وضع كتاب سيرة معاوية بن أبي سفيان. ناهيك عن دور ابن دأب وهو عيسى بن يزيد بن بكر بن دأب (ت- ١٧١ هـ/ ٧١٧ م) الذي كان يضع الشعر وأحاديث السمر والأمثال وقصصها «٢» .
إننا إذ نقدّم هذا الكتاب: أمثال العرب للمفضل الضبي اليوم، إنما نعتبره الأصل الذي بنى عليه فيما بعد مصنفوا الأمثال كتبهم ومجاميعهم. وما دام الأمر كذلك باعتراف جميع الباحثين والمؤرخين، فحريّ بنا أن نعيره الاهتمام البالغ صنعة وتحقيقا وتدقيقا وفهرسة وتبويبا. حتى نتمكن من إخراجه بحلة علمية راقية ونفيسة معا في آن.
وأرجو أن يوفقنا الله إلى ذلك إنه نعم المولى ونعم النصير المحقق
стр. 7
المفضل الضبي في مدونات المترجمين
بالعودة إلى مدونات القدماء الكثيرة، وما كتبوه عن حياة المفضل الضبي، ارتأينا الاستئناس بما أورد كل من ياقوت الحموي في معجم الأدباء، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، وابن النديم في الفهرست.
أما من مدونات المترجمين المحدثين، فقد أوردنا ما كتبه كل من خير الدين الزركلي في كتابه الأعلام، وعمر رضا كحالة في معجم المؤلفين، وجرجي زيدان في تاريخ الآداب العربية، والمستشرق رودلف زلهايم في كتابه الأمثال العربية القديمة، والدكتور عبد المجيد قطامش في كتابه الأمثال العربيّة.
وقد آثرنا تقديم النصوص مع حواشيها ضنا بالفائدة التي يمكن أن تجتنى منها.
١- ياقوت الحموي. معجم الأدباء ١٩/١٦٤ «١» .
(المفضّل بن محمّد بن يعلى) أبو عبد الرّحمن الضّبّيّ، الرّواية الأديب النّحويّ اللّغويّ، كان من أكابر علماء الكوفة، عالما بالأخبار والشّعر والعربيّة. أخذ عنه أبو عبد الله بن الأعرابيّ، وأبو زيد الأنصاريّ، وخلف الأحمر وغيرهم وكان ثقة ثبتا. قال ابن الأعرابيّ: سمعت المفضّل الضّبيّ يقول: قد سلّط على الشّعر من حمّاد الرّاوية ما أفسده فلا يصلح أبدا، فقيل له
стр. 8
وكيف ذلك؟ أيخطىء في روايته أو يلحن؟ قال: ليته كان كذلك، فإنّ أهل العلم يردّون من أخطأ إلى الصّواب، ولكنّه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشّعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشّعر يشبّه به مذهب رجل ويدخله في شعره، ويحمل ذلك عنه في الآفاق فتختلط أشعار القدماء ولا يتميّز الصّحيح منها إلّا عند عالم ناقد، وأين ذلك؟
وعن إبراهيم بن المهديّ قال: حدّثني السّعيديّ الرّواية وأبو إياد المؤدّب قالا «١» : كنّا في دار أمير المؤمنين المهديّ بعيساباذ، وقد اجتمع فيها عدّة من الرّواة والعلماء بأيّام العرب وآدابها وأشعارها ولغاتها إذ خرج بعض أصحاب الحاجب فدعا المفضّل الضّبيّ الرّواية، فدخل فمكث مليّا ثمّ خرج إلينا ومعه حمّاد والمفضّل جميعا، وقد بان في وجه حمّاد الانكسار والغمّ، وفي وجه المفضّل السّرور والنّشاط، ثمّ خرج حسين الخادم فقال: يا معشر من حضر من أهل العلم، إنّ أمير المؤمنين يعلمكم أنّه قد وصل حمّادا الشّاعر بعشرين ألف درهم لجودة شعره، وأبطل روايته لزيادته في أشعار النّاس ما ليس منها، ووصل المفضّل بخمسين ألفا لصدقه وصحّة روايته، فمن أراد أن يسمع شعرا جيّدا محدثا فليسمع من حمّاد، ومن أراد رواية صحيحة فليأخذها عن المفضّل. فسألنا عن السّبب فأخبرنا أنّ المهديّ قال للمفضّل لمّا دعا به وحده: إنّي رأيت زهير بن أبي سلمى افتتح قصيدته بأن قال:
«دع ذا وعدّ القول في هرم»
ولم يتقدّم له قبل ذلك قول، فما أمر نفسه بتركه؟ فقال له المفضّل: ما سمعت يا أمير المؤمنين في هذا شيئا إلّا أنّي توهّمته، كان يفكّر في قول يقوله أو يروّي في أن يقول شعرا، فعدل عنه إلى مدح هرم وقال: دع ذا، أو كان مفكّرا في شيء من شأنه فتركه وقال: دع ذا فأمسك المهديّ عنه، ثمّ دعا بحمّاد فسأله عن مثل ما سأل عنه المفضّل فقال: ليس هكذا قال زهير يا أمير المؤمنين، قال فكيف قال؟ فأنشد:
لمن الدّيار بقنّة الحجر ... أقوين مذ حجج «٢» ومذ دهر
قفر بمندفع النّجائب من ... ضفوى أولات الضّال والسّدر
دع ذا وعدّ القول في هرم ... خير البداة وسيّد الحضر
стр. 9
قال فأطرق المهديّ ساعة ثمّ أقبل على حمّاد فقال له: قد بلغ أمير المؤمنين عنك خبر لا بدّ من استحلافك عليه، ثمّ استحلفه بأيمان البيعة وكلّ يمين محرجة ليصدقنّ عن كلّ ما يسأله عنه، فحلف له بما توثّق منه، فقال له: اصدقني عن حال هذه الأبيات ومن أضافها إلى زهير؟ فأقرّ له حينئذ أنّه قائلها، فأمر له وللمفضّل بما أمر به من صلة وشهرة أمرهما وكشفه. وللمفضّل من التّصانيف: كتاب الألفاظ، كتاب العروض، المفضّليّات وهي أشعار مختارة جمعها للمهديّ وفي بعض نسخها زيادة ونقص، وأصحّها الّتي رواها عنه أبو عبد الله بن الأعرابيّ.
٢- الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: ١٣/١٢١ «١» .
(المفضل بن محمد الضبي) المفضل بن محمد بن يعلى، الضبي الكوفي. سمع سماك بن حرب، وأبا إسحاق السبيعي، وعاصم بن أبي النجود، ومجاهد بن رومي، وسليمان الأعمش، وإبراهيم بن مهاجر، ومغيرة بن مقسم. روى عنه أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، ومحمد بن عمر القصبي، وأبو كامل الجحدري، وأبو عبد الله محمد بن زياد بن الأعرابي وأحمد بن مالك القشيري، وغيرهم. وكان علامة راوية للآداب والأخبار، وأيام العرب، موثقا في روايته، وفد بغداد في أيام هارون الرشيد وأخبرنا الحسن بن أبي بكر أخبرنا مكرم بن أحمد القاضي، وأخبرنا محمد بن عمر النرسي أخبرنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي. قال: حدثنا صالح بن محمد الرازي حدثنا محمد بن عمر القصى حدثنا مفضل بن محمد النحوي حدثنا سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس. قال قال رسول الله ﵌: «إن من الشعر حكما، وإن من البيان سحرا» أخبرني الحسين بن محمد بن جعفر الخالع- فيما إذن أن نرويه عنه- أخبرنا علي بن محمد بن السرى الهمذاني. قال: قال لنا جحظة قال الرشيد للمفضل الضبي: ما أحسن ما قيل في الذئب ولك هذا الخاتم الذي في يده وشراؤه ألف وستمائة دينار؟ فقال قول الشاعر:
ينام بإحدى مقلتيه ويتقى ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع
فقال: ما ألقى هذا على لسانك إلا لذهاب الخاتم، وحلق به اليه. فاشترته أم
стр. 10
جعفر بألف وستمائة دينار وبعثت به إليه وقالت: قد كنت أراك تعجب به. فألقاه إلى الضبي وقال خذه وخذ الدنانير، فما كنا نهب شيئا فنرجع فيه. أخبرنا عبد الكريم بن محمد بن أحمد المحاملي أخبرنا علي بن عمر الحافظ قال: المفضل بن محمد بن يعلى بن عامر بن سالم بن أبي سلمى بن ربيعة بن زبان بن عامر بن ثعلبة بن ذؤيب بن السيد بن مالك بن بكر بن سعد بن حنبة. الرواية العلامة الكوفي. وجده يعلى بن عامر كان على خراج الري وهمذان والماهين «١» يروى المفضل عن عاصم بن أبي النجود القراءات والحديث، وعن أبي إسحاق السبيعي وسماك بن حرب وغيرهم. روى عنه علي بن حمزة الكسائي، ويحيى بن زياد الفراء وغيرهما.
٣- ابن النديم. الفهرست: ٧٥ «٢» .
أخبار المفضّل الضبّى أبو العباس المفضل بن محمد بن يعلى بن عامر بن سالم بن أبي الريال من بني ثعلبة بن السيد بن شبّه ويقال ابن أبي الضبي؛ هذا من خط اليوسفي. ويكنى أبا عبد الرحمن؛ من خطّ ابن الكوفي. ويقال إنه خرج مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن، فظفر به المنصور فعفا عنه وألزمه المهدي. وللمهدي عمل الأشعار المختارة المسماة المفضليّات. وهي مائة وثمانية وعشرون قصيدة. وقد تزيد وتنقص وتتقدّم القصائد وتتأخر بحسب الرواية عنه.
والصحيحة التي رواها عنه ابن الأعرابي قال: وأول النسخة لتأبّط شرا:
يا عيد مالك من شوق وأبراق ... ومرّ طيف على الأهوال طرّاق
وتوفي المفضل سنة ... وله من الكتب؛ كتاب الاختيارات. وقد ذكرناه. كتاب الأمثال. كتاب العروض. كتاب معاني الشعر. «كتاب الألفاظ» .
стр. 11
٤- خير الدين الزركلي الأعلام ٧/٢٨٠ «٣»
(المفضّل الضّبّي (٠٠٠- ١٦٨؟ هـ ٠٠٠- ٧٨٤ م)) المفضل بن محمد بن يعلى بن عامر الضبي، أبو العباس: رواية، علامة بالشعر والأدب وأيام العرب. من أهل الكوفة. قال عبد الواحد اللغوي: هو أوثق من روى الشعر من الكوفيين. يقال: إنه خرج على المنصور العباسي، فظفر به وعفا عنه. ولزم المهدي، وصنف له كتابه «المفضليات» وسماه الاختيارات. قال ابن النديم: «وهي ١٢٨ قصيدة وقد تزيد وتنقص وتتقدم القصائد وتتأخر بحسب الرواة عنه، والصحيحة التي رواها عنه ابن الأعرابي» . ومن كتبه «الأمثال» و «معاني الشعر» و «الألفاظ» و «العروض» «١» .
٥- معجم المؤلفين لعمر رضا كحّالة: ١٢/٣١٦ «٢» .
(المفضّل الضّبّي) (٠٠٠- ١٦٨ هـ/ ... - ٧٨٤ م) المفضل بن محمد بن يعلى بن عامر بن سالم الضبي (أبو العباس) أديب، نحوي، لغوي، عالم بالشعر وأيام العرب، من أهل الكوفة. لزم المهدي العباسي، وعمل له الأشعار المختارة المسماة المفضليات. من آثاره: معاني الشعر، الأمثال، الألفاظ، العروض، والمفضليات.
(خ) فهرس المؤلفين بالظاهرية.
стр. 12
(ط) ابن النديم: الفهرست ١: ٦٨، ٦٩، الأنباري: نزهة الألبا ٦٧- ٦٩، ياقوت: معجم الأدباء ١٩: ٦٤- ١٦٧، ابن حجر: لسان الميزان ٦: ٨١، ابن الأثير:
اللباب ٢: ٧١: البغدادي: هدية العارفين ٢: ٤٦٨، المامقاني: تنقيح المقال ٣: ٢٤٣، البغدادي: إيضاح المكنون ٢: ٢٧١، ٥٠٦، ٥٣٠.
Lichtenstadter:Encyclopedie de lislam III:٧٦٦, ٨٦٦, Brockelmaon:g,.I:٦١١, s, I:٦٣, ٨, ٩٧١
٨, ٦٣:I, s, ٦١١:L.
٦- جرجي زيدان. تاريخ الآداب العربية ٢/٤١٢ «١» .
(٢- المفضل الضبي توفى سنة ١٦٨ هـ) هو المفضل بن محمد الضبي، كان ثقة من أكابر الكوفيين أخذ عنه أبو زيد الأنصاري من البصريين لثقته. وقد أدرك المهدي العباسي فقربه وأدناه، فجمع له الأشعار المختارة التي سماها المفضليات كما جمع أبو تمام ديوان الحماسة. لكن هذا جمع الحماسة من كتب مدونة، وأما المفضل فأخذ أكثرها عن الألسنة. وهو غير المفضل بن سلمة اللغوي الآتي ذكره. وهذه مؤلفاته الباقية:
١- المفضليات وتسمى الاختيارات: وهي عبارة عن مائة وست وعشرين قصيدة، وقد تزيد أو تنقص حسب الروايات. طبعت في ليبسك سنة ١٨٨٥ وفي مصر. ولها شرح خطي في المكتبة الخديوية لأبي بكر بن الأنباري.
٢- كتاب الأمثال: طبع في الآستانة سنة ١٨٨٢.
وتجد أخباره في طبقات الأدباء ٦٧، والفهرست ٦٨، والعقد الفريد ١٣١ ج ٣.
٧- المستشرق رودلف زلهايم الأمثال العربيّة القديمة: ٧٢ «٢» .
стр. 13
(المفضل بن محمد يعلى الضبّي) وأقدم مؤلف لكتاب في الأمثال، من هذا النوع، هو المفضل الضبي الكوفي، (الذي سبق أن ذكر في صفحة ٢٩ وما بعدها) . انظر «بروكلمان.١٧٩ Gal ٨١١ ;SI: «وقد اشترك المفضل هذا في عام ١٤٥ هـ/ ٦٧٢ م، في الثورة التي قام بها «إبراهيم بن عبد الله بن الحسن» ، أحد العلويين، ضد الخليفة المنصور «١» (١٣٦ هـ/ ٧٥٤ م- ١٥٨ هـ/ ٧٧٥ م) . ودخل المفضل السجن، بعد وفاة إبراهيم، وهزيمة الثوار، [٦٤] غير أن الخليفة عفا عنه، وعهد إليه بتأديب ولده المهدي، الذي صار خليفة بعد ذلك؛ فجمع المفضل لهذا الأمير مختارات من القصائد العربية القديمة، اشتهرت فيما بعد باسم «المفضليات» . وكان المفضل أديبا، ولم يكن لغويا؛ فكان يهتم بأيام العرب، وأنساب البدو، وعلى الأخص الشعر العربي. ولم تكن تعنيه قضايا النحو واللغة. وكان من بين تلامذته، من علماء الكوفة: ربيبه ابن الأعرابي (١٧) وأبو عمرو الشيباني (١٠) ، ومن البصريين: أبو زيد الأنصاري (١٢) وخلف الأحمر. ولا يعلم بالضبط متى توفي المفضل، ولعله مات حوالي سنة ١٧٠ هـ/ ٧٨٦ م (الفهرست ٦٨ والخطيب البغدادي ١٣/١٢١ والمزهر [الطبعة الثانية] ٢/٤٠٥ و «فلوجل ١٤٢ Flugel «وغير ذلك.)
وقد نشر كتاب الأمثال، للمفضل الضبي في سنة ١٣٠٠ هـ في القسطنطينية (مطبعة الجوائب، في ٨٦ صفحة، وهي النشرة التي استخدمناها هنا) ، ثم طبع عن هذه النشرة مرة أخرى في القاهرة، سنة ١٣٢٧ هـ/ ١٩٠٩ م. ويحتوي هذا الكتاب على مجموعة من الحكايات، والنتف التاريخية، والخرافات، التي تنتهي دائما بعبارة على لسان بطل القصة أو خصمه؛ فتصير هذه العبارة مثلا (يعبر عن ذلك بعبارات: «فأرسلها مثلا» أو «فذهبت مثلا» أو «فذهب قوله مثلا» أو «فصار مثلا» وما شابه ذلك) .
واعتاد المفضل الضبي أن يقدم لقصصه، بالعبارة العامة: «زعموا» ، غير أنه يترك أحيانا هذا التقديم (ص ١٧ في الوسط) ، أو يذكر المثل، ثم يذكر قصته (ذيل صفحة
стр. 14
٢٣؛ ص ٥٥ في الوسط) . ولا يروي المفضل في الكتاب عن غيره إلا نادرا، وممن روي عنهم فيه: أبو النجم حبيب بن عيسى (ص ٢١ في الوسط؛ ص ٢٢ في الوسط؛ ذيل ص ٤٤؛ ص ٦٧ في أعلى الصفحة) ، وأبو عبد الله يزيد (ص ١٢ في الوسط) .
ويبدو أن كتاب الأمثال، للمفضل الضبي (حسب المطبوع منه بين أيدينا) قد دخلته إضافات، وتغييرات متأخرة. وعلى أية حال، فقد زاد فيه المتأخرون بعض الشروح، وتعرف أمثال هذه الزيادات بوضوح، في الأماكن التي يذكر فيها لغويون متأخرون عن المفضل؛ مثل: الكسائي (انظر فيما يلي ص ٢٧) ، وابن الأعرابي (١٧) : (ذيل ص ٩؛ ذيل ص ١٩ وانظر أيضا أعلى صفحة ٢٦ ووسط صفحة ٥٦ وذيل صفحة ٨٢) . كما يظن أن التفسيرات اللغوية الموجودة في صفحات: ٥؛ ١٢؛ ١٦؛ ٢٥؛ ٢٦ لم يكتبها المؤلف بنفسه.
ويحتوي الكتاب على مائة وستين مثلا تقريبا «١» ، يمكن أن تقسم بقصصها، على النحو التالي: [٤٧] .
وضع المفضل الضبي- بوصفه من قبيلة بني ثعلبة بن السّيد بن ضبة (انظر:
«قستنفلد - (Tab.I: «في مقدمة كتابه، ثلاثة أمثال بقصصها، لضبة بن أدّبن طابخة بن إلياس بن مضر بن معد. وهناك أمثال أخرى، لقبيلة ضبة، في صفحات ٤- ٦؛ ١٤؛ ٧٧. كما روى المفضل كثيرا من الأمثال، وقصص الأمثال، لقبيلة تميم بفروعها الكثيرة (انظر: «قستنفلد (Tab.KundL: «في علاقاتها مع القبائل الأخرى وملك الحيرة (انظر فيما مضى ص ٩٣) ، في صفحات: ٥- ٢٥؛ ٤٨؛ ٨١. وهو يذكر بالتفصيل أمر «داحس» وما يتعلق بها من أمثال وقصائد (ص ٢٦- ٤٤ الميداني ٢/٤٩- ٥٦) ، وقد استغرق ذلك في طبعة الجوائب، فصلا كاملا مستقلا (وربما كان إضافة متأخرة) . وفيما عدا ذلك، توجد أمثال وقصص للأمثال، لبني ذبيان (ص ٤٤- ٤٦؛ ٤٨- ٤٩) وبني وائل (ص ٥٤- ٦١؛ ٦٢ وبعضها يتعلق بحرب «البسوس» انظر: «كاسكل Quellen: «ص ٣٣٦) وإياد (ص ٤٥- ٤٦؛ ٦١) وطيء (ص ٥٠: ٥٢- ٥٣) وقضاعة (ص ٥٤؛ ٦٢؛ ٧٩) وجحينة (ص ٥٤) وكلاب (ص ٦٢؛ ٧٨؛ ٨٠) وطسم (ص ٧٤) وكلب (ص ٧٤- ٨٢)
стр. 15
وقريش (ص ٨٠) وخزيمة (ص ٨٠) . ويورد المفضل الضبي كذلك، أمثالا وقصصا للأمثال، للزّبّاء وجذيمة (ص ٤- ٦٨) ، ولقمان وقبيلته عاد (ص ٦٩- ٧٦) واللخميّين: (انظر فيما مضى ص ٩٣) والمنذر بن ماء السماء (ص ٨؛ ٢٠؛ ٥٠؛ ٥٢؛ ٦٨؛ ٧٩) وابنه عمرو (ص ٨٢) وحفيده امرىء القيس بن عمرو (ص ٨٢) وابن حفيده النعمان بن المنذر (ص ٧؛ ١٢؛ ١٥؛ ٧٦- ٧٧) والغسانيين:
غسان (ص ٥٤) والحارث بن جبلة (ص ٤٨؛ ٥٠؛ ٥٤؛ ٧٩) ورجل من الغساسنة لم يسمه (ص ٦٣) . هذا إلى بعض الأمثال، التي ترجع إلى الشعراء: امرىء القيس (ص ٥٢- ٥٤) وطرفة والمتلمس (صحيفة المتلمس ص ٨٢- ٨٤ وانظر:
«بلوخ» ص ١٨٥ هامش ١٣) والنمر بن تولب (ص ١٨) ومسافر بن أبي عمرو (ص ٧٧) والحطيئة (ص ٦٢) . ويندر أن يورد المفضل الضبي أمثالا (وقصصا للأمثال) لرجال أو نساء، لم يسمهم (ص ٤٧؛ ٤٨؛ ٥٢؛ ٥٣؛ ٧٦؛ ٧٨؛ ٧٩؛ ٨٠؛ ٨١؛ ٨٢؛ ٨٤؛ ٨٥) ، أو لم يذكر قبائلهم (ص ٨١ دغة) .
وهكذا نرى أن المفضل الضبي، قد جمع في كتابه قصصا تماثل أخبار أيام العرب (انظر؛ «كاسكل Quellen: «ص ٣٣٥) ، التي دارت رحاها في شرقي الجزيرة العربية، ووسطها على الأخص. [٤٨] والحصيلة التاريخية لهذه القصص، ضئيلة جدا، كما سبق أن ذكرنا ذلك في صفحة ٣٠، وفي كثير من الأحيان، تبدو بوضوح الخاصية التبريرية (atiologischer Charakter) في هذه القصص. وعلى ذلك، فكتاب المفضل الضبي، عبارة عن مجموعة من القصص، تفسر الأمثال وما يحيث بها. وترجع بعض الحكايات إلى مصدر أجنبي، غير عربي؛ مثل؛ قصة الزّبّاء (زنوبيا) ، وقصة زواج لقيط بن زرارة (ص ٢٠ وانظر كذلك: الأغاني ١٩/١٣٠) ، وقصة ولادة عمرو بن عدي (انظر: «كاسكل» : جمهرة ابن الكبي ٢/١٦٨) العجيبة (وكيف أن الجن أغوته في شبابه، ثم ملك تاج الحيرة فيما بعد- ص ٦٧ وما بعدها) ، وأخيرا حكاية المتلمس وطرفة (صفحة المتلمس- ص ٨٣ وما بعدها) .
ومثل ذلك قصة «بيت الحائض» ، المذكورة في صفحة ٢٤/٢٠ فإنها ترجع هي الأخرى إلى مصدر أجنبي (انظر: «كاسكل Qullen: «ص ٣٣٣ وكتاب «سميث W.Robertson Smith «بعنوان DieReligionen der Semiten توبنجن ١٨٩٩) . وقد رويت بعض القصص بضمير المتكلم، في بعض أجزائها (ص ٤٩/١؛ ص ٥٩/١٦) . وكثير من هذه القصص محشو بالأشعار، لشعراء معروفين أو مجهولين. كما
стр. 16
تبدأ بعض الحكايات بذكر بيت من أبيات الشعر (انظر «كاسكل Aiyam: «ص ٦٦ وما سبق في صفحة ٣٤ وما بعدها) ، ولا يعلم إلى أي حدّ نصيب المفضل الضبي، في ذلك كله.
والقصص التي جمعها المفضل الضبي، في كتابه الأمثال (بالإضافة إلى الأمثال نفسها) قد نقلها عنه المتأخرون، من المؤلفين في الأمثال، وإن لم تكن بتفاصيلها، فيما عدا حوالي ٣٠ مثلا بقصصها، لا توجد في كتب الأمثال، حتى ولا في مجمع الأمثال للميداني. وفي كتاب أبي عبيد الضخم، في الأمثال، الذي ألف عقب وفاة المفضل الضبي، توجد قصص المفضل المعروفة «١» ، إلى جانب أخرى تروى عنه، ولا وجود لها في كتابه «٢» . ولا يرجع سبب ذلك- فيما أعتقد- إلى أن نص المفضل قد وصل إلينا مختصرا؛ بل إلى أن المفضل [٤٩] أراد أن يضمن كتابه، مختارات مما جمعه. ولا بد أن حكاياته كانت محبوبة ومعروفة. هذه الحكايات التي ربما كان أبو عبيد يرى في بعضها، النسبة الكاذبة إلى المفضل الضبي. ولعل ما يدل على ذلك، تلك العبارة المتغافلة، التي يقدم بها أبو عبيد، للقصص التي يحكيها عن المفضل؛ مثل: حكي عن المفضل؛ روي عن المفضل؛ ما بلغنا عنه ... وما أشبه ذلك.
وهو مع الرواة الآخرين، أكثر دقة في تبيين طرق الرواية.
وكان كتاب الأمثال، للمفضل الضبي، موضع دراسة علماء الكوفة في مجالسهم؛ فقد قرأه (كما في طبعة الجوائب ص ٤) الطوسي، على ربيب المفضل وتلميذه:
محمد بن زياد الأعرابي. وكان ابن الأعرابي (١٧) قد ولد بالكوفة، لرجل من موالي عباس بن محمد الهاشمي، أصله من السند، واشتهر هناك فيما بعد بأنه لغوي بارع ورواية ثقة (توفي ٢٣١ هـ/ ٨٤٥ م عن ٨١ عاما. انظر طبقات الزبيدي ٢١٥ وابن الأنباري
стр. 17
٢٠٧ وابن خلكان ٣/٢٣ و «بروكلمان (GALI ٩١١) : «ويظهر اهتمامه بالأمثال، لا في أنه روى أمثال المفضل فحسب، بل في أنه ألف كتابا، لم يصل إلينا، واسمه:
«تفسير الأمثال» والفهرست ٩٩: «تفسير القبائل» وحاجي خليفة ١/١٥٠) . وكثيرا ما يذكر ابن الأعرابي أيضا، لدى جماع الأمثال المتأخرين، عند تفسير بعض الأمثال، وكذلك عند الأدباء؛ مثل القالي في كتابه الأمالي ١/١٩٥. أما علي بن عبد الله بن سنان التيمي، الملقب بالطوسي (الفهرست ٧١ وياقوت ٥/٢٢٩ و «فلوجل «١٥٦ و «بلاشير» ١١٣) فكان أكثر تلامذة ابن الأعرابي، أخذا عنه، كما روى كذلك عن أبي عبيد. وقد دبت العداوة بينه وبين ابن السكيت (١٩) ؛ لأنهما اختلفا بعد وفاة شيخهما: «نصران الخراساني» (الفهرست ٧) في رواية كتبه اختلافا كبيرا.
وقد احتفظ لنا ابن خير الإشبيلي (انظر فيما يلي ص ٨٦) في فهرسته (ص ٣٨٤) بسلسلة أخرى مفصلة، لرواية كتاب الأمثال، للمفضل الضبي، تبدأ من ابن الأعرابي، عن طريق الأحول (انظر فيما يلي ص ٤٨ هامش) وثعلب (٢٨) ونفطويه (٢٩) وأبي بكر بن شذان (انظر فيما يلي ص ٨٤ هامش) وأبي ذر عبد بن أحمد الهروي، وأبي سعيد الوراق، وعبد الله بن محمد، حتى تصل إلى عبد الملك بن محمد بن هشام، شيخ ابن خير. [٥٠] .
٨- الدكتور عبد المجيد قطامش. الأمثال العربية «١» : ٤٨.
كتاب الأمثال للمفضل بن محمد الضبي المفضل الضبي راوية أديب، من علماء الكوفة الأفذاذ، كان عالما بالأخبار والشعر والعربية «٢» ، وهو أوثق من روى الشعر من الكوفيين «٣» ، ويذكر ابن النديم أنه خرج مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن، فظفر به المنصور فعفا عنه، وألزمه المهدي، فعمل له
стр. 18
الأشعار المسماة «المفضليات» «١» وكانت وفاته نحو ١٧٠ هـ.
ومن حسن حظنا أن كتابه في الأمثال قد أفلت من قبضة الضياع فوصل إلينا، فكان بذلك أول كتاب نقرؤه في الأمثال العربية «٢» .
والكتاب صغير الحجم إذا قيس بما ظهر بعده من كتب الأمثال، إذ يشتمل على مائة وسبعين مثلا فقط، منها ثمانية على وزن (أفعل من) .
.. وأهم ما لا حظناه عليه أنه مفعم بالوقائع والأحداث الجاهلية التي تدور حول سادة القبائل والعشائر وشيوخها وشعرائها، والتي يتصل بعضها بأيام العرب في الجاهلية.
وقد أحصى المستشرق الألماني «زلهايم» هذه القبائل والعشائر وهؤلاء الشعراء في كتابه القيم عن الأمثال العربية القديمة «٣» .
ويبدأ الكتاب بقصة ضبّة بن أدّبن طابخة وابنيه سعد وسعيد، وما أرسله ضبة خلالها من الأمثال الثلاثة المشهور (أسعد أم سعيد؟ إن الحديث ذو شجون، سبق السيف العذل: «٤» وينتهي بخرافة «الحية والفأس» التي قيل فيها المثل السائر (كيف أعاودك وهذا أثر فأسك) «٥» .
وبين بدايته ونهايته تفصيل واف لبعض أيام العرب في الجاهلية، والوقائع التي حدثت فيها، وما قيل فيها من أمثال وأشعار، كحروب داحس والغبراء، وحرب البسوس.
وبينهما كذلك تفصيل دقيق لقصة الزبّاء وجذيمة الأبرش، تتخلله الأشعار والأمثال التي بلغت اثني عشر مثلا. وينطوي الكتاب كذلك على أخبار شتى عن لقمان العادي، تساق خلالها الأمثال التي أطلقها أو التي تتصل بهذه الأخبار. وفيه أخبار عن الشعراء:
стр. 19
امرىء القيس، وطرفة، والمتلمّس، والسّليك بن سلكة، والنّمر بن تولب، والحطيئة.
وإذا قرأت الكتاب أحسست، لأول وهلة، أنه كتاب أخبار وأشعار وأنساب قبل أن يكون كتاب أمثال، ووجدت فيه قرابة المائة حادثة، سردت سردا قصصيا، يجيء خلاله، أو عقبه، المثل أو الأمثال، والبيت من الشعر أو الأبيات.
وقد اعتاد المفضل أن يقول عقب كل مثل عبارة من تلك العبارات المأثورة، وهي «فأرسلها مثلا» أو «فذهبت مثلا» أو «فصارت مثلا» ، وهذا يشعر بأن الحادثة هي الأصل عنده، وفي أثناء سردها يجيء ما يتصل بها من أمثال وأشعار.
وهذا المسلك يذكرنا بما جاء في كتب الأخبار والتاريخ والأنساب من وقائع وأحداث، لم ينس مؤلفوها أن يذكروا معها ما يتصل بها من أمثال سائرة وأشعار.
ونضرب لذلك مثالا قوله في «حروب داحس والغبراء» : «وكان من أمر داحس وما قيل فيه من الأشعار والأمثال أن أمه كانت فرسا لقرواش بن عوف بن عاصم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، يقال لها: جلوى، وأن أباه ذا العقال كان لحوط بن أبي جابر بن أوس بن حميري بن رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك، وإنما سمي داحسا أن بني يربوع احتملوا ذات يوم سائرين في نجعة ... » «١» ثم يذكر سبب التسمية، وينتقل إلى ذلك السبب في هذه الحروب، ووصف وقائعها التي استمرت أربعين عاما، ذاكرا خلال ذلك ما قيل فيها من أشعار وأمثال، إلى أن يقول: «تمّ حديث داحس، والحمد لله رب العالمين» «٢» .
وهذا المنزع في تناول الأمثال العربية يتفق وطبيعة المفضل ومواهبه، إذ كان بارعا في الرواية، ماهرا في معرفة أشعار العرب وأخبارهم القديمة، ولم يكن رجل غريب ولا نحو ولغة «٣» ، ومن ثم لم نجده يفسر كلمة غريبة واحدة من كلمات أمثاله التي تبلغ المائة والسبعين.
وكل هذا يجعلنا لا نتردد في أن نضع هذا الكتاب إلى جانب كتب: صحار وعبيد
стр. 20
وعلاقة والشرقي، ونسلكها في سلك واحد، فتصبح لدينا خمسة كتب تتشابه في طريقة تناولها للأمثال العربية.
ولم يلبث كتاب المفضل أن صادف قبولا كريما لدى العلماء، فأقبلوا على قراءته، واعتمد عليه كثير ممن أتى بعده من مدوني الأمثال، واقتبسوا منه قصص الأمثال وأخبارها وأوائل من قالها.
ويكفي أن نذكر من المتقدمين الذين اعتمدوا عليه القاسم بن سلام، الذي نقل عنه في سبعة وخمسين موضعا، ومن المتأخرين أبا الفضل الميداني، الذي صرح في مقدمة كتابه بأنه رجع إليه فقال: «ونظرت فيما جمعه المفضل بن محمد، والمفضل بن سلمة» ثم نقل عنه في مواضع كثيرة من كتابه.
وكما انتشر الكتاب في المشرق انتشر في الأندلس، إذ يذكر أبو بكر محمد بن خير الإشبيلي (ت ٥٧٥ هـ) أن كتاب المفضل كان معروفا في الأندلس «١» .
стр. 21
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الطوسي: أخبرنا محمد بن زياد ابن الأعرابي أبو عبد الله عن المفضل الضبي قال:
١- أسعد أم سعيد .
٢- إن الحديث لذو شجون .
٣- سبق السيف العذل
زعموا أن ضبة بن أدبن طابخة بن الياس بن مضر بن معد وكان له ابنان يقال لأحدهما سعد والآخر سعيد، وأنّ إبل ضبة نفرت تحت الليل وهما معها، فخرجا يطلبانها، فتفرقا في طلبها، فوجدها سعد فجاء بها، وأما سعيد فذهب ولم يرجع، فجعل ضبة يقول بعد ذلك إذا رأى تحت الليل سوادا مقبلا أسعد أم سعيد «١» فذهب قوله مثلا.
ثم أتى على ذلك ما شاء الله أن يأتي لا يجيء سعيد ولا يعلم له خبر، ثم إن ضبة بعد ذلك بينما هو يسير والحارث بن كعب في الأشهر الحرم وهما يتحدثان إذ مرّا على سرحة بمكان فقال له الحارث:
أترى هذا المكان؟ فإني لقيت فيه شابا من هيئته كذا وكذا- فوصف صفة سعيد- فقتلته وأخذت بردا كان عليه، ومن صفة البرد كذا وكذا- فوصف صفة البرد- وسيفا كان عليه فقال ضبة: ما صفة السيف؟ قال: ها هوذا عليّ، قال: فأرنيه، فأراه إياه فعرفه ضبة ثم قال إنّ الحديث لذو شجون «٢» ثم ضربه حتى قتله، فذهب قوله هذا أيضا مثلا.
стр. 22
فلامه الناس وقالوا قتلت رجلا في الأشهر الحرم فقال ضبة: سبق السيف العذل «١» فأرسلها مثلا.
وقال الفرزدق يخاطب الخيار بن سبرة المجاشعي «٢» :
أأسلمتني للقوم أمّك هابل ... وأنت دلنظى المنكبين بطين
خميص من المجد المقرضب بيننا ... من الشنء رابي القصريين سمين
فان تك قد سالمت دوني فلا تقم ... بدار بها بيت الذليل يكون
ولا تأمننّ الحرب إن اشتغارها «٣» ... كضبة إذ قال الحديث شجون «٤»
الدلنظى: الضخم؛ والهابل: الثاكل؛ يقال شنئته أشنأه شنأ وشنأة أي أبغضه، والقصيري: الضلع التي تلي الخاصرة، وأنشد لامرأة:
فيا ربّ لا تجعل شبابي وبهجتي ... لشيخ يعنّيني ولا لغلام
ولكنّ لعلّ «٥» قد علا الشيب رأسه ... بعيد مناط القصريين حسام
واشتغارها: انتشارها وتفرقها؛ وفي بعض الحديث أن امرأة افتخرت على زوجها فقال لها: ذهب الشغار بالفخار، يقال شغر الكلب رجله إذا رفعها ليبول.
٤- لعلني مضلّل كعامر
٥- إن المعافى غير مخدوع
وزعموا أن المستوغر «٦» بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم عاش زمانا طويلا، وكان من فرسان العرب في الجاهلية، فزعموا أن رجلا شابا من قومه كان له صديق يقال له عامر، وكان ذلك الفتى يقول لعامر إن امرأة المستوغر صديقة لي وإني آتيها، وإنه يطيل الجلوس في المجلس حتى لا يبقى أحد إلا قام، فأحبّ أن تجلس معه حتى إذا أراد أن يقوم تمطيت وتثاءبت ورفعت صوتك تسمعني، فأنصرف من عند امرأته من قبل أن يفجأنا ونحن على حالنا تلك، وإنما كان ذلك
стр. 23
صديقا لأمّ عامر، فكان الفتى يشغله بحفظ المستوغر لعامر وما يصنع، فاشتمل على السيف، حتى إذا لم يبق أحد غيره وغير عامر قال: ألا ترى والذي أحلف به لئن رفعت صوتك لأضربنّ عنقك، قال:
فسكت عامر، فقال له المستوغر: قم، فقاما إلى بيت المستوغر فإذا امرأته قاعدة بين بنيها، قال: هل ترى من بأس؟ قال:
لا أرى من بأس، قال له المستوغر: انطلق بنا إلى أهلك، فانطلقا، فإذا هو بذلك الفتى متبطنا أمّ عامر في ثوبها، فقال له المستوغر: انظر إلى ما ترى، ثم قال لعلني مضلّل كعامر «١» فأرسلها مثلا، ومما زاده في هذا الحديث المثل ما قاله المستوغر: إن المعافى غير مخدوع «٢» .
٦- أينما أوجه ألق سعدا
٧- في كل واد بنو سعد
وزعموا أنّ الأضبط بن قريع «٣» بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم كان يرى من قومه وهو سيدهم بغيا عليه وتنقصا له فقال: ما في مجامعة هؤلاء خير، ففارقهم وسار بأهله حتى نزل بقوم آخرين، فإذا هم يفعلون بأشرافهم كما كان يفعل به قومه من التنقص له والبغي عليه، فارتحل عنهم وحلّ بآخرين، فإذا هم كذلك، فلما رأى ذلك انصرف وقال: ما أرى الناس إلا قريبا بعضهم من بعض، فانصرف نحو قومه وقال: أينما أوجّه ألق سعدا «٤» فأرسلها مثلا.
ألق سعدا أي أرى مثل قومي بني سعد.
ومما زاده قوله: في كل واد بنو سعد «٥» .
٨- اتبع الفرس لجامها
وزعموا أن ضرار بن عمرو بن مالك بن زيد بن كعب بن بجالة بن ذهل بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة أغار على كلب ثم على بني عدي بن جناب من كلب، فأصاب فيما أصاب أهل عمرو بن ثعلبة أخي بني عدي بن جناب، وكان صديقا لضرار بن عمرو، ولم
стр. 24
يشهد القوم حين أغير عليهم، فلما جاءهم الخبر تبع ضرارا وكان فيما أخذ من أهله يومئذ سلمى بنت وائل الصائغ، وكانت أمة له وأمها واختين لها، وسلمى هي أمّ النعمان بن المنذر ابن ماء السماء، فلما لحق عمرو بن ثعلبة ضرارا قال له عمرو: أنشدك المودة والإخاء فإنك قد أصبت أهلي فارددهم عليّ، فجعل ضرار يردهم شيئا شيئا حتى بقيت سلمى وأختاها، وكانت سلمى قد أعجبت ضرارا، فسأله أن يردهن، فردهما غير سلمى، فقال عمرو بن ثعلبة: يا ضرار: أتبع الفرس لجامها «١» فأرسلها مثلا، فردها عليه ومما زاده قوله:
والدلو رشاءها.
٩- الصيف ضيعت اللبن
١٠- هذا ومزقة خير
وزعموا أن عمرو بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم تزوج بنت عمه دختنوس بنت لقيط بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم بعد ما أسنّ، وكان أكثر قومه مالا وأعظمهم شرفا، فلم تزل تولع به وتؤذيه وتسمعه ما يكره وتهجره وتهجوه حتى طلقها، وتزوجها من بعده عمير بن معبد بن زرارة وهو ابن عمها، وكان رجلا شابا قليل المال، فمرت إبله عليها كأنها الليل من كثرتها فقالت لخادمتها: ويلك انطلقي إلى أبي شريح- وكان عمرو يكنى بأبي شريح- فقولي له فليسقنا من اللبن، فأتاه الرسول فقال: أن بنت عمك دختنوس تقول لك اسقنا من لبنك، فقال لها عمرو قولي لها الصيف ضيّعت اللبن «٢» . ثم أرسل إليها بلقوحين وراوية من لبن، فقال الرسول: أرسل إليك أبو شريح بهذا وهو يقول: الصيف ضيعت اللبن، فذهبت مثلا فقالت وزوجها عندها، وحطأت بين كتفيه، أي ضربت: هذا ومذقة خير «٣» فأرسلتها مثلا. والمذقة شربة ممزوجة.
١١- الأبلق العقوق
وزعموا أن خالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم ابن مالك بن حنظلة بن مالك كان عند النعمان بن المنذر في الجاهلية، فوجده قد أسر ناسا من بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، فقال: من يكفل بهؤلاء؟ فقال خالد: أنا كفيل بهم، فقال النعمان: وبما أحدثوا،
стр. 25
قال: نعم وإن كان الأبلق العقوق، فقال له النعمان: وما الأبلق العقوق؟ قال: هو الوفاء، فذهب الأبلق العقوق «١» مثلا، قال الشاعر «٢» :
فلو قبلوا منا العقوق أتيتهم ... بألف أوديه من المال أقرعا
أي تامّ.
طلب الأبلق العقوق فلما ... لم يصبه أراد بيض الأنوق «٣»
١٢- ولي الثكل بنت غيرك
١٣- تسمع بالمعيدي خير من أن تراه
١٤- إنما يعيش المرء بأصغريه
وزعموا أن كبيس بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة كان عارض أمة لزرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة يقال لها رشية، وكانت سبية أصابها زرارة من الرفيدات، ورفيدة قبيلة من كلب «٤» فولدت له عمرا وذؤيبا وبرغوثا فمات كبيس وترعرعت الغلمة، فقال لقيط بن زرارة: يا رشيّة من أبو هؤلاء؟ قالت: كبيس بن جابر، وكان لقيط عدوا لضمرة بن جابر أخي كبيس «٥» ، قال: فاذهبي بهؤلاء الغلمة واقصدي «٦» بهم وجه ضمرة وأخبريه من هم، فانطلقت بهم إلى ضمرة فقال؛ ما هؤلاء؟ قالت:
هم بنو أخيك كبيس بن جابر، فانتزع منها الغلمة- ثم قال: الحقي بأهلك، فرجعت فأخبرت أهلها الخبر، فركب زرارة وكان حليما حتى أتى بني نهشل فقال: ردّوا عليّ غلمتي، فشتمه بنو نهشل وأهجروا له، فلما رأى ذلك انصرف حتى أتى قومه فقالوا له: ما صنعت، قال: خيرا، والله ما زال يستقبلني بنو عمي بما أحبّ حتى انصرفت عنهم من كثر ما أحسنوا إلي، ثم مكث عاما ثم أتاهم فأعادوا عليه أسوأ ما كانوا فعلوا، فانصرف، فقال له قومه: ما صنعت؟ قال: خيرا، قد أحسن إليّ بنو عمي وأجملوا، فمكث كذلك سبع سنين يأتيهم كلّ سنة فيردونه أسوأ الردّ، فبينما بنو نهشل يسيرون ضحى إذ لحق بهم لاحق فأخبرهم أن زرارة قد مات، فقال ضمرة: لنسائه: قمن أقسم بينكنّ الثكل، وكانت عنده هند بنت كرب بن صفوان بن شجنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وامرأة سبية يقال لها
стр. 26
خليدة من بني عجل، وسبية من بني عبد القيس، وسبية من الأزد من بني طمثان، فكان لهن أولاد، غير خليدة، فقالت لهند- وكانت لها مصافية: ولي الثكل بنت غيرك «١» فأرسلتها مثلا.
فأخذ ضمرة شقة بن ضمرة وأمه هند، وشهاب بن ضمرة وأمه العبدية، وعنوة بن ضمرة وأمه الطمثانية، فأرسلهم إلى لقيط بن زرارة فقال: هؤلاء رهن لك بغلمانك حتى أرضيك منهم، فلما وقع بنو ضمرة في يدي لقيط أساء ولايتهم وجفاهم وأهانهم، فقال في ذلك ضمرة بن جابر «٢» :
صرمت إخاء شقة يوم غول ... وإخوته فلا حلّت حلالي
كأني إذ رهنت بنيّ قومي ... دفعتهم إلى الصّهب السبال
فلم أرهنهم بدمي ولكن ... رهنتهم بصلح أو بمال
صرمت إخاء شقة يوم غول ... وحقّ إخاء شقة بالوصال «٣»
يريد إخائي شقة فحذف الياء، فأجابه لقيط بن زرارة:
أبا قطن إني أراك حزينا ... وإنّ العجول لا تبالي خدينا «٤»
أفي أن صبرتم نصف عام بحقّنا «٥» ... وقبل صبرنا نحن سبع سنينا
العجول: التي مات ولدها وقال ضمرة بن جابر:
لعمرك إنني وطلاب حبّى ... وترك بنيّ في الشطر الأعادي
لمن نوكى الشيوخ وكان مثلي ... إذا ما ضلّ لم ينعش بهادي «٦»
ثم إن بني نهشل طلبوا إلى المنذربن ماء السماء أن يطلبهم إلى لقيط، فقال لهم المنذر: نحوا عني وجوهكم، ثم أمر بخمر وطعام، ثم دعا لقيطا فأكلا وشربا، حتى [إذا] أخذت الخمر فيهما قال المنذر للقيط: يا خير الفتيان ما تقول في رجل اختارك الليلة على ندامى مضر؟ قال: وما أقول فيه؟ أقول إنه لا يسألني الليلة شيئا إلا أعطيته إياه غير الغلمة، قال له المنذر: وما الغلمة؟ أما إذا استثنيت فلست قابلا منك حتى تعطيني كلّ شيء طلبته، قال: فذلك لك، قال: فإني أسألك الغلمة أن تهبهم لي، قال: سلني غيرهم، قال: ما أسألك غيرهم، فأرسل لقيط إليهم فدفعهم إلى المنذر، فلما أصبح لأمه
стр. 27
أصحابه فقال لقيط في المنذر:
إنك لو غطّيت أرجاء هوة ... مغمسة لا يستبان ترابها
أرجاء البئر؛ نواحيها، والهوة: البئر، مغمسة: خفية مظلمة.
بثوبك في الظلماء ثم دعوتني ... لجئت إليها سادرا لا أهابها
وأصبحت موجودا عليّ ملوّما ... كأن نضيت عن حائض لي ثيابها «١»
قوله: يطلبهم إلى لقيط يقال أطلبني حاجتي أي [أسعفني على] طلبها، وأحلبني أي أعنيّ على الحلب، وألمسني حاجتي أي التمس معي، وقوله: نضيت يقال نضا الرجل ثوبه إذا نزعه، قال امرؤ القيس بن حجر الكندي:
تقول وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضّل
وأرسل المنذر إلى الغلمة وقد مات ضمرة، وكان ضمرة صديقا له، فلما دخل عليه الغلمة وكان يسمع بشقة ويعجبه ما يبلغه عنه، فلما رآه المنذر قال: تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه «٢» فأرسلها مثلا- قال الكسائي: الطوسيّ يشدد الدال ويقول المعدّي ينسبه إلى معدّ- قال له شقة:
أسعدك إلهك إنّ القوم ليسوا بجزر- يعني الشاء- إنما يعيش المرء بأصغريه، بقلبه ولسانه، والجزر: جمع جزرة وهي الشاة، فأعجب الملك كلامه وسرّه كلّ ما رأى منه فسماه ضمرة باسم أبيه، فهو ضمرة بن ضمرة، وذهب قوله إنما يعيش الرجل بأصغريه «٣» مثلا.
١٥- أعركتين بالضفير
زعموا أن تقن بنت شريق أحد بني عثم «٤» من بني جشم بن سعد بن زيد مناة بن تميم كانت تحت رجل من قومها، وكان أخوها الريب بن شريق من فرسان بني سعد وأشرافهم، وكانت لها ضرّة، ولضرتها ابن يقال له الحميت. فوقع بين تقن وضرتها شرّ فاستبّتا وتراجزتا، فغلبتها تقن وشتمتها شتما قبيحا، فلما سمع ذلك الحميت أخذ الرمح فطعن به في فخذ تقن فأنفذ فخذها، فلما رأى ذلك أبوه- وكره أن يبلغ أخاها- قال: اسكتي ولك ثلاثون من الإبل ولا يعلم بذلك أخوك، قالت فأخرجها، فأخرجها فوسمتها بميسم أخيها الريب بن شريق وألحقتها بابلها، فكانت في إبلها ما شاء الله.
ثم إن سفيان بن شريق أخا الريب ورد الماء بابله، فلقى الحميت على الماء، فكان بينهما كلام، فضربه الحميت، وكان
стр. 28
في عنق سفيان بن شريق قروح فأدمى تلك القروح، فأتى سفيان أخاه الريب فذكر له ذلك، فركب الريب فرسا له يقال له الهدّاج ثم لحق الحيّ وهم سائرون، فقال:
من أحسّ من بكر أورق ضلّ من إبلي؟
فيقولون: ما رأيناه، ويمضي حتى لحق بالحميت وهو يسير في أول سلف الحي، فقال: هل أحسست من بكر أورق ضلّ من إبلي، قال: ما رأيته.
ثم إن الريب ألقى سوطه كأنه وقع منه، فقال للحميت: ناولني سوطي، فأكبّ يناوله السوط فقال: أعركتين بالضفير- الضفير: السير المضفور، والضفير موضع، ثم ضربه بالسيف على مجامع كتفيه ضربة كادت تقع في جوفه، ثم مضى على فرسه، فذهب قوله: أعركتين بالضفير مثلا. يقول: أعركتين مرة على أخي ومرة على أختي.
وقال الريب بن شريق:
بكت تقن فآذاني بكاها ... وعزّ عليّ أن وجعت نساها
سأثأر منك عرس أبيك إني ... رأيتك لا تجأجىء عن حماها
يعني بالعرس هنا تقنا، يقال جأجأ بابله، إذا حثها على الشرب.
دلفت له بأبيض مشرفيّ ... ألمّ على الجوانح فاختلاها
دلفت: من الدليف وهو مشي سريع في تقارب خطو.
فإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يهلك فآجال قضاها
وكان مجربا سيفي صنيعا ... فيا لك نبوة سيفي نباها
رأيت عجوزهم فصددت عنها ... لها رحم وواق من وقاها
وخفت الصرم من حفص بن سود ... وأتبعت الجناية من جناها
الحفص: من قبيلة الحميت، وكان صديقا للريب بن شريق.
١٦- لج مال ولجت الرجم
١٧- أستي أخبثي
١٨- ساعداي أحرز
عموا «١» إن مالك بن زيد مناة بن تميم كان رجلا أحمق، فزوجه أخوه سعد بن زيد مناة النوار بنت جد «٢» بن عدي بن عبد مناة بن أدّ ورجا سعد أن يولد لأخيه. فلما كان عند بنائه وأدخلت عليه امرأته انطلق به سعد حتى إذا كان بباب بيته قال له سعد:
стр. 29
لج بيتك، فأبى مالك، فعاتبه مرارا فقال له سعد: لج مال ولجت الرجم- الرجم:
القبر- فأرسلها مثلا- ثم إن مالكا دخل ونعلاه معلقتان في ذراعيه فلما دنا من المرأة قالت له ضع نعليك قال: ساعداي أحرز لهما «١» فأرسلها مثلا، ثم أتي بطيب فجعل يجعله في استه فقالوا له: يا مالك ما تصنع؟ قال: استي أخبثي فأرسلها مثلا.
فولدت النوار لمالك بن زيد مناة حنظلة ومعاوية وقيسا وربيعة، فقال الشاعر الفرزدق «٢» :
ولولا أن يقول بنو عديّ ... ألم تك أمّ حنظلة النوارا
إذن لأتى بني ملكان قول ... إذا ما قيل أنجد ثم غارا
ليس في العرب ملكان- بالفتح- إلا ملكان بن هند بن جرم في قضاعة.
١٩- أسرع من نكاح أم خارجة
٢٠- ما له ألّ وغلّ .
زعموا أن أم خارجة «٣» بنت سحمة بن سعد بن عبد الله بن قذاذ بن ثعلبة بن معاوية بن زيد بن الغوث بن أنمار البجلية- وهي أم عدس- كانت تحت رجل من أياد، وكان أبا عذرها، وكانت من أجمل نساء أهل زمانها، فخلعها منه دعج بن خلف بن دعج بن سحيمة بن سعد بن عبد الله بن قذاذ «٤» بن عبد الله بن سعد بن قذاذ وهو ابن أخيها «٥» فتزوجها بعده عمرو بن تميم، فولدت له أسيد بن عمرو بن تميم، والعنبر بن عمرو، والهجيم، والقليب. ثم خلف عليها بعده بكر بن عبد مناة من كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر، فولدت له؛ ليث بن بكر، والحارث بن بكر والديل بن بكر؛ ثم خلف عليها مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة، فولدت له: غاضرة بن مالك، وعمرو بن مالك، وولدت في قبائل العرب. زعموا أن الخاطب كان يأتيها فيقول: خطب، فتقول نكح، فقيل: أسرع من نكاح أمّ خارجة «٦» فصار مثلا.
وزعموا أنّ بعض ولدها كان يسوق بها
стр. 30
يوما فرفع لهم راكب، فقالت: ما هذا؟
فقال ابنها: أخا له خاطبا، فقالت: يا بني هل تخاف أن يعجلنا أن نحلّ، ما له ألّ وغلّ «١» ، فصار مثلا.
٢١- يا معاوي بن سنان هل أوفيت
٢٢- نعم وتعليت .
وزعموا أنّ رجلا كانت له صديقة وكان لها زوج غائب، فكان صديق تلك المرأة يأتيها فيصيب منها، فجاء زوجها ولم يعلم به صديقها، وجاء الصديق كعادته فوجد الزوج مضطجعا بفناء البيت، فحسبه المرأة، فرفع برجليه، فوثب إليه الرجل فأخذه ودعا بالسيف ليقتله، وهو جار معاوية بن سنان بن جحوان بن عوف ابن كعب بن عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم، فنادى المأخذ: يا معاوي ابن سنان هل أوفيت؟ - يقال وفى الرجل وأوفى بمعنى واحد- فسمع معاوية فظنّ أنه مكروب حين سمع صوته فنادى: نعم وتعلّيت أي زدت على الوفاء فذهب مثلا، فقال له زوج المرأة:
أمنحبا أي ناذرا قال: نعم- المنحب:
المراهن. والمنحب الدائب أيضا.
٢٣- حلم الأديم
زعموا أن خالد بن معاوية بن سنان بن جحوان بن عوف بن كعب بن عبشمس بن سعد سابّ رجلا من بني عثم- وهو من بني جشم بن سعد بن زيد مناة بن تميم- عند النعمان بن المنذر، فقال لهم خالد وهو يرجز بهم «٢» :
دوموا بني عثم ولن تدوموا ... لنا ولا سيدكم مرحوم
إنا سراة وسطنا قروم ... قد علمت أحسابنا تميم
في الحرب حين حلم الأديم «٣» .
٢٤- أما والله لتجدنه ألوى بعيد المستمر
٢٥- خير قويس سهما
٢٦- يتبعونه بأبلخ جهول
فذهب قوله حلم الأديم «٤» مثلا.
стр. 31
وقال خالد وهو يرجز بهم «١» :
إن لنا بآل عثم علما ... أستاه آم يعترين لحما
أفواه أفراس أكلن هشما ... إذا لقيت انفحيا وخما «٢»
منهم طويلا في السماء ضخما ... لا يحتر النازل إلا لطما «٣»
تركتهم خير قويس سهما القويس: القوس الرديئة، والحتر:
العطية، أي لما هجوت رؤساءهم صاروا أذلة فكيف بغيرهم، فذهب قوله خير قويس سهما «٤» مثلا.
قال أبو عبد الله: يريد تركت من هجوته خير قومه وهو ذليل فإذا كان ذليلا وهو خير قومه فأي شيء حال قومه؟
وقال [خالد] وهو يرجز بالمنذر بن فدكي أخي بني عثم وكان سيّدهم يومئذ عند النعمان «٥» :
فإن عين المنذر بن فدكي ... عينا فتاة نقطت أمس هدي «٦»
فرجز به شاعر بني عثم، فعقر به خالد بن معاوية، ومع خالد أخ له، فاستعدوا عليهما النعمان، فقال حالد: أبيت اللعن، أنا أركب وأخي ناقة، ثم نتعرض لهم كما تعرضوا لنا، فإن استطاعوا بنا، فأعجب ذلك النعمان وقال: قد أعطاكم بحقكم، قالوا: قد رضينا، قال النعمان: أما والله لتجدنّه ألوى بعيد المستمر «٧» فأرسلها مثلا.
الألوى: المانع لما عنده، والمستمر:
استمرار عقله وحزمه.
فاكتفل خالد وأخوه ناقتهما بكفل وتأخر أحدهما على العجز وجعل وجهه من قبل الذنب، وتقدم أحدهما إلى الكتف، فجعل كلّ واحد يذبّ بسيفه مما يليه فلم يخلصوا إلى أن يعقروا بهما فأتى النعمان فقال:
أبيت اللعن قد أعطيناهم بحقهم فعجزوا عنه فنظر النعمان إلى جلسائه فقال: أترون قومه كانوا يتبعونه بأبلخ جهول «٨» ، فأرسلها مثلا.
стр. 32
٢٧- إن الليل طويل وأنت مقمر .
٢٨- أضرطا وأنت الأعلى
٢٩- العاشية تهيج الآبية .
زعموا أن السليك بن السلكة التميمي «١» ثم أحد بني مقاعس، - ومقاعس: الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة-[كان] من أشد فرسان العرب وأنكرهم وأشعرهم، وكانت أمه سوداء، وكانوا يدعونه سليك المقانب، - والمقنب ما بين الثلاثين إلى الخمسين- وكان أدلّ الناس بالأرض، وأجودهم عدوا على رجليه لا تعلق به الخيل، زعموا أنه كان يقول «٢» :
اللهم إنك تهيء ما شئت لما شئت، اللهم إني لو كنت ضعيفا كنت عبدا، ولو كنت امرأة كنت أمة، اللهم إني أعوذ بك من الخيبة، فأما الهيبة فلا هيبة، أي لا أهاب أحدا.
فذكر أنه افتقر حتى لم يبق له شيء، فخرج على رجليه رجاء أن يصيب غرة من بعض من يمر عليه فيذهب بابله، حتى أمسى في ليلة باردة مقمرة من ليالي الشتاء، فاشتمل الصماء- واشتمال الصماء أن يردّ فضل ثوبه على عضده اليمنى ثم ينام عليها- فبينا هو نائم إذ جثم عليه رجل «٣» من الليل فقعد على جنبه فقال:
استأسر، فرفع السليك إليه رأسه فقال: إن الليل طويل وأنت مقمر «٤» فأرسلها مثلا.
ثم جعل الرجل يلهزه ويقول: يا خبيث استأسر استأسر، فلما آذاه بذلك أخرج السليك يده فضمّ الرجل ضمة إليه ضرط منها وهو فوقه فقال له السليك: أضرطا وأنت الأعلى، «٥» فأرسلها مثلا.
ثم قال له السليك: من أنت؟ قال: أنا رجل افتقرت فقلت لأخرجن فلا أرجعنّ حتى استغني فآتي أهلي وأنا غنيّ، قال:
فانطلق معي. قال: فانطلقا حتى وجدا رجلا قصته مثل قصتهما، فاصطحبوا جميعا، حتى آتوا الجوف- جوف مراد الذي باليمن- فلما أشرفوا على الجوف، إذ بنعم قد ملأ كلّ شيء من كثرته، فهابوا أن يغيروا فيطردوا بعضها فيلحقهم الحيّ، فقال لهما السليك: كونا قريبا حتى آتي الرعاء فاعلم لكم علم الحيّ أقريب أم بعيد، فإن كانوا قريبا رجعت اليكما، وإن كانوا بعيدا قلت لكما قولا أوحي به لكما،
стр. 33
فأغيروا؛ فانطلق حتى أتى الرعاء فلم يزل يتسقطهم حتى أخبروه بمكان الحيّ، فإذا هم بعيد إن طلبوا لم يدركوا، فقال لهم السليك: ألا أغنيكم؟ فقالوا: بلى، فتغنى بأعلى صوته فقال «١» :
يا صاحبيّ الا لا حيّ بالوادي ... إلا عبيد وآم بين أذواد
آم: جمع أمة إلى العشر، ثم إماء لما بعد العشر.
أتنظران قليلا ريث غفلتهم ... أم تعدوان فإن الريح للعادي «٢»
فلما سمعا ذلك أتيا السليك فاطردوا الإبل فذهبوا بها فلم يبلغ الصريخ إلى الحيّ حتى مضوا بما معهم.
وزعموا أن السليك خرج ومعه عمرو وعاصم ابنا سري بن الحارث بن امرىء القيس بن زيد مناة بن تميم يريد أن يغير في أناس من أصحابه، فمر على بني شيبان «٣» في ربيع والناس مخصبون في عشية فيها ضباب ومطر، فإذا هو ببيت قد انفرد من البيوت عظيم، وقد أمسى، فقال لأصحابه: كونوا بمكان كذا وكذا حتى آتي أهل هذا البيت فلعلي أصيب لكم خيرا أو آتيكم بطعام، قالوا: فافعل، فانطلق وقد أمسى وجنّ عليه الليل، فإذا البيت بيت يزيد بن رويم الشيباني، وهو جد حوشب بن يزيد [بن الحارث بن يزيد] بن رويم، وإذا الشيخ وامرأته بفناء البيت، فأتى السليك البيت من مؤخره فدخله، فلم يلبث أن أراح ابن له ابله، فلما أن أراحها غضب الشيخ وقال لابنه: هلا كنت عشيتها ساعة من الليل؟! فقال ابنه: إنها أبت العشاء، فقال: العاشية تهيج الآبية «٤» فأرسلها مثلا.
العاشية: التي تتعشى، تهيج بي العشاء فيتعشى معها.
ثم غضب الشيخ فنفض ثوبه «٥» في وجوهها فرجعت إلى مرتعها وتبعها الشيخ حتى مالت لأدنى روضة فرتعت فيها، وجلس الشيخ عندها للعشاء فغطى وجهه في ثوبه من البرد، وتبعه السليك، فلما وجد الشيخ مغترا ختله من ورائه ثم ضربه فأطار رأسه وصاح بالإبل فاطردها، فلم يشعر أصحابه- وقد ساء ظنهم به وتخوفوا عليه- حتى إذا هم بالسليك يطردها، فطردوها معه فقال السليك «٦» :
стр. 34
وعاشية رجّ بطان ذعرتها ... بصوت قتيل وسطها يتسيّف «١»
فبات لها أهل خلاءفناؤهم ... ومرّت بهم طير فلم يتعيفوا «٢»
وباتوا يظنون الظنون وصحبتي ... إذا ما علوا نشزا أهلّوا وأوجفوا «٣»
وما نلتها حتى تصعلكت حقبة ... وكدت لأسباب المنية أعرف «٤»
وحتى رأيت الجوع بالصيف ضرّني ... إذا قمت يغشاني ظلال فأسدف «٥»
٣٠- إني آكل لحمي ولا أدعه لآكل .
٣١- لا يملك مولى لمولى نصرا .
زعموا أن العيار بن عبد الله الضبي ثم أحد بني السيد بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة وفد هو وحبيش بن دلف وضرار بن عمرو الضبيّان على النعمان فأكرمهم وأجرى عليهم نزلا، وكان العيار رجلا بطالا يقول الشعر ويضحك الملوك، وكان قد قال قبل ذلك «٦» :
لا أذبح النازي «٧» الشبوب ولا ... أسلخ يوم المقامة العنقا
لا آكل الغثّ في الشتاء ولا ... انصح ثوبي إذا هو انخرقا «٨»
ولا أرى أخدم النساء ول ... كن فارسا مرة ومنتطقا
وكان منزلهم واحدا، وكان النعمان باديا، فأرسل إليهم بجزر فيهن تيس، فأكلوهن غير التيس، فقال ضرار للعيار- وهو أحدثهم سنا- ليس عندنا من يسلخ لنا هذا التيس فلو ذبحته وسلخته وكفيتنا ذلك، فقال العيار:
فما أبالي أن أفعل، فذبح ذلك التيس ثم سلخه، فانطلق ضرار إلى النعمان فقال:
أبيت اللعن هل لك في العيار يسلخ تيسا؟
قال: أبعد ما قال؟ قال: نعم، فأرسل إليه النعمان فوجده يسلخ تيسا، فأتى به فضحك به ساعة؛ وعرف العيار أن ضرارا هو الذي أخبر النعمان بما صنع، وكان النعمان يجلس بالهاجرة في ظل سرادقه، وكان كسا ضرارا حلة من حلله، وكان ضرار شيخا أعرج بادنا كثير اللحم، فسكت العيار حتى إذا كانت ساعة النعمان التي يجلس فيها في ظلّ سرادقه ويؤتي بطعامه عمد العيار إلى حلّة ضرار فلبسها، ثم خرج يتعارج، حتى إذا كان بحيال النعمان وعليه حلّة ضرار كشفها عنه فخرىء، فقال النعمان: ما لضرارا
стр. 35
قاتله الله لا يهابني عند طعامي؟ فغضب على ضرار، فحلف ضرار أنه ما فعل، قال:
ولكني أرى العيار هو فعل هذا من أجل أني ذكرت لك سلخه التيس، فوقع بينهما كلام حتى تشاتما عند النعمان.
فلما كان بعد ذلك ووقع بين ضرار وبين أبي مرحب أخي بني يربوع ما وقع تناول أبو مرحب ضرارا عند النعمان، والعيار شاهد، فشتم العيار أبا مرحب ورجز به «١» فقال النعمان للعيار: أتشتم أبا مرحب في ضرار، وقد سمعتك تقول له شرا مما قال أبو مرحب؟! قال العيار أبيت اللعن وأسعدك إلهك: إني آكل لحمي ولا أدعه لآكل «٢» فأرسلها مثلا، فقال النعمان:
لا يملك مولى لمولى نصرا «٣» .
٣٢- شولان البروق
وزعموا أن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة، وكان خطيبا كثير المال عظيم المنزلة من الملوك، وإنه كان مع بعض الملوك فقال له: إنه قد بلغني عن أخيك نهشل بن دارم خير، وقد أعجبني أن تأتيني به فأصنع خيرا إليه، وكان نهشل من أجمل الناس وأشجعهم، وكان عييّ اللسان قليل المنطق، فلم يزل ذلك الملك بمجاشع حتى أتاه بنهشل، فأدخله عليه وأجلسه، فمكث نهشل لا يتكلم، وقد كان أعجب الملك ما رأى من هيئته وجماله، فقال له الملك: تكلم، قال: الشر كثير، فسكت عنه، فقال له مجاشع: حدث الملك وكلمه، فقال له نهشل: إني والله ما أحسن تكذابك وتأثامك، تشول بلسانك شولان البروق، فأرسل: شولان البروق «٤» مثلا.
البروق: الناقة التي تشيل ذنبها تري أهلها أنها لا قح وليس بلاقح.
٣٣- الفرار بقراب أكيس
زعموا إن شهاب بن قيس أخا بني خزاعيّ بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم خرج مع خاله أوفى بن مطر المازنيّ، ومعه رجل آخر من بني مازن يقال له جابر ابن عمرو، فكانوا ثلاثة، وكان جابر يزجر الطير، فبينما هم يسيرون إذ عرض لهم أثر رجلين يسوقان بعيرين ويقودان فرسين، قالوا: فلو طلبناهما، قال جابر: فإنى أرى أثر رجلين يسوقان بعيرين شديد كلبهما
стр. 36
عزيز سلبهما الفرار بقراب أكيس «١» فأرسلها مثلا، وفارقهما.
ومضى أوفى بن مطر وشهاب في أثر الرجلين وكان على أوفى بن مطر يمين لا يرمي بأكثر من سهمين، ولا يستجيره رجل أبدا إلا أجاره، ولا يغتر رجلا حتى يؤذنه، فهاجا بالرجلين وهما في ظل طلحة، وإذا هما من بني أسد ثم من بني فقعس، فلما رأى أوفى أحدهما قال له: استمسك فإنك معدو بك، أي محمول، فقال الأسدي:
إنك لا تعدو بعير أمّك وإنما تعدو بليث مثلك يجد بالمصاع كوجدك فقال أوفى بن مطر: يا شهاب ارم فإن يده في غمة، قال الأسدي «٢» :
لا تحسبن أنّ يدي في غمّه ... في قعر نحي أستثير حمه «٣»
ليس لواحد عليّ منّه «٤» ... ألا ولا اثنين ولا أهمه
إلا الذي وصّى بثكل أمه
فقال أوفى بن مطر:
دع الرماء واقترب هلمّه ... إلى مصاع ليس فيه جمه
فذاك عندي ابن العجوز الهمه نصب ابن على النداء فرمى أوفى بن مطر الأسديّ فصرعه، ورمى شهابا الأسديّ الآخر فصرعه، فقال الآخر:
جوارا يا أوفى، فقال له: على مه؟ قال:
على أحد الفرسين وأحد البعيرين وعلى أن نداوي صاحبينا، فأيهما مات قبل قتلنا به صاحبه، فواثقا على ذلك، وانطلقا بهما وهما جريحان، حتى نزلا على وشل بجبلة الذي يقال له شعب جبلة، فمكثوا بذلك أربعتهم زمانا يغيرون ثم يأتون بغنيمتهم إلى جبلة فيقسمونها، فقال أوفى بن مطر في ذلك لجابر بن عمرو يعيره فراره «٥» :
إذا ما أتيت بني مازن ... فلا تسق فيهم ولا تغسل
فليتك لم تدع من مازن ... وليتك في البطن لم تحمل
وليت سنانك صنارة ... وليت قناتك من مغزل
ونيط بحقوقيك ذو زرنب ... جميش يوكّل للفيشل «٦»
تجاوزت حمران من ساعة ... وخلت قساسا من الحرمل «٧»
فمن مبلغ خلتي جابرا
стр. 37
بأنّ خليلك لم يقتل
تخاطأت النبل أحشاءه ... وأخر يومي فلم يعجل
٣٤- انجز حرّ ما وعد .
٣٥- أزمت شجعات بما فيهن .
كان مرباع مالك بن حنظلة في الجاهلية في زمان صخر بن نهشل بن دارم لصخر، فقال له الحارث بن عمرو بن آكل المرار الكندي: هل أدلّك يا صخر على غنيمة على أن لي خمسها، فقال له صخر: نعم، فدلّه على ناس من أهل اليمن، فأغار عليهم صخر بقومه فظفروا وغنموا، وملأ يديه من الغنائم وأيدي أصحابه؛ فلما انصرف قال له الحارث: أنجز حرّ ما وعد «١» فأرسلها مثلا، فأدار صخر قومه على أن يعطوه ما كان جعل للحارث فأبوا عليه ذلك، وفي طريقهم ثنية متضايقة يقال لها شجعات، فلما دنا القوم منها سار صخر حتى وقف على رأس الثنية وقال:
أزمت شجعات بما فيهن «٢» - وأزمت أي ضاقت- لا يجوزنّ أحد بذمة صخر، فأرسلها مثلا. فقال حمّرة بن ثعلبة بن جعفر بن يربوع: والله لا نعطيه شيئا من غنيمتنا، ثم مضى في الثنية، فحمل عليه صخر بن نهشل بن دارم فقتله، فلما رأى الجيش ذلك أعطوه أجمعون الخمس، فدفعه إلى الحارث بن عمرو فقال في ذلك نهشل بن حري «٣» بن ضمرة بن جابر بن قطن بن دارم:
نحن منعنا الجيش أن يتأوبوا ... على شجعات والجياد بنا تجري
حبسناهم حتى أقروا بحكمنا ... وأدّي أنفال الخميس إلى صخر «٤»
٣٦- إني سأكفيك ما كان قولا .
زعموا أن النمر بن تولب العكلي كان أحبّ أمرأة من بني أسد بن خزيمة يقال لها جمرة بنت نوفل، وقد أسنّ يومئذ، فاتخذها لنفسه وأعجب بها، وكان له بنو أخ فراودها بعضهم عن نفسها، فشكت ذلك إلى نمر وقالت: إن بني أخيك ربما
стр. 38
راودني بعضهم عن نفسي، ولست آمنهم أن يغلبوني فقال لها النمر: قولي لهم وقولي إن أرادوا شيئا من ذلك، وقالت جمرة: إني سأكفيك ما كان قولا «١» فأرسلتها مثلا، تقول إن كان القول فإني سأكفيك القول.
٣٧- بمثل جارية فلتزن الزانية سرا أو علانية .
٣٨- عوف يرنأ في البيت .
زعموا أن جارية بن سليط بن الحارث بن يربوع بن حنظلة بن مالك- وسليط هو كعب، وإنما سمي سليطا لسلاطة لسانه- كان أحسن الناس وجها وأمدّهم جسما، وإنه أتى عكاظ وكانت من أشهر أسواق العرب في الجاهلية، فأبصرته جارية من خثعم فأعجبها، وتلطفت له حتى وقع عليها، فلما فرغ قالت: إنك أتيتني على طهر وإني لا أدري لعلي سأعلق لك ولدا فموعدك فصال ولدي إن حملت لك، فسمّى لها اسمه، حتى وافى عكاظ لرأس ثلاثة أحوال، فوجدها قد ولدت غلاما وفطمته، فأقبلت الجارية معها أمها وخالتها يلتمسنه بعكاظ حتى رأته الجارية فعرفته، فلما رأته قالت الجارية: هذا جارية، قالت أمها: بمثل جارية فلتزن الزانية سرا أو علانية «٢» . ثم دفعن إليه الغلام فسماه عوفا فشرف وساد قومه، وهو عوف الأصم.
فذكر أن بني مالك بن حنظلة وبني يربوع تخايلوا «٣» يوما فقام عمرو بن همام بن رباح بن يربوع يخايل عن بني يربوع فقال الناس: ادخلوا عوفا الأصم البيت فإنه أن علم بما بينكم وشهد المخايلة أهلك هذين الحيين وأبى ذلك، فأولجوا عوفا قبة من قباب الملك لكيلا يسمع ما بينهم فظفر بنو مالك، ونادى مناد أين عوف؟ فقالت امرأته: عوف يرنأ في البيت «٤» فأرسلتها مثلا، فسمع عوف الكلام فوثب فإذا الناس فئتان يتخايلون، وضرب خطم فرس الملك بالسيف وهو مربوط بفناء القبة، فنشب السيف في خطم الفرس وقطع الرسن، وجال في الناس فجعلوا يقولون جهجوه جهجوه أي ازجروه وكفوه، فذلك قول متمم بن نويرة في يوم جهجوه «٥» :
وفي يوم جهجوه حمينا ذماركم ... بعقر الصفايا والجواد المربب
قال العجاج:
لقد أرنّي ولقد أرنّي ... غرا كآرام الصريم الغنّ
قوله أرني من الرنوّ وهو النظر الدائم،
стр. 39
أي يلهو، جهجة به وهجهج به إذا حبسه ومنعه، والصفايا من النوق الغزار، الواحد صفيّ.
٣٩- حرامه يركب من لا حلال له .
أغار جبيلة بن عبد الله أخو بني قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم على إبل جريّة بن أوس بن عامر أخي بني أنمار بن الهجيم بن عمرو بن تميم يوم مسلوق، فاطردوا ابله غير ناقة كانت فيها مما يحرّم أهل الجاهلية ركوبه، وكان في الإبل ابن أخت جرية، وكان فيها فرس لجرية يقال له العمود، وكان مربوطا بعرادة، فاجتذبها فبقيت في طرف رسنه، فذهب وذهب القوم بالإبل غير تلك الناقة الحرام، فإنهم أخرجوها وكرهوا أن تكون في الإبل لأنها حرام، وبلغ جرية الخبر، فإذا القوم قد سبقوا بالإبل غير تلك الناقة الحرام، فقال جرية لابن اخته: ردّ عليّ الناقة لعلي اركبها في أثر القوم، قال: إنها حرام، قال جرية: حرامه يركب من لا حلال له «١» فركب في أثر القوم حتى أدركهم، فأقبل عليه جبيلة فاختلفا بينهما طعنتين فقتله جرية وأحرز القوم الإبل فذهبوا بها، وذهب قوله: حرامه يركب من لا حلال له مثلا.
قال جريّة في ذلك:
إن تإخذوا إبلي فإن جبيلكم ... عند المزاحف ثوبه كالخيعل «٢»
الخيعل: النطع والبيت من ادم والنقبة تلبسها الجارية من أدم.
أنحى السنان على مجامع زوّره «٣» ... إذ جاء يزدلف ازدلاف المصطلي
نرمي برامحنا خصاصة بيتنا ... زالت دعامة أيّنا لم ينزل
إذ ينسلون بذي العراد وفاتني ... فرسي ولا يحزنك سعي مضلل
ومقاضة زغف كأن قتيرها ... حدق الأساود لونها كالمجول
تضفو على كفّ كما ضفا ... سيل الأضاء على حبيّ الأعبل
أبغي نكيثة نفسه بمهنّد ... كعصا الجديدا في سنان منجل «٤»
المفاضة: الدرع الواسعة، والقتير:
مسامير الدرع، وقال ابن الأعرابي:
المجول: الفضة، الأعبل: الجبل الأبيض، والحبي: ما تحبا أي اجتمع وحبيّ الأعبل:
ما اتصل منه وحبا بعضه إلى بعض أي دنا، والأعبل: حجارة بيض، والأضاء: الغدران
стр. 40
الواحدة أضاة فإذا كسرت في الجمع مددت وإذا فتحت قصرت، والجديداء: أثواب الحائك الذي يجده يقطعه، ومنجل: واسع الطعن، وعين نجلاء واسعة.
٤٠- ماء ولا كصداء .
زعموا أن زرارة بن عدس «١» بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك رأى يوما ابنه لقيطا مختالا وهو شاب فقال: والله إنك لتختال كأنك أصبت بنت قيس بن مسعود بن قيس بن خالد ومائة من هجائن المنذر بن ماء السماء، قال: فإن الله عليّ لا مسّ رأسي غسل ولا أشرب خمرا حتى آتيك بابنة قيس ومائة من هجائن المنذر أو أبلي في ذلك عذرا، فسار لقيط حتى أتى قيس بن مسعود بن قيس بن خالد، وكان سيد ربيعة وبيتهم، وكان عليه يمين ألا يخطب إليه إنسان علانية إلا ناله بشر، وسمّع به، فأتاه لقيط وهو جالس في القوم، فسلم عليه ثم خطب إليه علانية، فقال له قيس: ومن أنت؟ قال: أنا لقيط بن زرارة، قال: فما حملك على أن تخطب إليّ علانية؟ قال:
لأني قد عرفت إني إن أعالنك لا أشنك، وأن أناجك لا أخدعك، قال قيس: كفؤ كريم، لا جرم والله لا تبيت عندي عزبا ولا محروما، ثم أرسل إلى أمّ الجارية:
إني قد زوجت لقيطا القذور بنت قيس فاصنعيها حتى يبتني بها، وساق عنه قيس، فابتنى بها لقيط وأقام معهم ما شاء الله أن يقيم، ثم احتمل بأهله حتى أتى المنذر بن ماء السماء «٢» فأخبره بما قال أبوه، فأعطاه مائة من هجائنه، ثم انصرف إلى أبيه ومعه بنت قيس ومائة من هجائن المنذر.
وزعموا أن لقيطا «٣» لما أراد أن يرتحل بابنة قيس إلى أهله قالت له: أريد أن ألقى أبي فأسلم عليه وأودّعه ويوصيني، ففعلت، فأوصاها وقال: يا بنية كوني له أمة يكن لك عبدا، وليكن أطيب ريحك الماء حتى يكون ريحك ريح شنّ غبّ مطر- والشنّ طيب الريح غب المطر- وإن زوجك فارس من فرسان مضر، وإنه يوشك أن يقتل أو يموت، فإن كان ذلك
следующие страницы →