Полный текст (155 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
عزيز سلبهما الفرار بقراب أكيس «١» فأرسلها مثلا، وفارقهما.
ومضى أوفى بن مطر وشهاب في أثر الرجلين وكان على أوفى بن مطر يمين لا يرمي بأكثر من سهمين، ولا يستجيره رجل أبدا إلا أجاره، ولا يغتر رجلا حتى يؤذنه، فهاجا بالرجلين وهما في ظل طلحة، وإذا هما من بني أسد ثم من بني فقعس، فلما رأى أوفى أحدهما قال له: استمسك فإنك معدو بك، أي محمول، فقال الأسدي:
إنك لا تعدو بعير أمّك وإنما تعدو بليث مثلك يجد بالمصاع كوجدك فقال أوفى بن مطر: يا شهاب ارم فإن يده في غمة، قال الأسدي «٢» :
لا تحسبن أنّ يدي في غمّه ... في قعر نحي أستثير حمه «٣»
ليس لواحد عليّ منّه «٤» ... ألا ولا اثنين ولا أهمه
إلا الذي وصّى بثكل أمه
فقال أوفى بن مطر:
دع الرماء واقترب هلمّه ... إلى مصاع ليس فيه جمه
فذاك عندي ابن العجوز الهمه نصب ابن على النداء فرمى أوفى بن مطر الأسديّ فصرعه، ورمى شهابا الأسديّ الآخر فصرعه، فقال الآخر:
جوارا يا أوفى، فقال له: على مه؟ قال:
على أحد الفرسين وأحد البعيرين وعلى أن نداوي صاحبينا، فأيهما مات قبل قتلنا به صاحبه، فواثقا على ذلك، وانطلقا بهما وهما جريحان، حتى نزلا على وشل بجبلة الذي يقال له شعب جبلة، فمكثوا بذلك أربعتهم زمانا يغيرون ثم يأتون بغنيمتهم إلى جبلة فيقسمونها، فقال أوفى بن مطر في ذلك لجابر بن عمرو يعيره فراره «٥» :
إذا ما أتيت بني مازن ... فلا تسق فيهم ولا تغسل
فليتك لم تدع من مازن ... وليتك في البطن لم تحمل
وليت سنانك صنارة ... وليت قناتك من مغزل
ونيط بحقوقيك ذو زرنب ... جميش يوكّل للفيشل «٦»
تجاوزت حمران من ساعة ... وخلت قساسا من الحرمل «٧»
فمن مبلغ خلتي جابرا
стр. 37
بأنّ خليلك لم يقتل
تخاطأت النبل أحشاءه ... وأخر يومي فلم يعجل
٣٤- انجز حرّ ما وعد .
٣٥- أزمت شجعات بما فيهن .
كان مرباع مالك بن حنظلة في الجاهلية في زمان صخر بن نهشل بن دارم لصخر، فقال له الحارث بن عمرو بن آكل المرار الكندي: هل أدلّك يا صخر على غنيمة على أن لي خمسها، فقال له صخر: نعم، فدلّه على ناس من أهل اليمن، فأغار عليهم صخر بقومه فظفروا وغنموا، وملأ يديه من الغنائم وأيدي أصحابه؛ فلما انصرف قال له الحارث: أنجز حرّ ما وعد «١» فأرسلها مثلا، فأدار صخر قومه على أن يعطوه ما كان جعل للحارث فأبوا عليه ذلك، وفي طريقهم ثنية متضايقة يقال لها شجعات، فلما دنا القوم منها سار صخر حتى وقف على رأس الثنية وقال:
أزمت شجعات بما فيهن «٢» - وأزمت أي ضاقت- لا يجوزنّ أحد بذمة صخر، فأرسلها مثلا. فقال حمّرة بن ثعلبة بن جعفر بن يربوع: والله لا نعطيه شيئا من غنيمتنا، ثم مضى في الثنية، فحمل عليه صخر بن نهشل بن دارم فقتله، فلما رأى الجيش ذلك أعطوه أجمعون الخمس، فدفعه إلى الحارث بن عمرو فقال في ذلك نهشل بن حري «٣» بن ضمرة بن جابر بن قطن بن دارم:
نحن منعنا الجيش أن يتأوبوا ... على شجعات والجياد بنا تجري
حبسناهم حتى أقروا بحكمنا ... وأدّي أنفال الخميس إلى صخر «٤»
٣٦- إني سأكفيك ما كان قولا .
زعموا أن النمر بن تولب العكلي كان أحبّ أمرأة من بني أسد بن خزيمة يقال لها جمرة بنت نوفل، وقد أسنّ يومئذ، فاتخذها لنفسه وأعجب بها، وكان له بنو أخ فراودها بعضهم عن نفسها، فشكت ذلك إلى نمر وقالت: إن بني أخيك ربما
стр. 38
راودني بعضهم عن نفسي، ولست آمنهم أن يغلبوني فقال لها النمر: قولي لهم وقولي إن أرادوا شيئا من ذلك، وقالت جمرة: إني سأكفيك ما كان قولا «١» فأرسلتها مثلا، تقول إن كان القول فإني سأكفيك القول.
٣٧- بمثل جارية فلتزن الزانية سرا أو علانية .
٣٨- عوف يرنأ في البيت .
زعموا أن جارية بن سليط بن الحارث بن يربوع بن حنظلة بن مالك- وسليط هو كعب، وإنما سمي سليطا لسلاطة لسانه- كان أحسن الناس وجها وأمدّهم جسما، وإنه أتى عكاظ وكانت من أشهر أسواق العرب في الجاهلية، فأبصرته جارية من خثعم فأعجبها، وتلطفت له حتى وقع عليها، فلما فرغ قالت: إنك أتيتني على طهر وإني لا أدري لعلي سأعلق لك ولدا فموعدك فصال ولدي إن حملت لك، فسمّى لها اسمه، حتى وافى عكاظ لرأس ثلاثة أحوال، فوجدها قد ولدت غلاما وفطمته، فأقبلت الجارية معها أمها وخالتها يلتمسنه بعكاظ حتى رأته الجارية فعرفته، فلما رأته قالت الجارية: هذا جارية، قالت أمها: بمثل جارية فلتزن الزانية سرا أو علانية «٢» . ثم دفعن إليه الغلام فسماه عوفا فشرف وساد قومه، وهو عوف الأصم.
فذكر أن بني مالك بن حنظلة وبني يربوع تخايلوا «٣» يوما فقام عمرو بن همام بن رباح بن يربوع يخايل عن بني يربوع فقال الناس: ادخلوا عوفا الأصم البيت فإنه أن علم بما بينكم وشهد المخايلة أهلك هذين الحيين وأبى ذلك، فأولجوا عوفا قبة من قباب الملك لكيلا يسمع ما بينهم فظفر بنو مالك، ونادى مناد أين عوف؟ فقالت امرأته: عوف يرنأ في البيت «٤» فأرسلتها مثلا، فسمع عوف الكلام فوثب فإذا الناس فئتان يتخايلون، وضرب خطم فرس الملك بالسيف وهو مربوط بفناء القبة، فنشب السيف في خطم الفرس وقطع الرسن، وجال في الناس فجعلوا يقولون جهجوه جهجوه أي ازجروه وكفوه، فذلك قول متمم بن نويرة في يوم جهجوه «٥» :
وفي يوم جهجوه حمينا ذماركم ... بعقر الصفايا والجواد المربب
قال العجاج:
لقد أرنّي ولقد أرنّي ... غرا كآرام الصريم الغنّ
قوله أرني من الرنوّ وهو النظر الدائم،
стр. 39
أي يلهو، جهجة به وهجهج به إذا حبسه ومنعه، والصفايا من النوق الغزار، الواحد صفيّ.
٣٩- حرامه يركب من لا حلال له .
أغار جبيلة بن عبد الله أخو بني قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم على إبل جريّة بن أوس بن عامر أخي بني أنمار بن الهجيم بن عمرو بن تميم يوم مسلوق، فاطردوا ابله غير ناقة كانت فيها مما يحرّم أهل الجاهلية ركوبه، وكان في الإبل ابن أخت جرية، وكان فيها فرس لجرية يقال له العمود، وكان مربوطا بعرادة، فاجتذبها فبقيت في طرف رسنه، فذهب وذهب القوم بالإبل غير تلك الناقة الحرام، فإنهم أخرجوها وكرهوا أن تكون في الإبل لأنها حرام، وبلغ جرية الخبر، فإذا القوم قد سبقوا بالإبل غير تلك الناقة الحرام، فقال جرية لابن اخته: ردّ عليّ الناقة لعلي اركبها في أثر القوم، قال: إنها حرام، قال جرية: حرامه يركب من لا حلال له «١» فركب في أثر القوم حتى أدركهم، فأقبل عليه جبيلة فاختلفا بينهما طعنتين فقتله جرية وأحرز القوم الإبل فذهبوا بها، وذهب قوله: حرامه يركب من لا حلال له مثلا.
قال جريّة في ذلك:
إن تإخذوا إبلي فإن جبيلكم ... عند المزاحف ثوبه كالخيعل «٢»
الخيعل: النطع والبيت من ادم والنقبة تلبسها الجارية من أدم.
أنحى السنان على مجامع زوّره «٣» ... إذ جاء يزدلف ازدلاف المصطلي
نرمي برامحنا خصاصة بيتنا ... زالت دعامة أيّنا لم ينزل
إذ ينسلون بذي العراد وفاتني ... فرسي ولا يحزنك سعي مضلل
ومقاضة زغف كأن قتيرها ... حدق الأساود لونها كالمجول
تضفو على كفّ كما ضفا ... سيل الأضاء على حبيّ الأعبل
أبغي نكيثة نفسه بمهنّد ... كعصا الجديدا في سنان منجل «٤»
المفاضة: الدرع الواسعة، والقتير:
مسامير الدرع، وقال ابن الأعرابي:
المجول: الفضة، الأعبل: الجبل الأبيض، والحبي: ما تحبا أي اجتمع وحبيّ الأعبل:
ما اتصل منه وحبا بعضه إلى بعض أي دنا، والأعبل: حجارة بيض، والأضاء: الغدران
стр. 40
الواحدة أضاة فإذا كسرت في الجمع مددت وإذا فتحت قصرت، والجديداء: أثواب الحائك الذي يجده يقطعه، ومنجل: واسع الطعن، وعين نجلاء واسعة.
٤٠- ماء ولا كصداء .
زعموا أن زرارة بن عدس «١» بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك رأى يوما ابنه لقيطا مختالا وهو شاب فقال: والله إنك لتختال كأنك أصبت بنت قيس بن مسعود بن قيس بن خالد ومائة من هجائن المنذر بن ماء السماء، قال: فإن الله عليّ لا مسّ رأسي غسل ولا أشرب خمرا حتى آتيك بابنة قيس ومائة من هجائن المنذر أو أبلي في ذلك عذرا، فسار لقيط حتى أتى قيس بن مسعود بن قيس بن خالد، وكان سيد ربيعة وبيتهم، وكان عليه يمين ألا يخطب إليه إنسان علانية إلا ناله بشر، وسمّع به، فأتاه لقيط وهو جالس في القوم، فسلم عليه ثم خطب إليه علانية، فقال له قيس: ومن أنت؟ قال: أنا لقيط بن زرارة، قال: فما حملك على أن تخطب إليّ علانية؟ قال:
لأني قد عرفت إني إن أعالنك لا أشنك، وأن أناجك لا أخدعك، قال قيس: كفؤ كريم، لا جرم والله لا تبيت عندي عزبا ولا محروما، ثم أرسل إلى أمّ الجارية:
إني قد زوجت لقيطا القذور بنت قيس فاصنعيها حتى يبتني بها، وساق عنه قيس، فابتنى بها لقيط وأقام معهم ما شاء الله أن يقيم، ثم احتمل بأهله حتى أتى المنذر بن ماء السماء «٢» فأخبره بما قال أبوه، فأعطاه مائة من هجائنه، ثم انصرف إلى أبيه ومعه بنت قيس ومائة من هجائن المنذر.
وزعموا أن لقيطا «٣» لما أراد أن يرتحل بابنة قيس إلى أهله قالت له: أريد أن ألقى أبي فأسلم عليه وأودّعه ويوصيني، ففعلت، فأوصاها وقال: يا بنية كوني له أمة يكن لك عبدا، وليكن أطيب ريحك الماء حتى يكون ريحك ريح شنّ غبّ مطر- والشنّ طيب الريح غب المطر- وإن زوجك فارس من فرسان مضر، وإنه يوشك أن يقتل أو يموت، فإن كان ذلك
стр. 41
لا تخمشي وجها ولا تحلقي شعرا.
فلما أصيب لقيط احتملت إلى قومها وقالت: يا بني عبد الله أوصيكم بالغرائب شرا فو الله ما رأيت مثل لقيط لم يخمش عليه وجه ولم يحلق عليه رأس، ولولا أني غريبة لخمشت وحلقت، فلما انصرفت إلى قومها تزوجها رجل منهم فجعل يسمعها تكثر ذكر لقيط، فقال لها: أي شيء رأيت من لقيط قطّ أحسن في عينك؟ قالت:
خرج في يوم دجن وقد تطيّب وشرب فطرد البقر وصرع منها وأتاني وبه نضح الدماء والطيب ورائحة الشراب، فضممته ضمة وشممته شمة، فودت أني كنت مت ثمة، فلم أر قطّ منظرا أحسن من لقيط، فسكت عنها زوجها حتى إذا كان يوم دجن شرب وطيب ثم ركب فصرع من البقر، فأتاها وبه نضح الدماء والطيب وريح الشراب، فضمته إليها، فقال: كيف ترينني أنا أحسن أم لقيط؟ فقالت: ماء ولا كصداء «١» فأرسلتها مثلا ...
وصداء ركية ليس في الأرض ماء أطيب منها مذكورة بطيب الماء قد ذكرها الشعراء، قال ضرار بن عتبة السعدي «٢» :
فإني وتهيامي بزينب كالذي ... يخالس من أحواض صدّاء مشربا
يرى دون برد الماء هولا وذادة ... إذا شدّ صاحوا قبل أن يتحببا
يتحبب: يشرب حتى يروي، وقطّ إذا أريد بها الكفاية كسرت مثل قولك: كسبت درهما فقط، وإذا أريد بها الدهر رفعت كقولك ما رأيت قطّ.
قال حبيب بن عيسى: الحديث أنه كان بين لقيط بن زرارة وبين رجل من أهل بيته يقال له زيد بن مالك ملاحاة فعيره زيد بتركه النكاح وقال: إن أكفاء أهل بيتك يرغبون عنك، ومن غيرهم من العرب عنك أرغب، فلما زوجه قيس قال:
ألم يأت زيدا حيث أصبح أنني ... تزوجتها إحدى النساء المواجد
عقيلة شيخ لم يكن لينالها ... سوى عدسي من زرارة ماجد
إذا اتصلت يوما بنسبتها انتهت ... إلى آل مسعود بن قيس بن خالد
كأن رضاب المسك دون لثاتها ... على شيم من ماء مزنة بارد
стр. 42
لها بشر صافي الأديم كأنه ... لجين تراه دون حمر المجاسد
إذا ارتفعت فوق الفراش حسبتها ... شريجة نبع زينت بالقلائد
متى تبغ يوما مثلها تلق دونها ... مصاعد ليست سبلها كالمصاعد
٤١- قد لا يقاد بي الجمل .
٤٢- والله لا أرعاها سنّ الحسل .
٤٣- واحد لا أسرح فيها ألوّة الفتى هبيرة ابن سعد .
٤٤- حتى يجتمع معزى الفزر .
كان سعد بن زيد مناة بن تميم وهو الفزر وكانت تحته الناقمية فولدت له فيما زعم الناس صعصعة أبا عامر- قال شريح بن الأحوص وهو ينتمي إلى سعد:
تمناني ليلقاني لقيط ... أعام لك ابن صعصعة بن سعد
وقال المخبل «١» :
كما قال سعد إذ يقود به ابنه ... كبرت فجنبني الأرانب صعصا «٢»
وأكثر في ذلك شعراء بني عامر وبني تميم- فولدت له هبيرة بن سعد، وكان سعد قد كبر حتى لم يكن يطيق ركوب الجمل، إلا أن يقاد به ولم يملك رأسه، فقال سعد وصعصعة يوما يقود به جملة: قد لا يقاد بين الجمل «٣» أي قد كنت لا يقاد بي الجمل، فذهبت مثلا.
وكان سعد كثير المال والولد، فزعموا أنه قال لابنه يوما هبيرة بن سعد: سرح في معزاك فارعها، قال: والله لا أرعاها سنّ الحسل، وهو ولد الضب ولم يوجد دابة قط أطول عمرا منه، وسن كل دابة يسقط ألا سن الحسل؛ قال: يا صعصعة أسرح في غنمك، قال: لا والله لا أسرح فيها ألوّة الفتى هبيرة بن سعد- ألوّة وألوة وأليّة بمعنى- فغضب سعد وسكت على ما نفسه، حتى إذا أصبح بالمعزى بسوق عكاظ والناس مجتمعون بها فقال: ألا إن هذه معزاي فلا يحلّ لرجل أن يدع أن يأخذ منها شاة، ولا يحلّ لرجل أن يجمع منها شاتين، فانتهبها الناس وتفرقت فيقال:
стр. 43
حتى يجتمع معزى الفزر «١» فذهبت مثلا.
وقال شبيب ابن البرصاء «٢» :
ومرة ليسوا نافعيك ولن ترى ... لهم مجتمعا حتى ترى غنم الفزر
وقال حبيب بن عيسى: كان من حديث الفزر مع امرأته الناقمية أنه قال لصعصعة في يوم الناقمية فيه مراغمة له:
أخرج يا صعصعة في معزاك، فقالت أمه: لا يخرج صعصعة ويقعد كعب، فقال: اخرج يا هبيرة، قال: لا والذي يحجّ إليه على الركاب، قال: فاخرج أنت يا كعب، قال: وأليّة الفتى هبيرة لا أفعل، فألحّ على صعصعة فقالت امه:
ليس لك من شيخك إلا كدّه، فاخرج والله ما تصلح لغيرها، قال: إذا والله أحسن رعايتها اليوم، فخرج حتى اضطرها إلى أصل علم، ووافق ذلك نفور الناس من عكاظ، فجعل لا يمر به جمع لّا حبسهم حتى إذا توافى بشر كثير أمرهم فانتهبوا غنمه، وسخطت الناقمية ما صنع ففارقته، فذلك قوله «٣» :
أجدّ فراق الناقمية فانتوت ... أم البين يحلولي لمن هو مولع
لقد كنت أهوى الناقمية حقبة ... وقد جعلت أقران بين تقطّع
فلولا بنيّاها: هبيرة إنه ... بنيّ الذي يشفي سقامي وصعصع
لكان فراق «٤» الناقمية غبطة ... وهان علينا وصلها حين يقطع
٤٥- إذا سأببنك فابديئيهن بعفال .
٤٦- رمتني بدائها وانسلت .
وزعموا أن سعد بن زيد مناة بن تميم كان تزوج رهم بنت الخزرج بن تيم الله بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة، وكانت من أجمل الناس، فولدت له مالك ابن سعد وعوفا، وكان ضرائرها إذا ساببنها يقلن: يا عفلاء فقالت لها أمها: إذا ساببنك فأبدئيهن بعفال «٥» . فسابتها بعد ذلك امرأة من ضرائرها، فقالت يا عفلاء، فقالت ضرتها رمتني بدائها وانسلت «٦» فأرسلتها مثلا.
وبنو مالك بن سعد رهط العجاج، وكانوا يقال لهم بنو العفيل «٧» ، فقال اللعين
стр. 44
المنقري «١» وهو يعرض بهم «٢» :
ما في الدوائر من رجليّ من عقل ... عند الرهان وما أكوى من العفل «٣»
٤٧- تلك بتلك فهل جزيتك
وزعموا أن عمرو بن جدير «٤» بن سلمى ابن جندل بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة كانت عنده امرأة معجبة له جميلة، وكان ابن عمه يزيد بن المنذر بن سلمى بن جندل بها معجبا، وأن عمرا دخل ذات يوم بيته فرأى منه ومنها شيئا كرهه حتى خرج من البيت، فأعرض عنه، ثم طلق المرأة من الحياء منه، فمكث ابن جدير ما شاء الله لا يقدر يزيد بن المنذر على أن ينظر في وجهه من الحياء منه ولا يجالسه، ثم إن الحيّ أغير عليه، وكان فيمن ركب عمرو بن جدير، فلما لحق بالخيل ابتدره فوارس فطعنوه وصرعوه ثم تنازلوا عليه، ورآه يزيد بن المنذر فحمل عليهم فصرع بعضهم، وأخذ فرسه واستنقذه، ثم قال له: اركب وانج فلما ركب قال له يزيد: تلك بتلك فهل جزيتك «٥» فذهبت مثلا.
٤٨- وأهل عمرو قد أضلّوه .
وزعموا أن عمرو بن الأحوص بن جعفر ابن كلاب كان أحبّ الناس إلى أبيه، فغزا بني حنظلة في يوم ذي نجب، فقتله خالد ابن مالك بن ربعيّ بن سلمى بن جندل بن نهشل، فزعموا أن أباه الأحوص بن جعفر- وهو يومئذ سيد بني عامر- قال: إن أتاكم الحماران طفيل بن مالك وعوف بن الأحوص يتحدثان ثم مضيا إلى البيوت فقد ظفر أصحابكم، وأن جاءا يتسايران حتى إذا كانا عند أدنى البيوت تفرقا فقد فضح أصحابكم وهزموا، فاقبلا حتى إذا كانت عند أدنى البيوت تفرقا، فقال الأحوص:
الفضيحة والله، ثم أرسل إليهما فأخبراه الخبر، فكان مما زعموا أن الأحوص إذا سمع باكية قال: وأهل عمرو قد أضلوه «٦» فأرسلها مثلا؛ فيزعمون أن الأحوص مات من الوجود على عمرو ولم يلبث بعده إلا قليلا، فقال لبيد بن ربيعة في ذلك وفي عروة بن عتبة وقد قتله البراض «٧» :
ولا الأحوصين في ليال تتابعا ... ولا صاحب البراض غير المغير «٨»
стр. 45
٤٩- حنّت ولا تهنت وأني لك مقروع .
٥٠- لا رأي لمكذوب .
٥١- فانج ولا أظنك ناجيا .
٥٢- تحلل غيل .
وزعموا أن عبد شمس بن سعد بن زيد مناة، وكان يلقب مقروعا، عشق الهيجمانة بنت العنبر بن عمرو بن تميم، فطرد عنها وقوتل، فجاء الحارث بن كعب بن سعد بن زيد مناة ليدفع عن عمه فضرب على رجله فقطعت وشلت، فسمي الأعرج، فسار إليه عبشمس بن سعد في بني سعد فأناخ إلى العنبر بن عمرو ابن تيم ومازن بن مالك ابن عمرو بن تميم وغيلان بن مالك بن عمرو بن تميم يسألونهم أن يعطوهم بحقهم من رجل الأعرج، فضرب بنو عمرو بن تميم عليهم قبة، فقال لهم عبشمس: أن يرح إليكم مازن مترجلا وقد لبس ثيابه وتزين لكم فظنوا به شرا، وأن جاءكم شعث الرأس خبيث النفس فإني أرجو أن يعطوكم بحقكم. فلما كان بالعشيّ راح إليهم مازن مترجلا قد لبس ثيابه وتزين لهم، فارتابوا به، فتحدّث عندهم، فلما راح النّعم دسّ عبشمس بعض أصحابه إلى الرعاء ليسمع ما يقولون، فسمع رجلا من الرعاء يقول:
لا نعقل الرجل ولا نديها ... حتى نرى داهية تنسيها
أو يسف في أعينها سافيها
وكان غيلان بن مالك قد قال هذين البيتين قبل ذلك، فقال عبشمس حين خبره رسوله بما سمع وجن عليهم الليل: برزوا رحالكم، وكانوا ناحية، ففعلوا وتركوا قبتهم، فنادى مازن وأقبل إلى القبة: ألا حي بالقرى، فإذا الرجال قد جاءوا عليهم السلاح حتى اكتنفوا القبة، فإذا هي خالية وليس فيها أحد منهم، وهرب بنو سعد على ناحيتهم.
ثم إن عبشمس جمع لبني عمرو وغزاهم، فلما كان بعقوتهم ليلا نزل في ليلة ذات ظلمة ورعد وبرق، فأقام بمنزلة حتى يصبّحهم صباحا، فقام يحوطهم من الليل، وكانت بنت عمرو معجبة به، وكان معجبا بها، قد عرف ذلك منهما، وكانت عاركا- وكانت العارك في ذلك الزمان تكون في بيت على حدة ولا تخالط أهلها- فأضاء لها البرق فرأت ساقي مقروع، فأتت أباها تحت الليل فقالت: إني لقيت ساقي عبشمس في البرق فعرفته، فأرسل العنبر إلى بني عمرو فجمعهم، فلما أتوه
стр. 46
خبرهم الخبر فقال مازن: حنّت ولا تهنّت وأني لك مقروع «١» فأرسلها مثلا، وقد كانوا يعرفون إعجاب كلّ واحد منهما لصاحبه. ثم قال مازن للعنبر: ما كنت حقيقا أن تجمعنا لعشق جارية. ثم تفرقوا فقال لها العنبر: لا رأي لمكذوب «٢» فأرسلها مثلا، فأخبريني واصدقيني، قالت:
يا أبتاه ثكلتك أمك أن لم أكن رأيت مقروعا، فانج ولا أظنك ناجيا «٣» فأرسلتها مثلا، فنجا العنبر من تحت الليل وصبّحتهم بنو سعد وقتلوا منهم ناسا فيهم غيلان بن مالك وهو الذي قال: لا نعقل الرجل ولا نديها، فجعلت بنو سعد تحثو في عينه التراب وهو قتيل ويقولون: تحلل غيل «٤» فذهب قولهم مثلا.
يقول تحلل من يمينك، وغيل غيلان، فرخم.
ثم إن عبشمس اتبع العنبر حتى أدركه وهو على فرسه وعليه إداته وهو يسوق أبله فقال له عبشمس: دع أهلك فإن لنا وإن لك، فقال العنبر: لا ولكن من تقدم منعته ومن تأخر عقرته، فجعل إذا تأخر شيء عقره، فدنا منه عبشمس فلما رأته الهيجمانة نزعت خمارها وكشفت عن وجهها وقالت: يا عبشمس نشدتك الرحم لما وهبته لي، فقال: لقد خفتك على هذه منذ الليلة، فوهبه لها. وقال ذؤيب صاحب راية عمرو في حروبها:
يا كعب إن أخاك منحمق ... فاشدد إزار أخيك يا كعب
أتجود بالدم ذي المضنة في ال ... جلّى وتلوي الناب والسقب «٥»
تلوي: تتبع، الناب: المسنة من النوق، والسقب: ولد الناقة.
تنبو المناطق عن جنوبهم ... وأسنة الخطيّ لا تنبو
إني حلفت فلست كاذبه ... حلف الملبّد شفّه النحب
стр. 47
ينفكّ عندي الدهر ذو خصل ... نهد الجزار منهب غرب
الجزارة: القوائم، ويقال فرس غرب وفرس بحر وفرس سكب «١» إذا كان كثير الجري.
يشتدّ حين يريد فارسه ... شذّ الجداية غمها الكرب
الجداية: الظبية، وهي من الظباء مثل الصناق من المعز.
الآن إذ أخذت مآخذها ... وتباعد الانساع والقرب
أي بعد أن وقعت العداوة يسعى في الصلح، أي ليس هذا من أوانه فحارب الآن ولا تبال.
أقبلت تعطي خطة غبنا ... وتركتها ومسدّها رأب
جانيك من يجني عليك وقد ... تعدى الصحاح فتجرب الجرب
والحرب قد تضطرّ جانيها ... إلى المضيق ودونه الرحب
يروي غير ابن الأعرابي تعدي الصحاح مبارك الجرب، وأراد مباركا فترك الألف لأن اللفظة لا تجري.
٥٣- ترك الخداع من أجرى مائة غلوة .
٥٤- جري المذكيات غلاب .
٥٥- إنك لا تركض مركضا .
٥٦- رويدا يعلنون الجدد .
٥٧- وحسبك من شرّ سماعه .
٥٨- اتق مأثور القول بعد اليوم .
٥٩- وما أراها وألت منه .
٦٠- أذل من قراد .
٦١- باءت عرار بكحل .
٦٢- أشأم من داحس .
وكان من أمر داحس «٢» وما قيل فيه من الأشعار والأمثال أن أمه كانت فرسا لقرواش بن عوف بن عاصم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، يقال لها جلوى، وأن أباه ذا العقّال كان لحوط بن أبي جابر بن أوس بن حميري بن رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك، وإنما سميّ داحسا أن بني يربوع احتملوا ذات يوم سائرين في نجعة، وكان
стр. 48
ذو العقال مع ابنتي حوط ابن أبي جابر تجنبانه، فمرت به جلوى فرس قرواش، فلما رآها الفرس ودي- أي انعظ- فضحك شباب من الحيّ رأوه، فاستحيت الفتاتان فأرسلتاه، فنزا على جلوى، فوافق قبولها فأقصّت «١» . ثم أخذه لهما بعض الحيّ فلحق بهم حوط، وكان [رجلا] شريرا سيء الخلق، فلما نظر إلى عين فرسه قال: والله لقد نزا فرسي فأخبراني ما شأنه، فأخبرتاه فقال: والله لا أرضى أبدا حتى آخذ «٢» ماء فرسي، قال له بنو ثعلبة:
والله ما استكرهنا فرسك إنما كان منفلتا، فلم يزل الشرّ بينهم حتى عظم، فلما رأى ذلك بنو ثعلبة قالوا: دونكم ماء فرسكم، فسطا عليها حوط فجعل يده في تراب وماء ثم أدخلها في رحمها حتى ظنّ أنه أخرج الماء؛ واشتملت الرحم على ما فيها فنتجها قرواش مهرا فسمي داحسا بذلك، وخرج كأنه ذو العقال أبوه، وهو الذي قال ابن الخطفي فيه «٣» :
إنّ الجياد يبتن حول فنائنا ... من آل أعوج أو لذي العقّال
فلما تحرك المهر شيئا مرّ «٤» مع أمه وهو فلو يتبعها، وبنو ثعلبة منتجعون «٥» فرآه حوط فأخذه، فقالت بنو ثعلبة: يا بني رياح ألم تفعلوا فيه ما فعلتم أول مرة ثم هذا الآن، فقالوا: هو فرسنا ولن نترككم أو تدفعوه إلينا «٦» فلما رأى ذلك بنو ثعلبة قالوا: إذا لا نقاتلكم [عليه] ، أنتم أعزّ علينا منه، هو فداؤكم، فدفعوه إليهم.
فلما رأى ذلك بنو رياح قالوا: والله لقد ظلمنا إخوتنا مرتين وحلموا عنا وكرموا فأرسلوا به إليهم معه لقوحان، فمكث عند قرواش ما شاء الله، وخرج من أجود خيول العرب.
ثم إن قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسيّ أغار على بني يربوع، فلم يصب غير ابنتي قرواش بن عوف ومائة من الإبل لقرواش وأصاب الحيّ وهم خلوف لم يشهد من رجالهم غير غلامين من بني أزنم «٧» بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، فجالا في متن الفرس مرتدفيه وهو مقيد، فأعجلهما القوم عن حلّ قيده، واتبعهما القوم، فضبر بالغلامين «٨» [ضبرا] حتى نجوا به، ونادتهما إحدى الجاريتين أن مفتاح القيد مدفون في مذود الفرس بمكان
стр. 49
كذا وكذا، فسبقا إليه حتى أطلقاه حيث يرودونه «١» . فلما رأى ذلك قيس بن زهير رغب في الفرس فقال: لكما حكمكما وادفعا إليّ الفرس، قالا: أو فاعل أنت هذا؟ قال: نعم، واستوثقا منه أن يردّ ما أصاب من قليل أو كثير ثم يرجع عوده على بدئه ويطلق الفتاتين ويخلي عن الإبل وينصرف عنهم راجعا، ففعل ذلك قيس، ودفعا إليه الفرس. فلما رأى ذلك أصحاب قيس قالوا: لا والله لا نصالحك أبدا، أصبنا مائة من الإبل وامرأتين فعمدت إلى غنيمتنا فجعلتها في فرس لك تذهب به دوننا، فعظم في ذلك الشر حتى اشترى منهم غنيمتهم بمائة من الإبل.
فلمّا جاء قرواش قال للغلامين: أين فرسي؟ فأخبراه الخبر فأبى أن يرضى إلا أن يدفع إليه فرسه، فعظم في ذلك الشر حتى تنافروا فيه، فقضي بينهم أن تردّ الفتاتان والإبل إلى قيس بن زهير ويردّ عليه الفرس، فلما رأى ذلك قرواش رضي بعد شرّ، وانصرف قيس معه داحس، فمكث ما شاء الله.
فزعم بعضهم أن الرهان إنما هاجه بين قيس وبين حذيفة بن بدر أن قيسا دخل على بعض الملوك وعنده قينة لحذيفة بن بدر تغنيه بشعر امرىء القيس «٢» :
دار لهرّ والرباب وفرتنا ... ولميس قبل حوادث الأيام
وهنّ فيما يذكر نسوة من بني عبس، فغضب قيس بن زهير فشتمها وشق رداءها، فغضب حذيفة، فبلغ ذلك قيسا فأتاه ليسترضيه، فوقف عليه فجعل يكلمه وهو لا يعرفه من الغضب، وعنده أفراس له، فعابه قيس وقال «٣» : ما يرتبط مثلك مثل هذه يا أبا مسهر، فقال حذيفة:
أتعيبها؟ قال: نعم، فتجاريا حتى تراهنا.
ويزعم بعضهم أنّ ما هاج الرهان أن رجلا من بني بن غطفان ثم أحد بني جوشن- وهم أهل بيت شوم- أتى حذيفة زائرا فعرض عليه حذيفة خيله فقال: ما أرى فيها جوادا مبرا «٤» ، قال حذيفة:
ويلك فعند من الجواد المبرّ؟ قال: عند قيس بن زهير قال: هل لك أن تراهنني عنه؟ قال: نعم قد فعلت، فراهنه على ذكر من خيله وأنثى، ثم إن العبديّ أتى قيسا فقال: إني قد راهنت على فرسين من خيلك ذكر وأنثى وأوجبت الرهان، فقال قيس: ما أبالي من راهنت غير حذيفة، قال: فإني راهنت حذيفة «٥» قال له قيس:
إنك ما علمت لأنكد، قال: فأتى قيس حذيفة قال: ما غدا بك؟ قال: غدوت لأواضعك الرهان، قال: بل غدوت لتغلقه، قال: ما أردت ذاك، فأبى حذيفة
стр. 50
إلا الرهان، قال قيس: أخيرك ثلاث خصال، إن بدأت فاخترت فلي خصلتان «١» ولك الأولى، وأن بدأت فاخترت فلي الأولى ولك خصلتان، قال حذيفة: فابدأ قال قيس: الغاية من مائة غلوة، قال حذيفة: المضمار أربعون ليلة- أي يضمرون الخيل- والمجرى من ذات الإصاد، ففعلا، ووضعا السبق على يدي غلّاق ابن غلاق أحد بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان.
فزعموا أن حذيفة أجرى الخطّار فرسه والحنفاء، وزعم بعض بني فزارة أنه أجرى قرزلا والحنفاء، وأجرى قيس داحسا والغبراء.
وزعم بعضهم أنه هاج الرهان رجل من بني المعتم «٢» بن قطيعة بن عبس يقال له سراقة راهن شبابا من بني بدر، وقيس غائب، على أربع جزائر من خمسين غلوة- الغلوة ما بين ثلاثمائة ذراع إلى خمسمائة ذراع- فلما جاء قيس كره ذلك وقال: إنه لم ينته رهان قطّ إلا إلى شرّ. ثم أتى بني بدر فسألهم المواضعة فقالوا: لا حتى تعرف»
لنا سبقنا، فإن أخذنا فحقّنا وإن تركنا فحقّنا، فغضب قيس ومحك «٤» ، وقال: أما إذا فعلتم فأعظموا الخطر وأبعدوا الغاية، قالوا: فذاك لك، فجعل الغاية من واردات إلى ذات الإصاد، وتلك مائة غلوة، والثنية فيما بينهما، وجعلوا القصبة في يدي رجل من بني ثعلبة بن سعد يقال له حصين ويدي «٥» رجل من بني العشراء «٦» ، من بني فزارة وهو ابن أخت لبني عبس، وملأوا البركة ماء، وجعلوا السابق أول الخيل يكرع فيها.
ثم إن حذيفة وقيس بن زهير أتيا المدى الذي أرسلن منه «٧» ينظران إلى الخيل كيف خروجها [منه] فلما أرسلت عارضاها فقال حذيفة: خدعتك يا قيس، قال قيس: ترك الخداع من أجرى من مائة غلوة «٨» ، فأرسلها مثلا. ثم ركضا ساعة فجعلت خيل حذيفة تنزق خيل قيس فقال حذيفة:
سبقت يا قيس، فقال قيس جري المذكيات غلاب «٩» ، فأرسلها مثلا. ثم ركضا ساعة فقال حذيفة: إنك لا تركض مركضا [فأرسلها مثلا، ثم قال] سبقت خيلك
стр. 51
يا قيس، فقال قيس: رويدا يعلون الجدد «١» - الجدد: الأرض الغليظة، فأرسلها مثلا، لأن الذكور في الوعوث أبقى وأصبر من الإناث، والإناث في الجدد أصبر وأسبق.
وقد جعل بنو فزارة كمينا بالثنية فاستقبلوا داحسا فعرفوه فأمسكوه، وهو السابق، ولم يعرفوا الغبراء وهي خلفه مصلّية، حتى مضت الخيل وأسهلت من الثنية، ثم أرسلوه فتمطّر «٢» في آثارها فجعل يندرها «٣» فرسا فرسا حتى انتهى «٤» إلى الغاية مصليا وقد طرح الخيل غير الغبراء، ولو تباعدت الغاية لسبقها، فاستقبلها بنو فزارة فلطموها ثم حلأوها «٥» عن البركة، ثم لطموا داحسا وقد جاءا متواليين، وكان الذي لطمه عمير بن نضلة فجفّت يده فسمي جاسئا، فجاء قيس وحذيفة في أخرى الناس، وقد دفعتهم بنو فزارة عن سبقهم ولطموا فرسيهم، ولو تطيقهم بنو عبس لقاتلوهم، وإنما كان «٦» من شهد ذلك من بني عبس أبياتا «٧» وقال قيس إنه لا يأتي قوم إلى قومهم شرا من الظلم فأعطونا حقنا، فأبى بنو فزارة أن يعطوهم شيئا، وكان الخطر عشرين من الإبل، فقالت بنو عبس: فأعطوا «٨» بعض سبقنا، فأبوا، قالوا: فأعطونا جزورا ننحرها ونطعمها أهل الماء فإنا نكره القالة في العرب، فقال رجل من بني فزارة: مائة جزور وجزور واحد سواء، والله ما كنا لنقرّ لك في السبق ولم تسبق «٩» فقام رجل من بني مازن بن فزارة فقال: يا قوم إن قيسا قد كان كارها لأول هذا الرهان، وقد أحسن في آخره، وإنّ الظلم لا ينتهي إلا إلى شرّ، فأعطوه جزورا من نعمكم، فأبوا فقام رجل من بني فزارة إلى جزور من إبله فعلقها ليعطيها قيسا ويرضيه، فقام ابنه فقال: إنك لكثير الخطأ تريد أن تخالف قومك وتلحق بهم ما ليس عليهم «١٠» ، فأطلق الغلام عقالها فلحقت بالنعم، فلما رأى ذلك قيس بن زهير احتمل هو عنهم ومن كان معه من بني عبس، فأتى على ذلك ما شاء الله.
ثم إن قيسا أغار فلقي عوف بن بدر فقتله وأخذ إبله، فبلغ ذلك بني فزارة وهمّوا بالقتال وغضبوا، فحمل الربيع بن
стр. 52
زياد «١» أخو بني عوذ «٢» بن غالب بن قطيعة ابن عبس دية عوف بن بدر مائة عشراء «٣» متلية- أي تلاها أولادها «٤» - وأم عوف وأم حذيفة وأخوته الخمسة هي سودة بنت نضلة بن عمير بن جويّة بن لوذان بن ثعلبة بن عديّ بن فزارة، فاصطلح القوم «٥» فمكثوا ما شاء الله، - ونضلة كان يسمى جابرا.
ثم إن مالك بن زهير أتى امرأة له يقال لها مليكة بنت حارثة من بني غراب بن ظالم بن فزارة فابتنى باللقاطة قريبا من الحاجر «٦» ، فبلغ ذلك حذيفة فدسّ له فرسانا على أفراس من مسان خيلهم فقال: لا تنظروا أن وجدتهم مالكا أن تقتلوه، وربيع بن زياد بن عبد الله بن سفيان [بن قارب العبسي] مجاور حذيفة بن بدر، وكانت تحت الربيع بن زياد معاذة بنت بدر، فانطلق القوم فلقوا مالكا فقتلوه ثم انصرفوا عنه، فجاءوا عشية وقد أجهدوا أفراسهم، فوقفوا أفراسهم «٧» على حذيفة ومعه الربيع بن زياد، فقال حذيفة:
أقدرتم على حماركم؟ قالوا: نعم وعقرناه، قال الربيع: ما رأيت كاليوم قط، أهلكت أفراسك من أجل حمار، قال حذيفة لمّا أكثر الربيع عليه من اللائمة «٨» وهو يحسب أن الذي أصابوا حمارا: إنا لم نقتل حمارا، ولكنا قتلنا مالك بن زهير بن عوف بن بدر، فقال الربيع: بئس لعمر الله القتيل قتلت، أما والله إني لأظنه سيبلغ ما تكره «٩» ، فتراجعا شيئا ثم تفرقا، فقام الربيع يطأ الأرض وطأ شديدا، وأخذ حمل بن بدر ذا النون سيف مالك بن زهير.
فزعموا أن حذيفة لما قام الربيع أرسل أمة مولدة فقال: اذهبي إلى معاذة بنت بدر امرأة الربيع فانظري ما ترين الربيع يصنع، فانطلقت الجارية حتى دخلت البيت فاندست بين الكفاء والنضد، فجاء الربيع فنفذ البيت حتى أتى فرسه، فقبض معرفته ومسح متنيه حتى قبض بعكوة ذنبه، ثم رجع إلى البيت ورمحه مركوز بفنائه فهزه هزا شديدا ثم ركزه كما كان، ثم قال لا مرأته اطرحي لي شيئا فطعت له شيئا فاضطجع عليه، وكانت قد طهرت تلك الليلة فدنت منه: فقال: إليك، قد حدث أمر، ثم تغنّى «١٠» :
نام الخليّ وما أغمض حار ... من سيء النبأ الجليل الساري
стр. 53
من مثله تمسي النساء حواسرا ... وتقوم معولة مع الأسحار
من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه «١» نهار
معناه أنه إذا نظر إلى النساء وما يصنعن لمقتل مالك علم أن رهطه لا يقرون لذلك حتى يدركوا بثأرهم:
يجد النساء حواسرا يندبنه ... يضربن أوجههنّ بالأسحار «٢»
قد كنّ يخبأن الوجوه تسترا ... فالآن حين بدون للنظار
يخمشن حرّات الوجوه على امرىء ... سهل الخليقة طيب الأخبار
أفبعد مقتل مالك بن زهير ... ترجو السناء عواقب الأطهار
ما إن أرى في قتله لذوي النهي ... إلا المطيّ تشدّ بالأكوار
ومجنّبات ما يذقن عذوفا ... يقذفن بالمهرات والأمهار «٣»
ومساعرا صدأ الحديد عليهم ... فكأنما تطلى»
الوجوه بقار
يا ربّ مسرور بمقتل مالك ... ولسوف يصرفه بشرّ محار «٥»
قال: فرجعت الأمة فأخبرت حذيفة فقال: هذا حين استجمع «٦» أمر أخيكم، ووقعت الحرب.
وقال الربيع لحذيفة- وهو يومئذ جار له- سيرني فإني جاركم-، فسيره ثلاث ليال «٧» ووجّه معه قوما لهم: إنّ مع الربيع فضلة من خمر فإن وجدتموه قد هراقها فهو جادّ، وقد مضى فانصرفوا، وإن لم تجدوه هراقها فاتبعوه فإنكم تجدونه قد مال لأدنى روضة «٨» فرتع وشرب فاقتلوه، فتبعه القوم فوجوده قد شقّ الزقّ ومضى فانصرفوا.
فلما أتى الربيع قومه وقد كان بينه وبين قيس بن زهير شحناء، وذلك أن الربيع ساوم قيس بن زهير بدرع كانت عنده، فلما نظر إليها وهو راكب وضعها بين يديه ثم ركض بها فلم يرددها على قيس، فعرض قيس بن زهير لفاطمة بنت الخرشب الأنماريّة من بني أنمار بن بغيض «٩» - وهي أم الربيع بن زياد- وهي تسير في ظعائن من بني عبس، فاقتاد
стр. 54
جملها يريد أن يرتهنها بالدرع حتى تردّ عليه، فقالت: ما رأيت كاليوم قطّ فعل رجل، أي يضل حلمك؟ أترجو أن تصطلح أنت وبنو زياد وقد أخذت أمهم فذهبت بها يمينا وشمالا فقال الناس في ذلك ما شاءوا أن يقولوا، وحسبك من شر سماعه «١» ، فأرسلتها مثلا، فعرف قيس ما قالت له فخلى سبيلها وطرد إبلا لبني زياد حتى قدم بها مكة فباعها من عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، فقال قيس في ذلك «٢» :
ألم يبلغك «٣» والإنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد
ومحبسها لدى القرشيّ تشرى ... بأدراع وأسياف حداد
كما لاقيت من حمل بن بدر ... وأخوته على ذات الإصاد
هم فخروا عليّ بغير فخر ... وردّوا دون غايته جوادي
وكنت إذا منيت بخصم سوء ... دلفت له بداهية نآد
بداهية تدقّ الصلب منه ... فتقصم أو تجوب «٤» عن الفؤاد
وكنت إذا أتاني الدهر ربق «٥» ... بداهية شددت له نجادي
قال العدوي: ربق وربيق الداهية، وأمّ الربيق الداهية، والنجاد حمائل السيف.
ألم يعلم بنو الميقاب أني ... كريم غير معتلث الزناد «٦»
أي ليس بفاسد الأصل. الوقب: الأحمق والميقاب مثله، وقالوا [الميقاب] : التي تلد الحمقى؛ ومعتلث لا خير فيه.
أطوّف ما أطوّف ثم آوي ... إلى جار كجار أبي دواد «٧»
جار قيس بن زهير «٨» : ربيعة [الخير] بن قرط بن غيلان بن أبي بكر بن كلاب، ويقال جار أبي دواد الحارث بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان، وكان أبو داود في جواره فخرج صبيان الحي يلعبون في غدير فغمسوا بنيّ أبي دواد فمات، فخرج الحارث فقال: لا يبقى في الحيّ صبيّ إلا
стр. 55
غرقته في الغدير، فودي ابن أبي دواد لذلك عدة ديات.
إليك ربيعة الخير بن قرط ... وهوبا للطريف وللتلاد
كفاني ما أخاف أبو هلال ... ربيعة فانتهت عني الأعادي
تظلّ جياده يجمزن حولي ... بذات الرّمث كالحدأ الغوادي
كأني إذ أنخت إلى ابن قرط ... عقلت إلى يمامة أو نضاد
ويورى: إلى يلملم أو نضاد وهما جبلان.
وقال قيس بن زهير:
إن تك حرب فلم أجنها ... جنتها صبارتهم «١» أو هم
صبارتهم: خلفاؤهم.
حذار الردى إذ رأوا خيلنا ... مقدّمها سابح أدهم
السابح: الكثير الجري:
عليه كميّ وسرباله ... مضاعفة نسجها محكم
وإن شمرت لك عن ساقها ... قويها ربيع فلا تسأموا
زجرت ربيعا فلم ينزجر ... كما انزجر الحارث الأجذم «٢»
إذا نصب ربيع أراد الترخيم يا ربيعة، فلما حذف الهاء للترخيم ترك العين مفتوحة، ومن رفع ذهب به مذهب الإسم التام المفرد وإن كان مرخما، كقول ذي الرمة:
فياميّ ما يدريك «٣» ...
وكانت تلك الشحناء بين بني زياد وبين بني زهير، فكان قيس يخاف خذلانهم إياه، فزعموا أن قيسا دسّ غلاما [له] مولّدا فقال: انطلق كأنك تطلب إبلا فإنهم سيسألونك، فاذكر مقتل مالك ثم احفظ ما يقولون فأتاهم العبد فسمع الربيع يتغنّى بقوله:
أفبعد مقتل مالك بن زهير ... ترجو النساء عواقب الأطهار
فلما رجع العبد إلى قيس أخبره بما سمع من الربيع بن زياد، فعرف قيس أنه قد غضب له، فاجتمعت بنو عبس على قتال بني فزارة، فأرسلوا إليهم أن ردوا إبلنا التي ودينا بها عوف بن بدر أخا حذيفة لأمه، قال: لا أعطيهم دية ابن أمي وإنما قتل صاحبكم حمل بن بدر وهو ابن الأسدية، فأنتم وهو أعلم.
ويزعم بعض الناس أنهم كانوا ودوا عوف بن بدر مائة متلية- والمتالي التي في بطونها أولادها وقد تم حملها فإنما ينتظر نتاجها- وأنه أتى على تلك الإبل أربع
стр. 56
سنين وقد توالدت، وأن حذيفة بن بدر أراد أن يردها بأعيانها فقال له سنان بن أبي حارثة: أتريد أن تلحق بنا خزاية فتعطيهم أكثر مما أعطونا فتسبّنا العرب بذلك؟
فأمسكها حذيفة، وأبى بنو عبس أن يقبلوا إلا إبلهم بأعيانهم، فمكث القوم ما شاء الله أن يمكثوا.
ثم إن مالك بن بدر خرج يطلب إبلا له فمر على جنيدب أخي بني رواحة فرماه بسهم فقتله يوم المعنقة فقالت ابنة مالك بن بدر «١» :
لله عينا من رأى مثل مالك ... عقيرة قوم أن جرى فرسان
فليتهما لم يشربا قطّ شربة «٢» ... وليتهما لم يرسلا لرهان
أحلّ به جنيدب أمس نذره ... فأيّ قتيل كان في غطفان
إذا سجعت بالرقمتين حمامة ... أو الرسّ فأبكي فارس الكتفان «٣»
ثم إن الأسلع بن عبد الله بن ناشب بن زيد بن هدم بن لدم «٤» بن عوذ بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض مشى في الصلح ورهن بني ذبيان ثلاثة من بنيه وأربعة من بني أخيه حتى يصطلحوا، وجعلهم على يدي سبيع بن عمرو من بني ثعلبة بن ذبيان، فمات سبيع وهم على يديه «٥» فأخذهم حذيفة من بنيه فقتلهم «٦» .
ثم إن بني فزارة تجمعوا هم وبنو ثعلبة وبنو مرة فالتقوا هم وبنو عبس بالخاثرة «٧» فهزمتهم بنو عبس وقتلوا منهم مالك بن سبيع بن عمرو الثعلبي- قتله الحكم بن مروان بن زنباع العبسي- وعبد العزى بن حذار الثعلبي والحارث بن بدر الفزاري، وقتلوا هرم بن ضمضم المري- قتله ورد بن حابس العبسي- ولم يشهد ذلك اليوم حذيفة بن بدر، فقالت نائحة «٨» هرم بن ضمضم- هو من بكر بن ضمضم-:
يا لهف نفسي لهفة المفجوع ... ألّا أرى هرما على مودوع «٩»
من أجل سيدنا ومصرع جنبه ... علق الفؤاد بحنظل مصدوع
أي من أجله محترق فؤادها وكأنما أكل حنظلا.
ثم إن حذيفة جمع وتهيأ واجتمع معه بنو ذبيان بن بغيض، فبلغ بني عبس أنهم قد ساروا إليهم، فقال قيس بن زهير:
أطيعوني فو الله لئن لم تفعلوا لا تكئن على سيفي حتى يخرج من ظهري، فقالوا:
стр. 57
نطيعك، فأمرهم فسرّحوا السوام والضعفاء بليل وهم يريدون أن يظعنوا من منزلهم ذلك، ثم ارتحلوا في الصبح فأصبحوا على ظهر دوابّهم «١» ، وقد مضى سوامهم وضعفاؤهم، فلما أصبحوا طلعت الخيل عليهم من الثنايا، فقال: خذوا غير طريق المال فإنه لا حاجة للقوم أن يقعوا في شوكتكم ولا يريدون بكم في أنفسكم «٢» شرا من ذهاب أموالكم، فأخذوا غير طريق المال. فلما أدرك حذيفة الأثر ورآه قال:
أبعدهم الله، وما خيرهم بعد ذهاب أموالهم؟! فاتبع المال، وسارت ظعن بني عبس والمقاتلة من ورائهم، وتبع حذيفة وبنو ذبيان المال، فلما أدركوه ردّوا أوله على آخره، ولم يفلت منهم شيء، وجعل الرجل يطرد ما قدر عليه من الإبل فيذهب بها، وتفرقوا واشتدّ الحر، فقال قيس بن زهير: يا بني عبس إن القوم قد فرق بينهم المغنم، فاعطفوا الخيل في آثارهم، ففعلوا فلم يشعر بنو ذبيان إلا بالخيل دواس «٣» - يعني متتابعة- فلم يقاتلهم كثير «٤» أحد، وجعل بنو ذبيان إنما همة الرجل منهم في غنيمته أن يحوزها وينجو بها، فوضع بنو عبس السلاح فيهم حتى ناشدهم بنو زياد البقية، ولم يكن لهم هم غير حذيفة فأرسلوا مجنبتين يقتفون أثره، وأرسلوا خيلا مقدمة تنفض الناس وتسألهم حتى سقط على أثر حذيفة من الجانب الأيسر أبو عنترة شداد بن معاوية بن ذهل بن قراد بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس وعمرو بن الأسلع وقرواش بن هنيّ والحارث بن زهير وجنيدب بن زيد، وكان حذيفة استرخى حزام فرسه، فنزل عنه فوضع رجله على حجر مخالفة أن يقتصّ أثره، ثم شدّ الحزام فوضع صدر قدمه على الأرض فعرفوه بحنف «٥» فرسه فاتبعوه، ومضى حذيفة حتى استغاث بجفر الهباءة»
- الجفر: ما لم يطو من الآبار- وقد اشتد عليه الحر فرمى بنفسه فيه، ومعه حمل بن بدر وحنش بن عمرو وورقاء بن بلال وأخوه، وهما من بني عدي بن فزارة، وقد نزعوا سروجهم وطرحوا سلاحهم ووقعوا في الماء فتمعكت دوابهم، وبعثوا ربيئة فجعل يطّلع وينظر فإذا لم ير شيئا رجع فنظر نظرة فقال: إني قد رأيت شخصا كالنعامة أو كالطير فوق القتادة من قبل مجيئنا، فقال حذيفة «٧» هذا شداد على جروة، فحال بينهم وبين الخيل، ثم جاء عمرو بن
стр. 58
الأسلع ثم جاء قرواش حتى تتاموا خمسة، فحمل جنيدب على خيلهم فاطّردها وحمل عمرو بن الأسلع وشداد عليهم في الجفر فقال حذيفة: يا بني عبس فأين العقل «١» وأين الأحلام؟ فضرب حمل بين كتفيه وقال: اتق مأثور القول بعد اليوم «٢» فأرسلها مثلا، وقتل قرواش بن هنيّ حذيفة بن بدر وقتل الحارث بن زهير حملا وأخذ منه ذا النون سيف مالك بن زهير، وكان حمل بن بدر أخذه من مالك بن زهير يوم قتله، فقال الحارث بن زهير:
تركت على الهباءة غير فخر ... حذيفة حوله قصد العوالي «٣»
سيخبر قومه حنش بن عمرو ... إذا لا قاهم وابنا بلال
ويخبرهم مكان النون مني ... وما أعطيته عرق الخلال
من المخالّة، أي ما أعطيته عن صداقة وصفاء ودّ.
فأجابه حنش بن عمرو أخو بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض:
سيخبرك الحديث بكم خبير ... يجاهدك العداوة غير آل «٤»
بداءتها لقرواش وعمرو ... وأنت تجول جوبك في الشمال
أي فعل قرواش هذا الفعل. العرق:
العطية، والخلال: المخالة، يقول: لم تعطوني السيف عن مودة ولكني قتلته وأخذته، وقوله وأنت تجول جوبك في الشمال، الجوب: الترس، يريد أن قرواشا وعمرو بن الأسلع اقتحما الجفر وقتلا من قتلا وأنت ترسك في يدك لم تغن شيئا، ويقال: لك البداءة ولفلان العوادة.
وقال قيس بن زهير في ذلك «٥» :
تعلّم أن خير الناس ميت ... على جفر الهباءة لا يريم
ولولا ظلمه ما زلت أبكي ... عليه الدهر ما طلع النجوم
ولكن الفتى حمل بن بدر ... بغى والبغي مرتعه وخيم
أظنّ الحلم دلّ عليّ قومي ... وقد يستجهل الرجل الحليم
ومارست الرجال ومارسوني ... فمعوجّ عليّ ومستقيم
وقال في ذلك شداد بن معاوية العبسي:
من يك سائلا عني فإني ... وجورة لا تباع «٦» ولا تعار
стр. 59
مقربة الشتاء ولا تراها ... أمام الحيّ يتبعها المهار
ويروي أمام الخيل، يريد أنها فرس حرب لا يطلب نسلها.
لها بالصيف آصرة وجل ... وستّ من كرائمها غزار «١»
كرائم من الإبل تشرب هذه الفرس ألبانها.
ألا أبلغ بني العشراء عني ... علانية وما يغني السّرار
قتلت سراتكم وحسلت منكم ... حسيلا مثل ما حسل الوبار «٢»
الحسيل: الرديء، يقول: أنفيت شراركم، وقتلت خياركم وأبقيت رذالكم.
ولم أقتلكم سرّا ولكن ... علانية وقد سطع الغبار «٣»
وكان ذلك اليوم يوم ذي حسي «٤» - وحسى واد فيه ماء.
ويزعم بعض بني فزارة أن حذيفة كان أصاب فيما أصاب من بني عبس تماضر بنت الشريد السلمية أم قيس بن زهير فقتلها، وكانت في المال. ثم إن بني عيس ظعنوا فحلوا إلى كلب بعراعر، وقد اجتمع عليهم بنو ذبيان فخافوا، فقاتلتهم كلب فهزمهم بنو عبس وقتلوا مسعود بن مصاد الكلبي ثم أحد بني عليم بن جناب، فقال في ذلك عنترة «٥» :
ألا هل أتاها أنّ يوم عراعر ... شفى سقما لو كانت النفس تشتفي «٦»
أتونا على عمياء ما جمعوا لنا ... بأرعن لا خلّ ولا متكشّف «٧»
تماروا بنا إذ يمدرون حياضهم ... على ظهر مقضيّ من الأمر محصف «٨»
علالتنا في كلّ يوم كريهة ... بأسيافنا والقرح لم يتقرف «٩»
وما نذروا حتى غشينا بيوتهم ... بغيبة موت مسبل الودق مذعف «١٠»
أي تشككوا في رجوليتنا حتى استعملوا الحياض، علالتنا: أي بقيتنا.
فأجلتهم الحرب فلحقوا بهجر فامتاروا منها، ثم حلوا على بني سعد بالفروق وقد آمنهم بنو سعد ثلاث ليال فأقاموها، ثم شخصوا عنهم، فاتبعهم ناس من بني سعد فقاتلهم العبسيون فامتنعوا حتى رجع بنو سعد وقد خابوا منهم ولم يظفروا بشيء، فقال في ذلك عنترة بن شداد بن معاوية «١١» :
стр. 60
ألا قاتل الله الطلول البواليا ... وقاتل ذكراك السنين الخواليا
القصيدة كلها «١» .
ثم سئل قيس بن زهير: كم كنتم يوم الفروق؟ قال: مائة فارس كالذهب لم نكثر فنفشل ولم نقلّ فنضعف.
ثم سار بنو عبس حتى وقعوا باليمامة، فقال قيس بن زهير: إنّ بني حنيفة قوم لهم عزّ وحصون فحالفوهم، فخرج قيس حتى أتى قتادة بن مسلمة الحنفي «٢» وهو يومئذ سيدهم، فعرض عليهم قيس نفسه وقومه، فقال: ما يردّ مثلكم، ولكنّ لي في قومي أمراء لا بدّ من مشاورتهم، وما ننكر حسبك ولا نكايتك؛ فلما خرج قيس من عنده قيل له: ما تصنع، أتعمد إلى أفتك العرب وأحزمهم «٣» فتدخله أرضك ليعلم وجوه أرضك وعورة قومك ومن أين يؤتون؟! فقال: كيف أصنع وقد وعدت له على نفسي «٤» ، وأنا أستحيي من رجوعي؟
فقال له السمين الحنفي: أنا أكفيك قيسا، وهو رجل حازم متوثّق لا يقبل إلا الوثيقة، فلما أصبح قيس غدا عليه، ولقيه السمين فقال: إنك على خير وليست عليك عجلة، فلما رأى ذلك قيس ومرّ على جمجمة بالية فضربها برجله ثم قال: رب خسف قد أقرّت به هذه الجمجمة مخافة مثل هذا اليوم، وما أراها وألت منه «٥» وإن مثلي لا يرضى إلا القويّ من الأمر، فلما لم ير ما يحبّ احتمل فلحق ببني عامر بن صعصعة، فنزل هو وقومه على بني شكل، وهم بنو اختهم، وبنو شكل هم من بني الحريش ابن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وكانت أمهم عبسية، فجاوروهم، فكانوا يرون عليهم «٦» أثرة وسوء جوار وأشياء تريبهم، ويستخفّون بهم، فقال نابغة بني ذبيان «٧» :
لحا الله عبسا عبس آل بغيض «٨» ... كلحى الكلاب العاويات وقد فعل
فأصبحتم والله يفعل ذاكم ... يعزّكم مولى مواليكم شكل
إذا شاء منهم ناشيء دربخت له ... لطيفة طيّ البطن رابية الكفل
دربخت المرأة: أي جبّت له وخضعت وقامت على أربع حتى يأتيها.
فمكثوا مع بني عامر، يتجنّون عليهم ويرون منهم ما يكرهون، حتى غزتهم بنو
стр. 61
ذبيان وبنو أسد ومن تبعهم من بني حنظلة يوم جبلة، فأصابوا يومئذ زبان بن بدر «١» فكانوا معهم ما شاء لله.
ثم إن رجلا من الضباب أسرته بنو عبد الله بن غطفان [والضبابي هو أخو الحنبص] فدفعه الذي أسره إلى رجل من أهل تيماء يهودي، فاتهمه اليهوديّ بامرأته فخصاه، فقال الحنبص الضبابيّ لقيس بن زهير: أدّ إلينا ديته، فإن مواليك بني عبد الله بن غطفان أصابوا صاحبنا، وهم حلفاء بني عبس، فقال: ما كنا لنفعل، فقال: والله لو أصابه «٢» مرّ الريح لوديتموه، فقال قيس بن زهير في ذلك:
لحا الله قوما أرّشوا الحرب بيننا ... سقونا بها مرا من الشّرب آجنا
وحرملة الناهيهم عن قتالنا ... وما دهره ألّا يكون مطاعنا
أكلّف ذا الخصيين إن كان ظالما ... وإن كان مظلوما وإن كان شاطنا
خصاه امرؤ من أهل تيماء طابن ... ولا يعدم الإنسيّ والجنّ طابنا «٣»
فهلّا بني ذبيان وسط بيوتهم ... رهنت بمرّ الريح إن كنت راهنا
وخالستهم حقي خلال بيوتهم ... وإن كنت ألقى من رجال ضغائنا
إذا قلت قد أفلتّ من شر حنبص ... لقيت بأخرى حنبصا متباطنا
فقد جعلت أكبادنا تجتويهم ... كما يجتوي سوق العضاة الكرازنا
العضاه: كل شجر له شوك، والكرازن:
المعاول، الواحد كرزين.
تدرّوننا بالمنكرات كأنما ... تدرّون ولدانا ترمّى الرهادنا «٤»
تدروننا: تختلوننا، والرهادن: جمع رهدن وهو شبيه بالعصفور.
فقال النابغة الذبياني جوابا لقيس «٥» :
أبك بكاء النساء «٦» إنك لن ... تهبط أرضا تحبّها أبدا
نحن وهبناك للحريش وقد ... جاوزت في الحيّ جعفرا عددا
وأغار قرواش بن هني العبسي- وبنو عبس يومئذ في بني عامر- على بني فزارة، فأخذه أحد بني الشعراء- الأخرم بن سيار [أو ثطبة بن سيار] بن عمرو بن جابر بن عقيل بن هلال بن سميّ بن مازن بن فزارة «٧» - أخذه تحت الليل، فقالوا له:
من أنت؟ فقال: رجل من بني البكاء، فعرفت كلامه فتاة من بني مازن، وكانت
стр. 62
[ناكحا] في بني عبس، فقالت: أبا شريح أما والله لنعم مأوى الأضياف وفارس الخيل أنت، فقالوا له: ومن أنت؟ قال:
قرواش بن هنّي، فدفعوه إلى بني بدر فقتلوه، وكان قتل حذيفة، ويزعم بعض الناس أنهم دعوه إلى بني سبيع فقتلوه بمالك بن سبيع، وكان قتل مالك بن سبيع الحكم بن مروان بن زنباع فقال نهيكة بن الحارث من بني مازن بن فزارة:
صبرا بغيض بن ريث إنها رحم ... قطعتموها أنا ختكم بجعجاع
فما أشطّت سميّ أن هم قتلوا ... بني أسيد بقتلى آل زنباع
لقد جزتكم بنو ذبيان ضاحية ... بما فعلتم ككيل الصاع بالصاع
قتلا بقتل وتعقيرا بعقركم ... مهلا حميض فلا يسعى بها الساعي
وقال في ذلك عنترة «١» :
هديّكم خير أبا من أبيكم ... أعفّ وأوفى بالجوار وأحمد «٢»
وأحمى لدى الهيجا «٣» إذا الخيل صدّها ... غداة الصياح السمهريّ المقصّد
فهلّا وفي الفوغاء عمرو بن جابر ... بذمّته وابن اللقيطة عصيد «٤»
سيأتيكم مني وإن كنت نائيا ... دخان العلندي حول بتي مذود «٥»
قصائد من بزّ امرىء يجتديكم ... وأنتم بجسمي فارتدوا وتقلدوا «٦»
أي يطلب منكم الثأر.
وقال قيس بن زهير «٧» :
مالي أرى إبلي تحنّ كأنها ... نوح تجاوب موهنا أعشارا «٨»
نوح: نساء ينحن، والأعشار: جمع عشر وهو أن يرد الماء في اليوم التاسع، وهذا مثل، والموهن: بعد صدر من الليل.
لن تهبطي أبدا جنوب مويسل ... وقنا قراقرتين فالأمرارا
أجهلت من قوم هرقت دماءهم ... بيدي ولم أدهم بجنب تعارا
إن الهوادة لا هوادة بيننا ... إلا التجاهد فاجهدنّ فزارا
إلا التزاور فوق كل مقلّص ... يهدي الجياد إذا الخميس أغارا
فلأهبطنّ الخيل حرّ بلادكم ... لحق الأياطل تنبذ الأمهارا
حتى تزور بلادكم وتروا بها ... منكم ملاحم تخشع الأبصارا
стр. 63
وقال قيس بن زهير في مالك بن زهير ومالك بن بدر:
أخي والله خير من أخيكم ... إذا ما لم يجد بطل مقاما
أخي والله خير من أخيكم ... إذا ما لم يجد راع مساما
أخي والله خير من أخيكم ... إذا الخفرات أبدين الخداما
قتلت به أخاك وخير سعد ... فإن حربا حذيف وإن سلاما
تردّ الحرب ثعلبة بن سعد ... بحمد الله يرعون البهاما
وكيف تقول صبر بني حجان ... إذا غرضوا ولم يجدوا مقاما «١»
وتغني مرّة الأثرين عنّا ... عروج الشاء تتركهم قياما
ولولا آل مرة قد رأيتم ... نواصيهنّ ينضون القتاما «٢»
وقال نابغة بني ذبيان «٣» :
أبلغ بني ذبيان أن لا أخالهم ... بعبس إذا حلّوا الدماخ فأظلما «٤»
بجمع كلون الأعبل الجون لونه ... ترى في نواحيه زهيرا وحذيما «٥»
هم يردون الموت عند لقائه ... إذا كان ورد الموت لا بدّ أكرما
ثم إن بني عبس ارتحلوا عن بني عامر، فساروا يريدون بني تغلب، فأرسلوا إليهم أن أرسلوا إلينا وفدا فأرسلت إليهم بنو تغلب بستة عشر راكبا منهم ابن الخمس التغلبي قاتل الحارث بن ظالم، وفرح بهم بنو تغلب وأعجبهم ذلك. فلما أتى الوفد بني عبس قال قيس: انتسبوا نعرفكم، فانتسبوا، حتى مرّ بابن الخمس، فقال قيس: إن زمانا أمنتنا فيه لزمان سوء، قال ابن الخمس: وما أخاف منك، فو الله لأنت اذل من قراد بمنسم ناقتي «٦» فقتله قيس، وإنما يقتله بالحارث بن ظالم، لأن الحارث كان قتل بزهير بن جذيمة خالد بن جعفر بن كلاب، فلما رأى ذلك قيس قال: يا بني عبس ارجعوا إلى قومكم فهم خير أناس لكم فصالحوهم، فأما أنا فلا أجاور بيتا غطفانيا أبدا، فلحق بعمان فهلك بها. ورجع الربيع وبنو عبس، فقال الربيع بن زياد في ذلك «٧» :
حرّق قيس عليّ البلاد ... حتى إذا استعرت أجذما
أجذم: ذهب، ويقال إنه لمجذام الركض إذا أسرع.
стр. 64
جنيّة حرب جناها فما ... تفرّج عنه وما أسلما
عشية يردف آل الرباب ... يعجل بالركض أن يلجما
في نسخة غداة مررت بآل الرباب، والرباب امرأة يعشقها قيس بن زهير.
ونحن فوارس يوم الهرير ... إذ تسلم الشفتان الفما «١»
عطفنا وراءك أفراسنا ... وقد مال سرجك فاستقدما
إذا نفرت «٢» من بياض السيوف ... قلنا لها اقدمي مقدما
ولما انصرف الربيع- وكان يسمى الكامل- أتى بني ذبيان ومعه ناس من بني عبس، فأتى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري، فوقفوا عليه فقالوا له: أحسست لنا الحارث بن عوف- وهو يعالج نحيا له- فقال: هو في أهله، ثم رجعوا وقد لبس ثيابه، فقالوا: ما رأينا كاليوم قط مركوبا [إليه] قال: ومن أنتم، قالوا: بنو عبس ركبان الموت، قال: بل أنتم ركبان السلم والحياة، مرحبا بكم، لا تنزلوا حتى تأتوا حصن بن حذيفة، قالوا: أنأتي غلاما حديث السن قد قتلنا أباه وأعمامه ولم نره قط؟! قال الحارث: نعم [إن] الفتى حليم وأنه لا صلح حتى يرضى، فأتوه عند طعامه ولم يكن رآهم، فلما رآهم عرفهم، قال:
هؤلاء بنو عبس، فلما أتوه حيوه فقال: من أنتم قالوا: ركبان الموت، فحياهم وقال:
بل أنتم ركبان السلم والحياة، إن تكونوا احتجتم إلى قومكم فقد احتاج قومكم إليكم، هل أتيتم سيدنا الحارث بن عوف، قالوا: لم نأته، وكتموه اتيانهم إياه، فقال:
فأتوه، فقالوا: ما نحن ببارحيك حتى تنطلق معنا، فخرج يضرب أوراك أباعرهم قبله حتى أتوه، فلما أتوه حلف عليه حصن:
هل أتوك قبلي، قال نعم، قال: فقم بين عشيرتك فإني معينك بما أحببت، قال الحارث: أفأدعو معي خارجة بن سنان؟
قال نعم، فلما اجتمعا قالا لحصن: اتجيرنا من خصلتين: من الغدر بهم والخذلان لنا؟
قال: نعم، فقاما بينهما فباءوا بين القتلى، وأخرجا لبني ثعلبة بن سعد ألف ناقة أعانهما فيها حصن بخمسمائة ناقة.
وزعموا إنه لما اصطلح الناس، وكان حصين بن ضمضم المريّ قد حلف لا يمسّ غسلا حتى يقتل بأخيه هرم بن ضمضم الذي قتله ورد بن حابس العبسي، فأقبل رجل من بني عبس يقال له ربيعة بن [وهب بن] الحارث بن عدي بن بجاد، وأمه امرأة من بني فزارة، يريد أخواله، فلقي حصين بن ضمضم فقتله بأخيه، فقال حيان بن حصن «٣» أحد بني مخزوم بن مالك بن قطيعة بن عبس:
سالم الله من تبرّأ من غي ... ظ وولّى أثامها يربوعا
стр. 65
قتلونا بعد المواثيق بالسّح ... م تراهنّ في الدماء كروعا «١»
إن تعيدوا حرب القلبي علينا ... تجدوا أمرنا أحذّ جميعا
فلما بلغ فزارة قتل حصين بن ضمضم ربيعة بن وهب، غضبوا، وغضب حصن في قتل ابن اختهم، وفيما كان من عقد حصن لبني عبس، وغضبت بنو عبس فأرسل إليهم الحارث بابنه فقال: اللبن أحبّ إليكم أم أنفسكم- يعني ابنه- يقول:
إن شئتم فاقتلوه وإن شئتم فالدية، قالوا:
بل اللبن، فأرسل إليهم بمائة من الإبل دية ربيعة بن وهب فقبلوا الدية وتموا على الصلح، فقال في ذلك شييم بن خويلد الفزاري «٢» :
حلّت أمامة بطن التين فالرّقما ... واحتلّ أهلك أرضا تنبت الرتما «٣»
من ذات شكّ إلى الأعراج «٤» من إضم ... وما تذكّره من عاشق أمما
هم بعيد وشأو غير مؤتلف ... إلا بمزؤودة لا تشتكي السأما «٥»
أنضيتها من ضحاها أو عشيتها ... في مستتب يشقّ البيد والأكما
سمعت أصوات كدريّ الفراخ به ... مثل الأعاجم تغشي المهرق القلما «٦»
يا قومنا لا تعرّونا مضلمة ... يا قومنا واذكروا الآلاء والذمما «٧»
في جاركم وابنكم إذ كان مقتله ... شنعاء شيّبت الأصداغ واللمما
عيّ المسود بها والسائدون ولم ... يوجد لها غيرنا مولىّ ولا حكما
كنّا بها بعد ما طيخت عروضهم ... كالهبرقية ينفي ليطها الدّسما
أي ينقطر منها الدم، طيخت: دنّست، والطيخ الفساد، والهبرقية [السيوف] والهبرقي: الحدّاد، أراد كالسيوف التي تشنّ الدم، والليط: اللون، ليط الإنسان: جلده ولونه.
إني وحصنا كذي الأنف المقول له ... ما منك أنفك إن أعضضته الجلما
أي لا أستغني أنا عن حصن كما لا يستغنى عن الأنف.
أإن أجار لا أبا لكم ... حصن تقطّر آفاق السماء دما
أدّوا ذمامة حصن أو خذوا بيد ... حربا تحشّ الوقود الجزل والضّرما
الضرم: صغار الحطب، أي اعطوا الرضى بدية أو غيرها أو ائذنوا بحرب.
وقال في ذلك عبد قيس بن بجرة «٨»
стр. 66
أخو بني شمخ بن فزارة، وهو ابن عنقاء، يعتذر عن حصين بن ضمضم المري:
إن تأت عبس وتنصرها عشيرتها ... فليس جار ابن يربوع بمخذول
كلا الفريقين أغنى قتل صاحبه ... هذا القتيل بميت أمس «١» مطلول
باءت عرار بكحل «٢» والرفاق معا ... فلا تمنّوا أمانيّ الأضاليل «٣»
وعرار: مثل حذام وقطام، أي اتفقوا واصطلحوا، وعرار وكحل، ثور وبقرة كانا في سبطين من بني إسرائيل، فعقر كحل فعقرت به عرار، فوقع الشرّ بينهم حتى كادوا أن يتفانوا- فضربت العرب بهما مثلا.
وقال زهير بن أبي سلمى يذكر الحارث بن عوف وخارجة بن سنان وحملهما ما حمالا من دماء بني عبس وبني ذبيان «٤» :
لعمري لنعم السيدان وجدتما ... على كلّ حال من سحيل ومبرم
إلى آخر القصيدة.
وزعموا أن بني مرة وبني فزارة لما اصطلحوا وباءوا بين القتلى أقبلوا يسيرون حتى نزلوا على ماء يقال له قلهى، وعليه بنو ثعلبة بن سعد بن ذبيان، فقالت بنو مرة وبنو فزارة لبني ثعلبة: أعرضوا عن بني عبس فقد باءونا بعض القتلى ببعض، فقالت بنو ثعلبة: كيف تباؤون بعبد العزّى بن حذار ومالك بن سبيع؟
أتهدرونهما وهما سيدا قيس؟ فو الله لا نسم هذا بأنوفنا، فمنعوهم الماء حتى كادوا يموتون عطشا. فلما رأوا ذلك أعطوهم الدية، ويزعمون أنها كانت أول الحمالة.
فقال في ذلك معقل بن عوف بن سبيع الثعلبي:
لنعم الحيّ ثعلبة بن سعد ... إذا ما القوم عضّهم الحديد
هم ردّوا القبائل من بغيض ... بغيظهم وقد حمي الوقود
تطلّ دماؤهم والفضل فينا ... على قلهى ونحكم ما نريد
وقال الربيع بن زياد في حرب داحس «٥» :
إن تك حربكم أمست عوانا ... فإني لم أكن ممن جناها
ولكن ولد سودة أرثوها ... وحشّوا نارها لمن اصطلاها
стр. 67
فإني لست خاذلكم ولكن ... سأشفي الآن إذ بلغت إناها
ولد سودة: حذيفة وإخوته الخمسة، أمهم سودة بنت نضلة بن عمير بن جرية.
وقال عنترة بن شداد بن معاوية «١» :
سائل عميرة حين اجلب جمعها ... عند الحروب بأيّ حيّ تلحق «٢»
أبحيّ قيس أم بعذّرة بعد ما ... رفع اللواء لها وبئس الملحق
وأسأل حذيفة حين أرّش بيننا ... حربا ذوائبها بموت تخفق «٣»
فلتعلمنّ إذا التقت فرساننا ... بلوى النجيرة «٤» أنّ ظنك أحمق
فهذا ما كان من حديث داحس. وبلغنا أن الحرب التي كانت فيه أربعون سنة، وصار داحس مثلا ويقال: أشأم من داحس «٥» .
وقال بشير بن أبيّ العبسي:
إن الرباط النّكد من آل داحس ... جرين فلم يفلحن يوم رهان «٦»
فسببن بعد الله مقتل مالك ... وغرّبن قيسا من وراء عمان
ويمنع منك السبق إن كنت سابقا ... وتلطم إن زلّت بك القدمان
لطمن على ذات الإصاد وجمعهم ... يرون الأذى من ذلة وهوان
تمّ حديث داحس «٧» والحمد لله رب العالمين.
٦٣- لكنّ بالأثلاث لحما لا يظلّل .
٦٤- لو خيّرك القوم لاخترت .
٦٥- ثكل أرأمها ولدا .
٦٦- يا حبّذا التراث لولا الذلّة .
٦٧- ألبس لكل حالة لبوسها. إما نعيمها وإمّا بوسها .
٦٨- مكره أخوك لا بطل .
وكان من حديث بيهس «٨» أنه كان رجلا
стр. 68
من بني غراب بن فزارة بن ذبيان بن بغيض وكان سابع سبعة إخوة، فأغار عليهم ناس من أشجع وبينهم حرب، وهم في إبلهم، فقتلوا ستة وبقي بيهس، وكان يحمّق، وكان أصغرهم، فأرادوا قتله ثم قالوا: ما تريدون من قتل هذا يحسب عليكم برجل ولا خير فيه، فتركوه فقال:
دعوني أتوصل معكم إلى أهلي فإنكم أن تركتموني وحدي أكلتني السباع وقتلني العطش، ففعلوا فأقبل معهم، فلما كان في الغد نزلوا فنحروا جزورا في يوم شديد الحر فقالوا: اظلوا لحم جزوركم لا يفسد، فقال بيهس: لكنّ بالأثلات لحما لا يظلل «١» فقالوا: إنه لمنكر وهمّوا أن يقتلوه، ثم تركوه «٢» ففارقهم حتى انشعب له طريق أهله فأتى أمه فأخبرها الخبر فقالت: ما جاءني بك من بين أخوتك؟
فقال: لو خيرك القوم لاخترت «٣» ، فأرسلها مثلا. ثم إن أمه عطفت عليه ورقت فقال الناس: أحبت أم بيهس بيهسا ورقت له، فقال بيهس: ثكل أرأمها ولدا «٤» فأرسلها مثلا. ثم جعلت تعطيه ثياب إخوته ومتاعهم يلبسها فقال يا حبذا التراث لولا الذلة «٥» ، فأرسلها مثلا.
وقال حبيب بن عيسى لما أراد بيهس أن يمضي عنهم قال بعضهم: كيف يأتي هذا الشقي أهله بغير خفير؟ فقال لهم بيهس: دعوني فكفى بالليل خفيرا فأرسلها مثلا. ثم أتى على ذلك ما شاء الله، ثم إنه مرّ على نسوة من قومه يصلحن امرأة منهن يردن أن يهدينها لبعض القوم الذين قتلوا إخوته فكشف ثوبه عن استه وغطّى
стр. 69
به رأسه، فقلن: ويحك أيّ شيء تصنع؟
فقال «١» :
البس لكل حالة لبوسها ... إما نعيمها وإما بوسها «٢»
فأرسلها مثلا، فلما أتى على ذلك ما شاء الله جعل يتتبع قتلة إخوته فيقتلهم ويتقصّاهم حتى قتل منهم ناسا فقال بيهس «٣» :
يا لها من مهجة يا لها ... أنيّ لها الطعم والسلامة
قد قتل القوم إخوانها ... في كلّ واد زقاء هامه
لأطرقنهم وهم نيام ... فأبركن بركة النعامة
قابض رجل وباسط أخرى ... والسيف أقدمه أمامه
نعامه: هو بيهس، لقب بنعامة لقوله:
فأبركن بركة النعامة.
ثم أخبر أن ناسا من أشجع في غار يشربون فيه، فانطلق بخال له يكنى أبا حشر «٤» فقال له: هل لك في غار فيه ظباء لعلنا نصيب منهن؟ قال: نعم، فانطلق بيهس بأبي حشر حتى إذا قام على باب الغار دفع أبا حشر خاله في الغار فقال:
ضربا أبا حشر، فقال بعضهم: إن أبا حشر لبطل، فقال أبو حشر: مكره أخوك لا بطل «٥» فأرسلها مثلا، فكان بيهس مثلا في العرب، قال المتلمس «٦» :
ومن حذر الأيام ما حزانفه ... قصير ورام الموت بالسيف بيهس «٧»
نعامة لما صرّع القوم رهطه ... تبين في أثوابه كيف يلبس
وأول هذه الأبيات «٨» :
وما الناس إلا ما رأوا وتحدثوا ... وما العجز إلا أن يضاموا فيجلسوا
فلا تقلبن ضيما مخافة ميتة ... وموتن بها حرّا وجلدك أملس
стр. 70
ومن حذر الأيام ... إلخ.
وقال بعض الشعراء من بني تغلب وهو أبو اللحام «١» :
لقمان منتصرا وقسّ ناطقا ... ولأنت أجرأ صولة من بيهس
يريد به الأسد وههنا وهذا البيت غلط من المفضل «٢» لأن بيهسا هو الأسد وليس ببيهس الذي يلقب بنعامة، ويدلّك على ذلك البيت الذي بعده وهو لأبي اللحام التغلبي يمدح عباد بن عمرو بن كلثوم:
يقص السباع كأن فحلا فوقه ... ضخم مذمّره شديد الأفحس «٣»
كان قس بن ساعدة «٤» بن إياد مفوها ناطقا فوقف بسوق عكاظ على جمل له أحمر فقال: أيها الناس اجتمعوا ثم اسمعوا وعوا، كلّ من عاش مات، وكل من مات فات، وكل ما هو آت آت، إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لمعتبرا، نجوم تمور، وبحار لا تبور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، ما للناس يذهبون ثم لا يرجعون، أرضوا فأقاموا أم تركوا فناموا، يحلف بالله قس بن ساعدة أن لله لدينا هو أحبّ إليه مما نحن فيه.
٦٩- هل تعدون الحيلة إلى نفسي .
زعموا أن رجلا من بني عمرو بن سعد بن زيد مناة بن تميم يقال له عياض ابن ديهث أورد إبله على ماء، فصادف عليه رعاة الحارث بن ظالم المري- مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن غيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان- فأدلى عياض بن ديهث دلوه ليسقي ماشيته، فقصر رشاؤه واستعار بعض أرشيه رعاء الحارث بن ظالم فأعاروه حتى سقى إبله، ثم أصدرها، فلقيه بعض حشم النعمان فأخذ أهله وماله، فنادى يا حار يا حاراه، فركب الحارث حتى أتى النعمان، وقد كان لقي عياضا قبل ذلك، فقال له: ويلك ومتى أجرتك؟ قال: فإني عقدت رشائي برشاء رعائك فسقيت إبلي، وأخذت وذلك الماء في بطونها، فقال له الحارث: إن في هذا
стр. 71
لجوارا «١» ثم أتى النعمان فقال: أبيت اللعن، إنك أخذت إبل جاري وأهله وولده، فقال النعمان: أفلا تشدّما وهى من أديمك أول- يعني قتل الحارث بن ظالم خالد بن جعفر وهو جار للأسود بن المنذر «٢» بن ماء السماء أخي النعمان.
ثم إن النعمان أوعد الحارث وعيدا شديدا فقال له الحارث: هل تعدون الحيلة إلى نفسي «٣» ، فأرسلها مثلا، أي هل تريد بحيلتك أن تقتلني، هذا غايتك، يريد هل يكون شيء بعد الموت. ثم انصرف، فلما انصرف تدبر النعمان كلمته فندم على تركه، ثم طلبه فلم يجده.
وكانت سلمى «٤» بنت ظالم أخت الحارث تحت سنان بن أبي حارثة بن نشبة بن غيظ بن مرة، وكان النعمان قد دفع إلى سنان ابن أبي حارثة ابنا له يكون عنده، فجاء الحارث إلى أخته فقال: إن سنانا يقول لك: زيّني ابن النعمان حتى آتي به أباه لعله يصنع إلينا خيرا، ففعلت، فانطلق به الحارث فضرب عنقه، ثم هرب فلحق بمكة، وكان ردّ على ابن ديهث بعض ما أخذ منه، فقال الحارث بن ظالم «٥» :
قفا فاسمعا أخبر كما إذ سألتما ... محارب مولاه وثكلان نادم
مولاه: أبي عمه، أي إنا نحارب ابن عمي سنان بن أبي حارثة الذي كان عنده ابن النعمان.
فأقسم لولا من تعرّض دونه ... لخالطه ما في الحديدة صارم
حسبت أبا قابوس أنك فائز ... ولما تذق ذلا «٦» وأنفك راغم
فإن تك أذواد أصبن ونسوة ... فهذا ابن سلمى رأسه «٧» متفاقم
علوت بذي الحيات مفرق رأسه ... ولا يركب المكروه لولا الأكارم «٨»
فتكت به كما فتكت بخالد ... وكان سلاحي تجتويه الجماجم «٩»
أخصي حمار ظلّ يكدم نجمة ... أيؤكل جيراني وجارك سالم «١٠»
بدأت بتيك وانثنيت بهذه «١١» ... وثالثة تبيضّ منه المقادم
وقال الفرزدق يذكر ذلك «١٢» :
стр. 72
كما كان أوفى إذ ينادي ابن ديهث ... وصرمته كالمعنم المنتهّب
فقام أبو ليلى إليه ابن ظالم ... وكان متى ما يسلل السيف يضرب
وما كان جارا غير دلو تعلقت ... بحبليه في مستحصد العقد مكرب
مكرب: مشدود، وعقد الحبل على عراقي الدلو يقال له الكرب، ويقال للرجل اكرب دلوك.
وقال الفرزدق «١» :
أعوذ ببشر والمعلّى كلاهما ... بني مالك أوفى جوارا وأكرم
من الحارث المنجى عياض بن ديهث ... فردّ أبو ليلى له وهو أظلم
وما كان جارا غير دلو تعلقت ... بعقد رشاء عقده لا يجذّم
فرد أخا عمرو بن مسعود ذوده «٢» ... جميعا وهنّ المغنم المتقسّم
فأتى على ذلك ما شاء الله.
ثم إن الحارث قدم الحيرة فأخذ، فأتي به النعمان فأمر به ابن الخمس التغلبيّ فضرب عنقه «٣» .
٧٠- ولو بأحد المغروّين .
زعموا أن رجلين من أهل هجر أخوين ركب أحدهما ناقة صعبة، وكانت العرب تحمّق أهل هجر، وأن الناقة ندّت، ومع الذي لم يركب منهما قوس ونبل، واسمه هنين، فناداه الراكب منهما: يا هنين أنزلني عنها ولو بأحد المغروين- يعني سهمه- فرماه أخوه فصرعه فمات فذهب قوله: ولو بأحد المغروّين «٤» مثلا.
٧١- ذكرني فوك حماري أهلي .
زعموا أن رجلا شابا غزلا خرج يطلب حمارين لأهله فمرّ على امرأة متنقبة جميلة في النقاب، فقعد بحذائها وترك طلب الحمارين، وشغله ما سمع من حسن حديثها وما رأى من جمالها في النقاب، فلما سفرت عن وجهها إذا لها أسنان مكفهرّة منكرة مختلفة، فلما رآها ذكر حمارية فقال: ذكرني فوك حماري أهلي «٥» فذهب قوله مثلا «٦» .
ولو بأحد المغروين؛ والمغروان: السهمان، يقال غروت السهم: إذا أصلحته بالغراء؛ وقال الميداني: المغرو السهم المريش.
стр. 73
٧٢- عرفتني نسأها الله .
زعموا أن رجلا «١» في الجاهلية كانت له فرس مربّبة معلمة قد تألفها وعرفته، فبعثه قومه طليعة فمرّ يروضة فأعجبته، وهو لا يدري أن العدوّ قريب منه، فنزل فخلع لجام فرسه وخلّى عنها ترعى، فبينا هو على ذلك إذ طلعت عليه خيل العدو دواس- أي يتبع بعضهم بعضا- فأخذوه، وطلبوا الفرس فسبقتهم، فلم يقدروا عليها، فتعجبوا منها ومن جودتها فقالوا: إن دفعتها إلينا فأنت آمن وإلا قتلناك، فظنّ الرجل أنهم قاتلوه إن لم يفد نفسه، فدعاها فجاءت فقال عرفتني نسأها الله «٢» أي أخّرها وزاد في أجلها، فصار مثلا.
٧٣- يداك أوكتا وفوك نفخ
وزعموا أن قوما كانوا في جزيرة من جزائر البحر في الدهر الأول، ودونها خليج من البحر، فأتاها قوم يريدون أن يعبروها فلم يجدوا معبرا، فجعلوا ينفخون أسقيتهم ثم يعبرون عليها، فعمد رجل منهم فأقلّ النفخ وأضعف الربط، فلما توسط الماء جعلت الريح تخرج حتى لم يبق في السقاء شيء، وغشيه الموت فنادى رجلا من أصحابه أن يا فلان إني قد هلكت. فقال:
ما ذنبي يداك أوكتا وفوك نفخ «٣» فذهب قوله مثلا.
أو كيت رأس السقاء إذا شددته، وقال بعض الشعراء:
دعاؤك حذر البحر أنت نفخته ... بفيك وأوكته يداك لتسبحا
٧٤- يا حبذا المنتعلون قياما .
٧٥- إذا رمت الباطل أنجح بك .
زعموا أن شيخا كانت تحته امرأة شابة، فكانت تراه إذا أراد أن ينتعل قعد فانتعل، وكانت ترى الشبان ينتعلون قياما؛ فقالت يا حبذا المنتعلون قياما «٤» فسمع ذلك منها فذهب ينتعل قائما فضرط وهي تسمع فقالت: إذا رمت الباطل أنجح بك «٥» أي
стр. 74
غلبك، فأرسلتها مثلا.
٧٦- ذلّ لو أجد ناصرا .
٧٧- لو نهي عن الأولى لم يعد للآخرة .
٧٨- ملكت فأسجح .
زعموا أن الحارث بن أبي شمر الغساني سأل أنس بن الحجيرة «١» عن بعض الأمر فأخبره به فلطمه فقال: ذل لو أجد ناصرا «٢» ثم قال: الطموه، فقال أنس: لو نهى عن الأولى لم يعد للآخرة «٣» ، فأرسلها مثلا، فقال: زيدوه، فقال أنس أيها الملك ملكت فأسجح «٤» ، فأرسلها مثلا فأمر أن يكفّ عنه.
٧٩- أسئت البائن أعلم .
زعموا أن قوما شردت إبل بني صحار بن وهب بن قيس بن طريف، وهو أخو «٥» الطماح بن عمرو بن قعين، حتى وقعت في بلاد بني عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان، فركب الجميح- وهو منقذ ابن الطماح بن قيس «٦» - في طلب الإبل حتى وقع في بلاد بني مرة، قال: فانتهيت إلى بيت عظيم فأنخت إليه ووضعت رحلي عنده في عشية متغيمة، فإذا في البيت الذي انخت بفنائه رجل شاب مضاجع ربة البيت، قد غلبته عينه فنام، فحسبته ربّ هذا البيت، فلم ألبث إلا قليلا حتى راح الشاء فحبست في العطن، ثم راحت الإبل وفيها أفراس ومعها رعاؤها، فحبست في العطن، ثم طلع رجل على فرس يصهل فارتاحت له الخيل، وارتاحت العبيد لذلك، وجاء حتى وقف عليهم فقال: ماذا كم السواد بفناء البيت؟ قالوا: ضيف، قال: فلما رأيت ذلك عرفت أنه ربّ البيت، وأن الفتى ليس
стр. 75
منها في شيء، فدخلت البيت فاحتملت الفتى حتى أبرزته من وراء البيت، فاستيقظ بي فقال: أمّا أنت فقد أنعمت عليّ فمن أنت؟ فقلت: أنا منقذ بن الطماح، قال:
أو في الإبل جئت؟ «١» قلت: نعم، فقال:
أدركت، أمكث ليلتك هذه عند صاحب رحلك، فإذا أصبحت فأت ذاك العلم الذي ترى، فقف عليه ثم ناد يا صباحاه، فإذا اجتمع إليك الناس فإني سآتيك على فرس ذنوب «٢» بين بردين، فأعرّض لك الفرس مرتين حتى تثب عليه، فإذا فعلت ذلك فثب خلفي ثم ناد يا حار يا حار المخاض، فإنك إذا فعلت ذلك أدركت، قال: وإذا هو الحارث بن ظالم»
فلما أصبحت فعلت الذي أمرني به، فناديت يا صباحاه، فأتاني الناس حتى جاءني آخر من جاء، فعرض لي فرسه فوثبت عليه فإذا أنا خلفه، فقلت يا حار يا حار المخاض، فأجارني وحولت رحلي إليه، فمكثت عنده أياما لا يصنع شيئا، ثم قال: سبني يغضب لحمي «٤» . فقلت: لا أسبك أبدا، قال:
فقل قولا يعذرني به قومي، قال: فمكثت حتى إذا أوردوا النعم جعلت أسقي وأرتجز فقلت- وكانت في الإبل الذي ذهبت ناقة يقال لها اللفاع- «٥» :
إني سمعت حنّة اللفاع ... في النعم المقسّم الأوزاع
ناقة ما وليدة جياع ... أما أذا أجدبت المراعي
فإنها تحلب في المجاع ... أما إذا أخصبت المراعي
فإنها نهي من النقاع ... فادعي أبا ليلى ولا تراعي
ذلك راعيك فنعم الراعي ... إلا يكن قام عليه ناعي
لا تؤكلي العام ولا تضاعي ... منتطقا بصارم قطّاع
يفري «٦» به مجامع الصداع فلما سمع بذلك الحارث- وكان يكنى أبا ليلى- أقبل يسعى مخترطا سيفه فقال «٧» :
هل يخرجن ذودك ضرب تشذيب ... ونسب في الحيّ غير مأشوب
هذا أواني وأوان المعلوب «٨» ثم نادى الحارث: من كان عنده من هذه الإبل شيء فلا يصدرنّ بشيء فلا من ذمتنا حتى يردها، قال: فردت جميعا مكانها غير الناقة التي يقال لها اللفاع، فانطلق وانطلقت معه نطوف عليها، فوجدناها مع رجلين
следующие страницы →