← Адаб

Адаб · id 9081

أمثال العرب ط الهلال

المفضل الضبي

Полный текст (155 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

لجوارا «١» ثم أتى النعمان فقال: أبيت اللعن، إنك أخذت إبل جاري وأهله وولده، فقال النعمان: أفلا تشدّما وهى من أديمك أول- يعني قتل الحارث بن ظالم خالد بن جعفر وهو جار للأسود بن المنذر «٢» بن ماء السماء أخي النعمان. ثم إن النعمان أوعد الحارث وعيدا شديدا فقال له الحارث: هل تعدون الحيلة إلى نفسي «٣» ، فأرسلها مثلا، أي هل تريد بحيلتك أن تقتلني، هذا غايتك، يريد هل يكون شيء بعد الموت. ثم انصرف، فلما انصرف تدبر النعمان كلمته فندم على تركه، ثم طلبه فلم يجده. وكانت سلمى «٤» بنت ظالم أخت الحارث تحت سنان بن أبي حارثة بن نشبة بن غيظ بن مرة، وكان النعمان قد دفع إلى سنان ابن أبي حارثة ابنا له يكون عنده، فجاء الحارث إلى أخته فقال: إن سنانا يقول لك: زيّني ابن النعمان حتى آتي به أباه لعله يصنع إلينا خيرا، ففعلت، فانطلق به الحارث فضرب عنقه، ثم هرب فلحق بمكة، وكان ردّ على ابن ديهث بعض ما أخذ منه، فقال الحارث بن ظالم «٥» : قفا فاسمعا أخبر كما إذ سألتما ... محارب مولاه وثكلان نادم مولاه: أبي عمه، أي إنا نحارب ابن عمي سنان بن أبي حارثة الذي كان عنده ابن النعمان. فأقسم لولا من تعرّض دونه ... لخالطه ما في الحديدة صارم حسبت أبا قابوس أنك فائز ... ولما تذق ذلا «٦» وأنفك راغم فإن تك أذواد أصبن ونسوة ... فهذا ابن سلمى رأسه «٧» متفاقم علوت بذي الحيات مفرق رأسه ... ولا يركب المكروه لولا الأكارم «٨» فتكت به كما فتكت بخالد ... وكان سلاحي تجتويه الجماجم «٩» أخصي حمار ظلّ يكدم نجمة ... أيؤكل جيراني وجارك سالم «١٠» بدأت بتيك وانثنيت بهذه «١١» ... وثالثة تبيضّ منه المقادم وقال الفرزدق يذكر ذلك «١٢» :

стр. 72

كما كان أوفى إذ ينادي ابن ديهث ... وصرمته كالمعنم المنتهّب فقام أبو ليلى إليه ابن ظالم ... وكان متى ما يسلل السيف يضرب وما كان جارا غير دلو تعلقت ... بحبليه في مستحصد العقد مكرب مكرب: مشدود، وعقد الحبل على عراقي الدلو يقال له الكرب، ويقال للرجل اكرب دلوك. وقال الفرزدق «١» : أعوذ ببشر والمعلّى كلاهما ... بني مالك أوفى جوارا وأكرم من الحارث المنجى عياض بن ديهث ... فردّ أبو ليلى له وهو أظلم وما كان جارا غير دلو تعلقت ... بعقد رشاء عقده لا يجذّم فرد أخا عمرو بن مسعود ذوده «٢» ... جميعا وهنّ المغنم المتقسّم فأتى على ذلك ما شاء الله. ثم إن الحارث قدم الحيرة فأخذ، فأتي به النعمان فأمر به ابن الخمس التغلبيّ فضرب عنقه «٣» . ٧٠- ولو بأحد المغروّين . زعموا أن رجلين من أهل هجر أخوين ركب أحدهما ناقة صعبة، وكانت العرب تحمّق أهل هجر، وأن الناقة ندّت، ومع الذي لم يركب منهما قوس ونبل، واسمه هنين، فناداه الراكب منهما: يا هنين أنزلني عنها ولو بأحد المغروين- يعني سهمه- فرماه أخوه فصرعه فمات فذهب قوله: ولو بأحد المغروّين «٤» مثلا. ٧١- ذكرني فوك حماري أهلي . زعموا أن رجلا شابا غزلا خرج يطلب حمارين لأهله فمرّ على امرأة متنقبة جميلة في النقاب، فقعد بحذائها وترك طلب الحمارين، وشغله ما سمع من حسن حديثها وما رأى من جمالها في النقاب، فلما سفرت عن وجهها إذا لها أسنان مكفهرّة منكرة مختلفة، فلما رآها ذكر حمارية فقال: ذكرني فوك حماري أهلي «٥» فذهب قوله مثلا «٦» . ولو بأحد المغروين؛ والمغروان: السهمان، يقال غروت السهم: إذا أصلحته بالغراء؛ وقال الميداني: المغرو السهم المريش.

стр. 73

٧٢- عرفتني نسأها الله . زعموا أن رجلا «١» في الجاهلية كانت له فرس مربّبة معلمة قد تألفها وعرفته، فبعثه قومه طليعة فمرّ يروضة فأعجبته، وهو لا يدري أن العدوّ قريب منه، فنزل فخلع لجام فرسه وخلّى عنها ترعى، فبينا هو على ذلك إذ طلعت عليه خيل العدو دواس- أي يتبع بعضهم بعضا- فأخذوه، وطلبوا الفرس فسبقتهم، فلم يقدروا عليها، فتعجبوا منها ومن جودتها فقالوا: إن دفعتها إلينا فأنت آمن وإلا قتلناك، فظنّ الرجل أنهم قاتلوه إن لم يفد نفسه، فدعاها فجاءت فقال عرفتني نسأها الله «٢» أي أخّرها وزاد في أجلها، فصار مثلا. ٧٣- يداك أوكتا وفوك نفخ وزعموا أن قوما كانوا في جزيرة من جزائر البحر في الدهر الأول، ودونها خليج من البحر، فأتاها قوم يريدون أن يعبروها فلم يجدوا معبرا، فجعلوا ينفخون أسقيتهم ثم يعبرون عليها، فعمد رجل منهم فأقلّ النفخ وأضعف الربط، فلما توسط الماء جعلت الريح تخرج حتى لم يبق في السقاء شيء، وغشيه الموت فنادى رجلا من أصحابه أن يا فلان إني قد هلكت. فقال: ما ذنبي يداك أوكتا وفوك نفخ «٣» فذهب قوله مثلا. أو كيت رأس السقاء إذا شددته، وقال بعض الشعراء: دعاؤك حذر البحر أنت نفخته ... بفيك وأوكته يداك لتسبحا ٧٤- يا حبذا المنتعلون قياما . ٧٥- إذا رمت الباطل أنجح بك . زعموا أن شيخا كانت تحته امرأة شابة، فكانت تراه إذا أراد أن ينتعل قعد فانتعل، وكانت ترى الشبان ينتعلون قياما؛ فقالت يا حبذا المنتعلون قياما «٤» فسمع ذلك منها فذهب ينتعل قائما فضرط وهي تسمع فقالت: إذا رمت الباطل أنجح بك «٥» أي

стр. 74

غلبك، فأرسلتها مثلا. ٧٦- ذلّ لو أجد ناصرا . ٧٧- لو نهي عن الأولى لم يعد للآخرة . ٧٨- ملكت فأسجح . زعموا أن الحارث بن أبي شمر الغساني سأل أنس بن الحجيرة «١» عن بعض الأمر فأخبره به فلطمه فقال: ذل لو أجد ناصرا «٢» ثم قال: الطموه، فقال أنس: لو نهى عن الأولى لم يعد للآخرة «٣» ، فأرسلها مثلا، فقال: زيدوه، فقال أنس أيها الملك ملكت فأسجح «٤» ، فأرسلها مثلا فأمر أن يكفّ عنه. ٧٩- أسئت البائن أعلم . زعموا أن قوما شردت إبل بني صحار بن وهب بن قيس بن طريف، وهو أخو «٥» الطماح بن عمرو بن قعين، حتى وقعت في بلاد بني عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان، فركب الجميح- وهو منقذ ابن الطماح بن قيس «٦» - في طلب الإبل حتى وقع في بلاد بني مرة، قال: فانتهيت إلى بيت عظيم فأنخت إليه ووضعت رحلي عنده في عشية متغيمة، فإذا في البيت الذي انخت بفنائه رجل شاب مضاجع ربة البيت، قد غلبته عينه فنام، فحسبته ربّ هذا البيت، فلم ألبث إلا قليلا حتى راح الشاء فحبست في العطن، ثم راحت الإبل وفيها أفراس ومعها رعاؤها، فحبست في العطن، ثم طلع رجل على فرس يصهل فارتاحت له الخيل، وارتاحت العبيد لذلك، وجاء حتى وقف عليهم فقال: ماذا كم السواد بفناء البيت؟ قالوا: ضيف، قال: فلما رأيت ذلك عرفت أنه ربّ البيت، وأن الفتى ليس

стр. 75

منها في شيء، فدخلت البيت فاحتملت الفتى حتى أبرزته من وراء البيت، فاستيقظ بي فقال: أمّا أنت فقد أنعمت عليّ فمن أنت؟ فقلت: أنا منقذ بن الطماح، قال: أو في الإبل جئت؟ «١» قلت: نعم، فقال: أدركت، أمكث ليلتك هذه عند صاحب رحلك، فإذا أصبحت فأت ذاك العلم الذي ترى، فقف عليه ثم ناد يا صباحاه، فإذا اجتمع إليك الناس فإني سآتيك على فرس ذنوب «٢» بين بردين، فأعرّض لك الفرس مرتين حتى تثب عليه، فإذا فعلت ذلك فثب خلفي ثم ناد يا حار يا حار المخاض، فإنك إذا فعلت ذلك أدركت، قال: وإذا هو الحارث بن ظالم» فلما أصبحت فعلت الذي أمرني به، فناديت يا صباحاه، فأتاني الناس حتى جاءني آخر من جاء، فعرض لي فرسه فوثبت عليه فإذا أنا خلفه، فقلت يا حار يا حار المخاض، فأجارني وحولت رحلي إليه، فمكثت عنده أياما لا يصنع شيئا، ثم قال: سبني يغضب لحمي «٤» . فقلت: لا أسبك أبدا، قال: فقل قولا يعذرني به قومي، قال: فمكثت حتى إذا أوردوا النعم جعلت أسقي وأرتجز فقلت- وكانت في الإبل الذي ذهبت ناقة يقال لها اللفاع- «٥» : إني سمعت حنّة اللفاع ... في النعم المقسّم الأوزاع ناقة ما وليدة جياع ... أما أذا أجدبت المراعي فإنها تحلب في المجاع ... أما إذا أخصبت المراعي فإنها نهي من النقاع ... فادعي أبا ليلى ولا تراعي ذلك راعيك فنعم الراعي ... إلا يكن قام عليه ناعي لا تؤكلي العام ولا تضاعي ... منتطقا بصارم قطّاع يفري «٦» به مجامع الصداع فلما سمع بذلك الحارث- وكان يكنى أبا ليلى- أقبل يسعى مخترطا سيفه فقال «٧» : هل يخرجن ذودك ضرب تشذيب ... ونسب في الحيّ غير مأشوب هذا أواني وأوان المعلوب «٨» ثم نادى الحارث: من كان عنده من هذه الإبل شيء فلا يصدرنّ بشيء فلا من ذمتنا حتى يردها، قال: فردت جميعا مكانها غير الناقة التي يقال لها اللفاع، فانطلق وانطلقت معه نطوف عليها، فوجدناها مع رجلين

стр. 76

يحلبانها فقال لهما الحارث: خليا عنها فليست لكما، فضرط البائن منهما- البائن: الذي يقف من جانب الحلوبة الأيمن، ويقال للحالبين البائن والمستعلي، والمستعلي الذي من جانب الناقة الأيسر- فقال المستعلي: والله ما هي لكما، فقال الحارث: است البائن اعلم «١» فأرسلها مثلا وردّ الإبل على الجميح فانصرف بها. ٨٠- رويد الغزو ينمرق . كانت امرأة من طيء «٢» يقال لها رقاش كانت تغزو بهم ويتيمنون برأيها، وكانت كاهنة، وكان لها حزم ورأي، فأغارت بطيء وهي عليهم على إياد بن نزار بن معد يوم رحى حائر فظفرت بهم وغنمت وسبت، فكان فيما أصابت من إياد فتى شابّ جميل، فاتخذته خادما فرأت عورته فأعجبها فدعته إلى نفسها فوقع عليها فحملت فأتيت في إبان الغزو لتغزو بهم، فقالوا لها: هذا أوان الغزو فاغزي أن كنت تريدين الغزو، فجعلت تقول: رويد الغزو ينمرق «٣» فأرسلتها مثلا. ثم جاءوا لعادتهم فرأوها نفساء مرضعا قد ولدت غلاما، فقال بعض شعراء طيء «٤» : نبئت أنّ رقاش بعد شماسها ... حبلت وقد ولدت غلاما أكحلا «٥» فالله يحظيها ويرفع ذكرها «٦» ... والله يلحقها «٧» كشافا مقبلا كانت رقاش تقود جيشا جحفلا ... فصبت وحقّ لمن صبا أن يحبلا دري رقاش فقد أصبت غنيمة ... فحلا يصورك أن تقودي جحفلا ٨١- أتتك بحائن رجلاه . زعموا أن المنذر بن امرىء القيس- وهو جد النعمان بن المنذر، وكانت أمه ماء السماء امرأة من النمر بن قاسط- قال للحارث بن العيف بن عبد القيس، والمنذر يومئذ محارب للحارث بن جبلة الغساني ملك الشام: اهج الحارث بن جبلة، فقال له الحارث بن العيّف «٨» :

стр. 77

لا همّ إن الحارث بن جبله ... زنا على أبيه ثم قتله «١» وركب الشادحة المحجّلة «٢» ... وكان في جاراته لا عهد له فأيّ فعل سيء لا فعله وقال لحرملة بن عسلة «٣» أخي بني مرة بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة: اهج الحارث، وكانت أم حرملة امرأة من غسان فقال حرملة بن عسلة: [ألم تر أني بلغت المشيبا ... لدى دار قومي عفّا كسوبا] وأن الإله تنصفته ... بأن لا أعقّ وأن لا أحوبا (أي عبدته، والناصف: الخادم، قال الشاعر: وتلقى حصان تنصف ابنة عمها ... كما كان يلقى الناصفات الخوادم) وأن لا أكافر «٤» ذا نعمة ... وإلا أخيّبه مستثيبا «٥» وغسان قوم هم والدي «٦» ... فهل ينسينّهم أن أغيبا فأوزع بها بعض من يعتريك ... فإن لها من معدّ كليبا (يقال كلب وكليب مثل معز ومعيز، والإيزاع: الإغراء) . وإن لخالك مندوحة ... وإن عليك بغيب رقيبا فلما كان حين سار المنذر بن ماء السماء إلى الحارث بن جبلة فالتقوا بعين أباغ، فقتل المنذر بن ماء السماء وهزم جيشه، وكان فيهم أخلاط من العرب من ربيعة ومضر وغيرهم، فكان ابن عسلة في الجمع يومئذ مع المنذر فأسر هو، فأحسن إليه الحارث بن جبلة وحمله وكساه وخلّى سبيله، وكان في جيش المنذر يومئذ رجل من بني حنيفة، يقال له عمرو بن شمر بن عمرو، إنما خرج متوصلا بجيش المنذر يريد أن يلحق بأخواله من غسان، وكانت أمه منهم، فرأى مصرع المنذر فأتاه فأخذ

стр. 78

بردا كان عليه، ثم أتى الحارث فأخبره أنه قتله وهذا برده، وكان ابن العيف العبديّ «١» في الأسراء، فقال له الحارث بن جبلة حين رآه: أتتك بحائن رجلاه «٢» فأرسلها مثلا. ثم قال له: إنه بلغني ما قلت، فاختر مني إحدى ثلاث خلال: إما أن أطرحك في جبّ فيه الأسد قد ضري وجوّع فتمكث معه ليلة، أو ارمي بك من رأس طمار- يعني جبل دمشق، فإن نجوت نجوت وإن هلكت هلكت، أو يضربك الدلامس «٣» - سيافه الذي يقوم على رأسه، وهو أعظم الرجال وأشدهم- بعمود له من حديد ضربة فإن نجوت نجوت وإن هلكت هلكت، فنظر في أمره فكره الأسد، وكره أن يلقى من رأس الجبل، واختار أن يضربه الدلامس تلك الضربة، فضربه على منكبه فدقّ منكبه ووركه، ثم أمر به فألقي، فاحتسب عليه راهب فداواه حتى برىء وهو مخبل «٤» . ٨٢- أصبح ليل . كان امرؤ القيس بن حجر الكندي الشاعر رجلا مفركا لا تحبه النساء ولا تكاد امرأة تصبر معه، فتزوج امرأة من طيء فابتنى بها، فأبغضته من تحت ليلته فكرهت مكانه، فجعلت تقول: يا خير الفتيان أصبحت أصبحت، فيرفع رأسه فيرى الليل كما هو، فيقول: أصبح ليل «٥» فلما أصبح قال لها: قد رأيت ما صنعت الليلة، وقد عرفت أن ما صنعت ذلك من كراهية مكاني في نفسك، فما الذي كرهت مني؟ قالت: ما كرهتك، فلم يزل بها حتى قالت: كرهت منك إنك خفيف العجزة، ثقيل الصدرة، سريع الإراقة، بطيء الإفاقة، فلما سمع ذلك منها قال لها هو: إنك لحديدة الركبة، سلسلة النقبة، سريعة الوثبة، وطلقها، وذهب قوله: أصبح ليل مثلا. ٨٣- إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر . كان الناس يتبايعون على طلوع الشمس وغروب القمر من صبح ثلاث عشرة ليلة

стр. 79

تخلو من الشهر: أتطلع بعد غروب القمر أم قبله، فتبايع رجلان على ذلك، فقال أحدهما: تطلع قبل غروب القمر، وقال آخر: يغيب القمر قبل طلوع الشمس، فكأنّ قوم اللذين تبايعا ضلعوا مع الذي قال إنّ القمر يغرب قبل طلوع الشمس، فقال الآخر: يا قوم إنكم تبغون عليّ، فقال له قائل؛ إنّ يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر «١» ، فذهبت مثلا. ٨٤- صكا ودرهماك لك، لا أفلح من أعجلك . زعموا أن امرأة بغيا كانت تؤاجر نفسها، فاستأجرها رجل بدرهمين، فلما جامعها أعجبها جماعة، فجعلت تقول: صكا ودرهماك لك، لا أفلح من أعجلك «٢» فذهب قولها مثلا. ٨٥- من عزّ بزّ . خرج رجل من طيء يقال له جابر بن رألان ثم أحد بني ثعل بن سنبس، ومعه صاحبان له، حتى إذا كانوا بظهر الحيرة، وكان للمنذر بن ماء السماء يوم يركب فيه في السنة لا يلقى فيه أحدا إلا قتله، فلقي في ذلك اليوم ابن رألان وصاحبيه، فأخذتهم الخيل بالثويّة، فأتي بهم المنذر- الثوية: موضع بالحيرة- وقال المنذر: اقرعوا فأيكم قرع خلّيت عنه وقتلت الباقيين. فاقترعوا فقرعهم جابر، فخلى سبيله وقتل صاحبيه، فلما رآهما ابن رألان يقادان ليقتلا قال: من عزّ بزّ «٣» فأرسلها مثلا؛ وقال جابر في ذلك «٤» : يا صاح حيّ الراني المتريّبا ... واقرأ عليه تحية أن يذهبا يا صاح ألمم إنها إنسية ... تبدي بنانا كالسيور مخضبا ولقد لقيت على الثويّة آمنا ... يسق الخميس بها وسيقا «٥» احدبا كرها أقارع صاحبيّ ومن يفز ... منا يكن لأخيه بدءا مرهبا لله درّي يوم أترك طائعا ... أحدا لأبعد منهما أو أقربا أحدا: أي أحد الأخوين، يلوم نفسه على تركه إياهما. فعرفت جدي يوم ذلك إذ بدا ... أخذ الجدود مشرّقين وغربا

стр. 80

كرّ الفنون «١» عليك دهرا قلّبا ... كرّ الثّقال يقوده أن يذهبا «٢» ولقد أرانا مالكين لرأسه ... نزعا خزامة إنفه أن يشغبا «٣» ٨٦- قد نراك فلست بشيء . زعموا أن امرأة كان لها صديق، وهو لزوجها عدو، وكانت معجبة، قال لها: لا أشتفي أبدا حتى أجامعك وزوجك يراني، فاحتالي لي. وكان لزوجها بهم، فكان يرعاها بفناء بيته، فاصطنعت له سربا إلى جنبها ثم جعلت له غطاء، وكان رب البيت يرعى حول بيته، فلما تبرز من البيت وتباعد عنه وثب عليها صديقها، فرآة زوجها فأقبل مسرعا قد ذهب عقله، فلما رآه صديقها مقبلا دخل السرب، وجاء الرجل وقال للمرأة: ما هذا الذي رأيت معك؟ قالت: ما رأيت من شيء وهذا البيت فانظر فيه، فنظر فلم ير شيئا، فعاد إلى غنمه، وعاد صديقها إليها، فلما رآه زوجها أقبل، وعاد صديقها إلى سربه، فلما جاء قال: ما هذا؟ قالت: وهل ترى من بأس؟ فنظر وانصرف إلى مكانه، فعاد صديقها إليها، حتى فعل ذلك مرارا يقبل الزوج فلا يرى شيئا ثم يعود صديقها إليها إذا ذهب زوجها، فلما أكثر قال زوج المرأة: قد نراك فلست بشيء «٤» فأرسلها مثلا. ٨٧- أعن صبوح ترقّق . وأما هذا المثل: أعن صبوح ترقّق «٥» فإن العرب يدعون شراب الليل الغبوق، وشراب النهار الصبوح، فزعموا أن رجلا نزل ببيت من العرب ليس لهم مال، فآثروه على أنفسهم فغبقوه غبوقا قليلا فبات بهم ليستوجب أن يصبحوه، فقال: أين أغدو إذا صبحتموني- أي أنه لا بد من أن يصبحوه فقالوا: أعن صبوح ترقق، فذهب قولهم مثلا. الصبوح: شراب النهار، والغبوق: شراب الليل. ٨٨- خذ من جذع ما أعطاك . زعموا أن سليحا من قضاعة وغسان احتربوا، فظهرت عليهم سليح، وكانت غسان تؤدي إليهم دينارين على كلّ رجل منهم، وكان سبطة بن المنذر السليحي هو

стр. 81

يجبي الدينارين منهم لسليح، فأتى رجلا منهم يقال له جذع بن عمرو، وعليه ديناران، فقال: أعطني الدينارين، فقال: أعجّل لك أحدهما وأخّر عليّ الآخر حتى أوسر، فقال سبطة: ما كنت لاؤخر عليك شيئا، فدخل جذع بيته وقال: اقعد حتى أعطيك حقك، فاشتمل جذع على السيف ثم خرج إلى سبطة فضربه حتى سكت ثم قال: خذ من جذع ما أعطاك «١» فأرسلها مثلا، وامتنعت منهم غسان بعد ذلك اليوم. ٨٩- قد أنصف القارة من راماها . زعموا أن رجلا من جهينة رمى رجلا من القارة «٢» - وهم بنو الهون بن خزيمة ابن مدركة بن الياس بن مضر- فقتله، فرمى رجل من القارة رجلا من جهينة، وكان القارة فيما يذكرون أرمى حيّ في العرب، فقال قائلهم: قد أنصف القارة من راماها «٣» فأرسلها مثلا. ٩٠- مرعى ولا كالسعدان . ٩١- اليوم خمر وغدا أمر . زعموا أن امرأ القيس بن حجر الكندي كان مفركا لا يكاد يحظى عند امرأة، تزوج امرأة ثيبا فجعلت لا تقبل عليه ولا تريه من نفسها شيئا مما يحب، فقال لها ذات يوم: أين أنا من زوجك الذي كان قبل؟ فقالت: مرعى كالسعدان «٤» فأرسلتها مثلا. زعموا أن امرأ اقيس لما بلغه أن بني أسد قتلوا حجرا وكان ذلك اليوم يشرب فقال: اليوم خمر وغدا أمر «٥» فأرسلها مثلا. ٩٢- كل ذات صدار خالة لي . زعموا أن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل- وكانت أمه لبنى بنت الحزمر بن كاهل، وكانت من بني أسد بن خزيمة- أغار على بني أسد،

стр. 82

فقالت له امرأة منهم: أبخالاتك يا همام تفعل هذا؟ قال: كل ذات صدار خالة لي «١» فأرسلها مثلا. ٩٣- خلع الدرع بيد الزوج . ٩٤- إن التجريد لغير نكاح مثلة . ٩٥- بخ بخ ساق بخلخال . زعموا أن كعب بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة بن عكابة تزوج رقاش «٢» بنت عمرو بن عثم بن تغلب بن وائل، وكانت من أجمل نساء الناس وأكملهن خلقا، فقال لها: اخلعي درعك فقالت: خلع الدرع بيد الزوج «٣» ثم قال: اخلعي درعك لأنظر إليك فقالت: إن التجريد لغير نكاح مثلة «٤» ، فطلقها فتحملت إلى أهلها، فمرت بذهل بن شيبان بن ثعلبة فأتاها فسلم عليها وخطبها إلى نفسها فقالت لخادمها: انظري إليه إذا بال أيبعثر أم يقعّر، فنظرت إليه الأمة فقالت: يقعر، فتزوجته، وعنده امرأة من بني يشكر يقال لها الورثة بنت ثعلبة، وكانت لا تترك له امرأة إلا ضربتها وأجلتها فخرجت رقاش وعليها خلخالان، فقالت الورثة: بخ بخ ساق بخلخال «٥» ، فقالت رقاش: أجل، ساق بخلخال، من نحلة خال، ليس كخالك البخال، فوثبت عليها الورثة لتضربها، فضبطتها رقاش وغلبتها، حتى حجزها عنها الرجال، فقالت الورثة: يا ويح نفسي اليوم أدركني الكبر ... أأبكي على نفسي العشية أم أذر فو الله لو أدركت في بقية ... للاقيت ما لاقى صواحبك الأخر فولدت رقاش لذهل بن شيبان مرة وأبا ربيعة ومحلما والحارث. ٩٦- لو كنت منا حذوناك . زعموا أن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة كانت الأكلة أصابت رجله، فأمر بقطعها من الركبة، فدعا بنيه ليقطعوها، فكلهم أبى أن يقطعها، فدعا نقيذا- وهو همام بن مرة- وكان من أجبنهم «٦» في

стр. 83

نفسه فقال: اقطعها يا بنيّ، فجعل يهم به، فقال أبوه: إذا هممت فافعل، فسمّى هماما، فقطعها همام، فلما رآها قد بانت قال: لو كنت منا حذوناك «١» فأرسلها مثلا. ٩٧- أعز من كليب وائل . ٩٨- تجاوزت شبيثا والأحص . ٩٩- أشأم من ناقة البسوس . ١٠٠- استه أضيق من ذاك . ١٠١- لا ناقة لي في هذا ولا جمل . ١٠٢- آخر البز القلوص . ١٠٣- أشأم من خوتعة . ١٠٤- أثقل من حمل الدهيم . ١٠٥- إيت فقد أنى لك . أما قول الناس: أعز من كليب بن وائل «٢» ؛ فإن كليب بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن عثم بن ثعلب بن وائل كان سيد ربيعة في زمانه، فكان الناس إذا حضروا المياه لم يسق أحد منهم إلا من سقاه، وإن بدا فأصابهم مطر لم يتحوّض إنسان منهم حوضا إلّا ما فضل عن كليب، وكان يقول: إني قد أجرت صيد كذا وكذا فلا يصاد منها شيء قال معبد بن سعنة «٣» الضبي- كذا رواه المفضل، وهو الأسود ابن سعنة أخو معبد: كفعل كليب كنت أخبرت أنه ... يخطّط أكلاء المياه ويمنع يجير على بكر بن وائل ... أرانب ضاح والظباء فترتع

стр. 84

فقيل أعز من كليب بن وائل، فذهبت عزته مثلا. وكان لكليب أخ يقال له امرؤ القيس بن ربيعة- وهو مهلهل- وعدي بن ربيعة وكانت إبل كليب لا يسقى معها إبل حين ترد الماء حتى تصدر، وكان جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة، أمه الهالة «١» من بني عمرو بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وكانت أمها غنوية فجاورت امرأة من غني مع جساس بن مرة للخؤولة، فوردت ناقة للغنوية مع إبل كليب وهي عطشى فشرعت في الحوض، فرآها فأنكرها فقال: ما هذه الناقة؟ قالوا: ناقة لجساس بن مرة من غني، فرماها بسهم فأصاب ضرعها، فندّت إلى بيت الغنوية، فرأتها تسيل دما، فأتت جساسا فصرخت إليه، قال: من فعل هذا بناقتك؟ قالت: كليب، فخرج هو وعمرو بن الحارث بن ذهل بن شيبان إلى كليب، فطعنه طعنة أثقلته، وزعموا أن عمرو بن الحارث أجهز عليه فقال كليب حين غشيه الموت لجساس: اغثنى بشربة فقال «٢» تجاوزت شبيثا والأحصّ «٣» فأرسلها مثلا- شبيث والأحص ماءان له. زعموا أن اسم ناقة الغنوية البسوس فصارت مثلا وقال الناس: أشأم من ناقة البسوس «٤» كذا قال المفضل: وإنما اسم الغنوية البسوس «٥» . واسم ناقتها سراب. ثم إن جساس بن مرة ركب فرسه فركض ليؤذن أصحابه، فمرّ على مهلهل وهو وهمام بن مرة يضربان بالقداح، وكانا متصافيين متوافقين لا يكتم واحد منهما صاحبه شيئا أبدا، فلما رآه همام قال: هذا جساس وقد جاء لسوءة والله ما رأيت فخذه خارجة قبل اليوم «٦» ، فلما دنا من همام أخبره الخبر ثم مضى، وعاد همام إلى مهلهل وقد تغير لونه، قال: ما شأنك قد تغير لونك، ما أخبرك هذا؟ قال: لا شيء فذكره العهد والميثاق، قال: أخبرني أنه قتل كليبا قال له مهلهل: استه أضيق من ذاك، «٧» فأرسلها مثلا.

стр. 85

ووقعت الحرب وتمايز الحيان بكر وتغلب، فزعموا أنّ الحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، وكان رجلا حليما شجاعا لما رأى ما وقع من الشر قال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل «١» فأرسلها مثلا واعتزل فلم يدخل في شيء من أمرهم. ثم إن بني تغلب قالوا «٢» : لا تعجلوا على إخوتكم حتى تعذروا فيما بينكم وبينهم، فانطلق رهط من أشرافهم وذوي أسنانهم حتى أتوا مرة بن ذهل بن شيبان فعظموا ما بينهم وبينه وقالوا: اختر منا خصالا: إما أن تدفع إلينا جساسا فنقتله بصاحبنا، فلم يظلم من قتل قاتله، وإما أن تدفع إلينا هماما، أو تقيدنا من نفسك، فسكت وقد حضرته وجوه بكر بن وائل فقالوا: إنك غير مخذول «٣» قال: أما جساس فإنه غلام حديث السن ركب رأسه فهرب حين خاف ولا علم لي به، وأما همام فأبو عشرة وأخو عشرة وعمّ عشرة» ، ولو دفعته إليكم صيّح بنوه في وجهي وقالوا: دفعت أبانا [للقتل] بجريرة غيره فهل لكم إلى غير ذلك؟ هؤلاء بنيّ فدونكم أحدهم فاقتلوه وأما أنا فما أتعجل من الموت، وهل تزيد الخيل على أن تجول جولة فأكون أول قتيل، ولكن هل لكم إلى غير ذلك؟ قالوا: وما هو؟ قال: لكم ألف ناقة يضمنها لكم بكر بن وائل «٥» فغضبوا وقالوا: لم نأتك لترذل لنا- أي تعطينا رذال بنيك- ولا تسومنا اللبن. ثم تفرقوا فوقعت الحرب بينهم، فاعتزل الحارث بن عباد بن ضبيعد بن قيس بن ثعلبة. ثم إن بني تغلب لقوا بجير بن الحارث بن عباد وهو غلام في إبله فأتوا به مهلهلا، وكان رئيس بني تغلب بعد كليب، وكان كليب يضعّفه ويقول: إنما أنت زير نساء، فلما أتي ببجير قال: من أنت «٦» يا غلام؟ قال: أنا بجير بن الحارث بن عباد، وقد عرفت أن أبي قد كره أمر هذه الحرب واعتزل الدخول فيها، قال: من أمك؟ قال: فلانة بنت فلان، فأمر به مهلهل فضربت عنقه وقال: بؤبشسع نعل كليب «٧» ، فبلغ الحارث بن عباد الخبر

стр. 86

فقال: نعم القتيل قتيل أصلح بين ابني وائل وهدأت الحرب بينهم فيه، هو فداؤهم، فقيل له: إن مهلهلا حين قتله قال: بؤبشسع نعل كليب قال: وقد قال ذلك؟ قالوا نعم، قال: سوف يعلم، ثم قال الحارث بن عباد «١» : قرّبا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن حيال «٢» لم أكن من جناتها علم الله ... وإني بحرّها اليوم صال لا بجير أغنى قتيلا ولا ره ... ط كليب تزاجروا عن ضلال «٣» وقد كان رجل من بني تغلب يقال له امرؤ القيس بن أبان قال لمهلهل، حين أراد أن يقتل بجيرا: لا تقتل هذا الفتى فإن أباه اعتزل هذا الأمر ولم يدخل فيه، فلما أبى مهلهل إلا قتله قال ذلك التغلبي: والله ليقتلن بهذا الفتى رجل لا يسأل عن امه، يعني بشرفها هي أعرف من ذلك، فالتقى الحيان بكر وتغلب، وأبو بجير فيمن شهد القتال يومئذ، فرأى فارسا من أشدّ الناس فحمل عليه فأخذه أبو بجير فقال: ويلك دلّني على أحد ابني ربيعة مهلهل أو عدّي «٤» قال: فما لي إن دللتك على أحدهما؟ قال: أخلي عنك؟ قال: فالله لي عليك بذلك؟ قال: نعم فلما استوثق منه قال: فإني عديّ بن ربيعة، قال أبو بجير: فأحلني على امرىء شريف كريم الدم، قال: فأحاله على عمرو بن أبان «٥» بن معب بن زهير، فحمل عليه أبو بجير فقتله، فقال أبو بجير في ذلك: لهف نفسي على عديّ وقد أش ... عب للموت واحتوته اليدان «٦» طل من طلّ في الحروب ولم أو ... تر بجيرا أبأته ابن أبان فارس يضرب الكتيبة بالسي ... ف وتسمو أمامه العينان ثم إنه أتى على ذلك ما شاء الله أن يأتي. ثم أغار كثيف «٧» بن زهير التغلبي على بكر بن وائل فهزموه، فلحق به مالك وعمرو ابنا الصامت من بني عامر بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة، فلما رآهما كثيف- وكان رجلا شديد الخلق- ألقى سيفه فتقلده مالك بن الصامت، وهو ابن كومة، فهاب مالك كثيفا أن يتقدم عليه فيأسره، لهف نفسي على عدي ولم اع ... رف عديا إذ أمكنتي اليدان

стр. 87

فأدركهم عمرو بن الزبان بن مجالد الذهلي، فوثب على كثيف فأسره، فقال مالك بن كومة: أسيري، وقال عمرو بن الزبان: أسيري، فحكما كثيفا في ذلك فقال: لولا مالك ألفيت في أهلي ولولا عمرو لم أوسر، فغضب عمرو فلطم وجه كثيف، فلما رأى ذلك مالك- وكان حليما- تركه في يدي عمرو وكره أن يقع في شرّ، فأنطلق عمرو بكثيف إلى أهله فكان أسيرا عنده حتى اشترى نفسه، وقال كثيف: اللهم إن لم تصب بني زبان بقارعة قبل الحول لا أصلي لك صلاة أبدا. فمكثوا غير كثير، ثم إن بني الزبان خرجوا، وهم سبعة نفر فيما يزعمون، في طلب إبل لهم، ومعهم رجل من غفيلة بن قاسط يقال له خوتعة، فلما وقعوا قريبا من بني تغلب انطلق خوتعة حتى أتى كثيف بن زهير فقال له: هل لك إلى بني الزبان بمكان كذا وكذا، وقد نحروا جزورا وهم في إبلهم، قال: نعم، فجمع لهم ثم أتاهم، فقال له عمرو بن الزبان: يا كثيف إن في وجهي وفاء من وجهك، فخذ لطمتك مني أو من إخوتي إن شئت، ولا تنشئن الحرب وقد اطفأها الله، ذلك فداؤنا، فأبى كثيف، فضرب أعناقهم وجعل رؤوسهم في الجوالق فعلّقه في عنق ناقة لهم يقال لها الدهيم، وهي ناقة عمرو بن الزبان، ثم خلاها في الإبل، فراحت حتى أتت بيت الزبان بن مجالد، فقال لما رأى الجوالق: اظن بنيّ أصابوا بيض نعام، ثم أهوى بيده في الجوالق فأخرج رأسا، فلما رآه قال: آخر البز على القلوص «١» فذهبت مثلا، وقال الناس: أشأم من خوتعة «٢» فذهبت مثلا- أي هم آخر المتاع، أي هذا آخر آثارهم؛ وقال الناس: أثقل من حمل الدهيم «٣» فذهبت مثلا. قال: ثم إن الزبان دعا في بكر بن وائل فخذلوه فقال في ذلك: بلغا مالك بن كومة ألّا ... يأتي الليل دونه والنهار كلّ شيء خلا دماء بني ذه ... ل من الحرب ما بقيت جبار أنسيتم قتلى كثيف وأنتم ... ببلاد بها تكون العشار

стр. 88

وكان أشدّ بكر بن وائل له خذلانا بنو لجيم، فقال الزبان في ذلك: من مبلغ عنيّ الأفاكل مالكا ... وبنى القدار فأين حلفي الأقدم أبني لجيم من يرجّى بعدكم ... والحيّ قد حربوا وقد سفك الدم أبني لجيم لو جمحن عليكم ... جمح الكعاب لقد غضبنا نرعم الجمح: التتابع بعض في أثر بعض، يريد الكعبين اللذين يلعب بهما النرد وغيره. فجعل الزبان لله عليه نذرا ألا يحرم دم غفيليّ أبدا أو يدلوه كما دلوا عليه، فمكث فيما يزعمون عشر سنين، فبينا هو جالس بفناء بيته إذ هو براكب قال له: من أنت قال: رجل من غفيلة قال: إيت فقد أنى لك «١» ، فأرسلها مثلا، قال الغفيلي: هل لك في أربعين بيتا من بني زهير متبدين بالأقطانتين؟ قال: نعم، فنادى في أولاد ثعلبة فاجتمعوا، ثم سار بهم حتى إذا كان قريبا من القوم بعث مالك بن كومة طليعة ينظر القوم وما حالهم، قال مالك: فنمت وأنا على فرسي فما شعرت حتى غبّت فرسي في مقراة «٢» بين البيوت، فكبحتها فتأخرت على عقبها، فسمعت جارية تقول لأبيها: يا أبت أتمشي الخيل على أعقابها؟ قال: وما ذاك يا بنية؟ قالت: لقد رأيت فرسا تمشي على عقبها، قال: يا بنية نامي، أبغض الفتاة تكون كلوء العين بالليل- ورجع مالك إلى الزبان فأخبره الخبر- فأغار عليهم فقتل منهم فيما يذكر نيفا على أربعين رجلا، منهم أبو محياة بن زهير بن تميم، وأصاب فيهم جيرانا لهم من بني يشكر ثم من بني غبر بن غنم، فقال في ذلك مرقش أخو بني قيس بن ثعلبة «٣» : أتاني لسان بني عامر ... فجلت أحاديثهم عن بصر بان بني الوخم «٤» ساروا معا ... بجيش كضوء نجوم السحر فلم يشعر القوم حتى رأوا ... بريق القوانس فوق الغرر ففرّقنهم ثم جمّعنهم ... وأصدرنهم قبل غبّ الصدر فيا ربّ شلو تخطر فنه ... كريم لدى مزحف أو مكر

стр. 89

أي أخذته باقتدار في سرعة، والشلو بقية البدن، وقد جعلوه البدن. وإخر شاص ترى جلده ... كقشر القتادة غبّ المطر فكائن بحمران «١» من مزعف ... ومن خاضع خدّه منعفر المزعف: المذرأ عن فرسه، الشاصي: الرافع رجله. فكأن الزبان «٢» قذف جيفهم في «٣» الاقطانتين، وهي ركية، فقال السفاح التغلبي: أبني أبي سعد وأنتم إخوة ... وعتاب بعد اليوم شيء افقم هلا خشيتم أن يصادف مثلها ... منكم فيترككم كمن لا يعلم ملأوا من الأقطانتين ركية ... منا وآبوا سالمين وغنموا وقال الزّبان يعتذر إلى بني غبر اليشكريين فيمن أصيب منهم «٤» : ألا أبلغ بني غبر بن غنم ... ولما يأت دونكم حبيب فلم نقتلكم بدم ولكن ... رماح الحرب تخطىء أو تصيب ولو أمّي علقت بحيث كانوا ... لبلّ ثيابها علق صبيب قال: وكان السفاح قد قال في شأن بني الزبان لعمرو بن لأي التيمي: ألا من مبلغ عمرو بن لأي ... فإن بيان غلمتهم لدينا فلم نقتلهم بدم ولكن ... للؤمهم وهونهم علينا وإني لن يفارقني نباك يرى التعداء والتقريب دينا «٥» وقال عمرو بن لأي:

стр. 90

قفا ضبع تعالج خرج راع ... أجرنا في العقاب أم اهتدينا ١٠٦- إذا عزّ أخوك فهن . زعموا أن الهذيل بن هبيرة «١» ، أخا بني ثعلبة بن حبيب بن غنم بن تغلب بن وائل، كان أغار على أناس من ضبة فغنم ثم انصرف، فخاف الطلب فأسرع السير، فقال له أصحابه: اقسم بيننا غنيمتنا، فقال: إني أخاف أن تشغلكم القسمة فيدرككم الطلب فتهلكوا، فأعادوا عليه ذلك مرارا فلما رآهم لا يفعلون قال: إذا عزّ أخوك فهن «٢» فأرسلها مثلا، وتابعهم على القسمة. ١٠٧- ربّ عجلة تهب ريثا . ١٠٨- وربّ فروقة يدعى ليثا . ١٠٩- وربّ غيث لم يكن غيثا . زعموا أن ليث «٣» بن عمرو بن أبي عمرو بن عوف بن محلم الشيباني تزوج ابنة عمه خماعة بنت عوف بن محلم بن أبي عوف بن أبي عمرو بن عوف بن محلم، فشام الغيث فتحمل باهله لينتجعه، فقال أخوه مالك بن عمرو: لا تفعل فاني أخاف عليك بعض مقانب العرب أن يصيبك، فقال: والله ما أخاف أحدا، وإني لطالب الغيث حيث كان، فسار بأهله، فلم يلبث إلا يسيرا حتى جاء وقد أخذ، أهله وماله، فقال له مالك: مالك؟ فقال: أصابتني خيل مرّت عليّ؛ قال مالك: رب عجلة تهب ريثا ورب فروقة يدعى ليثا ورب غيث لم يكن غيثا «٤» ، فذهب كلامه هذا أمثالا. ١١٠- اسق أخاك النمري يصطبح . ١١١- رد كعب إنك ورّاد . زعموا أن كعب بن مامة الإيادي خرج في ركب من إياد بن نزار وربيعة بن نزار

стр. 91

حتى إذا كانوا بالدهناء في حمارّة القيظ عطشوا ومعهم شيء من ماء قليل إنما يشربونه بالحصى «١» فيقتسمونه، فشرب كلّ إنسان منهم بقدر تلك الحصاة، فشرب القوم حصّتهم، فلما أخذ كعب الإناء ليشرب نظر إليه شمر بن مالك النمري، فلما رآه كعب ينظر إليه ظن أنه عطشان، فقال: اسق أخاك النمريّ يصطبح «٢» ، فذهبت مثلا. ثم ظعنوا وبالقوم مسكة غير كعب، فنزلوا فاقتسموا الماء، فلما بلغ كعبا نصيبه وأدركه الموت نظر إليه النمريّ فقال: اسق أخاك النمريّ يصطبح، فشرب النمري نصيبه، وأدركه الموت فنزل فاكتن في أصل شجرة فقيل له: إنا نرد الماء غدا فرد كعب إنك ورّاد «٣» فأرسلها مثلا، وقال الفرزدق «٤» : وكنّا كأصحاب ابن مامة إذ سقى ... أخا النمر العطشان يوم الضجاعم إذا قال كعب هل رويت ابن قاسط ... يقول له زدنى بلال الحلاقم وكنت ككعب غير أنّ منيتي ... تأخر عني يومها بالأخارم وقال مامة بن عمرو «٥» : أوفى على الماء كعب ثم قيل له ... رد كعب إنك ورّاد فما وردا ما كان من سوقة أسقى على ظمإ ... خمرا بماء إذا ناجودها بردا «٦» من ابن مامة كعب ثم عيّ به ... زوّ المنية إلا حرّة وقدا أي لم تهتد المنية إلى قتله إلا بالعطش. وقال أبو كعب: أمن عطش الدهنا وقلة مائها ... بقايا النطاف لا يكلمني كعب فلو أنني لا قيت كعبا مكسرا ... بأنقاء وهب حيث ركّبها وهب لآسيت كعبا في الحياة التي ترى ... فعشنا جميعا أو لكان لنا شرب ١١٢- عش رجبا تر عجبا . زعموا أن الحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة طلق بعض نسائه بعد ما اسن وخرف، فخلف عليها من بعده رجل كانت تظهر له من الوجد به ما لم تكن تظهره للحارث بن عباد، فلقي زوجها الحارث بن عباد فأخبره بمنزلته منها، فقال له الحارث: عش رجبا تر

стр. 92

عجبا «١» ، فأرسلها مثلا. ١١٣- ازلأم المعديّ ونفر . زعموا أن مياد بن حنّ بن ربيعة بن حزام العذري من قضاعة نافر رجلا من أهل اليمن إلى حكم عكاظ في الشهر الحرام، فأقبل مياد بن حن على فرسه وسلاحه، فقال: أنا مياد بن حن، أنا ابن حبّاس الظعن، وأقبل اليماني عليه حلة يمانية، فقال مياد بن حن: احكم بيننا أيها الحكم، فقال الحكم: ازلأم المعديّ ونفر «٢» - نفر: غلب، وازلأم: سبق وأسرع- فذهب قوله مثلا، وقضى لمياد بن حن على صاحبه. ١١٤- القيد والرتعة . أسرت همدان عمرو بن خويلد «٣» بن نفيل بن عمرو بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، فحبسوه عندهم زمانا وقيدوه، وكان رجلا خفيف اللحم لا يكاد يسمن، فلما أسر وطال حبسه كثر لحمه وسمن، فمكث أسيرا في همدان ما شاء الله، ثم افتدى نفسه فرجع إلى قومه وهو بادن كثير اللحم فقالوا: لقد سمنت وكثر لحكمك فقال: القيد والرّتعة «٤» فأرسلها مثلا. ١١٥- مالي بين بنيّ . ١١٦- ويل للشعر من راوية الشعر . ١١٧- لا تراهن على الصعبة، ولا تنشد قريضا . زعموا أن الحطيئة «٥» لما حضره الموت اكتنفه أهله وبنو عمه فقالوا له: يا حطيء أص، قال: فبم وما أوصي؟ مالي بين بني «٦» ، فأرسلها مثلا، فقالوا له: قد علمنا

стр. 93

أن مالك بين بنيك فأوص، قال: ويل الشعر من راوية الشعر «١» ، فأرسلها مثلا، قالوا له أوص، قال أخبروا أهل ضابىء بن الحارث أنه كان شاعرا حيث يقول «٢» : لكلّ جديد لذة غير أنني ... وجدت جديد الموت غير لذيد وأنشد مثل هذا البيت: ما لجديد الموت يا بشر لذة ... وكلّ جديد تستلذّ طرائقه ثم مات. وكانت له أمثال وهو الذي قال لا تراهن على الصعبة ولا تنشد قريضا «٣» فأرسلها مثلا، يقول أن الصعبة لا تذهب على ما تريد، والقريض أول ما ينشد، يقول: لا تنشد الشعر حتى تحكمه. ١١٨- لا أطلب أثرا بعد عين . زعموا أن بعض ملوك غسان كان يطلب في بطن من عاملة يقال لهم بنو ساعدة- وعاملة من قضاعة- ذحلا، فأخذ منهم رجلين يقال لهما مالك وسماك ابنا عمرو، فاحتبسهما عنده زمانا، ثم دعا بهما فقال: إني قاتل أحدكما، فأيكما أقتل؟ فجعل كل واحد منهما يقول: اقتلني مكان أخي. فلما رأى ذلك قتل سماكا وخلّى سبيل مالك، فقال سماك حين ظن أنه مقتول: ألا من شجت ليلة عامده ... كما أبدا ليلة واحده فأبلغ قضاعة إن جئتها ... وأبلغ «٤» سراة بني ساعدة «٥» وأبلغ نزارا على نأيها ... فإن الرماح هي العائدة فأقسم لو قتلوا مالكا ... لكنت لهم حية راصده برأس سبيل على مرصد «٦» ... ويوما على طرق وارده أأمّ سماك فلا تجزعي ... فللموت ما تلد الوالده وانصرف مالك إلى قومه فأقام فيهم ليالي، ثم إن ركبا مروا يسيرون وأحدهم يتغنى وهو يقول: فأقسم لو قتلوا مالكا ... إلخ، فسمعت ذلك أم سماك فقالت: يا مالك قبّح الله الحياة بعد سماك، اخرج في الطلب بأخيك، فخرج في الطلب به حتى لقي قاتله يسير في ناس من قومه فقال: من أحسّ لي الجمل

стр. 94

الأحمر؟ فقالوا له وعرفوه: لك مائة من الإبل فكفّ، فقال: لا أطلب أثرا بعد عين «١» ، فأرسلها مثلا، وحمل على قاتل أخيه فقتله، وكان من غسان ثم من بني قمير، فقال مالك في ذلك: يا راكبا بلّغن ولا تدعن ... بني قمير وإن هم جزعوا فليجدوا مثل ما وجدت فان ... ي كنت ميتا «٢» قد مسّني وجع لا أسمع اللهو في النديّ «٣» ولا ... ينفعني في الفراش مضطجع لا وجد ثكلى كما وجدت ولا ... وجد عجول أصلّها ربع ولا كبير أضلّ ناقته ... يوم تو اى الحجيج فاجتمعوا ينظر في أوجه الركاب فلا ... يعرف شيئا والوجه ملتمع جللته صارم الحديدة كاللج ... ة فيه سفاسق دفع أضربه باديا نواجذه ... يدعو صداه والرأس منصدع بني قمير قتلت سيدكم ... فاليوم لا فدية «٤» ولا جزع بين قمير وباب جلّق في ... أثوابه من دمائه دفع «٥» فاليوم قمنا على السواء فإن ... تجروا فدهري ودهركم جذع ١١٩- تمرّد مارد وعزّ الأبلق . ١٢٠- لا يطاع لقصير رأي . ١٢١- وإنها لا يشق غبارها . ١٢٢- ببقة صرم الأمر . ١٢٣- أشوار عروس ترى . ١٢٤- لا يحزنك دم هراقه أهله . ١٢٥- يا ظلّ ما تجري به العصا . ١٢٦- خير ما جاءت به العصا . ١٢٧- أمنع من عقاب الجو . ١٢٨- فأعنّي وخلّاك ذم . ١٢٩- لأمر ما جدع قصير أنفه . ١٣٠- قد جئت بما صأى وصمت . ١٣١- بيدي لا بيديك عمرو .

стр. 95

١٣٢- هذا جناي وخياره فيه إذ كلّ جان يده إلى فيه . ١٣٣- أعطي العبد كراعا، فطلب ذراعا . ١٣٤- شبّ عمرو عن الطوق . وكان فيما يذكر من حديث ابنة الزباء «١» : إنها كانت امرأة من الروم، وأمها من العمالقة، فكانت تكلّم بالعربية، وكانت ملكة على الجزيرة وقنسرين، وكانت مدائنها على شطّ الفرات من الجانب الغربي والشرقي، وهي قائمة اليوم خربة، وكان فيما يذكر قد شقت الفرات وجعلت أنفاقا بين مدينتها- أنفاق: (جمع نفق) وهو السّرب- وكانت تغزو بالجنود وتقاتل، وهي فيما يذكر التي حاصرت ماردا حصن دومة الجندل فامتنع منها، وحاصرت الأبلق حصن تيماء فامتنع منها، فقالت: تمرّد مارد وعزّ الأبلق «٢» ، فأرسلت قولها مثلا. وكان جذيمة الأبرش «٣» رجلا من الأزد، وكان ملكا على الحيرة وما حولها، وكان ينزل الأنبار، وكان فيما يقال من أحسن الناس وجها وأجملهم، فذكر أن يخطبها وكان له ربيب ومولى يقال له قصير، وكان رجلا لبيبا عاقلا فنهاه عنها وقال: إنها لا حاجة لها في الرجال، قال: وكان جذيمة أول من احتذى النعال ورمى بالمنجنيق ورفع له الشمع، فعصى قصيرا وكتب إليها يخطبها ويرغبها فيما عنده، فكتبت إليه: أن نعم وكرامة، أنا فاعلة، ومثلك رغب فيه، فإذا شئت فاشخص إليّ فدعا قصيرا وسار، حتى إذا كان بمكان فوق الأنبار يقال له البقة، فدعا نصحاءه فشاورهم فيها، فنهاه قصير، ورأى أصحابه هواه فزينوها له، فقال قصير حين رآه قد عزم: لا يطاع لقصير رأي «٤» فأرسلها مثلا. ومضى إليها في ناس كثير من أصحابه فأرسل إليها يعلمها أنه قد أتاها، فهيأت

стр. 96

له الخيول وقالت: استقبلوه حين يدنو، وقالت: صفوا صفين فإذا دخل بين صفيكم فتقوضوا عليه، فليسر من مرّ عليه خلفه حتى ينتهي إلى باب المدينة. وذكر أن قصيرا قد كان قال له حين عصاه وأبى إلا إتيانها، أن استقبلتك الخيل فصفّوا لك صفّين فتقوض من تمرّ به من خلفك فإنّ معك العصا فرسك، وإنها لا يشق غبارها «١» فأرسلها مثلا، فتجلل العصا ثم انج عليها، فلما لقيته الخيول وتقوضوا من خلفه عرف الشرّ وقال لقصير؛ كيف الرأي؟ فقال له قصير: ببقة صرم الأمر «٢» وذهب قوله مثلا. وسار جذيمة حتى دخل عليها وهي في قصر لها ليس فيه إلّا الجواري، وهي على سريرها فقالت: خذن بعضدي سيدكنّ، ففعلن، ثم دعت بنطع فأجلسته فعرف الشر، وكشفت عن عورتها فإذا هي قد عقدت استها بشعر الفرج من وراء وركيها، وإذا هي لم تعذر، فقالت: أشوار عروس ترى «٣» فأرسلتها مثلا فقال جذيمة: بل شوار بظراء تفلة، فقالت: والله ما ذاك من عدم مواس، ولا قلة أواس، ولكن شيمة من أناس، ثم أمرت برواهشه فقطعت فجعلت تشخب دماؤه في النطع كراهية أن يفسد مقعدها دمه، فقال جذيمة: لا يحزنك دم هراقه أهله «٤» ، فأرسلها مثلا. يعني نفسه. ونجا قصير حين رأى من الشر ما رأى على العصا، فنظر إليه جذيمة والعصا مدبرة تجري فقال: يا ضلّ ما تجري به العصا «٥» ، فذهبت مثلا. وكان جذيمة قد استخلف على ملكه عمرو بن عدي اللخمي، وهو ابن اخته، فكان يخرج كلّ غداة يرجو أن يلقى خبرا من جذيمة، فلم يشعر ذات يوم حتى إذا هو بالعصا عليها قصير، فلما رآها عمرو قال خير ما جاءت به العصا «٦» فأرسلها مثلا، فلما جاءه قصير أخبره الخبر، فقال: اطلب بثأرك قال: كيف أطلب من ابنة الزبا وهي أمنع من عقاب الجو «٧» فأرسلها مثلا، فقال قصير: أما إذا أبيت فإني

стр. 97

سأحتال لها فأعنيّ وخلاك ذمّ «١» فأرسلها مثلا، فعمد قصير إلى أنفه فجدعه، ثم خرج حتى أتى بنت الزبا فقيل: لأمر ما جدع قصير أنفه «٢» صارت مثلا. فقيل للزبا هذا قصير خازن جذيمة قد أتاك، قال: فأذنت له وقالت: ما جاء بك؟ قال: اتهمني عمرو في مشورتي على خاله باتيانك فجدعني، فلا تقرّني نفسي مع من جدعني، فأردت أن آتيك فأكون عندك، قالت: فافعل، قال: فإن لي بالعراق مالا كثيرا، وإن بها طرائف مما تحبين أن يكون عندك، فأرسليني وأعطيني شيئا بعلّة التجارة حتى آتيك بما قدرت عليه وأطرفك من طرائف العراق، ففعلت وأعطته مالا، فقدم العراق فأطرفها من طرائفها، وزادها مالا كثيرا إلى مالها، فقال لها: هذا ربح، فأعجبها ذلك وسرّت به، فزادته أموالا كثيرة وردّته الثانية، فأطرفها أكثر مما كان أتاها به قبل ذلك، ففرحت وأعجبها، ونزل منها بكلّ منزلة؛ ولم يزل يتلطف حتى علم مواضع الأنفاق التي بين المدينتين، ثم ردته الثالثة وزادته أموالا كثيرة عظيمة فأتى عمرا فقال: احمل الرجال في التوابيت والمسوح عليهم الحديد حتى يدخلوا المدينة ثم أبادرها أنا وأنت إلى موضع النفق فنقتلها، فعمد عمرو إلى ألفي رجل من أشجع من يعلم، ثم كان هو فيهم، فلما دنوا أتاها قصيرا فقال: لو صعدت المدينة فنظرت إلى ما جئت به فإني قد جئت بما صأى وصمت «٣» ، فأرسلها مثلا- صأى من الإبل والخيل، وصمت من الذهب وغيره- وكانت لا تخاف قصيرا، قد أمنته، فصعدت المدينة، ورجع قصير إلى العير يحمل كلّ بعير رجلين دارعين عليهم السلاح كله، فلمّا رأت ثقل الأحمال على الإبل قالت: أرى الجمال مشيها وئيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا أم صرفانا باردا شديدا ... أم الرجال في المسوح سودا «٤» الصرفان: ضرب من التمر، ويقال إنه الرصاص. ودخلت الإبل كلها فلم يبق منها شيء وتوسطوا المدينة، وكانت أفواه الجواليق مربوطة من قبل الرجال، لكنهم حلوها ووقعوا في الأرض مستلئمين، فشدّوا عليها وخرجت هاربة تريد السّرب، فاستقبلها قصير وعمرو عند باب السرب، وكان لها خاتم فيه سمّ فمصته وقالت: بيدي لا بيديك عمرو «٥» ، فذهب قولها مثلا، وضربها عمرو وقصير حتى ماتت:

стр. 98

وقالت العرب في أمرها وأمر قصير فأكثروا، فقال عدي بن زيد العبادي يخاطب النعمان «١» : ألا يا أيها المثري المرجى ... ألم تسمع بخطب الأولينا القصيدة كلها. وقال نهشل بن حري الدارمي «٢» : ومولى عصاني واستبدّ بأمره ... كما لم يطع بالبقتين قصير فلما رأى ما غبّ أمري وأمره ... وولّت بأعجاز المطيّ صدور تمنّى أخيرا أن يكون أطاعني ... وقد حدثت بعد الأمور أمور وقال المخبل السعدي: يا أمّ عمرة هل هويت جماعكم ... ولكلّ من يهوى الجماع فراق بل كم رأيت الدهر زيّل بينه ... من تزايل بينه الأخلاق طلب ابنة الزبا وقد جعلت له ... دورا ومسربة لها أنفاق وقال المتلمس «٣» : ومن حذر الأيام ما حزّ أنفه ... قصير وخاض الموت بالسيف بيهس نعامة لما صرّع القوم رهطه ... تبين في أثوابه كيف يلبس وقال أبو النجم حبيب بن عيسى: كان جذيمة قال لندمائه بلغني عن رجل من لخم يقال له عدي بن نصر ظرف وعقل، فلو بعثت إليه فوليته كأسي، قالوا: الرأي رأي الملك، فبعث إليه فأحضره وصيّر إليه أمر كأسه والقيام على ندمائه، فأبصرته رقاش أخت جذيمة فأعجبت به، فبعثت إليه: إذا سقيت القوم فامزج لهم واسق الملك صرفا، فإذا أخذت الخمر [منه] فاخطبني إليه، ففعل، وأجابه الملك وأشهد عليه القوم، وأدخلته عليها من ليلتها فواقعها، واشتملت على حمل، وأصبح جذيمة فرأى به آثار الخلوق، فقال: ما هذه الآثار يا عديّ؟ فقال: آثار العرس برقاش، فزفر جذيمة وأكب على الأرض واغتم يفكّر في الأرض، وأخذ عدي مهلة فلم يحسّ له أثر، وبعث جذيمة «٤» إلى رقاش «٥» : خبريني رقاش لا تكذبيني ... أبحر زنيت أم بهجين أم بعبد فأنت أهل لعبد ... أم بدون فأنت أهل لدون فأرسلت إليه: لعمري ما زنيت ولكنك زوجتني، فرضيت ما رضيت لي. فنقلها

стр. 99

إلى حصن له فأنزلها إياه، وتم حملها، فولدت غلاما فسمته عمرا، حتى إذا ترعرع ألبسته من طرائف ثياب الملوك ثم أزارته خاله، فلما دخل عليه ألقيت عليه منه المودة، وقذف له في قلبه الرحمة. ثم إن الملك خرج في سنة مكلئة خصيبة قد أكمأت، فبسط له في بعض الرياض، وخرج ولدان الحيّ يجتنون الكمأة، وخرج عمرو فيهم فكانوا إذا اجتنوا شيئا طيبا أكلوه، وإذا اجتناه جعله في ثوبه، ثم أقبلوا يتعادون، وأقبل معهم وهم يقول «١» : هذا جناي وخياره فيه ... إذ كلّ جان يده إلى فيه ثم استطارته الجنّ فلم يحسسن، ثم اقبل رجلان من بلقين يقال لهما مالك وعقيل، قد اعتمدا جذيمة بهدية معهما، فنزلا في بعض الطريق، وعمدت قينة لهما فأصلحت طعامهما ثم قربته إليهما، فأقبل رجل طويل الشعر والأظافير حتى جلس منهما مزجر الكلب، ثم مدّ يده فناولته القينة من طعامهما، فلم يغن عنه شيئا، ثم أعاد يده فقالت القينة: أعطي العبد كراعا فطلب ذراعا «٢» ، فأرسلتها مثلا، ثم سقتهما شرابا لهما من زقّ معهما، ثم وكت الزقّ، فقال عمرو: عدلت الكأس عنا أمّ عمرو «٣» ويروى صددت. فسألاه عن نسبه، فانتسب لهما، فنهضا إليه وقرباه، ثم غسلاه ونظفاه، وألبساه من طرائف ثيابهما وقدما به على جذيمة، فجعل لهما حكمهما، فقالا: منادمتك ما بقيت وبقينا، فهما ندمانا جذيمة اللذان يقول متمم بن نويرة حين رثى أخاه يذكرهما «٤» : وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول افتراق لم نبت ليلة معا وقال آخر «٥» : ألم تعلما «٦» أن قد تفرّق قبلنا ... نديما صفاء مالك وعقيل وأمر جذيمة بصرف عمرو إلى أمه، فتعهدته أياما حتى راجعته نفسه وذهب شحوبه، ثم ألبسته من طرائف ثياب

стр. 100

الملوك، وجعلت في عنقه طوقا من ذهب، ثم أمرته بزيارة خاله، فلما رأى لحيته والطوق في عنقه قال: شب عمرو عن الطوق «١» فأرسلها مثلا، ثم أقام مع خاله قد كفاه أمره إلى أن خرج جذيمة إلى ابنة الزباء، فكان من أمره ما كان. ١٣٥- بسلاح ما يقتلنّ القتيل . زعموا أن المنذر بن ماء السماء لما هلك وترك عمرا وقابوسا وحسانا وأمهم هند بنت الحارث بن آكل المرار الكندي، والأسود بن المنذر وأمه امرأة من تيم الرباب، وعمرا الأصغر وأمه أمامة، وبنين غيرهم لعلات، وأن عمرا ملك بعد أبيه المنذر، وكان عمرو يدعى محرقا لأنه أحرق اليمامة، فأستعمل عمرو أخاه قابوسا على ما بدا له من عمله، وكان له الريف سواد العراق، فغضب عمرو بن أمامة فلحق باليمن، يريد أن يستنصرهم على أخيه عمرو ويغزو بهم، فقال عمرو بن أمامة في ذلك: ألإبن أمّك ما بدا ... ولك الخورنق والسدير فلأمنعنّ منابت الض ... مران إذ منع القصور بكتائب تردي كما ... تردي إلى الجيف النسور إنا بني العلات تق ... ضى دون شاهدنا الأمور فنزل عمرو في مراد، فملكوه وعظموه، فتغطرس وجعل يريد أن يستعبدهم، فقتلوه- قتله ابن الجعيد المرادي- فقال في ذلك طرفة بن العبد «٢» : أعمرو بن هند ما ترى رأي معشر ... أفاتوا أبا حسان جارا مجاورا دعا دعوة إذ شكت النبل صدره ... أمامة واستعدى بذاك معاشرا فغزاهم عمرو بن هند حين بلغه قتل عمرو بن أمامة، فظفر بهم فقتل فيهم وأكثر، وأتى بابن الجعيد سالما فلما رآه قال: بسلاح ما يقتلنّ القتيل «٣» فأرسلها مثلا، ثم أمر به فضرب بالعمد حتى مات. ١٣٦- على أهلها تجني براقش . ١٣٧- هذا حرّ معروف وكنت البارحة في حرّ منكر . ١٣٨- ذئب صحر أنها أتحفته وأكرمته وصدقته فلطمها .

стр. 101

١٣٩- إلا من كان غازيا فليغزو . ١٤٠- كأنّ برجل باتت . ١٤١- وبرحلها باتت لقم . ١٤٢- أشبه شرج شرجا لوان أسيمرا . ١٤٣- في نظم سيفك ما ترى يالقم . ١٤٤- لي الغادرة والمتغادرة والأفيل النادرة . ١٤٥- سدّ ابن بيض الطريق . وزعموا أن براقش ابنة تقن كانت امرأة لقمان بن عاد، وكان بنو تقن من عاد أصحاب إبل، وكان لقمان صاحب غنم، وكان لا يطعم لحوم الإبل، فأطعمته امراته براقش من لحوم الإبل فنحر إبلهم التي يحتلمون عليها فأكلها ثم قاتل إخوتها على إبلهم، فقيل: على أهلها تجني براقش «١» ، فأرسلت مثلا «٢» . وزعموا أن لقمان بن عاد كان زوّج أخته رجلا من قومه ضعيفا أحمق، فولدت له فأحمقت وأضعفت، فلما رأت ذلك أعجبها أن يكون لها ولد، له مثل أدب لقمان أخيها ودهاؤه، فقالت لامرأة لقمان: إني أمسيت الليلة على طهر، فهل لك على أن أجعل لك جعلا على أن تخليني وأخي فأكون معه الليلة؟ فقالت: نعم، فسقته حتى سكر، فباتت معه، فحملت له، فولدت غلاما فسمته لقيما، فلما أفاق من سكره وبات عند امرأته من الليلة المقبلة قال: هذا حر معروف وكنت البارحة في حر منكر «٣» فذهب قوله مثلا، قال النمر بن تولب العلكي يذكر عجائب الدهر: لقيم بن لقمان من أخته ... وكان ابن أخت له وابنما ليالي حمقت فاستحصنت «٤» ... إليه فغرّ بها مظلما فاحبلها رجل نابه ... فجاءت به رجلا محكما «٥» وزعموا أن لقيما خرج من أحزم الناس وأنكرهم، وأنه خرج هو ولقمان مغيرين، فأصابا إبلا، فحسد لقمان لقيما فقال له

стр. 102

لقمان: اختر إن شئت فسر بالليل وأسير أنا في النهار، وإن شئت فأقم بالنهار وأسير أنا بالليل، فاختار لقيم أن يسير بالليل ويقيم بالنهار، واختار لقمان أن يسير بالنهار، فأخذ لقيم حصّته من الإبل، فجعل إذا كان بالنهار رعى إبله ونام، حتى إذا كان بالليل سار بابله ليله حتى يصبح، وكان يرعاها بالنهار ويسير بالليل، وكان لقمان يسير بالنهار فتشغل ابله بالرعية عن السير وينام الليل، فجعلت إبله لا ترعى كثيرا فضمرت، وأبطأ في السير فسبقه لقيم، فلما أتى أهله نحر جزورا فأكلوها، وكان للقمان ابنة يقال لها صحر، فخبأت له من الجزور لحما تتحف به لقمان إذا جاء، فلما جاء لقمان طبخته أو شوته، ثم استقبلته به قبل أن ينتهي إلى الحيّ، فلما طعم من اللحم قال: ما هذا؟ قالت: من لحوم العريضات أثرا، قال: ومن أين لك هذا؟ قالت: جاء لقيم فنحر جزورا، وكان لقمان يحسب أنه قد سبق لقيما، فلما أخبرته أسف، فلطمها لطمة قال بعض من يحدّث: ماتت منها، وقال بعضهم: القى اضراسها، وقال الناس: ذنب صحر أنها اتحفته وأكرمته وصدقته فلطمها «١» ، فصارت مثلا. وقال خفاف بن ندبة السلمي «٢» : وعباس يدبّ لي المنايا ... وما أذنبت إلا ذنب صحر وكيف يلومني في حبّ قوم ... أبي منهم وأمي أمّ عمرو وزعموا أن لقمان بن عاد كان إذا اشتد الشتاء وكلب أشدّ ما يكون [شدّ] راحلة موطنة «٣» لا ترغو ولا يسمع لها صوت فيشتدّها برحلها ثم يقول للناس، حين يكاد البرد يقتلهم: ألا من كان غازيا فليغز «٤» ، فلما شبّ لقيم ابن أخته اتخذ راحلة مثل راحلته فوطنها «٥» ، فلما كان حين نادى لقمان: من كان غازيا فليغز قال لقيم: أنا معك إذا شئت، فلما رآه قد شدّ رحلها ولم يسمع لها رغاء قال لقمان: كأن برحل باتت «٦» ، قال

стр. 103

لقيم: وبرحلها باتت لقم «١» ، فذهب قولاهما مثلا. ثم إنهما سارا فأغارا فأصابا إبلا، ثم انصرفا نحو أهلهما، فنزلا فنحرا ناقة، فقال لقمان للقيم: أتعشي أم أعشي لك؟ قال لقيم: أيّ ذلك شئت، قال لقمان: اذهب فارع إبلك حتى النجم قمّ «٢» ترأس، وحتى ترى الجوازاء كأنها قطا نوافر «٣» ، وحتى ترى الشعرى كأنها نار، فإلا تكنّ عشّيت فقد آنيت «٤» ، فقال له لقيم: نعم واطبخ أنت لحم جزورك، فإزّ ماء واغله حتى ترى الكراديس كأنها رؤوس شيوخ «٥» صلع، وحتى ترى الضلوع كأنها نساء حواسر، وحتى ترى الوذر «٦» كأنها قطا نوافر، وحتى ترى اللحم غطيا وغطفان «٧» ، فإلا تكن أنضجت فقد آنيت؛ فانطلق لقيم في إبله، ومكث لقمان يطبخ لحمه، فلما أظلم لقمان وهو بمكان يقال له شرج- وهو اليوم ماء لبني عبس- قطع سمرات من شرج فأوقد النار حتى أنضج لحمه، ثم حفر دونه خندقا فملأه نارا ثم واراها، فلما أقبل لقيم إلى مكانهما عرف المكان وأنكر ذهاب السمر فقال: أشبه شرج شرجا لو أن أسيمرا «٨» ، فأرسلها مثلا. ووقعت ناقة من إبله في تلك النار فنفرت، وعرف لقيم إنما صنع لقمان النار لتصيبه، وإنما حسده، فسكت عنه، ووجد لقمان قد نظم في سيفه لحما من لحم الجزور وكبدا وسناما حتى توارى سيفه، وهو يريد إذا ذهب لقيم ليأخذها أن ينحره بالسيف، ففطن له لقيم فقال: في نظم سيفك ما ترى يا لقم «٩» فأرسلها مثلا. وحسده لقمان الصحبة فقال: القسمة فقال لقمان: ما تطيب نفسي أن تقسم هذه الإبل إلا وأنا موثق فأوثقني، فأوثقه لقيم، فلما قسم الإبل سوّى القسمة وبقي من الإبل عشر أو نحوها، فجشعت نفس لقمان، فنحط نحطة تقطعت منها الانساع التي هو بها موثق، ثم قال لي الغادرة والمتغادرة والأفيل النادرة «١٠» فذهب قوله

стр. 104

مثلا. وقال لقيم: قبح الله النفس الخبيثة، هو لك، ثم افترقا. والغادرة: الباقية «١» ، والافيل تصغير إفال: الولد الصغير من الإبل. وزعموا أن ابن بيض كان رجلا من عاد تاجرا مكثرا، فكان لقمان يجيز له تجارته ويجيره ويعطيه في كل عام جارية وجلّة وراحلة «٢» فلما حضر ابن بيض الموت خاف لقمان على ماله فقال لابنه: فسر إلى ارض كذا وكذا ولا تقارن «٣» لقمان في ارضه فانّ له في عامنا هذا حلة وجارية وراحلة، فسر بأهلك ومالك، حتى إذا كنت بثنيّة بمكان كذا وكذا فاقطعها بأهلك ومالك، وضع للقمان فيها حقه، فإذا هو قبله فهو حقه عرفناه له واتقيناه به، وإن لم يقبله وبغى أدركه الله بالبغي والعدوان، فصار الفتى حتى قطع الثنية بأهله وماله، ووضع للقمان حقه فيها، وبلغ لقمان الخبر، فلحقهم، فلما كان في الثنية وجد حقه فيها فأخذه وانصرف وقال: سدّ ابن بيض الطريق «٤» فأرسلها مثلا. وقد ذكر ذلك شعراء العرب وقالوا فيه، قال عمرو بن أسود الطهوي «٥» : سددنا كما سدّ ابن بيض سبيله ... فلم يجدوا فرط «٦» الثنية مطلعا وقال عوف بن الأحوص العامري «٧» : سددنا كما سدّ ابن بيض فلم يكن ... سواها لذي احلام قومي مذهب وقال المخبل السعدي «٨» : لقد سدّ السبيل أبو حميد ... كما سدّ المخاطبة ابن بيض «٩» ١٤٦- هذا حظّ جدّ من المبناة . زعموا أن رجلا من عاد كان لبيبا حازما يقال له جدّ نزل على رجل من عاد وهو مسافر فبات عنده، ووجد عنده أضيافا قد اكثروا من الطعام والشراب قبله، وإنما طرقهم جد طروقا، وبات وهو يريد الدلجة من عندهم بليل، ففرش لهم رب البيت مبناة والمبناة: النطع- فناموا عنده، فسلح

стр. 105

بعض القوم الذين كانوا يشربون، فخاف جد أن يدلج فيظنّ ربّ البيت أنه هو فعل، فقطع حظه من النطع الذي نام عليه، ثم دعا رب المنزل حين أراد أن يدلج وقد طواه فقال: هذا حظّ جدّ من المبناة «١» ، فأرسلها مثلا، يقول انظر إليه ليس فيه شيء مما تكره. وقد ذكرته العرب في أشعارها، وقال مالك بن نويرة «٢» : ولما أتيتم ما تمنّى عدوّكم ... عدلت «٣» فراشي عنكم ووسادي وكنت كجدّ حين قدّ بسهمه ... حذار الخلاط حصّه بسواد وقال خراش بن شمير المحاربي «٤» : ألا يتقي من كاس إن ضاع ضائع ... وكلّ امرىء لله باد مقاتله فيأثر بالتقوى ويحتاز نفسه ... إذا بادر الميقات حينا يغاوله كما احتاز جدّ حظه من فراشه ... بمبراته في أمره إذ يزاوله ١٤٧- رميت فرميت، وأثنيت فأثنيت، إلى ذلك ما حيّ حيّ أو مات ميت . ١٤٨- لا فتى إلّا عمرو . ١٤٩- حس، إحدى حظيات لقمان . ١٥٠- أضرطا آخر اليوم وقد زال الظهر . زعموا «٥» أنه كان بين لقمان بن عاد وبين رجلين من عاد يقال لهما عمرو وكعب ابنا تقن مغاورة، وكانا من أشدّ عاد وأدهاها وأنكرها، وكانا ربّي إبل، وكان لقمان ربّ غنم، فأعجب لقمان الإبل، فأرادهما عنها فأبيا أن يبيعاه، فعمد إلى ألبان غنمه من ضأن ومعزى فجمع لبنا كثيرا ثم أتى تلعة هما بأسفلها، فأسال ذلك اللبن وفيه زبد كثير وأنافح من أنافح السخل، فلما رأيا ذلك قال: إحدى سحيبات لقمان هي، فلم يلتفتا إلى ذلك ولم يرغبا في ألبان الغنم، فلما رأى ذلك لقمان قال: خر خرير الانفح والنقد «٦» المذبح، اشترياها ابني تقن، أقبلت ميسا، وأدبرت هيسا «٧» ، وملأت البيت أقطا وحيسا، اشترياها ابني تقن، إنها الضأن تجزّ جفالا «٨» ، وتنتج رخالا «٩» وتحلب كثبا ثقالا، قالا: انصرف لا نشتريها يا لقم،

стр. 106

إنها الإبل حملن فأثقلن «١» ، وزجرن «٢» فأعنقن، وبغير ذلك اقلعن «٣» ، بغزرهن «٤» إذا قظن. فلما لم يبيعاه الإبل ولم يشتريا منه الغنم جعل يراودهما، وكانا يهابانه، وكان يلتمس أن يغفلا فيشدّ على الإبل فيطرها فلما كان ذات يوم أصابا أرنبا وهو يرصدهما رجاءة أن يصيب غفلتهما فيذهب بالإبل، فأخذ أحدهما صفيحة من الصفا فجعلها في أيديهما ثم جعل عليها كومة من التراب «٥» ، فملّا الأرنب، فلما أنضجاها نفضا عنها التراب فأكلاها «٦» ولما رآهما لقمان لا يغفلان عن إبلهما ولم يجد فيهما مطمعا لقيهما ومع كلّ واحد منهما جفير مملوء نبلا، وليس معه غير سهمين، فخدعهما فقال: ما تصنعان بهذه النبل الكثيرة التي معكما؟ إنما هي حطب، فو الله ما أحمل غير سهمين، فإن لم أصب بهما فلست بمصيب، ثم قال رميت فرميت، وأثنيت فأثنيت، إلى ذلك ما حيّ حيّ أو مات ميت «٧» ، فأرسلها مثلا. فعمدا إلى نبلهما فنثراها غير سهمين، فعمد إلى النبل فحواها، فلم يصب لقمان فيهما بعد ذلك غرة. وكانت فما يذكرون لعمرو بن تقن امرأة فطلقها فتزوجها لقمان، فكانت المرأة وهي عند لقمان تكثر أن تقول: لا فتى إلا عمرو «٨» فأرسلتها مثلا، فكان ذلك يغيظ لقمان ويسوؤه كثرة ذكرها عمرا فقال لقمان: قد أكثرت في عمرو، فو الله لأقتلنّ عمرا، فقالت: إنك لن تفعل «٩» ، وكانت لابني تقن سمرة عظيمة يستظلان فيها حتى ترد إبلهما فيسقياها، فصعد فيها لقمان، واتخذ فيها عشا، ورجا أن يصيب من ابني تقن غرة، فلما وردت الإبل تجّرد عمرو وأكبّ على البئر يستقي، فرماه لقمان من فوقه بسهم في ظهره، فقال: حس، إحدى حظيات لقمان «١٠» ثم أهوى إلى السهم فانتزعه، فرفع رأسه في الشجرة فإذا هو بلقمان، فقال: انزل، فنزل، فقال: استق بهذا الدلو، فزعموا أن لقمان لما أراد أن يرفع الدلو حين امتلأ نهض فضرط، فقال له عمرو بن تقن: أضرطا آخر اليوم وقد زال الظهر «١١» ، فأرسلها مثلا. ثم إن عمرا أراد أن يقتل لقمان، فتبسم

стр. 107

لقمان، فقال عمرو: أضاحك أنت؟ فقال لقمان: ما أضحك إلا من نفسي، أما إني قد نهيت عمّا ترى، قال: ومن نهاك؟ قال: فلانة، قال: أفلي عليك إن وهبتك لها لتعلمّنها ذلك؟ قال: نعم فخلى سبيله، فأتاها لقمان «١» فقال: لا فتى إلا عمرو، قالت: أقد لقيته؟ قال: نعم قد لقيته فكان كذا وكذا، ثم أسرني فأراد قتلي، ثم وهبني لك، فقالت: لا فتى إلا عمرو. زعموا «٢» أن لقمان كان يقول: إذا أمسى النجم، قم رأس، ففي الدثار فاخنس، وسمناهنّ فاحدس «٣» ، وأنهش بنيك وأنهس، وإن سئلت فاعبس. أحدس: أضجعها فاذبحها، وأنهس: أي أطعم بنيك، خنس في البيت: إذا قعد. وقال «٤» : إذا طلعت الشعري سفرا- أي عشيا- ولم تر فيها مطرا، فلا تغذون إمّرة ولا امرا، وأرسل العراضات أثرا، يبغينك في الأرض معمرا «٥» . سفرا: غروب الشمس قبل أن يغيب الشفق، يقول لا تغذون جذعا جديا ولا عناقا على هذا القليل. ١٥١- سمّن كلبك يتبعك . زعموا أنه كان لرجل من طسم كلب فكان يسقيه اللبن ويطعمه اللحم ويسمنه ويرجو أن يصيد به أو يحرس غنمه، فأتاه ذات يوم وهو جائع فوثب عليه الكلب فأكله فقيل: سمّن كلبك يأكلك «٦» ، فذهب مثلا. وقال بعض الشعراء «٧» : ككلب طسم وقد تربّبه ... يعلّه بالحليب في الغلس ظلّ عليه يوما يفرفره ... إلّا يلغ في الدماء ينتهس

стр. 108

يفرفره: أي يحركه برأسه ويقطعه. وقال مالك بن أسماء «١» : هم سمّنوا كلبا ليأكل بعضهم ... ولو ظفروا بالحزم لم يسمن الكلب «٢» وقال عوف بن الأحوص لقيس بن زهير العبسي «٣» : أراني وقيسا كالمسمّن كلبه ... فخدّشه أنيابه وأظافره ١٥٢- أيسر من لقمان . زعموا «٤» أن لقمان بن عاد جاور حيا من العمالقة، وهم عرب، فملأ عسا له لبنا، ثم قال لجارية له: انطلقي بهذا العس إلى سيّد هذا الحيّ فأعطيه إياه وإياك أن تسألي عن اسمه واسم أبيه، فانطلقت حتى أتتهم، فإذا هم بين لاعب وعامل في ضيعته ومقبل على أمره، حتى مرّت بثمانية نفر منهم، عليهم وقار وسكينة، ولهم هيئة، فقامت تتفرّس فيهم أيهم تعطي العسّ، فمرت بها أمة، فقالت لها جارية لقمان: أن مولاي أرسلني إلى سيد هذا الحيّ بهذا العسّ، ونهاني أن أسأل عن اسمه واسم أبيه، فقالت لها الأمة: إني واصفتهم لك فخذي أيهم شئت أو ذري، وفيهم سيد الحيّ، فقالت الأمة: أما هذا فبيض مرض مرضة وقد أسنت القوم فعدل مرضه عندهم إسناتهم، وقد كانوا يريدون المسير فأقاموا عليه فأوسع الحيّ دقيقا نفيضا، ولحما غريضا، ومسكا رفيضا، وكساهم ثيابا بيضا. وأما هذا فحممة: غداؤه في كل يوم بكرة سنمة، وبقرة شحمة، ونعجة كدمة؛ وأما هذا فطفيل: ليس في أهله بالمسرف النثر، ولا البخيل الحصر، ولا يمنع الحيّ من خير إن أتمروا. وأما هذا فذفافة: طرق الحي حشا من الليل، وولدان الحيّ يتحدثون عنده، فقام مشتملا، وسنان ثملا إلى جذعان الإبل، وهو يحسبها جندلا فقذفها إليهم قذفا لأولها زحيف، ولآخرها حفيف، ولأعناقها على أوساطها قصيف. وأما هذا فمالك: أولنا إذا دعينا، وحامينا إذا غزينا، ومطعم أولادنا إذا شتونا، ومفرج كل كربة إذا أعيت علينا. وأما هذا فثميل: غضبه حين يغضب ويل، وخيره حين يرضى سيل، في أهله عبد، وفي الجيش قيد، ولم تحمل أكرم منه على ظهورها إبل ولا خيل، وأما هذا ففرزعة إن لقي جائعا أشبعه، وإن لقي قرنا جعجعة- أي رمى به إلى الأرض- وقد خاب جيش لا يغزو معه. وأما هذا فعمار: صوات جآر، لا تخمد له نار، للمطيّ عقار، أخاذ ووذار. فناولت العسّ مالكا وكان سيدهم. فقال:

стр. 109

من أنت يا جارية؟ قالت: جارية لقمان بن عاد، قال: وكيف هو؟ قالت: شيخ كبير وهو بخير، قال: ويلك وكيف بصره؟ قالت: كليل، والإله لقد كلّ بصره، واسترخى شفره، فما يبصر إلا شفا- أي شيئا قليلا- وإنه على ذلك ليعرف الشعرة البيضاء بين صريح اللبن والرغوة، قال: فما بقي من قيافته؟ قالت: هو والله لقد ضعف بصره، واشتبهت الآثار عليه، وأنه على ذلك ليعرف أثر الذرة الأنثى من الذرة الذكر، في الصفا الأملس في ليلة ظلمة ومطر، قال: وكيف أكله؟ قالت: قليل، والإله لقد كلّ ضرسه، وانطوت أمعاؤه وما بقي من أكله إلا أنه يتغدّى جزورا ويتعشّى آخر، ويأكل بين ذلك جذعة من الإبل، قال: فما بقي من رمايته؟ قالت: قليل، والإله لقد ضعف عضده، وارعشت يده، وما بقي من رمايته إلا أنه إذا رمى لم تقم رابضة، ولم تربض قائمة، ولم تمسك مخطاة ولدا قال: ويلك كيف قوته؟ قالت: قليلة، والإله لقد رقّ عظمه، وانحنى ظهره، وضعفت قوته، وكبرت سنه، وما بقي من قوته إلا أنه إذا غدا في إبله احتفر لها ركية فأرواها، وإذا راح احتفر لها ركية فأرواها. وهؤلاء أيسار لقمان وإياهم عنى طرفة بقوله «١» : وهم أيسار لقمان إذا ... أغلت الشتوة أبداء الجزر «٢» وقال أوس بن حجر «٣» وأيسار لقمان بن عاد سماحة ... وجودا إذا ما الشّول أمست جرائرا ١٥٣- وفي النوى يكذبك الصادق: زعموا أن رجلا مضى في الدهر الأول كان له عبد لم يكذب قط، فبايعه رجل ليكذبنه، وجعلا الخطر بينهما أهلهما ومالهما، فلما تبايعا قال الذي زعم أن العبد يكذب لمولى العبد: أرسله فليبت عندي الليلة فإنه يكذبك إذا أصبح، فأرسله مولاه معه، فبات عنده، فأطعمه لحم حواء، وعمدوا إلى لبن حليب فجعلوه في سقاء قد حزر «٤» ، فخضخضوا ذلك اللبن الحليب فسقوه، وفيه طعم الحليب وفيه حزر السقاء، فلما أصبح الرجل احتمل وقال للعبد: الحق بأهلك، فلحق العبد حين احتمل القوم ولما يسيروا فلما توارى عنهم العبد حلّوا مكانهم في منزلهم الذي كانوا فيه، وأتى العبد سيده فقال له: ما قروك الليلة؟ فقال: أطعموني لحما لا غثا ولا سيمنا، وسقوني لبنا لا محضا ولا حقينا، قال: على أية حال تركتهم؟ قال: تركتهم

стр. 110

قد ظعنوا فاستقلوا، فما أدري أساروا بعد أو حلّوا: وفي النوى يكذبك الصادق «١» ، فأرسلها مثلا، وأحرز مولاه مال الذي بايعه وأهله. ١٥٤- بأبي وجوه اليتامى . زعموا أن النعمان بن المنذر اتخذ مجلسا قريبا من قصره بالحيرة، فجعل تحته طاقات وجصّصه، فكان أبيض، وكان ذلك المجلس يسمى ضاحكا لبياضه، وكان للنعمان فرس يقال له اليحموم، وقد ذكرته العرب في أشعارها، قال لبيد بن ربيعة «٢» : لو كان شيء «٣» في الحياة مخلدا ... في الدهر أدركه أبو يكسوم والحارثان كلاهما ومحرّق ... والتبعان وفارس اليحموم وقال الأعشى «٤» : ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بنعمته يعطي القطوط ويأفق «٥» ويجبى إليه السّيلحون ودونها ... صريفون في أنهارها والخورنق ويأمر لليحموم كلّ عشية ... بقتّ وتعليق فقد كذا يسنق «٦» وكان للنعمان أخ من الرضاعة من أهل هجر «٧» يقال له سعد القرقرة، وكان من أضحك الناس وأبطلهم، وكان يضحك النعمان ويعجبه، وسعد الذي يقول «٨» : ليت شعري متى تخبّ بي الن ... اقة نحو العذيب فالصيبون «٩» محقبا زكرة وخبز رقاق ... وحباقا وقطعة من نون فزعموا أن النعمان قعد في مجلسه ذات يوم ضاحكا، فأتى بحمار وحش، فدعا بفرسه اليحموم، فقال: احملوا سعدا على اليحموم واعطوه مطردا وخلّوا عن هذا الحمار حتى يطلبه سعد فيصرعه، فقال سعد: إني إذن أصرع عن الفرس، ومالي ولهذا؟ قال النعمان: والله لتحملنه، فحمل على اليحموم، ودفع إليه المطرد، وخلّي الحمار، فنظر سعد إلى بعض بنيه قائما في النظارين فقال: بأبي وجوه اليتامى «١٠»
следующие страницы →