← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9086

فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

زكريا الأنصاري

Полный текст (633 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

إن قلتَ: ما فائدتُه بعد قوله " سَفَهاً " مع أن السَّفه لا يكون إلا بغيرِ علم؟! قلتُ: معنى قوله تعالى " بغير علْمِ " بغير حُجَّة. ٤٤ - قوله تعالى: (قَدْ ضَلُّوا وَمَا كانُوا مُهْتَدِينَ) . فائدتُه بعد قوله " قَدْ ضَلًّوا " أنهم بعدما ضلُّوا، لم يهتدوا مرَّة أُخرى. ٤٥ - قوله تعالى: (كلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أثْمَرَ. .) إن قلتَ: ما فائدةُ ذكرِه بعد قوله " كلُوا من ثَمَرهِ) مع أنَّه معلومٌ أنه إنما يُؤْكل من ثمره إذا أثمر؟ قلتُ: فائدتُه نفيُ توهُّم توقًّف إباحة أكلهِ، على بُدُوِّ صلاحه. ٤٦ - قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّاَ أن يَكُونَ مَيْتَةً) الآية، أي لا أجد

стр. 177

فيه محرَّماً، ممَّا كانوا يُحَرِّمونه في الجاهلية " إلَّا أنْ يَكُون مَيْتَةً " إلى آخره، وإلا ففي القرآن تحريمُ أشياء أُخَرَ غَيْرَ ذلك، كالرِّبا، وأكلِ مالِ اليتامى، ومالِ الغير بالباطلِ. ٤٧ - قوله تعالى: (فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِين) فإن قلتَ: كيف قال في الجواب ذلك، مع أنَّ المحلَّ محلُّ عقوبة، فكان الأنسبُ أن يُقال: فقل ربُّكُمْ ذو عقوبة شديدة؟! قلتُ: إنما قال ذلك نفياً للاغترار بسعة رحمته، في الاجتراء على معصيته، وذلك أبلغُ في التهديد، معناه: لا تغتروا بسعة رحمته، فإنه مع ذلك لا يُرَدُّ عذابه عنكم. ٤٨ - قوله تعالى: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكنَا وَلَا آبَاؤُنا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ. .) الآية. قال ذلك هنا، وقال في النحل: (لَوْ شَاءَ

стр. 178

اللهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ منْ شيءٍ نحن ولا آباؤنا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيءٍ. .) . بزيادةِ " مِنْ دُونهِ " مرتين، وزيادة " نَحْنُ ". لأن الإِشراك يدلُّ على إثبات شريكٍ لا يجوز إثباته، وعلى تحريم أشياء من دون الله، فلم يحتج إلى " منْ دونهِ " فحُذِفَ، وتبعَهُ في الحذفِ " نحنُ " طرداَ للتخفيف. بخلاف العبادة فإنها غيرُ مستنكرة، وإنما المستنكرُ عبادةُ شيءٍ مع الله، ولا يدلُّ لفظها على تحريم شيء، كما دلَّ عليه " أشرك " فلم يكنْ بُد من تقييده بقوله " من دونه " وناسب استيفاءُ الكلام فيه زيادةُ " نحنُ " وظاهرٌ أنَّ زيادة ذكرِ التحريم في آية " لو شاءَ اللَّهُ ما أشركنا " تصريحٌ بما أفاده لفظ " أشركنا ". ٤٩ - قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإيَّاهُمْ) الآية، قال ذلك هنا، وقال في الإِسراء " وَلَا تَقتلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إمْلَاقٍ نحنُ نرزقُهُم وَإيَاكُمْ ".

стр. 179

قدَّم هنا المخاطبين على الغائبين، وعكسَ ثَمَّ، لأن ظاهر قوله هنا " منْ إملَاقٍ " أي فقر، أن الِإملاق حاصلٌ للوالديْنِ المخاطبين، لا توقُّعُهُ فبُدىء بهم، وظاهر قوله ثَمَّ " خشيَةَ إملاق " أَن الِإملاق متوقّعٌ بهم وهم موسرون، فبُدىء بالأولاد، فما هنا يفيد النهي للآباء عن قتلِ الأولاد وإن تلبَّسوا بالفقر، وما هناك يُفيده وإن تلبَّسوا باليُسر. ٥٥ - قوله تعالى: (وَإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلو كانَ ذَا قُرْبَى. .) الآية. إن قلتَ: لم خصَّ العدل بالقول، مع أن الفعل إلى العدل أحوج، فإن الضَّررَ الناشىء من الجور الفعلي، أقوى من الضَّرر الناشىء من الجور القوليِّ قلتُ: إنما خصَّه بالقول، ليُعلم وجوب العدل في الفعل بالأولى، كما في قوله تعالى " ولا تقُلْ لهما أُفٍّ ". ٥١ - قوله تعالى: (ذَلِكُمْ وَصَّاكمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) . ختم الآية الأولى بقوله " تعقلون "، والثانية بقوله

стр. 180

" تذكَّرون "، والثالثة بقوله " تَتَّقُونَ ". لأن الأولى اشتملت على خمسةِ أشياء عظام، والوصيَّةُ فيها أبلغ منها في غيرها، فختمها بما في الِإنسان من أعظم السجايا وهو " العقل " الذي امتاز به على سائر الحيوان. والثانية: اشتملت على خمسة أشياء يقبُحُ ارتكابُها، والوصيَّةُ فيها تجري مجرى الزجر والوعظ، فختمها بقوله " تذكَرون " أي تتعظون. والثالثة: اشتملت على ذكرِ الصِّراط المستقيم، والتحريض على اتباعه واجتناب مُنافيه، فختمها بالتقوى التي هي ملاكُ العمل، وخير الزَّاد. ٥٢ - قوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخْرَ ى. .) إن قلتَ: هو منافٍ لنحو قولِه تعالى: " وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ " ولخبر " من عمل سيئة فعليه وزرها ووزرُ من عمل بها إلى يوم القيامة " (١) قلتُ: لا منافاةَ إذِ الوزرُ في الآيةِ الأولى، محمولٌ على

стр. 181

من لم يتسبَّبْ في الفعل بوجهٍ، وفيما عداها على من تسبَّب فيه بوجه كالأمر به، والدلالة عليه، فعليه وزرٌ مباشرته له، ووزرُ تسبُّبه فيه. ٥٣ - قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ. .) الآية. قال ذلك هنا، وقال في " يونس " و " فاطر " (خَلَائِفَ فِي الَأرْضِ) لأن ما ههنا تكرَّرَ قبلَه ذكرُ المخاطبين مراتٍ، فعرَّفهم بالإِضافة، وما في السورتين جاء على الأصل، كما في قوله تعالى (إنِّي جاعِلٌ في الَأرْضِ خَلِيفَةً) وقوله: (وَأَنْفَقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيه) . ٥٤ - قوله تعالى: (إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقَابِ وَإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) وقال في الأعراف " إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقَابِ وإنَّه لَغَفُورٌ رحيمٌ " باللَّام في الجملتين، لأنَّ ما هنا وقع بعد قوله " مَنْ جَاءَ بالحسنة فلهُ عشرُ أمثالها " وقوله " وهو الذي جعلكم خلائف الأرض " فأتى باللَّام المؤكدة في الجملة الثانية فقط، ترجيحاً للغُفران على سرعة العقاب.

стр. 182

وما هناك وقع بعد قوله " وأخذنا الَّذين ظَلَمُوا بعذابٍ بئيس " وقوله " فقلنا لهم كونوا قردةً خاسئين " فأتى باللَّام في الجملة الأولى، لمناسبة ما قبلها، وفي الثانية تَبَعاً للَّام في الأولى. فإن قلتَ: كيف قال " سريعُ العقابِ " مع أنه حليمٌ، والحليمُ لا يُعَجِّل بالعقوبة على من عصاه؟! قلتُ: معنى " سريع " شديدٌ، أو المعنى سريعُ العقاب إِذا جاء وقته. " انتهت سورة الأنعام "

стр. 183

سُورَة الأعراف ١ - قوله تعالى: (كتَابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ منه) . أي ضيق من الكتاب أن تبلِّغه مخافة أن تُكذَّب، والنَّهيُ في اللفظ للحرَج، والمرادُ الخاطبُ، مبالغةً في النهي عن ذلك، كأنه قيل: لا تتسبَّبْ في شيء ينشأ منه حرجٌ، وهو من باب " لَا أرينَّك ههنا " النهيُ في اللفظ للمتكلَم، والمرادُ المخاطبُ، أي لا تكن بحضرتي فأراك، ومثلُه " فلا يَصُدَّنَّكَ عنها من لا يُؤْمِنْ بها ". ٢ - قوله تعالى: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) أي أردنا إهلاكها. ٣ - قوله تعالى: (وَالوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَنْ ثقُلَتْ

стр. 184

مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ) جَمَع ميزان القيامة مع أنه واحدٌ، باعتبار تعدُّد ما يُوزن به من الأعمال، أو باعتبار أنه يقوم مقام موازين كثيرة، لأنه يميز الذَّرة وما هو كالجبال. فإن قلتَ: الأعمالُ أعراضٌ فكيف تُوزن؟! قلتُ: يصيِّرها اللهُ أجساماً، أو الموزون صحائفُها ٤ - قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) أتى ب " ثُمَّ " الثانية وهي للترتيب، مع أنَّ الأمر بالسجود لآدم، كان قبل خلقنا وتصويرنا. لأن " ثُمَّ " هنا للترتيب الِإخباري، أو لتفاوت ما بين نعمتيْ السجود له وما قبله، لأن السجود له أكمل إحساناً، وأتمّ إنعاماً مما قبله.

стр. 185

أو المراد: ولقد خلقنا أباكم ثم صوَّرناه، بحذفِ مضافٍ. ٥ - قوله تعالى: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ إذْ أَمَرْتُكَ) الآية، قال ذلك هنا، وقال في الحِجْر: " قال يا إبليسُ مالكَ أَلَّا تكونَ مع الساجدينَ ". وفي (ص) : " قال يا إبليسُ ما منعَكَ أن تسجدَ لما خلقت بيديَّ " بزيادة " يا إبليسُ " فيهما. لأن خطابه هنا قَرُبَ من ذكره، فحسن حذفُ ذلك، وفي تيْنِك لم يقرب منه قربه هنا، فحسُن ذكره. وأما قولُه هنا وفي (ص) " مَنَعَكَ " وفي الحِجْر " مَالَكَ " فتفنُّنٌ، جرياً على عادة العرب في تفنّنهم في الكلام. وقولُه " أَلَّا تسجد " قال ذلك بزيادة " لا " كما في قوله تعالى " لِئَلاَّ يعلمَ أهْلُ الكِتابِ " وقال في " ص " بحذفها، وهو الأصلُ، فزيادتها هنا لتأكيد معنى النَّفي في " مَنَعَكَ ".

стр. 186

أو لتضمين " مَنَعَك " حَمَلَك، وهي على الثاني ليست زائدةً في المعنى. ٦ - قوله تعالى: (قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبرَ فِيها) أي في السماء. . خصَّها بالذِّكر لأنها مقرُّ الملائكةِ المطيعين، الذين لا يعصون اللَّهَ، وإلّاَ فليس لِإبليس أن يتكبَّر في الأرضِ أيضاً. ٧ - قوله تعالى: (قَالَ أَنْظِرْني إلَى يَوْمِ يبعثونَ) قاله هنا بحذف الفاء، موافقةً لحَذفِ " يَا إبليس " هنا. - وقال في " الحِجْر " و " ص " بذكرها، موافقة لذكره ثَمَّ، لما تضمَّنه النداء من " أدعوك " وأناديك، كما في قوله تعالى " ربنا فاغفر لنا ذنوبنا ". ٨ - قوله تعالى: (قَالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ) قاله هنا بحذف الفاء موافقةً لحذفها في السؤال هنا. وقال في " الحجر " و " ص " بذكرها موافقةً لذكرها فيه ثَمَ.

стр. 187

فإن قلتَ: كيف أُجيبَ إبليس إلى الإِنظار، مع أنه إنما طلبه ليُفسد أحوال عباد اللَّهِ تعالى؟! قلتُ: لما في ذلك من ابتلاء العباد، ولما في مخالفته من أعظم الثواب. ٩ - قوله تعالى: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَني لَأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطِكَ المُسْتَقِيمَ) . قال ذلك هنا بالفاء، وفي الحِجْر بحذفها، مع اتفاقهما في مدخول الباء. وقال في " صَ ": " فَبِعِزَّتِكَ " بالفاء، مع مخالفته لتيْنك في مدخول الباء. لأنَّ " الفاء " وقعت هنا في محلها، وفي " ص " لأنها متسببة عما قبلها، ولا مانع فحسنت، ولم تحسُن في " الحِجْر " لوقوع النِّداء ثَمَّ في قوله (رَبِّ بما أَغْوَيْتَني) والنداء يُستانف له الكلام وُيقطع، و " الباءُ " في المواضع الثلاثة للسببيَّة، أو للقَسَم، وما بعدها في " ص " موافقٌ لما بعدها في غيرها في المعنى، وإن خالفه لفظاً، فلا اختلاف في الحقيقة، إذ غوى اللهِ للشيطانِ يتضمَّنُ عزته تعالى.

стр. 188

١٥ - قوله تعالى: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوآتِهِما. .) . اللاَّم فيه " لامُ العاقبة " والصَّيرورة، لا " لامُ كيْ "، لأن الغرض إخراجهما من الجنَّة، لا كشف عورتهما، كما في قوله تعالى (فالتقطَهُ آلُ فِرعونَ ليكونَ لهمْ عَدُوًّا وَحَزَناً) وقول الشاعر: لِدُوا للمَوْتِ وابْنُوا للخَرَاب فكلكمُ يَصير إلى التُّراب ١١ - قوله تعالى: (كَمَا بَدَأكم تَعُودُونَ. .) إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أنه تعالى بدأَنا أوَّلًا نطفةً، ثم عَلَقة، ثم مضغةً، ثم عظاماً، ثمَّ لحماً، ونحن نعودُ بعد الموتِ كذلك؟ قلتُ: معناه: كما بدأكم من تُرابِ، كذلك تعودون منه!! أو كما أوجدكم بعد العدم، كذلكَ يعيدكم بعده. .

стр. 189

فالتشبيهُ في نفسِ الِإحياءِ والخلق، لا في الكيفيَّة والترتيب. ١٢ - قوله تعالى: (قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ القِيامة. .) الآية. إنْ قلتَ: كيف أخبر عن الزِّينة والطيِّبات، بأنهما للذينَ آمنوا في الحياة الدنيا، مع أنَّ المشاهدَ أنهما لغير الذين آمنوا أكثر وأدوم؟ قلتُ: في الآية إضمارٌ تقديره: قل هي للذين آمنوا غير خالصةٍ في الحياة الدنيا، خالصةٌ للمؤمنين يوم القيامة. ١٣ - قوله تعالى: (فَإذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) . قاله هنا وفي سائر المواضع بالفاء، إلَّا في " يونس " فبحذفِها، لأن مدخولها في غير يونس، جملةٌ معطوفةٌ على أخرى، مصدَّرة بالواو، وبينها

стр. 190

اتِّصالٌ وتعقيبٌ، فحسُنَ الِإتيان بالفاء، الدالة على التعقيب، بخلاف ما في يونس. وقولُه: في الآية " ولا يستقدمون " معطوفٌ على الجملة الشرطية، لا على جواب الشرط، إذْ لا يصحُّ ترتُّبه على الشرط.. ٤ ١ - قوله تعالى: (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) . إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن الميراث هو ما ينتقل من ميِّتٍ إلى حيٍّ، وهو مفقودٌ هنا؟! قلتُ: بل هو تشبيهُ أهل الجنة وأهل النَّار بالوارث والموروث عنه، لأن الله خلق في الجنَّة منازل للكفار، بتقدير إيمانهم، فمن لم يُؤمن منهم جُعل منزلُه لأهل الجنة. أو لأنَّ: دخول الجنة، لا يكون إلا برحمة الله تعالى لا بعمل، فأشبه الميراثَ، وإن كانت الدرجاتُ فيها بحسب الأعمال.

стр. 191

١٥ - قوله تعالى: (الَّذِين يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ) . قال ذلك هنا، وقال في هود " وهمْ بالآخِرةِ همْ كَافِرونَ " لأنَّ ما هنا جاء على الأصل، وتقديره: وهم كَافرون بالآخرة، فقدَّم " بالآخرة " رعايةً للفواصل. وما في هود، وقع بعد قوله تعالى (ويقولُ الأشهادُ هؤلاءِ الذينَ كَذَبوا على ربهم أَلَا لعنةُ اللَّهِ على الظَّالمينَ) والقياسُ عليهم، فلمَّا عَبَّر عنهم بالظَّالمين، التبسَ أنهم هم الذين كَذَبوا على ربِّهم أم غيرهُم، فقال: " وهمْ بالآخرةِ همْ كافرونَ " ليُعلم أنهم هم المذكورون لا غيرُهم. ١٦ - قوله تعالى: (وَلَا تُفْسِدُوا في الأَرْضِ بَعْدَ إضلاَحِهَا. .) الآية، أي بعد أن أصلحها اللَّهُ، بالأمر بالعدلِ، وإرسالِ الرسل. أو بعد أن أصلح اللَّهُ أهلَها، بحذف مضاف.

стр. 192

١٧ - قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُرسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمتِهِ.) الآية. قاله هنا: وفي " الروم " بلفظ المضارع. وقال في: ((الفرقان " و " فاطر ": أرسلَ بلفظ الماضي. لأنَّ ما هنا تقدَّمه ذكرُ الخوف والطَّمع في قوله تعالى: (وادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً) وهما للمستقبل. وما في الروم، تقدَّمه التعبيرُ بالمضارع مرَّاتٍ في قوله تعالى: (ومن آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مبشِّرَاتٍ) الآية، فناسبَ ذكرُ المضارع فيهما. وما في " الفرقان " تقدَّمه التعبيرُ بالماضي مرَّاتِ، في قوله تعالى (أَلمْ ترَ إلىَ ربكَ كيفَ مدَّ الظِّلَّ) وتأخًّر عنه ذلك في قوله " وهو الذي مرج البحرين " الآية.

стр. 193

وما في " فاطر " تقدَّمه في أولها " فاطر " و " جاعل " وهما بمعنى الماضي، فناسب ذكرُ الماضي في السورتين. ١٨ - قوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نوحاً إِلَى قَوْمِهِ. .) الآية. قاله هنا بغير واو، وقاله في " هود " و " المؤمنين " بواوٍ. لأنَّ ما هنا مستأنفٌ لم يتقدَّمه ذكرُ نبيٍّ، وما في هود تقدَّمه ذكرُ الأنبياء مرَّةً بعد أخرى، وما في المؤمنين تقدَّمه " ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق " وقوله " وعليها وعلى الفُلك تُحملون " وكلّها بالواو، فناسب ذكرها فيهما. ١٩ - قوله تعالى: (قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ. .) . الآية قاله هنا في قصة " نوح " و " هود " بلا فاء، لأنه خرج مخرج الابتداء وإن تضمَّن الجواب، كما في قوله تعالى (قالوا نحنُ أعلمُ بمنْ فيها) بعد قوله (قال إن فيها لوطاً) . وقاله في " هود " و " المؤمنين " بالفاء، لأنه وقع

стр. 194

جواباً لما قبله، فناسبتْه الفاء. فإن قلتَ: كيف وصفَ الملَأ ب " الذين كفروا " في قصة هود، دون قصة نوحٍ عليهما الصلاة والسَّلام؟! قلت: لأنه كان قد آمنَ بهودٍ بعضُهم، فلم يكونوا كلهم قائلين له " إنا لنراكَ في سفاهة " بخلاف قوم نوحٍ، فإنه لم يكن فيهم من آمن به إذ ذاك. وَنُقِضَ بأنه تعالى، وصف أيضاً الملأ من قوم نوحٍ بالكفر في سورة هود. وأُجيب بجواز كون هذا القول وقع مرتين، المرة الثانية بعد إيمان بعضهم، بخلاف المرة الأولى. ٢٥ - قوله تعالى في قصة نوح: (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ. .) . قال فيها بلفظ المضارع في الجملة الثانية، مناسبة للمضارع في الُأولى، كما عطف الماضي على الماضي في قوله (لقدْ أبلغتكُمْ رِسَالَاتِ رَبَي ونصحتُ لكم) .

стр. 195

وقاله في قصة هود بلفظ اسم الفاعل، مناسبةً لاسم الفاعل قبله في قوله (وإنَّا لنظنُّكَ من الكاذبينَ) وبعده في قوله " أمينٌ ". وعبَّر في قصة " نوحٍ " و " هود " بالمضارع في الجملة الأولى، وفي قصة " صالح " و " شعيب " بالماضي فيهمِا، لأن ما في الأَوَّلَيْن وقع في ابتداء الرسالة، وما في الآخرَيْن وقع في آخرها. ٢١ - قوله تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا في دَارِهِمْ جَاثِمينَ) . قاله هنا مرتين، وفي العنكبوت مرَّةً، بالِإفراد. وقال في " هود " فأصبخوا في دِيَارِهمْ جَاثمينَ " مرتين بالجمع لأن ما في المواضع الأوَل، تقدَّمه ذكرُ الرِّجفة

стр. 196

أي الزلزلة، وهي تختصُّ بجزءٍ من الأرض، فناسبها الِإفراد. وما في الأخيرين، تقدَّمه ذكرُ الصَّيْحة، وكانت من السًماء، وهي زائدةٌ على الرجفة، فناسبها الجمعُ. ٢٢ - قوله تعالى: في قصة صالح: (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي) قال ذلك فيها بالتوحيد، وقاله في قصة شعب بالجمع.. لأن ما أمر به شعيبِّ قومَه من التوحيد، وإيفاء الكيل، والنًهي عن الصِّدِّ، وإقامة الوزنِ بالقسط، أكثرُ ممَّا أمرَ به صالحٌ قومه. أو لأن شعيباً: أُرسل إلى أصحاب الأيكة، وإلى مدين، فجُمعَ باعتبار تعدُّد الرسَل إليهم. . و " صالح " ﵇ وحَّد باعتبار الجنس. فإن قلتَ: كيف قال صالح لقومه، بعد ما أخذتهم الرجفةُ وماتوا: " يا قومِ لقد أبلغتكُمُ رسالة ربي " الآية، ومخاطبةُ الحيِّ للميِّت لا فائدة فيه؟ قلتُ: بل فيه فائدة، وهي نصيحة غيره، فإن ذلك

стр. 197

يُستعمل عُرفاً فيما ذكر، لأن من نصح غيره فلم يَقبل منه حتى قُتل، ويراه ناصحُه فإنه يقول له: كم نصحتُك فلم تقبل حتى أصابك هذا!! حثًّا للسَّامعين له، على قبولهم النصيحة. ٢٣ - قوله تعالى: (بَلْ أَنْتُمْ قَوْم مُسْرِفُون) . عبَّر هنا بلفظ السَّرف والاسم، وفي " النَّمل " بلفظ الجهل والفعل تكثيراً للفائدة في التعبير عن المراد، بلفظيْن متساوييْن معنىً، إذْ كلُّ سَرَفٍ جهلٌ، وبالعكس، ورعايةً للفواصل في التعبير بالاسم والفعل، إذِ الفواصلُ هنا أسماء وهي: " العالمين، المرسلين، النَّاصحين " إلى آخرها. وفي النَّمل أفعال وهي: " يعلمون، يتقون، يبصرون " فناسب الاسم هنا، والفعلُ ثَمَّ. ٢٤ - قوله تعالى: (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلَّا أَنْ

стр. 198

قَالُوا أخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيتكُمْ. .) قاله هنا بالواو، وفي " النمل " وفي " العنكبوت " في الموضعيْن بالفاء. لأن ما هنا: تقدَّمه اسمٌ هو " مُسْرِفونَ " والاسم لا يناسبه التعقيبُ. وما في تَيْنِكَ تقدَّمه فعلٌ، هو " تجهلون " و " تقطعون " و " تأتون في ناديكُمُ المنكر "، والفعل يناسبُه التعقيبُ، فناسبَ ذكرُ الفاءِ الدَّالة عليه ثَمَّ، وذكرُ " الواو " هنا. ٢٥ - قوله تعالى: (لَنُخْرِجنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتنَا. .) . فيه تغليبُ الجمعِ على الواحد، إذ منهم شعيبٌ، ولم يكن في ملَّتهم حتى يعود إليها، وكذا قول شعيب " إنْ عُدْنا في مِلَّتِكُمْ بعدَ إذْ نجَّانَا اللَّهُ منهَا " على أن " عادَ " تأتي بمعنى صار، كما في قوله تعالى (حتَّى عَادَ كالعُرْجونِ القَدِيمِ) والمعنى: إن صرنا في ملَّتكم.

стр. 199

٢٦ - قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنوا بِمَا كذَّبُوا مِنْ قَبْلُ. .) . قاله هنا بحذف المعمول وهو " به ". . وفي " يونس " بإثباتِه تَبَعاً لما قبلهما في الموضعين. إذْ قبلَ ما هنا " ولكنْ كذَّبوا " وقبل ما في يونس " كذبوا بآياتنا " بإثباته. ٢٧ - قوله تعالى: (وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبهمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ) . مع قوله بعدُ (كذَلكَ يَطْبَع اللَّه عَلَى قُلوبِ الكَافِرينَ) . قاله هنا أولًا بالنون، وإِضمار الفاعل، وثانياً بالياء وإِظهار الفاعل، وقال في " يونس " بالنون والإِضمار. . لأن الآيتين هنا تقدمهما الأمران: الياء مع الإِظهار مرتين في قوله تعالى: (أفأمنوا مكر اللَّهِ

стр. 200

فلا يأمن مكرَ اللَّهِ إلا القومُ الخاسرونَ) والنون مع الِإضمار في قوله (أنْ لَوْ نشاءُ أَصَبْناهم بذنوبهم) فناسبَ الجمعُ بين الأمرين هنا. والآية ثَمَّ تقدَّمها النونُ مع الِإضمار فقط، في قوله " نجيناهم " " وجعلناهم " " ثمَّ بعثنا " فناسبَ الاقتصار على النون مع الِإضمار ثَمَّ. ٢٨ - قوله تعالى: (قَالَ إنْ كنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأتِ بِهَا إنْ كنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) . إن قلتَ: لم قال فرعون هذا، بعد قوله " إن كنتَ جئتَ بآيةٍ "؟ قلتُ: معناه إن كنت جئتَ بآيةٍ من عند الله فأتني بها. فإن قلتَ: كيف قال تعالى هنا حكايةً عن السَّحرة الذين آمنوا وعن فرعون " قالوا آمنا بربّ العالمين. . إلى قوله " وتوفنا مسلمين " ثم حكى عنهم هذا في " طه " و " الشعراء " بزيادةٍ ونقصان، واختلاف ألفاظٍ في الألفاظ المنسوبة إليهم، والقصةُ واحدة، فكيف اختلفتا عبارتهم فيها؟ قلتُ: حكى الله ذلك عنهم مراراً، بألفاظ متساويةٍ

стр. 201

معنى، جرياً على عادة العرب فِى التفنًّن في الكلام، والحذفِ في محلٍّ، إحالةً على ذكره في محلٍّ آخر، وإنما خولف في ذلك، لئلا يُملَّ إذا تمحَّضَ تكرارُه. والحكمةُ في تكرار قصة موسى وغيرها من القصص، تأكيدُ التحدي، وإظهارُ الِإعجاز، ولهذا سمَّى الله القرآن " مثاني " لأنه تُثنَّى فيه الأخبارُ والقصص، أو إفادة الغائب عن المرَّة السابقة، فقد كان أصحابُ النبي ﷺ يحضرُ بعضُهم، ويغيبُ بعضُهم في الغزوات، فإذا حضر الغائبون، أكرمهم الله تعالى بإعادة الوحي، تشريفاً لهم. ٢٩ - قوله تعالى: (قَالَ المَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ) . إن قلتَ: كيف نسبَ القول هنا للملأ، ونسبه في الشعراء لفرعون في قوله تعالى " قَال للملأ حولَه إن هذا لساحرٌ عليمٌ "؟ قلتُ: قاله فرعون وهم، فحكى قوله ثَمَّ، وقولهم وحدهم أو معه هنا. ٣٠ - قوله تعالى: (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ

стр. 202

فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) . قاله هنا بحذف " بسحره " وقاله في الشعراء بإثباته، لأن الآية هنا بُنيتْ على الاختصار، ولأن ما قبل الآية هنا وهو " لساحر عليمٌ " يدلُّ على السحر، بخلاف الآية ثَمَّ. ٣١ - قوله تعالى: (قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي المَدَائِنِ حاشِرِين) قاله هنا بلفظ " وأَرْسِلْ " وفي الشعراء بلفظ " وابْعَثْ " وهما بمعنى واحد، تكثيراً للفائدة في التعبير عن المراد، بلفظيْن متساوييْن معنىً. ٣٢ - قوله تعالى: (يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيم) . قاله هنا وفي " يونس " بلفظ (سَاحِر) موافقةَ لما قبله، وهو " إنَّ هذا لَسَاحِرٌ عليم " هنا، و (إنَّه لا يفلحُ السَّاحِرونَ) في يونس. وقُرىء " بكل سَحَّار " موافقةً لما في الشعراء.

стр. 203

٣٣ - قوله تعالى: (قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذنَ لَكُمْ. .) . قاله هنا بلفظ " به " وقال في طه والشعراء بلفظ " له ". لأن الضمير هنا عائدٌ إلى ربِّ العالمين، وفي تَيْنِكَ إلى موسى، لقوله فيهما (إنَّهُ لَكبيرُكُمْ) . وقيل: " آمنتم بِهِ " و " آمنتُم له " واحد. ٣٤ - قوله تعالى: (وَقَالُوا مَهْمَا تَأتِنَا بِهِ مِنْ آيةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنَ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) . إن قلتَ: كيف سمَّوْا ذلكَ آيةً مع قولهم " لِتسْحرَنا بهَا "؟! قلتُ: إنما سمَّوْه آيةً استهزاءً بموسى، لا اعتقاداً أنه آية. ٣٥ - قوله تعالى: (وَدَمَّرْنَا مَا كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كانُوا يَعرِشُونَ) . إن قلتَ: ما الجمعُ بينه وبين قوله في الشعراء (فَأخرجناهُم من جَنَّاتٍ وعُيونٍ) ؟ الآية. قلتُ: معنى " دمَّرْنا " أبطلنا ما كان يصنع فرعون

стр. 204

وقومه، من المكر والكيد بموسى ﵇ " وَمَا كانُوا يعرِشُونَ " يبنون من الصَّرح، الذي أمر فرعون هامانَ ببنائه، ليصعد بواسطته إلى السَّماء. وقيل: هو على ظاهره من أنَّ معنى " دمَّرنا " أهلكنا، لأن اللَّه تعالى أورث ذلك بني إسرائيل مدَّة ثمَّ دمَّره. ٣٦ - قوله تعالى: (وَفي ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) . أي نعمةٌ عظيمةٌ، إن جعلتَ الإشارة راجعة إلى الإِنجاء في قوله تعالى " وإذْ أنجيناكُمْ مِنْ آلَِ فرعونَ ". أو محنةٌ عظيمةٌ، إن جعلتَ الِإشارة راجعة إلى قتل الأبناء، واستحياءِ النساء، في قوله تعالى " يُقتِّلون أبناءكُمْ ويستحيون نسائكم ". إذِ البلاءُ بين " النِّعمة " و " المِحنة " قال تعالى: (وَبَلَونَاهمْ بالحَسَنَاتِ والسيِّئاتِ) وقال: (ونبلوكُمْ بالشرِّ والخيرِ فتنةً وإلينَا تُرْجَعون)

стр. 205

٣٧ - قوله تعالى: (وَوَاعدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناهَا بِعَشرٍ. .) الآية. فإن قلتَ: المواعدةُ كانتْ أمراً بالصَّومِ في هذا العدد، فكيف ذكرَ الليالي مع أنها ليست محلًا للصوم؟! قلتُ: العربُ في أغلب تواريخها، إنما تذكرُ الليالي، وإن أرادت الأيام، لأنَّ الليل هو الأصلُ في الزمان، والنَّهار عارضٌ، لأن الظُّلمة سابقةٌ في الوجود على النور، مع أن الليل ظرف لبعض الصوم وهي النيَّة، التي هي ركنٌ فيه. ٣٨ - قوله تعالى: (فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. .) . إن قلتَ: ما فائدتُه مع علمه ممَّا قبله؟ قلتُ: فائدتُه التوكيد، والعلمُ بأن العشر ليالٍ، لا ساعات، ورفعُ توهُّم أن العشر داخلة في الثلاثين، بمعنى أنها كانت عشريِن وأُتمَّت بعشر. ٣٩ - قوله تعالى: (فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ

стр. 206

وَأَنَا أَوَّلُ المُؤْمِنين. .) أي أنا أول من آمن من بني إسرائيل في زمني.. أو بأنك لا تُرى في الدنيا بالحاسَّة الفانية. ٤٥ - قوله تعالى: (وَأمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الفَاسِقِين) " بأحسنها " أي التوراة. إن قلتَ: كيف قال " بأحسنها " مع أنهم مأمورون بجميع ما فيها؟ قلتُ: معنى " بأحسنها " بحسَنها وكلُّها حسن. . أو أُمروا فيها بالخير، ونُهوا عن الشرِّ، وفعلُ الخير أحسنُ من ترك الشرِّ، أو أن فيها حسناً وأحسن، كالقَوَد والعفو، والانتصار والصبر، والمأمور به والمباح، فأُمروا بما هو الأكثر ثواباً. ٤١ - قوله تعالى: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاَ جَسَداً لَهُ خُوَاز. .) ليس المرادُ من بعد زمنِ موسى، لأن اتخاذ قومه ذلكَ إنما كان في زمنه، بل المرادُ

стр. 207

من بعد ذهابه إلى الجبل، أو من بعد عهده إليهم أن لا يعبدوا غير الله. ٤٢ - قوله تعالى: (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ) أي ندموا على عبادتهم العجل. إن قلتَ: كيف عبَّر عن الندم بالسُّقوط في اليد؟ قلتُ: لأن عادة من اشتدَّ ندمه على فائتٍ، أن يعضَّ يده غمّاً، كما في قوله تعالى (ويومَ يَعَضُّ الظَّالمُ على يديْهِ) فتصيرُ يده مسقوطاً فيها، لأن فاه قد وقع فيها. ٤٣ - قوله تعالى: (وَلَمَّارَجَعَ مُوسَى إلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً. .) . الآية. إن قلتَ: يعني غضبانَ عن أسف؟ قلتُ: لا، لأنَّ " الأسِفَ " الحزينُ، وقيل: الشديدُ الغضب. ٤٤ - قوله تعالى: (أَخَذَ الألْوَاحَ وَفي نُسْخَتِهَا هُدَىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهمْ يَرْهَبُونَ) الجملة الثانية فيها حالٌ من الألواح، والمعنى: أخذ الألواحَ، والحالُ أن فيما نُسِخَ

стр. 208

فيها أي كُتب - هُدىً ورحمة. ٤٥ - قوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا النَّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ) أي اتبعوا القرآن الذي أُنزل معه - أي مع النبي ﷺ . فإن قلت: القرآنُ لم ينزل مع النبي، بل عليه، وإنما نزل مع جبريل؟! قلتُ: " معه " بمعنى مقارناً لزمنه، أو بمعنى عليه، أو هو متعلقٌ باتَّبعوا أي اتبعوا القرآن كما اتَّبعه هو، مصاحبينَ له في اتباعه. ٤٦ - قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ المُصْلِحِينَ) خصَّ الصلاة بالذكر، مع دخولها فيما قبلهَا، إظهاراً لمرتبتها، لكونها عمادَ الدين، وناهيةً عن الفحشاء والمنكر. ٤٧ - قوله تعالى: (فَمَثَلُهُ كمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكهُ يَلْهَثْ. .) الآية. فإن قلتَ: هذا تمثيلٌ لحال " بلعام " فكيف قال

стр. 209

بعده " سَاءَ مثلاً القومُ " ولم يُضرب إلا لواحد؟ قلتُ: المَثَلُ في الصُّورة وإن ضُرب لواحد، فالمرادُ به كفًارُ مكة كُلُّهم، لأنهم صنعوا مع النبي ﷺ ، بسبب ميلهم إلى الدنيا، من الكيد والمكر، ما يُشبه فعل " بلعام " مع موسى. أو أنَّ " سَاءَ مثلاً القَوْمُ " راجعٌ إلى قوله تعالى (ذَلِكَ مثَلُ القَوْمِ " لا إلى أول الآية. ٤٨ - قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ كالأنْعَام بَلْ هُمْ أَضَلُّ. .) . إن قلتَ: كيف جمع بين الأمرين؟ قلتُ: المرأد بالأول تشبيهه بالأنعام، في أصل الضلال لا في مقداره، وبالثاني في بيان مقداره. وقيل: المرادُ بالأول التشبيه في المقدار أيضاً، لكنْ المرادُ به طائفة، وبالثاني أخرى، ووجهُ كونهم أضلُّ من الأنعام، أنها تنقاد لأربابها، وتعرف من يُحسنُ إليها، وتجتنبُ ما يضرُها. . وهؤلاء لاينقادون لربهم، ولا يعرفون إحسانه إليهم، من

стр. 210

إساءة الشيطان، الذي هو عدوُّهم. ٤٩ - قوله تعالى: (إنْ أَنَا إلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْم يُؤْمِنُونَ) . إن قلتَ: كيف خصَّ المؤمِنين بالذِّكرِ، مع أنه نذيرٌ وبشيرٌ للنَّاس كافة، كماقال تعالى (وما أرسلناكَ إلَّا كافّةً للنَّاسِ بشيراً ونذيراً) ؟ قلتُ: خصَّهم بالذّكر، لأنهم المنتفعون بالِإنذار والبشارة. ٥٥ - قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكاءَ فِيمَا آتَاهُمَا. .) الآية. إن قلت: كيف قال عن " آدم وحواء " ذلكَ، مع أن الأنبياء معصومون عن مطلق الكبائر، فضلاً عن الشَرك الذي هو أكبرُ الكبائر؟! قلتُ: فيه حذفٌ مضافٍ، أي جعل أولادُهما شركاءَ له " فيما آتاهما " أي آتى أولادهما، بقرينة قوله تعالى:

стр. 211

(فتعالى اللهُ عما يُشركونَ) بالجمع. ومعنى إشراك أولادهما في آتاهُم اللهُ، تسميتهم أولادهم ب " عبد العُزَّى " و " عبد مناة " و " عبد شمس " ونحوها، مكان " عبد الله " و " عبد الرحمن " و " عبد الرحيم ". ٥١ - قوله تعالى: (قُلْ لاَ أَمْلكُ لِنَفْسِي نَفْعاً ولَا ضرًّا إلا مَا شَاءَ اللهُ. .) . قدَّم النَّفع هنا على الضُرِّ، وعكسَ في " يونس " لأن أكثر ما جاء في القرآن، من لفظيْ: الضُرِّ، والنفع معاً، جاء بتقديم الضُرِّ على النفع، ولو بغير لفظهما، كالطَّوْع والكُره في الوعد، لأن العابد يعبد معبوده، خوفاً من عقابه أولاً، ثمَّ طَمَعاً في ثوابه ثانياً، كما قال تعالى " يدعون ربَّهم خوْفاً وطَمَعاً "، وحيث تقدَّم النَّفع على الضُّرِّ، تقدَّمه لفظ تضمَّن نفعاً، وذلك في ثمانية مواضع: هنا وفي الرَّعدِ، وسبأ، والأنعامِ،

стр. 212

وآخر يونس، وفي الأنبياء، والفرقانِ، والشُّعراءِ " فقدَّم هنا النفع لموافقة قوله قبله " من يهدِ اللهُ فهو المهتدي " الآية. وقوله بعده (لاستكثرتُ من الخير وما مسَّني السُّوءُ) إذِ الهدايةُ والخير من جنس النفع، وقدَّم الضُرَّ في آخر يونس على الأصل ولموافقة قوله قبله " ما لا يضرُّهم ولا ينفعهم ". " تَمَّتْ سُورَةُ الأعراف "

стр. 213

سورة الأَنفَال ١ - قوله تعالى: (إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) الآية. أي خافت، والمراد بالمؤمنين هنا، وفي قوله بعدُ: (أولئِك همُ المؤمنونَ حقاً) الكاملون. ٢ - قوله تعالى: (وَإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتهُمْ إيماناً وَعَلَى رَبِّهمْ يَتَوَكلُونَ) إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن حقيقة الإِيمان - عند الأكثر - لا تزيد ولا تنقص، كالِإلهية والوحدانية؟ قلتُ: المرادُ بزيادته آثارُه من الطمأنينة، واليقين، والخشية ونحوها، وعليه يُحمل ما نُقل عن الشافعي من أنه يقبل الزيادة والنقص. ٣ - قوله تعالى: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ

стр. 214

بِالحَقِّ) الآية، الكاف للتشبيه أي امضِ على ما رأيته صواباً، من تنفيل الغُزاة في قسمة الغنائم وإن كرهوا، كما مضيت في خروجك من بيتك بالحق وهم كارهون) ٤ - قوله تعالى: (لِيُحِق الحَقَّ وَيُبْطِلَ البَاطِلَ وَلَوْ كرِهَ المُجْرِمُونَ) . إن قلتَ: فيه تحصيل الحاصل؟ قلتُ: لا، لأن المراد بالحقِّ الِإيمان، وبالباطل الشرك. فإن قلتَ: ما فائدة تكرار " ليُحقَّ الحقَّ " ْ هنا مع قوله قبلُ (ويريدُ اللهُ أنْ يُحقَّ الحقَّ بكلماتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِر ينَ) قلتُ: فائدتُه أنه أُريد بالأول، ما وعدَ اللهُ به في هذه الواقعة، من النَّصر والظفر بالأعداء، بقرينة قوله عقِبه " ويقطع دابرَ الكافرين ". وبالثاني تقوية الدّين، ونصرةُ الشريعة، بقرينة قوله

стр. 215

عقبه " وُيبطل الباطل " ٥ - قوله تعالى: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ) الآية إِن قلتَ: كيف نفى عن المؤمنين قتلَ الكفَّار، مع أنهم قتلوهم يوم بدر، ونفى عن النبي ﷺ رميهم، مع أنه رماهم يوم بدر بالحصباء في وجوههم؟! قلتُ: نفيُ الفعل عنهم وعنه باعتبار الإِيجاد، إذ الوجد له حقيقة هو اللهُ تعالى، وإثباته لهم وله باعتبار الكسب والصورة. ٦ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهَ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأنتُمْ تَسْمَعُونَ) . ثنَّى في الأمر، وأفرَد في النهي، تحرُّزاً بالِإفراد عن الِإخلال بالأدب من النبي ﷺ ، عن نهيه الكفار في قِرانه بين اسمه واسم الله تعالى، في ذكرهما بلفظٍ واحدٍ، كما رُوِيَ أن خطيباً خطبَ فقال: " من أطاعَ اللهَ ورسوله فقد رشدَ، ومن عصاهما
следующие страницы →