Полный текст (633 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
(فتعالى اللهُ عما يُشركونَ) بالجمع. ومعنى إشراك أولادهما في آتاهُم اللهُ، تسميتهم أولادهم ب " عبد العُزَّى " و " عبد مناة " و " عبد شمس " ونحوها، مكان " عبد الله " و " عبد الرحمن " و " عبد الرحيم ".
٥١ - قوله تعالى: (قُلْ لاَ أَمْلكُ لِنَفْسِي نَفْعاً ولَا ضرًّا إلا مَا شَاءَ اللهُ. .) . قدَّم النَّفع هنا على الضُرِّ، وعكسَ في " يونس " لأن أكثر ما جاء في القرآن، من لفظيْ: الضُرِّ، والنفع معاً، جاء بتقديم الضُرِّ على النفع، ولو بغير لفظهما، كالطَّوْع والكُره في الوعد، لأن العابد يعبد معبوده، خوفاً من عقابه أولاً، ثمَّ طَمَعاً في ثوابه ثانياً، كما قال تعالى " يدعون ربَّهم خوْفاً وطَمَعاً "، وحيث تقدَّم النَّفع على الضُّرِّ، تقدَّمه لفظ تضمَّن نفعاً، وذلك في ثمانية مواضع: هنا وفي الرَّعدِ، وسبأ، والأنعامِ،
стр. 212
وآخر يونس، وفي الأنبياء، والفرقانِ، والشُّعراءِ "
فقدَّم هنا النفع لموافقة قوله قبله " من يهدِ اللهُ فهو المهتدي " الآية.
وقوله بعده (لاستكثرتُ من الخير وما مسَّني السُّوءُ) إذِ الهدايةُ والخير من جنس النفع، وقدَّم الضُرَّ في آخر يونس على الأصل ولموافقة قوله قبله " ما لا يضرُّهم ولا ينفعهم ".
" تَمَّتْ سُورَةُ الأعراف "
стр. 213
سورة الأَنفَال
١ - قوله تعالى: (إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) الآية. أي خافت، والمراد بالمؤمنين هنا، وفي قوله بعدُ: (أولئِك همُ المؤمنونَ حقاً) الكاملون.
٢ - قوله تعالى: (وَإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتهُمْ إيماناً وَعَلَى رَبِّهمْ يَتَوَكلُونَ)
إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن حقيقة الإِيمان -
عند الأكثر - لا تزيد ولا تنقص، كالِإلهية والوحدانية؟
قلتُ: المرادُ بزيادته آثارُه من الطمأنينة، واليقين، والخشية ونحوها، وعليه يُحمل ما نُقل عن الشافعي من أنه يقبل الزيادة والنقص.
٣ - قوله تعالى: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ
стр. 214
بِالحَقِّ) الآية، الكاف للتشبيه أي امضِ على ما رأيته صواباً، من تنفيل الغُزاة في قسمة الغنائم وإن كرهوا، كما مضيت في خروجك من بيتك بالحق وهم كارهون)
٤ - قوله تعالى: (لِيُحِق الحَقَّ وَيُبْطِلَ البَاطِلَ وَلَوْ كرِهَ المُجْرِمُونَ) .
إن قلتَ: فيه تحصيل الحاصل؟
قلتُ: لا، لأن المراد بالحقِّ الِإيمان، وبالباطل الشرك.
فإن قلتَ: ما فائدة تكرار " ليُحقَّ الحقَّ " ْ هنا مع قوله
قبلُ (ويريدُ اللهُ أنْ يُحقَّ الحقَّ بكلماتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِر ينَ)
قلتُ: فائدتُه أنه أُريد بالأول، ما وعدَ اللهُ به في هذه الواقعة، من النَّصر والظفر بالأعداء، بقرينة قوله عقِبه " ويقطع دابرَ الكافرين ".
وبالثاني تقوية الدّين، ونصرةُ الشريعة، بقرينة قوله
стр. 215
عقبه " وُيبطل الباطل "
٥ - قوله تعالى: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ) الآية
إِن قلتَ: كيف نفى عن المؤمنين قتلَ الكفَّار، مع أنهم قتلوهم يوم بدر، ونفى عن النبي ﷺ رميهم، مع أنه رماهم يوم بدر بالحصباء في وجوههم؟!
قلتُ: نفيُ الفعل عنهم وعنه باعتبار الإِيجاد، إذ الوجد له حقيقة هو اللهُ تعالى، وإثباته لهم وله باعتبار الكسب والصورة.
٦ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهَ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأنتُمْ تَسْمَعُونَ) . ثنَّى في الأمر، وأفرَد في النهي، تحرُّزاً بالِإفراد عن الِإخلال بالأدب من النبي ﷺ ، عن نهيه الكفار في قِرانه بين اسمه واسم الله تعالى، في ذكرهما بلفظٍ واحدٍ، كما رُوِيَ أن خطيباً خطبَ فقال: " من أطاعَ اللهَ ورسوله فقد رشدَ، ومن عصاهما
стр. 216
فقد غوى " فقال له النبي ﷺ : بئس خطيبُ القوم أنت، هلّاَ قلتَ: ومن عصى اللهَ ورسوله فقد غوى
أو أُفرد باعتبار عوده إلى اللهِ وحده، لأنه الأصل، مع أن طاعة الله، وطاعة رسوله متلازمتان. أو أنَّ الاسم الفرد يأتي في لغة العرب وُيراد به الاثنان والجمع، كقولهم: إنعام فلانٍ ومعروفُه يُغنيني، والِإنعام والمعروف لا ينفع مع فلان، وعلى ذلك قوله تعالى " وَاللهُ ورسولُهُ أحق أن يرْضُوهُ ".
٧ - قوله تعالى: (وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِم خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهمْ مُعرِضونَ) معناه: ولو علم الله فيهم إيماناً في المستقبل، لأسمعهم سماع فهمٍ وقبول، أو لأنطق لهم الموتى، يشهدون بصدق نبوَّتك كما طلبوا، ولو أسمعهم أو أنطق لهم الموتى، يشهدون بما ذُكر، بعد أن علم أن لا خير فيهم، لتولَّوْا وهم معرضون، لعنادهم وجحودهم الحق بعد ظهوره، وتقدَّم في البقر الكلام على الجمع بين التولّي والِإعراض.
стр. 217
٨ - قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) الآية.
إن قلتَ: قد عذَّبهم اللهُ يومَ بدرٍ والنبيُّ ﷺ فيهم؟ قلتُ: المراد " وأنت فيهم " مقيمٌ بمكة، وتعذيبهم ببدر إنما كان بعد خروجه من مكة.
أو المرادُ: ما كان الله ليعذبهم العذاب الذي طلبوه وهو إمطار الحجارة وأنت فيهم.
٩ - قوله تعالى: (وَمَا لَهُمْ أَلّاَ يُعَذِّبَهُمْ اللهُ وَهُمْ يَصُدًّ ونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ) الآية.
إن قلتَ: هذا يُنافي قولَه أولاً (وما كانَ اللهُ ليُعذِّبهم وأنت فيهمْ؟!
قلتُ: لا منافاة، لأن الأول مقيَّدٌ بكونه ﷺ فيهم، والثاني بخروجه عنهم.
стр. 218
أو المرادُ بالأول عذاب الدنيا، وبالثاني عذابُ الآخرة.
١٠ - قوله تعالى: (وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ البَيْتِ إلَّا مُكَاءً وَتَصْديةً) الآية، أي إلّاَ صفيراً وتصفيقاً.
١١ - قوله تعالى: (وَإذْ يُريكُمُوهمْ إذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً) الآية.
إن قلتَ: فائدة تقليل الكفَّار في أعين المؤمنين ظاهرٌ، وهو زوال الرعب من قلوب المؤمنين، فما فائدةُ تقليل المؤمنين في أعين الكفار في قوله " وُيقلِّلكم في أعينهم "؟
قلتُ: فائدته أَلاَّ يبالغوا في الاستعداد لقتال المؤمنين، لظنِّهم كمال قدرتهم فيقدموا عليهم، ثُمَّ تفجؤهم كثرةُ المؤمنين، فيُدهشوا، ويتحيروا، ويفشلوا.
١٢ - قوله تعالى: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) الآية. أي لا تتنازعوا في أمر الحرب، بأن
стр. 219
تختلفوا فيه، وإلاَّ فالمنازعةُ في إظهار الحقِّ مطلوبة، كما قال تعالى: (وجادلْهُم بالّتي هيَ أحسنُ) .
١٣ - قوله تعالى: (إنّي أَخَافُ اللهَ واللهُ شَدِيدُ العِقَابِ) .
إن قلتَ: كيف قال الشيطان ذلك، مع أنه لا يخافه وإلَّا لمَاَ خالفه وأضلَّ عبيده؟!
قلتُ: قاله كذباً كما قاله قتادة، أو صدقاً كما قاله عطاءٌ، لكنَّه خالف عناداً.
أو الخوف بمعنى العلم، كما في قوله تعالى: (إلَّا أنْ يَخَافَا أَلأَ يُقِيمَا حدودَ اللهِ) أي أعلمُ صدق وعد اللهِ نبيَّه النصر.
٤ ١ - قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) . جوابه محذوفٌ أي يَغْلِب، دلَّ عليه قوله تعالى: " فإنَّ اللهَ عزيزٌ حكيمٌ " أي غالبٌ.
١٥ - قوله تعالى: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ
стр. 220
قَبْلِهِمْ) الآية. كرَّره لأنَّ الأول إخبار عن عذابٍ، لم يمكَنِ اللهُ أحداً من فعله، وهو ضربُ الملائكة وجوههم وأدبارهم، عند نزعِ أرواحهم.
والثاني: إخبارٌ عن عذاب مكَّن اللهُ النَّاس من فعلِ مثله، وهو الِإهلاك والِإغراق.
أو معنى الأول " كدأبِ آلِ فرعون " فيما فَعَلوا، والثاني " كدأب آلِ فرعون " فيما فُعِلَ بهم.
أو المرادُ بالأول كفرهم بالله، وبالثاني تكذيبهم الأنبياء.
١٦ - قوله تعالى: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمنون) .
إن قلتَ: ما فائدةُ " فهم لا يُؤْمنون " بعد ذكرِ ما قبله؟!
قلتُ: مرادُه أن يُبَيّنً أنَّ شرَّ الدوابِّ هم الذين
стр. 221
كفروا، واستمروا على كفرهم إلى وقتِ موتهم.
١٧ - قوله تعالى: (فإنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ. .) الآيتين. حاصلُه أنَّ البعض منا يقاوم عشرة أعشاره منهم قبل التخفيف، ويقاوم ضعفه بعده. . وقد كرَّر كلًا من المعنييْن في الآيتين.
وفائدةُ التكرارِ الدَّلالة على أن الحال مع الكثرة والقلة لا يختلف، فكما تَغلِبُ العشرون المائتين، تغلب المائةُ الألف، وكما تغلبُ المائةُ المائتين، يغلب الألفُ الألفين.
١٨ - قوله تعالى: (ترِيدونَ عَرَضَ الدُّنْيَا واللَّهُ يرِيدُ الآخِرةَ وَاللهُ عَزِيز حكِيمٌ) . " والله يريد الآخرة " أي ثوابها، وإلَّا فهو كما يريد الآخرة، يريد الدنيا وإلَّا فما وُجدتْ.
١٩ - قوله تعالى: (إن الَّذينَ آمنوا وَهَاجَروا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبيلِ اللهِ) . قدَّم هنا " بأموالهم وأنفسِهم " على قوله " في سبيلِ اللهِ " وَعَكَسَ في "
стр. 222
براءة " لأنَّ ما هنا تقدَّمه ذكر المال والأنفس، في قوله تعالى " تُريدون عَرَضَ الدُّنيا " وقولِه " لَوْلَا كتابٌ من اللهِ سَبَقَ لمَسَّكُمْ فيمَا أخذتُم " أي من الفداء، وقوله " فكلوا ممَّا غنمتم " وما في براءة تقدَّمه ذكر " في سبيل الله " فناسب تقديم " بأموالهم وأنفسهم " وتقديم " في سبيلِ اللهِ " ثَمَ.
" تَمَّتْ سُورَةُ الأنفال "
стр. 223
سورة التَّوبة
١ - قوله تعالى: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكينَ) .
إن قلتَ: لم ترك البسملة فيها دون غيرها؟
قلتُ: لاختلاف الصحابة في أنَّ " براءة " و " الأنفال " سورتان، أو سورةٌ واحدةٌ، نظراً لأن كلاًّ منهما نزل في القتال، فترك بينهما فُرْجة، عملًا بالأول، وتُركتْ البسملة عملًا بالثاني.
أو لأنَّ البسملة أمانٌ، وبراءة فيها قتلُ المشركين ومحاربُتهم، فلا مناسبة بينهما.
أو لأنَّ الأنفال، لمَّا تضمَّنت طلبَ موالاة المؤمنين، بعضهم بعضاً، وأن ينقطعوا عن الكفار بالكلِّية، وكان قولُه تعالى " براءةٌ منَ اللهِ ورسولِهِ إلى الَّذينَ عاهدتُمْ منَ
стр. 224
المشركين " - تقريراً وتأكيداً، لذلك تُركتْ البسملة بينهما.
٢ - قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّر الَّذين كَفَرْوا بِعَذَابٍ أَلِيم) . كرَّره لأنَّ الأول للمكانِ، والثاني للزمان المذكور قبل، في قوله تعالى: " فَسِيحوا في الأَرضِ أربعَةَ أشْهُرٍ ".
٣ - قوله تعالى: (فَإنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزكاةَ فَإخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ. .) . كرَّره لاختلاف جزاء الشرطِ، إذْ جزاء الشرط في الأول، تخليةُ سبيلهم في الدنيا، وفي الثاني أخوَّتُهم لنا في الدِّين، وهي ليست عين تخليتهم، بل سبُبها.
٤ - قوله تعالى: (كيْفَ وَإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إلاًّ وَلاَ ذِمَّةً. .) . " إلّاً " أي قرابة " ولا ذمَّة " أي عهداً.
كرَّر ذلك بإبدال الضمير بـ " مؤمنٍ " في قوله تعالى
стр. 225
(لا يرقُبون في مؤمنِ إلّاً ولا ذِمَّةً) لأن الأول وقع جواباً لقوله " وإنْ يَظْهَرُواَ " أي الكفار. والثاني وقع إخباراً عن تقبيح حالهم.
٥- قوله تعالى: (وَإنْ نَكَثُوأ أيمانَهُمْ مِنْ بعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا في دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمّةَ الكُفْرِ) . خصَّ فيه " أئمة الكفر " بالذِّكر، وهم رؤساءُ الكفر وقادتهم، لأنهم الأصلُ في النكثِ، والطَّعْنِ في الدِّين.
٦ - قوله تعالى: (وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابنُ اللهِ وقالتِ النّصارى المسيحُ ابن اللهِ. .) قائل ذلك في كلٍّ منهما بعضُهم، لا كلّهم، فـ " أل " فيهما للعهد، لا للاستغراق، كما في قوله تعالى: (إذْ قالت الملائكةُ يا مريمُ إنَّ اللهَ اصطفاكِ) الآية. إذِ القائل لها ذلك إنما هو جبرائيل ﵇.
٧ - قوله تعالى: (ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ. .) . فائدة قوله " بأفواههم " مع أن القول لا يكون إلَّا بالفم، الِإعلام بأن ذلك مجرَّد
стр. 226
قول، لا أصل له، مبالغة في الرَّدِّ عليهم.
٨ - قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَق. .) الآية. فائدة ذكر " دين الحقِّ " مع دخوله في الهُدَى قبله، بيانُ شَرَفِهِ وتعظيمه، كقوله تعالى " حَافِظُوا على الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى ".
أو أنَّ المراد بالهدى القرآنُ، وبالدِّين الإِسلامُ.
٩ - قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. .) . أفردَ الضميرَ، مع تقدُّم اثنين " الذهب والفضة " نظراً إلى عوده إلى الفضة لقربها، ولأنها أكثرُ من الذَّهب.
أو إلى عوده إلى المعنى، لأن المكنوز دراهمُ ودنانير، ونظيرُه قوله " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ".
١٠ - قوله تعالى: (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حرمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنفسَكمْ. .) .
стр. 227
إن قلتَ: لم خصَّ الأربعة الحُرُم بذلك، مع أن ظلم النفس منهيٌّ عنه في كل زمانٍ؟
قلتُ: لم يَخُصَّها به، إذِ الضمير عائدٌ إلى " اثنا عشر شهراً " كما قاله ابن عباس ﵄، لا إلى الأربعة الحُرُم فقط.
أو خصَّها به لقربها، أو لمزيد فضلها وحرمتها عندهم في الجاهلية.
١١ - قوله تعالى: (لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْم الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا. .) . أي لا يستأذنوك في التخلُّفَ عن الجهاد.
إن قلتَ: كيف قال ذلك، معِ أن كثيراً من المؤمنين، استأذنوه فِى ذلك لعذرٍ، أخذاً من قوله تعالى (إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذينَ آمَنُوا باللهِ وَرَسُولِهِ وَإذَا كانوا معه على أمرٍ جامعٍ لم يذهبوا حتى يستأذنوه) .
قلتُ: لا منافاة، لأن ذلك نفيٌ بمعنى النهي كقوله تعالى: (فلا رَفَثَ وَلَا فسوقَ ولا جدال في الحجِّ) أو هو
стр. 228
منسوخٌ كما قال ابن عباس بقوله " لم يذهبوا حتّى يستأذنوه ".
أو المراد أنهم لا يستأذنوه في ذلك لغير عذر.
١٢ - قوله تعالى: (وَلَكِنْ كَرِهَ الله انْبِعَاثَهمْ فَثَبطهُمْ وَقِيلَ اقْعدوا مَعً القَاعِدِينَ) .
إن قلتَ: كيف أمرهم بالقعود عن الجهاد، مع أنه ذمهم عليه؟
قلت: إنما أمرهم بذلك أمر توبيخ، كقوله تعالى " اعملوا ما شِئْتمْ " بقرينة قوله " مع القاعدينَ " أي من النّساء، والصِّبيان، والزمنَى، الذين شأنُهم القعودُ في البيوت.
أو الآمِر لهم إنما هو الشيطان بالوسوسة، أو بعضهم بعضاً.
٣ ١ - قوله تعالى: (لَوْ خَرَجوا فِيكمْ مَا زَادوكمْ إلَّا خَبَالَاَ وَلَأَوْضعوا خِلَالَكمْ. .) .
فإن قلتَ: " إذا علم اللهُ أن المنافقين، لوخرجوا مع
стр. 229
المؤمنين للجهاد ما زادوهم إلَّا خبالاً أي فساداً، ولأوضعوا خلالهم أي لأسرعوا في السَّعي بينهم بالنميمة، فكيف أمرهم بالخروج مع المؤمنين؟
قلتُ: أمرهم بالخروج لِإلزامهم الحجَّة، ولإِظهار نفاقهم.
١٤ - قوله تعالى: (قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إنَّكُمْ كنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِين) . أي كافرين ولو بالنفاق، بقرينة قوله (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نفقاتُهم إلّاَ أَنَّهُمْ كفَرُوا باللهِ وَبِرَسولِهِ) .
١٥ - قوله تعالى: (إلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ)
قاله هنا بالباء في المتعاطفين، وقاله ثانياً، وثالثاً بحذفها من المعطوف، لأن ما في الأول غاية التوكيد بقوله (وما مَنَعَهم أن تُقبل منهم نفقاتهم إلّاَ أنهم كفروا) فأكَّد المتعاطفين بالباء، ليكون الكلام على نسق واحد، بخلاف الثاني
стр. 230
والثالث، لم يتقدمهما ذلك.
١٦ - قوله تعالى: (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ. .) الآية. قاله هنا بالفاء، وقاله بعد بالواو. لأن الفاء تتضمَّنُ معنى الجزاء، والفعلُ قبلها
في قوله " ولا يأتون الصَّلاة " وقوله " ولا يُنفقون " لكونه مستقبلَاَ، يتضمَّن معنى الشَّرط، فناسب فيه الفاء، وما بعدُ ذكر قبله " كفروا باللهِ ورسوله وماتوا وهم فاسقون " والفعلُ فيهما لكونه ماضياً، لا يتضمَّن معنى الشرط، فناسب فيه الواو، وقولُه (وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ) ذكره هنا
بـ " لا " وفيما بعد بدونها، لما في زيادتها هنا من التوكيد المناسب لغاية التوكيد، بالحصر فيما قبلها، وذلك مفقودٌ فيما بعد.
١٧ - قوله تعالى: (إنَّما الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا. .) الآية. أضاف فيها الصَّدقات، إلى
стр. 231
الأصناف الأربعة الأولى بلام المُلْك، وإلى الأربعة الأخيرة بـ " في " الظرفية، للإِشعار بإطلاق المُلْك في الأربعة الأولى، وتقييده في الأخيرة، حتى إذا لم يحصل الصرف في مصارفها استرجع، بخلافه في الأولى، كما هو مقرَّرٌ في الفقه، وكُرِّر في الأخيرة في قوله " وفي سبيل الله " حثًّا على الإِعانة في الجهاد لشرفه.
٩٨ - قوله تعالى: (قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ. .) الآية. عدَّى الِإيمان إلى الله بالباء، لتضمُّنه معنى التصديق، ولموافقته ضدَّه وهو الكفر، في قوله تعالى (مَنْ كفَرَ بِاللهِ) .
وعدَّاه إلى المؤمنين باللام، لتضمُّنه معنى الِإنقياد، وموافقةً لكَثير من الآيات، كقوله تعالى (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمنٍ لنا) وقوله (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم) وقوله (أنؤمن لك واتبعك الأرذلون) ؟
وأما قوله تعالى في موضع (قال آمنتم لَهُ قبلَ أن آذن لَكُمْ) وفي آخر (آمنتم به) فمشتركٌ الدلالة، بين الِإيمان
стр. 232
بموسى والِإيمان بالله، لأن من آمنَ بموسى حقيقةً آمن بالله كعكسه.
١٩ - قوله تعالى: (أَلمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللهَ وَرَسولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فيها..) خبرٌ عن المنافقين الذين سبق ذكرُهم مخلَّدون في النَّار، فلا يُشكل بأنَّ المؤمن العاصي لا يُخَلَّدُ في النَّار،
٢٠ - قوله تعالى: (يَحْذَرُ المُنَافِقُون أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا في قُلُوبِهمْ. .) .
إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن إنزال السورة إنما هو على النبي لا عليهم؟
قلتُ: " على " بمعنى " في " كما في قوله تعالى (واتَّبعوا ما تتلُوا الشَّياطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمان) أو أن الإِنزال هنا بمعنى القراءة عليهم.
فإن قلتَ: الحذر واقع منهم على إنزال السورة، فكيف قال (إن الله مخرج ما تَحْذَرونَ) ؟
قلتُ: معناه إن الله مظهرٌ ما تحذرون ظهوره من نفاقكم، بإنزال هذه السورة، وهو المناسب لقوله
стр. 233
(تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ) أو مظهرٌ ما تحذرون من إنزال هذه السورة.
فإن قلتَ: " تُنَبئهم بما في قلوبهم " تحصيل الحاصل، لأنهم عالمون به؟
قلتُ: تنبِّئُهم بأسرارهم، وما كتموه، شائعةً ذائعة، وتفضحهم بظهور ما اعتقدوا أنه لا يعرفه غيرهم.
٢١ - قوله تعالى: (المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ بَعْضُهم مِنْ بَعْض. .) الآية.
إن قلتَ: كيف قال ذلك هنا بـ " مِنْ " وقال في قوله (والمؤمنونَ والمؤمناتُ بعضُهم أولياءُ بعضٍ) بلفظ " أولياء " مع أنَّ " مِنْ " أدلُّ على المجانسة، لاقتضائها البعضية، فكانت بالمؤمنين أولى، لأنهم أشدُّ تجانساً في الصفات؟!
قلتُ: المراد بقوله " بعضهم من بعضٍ " على دين بعض، لأن " مِنْ " تأتي بمعنى " على " كما في قوله تعالى (وَنصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ) وقوله (للِّذينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ) أي يحلفون على عدم وطئهنَّ، والمرادُ بقوله
стр. 234
(بعضهُم أولياءُ بعضٍ)
أنصارهم وأعوانهم في الدِّينِ، وعلى ذلك فكلٌّ من اللفظيْن يصلح مكان الآخر، لكن للولاية شرفٌ، فكانت أولى بالمؤمنين والمؤمنات.
٢٢ - قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ في الدُّنيا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ) أي المنافقون والمنافقاتُ حبطت أعمالهم في الدنياوالآخرة، أما حبطها في الدنيا، فمن حيثُ كيدهم ومكرُهم وخداعُهم، التي كانوا يقصدون بها إطفاء نور الله، ويأبى الله إلا أن يُتم نوره. وأما حبطُها في الآخرة، فمن حيثُ إن عباداتِهم وطاعاتِهم، أتوا بها رياءً وسمعةً ونفاقاً، فحبطت أعمالهم من الخبيثات المذكورات، حيث لم يحصُل بها غرضهم في الدنيا ولا في الآخرة
وأمَّا عباداتُهم التي تجري بها أحكامُ المسلمين عليهم، كحقن دمائهم وأموالهم، فينفقون بها في الدنيا خالصةً ولا عبرة به.
٢٣ - قوله تعالى: (وَمَا لهمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَليٍّ وَلَا نَصيرٍ) .
стр. 235
إن قلتَ: لمَ خصَّص الأرض بالذكر، مع أنهم لا وليَّ لهم في الأرض ولا في السماء، ولا في الدنيا ولا في الآخرة؟!
قلتُ: لمَّا كانوا لا يعتقدون الوحدانية، ولا يصدِّقون بالآخرة، كان اعتقادهم وجود الوليّ والنَّصير، مقصوراً على الدنيا، فعبَّر عنها في الأرض.
أو أراد بالأرض أرض الدنيا والآخرة.
٢٤ - قوله تعالى: (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) الآية.
إن قلتَ: لم خصَّ السَّبعين، مع أنهم لا يُغفر لهم أصلاً، لقوله تعالى (سَوَاءٌ عَلَيْهِم أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) ولأنهم مشركون، واللِّه لا يَغفر أن يُشرك به؟
قلتُ: لأن عادة العرب جرتْ بضرب المثل في الآحاد بالسبعة، وفي العشرات بالسبعين، استكثاراً ولا يريدون الحصر.
فإن قلتَ: لو كان المراد ذلك، لما خفيَ على
стр. 236
أفصح العرب، وأعلمهم بأساليب الكلام، حتى قال لما أُنزلت هذه الآية: لأزيدنَّ على السبعين، لعلَّ اللهَ أن يغفرلهم.
قلتُ: لم يَخْفَ عليه ذلك، وإنما أراد بما قال إظهار كمال رأفته، ورحمته بمن بُعث إليهم، وفيه لطفٌ بأمته وحثٌّ لهم على المراحم، وشفقة بعضهم على بعض، وهذا دأبُ الأنبياء ﵈، كما قال إبراهيم ﵇ (وَمَنْ عَصَانِي فَإنَّكَ عْفورٌ رحيم) .
٢٥ - قوله تعالى: (وَطُبعَ عَلَى قُلُوبهمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُون) . قاله هنا بالبناء للمفعول، َ وقال بعده (وَطَبَعَ اللَّهُ على قلوبهم فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) بالبناء للفاعل، لأن الأول تقدَّمه مبنيٌّ للمفعول وهو قوله " وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ " والثاني تقدَّمه ذكر الله مرَّاتٍ، فناسب بناء الأول للمفعول، والثاني للفاعل، ليناسب الفاعل ما قبله، ثم ختم كلًا منهما بما يناسُبه، فقال في الأول " لا يفقهون " وفي الثاني " لا يعلمون " لأنَّ العلم فوق الفقه أي الفهم.
٢٦ - قوله تعالى: (وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ
стр. 237
ثُمٌ ترَدُّونَ إلى عَالِم الغَيْبِ والشَّهَادَةِ) قاله هنا بـ " ثُمَّ " بحذف " والمؤمنون ". وقاله بعدها بالواو، وبذكر " والمؤمنون ".
لأنَّ الأول في المنافقين، ولا يطَّلع على ضمائرهم إلَّا
الله، ثم رسولُه بإطلاع اللهِ إياه عليها. والثاني في المؤمنين، وطاعاتهم وعباداتْهم ظاهرةٌ لله ولرسوله وللمؤمنين، وختم الأول بقوله " ثُمَّ تُرَدُّونَ " ليفيد قطعه عمَّا قبله، لأنه وعيد. . وختم الثاني بقوله " وستردُّون " ليفيد وصله بما قبله لأنه وعدٌ، فناسب في الأول " ثُمَّ " وحذفَ " والمؤمنون " وفي الثاني " الواو " وذكر " والمؤمنون ".
فإن قلتَ: السِّينُ في " سَيَرَى اللهُ " للاستقبال، والرؤيةُ بمعنى العلم، والله تعالى عالمٌ بعملهم حالًا ومآلًا، فكيف جمع بينهما؟!
قلتُ: معناه في حقِّ الله، أنه سيعلمه واقعاً مآلًا، كما علمه غيرَ واقع حالًا، لأن الله تعالى يعلم الأشياء على
стр. 238
ما هي عليه، فيعلم الواقع واقعاً، وغير الواقع غيرَ واقع، أمَّا في حقّ الرسولِ فهو على ظاهره.
٢٧ - قوله تعالى: (الَأعْرَابُ أَشَدُّ كفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّاَ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْرلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ. .)
فإن قلتَ: وصفَ العربِ بأنهم جاهلون بذلك، يُنافي صحَّة الاحتجاج بألفاظهم وأشعارهم، على كتاب اللَّهِ وسنَّة نبيه؟!
قلتُ: لا منافاة، إذْ وصفُهم بالجهل إنما هو في أحكام القرآن، لا في ألفاظه، ونحن لا نحتجّ بلغتهم في بيان الأحكام، بل في بيان معاني الألفاظ، لأن القرآن والسُّنَّة جاءا بلغتهم.
٢٨ - قوله تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ. .) الآية، الخطاب لمحمد ﷺ .
فإن قلتَ: كيف نفى عنه علمه بحال المنافقين هنا، وأثبته له في قوله: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ في لَحْنِ القَوْلِ)) ؟
стр. 239
قلتُ: آيةُ النَّفي نزلت قبل آية الِإثبات فلا تنافي.
٢٩ - قوله تعالى: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً) الآية. أي خلطوا كلاَ منهما بالآخر.
٣٠ - قوله تعالى: (وَالنَّاهُون عَنِ المنكَرِ وَالحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ المُؤْمِنينَ) .
إن قلتَ: لمَ عَطفَه دون ما قبله من الصِّفاتِ؟
قلتُ: لأنه وقع بعد سبع صفاتٍ، وعادةُ العربِ أن تُدخلَ الواو بعد السَّبعة.
٣١ - قوله تعالى: (وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إلَّا كتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَل صَالِحٌ. .) الآية. قال ذلك هنا، وقال بعد: (إلَّا كتِبَ لَهُمْ) بدون " عمل صالح "!! لأنَّ ما هنا مشتمل على ما هو من عملهم وهو قوله: (ولا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغيظُ الكُفَّارَ) إلى آخره، وعلى ما ليس من عملهم وهو قوله (ذَلِكَ بأنَّهُمْ لا يُصيبهُمْ ظمَأٌ) إلى آخره، فتفضَّل اللهُ بإجرائه مجرى عملهم في الثواب، فناسبَ
стр. 240
ذلك زيادةُ قوله " به عملٌ صالحٌ " ولهذا عمَّ عقِبَه في قوله (إنَّ اللهَ لا يضيع أجرَ المحسنينَ) .
وما ذُكرَ في الآية الثانية، مختصٌّ بما هو من عملهم وهو قوله (ولا يُنْفِقُونَ نفقةً صغيرةً) إلى آخره، ليُكتب لهم ذلك بعينه، ولهذا خصَّهم عقِبه في قوله: (ليَجْزِيَهُمُ الله أحسنَ ما كانوا يعملونَ) .
وقولُه " أحسن " أي بأحسن، والمراد بحَسَن عملهم، إذ لا يختصُّ جزاؤهم بأحسن عملهم. . أو المراد ليجزيهم أحسن من الذي كانوا يعملون.
" تَمَّتْ سُورَةُ التوبة "
стр. 241
سورة يونس
١ - قوله تعالى: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللهِ حَقّاً. .)
قال ذلك هنا، وقال في هود: " إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ "
لأن ما هنا خطابٌ للمؤمنين والكفار، بقرينة ذكرهما بعدُ، وما في " هود " خطابٌ للكفار فقط، بقرينةِ قوله قبله: " وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ".
٢ - قوله تعالى: (يُفَصلُ الآيَاتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ)
خصَّ التفصيل بالعلماء، مع أنه تعالى فصَّل الآيات للجهلاء أيضاً، لأنَّ انتفاعهم بالتفصيل أكثر.
٣ - قوله تعالى: (وَمَا كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَومَ المُجْرِمِينَ) .
стр. 242
قاله هنا بالواو تَبَعاً لها في قوله " وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ " وقاله في مواضع أخر، بالفاء للتعقيب، على أصلها.
٤ - قوله تعالى: (قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أدْرَاكم بِه. .) الآية.
إن قلت: كيف قال النبيُّ ذلك، مع أن الله تعالى أنكر على الكفّار احتجاجهم بمشيئته في قولهم: " لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا "، ولهذا لا ينبغي لمن فعل معصيةً، أن يحتجَّ بقوله: لو شاء الله ما فعلتُها؟!
قلتُ: إنَما قال النبيُّ ذلك، بأمر الله تعالى له فيه، بقوله: " قلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ. . " وللعاصي أن يَحتحَّ بذلك إذا أمرَ اللَّهُ به.
٥ - قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفعُهُمْ. .) الآية.
стр. 243
إنْ قلتَ: كيف نفى عن الأصنامِ الضُرَّ والنفع هنا، وأثبتهما لها في قوله في الحجّ: " يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ ".
قلتُ: نفيُهما عنها باعتبار الذَّات، وإثباتُهما لها باعتبار السبب.
٦ - قوله تعالى: (فَلَمَّا أنْجَاهُمْ إذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقّ) . . الآية.
إن قلتَ: ما فائدةُ قوله " بغيرِ الحقِّ " بعد قوله " يبغون " مع أن البغيَ - وهو الفسادُ من قولهم: بَغَى الجرْحُ أي فسد - لا يكونُ إلّاَ بغير حق؟
قلتُ: قد يكون الفسادُ بحقٍّ، كاستيلاء المسلمين على أرض الكفار، وهدم دورهم، وإحراقِ زرعهم، وقطعِ أشجارهم، كما فعل النبي ﷺ ببني قريظة.
٧ - قوله تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الحَيَاة الدُّنْيَا كمَاءٍ أنْزَلْنَاهُ مِن السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَات الأرْض. .)
والآية إن قلتَ: لمَ شبه الحياة الدنيا بماء السَّماءِ، دون ماءِ الأرض؟
قلتُ: لأنَّ ماء السَّماءِ - وهو المطرُ - لا تأثير لكسبِ
стр. 244
العبد فيه، بزيادةٍ أو نقصٍ، أو لأنَّه يستوي فيه جميعُ الخلائق، بخلافِ ماء الأرض فيهما، فكان تشبيهُ الحياةِ به أنسبَ.
٨ - قوله تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ والْأَرضِ. . إلى قوله: فسَيَقُولُونَ اللَّهُ)
إن قلتَ: هذا يدل على أنهم معترفون بأنَّ الله هو الخالقُ، الرازقُ، المدبِّرُ، فكيفَ عبدوا الأصنام؟!
قلتُ: كلُّهُم كانوا يعتقدون بعبادتهم الأصنامَ، عبادةَ اللَّهِ تعالى، والتقرُّبَ إليه، لكنْ بطرقٍ مختلفةٍ. ففرقةٌ قالت: ليستْ لنا أهليَّةٌ لعبادةِ اللَّهِ تعالى، بلا واسطة لعظمتِهِ، فعبدْنَاها لتقرِّبنا إليه تعالى، كما قال حكايةً عنهم " ما نعبدهم إِلَاّ ليُقَرِّبونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى ". وفرقةٌ قالت: الملائكة ذَوُو جاهٍ ومنزلةٍ عند الله، فاتَّخذنا أصناماً على هيئة الملائكة، ليقرِّبونا إلى اللَّهِ. وفرقةٌ قالت: جعلنا الأصنام قبلةً لنا في عبادة الله تعالى، كما أنَّ الكعبة قبلةٌ في عبادته.
وفرقةٌ اعتقدتْ أنَّ على كل صنمٍ شيطاناً، موكَّلاً بأمر الله، فمن عَبَدَ الصَّنم حقَّ عبادته، قضى الشيطانُ
стр. 245
حوائجَه بأمر الله، وإلّاَ أصابه الشيطانُ بنكبةٍ بأمرِ الله.
٩ - قوله تعالى: (قلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُم يُعِيدُهُ. .) الآية.
إن قلتَ: كيفَ قال ذلك، مع أنهم غيرُ معترفين، بوجود الِإعادة أصلاً؟!
قلتُ: لمَّا كانت الِإعادةُ، ظاهرةَ الوجود لظهور برهانها، وهو القدرةُ على إعدامِ الخَلْقِ، والِإعادةُ أهون بالنسبةِ إلينا، لزمهم الاعترافُ بها، فكأنهم مسلَّمون وجودها، من حيثُ ظهورُ الحجَّةِ ووضوحُها.
١٠ - قوله تعالى: (فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهمْ ثُمََ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى ما يفعَلُونَ) .
رتَّب شهادته على فعلهم، على رجوعهم إليهِ فيِ القيامة، مع أنه شهيدٌ عليهم في الدنيا أيضاً، لأن المراد بما ذُكِرَ نتيجتُه، وهو العذابُ والجزاءُ، كأنه قال: ثمَّ اللَّهُ معاقبٌ، أو مجازٍ على ما يفعلون.
١١ - قوله تعالى: (قُلْ أرَأيْتُمْ إِنْ أَتَاكمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أوْ نَهَاراً. .) الآية.
стр. 246
إن قلت: لمَ قال " بياتاً " ولم يقل: ليلاً، مع أنه أكثرُ استعمالاً، وأظهرُ مطابقةً مع النَّهار؟
قلتُ: لأنَّ المعهود في الاستعمال، عند ذكر الِإهلاكِ والتهديد، ذكرُ البَيَاتِ، وإن قُرِنَ به النَّهار.
١٢ - قوله تعالى: (ألاَ إِنَّ لِلَّهِ مَا في السَّمَوَاتِ وَالْأرْض. .) الآية.
قاله هنا بلفظ " ما " ولم يكرِّرْه، وقاله بعدُ بلفظ " مَنْ " وكرَّره، لأنَّ " ما " لغير العقلاء، وهو في الأوَّل المالُ، المأخوذُ من قوله تعالى: " لافْتَدَتْ بِهِ "، ولم يكرِّر " ما " اكتفاءً بقوله قبله: " وَلَوْ أنَّ لكلِّ نفْسِ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لافْتَدَت بِهِ ".
و" مَنْ " للعقلاء، وهم في الثاني قومٌ آذَوْا النبيَّ ﷺ ، فنزل فيهم " ولا يَحْزُنْكَ قولُهُمْ " وكرَّر " مَنْ " لأن المرادَ مَنْ في الأرض، وهم القومُ المذكورون، وإنما قدَّم عليهم " مَنْ في السَّماء " لعُلوِّها، ولموافقة سائرِ الآيات،
стр. 247
سوى ما قدَّمتُه في " آل عمران "، وذكر في قوله بعد: " لَهُ مَا في السَّمَواتِ وَمَا فِي الأرْضِ " بلفظ " ما " وكرَّر لأن بعض الكفار قالوا " اتَّخذَ اللَّهُ ولداً " فقال تعالى " لهُ ما في السمواتِ وما في الأرض " (أي اتخاذ الولد إنما يكون لدفع أذى، أو جلب منفعة، واللَّهُ مالكُ ما في السموات والأرض) فكان المحلُّ محلّ " ما " ومحلّ التكرار، للتعميم والتوكيد.
فإن قلتَ: لمَ خصَّ " ما في السموات وما في الأرضِ " بالذِّكر، مع أنه تعالى مالكٌ أيضاً للسَّموات والأرض وما وراءهما؟
قلتُ: لأنَّ في السمواتِ والأرض الأنبياءَ، والملائكةَ، والعلماءَ، والأولياء، ومن يعقلُ فيهم أحقُّ بالذِّكر، مع أن غيرهم مفهومٌ بالأوْلى.
١٣ - قوله تعالى: (وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيَامة. .) الآية.
إن قلتَ: هذا تهديدٌ، فكيف ناسبَه قولُه بعدُ " إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ على النَّاسِ "؟
стр. 248
قلتُ: هو مناسبٌ لأنَّ معناه: إنَّ اللَّهَ لذو فَضْلٍ على النَّاس، حيثُ أنعم عليهم بالعقلِ، وإرسالِ الرُّسلِ، وتأخيرِ العذابِ، وفتح باب التوبة، أي كيف تفترون على اللَّهِ الكذبَ مع تضافر نِعَمِه عليكم؟!
١٤ - قوله تعالى: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلاَ تعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ. .) الآية.
إن قلتَ: كيف جَمعَ الضميرَ، مع أنه أفرَدَ قبلُ في قوله: " وما تكونُ في شأنٍ وما تتلو منه من قرآن " والخطابُ للنبي ﷺ ؟!
قلتُ: جَمعَ ليدُلَّ على أنَّ الأمَّة، داخلون مع النبي ﷺ فيما خُوطب به قبلُ، أوجمعَ تعظيماً للنبي ﷺ كما في قولهِ تعالى " يَا ايُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً ".
١٥ - قوله تعالى: (وَلاَ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ. .)
أي لكَ لستَ مرسلاً، فالمقولُ محذوفٌ كنظيره في " يس "، والوقفُ على " قولُهُمْ " فيهما لازمٌ،
стр. 249
ويمتنع الوصلُ، لأنه ﷺ منزَّهٌ عن أن يُخاطبَ بذلك.
٦ ١ - قوله تعالى: (إِنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ) .
قال ذلك هنا، وقال في سورة المنافقين " وَللَّهِ العِزَّةُ ولرسُولِهِ وللمؤمنينَ " لأن المراد هنا، العزَّةُ الخاصَّة باللَّهِ وهي: عزَّةُ الِإلهيّة، والخلقِ، والِإماتةِ، والِإحياءِ، والبقاءِ الدائم، وشبْهِهَا.
وهناكَ العزَّةُ المشتركةُ، وهي في حقِّ اللَّه تعالى:
القدرةُ، والغلبةُ.
وفي حقِّ رسوله ﷺ : عُلُوُّ كلمتِه، وَإظهارُ دينه.
وفي حقِّ المؤمنين: نصرُهم على الأعداء.
١٧ - قوله تعالى: (قَالَ مُوسَى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أسِحْرٌ هَذَا. .) الآية.
إن قلتَ: كيف قال موسى إنهم قالوا: أسحرٌ هذا؟
بطريق الاستفهام، مع أنهم إنما قالوه بطريق الِإخبار المؤكَّدِ، في قوله تعالى: " فَلَمَّا جاءهُمُ الحقُّ من عندِنَا
стр. 250
قالُوا إنَّ هَذَا لسِحْرٌ مُبِينٌ "؟!
قلتُ: فيهِ إضمارٌ تقديرُه: أتقولونَ للحقِّ لمَّا جاءكِم، إنَ هذا لسحرٌ مبينٌ؟ ثم قال لهم: أسحرٌ هذا؟ إنكاراً لما قالوه، فالاستفهامُ للِإنكار، من قول " موسى " لا من قولهم.
١٨ - قوله تعالى: (فَمَا آمَنَ لمُوسَىِ إِلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهمْ أنْ يَفْتِنهُمْ. .) قاله هنا بضمير الجمع، لعودِه إلى الذُّريَّة، أو القوم، لتقدّمهما عليه، بخلافِ بقية الآيات، فإنه بضمير المفرد، لعودِه إلى فرعونَ.
١٩ - قوله تعالى: (وَأوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأخِيهِ أنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) . ثَنَّى ضميرَ المأمور فيها، لعوده إلى موسى وأخيه، للتصريح بهما.
وَجَمعه ثانياً، لعوده إليهما مع قومهما، لأن كلاً
следующие страницы →