Полный текст (3 492 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: (خصلتان أو خلتان لا يحافظ عليهما عبد مسلم إلا دخل الجنة هما يسير ومن يعمل بهما قليل يسبح الله تعالى دبر كل صلاة عشراً ويحمد عشراً ويكبر عشراً فذلك خمسون ومائة باللسان وألف وخمسمائة في الميزان ويكبر أربعاً وثلاثين إذا أخذ مضجعه ويحمد ثلاثاً وثلاثين ويسبح ثلاثاً وثلاثين فذلك مائة باللسان وألف بالميزان. قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ يعقدها بيده، قالوا: يا رسول الله كيف هما يسير ومن يعمل بهما قليل؟ قال: يأتي أحدكم يعني الشيطان في منامه فينومه قبل أن يقوله ويأتيه في صلاته فيذكره حاجة قبل أن يقولها) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وقال الإمام النووي: إسناده صحيح، الأذكار ص ٥٩.
وعن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من قال في دبر صلاة الصبح وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات كتب له عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات وكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه وحُرِسَ من الشيطان ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله تعالى) رواه الترمذي وقال حديث حسن.
هذا ما يتعلق بالأذكار بعد انتهاء الصلاة.
وأما الدعاء فحقيقتة مناداة الله تعالى لما يريد من جلب منفعة أو دفع مضرة من المضار والبلاء بالدعاء، فهو سبب لذلك واستجلاب لرحمة المولى ويعني هذا أن الدعاء شعور بالحاجة إلى الله تعالى وطلبها منه ﷻ بتذلل ورغب ورهب لا غنى لأي فرد عنه في أي حال من أحواله شدة ورخاء صحة وعافية ومرضاً ولذا جاءت النصوص الكثيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ مبينة فضله وحاثة عليه ومن ذلك قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) سورة غافر الآية ٦٠. وقال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا
стр. 1437
يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) سورة الأعراف الآيتان ٥٥ - ٥٦. وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) سورة البقرة الآية ١٨٦. وقال ﷻ في وصف عباده المؤمنين: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) سورة السجدة الآيتان ١٦ - ١٧.
وجاء في الحديث عن النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الدعاء هو العبادة) رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/ ١٣٨.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء) رواه الترمذي وابن ماجة وقال الألباني حسن. انظر صحيح سنن الترمذي ٣/ ١٣٨.
وعن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله قال: (ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بمأثم أو قطيعة رحم، فقال رجل من القوم: إذاً نكثر، قال: الله أكثر) رواه الترمذي وقال حسن صحيح ووافقه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/ ١٨١.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي قال: (إن أبخل الناس من بخل بالسلام وأعجز الناس من عجز عن الدعاء) رواه ابن حبان وأبو يعلى وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح الجامع ١٥١٩.
وعنه أن النبي ﷺ قال: (من سرَّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء) رواه الترمذي والحاكم وهو حديث حسن كما قال الألباني في صحيح الجامع ٦٢٩٠.
ومن المعلوم عند أهل العلم أن الدعاء له أوقات مباركة يستجاب فيها ومن أعظمها دبر الصلوات المكتوبات أي عقبها، قال الإمام الشوكاني: [قد
стр. 1438
ورد الإرشاد إلى الأذكار في دبر الصلوات وهي مشتملة على ترغيب عظيم وفيها أن الذاكر يقوم مغفوراً له وفيها أنها تحل له الشفاعة وفيها أنه يكون في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى وفيها أنها لو كانت خطاياه مثل زبد البحر لمحتهن وغير ذلك من الترغيبات وكل ذلك يدل على شرف هذا الوقت وقبول الدعاء فيه] تحفة الذاكرين ص ٦٦.
ويدل على ذلك ما جاء في الحديث عن أبي أمامة ﵁ قال: [قيل يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات] رواه الترمذي وقال حديث حسن ووافقه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/ ١٦٨.
وورد عن الضحاك في تفسير قوله تعالى: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ) سورة الانشراح الآية ٧
قال فرغت من الصلاة فانصب بعد التسليم في الدعاء وارغب في المسألة، وهو أثر حسن. انظر الترغيب في الدعاء ص٢٦٤ - ٢٦٦.
وهذه طائفة من الأدعية النبوية الواردة في دبر الصلوات المكتوبات:
عن معاذ بن جبل ﵁ قال: (لقيني النبي ﷺ فأخذ بيدي فقال: يا معاذ إني أحبك. قلت يا رسول الله: وأنا أحبك. قال: أفلا أوصيك بكلمات تقولوهن في دبر كل صلاة: يا رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) رواه أحمد وابن حبان وصححه ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي والألباني.
وعن أم سلمة ﵂ قالت: كان رسول الله إذا صلى الصبح قال اللهم إني أسألك علماً نافعاً وعملاً متقبلاً ورزقاً طيباً. رواه أحمد والنسائي وقال الهيثمي رجاله ثقات. مجمع الزوائد ١٠/ ١١١ وحسنه الحافظ ابن حجر لشواهده.
وعن مسلم بن أبي بكرة قال: [كان أبي يقول في دبر الصلاة اللهم
стр. 1439
إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر فكنت أقولهن فقال أبي عمن أخذت هذا قلت عنك، قال إن رسول الله كان يقولهن] رواه النسائي وقال الألباني صحيح الإسناد. صحيح سنن النسائي ١/ ٢٩٠.
وعن أبي أمامة ﵁ قال: (ما دنوت من رسول الله في دبر صلاة مكتوبة ولا تطوع إلا سمعته يقول: اللهم اغفر لي ذنوبي وخطاياي كلها اللهم أنعشني واجبرني واهدني لصالح الأعمال والأخلاق فإنه لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت) رواه الطبراني وابن السني وجوّد إسناده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ١١١. وقال الشيخ الألباني حسن، انظر صحيح الجامع ١٢٦٦.
وعن الحارث بن مسلم التميمي ﵁ قال: (قال لي النبي ﷺ : إذا صليت الصبح فقل قبل أن تتكلم اللهم أجرني من النار سبع مرات فإنك إن مت من يومك كتب الله لك جواراً من النار وإذا صليت المغرب فقل قبل أن تتكلم اللهم أجرني من النار سبع مرات فإنك إن مت من ليلتك كتب الله لك جوراً من النار) رواه أبو داود والنسائي في عمل اليوم والليلة وقال محققه حسن ونقل ابن علان عن الحافظ ابن حجر تحسينه ورواه ابن حبان في صحيحه. وغير ذلك من الأدعية.
وفي الختام أنبه على قضيتين الأولى: أن هذه الأدعية تؤدى بشكل فردي أي أن كل مصلٍ يدعو لنفسه دون أن يشوش على غيره من المصلين ولا يجوز أن تؤدى هذه الأدعية بشكل جماعي كما يفعل بعض المصلين حيث إن الإمام يدعو ويؤمن المأمومون على دعائه، فهذا لم يثبت عن النبي- ﷺ قال العلامة ابن القيم: [وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين فلم يكن ذلك من هديه ﷺ أصلاً ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن] زاد المعاد ١/ ٢٥٧.
الثانية: قال العلامة ابن القيم: [وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها وهذا هو اللائق بحال المصلي فإنه مقبل على ربه
стр. 1440
يناجيه ما دام في الصلاة فإذا سلَّم منها انقطعت تلك المناجاة وزال ذلك الموقف بين يديه والقرب منه فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه والإقبال عليه ثم يسأله إذا انصرف عنه؟ ولا ريب أن عكس هذا الحال هو الأولى بالمصلي] زاد المعاد ١/ ٢٥٧ - ٢٥٨.
وقول العلامة ابن القيم غير مسلَّم على إطلاقه فقد ثبت في أدعية كثيرة أن النبي ﷺ دعا بها بعد السلام من الصلاة كما سبق، ومما يؤيد ذلك ما قاله الإمام البخاري في صحيحه: [باب الدعاء بعد الصلاة ثم ذكر حديث المغيرة السابق وفيه: [كتب المغيرة إلى معاوية بن أبي سفيان أن رسول الله ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة إذا سلّم) الحديث. صحيح البخاري مع الفتح ١٣/ ٢٨٤.
وقال الحافظ ابن حجر: [قوله باب الدعاء بعد الصلاة، أي المكتوبة وفي هذه الترجمة ردٌّ على من زعم أن الدعاء بعد الصلاة لا يشرع متمسكاً بالحديث الذي أخرجه مسلم من رواية عبد الله بن الحارث عن عائشة: كان النبي ﷺ إذا سلًّم لا يثبت إلا قدر ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. والجواب أن المراد بالنفي المذكور نفي استمراره جالساً على هيئته قبل السلام إلا بقدر أن يقول ما ذكر، فقد ثبت أنه كان إذا صلى أقبل على أصحابه] ثم نقل كلام ابن القيم السابق ثم قال الحافظ ابن حجر: [وما ادعاه من النفي مطلقاً مردود فقد ثبت عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: (يا معاذ إني والله لأحبك فلا تدع دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم.
وحديث أبي بكرة في قول: (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر كان النبي ﷺ يدعو بهن دبر كل صلاة) أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وصححه الحاكم ... وحديث زيد بن أرقم (سمعت رسول الله ﷺ يدعو في دبر كل صلاة اللهم ربنا ورب كل شيء) .. الحديث، أخرجه أبو داود والنسائي. وحديث صهيب رفعه (كان يقول إذا
стр. 1441
انصرف من الصلاة اللهم أصلح لي ديني) الحديث أخرجه النسائي وصححه ابن حبان وغير ذلك.
فإن قيل المراد بدبر كل صلاة قرب آخرها وهو التشهد قلنا قد ورد الأمر بالذكر دبر كل صلاة والمراد به بعد السلام إجماعاً، فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه. وقد أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة: (قيل: يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبات) وقال حسن: وأخرج الطبري من رواية جعفر بن محمد الصادق قال: الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة كفضل المكتوبة على النافلة. وفهم كثير ممن لقيناه من الحنابلة أن مراد ابن القيم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقاً وليس كذلك. فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار استقبال المصلي القبلة وإيراده بعد السلام وأما إذا انتقل بوجهه أو قدم الأذكار المشروعة فلا يمتنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ] فتح الباري ١٣/ ٣٨٢.
قراءة آية الكرسي بعد الصلاة المفروضة
يقول السائل: هل ورد عن النبي ﷺ قراءة آية الكرسي بعد الصلاة المفروضة؟
الجواب: نعم وردت عدة أحاديث عن النبي ﷺ في قراءة آية الكرسي عقب الصلوات المكتوبات ولكن هذه الأحاديث مختلف في أسانيدها وأمثلها حديث أبي أمامه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت) رواه النسائي في السنن الكبرى والطبراني في الكبير وابن السني وغيرهم. وهذا الحديث اختلف المحدثون فيه اختلافاً كبيراً فصححه أو حسنه جماعة وضعفه آخرون وقد اعتبره ابن الجوزي من الأحاديث الموضوعة أي
стр. 1442
المكذوبة ولم يسلَّم له ذلك، قال العلامة ابن القيم: [وهذا الحديث تفرد به محمد بن حمير عن محمد بن زياد الألهاني عن أبي أمامه ورواه النسائي عن الحسين بن بشر عن محمد بن حمير. وهذا الحديث من الناس من يصححه ويقول الحسين بن بشر قد قال فيه النسائي: [لا بأس به وفي موضع آخر ثقة. وأما المحمدان فاحتج بهما البخاري في صحيحه قالوا فالحديث على رسمه ومنهم من يقول: هو موضوع وأدخله أبو الفرج بن الجوزي في كتابه في الموضوعات وتعلق على محمد بن حمير وأن أبا حاتم الرازي قال: لا يحتج به وقال يعقوب بن سفيان: ليس بقوي وأنكر ذلك عليه بعض الحفاظ ووثقوا محمداً وقال: هو أجل من أن يكون له حديث موضوع وقد احتج به أجل من صنف في الحديث الصحيح وهو البخاري ووثقه أشد الناس مقالة في الرجال يحيى بن معين وقد رواه الطبراني في معجمه أيضاً من حديث عبد الله بن حسن عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى).
وقد روي هذا الحديث من حديث أبي أمامه وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر والمغيرة بن شعبة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وفيها كلها ضعف ولكن إذا انضم بعضها إلى بعض مع تباين طرقها واختلاف مخارجها دلت على أن الحديث له أصل وليس بموضوع. وبلغني عن شيخنا أبي العباس ابن تيمية قدس الله روحه أنه قال: ما تركتها عقيب كل صلاة] زاد المعاد ١/ ٣٠٣ - ٣٠٤.
وقال الحافظ المنذري بعد أن ذكر الحديث: [رواه النسائي والطبراني بأسانيد أحدها صحيح وقال شيخنا أبو الحسن: هو على شرط البخاري وابن حبان في الصلاة وصححه] وصححه الألباني أيضاً. صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٢٥٨ وانظر السلسلة الصحيحة ٢/ ٦٩٧ - ٧٠١.
وقال الحافظ المناوي: [وقال ابن حجر في تخريج المشكاة: غفل ابن الجوزي في زعمه وضعه وهو من أسمج ما وقع له. وقال الدمياطي: له طرق إذا انضم بعضها إلى بعض أحدثت قوة ونقل الذهبي في تاريخه عن
стр. 1443
السيف ابن أبي المجد الحافظ قال صنف ابن الجوزي كتاب الموضوعات فأصاب في ذكره أحاديث مخالفة للعقل والنقل ومما لم يصب فيه إطلاقه الوضع على أحاديث بكلام بعضهم في أحد رواتها كفلان ضعيف أو لين أو غير قوي وليس ذلك الحديث مما يشهد القلب ببطلانه ولا يعارض الكتاب والسنة ولا حجة بأنه موضوع سوى كلام رجل في رواته وهذا عدوان ومجازفة فمن ذلك هذا الحديث] فيض القدير ٦/ ٢٥٦.
ومعنى قول النبي ﷺ : (إلا الموت) أي الموت حاجز بينه وبين دخول الجنة فإذا تحقق وانقضى حصل دخوله. وقيل معنى الحديث أنه لم يبق من شرائط دخول الجنة إلا الموت فكأن الموت يمنع ويقول لا بد من حضوري أولاً ليدخل الجنة. انظر المرقاة شرح المشكاة ٣/ ٥٦.
فهذا الحديث حديث صالح للاحتجاج ولذلك فإن العلماء أنكروا على ابن الجوزي إيراده في الموضوعات كما سبق في كلام الحافظ ابن حجر.
ومن الأحاديث الضعيفة الواردة في قراءة آية الكرسي عقب الصلوات المكتوبات ما روي أن النبي ﷺ قال: (من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى) رواه الطبراني وضعفه الألباني في تمام المنة ص٢٢٧ وفي ضعيف الترغيب والترهيب ١/ ٤٩٠. وسبق ذكره في كلام ابن القيم.
ومنها ما روي في الحديث: (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة كان بمنزلة من قاتل عن أنبياء الله حتى يستشهد) رواه ابن السني وهو حديث ضعيف
ومنها ما ورد في الحديث (من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة خَرقت سبع سموات فلم يلتئم خرقُها حتى ينظرَ اللهُ إلى قائلها فيغفر له ثم يبعث الله ملكاً فيكتب حسناته ويمحو سيئاته إلى الغد من تلك الساعة) رواه ابن عدي عن جابر مرفوعاً وإسناده باطل وله سند آخر فيه مجاهيل، وقد رواه الحكيم الترمذي عن أنس مرفوعاً] الفوائد المجموعة ص٢٩٩ - ٣٠٠.
стр. 1444
ومنها ما روي في الحديث: (من قرأ آية الكرسي وكتب بزعفران على راحة كفه اليسرى بيده اليمنى سبع مرات ويلحسها بلسانه لم ينس أبداً) في إسناده: وضاع. ومنها (من قرأ آية الكرسي لم يتول قبض نفسه إلا الله تعالى) قال تقي الدين السبكي: منكر ويشبه أن يكون موضوعاً. ومنها (من قرأ آية الكرسي على أثر وضوئه أعطاه الله ثواب أربعين عاماً ورفع له أربعين درجة وزوجه أربعين حوراء) في إسناده مقاتل بن سليمان كذاب] الفوائد المجموعة ص٣١١ - ٣١٢. وغير ذلك من الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي لا يصح الاحتجاج بها.
وأخيراً ينبغي التنبيه على أمرين: الأول أنه قد ورد أيضاً قراءة: [قل هو الله أحد والمعوذتين بعد الصلوات المكتوبات] كما في حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: [أمرني رسول الله- ﷺ أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة] رواه أحمد وأبو داود والنسائي وهو حديث صحيح كما قال الألباني في السلسلة الصحيحة ٤/ ١٩، وفي صحيح سنن الترمذي ٣/ ٨.
الثاني: نقل العلامة ابن القيم عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية أن المراد بدبر الصلاة آخرها قبل التسليم فقال: [ودبر الصلاة يحتمل قبل السلام وبعده وكان شيخنا يرجح أن يكون قبل السلام فراجعته فيه فقال: دبر كل شيء منه كدبر الحيوان] زاد المعاد ١/ ٣٠٥.
وما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية من كون ذلك قبل السلام غير مسلَّم فإن لفظ الدبر يستعمل أيضاً في العقب بمعنى بعد كما يقال أعتق عبده عن دبر أي بعد وفاته.
وما ورد في الأحاديث من قوله ﷺ دبر الصلاة أي بعد التسليم كما ورد في الحديث عن عبد الله بن الزبير ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يهلل دبر كل صلاة حين يسلم بهؤلاء الكلمات: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون). رواه مسلم.
стр. 1445
ومثل قوله ﷺ : (من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين وكبر الله ثلاثاً وثلاثين وحمد الله ثلاثاً وثلاثين وقال تمام المئة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) رواه مسلم.
وهكذا في الأحاديث الأخرى الواردة في الذكر دبر الصلاة أي بعد التسليم.
قال الحافظ ابن حجر: [وأما رواية " دبر " فهي بضمتين، قال الأزهري: دبر الأمر يعني بضمتين ودبره يعني بفتح ثم سكون آخره. وادعى أبو عمرو الزاهد أنه لا يقال بالضم إلا للجارحة ورد بمثل قولهم أعتق غلامه عن دبر ومقتضى الحديث أن الذكر المذكور يقال عند الفراغ من الصلاة فلو تأخر ذلك عن الفراغ فإن كان يسيراً بحيث لا يعد معرضاً أو كان ناسياً أو متشاغلاً بما ورد أيضاً بعد الصلاة كآية الكرسي فلا يضر) فتح الباري ٢/ ٤٢٤.
وقال المناوي عن قول ابن تيمية السابق: [وفيه بعد] فيض القدير ٦/ ٢٥٦.
ومما يدل على أن المراد بدبر الصلاة أنه بعد التسليم ما ورد في رواية أخرى للحديث: [من قرأ آية الكرسي عقب كل صلاة] أي بعد السلام. انظر الوابل الصيب ص ٢٢١، فيض القدير ٦/ ٢٥٦. وقد أيدت اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية أن دبر الصلاة يكون بعد التسليم فقالت: [تسن قراءة آية الكرسي وسورة الإخلاص والمعوذتين وتكون القراءة سراً ويكون بعد الانتهاء من الذكر بعد السلام] فتاوى اللجنة الدائمة ٧/ ١٠٨.
وخلاصة الأمر أنه يستحب قراءة آية الكرسي وقل هو الله أحد والمعوذتين بعد انتهاء الصلاة ويقرؤها سراً.
стр. 1446
كيفية صلاة سنة الجمعة البعدية
يقول السائل: إذا صليتُ سنةَ الجمعة البعدية أربع ركعات فهل أصليها اثنتين بتسليمة ثم اثنتين بتسليمة أم أصليها أربعاً متصلة بتسليمة واحدة؟
الجواب: الثابت عند أهل العلم أن الجمعة لها سنة تصلى بعدها ولا سنة معينة تصلى قبلها.
وقد ورد في صلاة السنة بعد الجمعة أنها ركعتان وورد أنها أربع ركعات وورد أنها ست ركعات ومن الأحاديث والآثار الواردة في ذلك ما يلي: عن ابن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته) رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية عند مسلم عن ابن عمر ﵄ أنه وصف تطوع صلاة رسول الله ﷺ قال: (فكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين في بيته).
وعن أبي هريرة ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً) رواه مسلم.
وعن ابن عمر ﵄: (أنه إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين ثم تقدم فصلى أربعاً وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين ولم يصل في المسجد فقيل له، فقال: كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك) رواه أبو داود والترمذي وقال العراقي إسناده صحيح.
وروى الطحاوي بإسناده عن عطاء قال أبو إسحق حدثني غير مرة قال: صليت مع ابن عمر ﵄ يوم الجمعة فلما سلَّم قام فصلى ركعتين ثم قال: فصلى أربع ركعات ثم انصرف.
فهذا ابن عمر ﵃ قد كان يتطوع بعد الجمعة بركعتين ثم أربع فيحتمل أن يكون فعل ذلك لما قد كان ثبت عنده من قول
стр. 1447
رسول الله ﷺ في ذلك وفعله وروى عن علي ﵃ أنه قال: من كان مصلياً بعد الجمعة فليصل ستاً. وروى عن أبي عبد الرحمن قال: علَّم ابن مسعود ﵃ الناس أن يصلوا بعد الجمعة أربعاً فلما جاء علي بن أبي طالب ﵃ علمهم أن يصلوا ستاً.
ثم قال الطحاوي: [فثبت بما ذكرنا أن التطوع الذي لا ينبغي تركه بعد الجمعة ست وهو قول أبو يوسف إلا أنه قال: أحب إليَّ أن يبدأ بالأربع ثم يثني بالركعتين لأنه هو أبعد من أن يكون قد صلى بعد الجمعة مثلها على ما قد نهي عنه] شرح معاني الآثار ١/ ٣٣٧.
وقد قال بمقتضى هذه الأحاديث أهل العلم فقد ذكر الترمذي بعد أن روى حديث ابن عمر أنه ﵊ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين: [والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وبه يقول الشافعي وأحمد] سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٣/ ٤٦. ونقل ذلك عن عمر وعمران بن حصين والنخعي. وقال الترمذي بعد أن روى حديث أبي هريرة ﵃ أنه ﵊ قال: (من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل بعدها أربعاً): والعمل على هذا عند بعض أهل العلم] ثم ذكر الترمذي أن عبد الله بن مسعود كان يصلي بعد الجمعة أربعاً وذكر أن علياً أمر أن يصلى بعد الجمعة ركعتين ثم أربعاً. انظر المصدر السابق ٣/ ٤٧ - ٤٩.
ونقل عن علقمة وأبي حنيفة أنه يصلي أربعاً. وقال طائفة أخرى من أهل العلم يصلي بعدها ركعتين ثم أربعاً وروي ذلك عن علي وابن عمر وأبي موسى وهو قول عطاء والثوري وأبي يوسف من الحنفية.
ومن أهل العلم من خير المصلي بين هذه الثلاثة فإما أن يصلي ركعتين أو أربعاً أو ستاً فقد ذكر الشيخ ابن قدامة المقدسي عن الإمام أحمد أنه قال إن شاء صلى بعد الجمعة ركعتين وإن شاء أربعاً وفي رواية وإن شاء ستاً. واستدل ابن قدامة على ذلك بقوله: [ولنا أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك كله بدليل ما روي من الأخبار وروي عن ابن عمر: (أن رسول الله ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين) متفق عليه وفي لفظ لمسلم:
стр. 1448
(وكان لا يصلي في المسجد حتى ينصرف فيصلي ركعتين في بيته) وهذا يدل على أنه مهما فعل من ذلك كان حسناً. قال أحمد في رواية عبد الله: ولو صلى مع الإمام ثم لم يصل شيئاً حتى صلى العصر كان جائزاً قد فعله عمران بن حصين وقال في رواية أبي داود: يعجبني أن يصلي يعني بعد الجمعة] المغني ٢/ ٢٦٩ - ٢٧٠.
وقال إسحق بن راهويه إن صلى في المسجد يوم الجمعة صلى أربعاً وإن صلى في بيته صلى ركعتين ذكره الترمذي في سننه والعراقي في طرح التثريب ٣/ ٣٨. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية قال ابن القيم: [قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية: إن صلى في المسجد صلى أربعاً وإن صلى في بيته صلى ركعتين قلت: وعلى هذا تدل الأحاديث وقد ذكر أبو داود عن ابن عمر أنه كان إذا صلى في المسجد صلى أربعاً وإذا صلى في بيته صلى ركعتين] زاد المعاد ١/ ٤٤٠. واختارته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية فقالت: [ويجمع بين ما يدل على مشروعية أربع ركعات وما يدل على مشروعية ركعتين بعد الجمعة أن المصلي يصلي أربعاً إذا صلى في المسجد ويصلي ركعتين إذا صلى في بيته وهناك جمع آخر بين الحديثين وهو أن الراتبة بعد الجمعة أقلها ركعتان وأكثرها أربع سواء فعلها في البيت أو في المسجد] غاية المرام ٧/ ٢٥٧.
وقال الحافظ ابن عبد البر بعد أن ذكر تعدد الروايات في سنة الجمعة البعدية:
[الاختلاف عن السلف في هذا الباب اختلاف إباحة واستحسان لا اختلاف منع وحظر وكل ذلك حسن إن شاء الله] فتح المالك ٣/ ٢٤٥.
وقال الحافظ أبو زرعة العراقي: [وقال ابن عبد البر: قال أبو حنيفة: يصلي بعد الجمعة أربعاً وقال في موضع آخر ستاً وقال الثوري: إن صليت أربعاً أو ستاً فحسن وقال الحسن بن حي: يصلي أربعاً وقال أحمد ابن حنبل أحب إلي أن يصلي بعد الجمعة ستاً وإن صلى أربعاً فحسن فلا بأس به، قال ابن عبد البر وكل هذه الأقاويل مروية عن الصحابة قولاً وعملاً ولا
стр. 1449
خلاف بين العلماء أن ذلك على الاختيار وقال ابن بطال: قالت طائفة: يصلي بعدها ركعتين روي عن ابن عمر وعمران بن حصين والنخعي وقالت طائفة يصليي بعدها ركعتين ثم أربعاً روي عن علي وابن عمر وأبي موسى وهو قول عطاء والثوري وأبي يوسف إلا ان أبا يوسف استحب أن يقدم الأربع قبل الركعتين وقالت طائفة يصلي أربعاً لا يفصل بينهن بسلام روي ذلك عن ابن مسعود وعلقمة والنخعي وهو قول أبي حنيفة وإسحق انتهى. وقال النووي في شرح مسلم: نبه بقوله من كان منكم مصلياً على أنها سنة ليست واجبة وذكر الأربع لفضلها وفعله للركعتين في أوقات بياناً لأن أقلها ركعتان قال ومعلوم أنه- ﷺ كان يصلي في أكثر الأوقات أربعاً لأنه أمرنا بهن وحثنا عليهن بقوله: (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً) وهو أرغب في الخير وأحرص عليه وأولى به انتهى. وقال والدي ﵀ أي الحافظ العراقي - في شرح الترمذي: وما ادعاه من أنه معلوم كان يصلي في أكثر الأوقات أربعاً فيه نظر فليس ذلك بمعلوم ولا مظنون لأن الذي صح عنه صلاة ركعتين في بيته ولا يلزم من كونه أمر به أن يفعله وكلام ابن عمر المتقدم إنما أراد به رفع فعله بالمدينة وحسب كما تقدم لأنه لم يصح أنه صلى الجمعة بمكة وعلى تقدير وقوعه بمكة منه فليس ذلك في أكثر الأوقات بل نادر وربما كانت الخصائص في حقه بالتخفيف في بعض الأوقات فإنه ﷺ كان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول صبحكم مساكم الحديث
عند مسلم فربما لحقه تعب من ذلك فاقتصر على الركعتين في بيته وكان يطيلهما كما ثبت في رواية النسائي وأفضل الصلاة طول القنوت أي القيام فلعلها كانت أطول من أربع خفاف أو متوسطات] طرح التثريب ٣/ ٣٩ - ٤٠.
وأما بالنسبة للأربع إذا صلاها بعد الجمعة فإنه يصليها بتسليمة واحدة على الراجح من أقوال أهل العلم، قال الشوكاني: [وقد اختلف في الأربع الركعات هل تكون متصلة بتسليم في آخرها أو يفصل بين كل ركعتين بتسليم فذهب إلى الأول أهل الرأي وإسحق بن راهويه وهو ظاهر حديث أبي هريرة. وذهب إلى الثاني الشافعي والجمهور كما قال العراقي واستدلوا
стр. 1450
بقوله ﷺ : (صلاة النهار مثنى مثنى) أخرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه وقد تقدم. والظاهر القول الأول لأن دليله خاص ودليل القول الآخر عام وبناء العام على الخاص واجب] نيل الأوطار ٣/ ٣١٩ - ٣٢٠.
وروى محمد بن الحسن في كتابه الآثار عن إبراهيم النخعي قال: أربع بعد الظهر وأربع بعد الجمعة لا يفصل بينهن بتسليم]. الآثار ١/ ٢٨٠.
وخلاصة الأمر أن المصلي بعد الجمعة في سعة من أمره إن شاء صلى ثنتين وإن شاء صلى أربعاً، فإن صلى أربعاً صلاها بتسليم واحد.
فضل قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة
يقول السائل: ما هو فضل قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة؟
الجواب: وردت أحاديث كثيرة في فضائل سورة الكهف بشكل عام وعلى وجه الخصوص في فضل قراءتها يوم الجمعة فمن فضائلها العامة ما ثبت في الحديث عن البراء بن عازب ﵁ قال: (كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدنو وتدنو وجعل فرسه ينفر فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال تلك السكينة تنزلت بالقرآن) رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال) رواه مسلم.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ سورة الكهف كما أنزلت كانت له نوراً يوم القيامة من مقامه إلى مكة ومن قرأ عشر آيات من آخرها ثم خرج الدجال لم يسلط عليه ومن توضأ ثم قال سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك كتب في رق ثم طبع بطابع فلم يكسر إلى يوم القيامة) رواه الحاكم ثم قال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
стр. 1451
وعن ثوبان ﵁ أنه ﷺ قال: (من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف فإنه عصمة له من الدجال) رواه النسائي في السنن الكبرى وإسناده صحيح.
وأما ما ورد في فضل قراءة سورة الكهف في ليلة الجمعة ويومها فمنه ما ورد عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة تكون فإن خرج الدجال عصم منه) قال الضياء المقدسي في المختارة في إسناده: من لم أقف له على ترجمة.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال ﷺ : (من قرأ سورة الكهف كانت له نوراً يوم القيامة من مقامه إلى مكة ومن قرأ عشر آيات من آخرها ثم خرج الدجال لم يضره ومن توضأ فقال سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك كتب في رق ثم جعل في طابع فلم يكسر إلى يوم القيامة) رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح إلا أن النسائي قال بعد تخريجه في اليوم والليلة: هذا خطأ والصواب موقوفاً ثم رواه من رواية الثوري وغندر عن شعبة موقوفاً قاله الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٣٩. وقال الألباني: صحيح لغيره، انظر صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ١٩٠.
وعن معاذ بن أنس عن رسول ﷺ أنه قال: (من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نوراً من قدمه إلى رأسه ومن قرأها كلها كانت له نوراً ما بين الأرض إلى السماء) رواه أحمد والطبراني وفي إسناد أحمد ابن لهيعة وهو ضعيف وقد يحسن قاله الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٥٢.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول ﷺ : (من قرأ سورة الكهف كانت له نوراً يوم القيامة من مقامه إلى مكة ومن قرأ عشر آيات من آخرها ثم خرج الدجال لم يضره) رواه الطبراني في الأوسط في حديث طويل وهو بتمامه في كتاب الطهارة ورجاله رجال الصحيح قاله الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٥٣.
стр. 1452
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين) رواه النسائي والبيهقي مرفوعاً والحاكم مرفوعاً وموقوفاً أيضا وقال صحيح الإسناد. ورواه الدارمي في مسنده موقوفاً على أبي سعيد ولفظه قال: (من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق) وفي أسانيدهم كلها إلا الحاكم أبو هاشم يحيى بن دينار الروماني والأكثرون على توثيقه وبقية الإسناد ثقات وقال الألباني: صحيح، انظر صحيح الترغيب والترهيب ١/ ٤٥٥.
وقد نص الإمام الشافعي على استحباب قراءة سورة الكهف ليلة الجمعة ويوم الجمعة، انظر المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح ص١١٩.
وقد علل العلماء سبب فضيلة قراءة سورة الكهف بعدة تعليلات قال الإمام النووي:
[سبب ذلك ما في أولها من العجائب والآيات فمن تدبرها لم يفتن بالدجال وكذا آخرها قوله تعالى: (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا). شرح صحيح مسلم ٢/ ٤١٨.
وقال القرطبي المحدث: [وقوله ﷺ : (من قرأ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال) وفي الرواية الأخرى: من آخر الكهف. واختلف المتأولون في سبب ذلك فقيل: لما في قصة أصحاب الكهف من العجائب والآيات فمن علمها لم يستغرب أمر الدجال ولم يهله ذلك فلا يفتنن به. وقيل: لما في قوله تعالى:
(أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ) إلى آخر السورة من المعاني المناسبة لحال الدجال وهذا على رواية من روى: من آخر الكهف. وقيل: لقوله تعالى: (قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ)، تمسكاً بتخصيص البأس بالشدة واللدنية وهو مناسب لما يكون من الدجال من
стр. 1453
دعوى الإلهية واستيلائه وعظيم فتنته ولذلك عظم النبي ﷺ أمره وحذر منه وتعوذ من فتنته فيكون معنى هذا الحديث: أن من قرأ هذه الآيات وتدبرها ووقف على معناها حذره فأمن من ذلك وقيل: هذا من خصائص هذه السورة كلها فقد روي: (من حفظ سورة الكهف ثم أدرك الدجال لم يسلط عليه) وعلى هذا تجتمع رواية من روى: (من أول سورة الكهف) ورواية من روى: (من آخرها) ويكون ذكر العشر على جهة الاستدراج في حفظها كلها وقيل: إنما كان ذلك لقوله: (قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ) فإنه يهون بأس الدجال. وقوله: (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا)، فإنه يهون الصبر على فتن الدجال بما يظهر من جنته وناره وتنعيمه وتعذيبه. ثم ذمه تعالى لمن اعتقد الولد يفهم منه أن من ادعى الإلهية أولى بالذم وهو الدجال ثم قصة أصحاب الكهف فيها عبرة تناسب العصمة من الفتن وذلك أن الله تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: (رَبَّنَاءَاتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)، فهؤلاء قوم ابتلوا فصبروا وسألوا
إصلاح أحوالهم فأصلحت لهم وهذا تعليم لكل مدعو إلى الشرك ومن روى من آخر الكهف فلما في قوله تعالى: (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا)، فإن فيه ما يهون ما يظهره الدجال من ناره] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٢/ ٤٣٩ - ٤٤٠.
وقال الطيبي: [كما أن أولئك الفتية عصموا من ذلك الجبار كذلك يعصم الله القارىء أي قارئ سورة الكهف من الجبار واللام للعهد وهو الذي يخرج في آخر الزمان ويدعي الألوهية لخوارق تظهر على يديه كقوله للسماء أمطري فتمطر لوقتها وللأرض أنبتي فتنبت لوقتها زيادة في الفتنة ولذلك لم توجد فتنة على وجه الأرض أعظم من فتنته وما أرسل من نبي إلا حذره قومه أو للجنس فإن الدجال من يكثر منه الكذب والتلبيس ومنه الحديث: (يكون في آخر الزمان دجالون كذابون) أي مموهون وفي حديث: (لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالاً)] عمل اليوم والليلة لابن السني ص٤١٠.
стр. 1454
التكبيرات الزوائد في صلاة العيدين
يقول السائل: إن إمام المسجد عندهم يصلي صلاة العيد على مذهب أبي حنيفة فيكبر في الأولى ثلاثاً بعد تكبيرة الإحرام ثم يقرأ، وفي الركعة الثانية يبدأ بالقراءة ثم يكبر ثلاثاً ثم يكبر للركوع. وأنه لاحظ أن كثيراً من المصلين يخطئون في الصلاة فيركعون عند تكبير الإمام التكبيرة الأولى من التكبيرات الزوائد في الركعة الثانية فما قولكم في ذلك؟
الجواب: اختلف أهل العلم في التكبير في صلاة العيدين اختلافاً كبيراً في عدد التكبيرات الزوائد وفي موضعها وقد ذكر الشوكاني عشرة أقوال في المسألة في كتابه نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار ٣/ ٣٣٩ - ٣٤٠. وذكر غيره من العلماء أكثر من ذلك. ولكن يجب أن يعلم أن التكبيرات الزوائد في صلاة العيدين من السنن المستحبة عند جمهور أهل العلم ولا تبطل الصلاة بتركها عمداً أو سهواً. الروضة الندية ١/ ٣٨٣.
وأرجح أقوال أهل العلم أن السنة في تكبيرات صلاة العيد أن يكبر سبعاً في الأولى قبل القراءة وخمساً في الثانية قبل القراءة قال الحافظ العراقي: [هو قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة قال وهو مروي عن عمر وعلي وأبي هريرة وأبي سعيد وجابر وابن عمر وابن عباس وأبي أيوب وزيد بن ثابت وعائشة وهو قول الفقهاء السبعة من أهل المدينة وعمر بن عبد العزيز والزهري ومكحول وبه يقول مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد واسحق] نيل الأوطار ٣/ ٣٣٩. وانظر المجموع ٥/ ٩ - ٢٠. المغني ٢/ ٢٨٢.
وقد استدل لهذا القول بالأدلة التالية: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال النبي ﷺ : (التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الأخرى والقراءة بعدهما كلتيهما] رواه أبو داود وابن ماجة. وفي رواية عند أحمد وابن ماجة (أن النبي ﷺ كبر في عيد اثنتي عشرة تكبيرة سبعاً في الأولى وخمساً في الآخرة ولم يصل قبلها ولا بعدها) قال الإمام أحمد وأنا
стр. 1455
أذهب إلى هذا. وحديث عمرو بن شعيب حديث صحيح، صححه أحمد وعلي بن المديني والبخاري فيما حكاه الترمذي قاله الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٢/ ٨٤.
وقال الإمام النووي: [وحديث عمرو بن شعيب هذا حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بأسانيد حسنة] المجموع ٥/ ١٦.
وقال الحافظ العراقي: [إسناده صالح ونقل الترمذي في العلل المفردة عن البخاري أنه قال إنه حديث صحيح] نيل الأوطار ٣/ ٣٣٨. وقال الألباني حديث حسن انظر صحيح سنن أبي داود ١/ ٢١٣.
وعن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمساً) رواه أبو داود والحاكم والبيهقي وقال الشيخ الألباني حديث صحيح. انظر إرواء الغليل ٣/ ١٠٧.
وعن عمرو بن عوف المزني ﵁: (أن النبي ﷺ كبر في العيدين في الأولى سبعاً قبل القراءة وفي الثانية خمساً قبل القراءة) رواه الترمذي وقال: حديث حسن وهو أحسن شيء روي في هذا الباب عن النبي ﷺ . سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٣/ ٦٦. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/ ١٦٦.
وعن سعد القرظ ﵁ مؤذن النبي ﷺ : (أن رسول الله ﷺ كان يكبر في العيدين في الأولى سبعاً قبل القراءة وفي الآخرة خمساً قبل القراءة) رواه ابن ماجة والحاكم والبيهقي وصححه الألباني بشواهده في صحيح سنن ابن ماجة ١/ ٢١٥.
وعن ابن عمر ﵁ مرفوعاً: (التكبير في العيدين في الركعة الأولى سبع تكبيرات وفي الآخرة خمس تكبيرات) رواه الدارقطني والبزار وهو حديث ضعيف. وعن جابر ﵁ قال: [مضت السنة أن يكبر للصلاة في العيدين سبعاً وخمساً] رواه البيهقي. وغير ذلك من الأحاديث.
стр. 1456
ويلاحظ على هذه الأحاديث أن كل حديث منها لم يسلم من النقد ولكن مجموع هذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً قال الشيخ الألباني بعد أن فصَّل الكلام على حديث عائشة السابق: [وبالجملة فالحديث بهذه الطرق صحيح ويؤيده عمل الصحابة به منهم أبو هريرة فيما رواه نافع مولى ابن عمر قال: [شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة فكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة وفي الآخرة خمس تكبيرات قبل القراءة] أخرجه مالك ومن طريقه الفريابي والبيهقي. ثم أخرجاه وكذا ابن أبي شيبة من طرق أخرى عن نافع به. وزاد البيهقي: وهي السنة. ومنهم عبد الله ابن عمر مثل حديثه المرفوع المتقدم، أخرجه الطحاوي وسنده صحيح. ومنهم عبد الله بن عباس " أنه كان يكبر في العيد في الأولى سبع تكبيرات بتكبيرة الافتتاح وفي الآخرة ستاً بتكبيرة الركعة كلهن قبل القراءة ". رواه ابن أبي شيبة عن ابن جريح عن عطاء عنه وهذا سند صحيح على شرط الشيخين. إلخ] إرواء الغليل ٣/ ١١٠ - ١١١.
وقد رجح جماعة من أهل العلم أن السنة في التكبير في صلاة العيد سبعاً في الأولى وخمساً في الثانية منهم الحافظ ابن عبد البر حيث قال: [وروي عن النبي ﷺ من طرق حسان أنه كبر في العيدين سبعاً في الأولى وخمساً في الثانية من حديث عبد الله بن عمر وابن عمرو وجابر وعائشة وأبي واقد وعمرو بن عوف المزني ولم يرد عنه في وجه قوي ولا ضعيف خلاف هذا وهو أولى ما عمل به] المنهل العذب المورود ٦/ ٣٣١ وانظر أيضاً فتح المالك ٣/ ٣٤٦ - ٣٤٧ حيث فصَّل الحافظ ابن عبد البر الكلام على روايات الأحاديث الواردة في التكبيرات ثم قال عن مذهب الحنفية: [ليس يروى عن النبي ﷺ من وجه قوي ولا ضعيف مثل قول هؤلاء] فتح المالك ٣/ ٣٤٧.
وقال الشوكاني: [وأرجح هذه الأقوال أولها في عدد التكبير وفي محل القراءة] نيل الأوطار ٣/ ٣٤١. والأول الذي ذكره أنه يكبر في الأولى سبعاً قبل القراءة وفي الثانية خمساً قبل القراءة.
وقال الحافظ المباركفوري: [فالأولى للعمل هو ما ذهب إليه أهل
стр. 1457
المدينة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم لوجهين: الأول أنه قد جاء فيه أحاديث مرفوعة عديدة وبعضها صالح للاحتجاج والباقية مؤيدة لها وأما ما ذهب إليه أهل الكوفة فلم يرد فيه حديث مرفوع غير حديث أبي موسى الأشعري وقد عرفت أنه لا يصلح للاحتجاج. والوجه الثاني أنه قد عمل به أبو بكر وعمر ﵄ وقد تقدم في كلام الحافظ الحازمي أن أحد الحديثين إذا كان عمل به الخلفاء الراشدون دون الثاني فيكون آكد وأقرب إلى الصحة وأصوب بالأخذ هذا ما عندي والله تعالى أعلم] تحفة الأحوذي ٣/ ٧١. وممن رجح هذا القول الصنعاني في سبل السلام ٢/ ٦٨. وصديق حسن خان كما في الروضة الندية ١/ ٣٨٢.
ومما ينبغي التنبيه عليه أن السنة أن يرفع المصلي يديه مع كل تكبيرة من التكبيرات قال العلامة ابن عثيمين: [لأن هذا ورد عن الصحابة ﵃ ولم يرد عن النبي ﷺ خلافه ومثل هذا العمل لا مدخل للاجتهاد فيه لأنه عبادة فهو حركة في عبادة فلا يذهب إليه ذاهب من الصحابة إلا وفيه أصل عن رسول الله ﷺ وقد صح عن ابن عمر (أنه كان يرفع يديه في تكبيرات الجنازة في كل تكبيرة) بل إنه روي عنه مرفوعاً ومنهم من صححه مرفوعاً عن النبي ﷺ . وكذلك هنا فعن عمر (أنه كان يرفع يديه مع كل تكبيرة في الجنازة والعيد) وكذلك عن زيد رواهما الأثرم) الشرح الممتع على زاد المستقنع ٥/ ١٨٢. ورفع اليدين مع كل تكبيرة هو قول عطاء والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي ومحمد وداود وابن المنذر وغيرهم.
ويستحب أن يحمد الله ويسبحه ويكبره ويصلي على النبي ﷺ بين كل تكبيرتين.
ومن العلماء من قال يستحب أن يقول: الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلا وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً.
ومن العلماء من قال يستحب أن يقول سبحان الله والحمد لله ولا
стр. 1458
إله الله والله أكبر اللهم صل على محمد وعلى آل محمد اللهم اغفر لي وارحمني.
ومنهم من قال يستحب أن يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
وإن أحب قال غير ما ذكر إذ لم يثبت فيه عن النبي ﷺ ذكر مؤقت والأمر فيه سعة. انظر غاية المرام شرح مغني ذوي الأفهام ١/ ٣٤٤ - ٣٤٥.
ملحوظة: وقع خطأ مطبعي عند ذكر مسألة تكبيرات العيد الزوائد في الجزء الأول من يسألونك حيث وردت العبارة التالية: [ويكون التكبير سبعاً في الأولى بعد القراءة وخمساً في الثانية بعد القراءة] والصواب هو (قبل القراءة) في الموضعين فينبغي أن يصحح.
اجتماع الجمعة والعيد
يقول السائل: إنه قرأ في كتاب فقه السنة في مسألة اجتماع الجمعة والعيد في يوم واحد أن الحنابلة أوجبوا صلاة الظهر في حق من تخلف عن صلاة الجمعة وأن الشيخ سيد سابق رجح عدم وجوب صلاة الظهر واحتج على ذلك بما ورد عن الصحابي عبد الله بن الزبير أنه قال: عيدان اجتمعا في يوم واحد فجمعهما فصلاهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما حتى صلى العصر. فما قولكم في ذلك؟
الجواب: مسألة اجتماع الجمعة والعيد في يوم واحد محل اختلاف بين أهل العلم سبق وأن فصلتها في الجزء الخامس، وألخص أقوال العلماء فيها وهي ثلاثة: أكثر أهل العلم يرون أنه لا تجزىء واحدة منهما عن الأخرى فينبغي على المسلم أن يصلي العيد وأن يصلي الجمعة لأن عموم الأدلة التي أوجبت الجمعة لم تخص بدليل يصلح لذلك عندهم.
وقالت الشافعية تسقط الجمعة عن أهل البوادي والقرى إذا صلوا
стр. 1459
العيد مع أهل البلد وقالت الحنابلة وأكثر أهل الحديث تسقط الجمعة عمن صلى العيد إلا الإمام ومن لم يصلِ الجمعة فيجب عليه أن يصلي الظهر ونقل عن بعض العلماء إسقاط الظهر أيضاً. والقول الأول هو أولى الأقوال خروجاً من الخلاف وأما القول بسقوط صلاة الظهر فقد نسب إلى عبد الله بن الزبير ﵁ من الصحابة وعطاء بن أبي رباح من كبار التابعين إن صح الخبر عنهما وما أظنه يصح عنهما ففي صحته نظر وبيان ذلك كما يلي:
روى أبو داود بسنده عن عطاء قال: [اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير فقال عيدان اجتمعا في يوم واحد فجمعهما جميعاً فصلاهما ركعتين بكرة ولم يزد عليهما حتى صلى العصر] وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٢٠٠ ورواه ابن أبي شيبة عن وهب بن كيسان وإسناده حسن على شرط مسلم كما قال الإمام النووي في الخلاصة ٢/ ٨١٦
وفي رواية أخرى عند أبي داود عن عطاء قال: [صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحداناً وكان ابن عباس في الطائف فلما قدم ذكرنا ذلك له فقال: أصاب السنة] قال النووي: رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم الخلاصة ٢/ ٨١٧. وقال الشيخ الألباني صحيح انظر صحيح سنن أبي داود ١/ ٢٠٠.
وروى ابن أبي شيبة بسنده عن عطاء قال: [اجتمع عيدان في عهد ابن الزبير فصلى بهم العيد ثم صلى بهم الجمعة صلاة الظهر أربعاً] مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ١٨٧.
وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء فذكر ما حدث في عهد ابن الزبير ثم قال عطاء: [ ... وصليت أنا الظهر يومئذ.] مصنف عبد الرزاق ٣/ ٣٠٣.
هذه هي الآثار التي وقفت عليها فيما ورد عن ابن الزبير وعن عطاء وهذه الآثار لا يؤخذ منها أنهما قالا بإسقاط الظهر عمن صلى العيد وإنما قالا بأن الجمعة تسقط عمن صلى العيد.
стр. 1460
والرواية الأولى التي احتج بها من قال إن ابن الزبير أسقط الظهر لا تدل على ذلك قال الصنعاني: [ولا يخفى أن عطاء أخبر أنه لم يخرج ابن الزبير لصلاة الجمعة وليس ذلك بنص قاطع أنه لم يصل الظهر في منزله فالجزم بأن مذهب ابن الزبير سقوط صلاة الظهر في يوم الجمعة يكون عيداً على من صلى صلاة العيد لهذه الرواية غير صحيح لاحتمال أنه صلى الظهر في منزله بل في قول عطاء أنهم صلوا وحداناً أي الظهر ما يشعر بأنه لا قائل بسقوطه ولا يقال إن مراده صلوا الجمعة وحداناً فإنها لا تصح إلا جماعة إجماعاً] سبل السلام ٢/ ٥٣. والرواية الثانية تثبت أنهم صلوا الظهر وحداناً. والرواية الثالثة تثبت أنهم صلوا الظهر أربعاً. والرواية الرابعة تثبت أن عطاء صلى الظهر. وبهذا يظهر أن نسبة القول بإسقاط الظهر إلى ابن الزبير وعطاء نسبة غير صحيحة.
قال الشيخ محمود خطاب السبكي: [قوله صلَّى بنا ابن الزبير. إلخ، أي صلى بنا عبد الله بن الزبير صلاة العيد في يوم جمعة أول النهار ثم لم يخرج إلى صلاة الجمعة فصلينا وحداناً يعني صلوا الظهر منفردين لا الجمعة لأنها لا تصح إلا في جماعة كما تقدم في باب الجمعة للمملوك والمرأة في قوله ﷺ (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة) ولما حكاه النووي من الإجماع على أنها لا تصح إلا في جماعة] المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود ٦/ ٢٢١.
وقال الحافظ ابن عبد البر: [وأما إذن عثمان لأهل العوالي وقوله: قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان يعني الجمعة والعيد، قال: فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له، فقد اختلف العلماء في تأويل قول عثمان هذا واختلفت الآثار في ذلك أيضاً عن النبي ﷺ واختلف العلماء في تأويلها والأخذ بها: فذهب عطاء بن أبي رباح إلى أن شهود العيد يوم الجمعة يجزئ عن الجمعة إذا صلى بعدها ركعتين على طريق الجمع.
وروي عنه أيضاً أنه يجزيه وإن لم يصل غير صلاة العيد ولا صلاة
стр. 1461
بعد صلاة العيد حتى العصر وحكي ذلك عن ابن الزبير وهذا القول مهجور لأن الله افترض صلاة الجمعة في يوم الجمعة على كل من في الأمصار من البالغين الذكور الأحرار فمن لم يكن بهذه الصفات ففرضه الظهر في وقتها فرضاً مطلقاً لم يختص به يوم عيد من غيره. وقول عطاء هذا ذكره عبد الرزاق عن ابن جريج قال: [قال عطاء بن أبي رباح: إن اجتمع يوم الجمعة ويوم الفطر في يوم واحد فليجمعهما وليصلهما ركعتين فقط حتى يصلي صلاة الفطر ثم هي هي حتى العصر ثم أخبرنا عند ذلك قال: اجتمعا يوم فطر ويوم جمعة في يوم واحد في زمن ابن الزبير فقال ابن الزبير: عيدان اجتمعا في يوم واحد فجمعهما جميعاً جعلهما واحداً فصلى يوم الجمعة ركعتين بكرة صلاة الفطر لم يزد عليهما حتى صلى العصر قال: فأما الفقهاء فلم يقولوا في ذلك وأما من لم يفقه فأنكر ذلك عليه قال: ولقد أنكرت أنا ذلك عليه وصليت الظهر يومئذ قال: حتى بلغنا بعد أن العيدين كانا إذا اجتمعا صليا كذلك واحداً] فتح المالك ٣/ ٣٣٥.
وقال ابن عبد البر أيضاً: [وأما القول الأول: إن الجمعة تسقط بالعيد ولا تصلى ظهراً ولا جمعة فقول بين الفساد وظاهر الخطأ متروك مهجور لا يعرج عليه لأن الله يقول: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ). ولم يخص يوم عيد من غيره وأما الآثار المرفوعة في ذلك فليس فيها بيان سقوط الجمعة والظهر ولكن فيها الرخصة في التخلف عن شهود الجمعة وهذا محمول عند أهل العلم على وجهين أحدهما: أن تسقط الجمعة عن أهل المصر وغيرهم ويصلون ظهراً. والآخر أن الرخصة إنما وردت في ذلك لأهل البادية ومن لا تجب عليه الجمعة] وضعف الحافظ ابن عبد البر الرواية الواردة عن ابن الزبير وفيها أنه لم يخرج إلى الجمعة ثم قال: [وإذا احتملت هذه الآثار من التأويل ما ذكرنا لم يجز لمسلم أن يذهب إلى سقوط فرض الجمعة عمن وجبت عليه لأن الله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) ولم يخص الله ورسوله يوم عيد من غيره من وجه تجب حجته فكيف بمن ذهب إلى سقوط الجمعة والظهر المجتمع عليهما في الكتاب والسنة والإجماع
стр. 1462
بأحاديث ليس منها حديث إلا وفيه مطعن لأهل العلم بالحديث] فتح المالك ٣/ ٣٣٨ - ٣٣٩.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في جواب عن سؤال حول اجتماع الجمعة والعيد فذكر أن لأهل العلم فيها ثلاثة أقوال فذكر الأولين ثم قال: [والقول الثالث: وهو الصحيح أن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة. لكن على الإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها ومن لم يشهد العيد وهذا هو المأثور عن النبي- ﷺ وأصحابه كعمر وعثمان وابن مسعود وابن عباس وابن الزبير وغيرهم ولا يعرف عن الصحابة في ذلك خلاف. وأصحاب القولين المتقدمين لم يبلغهم ما في ذلك من السنة عن النبي ﷺ لما اجتمع في يومه عيدان صلى العيد ثم رخص في الجمعة وفي لفظ أنه قال:
(أيها الناس إنكم قد أصبتم خيراً فمن شاء أن يشهد الجمعة فليشهد فإنا مجمعون) وأيضاً فإنه إذا شهد العيد حصل مقصود الاجتماع ثم إنه يصلي الظهر إذا لم يشهد الجمعة فتكون الظهر في وقتها] مجموع الفتاوى ٢٤/ ٢١١.
وأفتت اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية بوجوب صلاة الظهر على من لم يحضر الجمعة في يوم عيد فقد جاء في فتواها: [من صلى العيد يوم الجمعة رخص له في الحضور لصلاة الجمعة ذلك اليوم إلا الإمام فيجب عليه إقامتها بمن حضر لصلاتها ممن قد صلى العيد وبمن لم يكن صلى العيد فإن لم يحضر إليه أحد سقط وجوبها عنه وصلى ظهراً. ومن لم يحضر الجمعة فمن شهد صلاة العيد وجب عليه أن يصلي الظهر عملاً بعموم الأدلة الدالة على وجوب صلاة الظهر على من لم يصل الجمعة] فتاوى إسلامية ١/ ٢٤٨.
وخلاصة الأمر أنه في حال اجتماع الجمعة والعيد فالأولى في حق من صلى العيد أن يصلي الجمعة خروجاً من الخلاف فإن لم يحضر الجمعة فيجب عليه أن يصلي الظهر ولا يصح القول بإسقاط الظهر فإن القول
стр. 1463
بسقوط الظهر ظاهر البطلان ولا متمسك لمن زعم ذلك فيما ورد عن ابن الزبير وعطاء فليس هذا دليلاً على إسقاط الظهر الثابتة بأدلة قوية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
المشروع من الأعمال في ليلة عيد الأضحى
يقول السائل: ما هو المشروع من الأعمال في ليلة عيد الأضحى؟
الجواب: لم يصح عن رسول الله ﷺ شيء في إحياء ليلة العيد سواء كان ذلك ليلة عيد الفطر أو ليلة عيد الأضحى وما ورد من روايات فهي أحاديث ضعيفة جداً وبعضها مكذوب على رسول ﷺ كما سأبين بعد قليل. لذا فإن إحياء ليلة العيد بدعة غير مشروعة فلا يشرع إحياؤها بصلاة خاصة أو أذكار خاصة أو غير ذلك من الطاعات قال العلامة ابن القيم في وصف هدي النبي ﷺ ليلة عيد الأضحى: [ثم نام حتى أصبح ولم يحي تلك الليلة ولا صح عنه في إحياء ليلتي العيد شيء] زاد المعاد ٢/ ٢٤٧. بل ليلة العيد كغيرها من الليالي ليس لها خاصية تمتاز بها على غيرها.
وأما ما ورد من أحاديث فقد بيَّن أهل الحديث حالها ودرجتها وأذكر بعضها:
ما روي عن أبي أمامه ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من قام ليلتي العيدين محتسباً لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) وفي رواية (من أحيا) رواه ابن ماجة وذكره
الدارقطني في العلل وابن الجوزي في العلل المتناهية وفي سنده متهم بالوضع وقال الحافظ ابن حجر: [حديث مضطرب الإسناد وذكر أن فيه متهماً بالوضع قاله المناوي في فيض القدير ٦/ ٣٩، وقال الألباني: موضوع. انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة ٢/ ١١.
٢. ما روي عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من
стр. 1464
أحيا الليالي الأربع وجبت له الجنة ليلة التروية وليلة عرفة وليلة النحر وليلة الفطر) رواه الأصبهاني ونصر المقدسي وفي إسناده عبد الرحيم بن زيد العمي وهو متروك كما قال النسائي والحافظ ابن حجر وقال يحيى بن معين كذاب، وحكم الشيخ الألباني على الحديث بأنه موضوع كما في سلسلة الأحاديث الضعيفة ٢/ ١١.
٣. ما روي عن عبادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) رواه الطبراني في الأوسط والكبير وفي سنده عمر بن هارون البلخي وهو كذاب كما قال يحيى بن معين وابن الجوزي انظر السلسلة الضعيفة ٢/ ١١. وحكم عليه الألباني بأنه حديث موضوع في المصدر السابق وكذا في ضعيف الترغيب والترهيب ١/ ٣٣٤.
٤. ما روي عن كردوس أن النبي ﷺ قال: (من أحيا ليلتي العيد وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) قال ابن الجوزي: [هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ وفيه آفات ثم ذكر من آفاته مروان بن سالم قال فيه النسائي
والدارقطني والأزدي متروك. العلل المتناهية ٢/ ٥٦٢. وقال الحافظ ابن حجر عنه: [ومروان هذا متهم بالكذب]. الإصابة ٥/ ٥٨٠. وقال الحافظ عنه في لسان الميزان: [هذا حديث منكر مرسل] ٤/ ٣٩١. وقال الذهبي في الميزان: [هذا حديث منكر مرسل] ٥/ ٣٧٢.
ومن أهل العلم من قوى هذه الأحاديث بمجموع طرقها كما في مصباح الزجاجة ٢/ ٨٥ حيث قال: [فيقوى بمجموع طرقه] ومن أهل العلم من قال يتسامح في هذه الأحاديث لأنها في فضائل الأعمال كما قال الإمام النووي: [اعلم أنه يستحب إحياء ليلتي العيدين في ذكر الله تعالى والصلاة وغيرهما من الطاعات للحديث الوارد في ذلك: (من أحيا ليلتي العيدين لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) وروي: (من قام ليلتي العيدين لله محتسباً لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) هكذا جاء في رواية الشافعي وابن ماجة وهو
стр. 1465
حديث ضعيف رويناه من رواية أبي أمامه مرفوعاً وموقوفاً وكلاهما ضعيف لكن أحاديث الفضائل يتسامح فيها كما قدمناه في أول الكتاب] الأذكار ص ١٤٥.
وما قاله الإمام النووي من التساهل في أحاديث الفضائل سبق له وأن قيده في أول كتابه الأذكار كما أشار إليه فقال [يجوز العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعاً] الأذكار ص ٥. وهذه الأحاديث المذكورة في إحياء ليلتي العيد قد حكم عليها جماعة من المحدثين بأنها موضوعة أو فيها من هو كذاب أو متهم بالوضع فلا تنطبق عليها القاعدة السابقة.
وخلاصة الأمر أن إحياء ليلتي العيدين بدعة لم يثبت فيه حديث يصلح للاحتجاج به أو الاعتماد عليه.
لا يجوز وضع المصحف مع الميت في القبر
يقول السائل: أوصى شخص قبل موته أن يوضع معه مصحف في قبره ليستأنس به فما حكم هذه الوصية؟
الجواب: يحرم تنفيذ هذه الوصية لما فيها من امتهان واحتقار للمصحف الشريف ويجب صيانة المصحف عن القاذورات والنجاسات ويجب تكريمه والمحافظة عليه هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن الذي ينفع الميت عمله الصالح.
стр. 1466
الزكاة
стр. 1467
الجهل بوجوب الزكاة لا يعد عذراً لإسقاطها
تقول السائلة: إنها ملكت مبلغاً كبيراً من المال منذ عدة سنوات ولكنها لم تزكِ مالها في السنوات الماضية لأنها لا تعلم بوجوب الزكاة على النساء فماذا تصنع؟
الجواب: الزكاة فريضة على الرجال والنساء سواء، متى تحققت أسبابها وشروطها من ملك النصاب وحولان الحول والفضل عن الحوائج الأصلية. ولا فرق بين الرجل والمرأة في وجوب الزكاة كما دلت على ذلك النصوص الموجبة للزكاة كما في قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ) سورة البقرة الآية ٤٣، وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) سورة التوبة الآيات ٣٤ - ٣٥. وقول النبي ﷺ لمعاذ ﵁ عندما بعثه إلى اليمن: (أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) رواه البخاري. ومما ورد في خصوص الزكاة على النساء ما جاء في الحديث عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: قال رسول الله ﷺ : (تصدّقن يا معشر النساء ولو من حليكن.
стр. 1468
قالت: فرجعت إلى عبد الله فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد - أي فقير - وإن الرسول- ﷺ قد أمرنا بالصدقة فإته فاسأله، فإن كان ذلك يجزي عني وإلا صرفتها لغيركم. قالت: فقال عبد الله: بل ائتيه أنت، قالت: فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ﷺ حاجتي حاجتها، قالت: وكان رسول الله ﷺ قد ألقيت عليه المهابة. قالت: فخرج علينا بلال فقلنا له: إئت رسول الله فأخبره أن امرأتين بالباب يسألانك: أتجزي الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما ولا تخبر من نحن قالت: فدخل بلال فسأله فقال له: من هما؟ فقال: امرأة من الأنصار وزينب فقال الرسول: أي الزيانب؟ فقال امرأة
عبد الله فقال ﷺ لهما أجران، أجر القرابة وأجر الصدقة) متفق عليه.
وأما قول السائلة إنها لا تعلم بوجوب الزكاة على النساء فهذا جهل لا يعذر صاحبه شرعاً فإن وجوب الزكاة من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة في ديار المسلمين ويجب على من جهل أن يسأل أهل العلم قال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) سورة النحل الآية ٤٣.
والعلم بالزكاة وأحكامها العامة فرض في حق من وجبت عليه وقد ورد في الحديث:
(طلب العلم فريضة على كل مسلم) رواه ابن ماجة وغيره وهو حديث صحيح بمجموع طرقه وانظر صحيح الترغيب والترهيب ١/ ١٤٠.
والمقصود بالعلم الذي هو فريضة ما هو فرض عين والمقصود بفرض العين ما يجب على كل مسلم مكلف أن يحصله ولا يعذر بجهله، وحدُّ هذا القسم هو ما تتوقف عليه صحة العبادة أو المعاملة فيجب على المسلم أن يتعلم كيفية الوضوء والصلاة والأحكام الأساسية في الصوم والزكاة إن كان عنده نصاب والأحكام الأساسية في الحج إن كان من أهل الاستطاعة وكذلك يجب عليه أن يتعلم أحكام المعاملات التي يحتاج إليها. قال ابن عابدين في حاشيته نقلاً عن العلامي في فصوله: [من فرائض الإسلام تعلم ما يحتاج إليه العبد في إقامة دينه وإخلاص عمله لله تعالى ومعاشرة عباده
стр. 1469
وفرض على كل مكلف ومكلفة بعد تعلمه علم الدين والهداية تعلم علم الوضوء والغسل والصلاة والصوم وعلم الزكاة لمن له نصاب والحج لمن وجب عليه والبيوع على التجار ليحترزوا عن الشبهات والمكروهات في سائر المعاملات وكذا أهل الحرف وكل من اشتغل بشيء يفترض عليه علمه وحكمه ليمتنع عن الحرام فيه] حاشية ابن عابدين ١/ ٤٢. وقال الإمام النووي: [. فرض العين وهو تعلم المكلف ما لا يتأدى الواجب الذي تعين عليه فعله إلا به ككيفية الوضوء والصلاة ونحوها] المجموع ١/ ٤٢ وقال الإمام القرافي: [إن الغزالي حكى الإجماع في إحياء علوم الدين والشافعي في رسالته حكاه أيضاً في أن المكلف لا يجوز له أن يقدم على فعل حتى يعلم حكم الله فيه فمن باع وجب عليه أن يتعلم ما عينه الله وشرعه في البيع ومن آجر وجب عليه أن يتعلم ما شرعه الله تعالى في الإجارة ومن قارض وجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في القراض ومن صلى وجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في تلك الصلاة وكذلك الطهارة وجميع الأقوال والأعمال فمن تعلم وعمل بمقتضى ما علم فقد أطاع الله طاعتين ومن لم يعلم ولم يعمل فقد عصى الله معصيتين ومن علم ولم يعمل بمقتضى علمه فقد أطاع الله تعالى طاعة وعصاه معصية] الفروق ٢/ ١٤٨.
وقال القرافي أيضاً في الاستدلال لكلامه السابق: [ومنه قوله ﷺ : (طلب العلم فريضة على كل مسلم) قال الشافعي ﵀ طلب العلم قسمان فرض عين وفرض كفاية ففرض العين علمك بحالتك التي أنت فيها وفرض الكفاية ما عدا ذلك فإذا كان العلم بما يقدم الإنسان عليه واجباً كان الجاهل في الصلاة عاصياً بترك العلم فهو كالمتعمد الترك بعد العلم بما وجب عليه فهذا هو وجه قول مالك ﵀ إن الجهل في الصلاة كالعمد والجاهل كالمتعمد لا كالناسي وأما الناسي فمعفو عنه لقوله ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وأجمعت الأمة على أن النسيان لا إثم فيه من حيث الجملة] الفروق ٢/ ١٤٩. إذا تقرر هذا فأقول للسائلة بأن الزكاة واجبة عليها عن كل السنوات التي لم تزكِ فيها ما دام أنها قد ملكت
стр. 1470
نصاباً وتحققت شروط وجوب الزكاة فعليها أن تؤدي زكاة مالها عن السنوات الماضية كلها ولا تبرأ ذمتها إلا بذاك.
قال الإمام النووي: [إذا مضت عليه سنون ولم يؤد زكاتها لزمه إخراج الزكاة عن جميعها سواء علم وجوب الزكاة أم لا وسواء كان في دار الإسلام أم دار الحرب] المجموع ٥/ ٣٣. فعلى هذه المرأة أن تحسب أموالها في كل سنة مضت وتزكي عن كل سنة. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وفائدة الخلاف أنها إذا كانت في الذمة - أي الزكاة - فحال على ماله حولان لم يؤد زكاتهما وجب عليه أداؤها لما مضى ولا تنقص عنه الزكاة في الحول الثاني. وكذلك إن كان أكثر من نصاب لم تنقص الزكاة وإن مضى عليه أحوال فلو كان عنده أربعون شاة مضى عليها ثلاثة أحوال لم يؤد زكاتها وجب عليه ثلاث شياه وإن كانت مائة دينار فعليه سبعة دنانير ونصف لأن الزكاة وجبت في ذمته فلم يؤثر في تنقيص النصاب] المغني ٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧.
وبهذا يظهر لنا أن الزكاة وهي حق من الحقوق المالية لا تسقط بالتقادم أي بمضي المدة بل تبقى ديناً في الذمة ولا تبرأ ذمة المؤخر لها إلا بإخراجها سواء أخّرها عمداً أو جهلاً فالتوبة لا أثر لها في إسقاط الحقوق المالية سواء كانت حقاً لله تعالى أو حقاً للعباد.
وخلاصة الأمر أن على هذه المرأة أن تؤدي زكاة مالها عن جميع السنوات الماضية ولا تبرأ ذمتها إلا بذاك.
وجوب الزكاة في العسل
يقول السائل: أرجو توضيح مسألة الزكاة في العسل وإن كان فيه زكاة فما نصاب الزكاة فيه؟
الجواب: العسل من الطيبات التي امتن الله بها على عباده قال تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي
стр. 1471
مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) سورة النحل الآيتان ٦٨ - ٦٩.
وقد اختلف العلماء قديماً في زكاة العسل وأرجح قولي العلماء في ذلك قول من أوجب الزكاة في العسل وهو قول الحنفية والحنابلة قال الإمام الترمذي بعد أن ذكر حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (في العسل كل عشرة أزق زق) قال الترمذي: [والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم وبه يقول أحمد واسحق وقال بعض أهل العلم ليس في العسل شيء] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٣/ ٢١٧ - ٢١٨.
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ومذهب أحمد أن في العسل العُشر. قال الأثرم سئل أبو عبد الله: أنت تذهب إلى أن في العسل زكاة؟ قال: نعم أذهب إلى أن في العسل زكاةً العُشر قد أخذ عمر منهم الزكاة. قلت: ذلك على أنهم تطوعوا به؟ قال: لا بل أخذه منهم ويروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز ومكحول والزهري وسليمان بن موسى والأوزاعي واسحق] المغني ٣/ ٢٠.
ومما يدل على ترجيح القول بوجوب الزكاة في العسل الأدلة العامة الواردة في وجوب الزكاة في الأموال ومنها قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) سورة التوبة الآية ١٠٣. وقوله تعالى:
(وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) سورة الذاريات الآية ١٩. وقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) سورة البقرة الآية٢٦٧.
وغير ذلك من الأدلة العامة التي توجب الزكاة في الأموال ولا شك أن العسل مال ومن المعروف اليوم أن هنالك مزارع خاصة لإنتاج العسل وتدر دخلاً كبيراً على أصحابها.
стр. 1472
وقد وردت أدلة خاصة في زكاة العسل ولكنها محل خلاف عند أهل العلم فمن ذلك:
مارواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله ﷺ بعشور نحل له وكان سأله أن يحمي وادياً يقال له سلبة فحمى له رسول الله ﷺ ذلك الوادي فلما ولي عمر بن الخطاب ﵁ كتب سفيان بن وهب إلى عمر بن الخطاب يسأله عن ذلك فكتب عمر: إن أدى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله ﷺ من عشور نحله فاحم له سلبة وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله متى يشاء) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٤/ ٣٤١ - ٣٤٢. وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٣٠٢.
وفي رواية أخرى عند أبي داود قال: [من كل عشر قرب قربة وقال سفيان بن
عبد الله الثقفي قال: وكان يحمي لهم واديين. زاد: فأدوا إليه ما كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ وحمى لهم وادييهم] سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٤/ ٣٤٢. وحسنه الألباني أيضاً في صحيح سنن أبي داود ١/ ٣٠٢.
وروى الترمذي بإسناده عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (في العسل في كل عشرة أزق زق) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/ ١٩٦.
وروى ابن ماجة بإسناده عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ انه أخذ من العسل العُشر. وقال الشيخ الألباني حسن صحيح. صحيح سنن ابن ماجة ١/ ٣٠٦. وانظر إرواء الغليل ٣/ ٣٨٤ - ٣٨٧.
ووردت آثار عن الصحابة والتابعين في وجوب الزكاة في العسل منها:
ما رواه ابن أبي شيبة بإسناده عن عمرو بن شعيب أن أمير الطائف كتب إلى عمر بن الخطاب أن أهل العسل منعونا ما كانوا يعطون من كان قبلنا قال: فكتب إليه إن أعطوك ما كانوا يعطون رسول الله ﷺ فاحمِ لهم
стр. 1473
وإلا فلا تحمها لهم قال: وزعم عمرو بن شعيب أنهم كانوا يعطون من كل عشر قرب قربة. وما رواه ابن أبي شيبة بإسناده عن عطاء الخراساني عن عمر قال: في العسل عُشر.
وما رواه ابن أبي شيبة بإسناده عن الحارث بن عبد الرحمن عن منير بن عبد الله عن أبيه عن سعد بن أبي ذباب أنه قدم على قومه فقال لهم: في العسل زكاة فإنه لا خير في مال لا يزكى قال قالوا: فكم ترى قلت العُشر فأخذ منهم العُشر فقدم به على عمر وأخبره بما فيه قال: فأخذه عمر وجعله في صدقات المسلمين. وما رواه ابن أبي شيبة بإسناده عن الزهري قال في العسل العشر] مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ١٤١ - ١٤٢.
وروى عبد الرزاق بسنده عن عطاء الخراساني أن عمر أتاه ناس من أهل اليمن فسألوه وادياً فأعطاهم إياه فقالوا: يا أمير المؤمنين إن فيه نحلاً كثيراً قال: فإن عليكم في كل عشرة أفراق فرقاً.
وروى أيضاً بسنده عن أبي هريرة قال: (كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن أن يؤخذ من أهل العسل العشور) مصنف عبد الرزاق ٤/ ٦٣.
وقال الحافظ ابن عبد البر: [ذكر إسماعيل بن اسحق. عن الزهري: أن صدقة العسل العُشر وأن صدقة الزيت مثل ذلك. وممن قال بإيجاب الزكاة في العسل: الأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه وهو قول ربيعة وابن شهاب ويحيى بن سعيد. إلا أن الكوفيين لا يرون فيه الزكاة إلا أن يكون في أرض العُشر دون أرض الخراج. وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن في العسل العُشر. قال وهب وأخبرني عمر بن الحارث عن يحيى بن سعيد وربيعة بمثل ذلك.
قال يحيى: إنه سمع من أدرك يقول: مضت السنة بأن في العسل العُشر. وهو قول ابن وهب] الاستذكار ٩/ ٢٨٤ - ٢٨٦.
وغير ذلك من الأحاديث والآثار انظر نصب الراية ٢/ ٣٩٠ - ٣٩٣. الأموال لأبي عبيد ص٥٩٧ - ٥٩٩.
стр. 1474
وقد قال الموجبون للزكاة في العسل إن هذه الأحاديث والآثار وإن لم تسلم من النقد فبعضها يقوي بعضاً كما أن الأدلة العامة في وجوب الزكاة تؤيدها. قال الشيخ ابن القيم: [وذهب أحمد وأبو حنيفة وجماعة إلى أن في العسل زكاة ورأوا أن هذه الآثار يقوي بعضها بعضاً وقد تعددت مخارجها واختلفت طرقها ومرسلها يعضد بمسندها وقد سئل أبو حاتم الرازي عن عبد الله والد منير عن سعد بن أبي ذباب يصح حديثه؟ قال: نعم. قال: هؤلاء ولأنه يتولد من نور الشجر والزهر ويكال ويدخر فوجبت فيه الزكاة كالحبوب والثمار] زاد المعاد ٢/ ١٥. وقال الشوكاني بعد أن ساق بعض الأحاديث الموجبة لزكاة العسل: [وأحاديث الباب يقوي بعضها بعضاً ويشهد بعضها لبعض فينتهض الاحتجاج بها] السيل الجرار ٢/ ٤٨.
وقال العلامة صديق حسن خان بعد أن ساق بعض الأدلة السابقة في وجوب زكاة العسل [والجميع لا يقصر عن الصلاحية للاحتجاج به] الروضة الندية ١/ ٥١٩.
وأما كيفية إخراج زكاة العسل ونصاب ذلك فقد اختلف الموجبون للزكاة في العسل في النصاب اختلافاً كبيراً قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ونصاب العسل عشرة أفراق وهذا قول الزهري، وقال أبو يوسف ومحمد خمسة أوساق لقول النبي ﷺ : (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)، وقال أبو حنيفة: تجب في قليله وكثيره بناء على أصله في الحبوب والثمار] المغني ٣/ ٢٠.
وبعد النظر في أقوال العلماء في تحديد النصاب وأدلتهم أختار ما اختاره العلامة الشيخ يوسف القرضاوي ورجحه حيث قال: [والراجح عندي أن يقدر النصاب بقيمة خمسة أوسق (أي ٦٥٣ كغم أو ٥٠كيلة مصرية) من أوسط ما يوسق كالقمح باعتباره قوتاً من أوسط الأقوات العالمية وقد جعل الشارع الخمسة الأوسق نصاب الزروع والثمار والعسل مقيس عليهما ولهذا يؤخذ منه العُشر فلنجعل الأوسق هي الأصل في نصابه. واعتبار قيمة الأدنى كالشعير كما قال أبو يوسف - وإن كان فيه رعاية للفقراء - فيه إجحاف
стр. 1475
بأرباب الأموال واعتبار الأعلى كالزبيب فيه إجحاف بالفقراء واعتبار الوسط هو الأعدل للجانبين] فقه الزكاة ١/ ٤٢٨ - ٤٢٩.
وخلاصة الأمر أن الزكاة واجبة في العسل وأن النصاب يقدر حسب قيمة خمسة أوسق من القمح وهي تعادل ٦٥٣ كيلوغرام فإذا بلغ الإنتاج من العسل ما يعادل قيمة ٦٥٣ كيلوغرام من القمح فيخرج المزكي عشرها.
أخذ غير المستحق من أموال الزكاة
يقول السائل: إنه يعمل في إحدى لجان الزكاة وإن كثيراً من الناس يراجعون لجنة الزكاة طالبين الأخذ من مال الزكاة وبعد دراسة أحوالهم يتبين أن بعضهم غير مستحقين للزكاة لأن لهم رواتب تكفيهم بل تزيد فما حكم أخذ هؤلاء من أموال الزكاة؟
الجواب: يقول الله : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) سورة التوبة الآية ٦٠.
وقد أجمع أهل العلم على أن الزكاة لا تصرف إلا في المصارف الثمانية المذكورة في الآية الكريمة ولا حق لأحد من الناس فيها سواهم ولهذا قال عمر بن الخطاب:
[هذه لهؤلاء].
وقد روي في الحديث عن زياد بن الحارث الصدائي قال: أتيت رسول الله ﷺ فبايعته - وذكر حديثاً طويلاً - فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة فقال رسول الله ﷺ : (إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقة حتى حكم هو فيها فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت في تلك الأجزاء أعطيتك حقك) رواه أبو داود والبيهقي والدارقطني وفي سنده ضعف.
وقد طعن بعض الناس في تقسيم النبي ﷺ للزكاة وكانوا طامعين فيها مع أنهم ليسوا من أهلها فنعى الله عليهم بقوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ
следующие страницы →