← Фатава

Фатава · id 9087

فتاوى يسألونك

حسام الدين عفانة

Полный текст (3 492 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) سورة النحل الآيتان ٦٨ - ٦٩. وقد اختلف العلماء قديماً في زكاة العسل وأرجح قولي العلماء في ذلك قول من أوجب الزكاة في العسل وهو قول الحنفية والحنابلة قال الإمام الترمذي بعد أن ذكر حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (في العسل كل عشرة أزق زق) قال الترمذي: [والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم وبه يقول أحمد واسحق وقال بعض أهل العلم ليس في العسل شيء] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٣/ ٢١٧ - ٢١٨. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ومذهب أحمد أن في العسل العُشر. قال الأثرم سئل أبو عبد الله: أنت تذهب إلى أن في العسل زكاة؟ قال: نعم أذهب إلى أن في العسل زكاةً العُشر قد أخذ عمر منهم الزكاة. قلت: ذلك على أنهم تطوعوا به؟ قال: لا بل أخذه منهم ويروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز ومكحول والزهري وسليمان بن موسى والأوزاعي واسحق] المغني ٣/ ٢٠. ومما يدل على ترجيح القول بوجوب الزكاة في العسل الأدلة العامة الواردة في وجوب الزكاة في الأموال ومنها قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) سورة التوبة الآية ١٠٣. وقوله تعالى: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) سورة الذاريات الآية ١٩. وقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) سورة البقرة الآية٢٦٧. وغير ذلك من الأدلة العامة التي توجب الزكاة في الأموال ولا شك أن العسل مال ومن المعروف اليوم أن هنالك مزارع خاصة لإنتاج العسل وتدر دخلاً كبيراً على أصحابها.

стр. 1472

وقد وردت أدلة خاصة في زكاة العسل ولكنها محل خلاف عند أهل العلم فمن ذلك: مارواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله ﷺ بعشور نحل له وكان سأله أن يحمي وادياً يقال له سلبة فحمى له رسول الله ﷺ ذلك الوادي فلما ولي عمر بن الخطاب ﵁ كتب سفيان بن وهب إلى عمر بن الخطاب يسأله عن ذلك فكتب عمر: إن أدى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله ﷺ من عشور نحله فاحم له سلبة وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله متى يشاء) سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٤/ ٣٤١ - ٣٤٢. وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٣٠٢. وفي رواية أخرى عند أبي داود قال: [من كل عشر قرب قربة وقال سفيان بن عبد الله الثقفي قال: وكان يحمي لهم واديين. زاد: فأدوا إليه ما كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ وحمى لهم وادييهم] سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ٤/ ٣٤٢. وحسنه الألباني أيضاً في صحيح سنن أبي داود ١/ ٣٠٢. وروى الترمذي بإسناده عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (في العسل في كل عشرة أزق زق) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/ ١٩٦. وروى ابن ماجة بإسناده عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ انه أخذ من العسل العُشر. وقال الشيخ الألباني حسن صحيح. صحيح سنن ابن ماجة ١/ ٣٠٦. وانظر إرواء الغليل ٣/ ٣٨٤ - ٣٨٧. ووردت آثار عن الصحابة والتابعين في وجوب الزكاة في العسل منها: ما رواه ابن أبي شيبة بإسناده عن عمرو بن شعيب أن أمير الطائف كتب إلى عمر بن الخطاب أن أهل العسل منعونا ما كانوا يعطون من كان قبلنا قال: فكتب إليه إن أعطوك ما كانوا يعطون رسول الله ﷺ فاحمِ لهم

стр. 1473

وإلا فلا تحمها لهم قال: وزعم عمرو بن شعيب أنهم كانوا يعطون من كل عشر قرب قربة. وما رواه ابن أبي شيبة بإسناده عن عطاء الخراساني عن عمر قال: في العسل عُشر. وما رواه ابن أبي شيبة بإسناده عن الحارث بن عبد الرحمن عن منير بن عبد الله عن أبيه عن سعد بن أبي ذباب أنه قدم على قومه فقال لهم: في العسل زكاة فإنه لا خير في مال لا يزكى قال قالوا: فكم ترى قلت العُشر فأخذ منهم العُشر فقدم به على عمر وأخبره بما فيه قال: فأخذه عمر وجعله في صدقات المسلمين. وما رواه ابن أبي شيبة بإسناده عن الزهري قال في العسل العشر] مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ١٤١ - ١٤٢. وروى عبد الرزاق بسنده عن عطاء الخراساني أن عمر أتاه ناس من أهل اليمن فسألوه وادياً فأعطاهم إياه فقالوا: يا أمير المؤمنين إن فيه نحلاً كثيراً قال: فإن عليكم في كل عشرة أفراق فرقاً. وروى أيضاً بسنده عن أبي هريرة قال: (كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن أن يؤخذ من أهل العسل العشور) مصنف عبد الرزاق ٤/ ٦٣. وقال الحافظ ابن عبد البر: [ذكر إسماعيل بن اسحق. عن الزهري: أن صدقة العسل العُشر وأن صدقة الزيت مثل ذلك. وممن قال بإيجاب الزكاة في العسل: الأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه وهو قول ربيعة وابن شهاب ويحيى بن سعيد. إلا أن الكوفيين لا يرون فيه الزكاة إلا أن يكون في أرض العُشر دون أرض الخراج. وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن في العسل العُشر. قال وهب وأخبرني عمر بن الحارث عن يحيى بن سعيد وربيعة بمثل ذلك. قال يحيى: إنه سمع من أدرك يقول: مضت السنة بأن في العسل العُشر. وهو قول ابن وهب] الاستذكار ٩/ ٢٨٤ - ٢٨٦. وغير ذلك من الأحاديث والآثار انظر نصب الراية ٢/ ٣٩٠ - ٣٩٣. الأموال لأبي عبيد ص٥٩٧ - ٥٩٩.

стр. 1474

وقد قال الموجبون للزكاة في العسل إن هذه الأحاديث والآثار وإن لم تسلم من النقد فبعضها يقوي بعضاً كما أن الأدلة العامة في وجوب الزكاة تؤيدها. قال الشيخ ابن القيم: [وذهب أحمد وأبو حنيفة وجماعة إلى أن في العسل زكاة ورأوا أن هذه الآثار يقوي بعضها بعضاً وقد تعددت مخارجها واختلفت طرقها ومرسلها يعضد بمسندها وقد سئل أبو حاتم الرازي عن عبد الله والد منير عن سعد بن أبي ذباب يصح حديثه؟ قال: نعم. قال: هؤلاء ولأنه يتولد من نور الشجر والزهر ويكال ويدخر فوجبت فيه الزكاة كالحبوب والثمار] زاد المعاد ٢/ ١٥. وقال الشوكاني بعد أن ساق بعض الأحاديث الموجبة لزكاة العسل: [وأحاديث الباب يقوي بعضها بعضاً ويشهد بعضها لبعض فينتهض الاحتجاج بها] السيل الجرار ٢/ ٤٨. وقال العلامة صديق حسن خان بعد أن ساق بعض الأدلة السابقة في وجوب زكاة العسل [والجميع لا يقصر عن الصلاحية للاحتجاج به] الروضة الندية ١/ ٥١٩. وأما كيفية إخراج زكاة العسل ونصاب ذلك فقد اختلف الموجبون للزكاة في العسل في النصاب اختلافاً كبيراً قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ونصاب العسل عشرة أفراق وهذا قول الزهري، وقال أبو يوسف ومحمد خمسة أوساق لقول النبي ﷺ : (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)، وقال أبو حنيفة: تجب في قليله وكثيره بناء على أصله في الحبوب والثمار] المغني ٣/ ٢٠. وبعد النظر في أقوال العلماء في تحديد النصاب وأدلتهم أختار ما اختاره العلامة الشيخ يوسف القرضاوي ورجحه حيث قال: [والراجح عندي أن يقدر النصاب بقيمة خمسة أوسق (أي ٦٥٣ كغم أو ٥٠كيلة مصرية) من أوسط ما يوسق كالقمح باعتباره قوتاً من أوسط الأقوات العالمية وقد جعل الشارع الخمسة الأوسق نصاب الزروع والثمار والعسل مقيس عليهما ولهذا يؤخذ منه العُشر فلنجعل الأوسق هي الأصل في نصابه. واعتبار قيمة الأدنى كالشعير كما قال أبو يوسف - وإن كان فيه رعاية للفقراء - فيه إجحاف

стр. 1475

بأرباب الأموال واعتبار الأعلى كالزبيب فيه إجحاف بالفقراء واعتبار الوسط هو الأعدل للجانبين] فقه الزكاة ١/ ٤٢٨ - ٤٢٩. وخلاصة الأمر أن الزكاة واجبة في العسل وأن النصاب يقدر حسب قيمة خمسة أوسق من القمح وهي تعادل ٦٥٣ كيلوغرام فإذا بلغ الإنتاج من العسل ما يعادل قيمة ٦٥٣ كيلوغرام من القمح فيخرج المزكي عشرها. أخذ غير المستحق من أموال الزكاة يقول السائل: إنه يعمل في إحدى لجان الزكاة وإن كثيراً من الناس يراجعون لجنة الزكاة طالبين الأخذ من مال الزكاة وبعد دراسة أحوالهم يتبين أن بعضهم غير مستحقين للزكاة لأن لهم رواتب تكفيهم بل تزيد فما حكم أخذ هؤلاء من أموال الزكاة؟ الجواب: يقول الله : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) سورة التوبة الآية ٦٠. وقد أجمع أهل العلم على أن الزكاة لا تصرف إلا في المصارف الثمانية المذكورة في الآية الكريمة ولا حق لأحد من الناس فيها سواهم ولهذا قال عمر بن الخطاب: [هذه لهؤلاء]. وقد روي في الحديث عن زياد بن الحارث الصدائي قال: أتيت رسول الله ﷺ فبايعته - وذكر حديثاً طويلاً - فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة فقال رسول الله ﷺ : (إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقة حتى حكم هو فيها فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت في تلك الأجزاء أعطيتك حقك) رواه أبو داود والبيهقي والدارقطني وفي سنده ضعف. وقد طعن بعض الناس في تقسيم النبي ﷺ للزكاة وكانوا طامعين فيها مع أنهم ليسوا من أهلها فنعى الله عليهم بقوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ

стр. 1476

يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَاءَاتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) سورة التوبة الآيات ٥٨ - ٦٠. إذا تقرر هذا فإن العلماء قد بينوا أصناف الذين لا يستحقون الزكاة ولا يجوز صرفها لهم وهم على وجه الإجمال: الأغنياء والأقوياء المتكسبون والمتفرغون للعبادة وأصول المزكي وفروعه وزوجته وآل النبي ﷺ والكفار والملاحدة هذا بشكل عام، وهناك غيرهم اختلف الفقهاء في إعطائهم وسأقتصر هنا على الحديث عن القسمين الأولين ولعلي أفصل الكلام على بقيتهم في حلقات قادمة إن شاء الله. أما الأغنياء فلا تحل لهم الزكاة لأن النبي ﷺ قد قال لمعاذ ﵁ في الحديث: (أعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي) رواه أصحاب السنن وهو حديث صحيح صححه الألباني وغيره انظر صحيح سنن أبي داود ١/ ٣٠٨. وعن عبيد الله بن الخيار أن رجلين أخبراه أنهما أتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن الصدقة فصعد فيهما وصوب فقال: (إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لذي قوة مكتسب) رواه أبو داوود والنسائي وهو حديث صحيح صححه الألباني وغيره. انظر صحيح سنن أبي داود ١/ ٣٠٧. والغني الذي لا تحل له الزكاة هو من ملك نصاباً زائداً عن حاجته الأصلية وتحققت فيه شروط وجوب الزكاة وهذا أرجح أقوال العلماء في حد الغنى المانع من أخذ الزكاة حيث إن النبي ﷺ قد بين أن الزكاة تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء ومن ملك نصاباً وتحققت فيه الشروط الشرعية

стр. 1477

لوجوب الزكاة فعليه أداؤها فهو غني وغير فقير قال القرطبي عند ذكر اختلاف العلماء في حد الفقر: [وقال أبو حنيفة: من معه عشرون ديناراً أو مئتا درهم فلا يأخذ من الزكاة، فاعتبر النصاب لقوله ﵊: (أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردّها في فقرائكم) وهذا واضح ورواه المغيرة عن مالك] تفسير القرطبي ٨/ ١٧١ - ١٧٢. وأما القوي المكتسب فلا تحل له الزكاة، والقوي المكتسب هو من كان صحيحاً في بدنه ويجد عملاً يكتسب منه ما يسد حاجته فهذا لا يعطى من الزكاة لأن الواجب عليه أن يعمل ويكسب ليكفي نفسه وعياله ولا يجوز أن يكون عاطلاً عن العمل باختياره ويمد يده ليأخذ من أموال الزكاة وهذا مذهب جمهور أهل العلم. انظر المجموع ٦/ ٢٢٨. وعلى ذلك دلت الأدلة كما في قوله ﷺ : (لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي) وهذا الحديث وإن كان قد ورد في ذو المرة السوي مطلقاً إلا أنه مقيد بالحديث الآخر وهو قوله ﷺ : (ولا حظ فيها لغني ولا لذي قوة مكتسب) وهو حديث صحيح كما سبق. قال الإمام النووي: [من يكسب كل يوم كفايته لا يجوز له أخذ الزكاة] روضة الطالبين ٢/ ٣١٠. وقال الإمام البغوي بعد أن ذكر الحديث: [فيه دليل على أن القوي المكتسب الذي يغنيه كسبه لا يحل له الزكاة ولم يعتبر النبي ﷺ ظاهر القوة دون أن يضم إليه الكسب لأن الرجل قد يكون ظاهر القوة غير أنه أخرق لا كسب له فتحل له الزكاة وإذا رأى الإمام السائل جلداً قوياً شك في أمره وأنذره وأخبره بالأمر كما فعل النبي ﷺ فإن زعم أنه لا كسب له أو له عيال لا يقوم كسبه بكفايتهم قبل منه وأعطاه] شرح السنة ٦/ ٨١ - ٨٢. فإذا لم يجد الكسوب عملاً حلت له الزكاة قال الإمام النووي: [قال أصحابنا وإذا لم يجد الكسوب من يستعمله حلت له الزكاة]. المجموع ٦/ ١٩١. وقال الشيخ القرضاوي: [والخلاصة أن القادر على الكسب الذي يحرم عليه الزكاة هو الذي تتوافر فيه الشروط التالية: ١.

стр. 1478

أن يجد العمل الذي يكتسب منه. ٢. أن يكون هذا العمل حلالاً شرعاً فإن العمل المحظور في الشرع بمنزلة المعدوم. ٣. أن يقدر عليه من غير مشقة شديدة فوق المحتمل عادةً. ٤. أن يكون ملائمأً لمثله ولائقاً بحاله ومركزه ومروؤته ومنزلته الإجتماعية. ٥. أن يكتسب منه قدر ما تتم به كفايته وكفاية من يعولهم. ومعنى هذا أن كل قادر على الكسب مطلوب منه شرعاً أن يكفي نفسه بنفسه وأن المجتمع بعامة - وولي الأمر بخاصة - مطلوب منه أن يعينه على هذا الأمر الذي هو حق له وواجب عليه. فمن كان عاجزاً عن الكسب - لضعف ذاتي كالصغر والعته والشيخوخة والعاهة والمرض أو كان قادراً ولم يجد باباً حلالاً للكسب يليق بمثله أو وجد ولكن كان دخله من كسبه لا يكفيه وعائلته أو يكفيه بعض الكفاية دون تمامها - فقد حل له الأخذ من الزكاة ولا حرج عليه في دين الله] فقه الزكاة ٢/ ٥٥٩ - ٥٦٠ كيف تقدر القيمة في صدقة الفطر ؟ يقول السائل: ما هو الأساس الذي يبنى عليه تقدير قيمة صدقة الفطر؟ الجواب: صدقة الفطر واجبة كما هو معلوم فقد ثبت في الحديث عن ابن عمر ﵁ قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على الذكر والأنثى والحر والعبد والكبير والصغير من المسلمين) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: [كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من إقط أو

стр. 1479

من زبيب] رواه البخاري ومسلم. وقد نقل ابن المنذر إجماع العلماء على وجوب صدقة الفطر. وقد أجاز جماعة من أهل العلم إخراج القيمة في صدقة الفطر وقد نقل هذا القول عن جماعة من الصحابة والتابعين منهم الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف وبه العمل وعليه الفتوى عند الحنفية وهو أرجح أقوال أهل العلم في المسألة كما سبق وأن بينت ذلك مفصلاً في الجزء الأول. وتقدير القيمة يكون بناء على قيمة الأصناف المذكورة في الحديث ولكن ينبغي أن يعلم أن هذه الأصناف التي ذكرت في الحديث ليست على سبيل التعيين وإنما لأنها كانت غالب قوت الناس في المدينة على عهد النبي ﷺ . ويدل على ذلك ما ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: (كنا نخرجها في عهد رسول الله ﷺ صاعاً من طعام وكان طعامنا يومئذ التمر والزبيب والشعير). [فقوله من طعام فيه إشارة إلى العلة وهي أنها طعام يؤكل ويطعم ويرجح هذا ويقويه قول النبي ﷺ : (أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم) وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً لكن يقويه حديث ابن عباس ﵁: (فرضها -أي زكاة الفطر - طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين) وعلى هذا فإن لم تكن هذه الأشياء من القوت كما كانت في عهد الرسول ﷺ فإنها لا تجزئ]. الشرح الممتع على زاد المستقنع ٦/ ١٨٠ - ١٨١. لذلك ينبغي أن يكون تقدير القيمة على حسب غالب قوت البلد من الطعام وإن لم يكن مذكوراً في الحديث فمن المعلوم أن بعض البلاد يقتاتون غالباً على الأرز فتخرج صدقة الفطر من الأرز أو قيمة الأرز. قال الحطاب المالكي: [فذكر أنها تؤدى من أغلب القوت يعني أغلب قوت البلد الذي يكون فيه المخرج لها إذا كان ذلك الأغلب من المعشرات - ما تجب فيه الزكاة - أو من الإقط. فإن اقتات أهل بلد غير المعشرات

стр. 1480

أخرجت زكاة الفطر مما يقتاتونه. وأنها تؤدى من أغلب القوت من هذه الأصناف التسعة التي هي: القمح والشعير والسلت والتمر والزبيب والإقط والدخن والذرة والأرز فإن كان غالب القوت في بلد خلاف هذه الأصناف التسعة من علس أو قطنية أو غير ذلك وشيء من هذه الأصناف موجود لم تخرج إلا من الأصناف التسعة فإن كان أهل بلد ليس عندهم شيء من الأصناف التسعة وإنما يقتاتون في غيره فيجوز أن تؤدى حينئذ من عيشهم ولو كان من غير الأصناف التسعة، قال في المدونة: قال مالك: وتؤدى زكاة الفطر من القمح والشعير والسلت والذرة والدخن والأرز والتمر والزبيب والإقط صاع من كل صنف منها ويخرج ذلك أهل كل بلد من جل عيشهم من ذلك والتمر عيش أهل المدينة ولا يخرج أهل مصر إلا القمح لأنه جل عيشهم إلا أن يغلو سعرهم فيكون عيشهم الشعير فيجزئهم] مواهب الجليل لشرح مختصر خليل ٣/ ٢٦٠ - ٢٦١. وقال القرافي: [يخرج أهل كل بلد من غالب عيشهم ذلك الوقت وفي الجواهر قال أشهب: من عيشه هو وعيش عياله إذا لم يشح على نفسه وعليهم لنا: قوله ﵇: (أغنوهم عن سؤال هذا اليوم) والمطلوب لهم غالب عيش البلد وقياساً على الغنم المأخوذ في الإبل قال سند: إن عدل عن غالب عيش البلد أو عيشه إلى ما هو أعلا أجزأ وإلى الأدنى لا يجزئ عند مالك. وقال ابن حبيب: إن كان يأكل من أفضل القمح والشعير والسلت فأخرج الأدنى أجزأ وكان ابن عمر ﵁ يخرج التمر والشعير والسلت ويأكل البر واحتجوا بأن الخبر ورد بصيغة التخيير فيخير. جوابهم: أن أو فيه ليست للتخيير بل للتنويع ومعناه إن كان غالب العيش كذا فأخرجوه أو كذا فأخرجوه فهو تنويع للحال كما قال فيه حراً أو عبداً ذكراً أو أنثى ويؤكد ذلك قوله ﷺ : (أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم)] الذخيرة ٣/ ١٦٩. وقال الخطيب الشربيني: [ويجب الصاع من غالب قوت بلده إن كان بلدياً وفي غيره من غالب قوت محله لأن ذلك يختلف باختلاف النواحي وقيل من غالب قوته على الخصوص وقيل يتخير بين جميع الأقوات فأو فى

стр. 1481

الخبرين السابقين على الأولين للتنويع وعلى الثالث للتخيير والمعتبر في غالب القوت غالب قوت السنة كما في المجموع لا غالب قوت وقت الوجوب خلافاً للغزالي في وسيطه] مغني المحتاج ٢/ ١١٧ - ١١٨. وبناء على ما تقدم يظهر لنا أن الأصناف المذكورة في أحاديث صدقة الفطر ليست على التعيين وإنما هي من باب التمثيل لأنها كانت غالب قوت أهل المدينة على عهد النبي ﷺ فإن تقدير قيمة صدقة الفطر يكون على هذا الأساس وعليه فإن تقدير القيمة في بلادنا يكون على أساس القمح والطحين والأرز والخبز لأن هذه الأصناف هي غالب قوت أهل بلدنا فيؤخذ متوسط أسعار هذه المواد فيكون هو مقدار قيمة صدقة الفطر وقد جربت ذلك بنفسي اليوم فوجدت أن قيمة صدقة الفطر ستة شواكل تقريباً أو دينار أردني إذا تقرر هذا فإنه لا يصح الادعاء بأن تقدير صدقة الفطر بالمبلغ المذكور سابقاً (ستة شواكل) غير صحيح وأن الصواب أنه ثلاثة أضعافه لأن قائل هذا القول زعم أنه لا بد من الأخذ بعين الاعتبار ثمن صاع التمر وصاع الإقط عند تقدير قيمة صدقة الفطر. فهذا الكلام مردود لأن التمر والإقط لا يعتبران قوتاً غالباً في بلادنا فلذلك لا يدخلان في تقدير قيمة صدقة الفطر وتقديرها بستة شواكل هو الصحيح وهذا هو الحد الأدنى لصدقة الفطر فإن رغب أحد في أن يدفع أكثر من ذلك فلا حرج عليه بل هو زيادة في الخيرات. كما قال الله : (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) سورة البقرة الآية ١٨٤. ويدل على ذلك أيضاً ما ورد في الحديث عن أبي بن كعب ﵁ قال: (بعثني النبي ﷺ مصدقاً - أي لجمع الزكاة - فمررت برجل فلما جمع لي ماله لم أجد عليه فيه إلا ابنة مخاض فقلت له أدّ ابنة مخاض فإنها صدقتك فقال ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة فخذها فقلت له ما أنا بآخذ ما لم أؤمر به وهذا رسول الله ﷺ منك قريب فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت عليَّ فافعل فإن قبله منك قبلته وإن رده عليك رددته قال فإني فاعل فخرج معي وخرج بالناقة التي

стр. 1482

عرض عليَّ حتى قدمنا على رسول الله ﷺ -فقال له: يا نبي الله أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي وأيم الله ما قام في مالي رسول الله ﷺ ولا رسوله قط قبله فجمعت له مالي فزعم أن ما عليَّ فيه ابنة مخاض وذلك ما لبن فيه ولا ظهر وقد عرضت عليه ناقة فتية عظيمة ليأخذها فأبى عليَّ وها هي ذه قد جئتك بها يا رسول الله خذها فقال له رسول الله ﷺ : ذاك الذي عليك فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك. قال: فها هي ذه يا رسول الله قد جئتك بها فخذها قال: فأمر رسول الله ﷺ بقبضها ودعا له في ماله بالبركة) رواه أبو داود وقال الشيخ الألباني حديث حسن انظر صحيح سنن أبي داود ١/ ٢٩٨.

стр. 1483

الصيام والاعتكاف

стр. 1484

التبرع بالدم لا يفطر الصائم يقول السائل: هل التبرع بالدم يفطر الصائم؟ الجواب: التبرع بالدم لايفطر الصائم على الراجح من أقوال أهل العلم ولو كثرت كمية الدم المتبرع بها كوحدة دم واحدة أو اثنتين كما هو معمول به طبياً. ومما يدل على أن التبرع بالدم لا يفطر الصائم الأحاديث الواردة في جواز الحجامة للصائم فهي بعمومها تشمل التبرع بالدم فمن ذلك ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم). وجاء في رواية أخرى عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم صائم) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال هذا حديث صحيح. وروى الإمام البخاري بإسناده أن ثابتاً البناني قال: [سئل أنس بن مالك ﵁ أكنتم تكرهون الحجامة للصائم قال: لا، إلا من أجل الضعف]. وورد في رواية في الصحيح أن ذلك كان على عهد النبي ﷺ . وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: [إنما نهى النبي ﷺ عن الوصال في الصيام والحجامة للصائم إبقاء على أصحابه ولم يحرمها] رواه أحمد وأبو داود وقال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح والجهالة بالصحابي لا تضر. فتح الباري ٥/ ٨١

стр. 1485

وأما ما ورد في الحديث الصحيح عن رافع بن خديج أن النبي ﷺ قال: (أفطر الحاجم والمحجوم) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح ورواه ابن ماجة والحاكم وغيرهم. فهذا الحديث على الراجح من أقوال أهل العلم أنه منسوخ بحديث ابن عباس وما في معناه من الأحاديث. قال الحافظ ابن عبد البر: [والقول عندي في هذه الأحاديث أن حديث ابن عباس: (أن رسول الله ﷺ احتجم صائماً محرماً) ناسخ لقوله ﷺ : (أفطر الحاجم والمحجوم) لأن في حديث شداد بن أوس وغيره أن رسول الله ﷺ مرَّ عام الفتح على رجل يحتجم لثماني عشر ليلة خلت من رمضان فقال: (أفطر الحاجم والمحجوم) فابن عباس شهد معه حجة الوداع وشهد حجامته يومئذ محرم صائم فإذا كانت حجامته ﵇ عام حجة الوداع فهي ناسخة لا محالة لأنه لم يدرك بعد ذلك رمضان لأنه توفي في ربيع الأول ﷺ وإنما وجه النظر والقياس في ذلك بأن الأحاديث متعارضة متدافعة في إفساد صوم من احتجم فأقل أحوالها أن يسقط الاحتجاج بها والأصل أن الصائم لا يقضى بأنه مفطر إذا سلم من الأكل والشرب والجماع إلا بسنة لا معارض له. ووجه آخر من القياس وهو ما قاله ابن عباس: [الفطر مما دخل لا مما خرج] الاستذكار ١٠/ ١٢٥ - ١٢٦. وممن قال بنسخ حديث (أفطر الحاجم والمحجوم) الإمام الشافعي والخطابي والبيهقي وابن حزم الظاهري حيث قال فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر: [صح حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) بلا ريب لكن وجدنا من حديث أبي سعيد: (أرخص النبي ﷺ في الحجامة للصائم) وإسناده صحيح فوجب الأخذ به لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجماً أو محجوماً] فتح الباري ٥/ ٨١. ورجح الشيخ الألباني أن حديث الإفطار بالحجامة منسوخ فقال: [فائدة: حديث أنس هذا صريح في نسخ الأحاديث المتقدمة (أفطر الحاجم والمحجوم) إرواء الغليل ٤/ ٧٣. ثم قال الشيخ الألباني بعد أن ذكر حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: [رخص رسول الله ﷺ في القبلة للصائم والحجامة]. [قلت: فالحديث

стр. 1486

بهذه الطرق صحيح لا شك فيه وهو نص في النسخ فوجب الأخذ به كما سبق عن ابن حزم ﵀] الإرواء ٤/ ٧٥ وانظر أيضاً الإرواء ٤/ ٨٠. وخلاصة الأمر أن التبرع بالدم لا يفطر الصائم وكذلك سحب الدم للفحص لا يفطر الصائم وكذلك الحجامة لا تفطر الصائم. ولكن ينبغي مراعاة أن لا تؤدي هذه الأمور إلى إضعاف الصائم ومن ثم عجزه عن الصيام فتنتهي به للإفطار بتناول الطعام أو الشراب أو الدواء. المرض المبيح للفطر في رمضان يقول السائل: ما هو المرض الذي يبيح الفطر في رمضان؟ الجواب: يقول الله : (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) سورة البقرة الآية ١٨٤. وقد أجمع أهل العلم على أن المرض في الجملة عذر يبيح الفطر كما قال الشيخ ابن قدامة المقدسي في المغني ٣/ ١٥٥. ولكن العلماء اختلفوا في تحديد طبيعة المرض المبيح للفطر وأرجح الأقوال في المسألة هو قول من قال هو كل مرض يزيد بالصوم أو يخشى تأخر الشفاء معه بالصوم فهذان يجيزان الفطر في رمضان. وأما القول بأن مطلق المرض يبيح الفطر فقول غير مسلَّم فهناك كثير من الأمراض والأوجاع لا تؤثر على الصائم كمن به صداع أو ألم في يده ورجله أو نحو ذلك فمن كان به شيء من ذلك فلا يجوز له الفطر. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [والمرض المبيح للفطر هو الشديد الذي يزيد بالصوم أو يخشى تباطؤ برئه. قيل لأحمد: متى يفطر المريض؟ قال: إذا لم يستطع قيل: مثل الحمى؟ قال: وأي مرض أشد من الحمى؟ وحكي عن بعض السلف: أنه أباح الفطر بكل مرض حتى من وجع الإصبع والضرس لعموم الآية فيه ولأن المسافر

стр. 1487

يباح له الفطر وإن لم يحتج إليه فكذلك المريض]. ثم قال ابن قدامة: [والمرض لا ضابط له فإن الأمراض تختلف منها ما يضر صاحبه الصوم ومنها ما لا أثر للصوم فيه كوجع الضرس وجرح في الإصبع والدمل والقرحة اليسيرة والجرب وأشباه ذلك فلم يصلح المرض ضابطاً وأمكن اعتبار الحكمة وهو ما يخاف منه الضرر فوجب اعتباره] المغني ٣/ ١٥٥ - ١٥٦. وقال القرطبي: [وقال جمهور العلماء إذا كان به مرض يؤلمه ويؤذيه أو يخاف تماديه أو يخاف تزيده يصح له الفطر قال ابن عطية: وهذا مذهب حذاق أصحاب مالك وبه يناظرون وأما لفظ مالك فهو المرض الذي يشق على المرء ويبلغ به] تفسير القرطبي ٢/ ٢٧٦. وقال الإمام النووي: [. ثم كون شرط المرض مبيحاً أن يجهده الصوم معه فيلحقه ضرر يشق احتماله] الروضة ٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥. وقال الإمام النووي في موضع آخر: [المريض العاجز عن الصوم لمرض لا يرجى زواله لا يلزمه الصوم في الحال ويلزمه القضاء لما ذكره المصنف هذا إذا لحقه مشقة ظاهرة بالصوم ولا يشترط أن ينتهي إلى حالة لا يمكنه فيها الصوم بل قال أصحابنا: شرط إباحة الفطر أن يلحقه بالصوم مشقة يشق احتمالها، قالوا وهو على التفصيل السابق في باب التيمم قال أصحابنا وأما المرض اليسير الذي لا يلحق به مشقة ظاهرة لم يجز له الفطر بلا خلاف عندنا خلافاً لأهل الظاهر] المجموع ٦/ ٢٥٨. وقال الكاساني: [أما المرض فالمرخص منه هو الذي يخاف أن يزداد بالصوم وإليه وقعت الإشارة في الجامع الصغير فإنه قال في رجل خاف إن لم يفطر تزداد عيناه وجعاً أو حمَّاه شدة أفطر وذكر الكرخي في مختصره أن المرض الذي يبيح الإفطار هو ما يخاف منه الموت أو زيادة العلة كائناً ما كانت العلة. وروري عن أبي حنيفة أنه إن كان بحال يباح له أداء صلاة الفرض قاعداً فلا بأس بأن يفطر والمبيح المطلق بل الموجب هو الذي يخاف منه

стр. 1488

الهلاك لأن فيه إلقاء النفس إلى التهلكة لا لإقامة حق الله تعالى وهو الوجوب والوجوب لا يبقى في هذه الحالة وأنه حرام فكان الإفطار مباحاً بل واجباً]. ثم قال الكاساني: [وكذا مطلق المرض ليس بسبب للرخصة لأن الرخصة بسبب المرض والسفر لمعنى المشقة بالصوم تيسيراً لهما وتخفيفاً عليهما على ما قاله الله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) سورة البقرة الآية ١٨٥ ومن الأمراض ما ينفعه الصوم ويخففه ويكون الصوم على المريض أسهل من الأكل بل الأكل يضره ويشتد عليه ومن التعبد الترخص بما يسهل على المريض تحصيله والتضييق بما يشتد عليه المرض] بدائع الصنائع ٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦. [وبعد هذا العرض لإقوال العلماء فالصواب من القول في ذلك عندنا أن المرض الذي أباح الله تعالى الإفطار معه في شهر رمضان من كان الصوم جاهده جهداً غير محتمل فكل من كان كذلك فله الإفطار وقضاء عدة من أيام أخر وذلك أنه إذا بلغ ذلك الأمر فإن لم يكن مأذوناً له في الإفطار فقد كلف عسراً ومنع يسراً وذلك غير الذي أخبر الله أنه أراده بقوله: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) سورة البقرة الآية ١٨٥. وأما من كان الصوم غير جاهده فهو بمعنى الصحيح الذي يطيق الصوم فعليه أداء فرضه. قلت والذي يظهر لي من أدلة الكتاب والسنة: أن كل مرض يضر صاحبه بالصوم سواء كان بزيادة المرض أو بتباطؤ برئه فإنه يباح له الإفطار وقضاء عدة من أيام أخر. أما إذا قدر المريض على الصوم بغير جهد ولا مشقة تلحقه من أجل مرضه ولا يخشى أن يزيد الصيام في مرضه فعليه أن يصوم لأن مطلق المرض ليس سبباً للرخصة على الصحيح كما أن المسافر لا يباح له الفطر إذا كان سفره دون مسافة قصر فالرخصة بسبب المرض والسفر لمعنى المشقة بالصوم تيسيراً لهما وتخفيفاً عليهما كما قال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) سورة البقرة الآية ١٨٥.

стр. 1489

ومن الأمراض ما ينفعه الصوم ويكون الصوم علاجاً له أو مفيداً فيه ويكون الصيام على المريض أسهل من الأكل بل الأكل قد يضره ويشتد عليه كمرض التخمة والإسهال ونحو ذلك. ويدل على أن الرخصة في الإفطار للمريض متعلقة بخوف الضرر ما رواه أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة وعن الحامل والمرضع الصوم) ومعلوم أن الرخصة للحامل والمرضع في الإفطار موقوفة على خوف الضرر على أنفسهما أو على ولديهما وإن لم تكونا مريضتين. والمريض أيضاً أبيح له الإفطار لخوف الضرر فمتى خاف الضرر جاز له الفطر والله أعلم] أحكام المريض ص٩٤ - ٩٥ وينبغي التنويه إلى أن المرض الذي يبيح الفطر يعود تقديره إلى المريض نفسه أو إخبار الطبيب الثقة في علمه وإن كان غير مسلم. قال الدكتور يوسف القرضاوي عن ذلك: [وإنما يعرف ذلك بغلبة الظن فهي كافية في الأحكام العملية وغلبة الظن تعرف هنا بأمرين: إما التجربة - تجربته هو - بأن يكون جرب الصوم يوماً أو أكثر فشق عليه أو زاد وجعه أو تجربة غيره ممن يثق به وحاله كحاله ممن يعاني نفس المرض. وإما بإخبار طبيب مسلم ثقة في دينه ثقة في طبه بأن يكون من أهل الاختصاص في هذا المرض فلا يكفي أن يكون طبيباً وماهراً بل لا بد ان يكون مختصاً فقد عرف عصرنا التخصص الدقيق في الطب إلى حد يجعل بعض الأطباء الحاذقين أشبه بالعوام في الاختصاصات الدقيقة الأخرى] فقه الصيام ص٦٦. وأخيراً فعلى المريض الذي يجوز له الفطر أن يأخذ بالرخصة فيفطر يقول الله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) سورة البقرة الآية ١٨٥. وجاء في الحديث عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن أن تؤتى معصيته) رواه أحمد وفي رواية

стр. 1490

أخرى: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه) وهو حديث صحيح بروايتيه كما فصل ذلك الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٣/ ٩ - ١٣. يجوز الاعتكاف في جميع المساجد يقول السائل: ما قولكم فيما ذهب إليه بعض أهل العلم من أن الاعتكاف لا يجوز إلا في المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال؟ الجواب: الاعتكاف من السنن الثابتة عن النبي ﷺ وقد صح أن النبي ﷺ اعتكف في رمضان في العشر الأواخر منه. رواه البخاري ومسلم. ويشترط لصحة الاعتكاف أن يكون في المسجد وقد قال الله تعالى: (ولا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) سورة البقرة الآية ١٨٧. ولم يعتكف النبي ﷺ إلا في المسجد فلا يصح الاعتكاف في البيوت. واتفق العلماء على أن الاعتكاف في المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال أفضل من الاعتكاف في غيرها من المساجد وجمهور أهل العلم لا يرون أن الاعتكاف خاص بالمساجد الثلاثة كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء ونصره الشيخ العلامة ناصر الدين الألباني ودافع عنه في أكثر من كتاب من كتبه. قال الشيخ الألباني: [ثم وقفت على حديث صحيح صريح يخصص المساجد المذكورة في الآية بالمساجد الثلاثة: المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى وهو قوله ﷺ : (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) وقد قال به من السلف فيما اطلعت حذيفة بن اليمان وسعيد بن المسيب وعطاء إلا أنه لم يذكر المسجد الأقصى وقال غيرهم بالمسجد الجامع مطلقاً وخالف آخرون فقالوا: ولو في مسجد بيته ولا يخفى أن

стр. 1491

الأخذ بما وافق الحديث منها هو الذي ينبغي المصير إليه والله أعلم] قيام رمضان للألباني ص ٣٦. وقال الشيخ الألباني أيضاً: [واعلم أن العلماء اختلفوا في شرطية المسجد للاعتكاف وصفته كما تراه مبسوطاً في (المصنفين) المذكورين و (المحلى) وغيرهما وليس في ذلك ما يصح الاحتجاج به سوى قوله تعالى: (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) سورة البقرة الآية ١٨٧. وهذا الحديث الصحيح والآية عامة والحديث خاص ومقتضى الأصول أن يحمل العام على الخاص وعليه فالحديث مخصص للآية ومبين لها وعليه يدل كلام حذيفه وحديثه والآثار في ذلك مختلفة أيضاً فالأولى الأخذ بما وافق الحديث منها كقول سعيد بن المسيب: لا اعتكاف إلا في مسجد نبي. أخرجه ابن أبي شيبة وابن حزم بسند صحيح عنه] سلسلة الأحاديث الصحيحة المجلد السادس القسم الأول ص٦٧٠. وقد تابع الشيخ الألباني بعض تلاميذه كما جاء في كتاب صفة صوم النبي ﷺ -في رمضان ص ٩٣: [لا يشرع الاعتكاف إلا في المساجد لقوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) وليست هذه المساجد على الاطلاق فقد ورد تقييدها في صحيح السنة المشرفة وذلك قوله ﷺ : (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة)]. وقد أطال الشيخ الألباني الكلام على الحديث السابق في الموقع المشار إليه في السلسلة الصحيحة وحكم على الحديث بالصحة ورأى أنه مخصص لعموم الآية السابقة. وما ذهب إليه جمهور أهل العلم من عدم اشتراط المساجد الثلاثة لصحة الاعتكاف هو القول الراجح بل هو القول الصحيح من حيث الدليل وبيان ذلك فيما يلي: إن قوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) عام في كل مسجد ولا يصلح الحديث المذكور سابقاً لتخصيص الآية لأنه يشترط في المخصص من السنة أن يكون صحيحاً لا شك فيه والحديث المذكور محل

стр. 1492

خلاف بين المحدثين فمنهم من صححه ومنهم من ضعفه ومنهم من أوَّله كما سيأتي وما كان حاله كذلك لا يصلح أن يكون مخصصاً لعموم الكتاب. قال الإمام مالك: [الأمر عندنا الذي لا اختلاف فيه أنه لا يكره الاعتكاف في كل مسجد يجمع فيه ولا أراه كره الاعتكاف في المساجد التي لا يجمع فيها إلا كراهية أن يخرج المعتكف من مسجده الذي اعتكف فيه إلى الجمعة أو يدعها فإن كان مسجداً لا يجمع فيه الجمعة ولا يجب على صاحبه إتيان الجمعة في مسجد سواه فإني لا أرى بأساً بالاعتكاف فيه لأن الله ﵎ قال: (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) فعمَّ الله المساجد كلها ولم يخص شيئاً منها قال مالك: فمن هنالك جاز له أن يعتكف في المساجد التي لا يجمع فيها الجمعة] الموطأ ١/ ٢٨٥. وقال الإمام البخاري: [باب الاعتكاف في العشر الأواخر والاعتكاف في المساجد كلها لقوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُءَايَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)]. قال الحافظ ابن حجر: [قوله باب الاعتكاف في العشر الأواخر والاعتكاف في المساجد كلها أي مشروطية المسجد له من غير تخصيص بمسجد دون مسجد .. واتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف إلا محمد بن لبابة المالكي فأجازه في كل مكان. وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها وهو المكان المعد للصلاة فيه وفيه قول للشافعي قديم وفي وجه لأصحابه وللمالكية يجوز للرجال والنساء لأن التطوع في البيوت أفضل وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات وخصه أبو يوسف بالواجب منه وأما النفل ففي كل مسجد وقال الجمهور بعمومه من كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة فاستحب له الشافعي في الجامع وشرطه مالك لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة ويجب بالشروع عند مالك وخصه طائفة من السلف كالزهري بالجامع مطلقاً. وأومأ إليه الشافعي في القديم وخصه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة وعطاء بمسجد مكة والمدينة وابن المسيب بمسجد المدينة] فتح الباري ٥/ ١٧٦.

стр. 1493

وقال العيني: [وقالت طائفة الاعتكاف يصح في كل مسجد روي ذلك عن النخعي وأبي سلمة وأبي ثور وداود وهو قول مالك في الموطأ وهو قول الجمهور والبخاري أيضاً حيث استدل بعموم الآية في سائر المساجد] عمدة القاري ٨/ ٢٨٦. وروى ابن أبي شيبة بإسناده عن سعيد بن جبير أنه اعتكف في مسجد قومه ومثله عن همام بن الحارث ومثله عن إبراهيم النخعي وعن أبي الأحوص وعن يحيى بن أبي سلمة وعن عامر الشعبي. وروى ابن أبي شيبة أيضاً بإسناده عن شداد بن الأزمع قال اعتكف رجل في المسجد الأعظم وضرب خيمته فحصبه الناس فبلغ ذلك ابن مسعود فأرسل إليه رجلاً فكف الناس عنه وحسَّن ذلك] انظر المصنف ٣/ ٩ - ٩١. وانظر أيضاً مصنف عبد الرزاق ٤/ ٣٤٦ - ٣٤٨. قال الإمام النووي: [فرع في مذاهب العلماء في مسجد الاعتكاف قد ذكرنا أن مذهبنا اشتراط المسجد لصحة الاعتكاف وأنه يصح في كل مسجد وبه قال مالك وداود وحكى ابن المنذر عن سعيد ابن المسيب أنه قال إنه لا يصح إلا في مسجد النبي ﷺ -وما أظن أن هذا يصح عنه وحكى هو وغيره عن حذيفه بن اليمان الصحابي أنه لا يصح إلا في المساجد الثلاثة المسجد الحرام ومسجد المدينة والأقصى وقال الزهري والحكم وحماد ولا يصح إلا في الجامع وقال أبو حنيفة وأحمد وإسحق وأبو ثور يصح في كل مسجد يصلى فيه الصلوات كلها وتقام فيه الجماعة واحتج لهم بحديث عن جويبر عن الضحاك عن حذيفة- ﵁ -هـ عن النبي ﷺ قال: (كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح) رواه الدارقطني وقال: الضحاك لم يسمع من حذيفه قلت وجويبر ضعيف باتفاق أهل الحديث فهذا الحديث مرسل ضعيف فلا يحتج به، واحتج أصحابنا بقوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) ووجه الدلالة من الآية لاشتراط المسجد أنه لو صح الاعتكاف في غير المسجد لم يخص تحريم المباشرة بالاعتكاف في المسجد لأنها منافية للاعتكاف فعلم أن المعنى بيان أن الاعتكاف إنما يكون في المساجد وإذا ثبت جوازه في المساجد صح في كل مسجد ولا يقبل

стр. 1494

تخصيص من خصه ببعضها إلا بدليل ولم يصح في التخصيص شيء صريح] المجموع ٦/ ٤٨٣. وقال ابن حزم الظاهري: [والاعتكاف جائز في كل مسجد. وبرهان ذلك قوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) فعمَّ الله تعالى ولم يخص]. ثم قال ابن حزم: [أما من حدَّ مسجد المدينة وحده أو مسجد مكة ومسجد المدينة أو المساجد الثلاثة أو المسجد الجامع فأقوال لا دليل على صحتها فلا معنى لها وهو تخصيص لقوله تعالى: (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ). فإن قيل فأين أنتم عمَّا رويتموه من طريق سعيد بن منصور.: قال حذيفه لعبد الله بن مسعود قد علمت أن رسول الله ﷺ قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) أو قال: (مسجد جماعة)؟. قلنا: هذا شك من حذيفه أو ممن دونه ولا يقطع على رسول الله ﷺ بشك ولو أنه ﵇ قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) لحفظه الله تعالى علينا ولم يدخل فيه شكاً. فصح يقيناً أنه ﵇ لم يقله قط] المحلى ٣/ ٤٢٨ - ٤٣١. وقال الشوكاني معلقاً على حديث حذيفه أنه قال لابن مسعود: [لقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة أو قال في مسجد جماعة) قال الشوكاني: [الحديث الأول أخرجه ابن أبي شيبة ولكن لم يذكر المرفوع منه واقتصر على المراجعة التي فيه بين حذيفه وابن مسعود ولفظه: (إن حذيفه جاء إلى عبد الله فقال: ألا أعجبك من قوم عكوف بين دارك ودار الأشعري يعني المسجد قال عبد الله: فلعلهم أصابوا وأخطأت) فهذا يدل على أنه لم يستدل على ذلك بحديث عن النبي ﷺ وآله وعلى أن عبد الله يخالفه ويجوز الاعتكاف في كل مسجد ولو كان ثم حديث عن النبي ﷺ ما خالفه وأيضاً الشك الواقع في الحديث مما يضعف الاحتجاج أحد شقيه. وقد استشهد بعضهم لحديث حذيفه بحديث أبي سعيد وأبي

стр. 1495

هريرة وغيرهما مرفوعاً بلفظ: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى) وهو متفق عليه ولكن ليس فيه ما يشهد لحديث حذيفة لأن أفضلية المساجد الثلاثة واختصاصها بشد الرحال إليها لا تستلزم اختصاصها بالاعتكاف وقد حكى في الفتح عن حذيفة أن الاعتكاف يختص بالمساجد الثلاثة] نيل الأوطار ٤/ ٣٠١ وقال العلامة صديق حسن خان: [وإنما اختلفوا هل يجزئ الاعتكاف في كل مسجد؟ أم في الثلاثة المساجد فقط؟ أو في المسجد الحرام فقط؟ والظاهر أنه يجزئ في كل مسجد قال تعالى: (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) ولا حجة في قول عائشة ولا في قول حذيفه في هذا الباب] الروضة الندية ٢/ ٤١. وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين: [فكل مساجد الدنيا يسن فيها الاعتكاف وليس خاصاً بالمساجد الثلاثة كما روي ذلك عن حذيفه بن اليمان- ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لااعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) فإن هذا الحديث ضعيف. ويدل على ضعفه أن ابن مسعود ﵁ وهنه حين ذكر له حذيفه ﵁ أن قوماً يعتكفون في مسجد بين بيت حذيفه وبيت ابن مسعود ﵁ فجاء إلى ابن مسعود زائراً له وقال إن قوماً كانوا معتكفين في المسجد الفلاني فقال له ابن مسعود ﵁: [لعلهم أصابوا فأخطأت وذكروا فنسيت] فأوهن هذا حكماً ورواية. أما حكماً ففي قوله: [أصابوا فأخطأت] وأما رواية: [فذكروا ونسيت] والإنسان معرض للنسيان وإن صح هذا الحديث فالمراد به: لا اعتكاف تام أي أن المساجد الأخرى الاعتكاف فيها دون المساجد الثلاث كما أن الصلاة في المساجد فيها دون الصلاة في المساجد الثلاثة. ويدل على أنه عام في كل مسجد قوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ). فقوله: في المساجد (ال) هنا للعموم فلو كان الاعتكاف لا يصح إلا في المساجد الثلاثة لقلنا: إن (ال) هنا للعهد الذهني ولكن أين الدليل؟ وإذا لم يقم دليل على أن (ال) للعهد الذهني فهي للعموم هذا الأصل ثم كيف يكون هذا الحكم في كتاب الله للأمة من مشارق الأرض ومغاربها ثم نقول لا يصح إلا

стр. 1496

في المساجد الثلاثة فهذا بعيد أن يكون حكم مذكور على سبيل العموم للأمة الإسلامية ثم نقول: إن هذه العبادة لا تصح إلا في المساجد الثلاثة كالطواف لا يصح إلا في المسجد الحرام. فالصواب: أنه عام في كل مسجد لكن لا شك أن الاعتكاف في المساجد الثلاثة أفضل كما أن الصلاة في المساجد الثلاثة أفضل] الشرح الممتع على زاد المستقنع ٦/ ٥٠٤ - ٥٠٥. ويضاف لما سبق أن اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية قد اختارت أن الاعتكاف يصح في كل مسجد تقام فيه صلاة الجماعة. انظر فتاوى اللجنة الدائمة ١٠/ ٤١٠. وخلاصة الأمر أن الاعتكاف يصح في كل مسجد تقام فيه صلاة الجماعة وليس مقصوراً على المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال.

стр. 1497

الحج

стр. 1498

حج الزوجين والأقارب على نفقة بعضهم بعضاً يقول السائل: ما حكم حج الزوجة على نفقة زوجها وحج الزوج على نفقة زوجته وما حكم حج الابن على نفقة أبيه وحج الأب على نفقة ابنه. وهل يجبر الزوج على الحج بزوجته أو تحمل نفقات حجها وكذلك الابن هل يجبر على ذلك أم لا؟ أفيدونا. الجواب: فرض الله الحج على المستطيع فقال ﷻ : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) سورة آل عمران الآية ٩٧. وتوفر نفقات الحج وتكاليفه داخلة في معنى الاستطاعة المذكورة في الآية الكريمة فالأصل أن يكون من وجب عليه الحج مستطيعاً فحينئذ يجب عليه أن يحج. وإذا تبرع شخص لآخر بتحمل نفقات الحج على حسابه كأن يتبرع الزوج لزوجته فحجها جائز ومسقط للفريضة وكذا العكس أي تبرعت الزوجة لزوجها فحجه جائز ومسقط للفريضة ومثل ذلك في حالة الأب والابن إلا أنه يندب في حق الابن الموسر أن يحجج والديه لأن ذلك من البر بهما وهو مأمور بالبر والإحسان إليهما وليس واجباً عليه بل هو تبرع وإحسان فقط. وكذلك الزوج لا يجب عليه أن يحجج زوجته حتى لو كان غنياً بل ذلك من باب المعروف والإحسان إليها لأن إحجاج الزوجة ليس من ضمن

стр. 1499

النفقة الواجبة على الزوج فالنفقة الواجبة على الزوج لا يدخل فيها دفع نفقات حجها قال الله تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ) سورة الطلاق الآية ٦. وقال تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) سورة البقرة الآية ٢٣٣. وجاء في الحديث الشريف عن حكيم بن معاوية ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تقبح الوجه ولا تهجر إلا في البيت) رواه أبو داود وقال الألباني حديث حسن صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود ٢/ ٤٠٢. وقال النبي ﷺ في خطبة حجة الوداع: (ألا واستوصوا بالنساء خيراً فإنما هن عوان عندكم ... ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا لهن في كسوتهن وطعامهن) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٤/ ٢٧٤. وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/ ٣٤١. والذي يؤخذ من مجموع هذه النصوص أن النفقة الواجبة للزوجة على زوجها إنما هي السكن والطعام والكسوة ولا يدخل في ذلك نفقة حجها. وبناء على ما تقدم فإن الزوجة إن كانت مستطيعة للحج وقادرة على تحمل نفقات الحج من مالها الخاص فيجب عليها الحج وإلا فلا يجب الحج عليها لأنها غير مستطيعة إلا أن يتبرع لها زوجها أو غيره بالنفقة. وخلاصة الأمر أنه لا يجب على أي شخص أن يحجج غيره بل ذلك تبرع وإحسان ومعروف. تحديد أعداد الحجاج يقول السائل: ما قولكم في تحديد أعداد الحجاج واتباع القرعة في اختيار من سيحجون؟ الجواب: تحديد عدد الحجاج من قبل الجهات المختصة أمر جائز

стр. 1500

شرعاً نظراً لعدم استيعاب المشاعر المقدسة لأعداد الحجاج الهائلة حيث إنه من المعلوم أن المشاعر (مكة ومنى ومزدلفة وعرفة) قدرتها محدودة في استيعاب أعداد الحجاج كما أنهم بحاجة لخدمات صحية وأغذية ومواصلات وسكن وقد يصعب توفيرها للعدد الكبير منهم وخاصة أن عددهم قد يكون بالملايين لذا فإن المصلحة الشرعية تقتضي تحديد الحجاج بأعداد معينة موزعة على حسب كل بلد من بلدان المسلمين ولكن يجب مراعاة عدة أمور في هذا التحديد: ١. أن يكون التوزيع عادلاً بين جميع أقطار المسلمين. ٢. أن يشمل التحديد الحجاج القادمين من داخل السعودية حيث إن ما بين نصف أو ثلث عدد الحجاج في كل عام يكونون من داخل السعودية. وأما بالنسبة للقرعة فمع أن القرعة إحدى الطرق المعتبرة شرعاً في القسمة ونحوها فإني أرى عدم استعمالها في الحج وإنما ينبغي أن تكون الأولوية حسب التسجيل أي أن يكون هناك سجل عام يسجل فيه كل من يرغب بالحج ويعطى الحجاج أرقام متسلسلة وفي كل عام يؤخذ العدد من هؤلاء المسجلين حسب دورهم وهكذا. ففي هذه الطريقة يعرف كل من سجل أن الدور سيصله إن لم يكن في هذا العام ففي العام التالي وهكذا فهذه الطريقة أفضل من القرعة برأيي، بشرط أن ينفذ ذلك على الجميع وبدون أية استثناءات. التوكيل في بعض مناسك الحج يقول السائل: إنه سيحج هذا العام برفقة والدته الكبيرة في السن فما هي المناسك التي يمكن أن ينوب فيها عن أمه حيث إنها مريضة وضعيفة؟ الجواب: الأصل في الحج أن يؤدي الحاج جميع مناسك الحج بنفسه وأجاز أهل العلم التوكيل في رمي الجمرات وفي ذبح الهدي. أما بالنسبة

стр. 1501

لرمي الجمرات فيجوز التوكيل لعذر شرعي كالمرض وكذا المرأة الحامل وكذلك الكبيرة في السن والضعيفة وكذلك إذا كان هنالك زحام شديد فخشيت المرأة على نفسها فيجوز لها التوكيل في الرمي وينبغي أن يرمي الموكل عن نفسه أولاً ثم عن غيره ثانياً. وأما ذبح الهدي فيجوز فيه التوكيل مطلقاً أي بعذر وبدون عذر فيما أعلم وإن كان الأولى أن يتولى الحاج ذبح هديه بنفسه اقتداء برسول الله ﷺ حيث (نحر النبي ﷺ ثلاثاً وستين بدنه ثم وكَّل علياً ﵁ بالباقي) رواه مسلم. وأما بقية مناسك الحج فلا يصح فيها التوكيل كالطواف والسعي والوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ومنى فهذه الأركان والواجبات لا بد للحاج أن يأتي بها بنفسه. وخلاصة الأمر أنه يجوز لوالدتك أن توكلك في رمي الجمرات وفي ذبح الهدي فقط وما عدا ذلك فعليها أن تؤديه بنفسها وعليك إعانتها ومساعدتها كأن تستأجر من يحملها في الطواف وكذا في السعي. النيابة في الحج يقول السائل: إنه إمام مسجد وسيخرج للحج مرشداً للحجاج على حساب وزارة الأوقاف وتدفع له الوزارة مكافأة مالية، فهل يجوز له أن يحج عن شخص ميت مقابل مبلغ من المال مع العلم أنه قد حج عن نفسه؟ الجواب: النيابة في الحج عن الميت جائزة عند جمهور أهل العلم ويدل على ذلك عدة أحاديث منها: عن بريدة ﵁ قال: (أتت النبي ﷺ امرأة فقالت: يا رسول الله إن أمي ماتت ولم تحج ... فقال: حجي عن أمك) رواه مسلم.

стр. 1502

وعن ابن عباس ﵄ أن امرأة قالت: يا رسول الله إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: (نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء) رواه البخاري. وأخذ الأجرة للحج عن الغير جائز ولا حرج فيه وعلى النائب أن ينوي المشاركة في فعل الخيرات واغتنام فرصة وجوده في الحرمين للإكثار من الطّاعات ولا ينبغي أن يكون كل قصده هو الحصول على الأموال وأما بالنسبة للمكافأة التي يأخذها من الأوقاف فلا علاقة لها بالمبلغ الذي يأخذه للحج عن غيره وإنما هذه المكافأة تدفع له مقابل القيام على شؤون الحجاج ومرافقتهم وإرشادهم ونحو ذلك من الأعمال التي تكلفه بها الأوقاف فلا حرج في الجمع بين الأمرين وأحب له أن لا يرهق أولياء الميت بمطالبتهم بمبلغ كبير ليحج عن ميتهم بل يخفف عنهم.

стр. 1503

الأضحية

стр. 1504

الأمور المشروعة في حق المضحي عند ذبح الأضحية وبعده يقول السائل: ما هي الأمور التي تشرع في حق المضحي عند ذبح الأضحية وبعده أفيدونا؟ الجواب: الأضحية من السنن المؤكدة الثابتة عن النبي ﷺ بقوله وفعله ﵊ وقد ذكر أهل العلم عدة أمور ينبغي على المضحي أن يلتزم بها عند ذبح أضحيته وبعده منها: أولاً: النية: أن ينوي عند شراء البهيمة أنها أضحية، وهذه النية تكفي إن شاء الله. ولا بدَّ من النية، لأن الأضحية عبادة، والعبادة لا تصح إلا بالنية، لقول الرسول ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) متفق عليه. والنية لا بد منها حتى نميز العمل الذي هو لله تعالى عن غيره ومن ذلك الأضحية. قال الإمام القرافي تحت عنوان " فيما يفتقر إلى النية الشرعية ": [. الأوامر التي لا تكون صورتها كافية في تحصيل مصلحتها المقصودة منها، كالصلوات والطهارات والصيام والنسك، فإن المقصود منها تعظيم الرب ، بفعلها والخضوع له في إتيانها وذلك إنما يحصل إذا قصدت

стр. 1505

من أجله ، فإن التعظيم بالفعل بدون قصد المعظم محال، كمن صنع ضيافة لإنسان، فانتفع بها غيره من غير قصد، فإنا نجزم بأن المُعَظَّمَ الذي قُصِدَ بالكرامة، دون من انتفع بها من غير قصد، فهذا القسم هو الذي أمر فيه صاحب الشرع بالنية] الأمنية في إدراك النية ص٢٧ - ٢٨. وقد نص الفقهاء على اشتراط النية في الأضحية. قال الكاساني: [فمنها نية الأضحية لا تجزئ بدونها لأن الذبح قد يكون للحم وقد يكون للقربة، والفعل لا يقع قربة بدون النية. فلا تتعين الأضحية إلا بالنية]. بدائع الصنائع ٤/ ٢٠٨. وتكفي النية بالقلب ولا يشترط التلفظ باللسان، قال الكاساني: [ويكفيه أن ينوي بقلبه، ولا يشترط أن يقول بلسانه ما نوى بقلبه، كما في الصلاة؛ لأن النية عمل القلب والذكر باللسان دليل عليها] بدائع الصنائع ٤/ ٢٠٨ والصحيح أن التلفظ بالنية بدعة مخالفة لهدي المصطفى ﷺ . ولو ذبحها غير صاحبها فلا يشترط أن يتلفظ بالنية عن صاحبها. قال الشيخ ابن قدامة معلقاً على قول الخرقي: (وليس عليه أن يقول عند الذبح " عمَّن " لأن النية تجزئ). [لا أعلم خلافاً في أن النية تجزئ، وإن ذكر من يضحي عنه فحسن] المغني ٩/ ٤٥٦ - ٤٥٧. وقال الشيخ القرافي: [لو نوى الوكيل عن نفسه أجزأت صاحبها، وقد اشترى ابن عمر ﵁ شاة من راع فأنزلها من الجبل، وأمره بذبحها فذبحها الراعي، وقال: اللهم تقبل مني. فقال ابن عمر: ربك أعلم بمن أنزلها من الجبل] الذخيرة ٤/ ١٥٦. ثانياً: ربط الأضحية قبل الذبح: استحب بعض الفقهاء أن تربط الأضحية قبل أيام النحر , لما فيه من الاستعداد للقربة وإظهار الرغبة فيها، فيكون له فيها أجر وثواب؛ لأن ذلك يشعر بتعظيم هذه الشعيرة قال الله تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) سورة الحج الآية ٣٢.

стр. 1506

ثالثاً: أن يسوق الأضحية إلى محل الذبح سوقاً جميلاً لا عنيفاً فقد روى عبد الرزاق بسنده عن محمد بن سيرين قال: [رأى عمر بن الخطاب ﵁ رجلاً يسحب شاة برجلها ليذبحها فقال له: ويلك! قدها إلى الموت قوداً جميلاً] المصنف ٤/ ٤٩٣. ورواه البيهقي سنن الكبرى ٩/ ٢٨١، وذكره الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة ١/ ٣٦. رابعاً: أن يحدَّ السكين قبل الذبح لأن المطلوب إراحة الحيوان بأسرع وقت ممكن، وهذا من الإحسان الذي ذكره الرسول ﷺ كما جاء في الحديث عن شداد بن أوس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) رواه مسلم. خامساً: أن لا يحد السكين أمام الحيوان الذي يريد ذبحه لأن ذلك من الإحسان المأمور به كما جاء في الحديث السابق. وعن ابن عباس ﵁ أن رجلاً أضجع شاة وهو يحد شفرته فقال النبي ﷺ : (أتريد أن تميتها موتات؟ هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها؟) رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي، ورواه عبد الرزاق في المصنف ٤/ ٣٩٣، والبيهقي في السنن الكبرى ٩/ ٢٨٠، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة ١/ ٣٢. وعن ابن عمر ﵁ أن الرسول ﷺ أمر بحد الشفار وأن توارى عن البهائم وقال: (إذا ذبح أحدكم فليجهز) رواه أحمد والبيهقي وابن ماجة وفيه ابن لهيعه وهو ضعيف، ولكن يشهد له ما سبق من حديث شداد وحديث ابن عباس. وعن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب أن رجلاً حدَّ شفرته وأخذ الشاة ليذبحها فضربه عمر بالدرة وقال: [أتعذب الروح؟! ألا فعلت هذا قبل أن تأخذها] رواه البيهقي. سادساً: استقبال القبلة من الذابح والذبيحة: يستحب أن يستقبل الذابح القبلة وأن يوجه مذبح الحيوان إلى القبلة.

стр. 1507

قال الإمام النووي: [استقبال الذابح القبلة وتوجيه الذبيحة إليها، وهذا مستحب في كل ذبيحة، لكنه في الهدي والأضحية أشد استحباباً، لأن الاستقبال في العبادات مستحب وفي بعضها واجب] المجموع ٨/ ٤٠٨ ويدل على ذلك ما جاء في الحديث عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (ذبح النبي ﷺ يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين موجوئين، فلما وجههما قال: إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض على ملة إبراهيم حنيفاً، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت، وأنا من المسلمين، اللهم منك ولك، وعن محمد وأمته باسم الله والله أكبر ثم ذبح) رواه أبو داود وابن ماجة وأحمد والدارمي، وصححه الشيخ الألباني والشاهد في الحديث قوله (فلما وجههما) أي نحو القبلة. انظر إرواء الغليل ٤/ ٣٤٩. سابعاً: أن يتولى ذبحها بنفسه إن كان يحسن الذبح، وإلا شهد ذبحها ومما يدل على استحباب تولي الإنسان أضحيته بنفسه، ما جاء في حديث أنس ﵁: (أن النبي ﷺ ضحى بكبشين أقرنين أملحين وكان يسمي ويكبر، ولقد رأيته يذبحهما بيده واضعاً رجله على صفاحهما) رواه البخاري ومسلم. قال الإمام البخاري في صحيحه [باب من ذبح الأضاحي بيده] ثم ذكر فيه حديث أنس ﵁ السابق، ثم ذكر في الباب الذي يليه [وأمرَ أبو موسى بناته أن يضحين بأيديهن. ثم قال الحافظ: وصله الحاكم في المستدرك. ووقع لنا بعلو في خبرين كلاهما من طريق المسيب بن رافع أن أبا موسى كان يأمر بناته أن يذبحن نسائكهن بأيديهن وسنده صحيح. انظر صحيح البخاري مع فتح الباري ١٢/ ١١٤ - ١١٥. ويجوز لمن أراد الأضحية أن ينيب غيره في ذبحها وينبغي أن يوكل في ذبحها صاحب دين له معرفة بالذبح وأحكامه. فإن أناب عنه فيستحب له أن يشهد ذبحها لما ورد في حديث أبي سعيد ﵁ أن الرسول ﷺ قال لفاطمة ﵂: (قومي لأضحيتك فاشهديها فإنه بأول قطرة من

стр. 1508

دمها يغفر لك ما سلف من ذنبك) رواه البيهقي والحاكم وفيه كلام لأهل الحديث ووردت عدة روايات يقوي بعضها بعضاً فتصلح للاستشهاد. ثامناً: التسمية والتكبير عند الذبح: ثبت أن النبي ﷺ كان إذا ذبح قال: (باسم الله والله أكبر) كما جاء ذلك في رواية لحديث أنس ﵁ عند مسلم: (قال: ويقول باسم الله والله أكبر). وثبت في رواية أخرى من حديث أنس قال: (ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمَّى وكبر.) الحديث رواه البخاري ومسلم. تاسعاً: الدعاء بعد التسمية والتكبير: والدعاء كأن يقول: اللهم تقبل مني، أو يقول اللهم تقبل من فلان، فهذا مشروع ومستحب، لما ثبت في الحديث عن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ أمر بكبش يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد فأتي به ليضحي به فقال لها: يا عائشة هلمي المدية، ثم قال: اشحذيها بحجر. ففعلت ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه ثم قال: باسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد ثم ضحى به) رواه مسلم. وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (ذبح النبي ﷺ يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين موجوئين فلما وجههما قال: إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض على ملة إبراهيم حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين اللهم منك ولك وعن محمد وأمته باسم الله والله أكبر ثم ذبح) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد والدارمي، وأخرجه أبو يعلى بسند حسن. وأخيرا أود التنبيه على أمر مهم وهو أن بعض المسلمين من الموسرين من دول الخليج العربي وأوروبا وأمريكا يوكلون لجان الزكاة في بلادنا في التضحية عنهم، ويدفعون أثمان الأضاحي لدى بعض الجمعيات الخيرية في بلادهم، ثم تنقل هذه المبالغ إلى لجان الزكاة في فلسطين، والتي تتولى

стр. 1509

شرائها، ومن ثم ذبحها وتوزيعها على الناس، ولا بد هنا من بيان بعض الأمور التي يجب أن تتنبه لها لجان الزكاة: أولاً: يجب أن تكون الأضحية مستكملة للشروط الشرعية، ولذا يجب إعلام أمثال هؤلاء الناس قبل وقت الأضحية بثمن الضحايا في بلادنا، لأن أسعارها تختلف من بلد إلى آخر، فيمكن أن نشتري أضحية مجزئة بثمانين ديناراً في عمان، ونحتاج إلى ضعف هذا المبلغ لشراء أضحية مجزئة في فلسطين. ولا يصح أن نشتري أضاحي غير مستكملة للشروط الشرعية، بحجة أن المبلغ الذي دفع لا يشترى به أضحية مستكملة للشروط. ولا يجوز جمع المبالغ القليلة لشراء شاة واحدة، لأن الاشتراك في الشاة لا يصح. ثانياً: لا بد من الالتزام بذبح هذه الأضاحي في الوقت المقرر شرعاً، وإنَّ تأخرْ وصول أثمان الأضاحي من الخارج، لا يعتبر عذراً في ذبح الأضاحي بعد مضي وقتها المقرر شرعاً فإن حصل ذلك فلا تعد أضحية. وإن لم يتم ذبحها في الوقت المقرر شرعاً فيجب إعلام الذين دفعوا ثمنها أنه لم يتم التضحية عنهم. ثالثاً: يجب الالتزام بتوزيع تلك الأضاحي على الفقراء والمحتاجين أولاً لأن الغالب في الناس الذين يبعثون بأثمان الأضاحي أنهم يقصدون التصدق بها على الفقراء والمحتاجين فلذلك فإني أكره أن يُعطى الأغنياء منها.

стр. 1510

الأيمان
следующие страницы →