Полный текст (3 492 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
ثالثاً: أن يسوق الأضحية إلى محل الذبح سوقاً جميلاً لا عنيفاً فقد روى عبد الرزاق بسنده عن محمد بن سيرين قال: [رأى عمر بن الخطاب ﵁ رجلاً يسحب شاة برجلها ليذبحها فقال له: ويلك! قدها إلى الموت قوداً جميلاً] المصنف ٤/ ٤٩٣. ورواه البيهقي سنن الكبرى ٩/ ٢٨١، وذكره الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة ١/ ٣٦.
رابعاً: أن يحدَّ السكين قبل الذبح لأن المطلوب إراحة الحيوان بأسرع وقت ممكن، وهذا من الإحسان الذي ذكره الرسول ﷺ كما جاء في الحديث عن شداد بن أوس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) رواه مسلم.
خامساً: أن لا يحد السكين أمام الحيوان الذي يريد ذبحه لأن ذلك من الإحسان المأمور به كما جاء في الحديث السابق.
وعن ابن عباس ﵁ أن رجلاً أضجع شاة وهو يحد شفرته فقال النبي ﷺ : (أتريد أن تميتها موتات؟ هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها؟) رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي، ورواه عبد الرزاق في المصنف ٤/ ٣٩٣، والبيهقي في السنن الكبرى ٩/ ٢٨٠، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة ١/ ٣٢.
وعن ابن عمر ﵁ أن الرسول ﷺ أمر بحد الشفار وأن توارى عن البهائم وقال: (إذا ذبح أحدكم فليجهز) رواه أحمد والبيهقي وابن ماجة وفيه ابن لهيعه وهو ضعيف، ولكن يشهد له ما سبق من حديث شداد وحديث ابن عباس.
وعن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب أن رجلاً حدَّ شفرته وأخذ الشاة ليذبحها فضربه عمر بالدرة وقال: [أتعذب الروح؟! ألا فعلت هذا قبل أن تأخذها] رواه البيهقي.
سادساً: استقبال القبلة من الذابح والذبيحة: يستحب أن يستقبل الذابح القبلة وأن يوجه مذبح الحيوان إلى القبلة.
стр. 1507
قال الإمام النووي: [استقبال الذابح القبلة وتوجيه الذبيحة إليها، وهذا مستحب في كل ذبيحة، لكنه في الهدي والأضحية أشد استحباباً، لأن الاستقبال في العبادات مستحب وفي بعضها واجب] المجموع ٨/ ٤٠٨
ويدل على ذلك ما جاء في الحديث عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (ذبح النبي ﷺ يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين موجوئين، فلما وجههما قال: إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض على ملة إبراهيم حنيفاً، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت، وأنا من المسلمين، اللهم منك ولك، وعن محمد وأمته باسم الله والله أكبر ثم ذبح) رواه أبو داود وابن ماجة وأحمد والدارمي، وصححه الشيخ الألباني والشاهد في الحديث قوله (فلما وجههما) أي نحو القبلة. انظر إرواء الغليل ٤/ ٣٤٩.
سابعاً: أن يتولى ذبحها بنفسه إن كان يحسن الذبح، وإلا شهد ذبحها ومما يدل على استحباب تولي الإنسان أضحيته بنفسه، ما جاء في حديث أنس ﵁: (أن النبي ﷺ ضحى بكبشين أقرنين أملحين وكان يسمي ويكبر، ولقد رأيته يذبحهما بيده واضعاً رجله على صفاحهما) رواه البخاري ومسلم.
قال الإمام البخاري في صحيحه [باب من ذبح الأضاحي بيده] ثم ذكر فيه حديث أنس ﵁ السابق، ثم ذكر في الباب الذي يليه [وأمرَ أبو موسى بناته أن يضحين بأيديهن. ثم قال الحافظ: وصله الحاكم في المستدرك. ووقع لنا بعلو في خبرين كلاهما من طريق المسيب بن رافع أن أبا موسى كان يأمر بناته أن يذبحن نسائكهن بأيديهن وسنده صحيح. انظر صحيح البخاري مع فتح الباري ١٢/ ١١٤ - ١١٥.
ويجوز لمن أراد الأضحية أن ينيب غيره في ذبحها وينبغي أن يوكل في ذبحها صاحب دين له معرفة بالذبح وأحكامه. فإن أناب عنه فيستحب له أن يشهد ذبحها لما ورد في حديث أبي سعيد ﵁ أن الرسول ﷺ قال لفاطمة ﵂: (قومي لأضحيتك فاشهديها فإنه بأول قطرة من
стр. 1508
دمها يغفر لك ما سلف من ذنبك) رواه البيهقي والحاكم وفيه كلام لأهل الحديث ووردت عدة روايات يقوي بعضها بعضاً فتصلح للاستشهاد.
ثامناً: التسمية والتكبير عند الذبح: ثبت أن النبي ﷺ كان إذا ذبح قال: (باسم الله والله أكبر) كما جاء ذلك في رواية لحديث أنس ﵁ عند مسلم: (قال: ويقول باسم الله والله أكبر).
وثبت في رواية أخرى من حديث أنس قال: (ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمَّى وكبر.) الحديث رواه البخاري ومسلم.
تاسعاً: الدعاء بعد التسمية والتكبير: والدعاء كأن يقول: اللهم تقبل مني، أو يقول اللهم تقبل من فلان، فهذا مشروع ومستحب، لما ثبت في الحديث عن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ أمر بكبش يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد فأتي به ليضحي به فقال لها: يا عائشة هلمي المدية، ثم قال: اشحذيها بحجر. ففعلت ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه ثم قال: باسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد ثم ضحى به) رواه مسلم.
وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (ذبح النبي ﷺ يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين موجوئين فلما وجههما قال: إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض على ملة إبراهيم حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين اللهم منك ولك وعن محمد وأمته باسم الله والله أكبر ثم ذبح) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد والدارمي، وأخرجه أبو يعلى بسند حسن.
وأخيرا أود التنبيه على أمر مهم وهو أن بعض المسلمين من الموسرين من دول الخليج العربي وأوروبا وأمريكا يوكلون لجان الزكاة في بلادنا في التضحية عنهم، ويدفعون أثمان الأضاحي لدى بعض الجمعيات الخيرية في بلادهم، ثم تنقل هذه المبالغ إلى لجان الزكاة في فلسطين، والتي تتولى
стр. 1509
شرائها، ومن ثم ذبحها وتوزيعها على الناس، ولا بد هنا من بيان بعض الأمور التي يجب أن تتنبه لها لجان الزكاة:
أولاً: يجب أن تكون الأضحية مستكملة للشروط الشرعية، ولذا يجب إعلام أمثال هؤلاء الناس قبل وقت الأضحية بثمن الضحايا في بلادنا، لأن أسعارها تختلف من بلد إلى آخر، فيمكن أن نشتري أضحية مجزئة بثمانين ديناراً في عمان، ونحتاج إلى ضعف هذا المبلغ لشراء أضحية مجزئة في فلسطين. ولا يصح أن نشتري أضاحي غير مستكملة للشروط الشرعية، بحجة أن المبلغ الذي دفع لا يشترى به أضحية مستكملة للشروط. ولا يجوز جمع المبالغ القليلة لشراء شاة واحدة، لأن الاشتراك في الشاة لا يصح.
ثانياً: لا بد من الالتزام بذبح هذه الأضاحي في الوقت المقرر شرعاً، وإنَّ تأخرْ وصول أثمان الأضاحي من الخارج، لا يعتبر عذراً في ذبح الأضاحي بعد مضي وقتها المقرر شرعاً فإن حصل ذلك فلا تعد أضحية.
وإن لم يتم ذبحها في الوقت المقرر شرعاً فيجب إعلام الذين دفعوا ثمنها أنه لم يتم التضحية عنهم.
ثالثاً: يجب الالتزام بتوزيع تلك الأضاحي على الفقراء والمحتاجين أولاً لأن الغالب في الناس الذين يبعثون بأثمان الأضاحي أنهم يقصدون التصدق بها على الفقراء والمحتاجين فلذلك فإني أكره أن يُعطى الأغنياء منها.
стр. 1510
الأيمان
стр. 1511
حكم نقض عهد الله
يقول السائل: إذا عاهد شخص الله ﷻ على أن يقوم بعمل ما أو يكف عن عمل ما ثم نقض عهده، فهل يكون منافقاً تنطبق عليه الآيات الواردة في الذين ينقضون عهد الله؟
الجواب: وردت آيات عديدة في عهد الله أو معاهدة الله ومنها قوله تعالى: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) سورة البقرة الآية ٢٧. ومنها قوله تعالى: (إن الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) سورة آل عمران الآية ٧٧.
ومنها قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْءَاتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّاءَاتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) سورة التوبة الآيات ٧٥ - ٧٧.
وغير ذلك من الآيات.
قال الراغب الأصفهاني: [. وعهد الله تارة يكون بما ركزه في عقولنا وتارة يكون بما أمرنا به بالكتاب وبالسنة رسله وتارة بما نلتزمه وليس بلازم في أصل الشرع كالنذور وما يجري مجراها وعلى هذا قوله: (وَمِنْهُمْ
стр. 1512
مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ) - (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ) - (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ)] المفردات في غريب القرآن ص٣٥٠.
وقال العلامة الألوسي في تفسير قوله تعالى:: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ)
[والمراد بالعهد ها هنا إما العهد المأخوذ بالعقل وهو الحجة القائمة على عباده تعالى الدالة على وجوده ووحدته وصدق رسله صلى الله تعالى عليهم وسلم وفي نقضها لهم ما لا يخفى من الذم لأنهم نقضوا ما أبرمه الله تعالى من الأدلة التي كررها عليهم في الأنفس والآفاق وبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأنزل الكتب مؤكداً لها والناقضون على هذا جميع الكفار. وأما المأخوذ من جهة الرسل على الأمم بأنهم إذا بعث إليهم رسول مصدق بالمعجزات صدقوه واتبعوه ولم يكتموا أمره. وذكره في الكتب المتقدمة ولم يخالفوا حكمه. والناقضون حيئذ أهل الكتاب والمنافقون منهم حيث نبذوا كل ذلك وراء ظهورهم وبدلوا تبديلاً والنقض على هذا عند بعضهم أشنع منه على الأول وعكس بعض - ولكل جهة - وقيل: الأمانة التي حملها الإنسان بعد إباء السماوات والأرض عن أن يحملنها وقيل: هو ما أخذ على بني إسرائيل من أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم إلى غير ذلك من الأقوال وهي مبنية على الاختلاف في سبب النزول والظاهر العموم] روح المعاني ١/ ١١٢ - ١١٣.
وقد قرر العلماء أن من عاهد الله ثم نقض عهده فقد ارتكب معصية من المعاصي وينطبق عليه قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان) رواه البخاري ومسلم.
وجاء في رواية أخرى أن النبي ﷺ قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا أؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر) رواه البخاري ومسلم.
стр. 1513
قال الإمام النووي في شرح الحديث السابق: [هذا الحديث مما عده جماعة من العلماء مشكلاً من حيث إن هذه الخصال توجد في المسلم المصدق الذي ليس فيه شك. وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقاً بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر ولا هو منافق يخلد في النار فإن إخوة يوسف ﷺ جمعوا هذه الخصال. وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله. وهذا الحديث ليس فيه بحمد الله تعالى إشكال ولكن اختلف العلماء في معناه. فالذي قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار أن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه وهذا المعنى الموجود في صاحب هذه الخصال ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وأئتمنه وخاصمه وعاهده من الناس لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر. ولم يرد النبي ﷺ بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار وقوله ﷺ : كان منافقاً خالصاً معناه شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال. قال بعض العلماء: وهذا فيمن كانت هذه الخصال غالباً عليه. فأما من يندر ذلك منه فليس داخلاً فيه. فهذا هو المختار في معنى الحديث.
وقد نقل الإمام أبو عيسى الترمذي ﵁ معناه عن العلماء مطلقاً فقال: إنما معنى هذا عند أهل العمل نفاق العمل. وقال جماعة من العلماء: المراد به المنافقون الذين كانوا في زمن النبي ﷺ فحدثوا بإيمانهم وكذبوا واؤتمنوا على دينهم فخانوا ووعدوا في أمر الدين ونصره فأخلفوا وفجروا في خصوماتهم. وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ورجع إليه الحسن البصري ﵀ بعد أن كان على خلافه وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر ﵃. وروياه أيضاً عن النبي ﷺ قال القاضي عياض ﵀ وإليه مال كثير من أئمتنا وحكى الخطابي ﵀ قولاً آخر معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال التي يخاف عليه أن تفضي به إلى حقيقة النفاق. وحكى الخطابي ﵀ أيضاً: عن بعضهم أن الحديث ورد في رجل بعينه منافق وكان النبي ﷺ لا يواجههم بصريح
стр. 1514
القول فيقول: فلان منافق وإنما كان يشير إشارة كقوله ﷺ ما بال أقوام يفعلون كذا؟ والله أعلم] شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٢٣٥ - ٢٣٦.
ومن العلماء من حمل النفاق في الحديث على نفاق العمل كما سبق في كلام النووي عن الترمذي ونص كلام الإمام الترمذي في سننه هو: [وإنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل وإنما كان نفاق التكذيب على عهد رسول الله ﷺ هكذا روي عن الحسن البصري شيء من هذا أنه قال: النفاق نفاقان: نفاق العمل ونفاق التكذيب] سنن الترمذي ٥/ ٢١.
قال القرطبي المحدث: [إن هذا النفاق هو نفاق العمل الذي سأل عنه عمر حذيفة لما قال له هل تعلم فيَّ شيئاً من النفاق؟ أي من صفات المنافقين الفعلية ووجه هذا أن من كانت فيه هذه الخصال المذكورة كان ساتراً لها ومظهراً لنقائضها فصدق عليه اسم منافق] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ١/ ٢٥٠.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني بعد أن ذكر أقوال أهل العلم في تفسير النفاق:
[وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي] فتح الباري ١/ ٩٨.
وخلاصة الأمر أنه يجب على المسلم إذا عاهد الله أن يفعل خيراً أو ينتهي عن معصية فعليه الوفاء بما عاهد عليه الله. قال تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) سورة الإسراء الآية ٣٤.
وأما إذا نقض عهده مع الله فقد ارتكب معصية وقد عدها جماعة من العلماء من كبائر الذنوب وانظر الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/ ٢٢٥ - ٢٢٧. فعلى من نقض عهد الله أن يبادر إلى التوبة ويفي بما عاهد الله عليه.
وأخيراً أنبه على أن من حلف بعهد الله فهذه تعد يميناً يلزمه الوفاء بها وإذا حنث لزمته كفارة يمين قال الكاساني: [ولو قال عليَّ عهد الله أو ذمة الله أو ميثاقه فهو يمين لأن اليمين بالله تعالى هي عهد الله على تحقيقه أو نفيه ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ)
стр. 1515
سورة النحل الآية ٩١. ثم قال : (وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) سورة النحل الآية ٩١. وجعل العهد يميناً والذمة هي العهد] بدائع الصنائع ٣/ ١٥.
حكم الحلف بالأمانة
يقول السائل: ما حكم الحلف بالأمانة؟
الجواب: ينبغي أن يعلم أن اليمين لا تصح إلا بالله أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته فيجوز للمسلم أن يحلف بالله فيقول والله، ويحلف بأسماء الله تعالى كقوله والخالق والبارئ والقادر ونحوها، وبصفات الله تعالى كقوله وعظمة الله وجلال الله وعزة الله وكلام الله ونحوها. وقد كان النبي ﷺ يحلف فيقول ومقلب القلوب ومصرف القلوب والذي نفسي بيده والذي نفس محمد بيده وغيرها، وقد ثبت في ذلك أحاديث كثيرة منها عن ابن عمر ﵂ قال:
(كانت يمين النبي ﷺ : لا ومقلب القلوب) رواه البخاري.
وقد نهى رسول الله ﷺ عن الحلف بغير الله ﷻ فقد ثبت في الحديث عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب وهو يحلف بأبيه فقال رسول الله ﷺ : (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) رواه البخاري ومسلم. وجاء في الحديث أيضاً أن النبي ﷺ قال: (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله) رواه مسلم. وقال ﷺ : (لا تحلفوا بالطواغيت ولا بآبائكم) رواه مسلم.
وعن سعد بن عبيدة أن ابن عمر سمع رجلاً يقول: (لا والكعبة. فقال ابن عمر: لا تحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من حلف بغير الله فقد أشرك) وفي رواية (فقد كفر) رواه أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان والحاكم وغيرهم وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان
стр. 1516
والحاكم ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في إرواء الغليل حديث رقم ٢٥٦١.
وقد أخذ أهل العلم من هذه الأحاديث وغيرها تحريم الحلف بغير الله إن كان الحالف معظماً لما حلف به وظاهر قول النبي ﷺ : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) يدل على أن الحلف بغير الله حرام، قال الحافظ ابن عبد البر: [لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع].
ولا عبرة بقول من قال إن الحلف بغير الله مكروه فكيف يقال ذلك على ما وصفه الرسول ﷺ إنه كفر أو شرك بل ذلك محرم. ولهذا اختار عبد الله بن مسعود ﵁ أن يحلف بالله كاذباً ولا يحلف بغيره صادقاً فهذا يدل على أن الحلف بغير الله أعظم من الكذب مع أن الكذب من المحرمات. تيسير العزيز الحميد ص ٥٦٢.
إذا تقرر هذا فأعود إلى الحلف بالأمانة فأذكر أولاً أنه قد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (من حلف بالأمانة فليس منا) رواه أبو داود وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٩٤.
وروى أحمد بإسناده عن بريدة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليس منا من حلف بالأمانة ومن خبب على امرئ زوجته أو مملوكه فليس منا) وصححه الألباني في المصدر السابق حديث رقم ٣٢٥. قال ابن الأثير: [والأمانة تقع على الطاعة والعبادة والوديعة والثقة والأمان وقد جاء في كل منها حديث].
ثم قال ابن الأثير ومنه: [(من حلف بالأمانة فليس منا) يشبه أن تكون الكراهة فيه لأجل أنه أمر أن يحلف بأسماء الله وصفاته والأمانة أمر من أموره فنهوا عنها من أجل التسوية بينها وبين أسماء الله تعالى كما نهوا أن يحلفوا بآبائهم] النهاية في غريب الحديث ١/ ٧١ - ٧٢.
وقال الخطابي في شرح الحديث: [هذا يشبه أن تكون الكراهة فيها من أجل أنه إنما أمر أن يحلف بالله وصفاته وليست الأمانة من صفاته وإنما
стр. 1517
هي أمر من أمره وفرض من فروضه فنهوا عنها لما في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله ] معالم السنن ٤/ ٤٣.
وقال الإمام البغوي بعد أن ذكر الحديث: [وهذا أيضاً يشبه أن يكون وعيداً لما أن حلف بغير الله] شرح السنة ١٠/ ٨.
وبناء على ما سبق قال جمهور أهل العلم الحلف بالأمانة مكروه لأن الأمانة هنا غير مضافة لله تعالى فليست اسماً من أسماء الله تعالى ولا صفة من صفاته بل تطلق على الفرائض كما قال تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ. الآية) سورة الأحزاب الآية ٧٢.
وتطلق على الودائع والحقوق قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) سورة النساء الآية ٥٨.
стр. 1518
المعاملات
стр. 1519
معنى الحديث النبوي
(نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة)
يقول السائل: ما معنى الحديث النبوي: (نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة)
الجواب: ورد هذا الحديث بعدة روايات عن النبي ﷺ وهي:
عن أبي هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، ورواه النسائي وأحمد وغيرهما.
ورواه أبو داود بلفظ آخر عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا).
وورد الحديث بلفظ آخر عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع وسلف وعن بيعتين في صفقة واحدة وعن بيع ما ليس عندك) رواه أحمد والبيهقي.
وجاء بلفظ آخر عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ : (نهى عن صفقتين في صفقة) وورد الحديث أيضاً عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (مطل الغني ظلم وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبعه ولا تبع بيعتين في بيعة) رواه أحمد والترمذي وابن ماجة.
стр. 1520
وجميع روايات الحديث لم تخل من كلام لأهل العلم انظر تفصيل ذلك إرواء الغليل ٥/ ١٤٨ - ١٥٢. وعلى كل حال فالحديث لا يقل عن درجة الحسن وهو صالح للاحتجاج.
وأما المراد بالحديث فللعلماء فيه ثلاثة أوجه وهي:
الوجه الأول: قال الإمام البغوي: [أن يقول: بعتك هذا الثوب بعشرة نقداً، أو بعشرين نسيئة إلى شهر، فهو فاسد عند أكثر أهل العلم لأنه لا يدرى أيهما الثمن وجهالة الثمن تمنع صحة العقد] شرح السنة ٨/ ١٤٣.
وهذا التفسير للحديث منقول عن جماعة من السلف منهم سماك بن حرب راوي الحديث حيث قال: [هو الرجل يبيع البيع فيقول هو بنساء بكذا وهو بنقد بكذا وكذا رواه أحمد.
ونقل مثل ذلك عن عبد الوهاب بن عطاء: [يعني يقول هو لك بنقد بعشرة وبنسيئة بعشرين] رواه البيهقي في السنن الكبرى ٥/ ٣٤٣.
وقال الإمام الترمذي: [وقد فسر بعض أهل العلم قالوا بيعتين في بيعة أن يقول أبيعك هذا الثوب بنقد بعشرة وبنسيئة بعشرين ولا يفارقه على أحد البيعين فإذا فارقه على أحدهما فلا بأس إذا كانت العقدة على واحد منهما] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٤/ ٣٥٧ - ٣٥٨.
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وقد روي في تفسير بيعتين في بيعة وجه آخر: وهو أن يقول: بعتك هذا العبد بعشرة نقداً أو بخمسة عشر نسيئة أو بعشرة مكسرة أو تسعة صحاحاً. هكذا فسره مالك والثوري وإسحق وهو أيضاً باطل. وهو قول الجمهور لأنه لم يجزم له ببيع واحد فأشبه ما لو قال: بعتك هذا أو هذا ولأن الثمن مجهول فلم يصح كالبيع بالرقم المجهول ولأن أحد العوضين غير معين ولا معلوم فلم يصح كما لو قال بعتك أحد عبيدي] المغني ٤/ ١٧٧.
الوجه الثاني: [والوجه الآخر من تفسير البيعتين في البيعة أن يقول: بعتك عبدي هذا بعشرين ديناراً على أن تبيعني جاريتك فهذا فاسد لأنه جعل
стр. 1521
ثمن العبد عشرين ديناراً وشرط بيع الجارية وذلك شرط لا يلزم وإذا لم يلزم ذلك بطل بعض الثمن فيصير ما يبقى من المبيع في مقابلة الباقي مجهولاً] شرح السنة ٨/ ١٤٣.
وهذا المعنى منقول عن الإمام الشافعي حيث قال الترمذي: [قال الشافعي: ومن معنى ما نهى النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة أن يقول أبيعك داري هذه بكذا على أن تبيعني غلامك بكذا فإذا وجب لي غلامك وجبت لك داري وهذا تفارق عن بيع بغير ثمن معلوم ولا يدري كل واحد منهما على ما وقعت عليه صفقته] سنن الترمذي ٤/ ٣٥٨.
والوجه الثالث ما ذكره المباركفوري: [واعلم أنه قد فسر البيعتان في بيعة بتفسير آخر وهو أن يسلفه ديناراً في قفيز حنطة إلى شهر فلما حل الأجل وطالبه بالحنطة قال بعني القفيز الذي لك عليّ إلى شهرين بقفيزين فصار ذلك بيعتين في بيعة لأن البيع الثاني قد دخل على الأول فيرد إليه أوكسهما وهو الأول كذا في شرح السنن لابن رسلان فقد فسر حديث أبي هريرة المذكور بلفظ: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة بثلاثة تفاسير فاحفظها] تحفة الأحوذي ٤/ ٣٥٨.
والذي يظهر لي أن الوجه الأول في بيان المراد من الحديث هو الأظهر حيث إن راوي الحديث قد فسره به وهو أعلم بما روى كما أنه تفسير عدد كبير من أهل العلم ومع ذلك فإنه يظهر أن النهي عن بيعتين في بيعة بهذا المعنى وهو نقداً بكذا ونسيئة بكذا معلل بعلة وهي الجهالة في العقد والجهالة مبطلة للعقد وهذا المعنى واضح في كلام الإمام الترمذي: [أبيعك هذا الثوب بنقد بعشرة وبنسيئة بعشرين ولا يفارقه على أحد البيعين فإذا فارقه على أحدهما فلا بأس إذا كانت العقدة على واحد منهما].
وقال الإمام البغوي: [وفسروا البيعتين في بيعة على وجهين: أحدهما أن يقول: بعتك هذا الثوب بعشرة نقداً أو بعشرين نسيئة إلى شهر فهو فاسد عند أكثر أهل العلم لأنه لا يدرى أيهما الثمن وجهالة الثمن تمنع صحة العقد وقال طاووس: لا بأس به فيذهب به على أحدهما وبه قال إبراهيم والحكم وحماد وقال الأوزاعي: لا بأس به ولكن لا يفارقه حتى يباته
стр. 1522
بأحدهما فإن فارقه قبل ذلك فهو له بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين أما إذا باته على أحد الأمرين في المجلس فهو صحيح به لا خلاف فيه وما سوى ذلك لغو] شرح السنة ٨/ ١٤٣.
وقال الشوكاني: [فسره سماك بما رواه المصنف عن أحمد عنه وقد وافقه على مثل ذلك الشافعي فقال بأن يقول بعتك بألف نقداً أو ألفين إلى سنة فخذ أيهما شئت أنت وشئت أنا ونقل ابن الرفعة عن القاضي أن المسألة مفروضة على أنه قبل على الإبهام أما لو قال قبلت بألف نقداً أو بألفين بالنسيئة صح ذلك] نيل الأوطار ٣/ ١٧٢.
وخلاصة الأمر أن معنى نهي النبي ﷺ -عن بيعتين في بيعة محمول على بيع سلعة بثمنين نقداً بكذا ونسيئة بكذا دون بت العقد على أحدهما فإذا كان الأمر كذلك فالعقد باطل وأما إذا بت المتبايعان الأمر واتفقا على أحد الثمنين كأن يقول البائع: أبيعك هذه السيارة بعشرة آلاف دينار نقداً وباثني عشر ألف دينار مؤجلة على عشرة أقساط فقال المشتري قبلت شرائها باثني عشر ألف دينار مقسطة واتفقا على ذلك صح البيع ولا بأس به وهو البيع المعروف عند الناس ببيع التقسيط فهو بيع صحيح ولا علاقة له بالربا.
معنى قول النبي ﷺ (لا تبع ما ليس عندك)
يقول السائل: ماذا يعني قول النبي ﷺ : (لا تبع ما ليس عندك)؟
الجواب: هذا الحديث ورد عن النبي ﷺ من رواية حكيم بن حزام قال: (سألت رسول الله ﷺ فقلت: يأتيني الرجل فيسألني من البيع ما ليس عندي أبتاع له من السوق ثم أبيعه؟ قال: لا تبع ما ليس عندك) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وقال الألباني: صحيح. انظر إرواء الغليل ٥/ ١٣٢. وفي رواية أخرى عند
стр. 1523
الترمذي عن حكيم بن حزام قال: (نهاني رسول الله ﷺ أن أبيع ما ليس عندي).
وقال الترمذي: [والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم كرهوا أن يبيع الرجل ما ليس عنده] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٤/ ٣٦٣.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح. سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٤/ ٣٦١.
وهذا الحديث يدل على أنه لا يجوز أن يبيع المسلم ما ليس عنده أي ما ليس في ملكه عند العقد قال المباركفوري: [وفي قوله ﷺ : (لا تبع ما ليس عندك) دليل على تحريم بيع ما ليس في ملك الإنسان ولا داخلاً تحت قدرته] تحفة الأحوذي ٤/ ٣٦٠
وقد جعل الفقهاء من شروط صحة عقد البيع أن يكون المبيع موجوداً حين العقد وأن يكون في ملك البائع ولم يجيزوا بيع المعدوم كبيع ما تنتجه الحيوانات وبيع ما في ملك جاره أو صديقه لأنه غير مملوك للبائع وقد استثني من هذا الأصل بيع السلم وألحق به عقد الاستصناع.
قال الإمام البغوي في شرح حديث (لا تبع ما ليس عندك): [هذا في بيوع الأعيان دون بيوع الصفات فلو قبل السلم في شيء موصوف عام الوجود عند المحل المشروط يجوز وإن لم يكن في ملكه حال العقد] شرح السنة ٨/ ١٤١.
وقال الشوكاني: [وظاهر النهي تحريم ما لم يكن في ملك الإنسان ولا داخلاً تحت مقدرته وقد استثني من ذلك السلم فتكون أدلة جوازه مخصصة لهذا العموم] نيل الأوطار ٥/ ١٧٥.
ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن المنذر قوله: [وبيع ما ليس عندك يحتمل معنيين أحدهما: أن يقول: أبيعك عبداً أو داراً معينة وهي غائبة فيشبه بيع الغرر لاحتمال أن تتلف أو لا يرضاها. وثانيهما: أن يقول: هذه
стр. 1524
الدار بكذا على أن أشتريها لك من صاحبها أو على أن يسلمها لك صاحبها وقصة حكيم موافقة للاحتمال الثاني] فتح الباري ٤/ ٤٤١.
وبيع السلم الذي استثناه العلماء من بيع ما ليس عند الإنسان هو بيع آجل بعاجل أو هو بيع موصو ف في الذمة ببدل يعطى عاجلاً.
ومثال ذلك أن يبيع المزارع ألف كيلوغرام من الزيتون بسعر خمسة آلاف شيكل يقبضها عند العقد على أن يسلم كمية الزيتون بعد أربعة أشهر مثلاً وعقد السلم مشروع باتفاق العلماء وقد دل على مشروعيته الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم. قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) سورة البقرة الآية ٢٨٢. وقال ابن عباس: هذه الآية نزلت في السلَّم خاصة. تفسير القرطبي ٣/ ٣٧٧. وصح في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: (قدم النبي ﷺ وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم. رواه البخاري ومسلم.
وعقد السلم من العقود التي تعطي مرونة كبيرة للاقتصاد الإسلامي وتفتح مجالاً رحباً في الزراعة والصناعة فالمزارع يبيع إنتاجه الزراعي مقدماً وكذا صاحب المصنع يبيع إنتاجه ويحصل على ثمنه مقدماً على أن يسلمه في مدة لاحقة متفق عليها وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي المتعلق بالسلم وتطبيقاته المعاصرة ما يلي: [يعد السلم في عصرنا الحاضر أداة تمويل ذات كفاءة عالية في الاقتصاد الإسلامي وفي نشاطات المصارف الإسلامية من حيث مرونتها واستجابتها لحاجات التمويل المختلفة سواء أكان تمويلاً قصير الأجل أم متوسطه أم طويله واستجابتها لحاجات شرائح مختلفة ومتعددة من العملاء سواء أكانوا من المنتجين الزراعيين أم الصناعيين أم المقاولين أم من التجار واستجابتها لتمويل نفقات التشغيل والنفقات الرأسمالية الأخرى. ولهذا تعددت مجالات تطبيق عقد السلم ومنها ما يلي:
أ
. يصلح عقد السلم لتمويل عمليات زراعية مختلفة حيث يتعامل المصرف الإسلامي مع المزارعين الذين يتوقع أن توجد لديهم السلعة في
стр. 1525
الموسم من محاصيلهم أو محاصيل غيرهم التي يمكن أن يشتروها ويسلموها إذا أخفقوا في التسليم من محاصيلهم فيقدم لهم بهذا التمويل نفعاً بالغاً ويدفع عنهم مشقة العجز المالي عن تحقيق إنتاجهم.
ب. يمكن استخدام عقد السلم في تمويل النشاط الزراعي والصناعي ولا سيما تمويل المراحل السابقة لإنتاج وتصدير السلع والمنتجات الرائجة وذلك بشرائها سلماً وإعادة تسويقها بأسعار مجزية.
ج. يمكن تطبيق عقد السلم في تمويل الحرفيين وصغار المنتجين الزراعيين والصناعيين عن طريق إمدادهم بمستلزمات الإنتاج في صورة معدات وآلات أو مواد أولية كرأس مال سلم مقابل الحصول على بعض منتجاتهم وإعادة تسويقها] الفقه الإسلامي وأدلته ٩/ ٦٤٥ - ٦٤٦.
وأما عقد الاستصناع الذي استثناه العلماء أيضاً من بيع ما ليس عند الإنسان فهو فرع من عقد السلم عند جمهور أهل العلم وهو عقد مع صانع على عمل شيء معين في الذمة كمن يطلب من نجار أن يصنع له خزانة بأوصاف معينة بثمن معين.
وعقد الاستصناع عقد مشروع فقد صح: (أن النبي ﷺ استصنع خاتماً) رواه البخاري. وعقد الاستصناع أيضاً يفتح آفاقاً واسعة في الاقتصاد الإسلامي يقول الشيخ العلامة مصطفى الزرقا: [إن عقد الاستصناع لا يجري في المنتوجات الطبيعة التي لا تدخلها الصنعة كالبقول والفواكه واللحوم الطازجة واللبن والقمح وسائر الحبوب. إلخ فهذه السلع الطبيعية طريق بيع غير الموجود منها وقت العقد إنما هو السلم فلا يجري الاستصناع إلا فيما تدخله الصنعة كالأمثلة السابقة البيان. واليوم قد وجدت صناعة التعليب لهذه المنتوجات الطبيعية وصناعة تجميدها أيضاً لتحفظ معلبة أو مجمدة مثلجة في علب أو أكياس البلاستيك فهل تنتقل بذلك من زمرة المنتوجات الطبيعية إلى زمرة المصنعات فيصح فيها عقد الاستصناع ويجوز التعاقد مع معمل التعليب على أن يقوم بتعليب الكميات المطلوبة من كل نوع بمواصفات معينة.
стр. 1526
لا شك في كون الجواب إيجابياً لأنها انتقلت بهذا العمل الصناعي إلى زمرة المصنعات ويدخل في ذلك الأسماك واللحوم والخضروات وسواها. بطريق الاستصناع يمكن إقامة المباني على أرض مملوكة للمستصنع بعقد مقاولة فإذا كان عقد المقاولة يقوم على أساس أن المقاول هو الذي يأتي بمواد البناء ويتحمل جميع تكاليفه ويسلمه جاهزاً على المفتاح فهذا يمكن أن يعتبر استصناعاً] عقد الاستصناع ومدى أهميته ص٢٤ نقلاً عن البيوع الشائعة ص١٧٧.
وبعد هذا الكلام ترى أن العلماء قد منعوا بيع ما ليس عند الإنسان واستثنوا من ذلك بيع السلم وعقد الاستصناع مع أن كلاً منهما عقد على غير مملوك للإنسان عند العقد وأود أن أنبه إلى أن بعض الناس قد أدخل تحت النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان صوراً من التعامل الصحيحة الجائزة وزعموا أنها محرمة فمن ذلك:
بيع المرابحة للآمر بالشراء الذي تتعامل به المصارف الإسلامية وإدخال بيع المرابحة المذكور تحت بيع ما ليس عندك غير صحيح وتجنٍ على المصارف الإسلامية لأن المعروف أن المصارف الإسلامية عندما تتعامل ببيع المرابحة للآمر بالشراء فإنها لا تبيع السلعة للآمر بالشراء إلا بعد أن يتملك المصرف الإسلامي السلعة تملكاً تاماً وقد جاء في قرارات مؤتمر المصرف الإسلامي ما يلي: [يقرر المؤتمر أن المواعدة على بيع المرابحة للآمر بالشراء بعد تملك السلعة المشتراة وحيازتها ثم بيعها لمن أمر بشرائها بالربح المذكور في الموعد السابق هو أمر جائز شرعاً طالما كانت تقع على المصرف الإسلامي مسؤولية الهلاك قبل التسليم وتبعة الرد فيما يستوجب الرد بعيب خفي] بيع المرابحة للآمر بالشراء ص٦٠.
فإذا اتفق شخص مع آخر على أن يشتري له سلعة وصفها له واتفقا على ثمنها وأن ثمنها سيكون على أقساط مؤجلة وتم الوعد بينهما على ذلك ولكن العقد لم يجر بينهما إلا بعد تملك الأول للسلعة فالعقد صحيح وهذه المعاملة غير داخلة في بيع ما ليس عند الإنسان.
стр. 1527
ومن الصور التي زعم بعض الناس دخولها تحت بيع ما ليس عندك ما تعارف عليه الناس قديماً وحديثاً مما يسميه الناس (التفصيل) يقولون فلان فصَّل غرفة نوم وفلان فصَّل بدلة، وهذا في الحقيقة هو عقد استصناع وهو عقد صحيح إذا تم وفق ما قرره الفقهاء.
ومن الصور التي زعم بعض الناس أنها تدخل في بيع ما ليس عندك شراء سيارة جديدة من وكالة السيارات والسيارة ليست موجودة لدى الوكالة وإنما ما زالت في بلد الإنتاج: وهذا الزعم باطل لأنه عندما يتم بيع سيارة بالطريقة السابقة فإن جميع التفاصيل تكون مبينة وواضحة فيما يسمى بكتالوج السيارة بل إن أدق التفاصيل تكون مذكورة فيه فهذا العقد صحيح ولا يدخل تحت بيع ما ليس عند الإنسان بل هو من صور السلم.
ومن الصور الجائزة في البيع أيضاً وغير داخلة في بيع ما ليس عند الإنسان بيع عمارة أو شقة على الخارطة إذا كانت الأوصاف مبينة وواضحة فهذه الصورة لا بأس بها أيضاً وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي المتعلق بالتمويل العقاري لبناء المساكن ما يلي: [أن تُملك المساكن عن طريق عقد الاستصناع - على أساس اعتباره لازماً - وبذلك يتم شراء المسكن قبل بنائه بحسب الوصف الدقيق المزيل للجهالة المؤدية للنزاع دون وجوب تعجيل جميع الثمن بل يجوز تأجيله بأقساط يتفق عليها مع مراعاة الشروط والأحوال المقررة لعقد الاستصناع لدى الفقهاء الذين ميزوه عن عقد السلم] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ٦ ج ١/ ١٨٨.
الغبن في التجارة
يقول السائل: إنه تاجر مفرق وأنه يشتري بضاعته من تاجر جملة وبعد مضي مدة على تعاملهما تبين أن تاجر الجملة يبيعه بسعر أعلى من السوق مع أنه كان لا يساوم البائع، فهل يحق له أن يطالبه بفرق السعر، أفيدونا؟
الجواب: إن التجارة في الإسلام تحكمها ضوابط وقيم أخلاقية ينبغي
стр. 1528
على التجار التحلي بها، وهذه الضوابط والقيم مستمدة من كتاب الله تعالى ومن سنة نبيه ﷺ ومن سير الصحابة والسلف في تعاملهم التجاري.
قال أبو حامد الغزالي: [وقد أمر الله تعالى بالعدل والإحسان جميعاً، والعدل سبب النجاة فقط وهو يجري من التجار مجرى رأس المال والإحسان وسبب الفوز ونيل السعادة وهو يجري من التجارة مجرى الربح ولا يعد من العقلاء من قنع في معاملات الدنيا برأس ماله فكذا في معاملات الآخرة فلا ينبغي للمتدين أن يقتصر على العدل واجتناب الظلم ويدع أبواب الإحسان وقد قال الله تعالى: (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) وقال : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) وقال سبحانه: (إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) ونعني بالإحسان فعل ما ينتفع به العامل وهو غير واجب عليه ولكنه تفضل منه فإن الواجب يدخل في باب العدل وترك الظلم] إحياء علوم الدين ٢/ ٨٠ - ٨١.
وكذلك فإن الصدق والأمانة والنصيحة من أعظم أخلاق التجار فقد ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقيين والشهداء) رواه الترمذي وقال حديث حسن. سنن الترمذي ٣/ ٥١٥ وفيه ضعف منجبر كما قال الألباني في غاية المرام ص ١٢٤. وعن رفاعة ﵁ أنه خرج مع النبي ﷺ إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال: (يا معشر التجار فاستجابوا لرسول الله ﷺ ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى الله وبرَّ وصدق) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. سنن الترمذي ٣/ ٥١٦ ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. وغير ذلك من الأحاديث.
ومن الأمور التي ينبغي للتجار ألا يتعاملوا بها الغبن، وهو أن يُغلب أحد المتبايعين، وهو نوع من الخداع. قال أبو حامد الغزالي: [. فينبغي أن لا يغبن صاحبه بما لا يتغابن به في العادة فأما أصل المغابنة فمأذون فيه لأن البيع للربح ولا يمكن ذلك إلا بغبن ما ولكن يراعى فيه التقريب فإن بذل المشتري زيادة على الربح المعتاد إما لشدة رغبته أو لشدة حاجته
стр. 1529
في الحال إليه فينبغي أن يمتنع من قبوله فذلك من الإحسان ومهما لم يكن تلبيس لم يكن أخذ الزيادة ظلماً وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الغبن بما يزيد على الثلث يوجب الخيار ولسنا نرى ذلك ولكن من الإحسان أن يحط ذلك الغبن.
يروى أنه كان عند يونس بن عبيد حُلل - نوع من الثياب - مختلفة الأثمان ضرب قيمة كل حلة منها أربعمائة وضرب كل حلة قيمتها مائتان فمرّ إلى الصلاة وخلَّف ابن أخيه في الدكان فجاء أعرابي وطلب حلة بأربعمائة فعرض عليه من حلل المائتين فاستحسنها ورضيها فاشتراها فمضى بها وهي على يديه فاستقبله يونس فعرف حلته فقال للأعرابي: بكم اشتريت؟ فقال: بأربعمائة. فقال: لا تساوي أكثر من مائتين فارجع حتى تردها. فقال: هذه تساوي في بلدنا خمسمائة وأنا أرتضيها. فقال له يونس: انصرف فإن النصح في الدين خير من الدنيا بما فيها. ثم ردّه إلى الدكان وردّ عليه مائتي درهم وخاصم ابن أخيه في ذلك وقاتله وقال أما استحييت أما اتقيت الله تربح مثل الثمن وتترك النصح للملسمين فقال: والله ما أخذها إلا وهو راضٍ بها. قال: فهلا رضيت له بما ترضاه لنفسك، وهذا إن كان فيه إخفاء سعر وتلبيس فهو من باب الظلم .. وكان الزبير بن عدي يقول: أدركت ثمانية عشر من الصحابة ما منهم أحد يحسن يشتري لحماً بدرهم فغبن مثل هؤلاء المسترسلين ظلم إن كان من غير تلبيس فهو من ترك الإحسان وقلما يتم هذا إلا بنوع تلبيس وإخفاء سعر الوقت وإنما الإحسان المحض ما نقل عن السري السقطي أنه اشترى كرّ - مكيال - لوز بستين دينار وكتب في رزنامجه ثلاثة دنانير ربحه وكأنه رأى أن يربح على العشرة نصف دينار فصار اللوز بتسعين فأتاه الدلال وطلب اللوز فقال: خذه. قال: بكم؟ فقال: بثلاثة وستين. فقال الدلال وكان من الصالحين: فقد صار اللوز بتسعين. فقال السري: قد عقدت عقداً لا أحله لست أبيعه إلا بثلاثة وستين. فقال الدلال: وأنا عقدت بيني وبين الله أن لا أغش مسلماً لست آخذاً منك إلا بتسعين. قال: فلا الدلال اشترى منه ولا السري باعه. فهذا محض الإحسان من الجانبين فإنه مع العلم بحقيقة الحال. وروي عن محمد بن
стр. 1530
المنكدر أنه كان له شقق - نوع من الثياب - بعضها بخمسة
وبعضها بعشرة فباع في غيبته غلام شقة من الخمسيات بعشرة فلما عرف لم يزل يطلب ذلك الأعرابي المشتري طول النهار حتى وجده فقال له: إن الغلام قد غلط فباعك ما يساوي خمسة بعشرة. فقال: يا هذا قد رضيت، فقال: وإن رضيت فإنا لا نرضى لك إلا ما نرضاه لأنفسنا فاختر إحدى ثلاث خصال إما أن تأخذ شقة من العشريات بدراهمك وإما أن نرد عليك خمسة وإما أن ترد شقتنا وتأخذ دراهمك. فقال: أعطني خمسة. فردّ عليه خمسة وانصرف الأعرابي يسأل ويقول: من هذا الشيخ؟ فقيل له: هذا محمد بن المنكدر فقال: لا إله إلا الله هذا الذي نستسقي به في البوادي إذا قحطنا.
فهذا إحسان في أن لا يربح على العشرة إلا نصفاً أو واحداً على ما جرت به العادة في مثل ذلك المتاع في ذلك المكان ومن قنع بربح قليل كثرت معاملاته واستفاد من تكررها ربحاً كثيراً وبه تظهر البركة.
كان علي ﵁ يدور في سوق الكوفة بالدرة ويقول: معاشر التجار خذوا الحق تسلموا لا تردوا قليل الربح فتحرموا كثيره] إحياء علوم الدين ٢/ ٨١ - ٨٢.
إذا تقرر هذا القدر من أخلاق التجار وحسن تعاملهم نعود إلى السؤال فأقول إن ما حصل بين السائل والتاجر الذي اشترى منه إنما هو نوع من الغبن ويشبه الغبن الذي يسميه الفقهاء غبن المسترسل وهو المستسلم لبائعه فلا يساوم ولا يماكس. وقد أثبت بعض الفقهاء الخيار للمسترسل المغبون أخذاً مما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵁ قال: (ذُكر رجل لرسول الله ﷺ أنه يخدع في البيوع. فقال: من بايعت فقل لا خلابة) رواه البخاري ومسلم.
وعن أنس أن رجلاً على عهد رسول الله ﷺ كان يبتاع وكان في عقدته يعني في عقله ضعف فأتى أهلُهُ النبيَ ﷺ فقالوا: يا رسول الله احجر على فلان فإنه يبتاع وفي عقدته ضعف، فدعاه ونهاه فقال يانبي الله إني لاأصبر عن البيع فقال إن كنت غير تارك للبيع فقل ها وها
стр. 1531
ولا خِلابة) رواه أصحاب السنن وأحمد وصححه الترمذي. قال الإمام الشوكاني: [قوله (لا خِلابة) بكسر المعجمة وتخفيف اللام: أي لا خديعة.
قال العلماء: لقَّنه النبي ﷺ هذا القول ليتلفظ به عند البيع، فيطلع به صاحبه على أنه ليس من ذوي البصائر في معرفة السلع ومقادير القيمة، ويرى له ما يرى لنفسه، والمراد أنه إذا ظهر غبن ردَّ الثمن واسترد المبيع واختلف العلماء في هذا الشرط هل كان خاصاً بهذا الرجل أم يدخل فيه جميع من شرط هذا الشرط؟ فعند أحمد ومالك في رواية عنه والمنصور بالله والإمام يحيى أنه يثبت الردّ لكل من شرط هذا الشرط، ويثبتون الرد بالغبن لمن لم يعرف قيمة السلع، وقيده بعضهم بكون الغبن فاحشاً وهو ثلث القيمة عنده، قالوا: بجامع الخداع الذي لأجله أثبت النبي ﷺ لذلك الرجل الخيار. وأجيب بأن النبي ﷺ إنما جعل لهذا الرجل الخيار للضعف الذي كان في عقله كما في حديث أنس المذكور، فلا يلحق به إلا من كان مثله في ذلك بشرط أن يقول هذه المقالة، ولهذا روي أنه كان إذا غبن يشهد رجل من الصحابة أن النبي ﷺ قد جعله بالخيار ثلاثاً فيرجع في ذلك، وبهذا يتبين أنه لا يصح الاستدلال بمثل هذه القصة على ثبوت الخيار لكل مغبون وإن كان صحيح العقل، ولا على ثبوت الخيار لمن كان ضعيف العقل إذا غبن ولم يقل هذه المقالة، وهذا مذهب الجمهور وهو الحقّ] نيل الأوطار ٥/ ٢٠٧.
وبناء على قول الجمهور الذي ذكره الشوكاني لا يثبت للسائل حق فسخ البيع وخاصة أن السائل كان يتصرف في البضاعة أولاً فأول وكذلك فإن السائل قد قصّر في حق نفسه حيث إنه لم يساوم البائع ولم يسأل عن السعر في السوق وقد جاء في المادة ٣٥٦ من مجلة الأحكام العدلية: [إذ وجد غبن فاحش في البيع ولم يوجد تغرير فليس للمغبون أن يفسخ البيع] درر الحكام شرح مجلة الأحكام ١/ ٣٦٨.
وبعض أهل العلم نصوا على أن الخيار يثبت إذا كان الغبن يخرج عن العادة، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ ... المسترسل إذا غبن غبناً يخرج عن العادة فله الخيار بين الفسخ والإمضاء ... فأما غير المسترسل
стр. 1532
فإنه دخل على بصيرة بالغبن فهو كالعالم بالبيع وكذا لو استعجل فجهل ما لو تثبت لعلمه لم يكن له خيار لأنه انبنى على تقصيره وتفريطه] المغني ٣/ ٤٩٧ - ٤٩٨.
والغبن الخارج عن العادة قدره بعض العلماء بالثلث وبعضهم بالربع وبعضهم بالخمس أي أن البائع إذا زاد في السعر بنسبة ٣٣% أو ٢٥% أو ٢٠% فهذا غبن خارج عن العادة وإذا كان أقل من ذلك فيكون الغبن من ضمن ما جرى تغابن الناس به وقد فصَّلَ هذه المسألة العلامةُ ابن عابدين وبيَّن أن الغبن الفاحش ليس سبباً موجباً لفسخ البيع في رسالته المسماة: [تحبير التحرير في إبطال القضاء بالفسخ بالغبن الفاحش بلا تغرير] ضمن مجموعة رسائله ٢/ ٦٦ - ٨٢. وانظر الشرح الممتع على زاد المستقنع ٨/ ٢٩٨، الفقه الإسلامي وأدلته ٤/ ٢٢١
وخلاصة الأمر أنني أتمنى أن يتحلى تجار اليوم بأخلاق تجار الأمس هذا أولاً، وأما آخراً فلا يحق لتاجر المفرق المغبون أن يطالب تاجر الجملة بما غبن به ولا يثبت له الخيار لأنه أوتي من قبل نفسه.
قطف الزيتون على نسبة منه
يقول السائل: ما حكم ما يفعله كثير من أصحاب شجر الزيتون في موسم قطاف الزيتون حيث إنهم يعطون شجر الزيتون لأناس آخرين لقطفه وعصره على نسبة يتفقون عليها كالنصف أو الثلث ونحو ذلك؟
الجواب: هذه المعاملة المتبعة عند كثير من أصحاب شجر الزيتون جائزة شرعاً ولا بأس بها على أرجح قولي العلماء في المسألة وهو قول الحنابلة والمالكية والمزني من الشافعية وغيرهم.
وتخرج هذه المسألة على أنها إجارة على العمل والأجرة بعض المعمول بعد العمل، وهي إجارة صحيحة لانتفاء الجهالة حيث إن الأجرة
стр. 1533
هي نسبة شائعة معلومة كالنصف أو الثلث أو الربع فإذا كان التعاقد على أخذ الأجرة من الزيتون قبل عصره فيكون نصيب العامل نصف الناتج مثلاً وكذلك الحال لو كان التعاقد على أخذ الأجرة زيتاً فلا بأس به وتكون أجرة العصر عليهما أي على صاحب الشجر وعلى العامل.
وقد أجاز كثير من الفقهاء الإجارة بجزء من العمل، قال ابن حزم: [وجائز إعطاء الغزل للنسج بجزء مسمى منه كربع أو ثلث أو نحو ذلك ... وكذلك يجوز إعطاء الثوب للخياط بجزء منه مشاع أو معين وإعطاء الطعام للطحين بجزء منه كذلك وإعطاء الزيتون للعصر كذلك وكذلك الاستئجار لجميع هذه الزيوت المجذوذة بجزء منها كذلك كل ذلك جائز] المحلى ٧/ ٢٥.
ثم ذكر ابن حزم عن سفيان قال: أجاز الحكم - أحد الفقهاء - إجارة الراعي للغنم بثلثها أو ربعها وهو قول ابن أبي ليلى وروي عن الحسن أيضا وهو قول عطاء وابن سيرين وقتادة.
وروى ابن حزم بسنده عن سعيد بن المسيب أنه قال لا بأس بأن يعالج الرجل النخل ويقوم عليه بالثلث والربع ما لم ينفق هو منه شيئاً.
وروى بسنده عن سالم قال: النخل يعطى من عمل فيه منه.
وذكر ابن حزم أن ذلك قول ابن أبي ليلى والأوزاعي والليث بن سعد. انظر المحلى ٧/ ٢٥ - ٢٦.
وما قاله بعض الفقهاء من وجود جهالة في هذا العقد فغير مسلّم، لأن نصيب كل منهما معلوم وهو النسبة الشائعة كالنصف أو الثلث.
كما أن العامل يشاهد الشجر وهو مثمر قبل أن يبدأ العمل فلا جهالة في المسألة.
وقاس الحنابلة هذه المسألة على المساقاة والمزارعة وقد صح في الحديث: (أن النبي ﷺ أعطى خيبر على الشطر) رواه البخاري ومسلم، والشطر هو النصف. انظر المغني ٥/ ٨ - ٩.
стр. 1534
وجاء في المدونة: [ ... قلت: أرأيت إن قلت للرجل احصد زرعي هذا ولك نصفه؟ قال: ذلك جائز عند مالك.
قلت: فإن قال له جدَّ نخلي هذا ولك نصفها؟ قال: ذلك جائز عند مالك. فإن قال: التقط زيتوني هذا فما التقطت منه من شيء فلك نصفه، أيجوز هذا أم لا؟ قال: هذا جائز عند مالك] المدونة ٣/ ٤٢٠.
وقال الإمام القرافي من المالكية: [في الكتاب - أي المدونة - يجوز حصاد الزرع وجدُّ النخل والزيتون بنصفه ... ] الذخيرة ٦/ ١٦.
وقال الدسوقي المالكي: [وجاز العقد بقوله احصد زرعي وما حصدت فلك نصفه ومثله القط زيتوني وجد نخلي وما لقطت أو جددت فلك نصفه] حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤/ ١٠.
وإذا قال له احصد ولك نصفه فيجوز أو جد نخلي ولك نصفه أو القط زيتوني هذا ولك نصفه أو جز صوفي هذا ولك نصفه كل ذلك جائز للعلم بالأجرة وما أوجر عليه لكون كل منهما محصوراً ومرئياً. انظر بلغة السالك ٢/ ٢٥٠.
وأما ما اعتمد عليه من منع هذه المعاملة وهو ما ورد أن النبي ﷺ : (نهى عن قفيز الطحان) فإن هذا الحديث فيه كلام كثير لأهل العلم.
قال الحافظ ابن حجر: [حديث نهي النبي ﷺ عن قفيز الطحان، الدارقطني، والبيهقي من حديث أبي سعيد: نهى عن عسب الفحل وقفيز الطحان، وقد أورده عبد الحق في الأحكام بلفظ: نهى النبي ﷺ ، وتعقبه ابن القطان بأنه لم يجده إلا بلفظ البناء لما لم يسم فاعله - أي نهي - وفي الإسناد هشام أبو كليب راويه عن ابن أبي نعيم عن أبي سعيد لا يعرف، قاله ابن القطان والذهبي وزاد: وحديثه منكر، وقال مغلطاي: هو ثقة فينظر فيمن وثقه ثم وجدته في ثقات ابن حبان " فائدة " ووقع في سنن البيهقي مصرحاً برفعه لكنه لم يسنده وقفيز الطحان فسره ابن المبارك أحد رواة الحديث بأن صورته أن يقال للطحان: اطحن بكذا وكذا بزيادة قفيز من نفس
стр. 1535
الطحين، وقيل: هو طحن الصبرة لا يعلم مكيلها بقفيز منها] التلخيص الحبير ٣/ ٦٠.
وقد ضعف الحافظ ابن حجر هذا الحديث في موضع آخر فقال: [رواه الدارقطني وأبو يعلى والبيهقي وفي إسناده ضعف] الدراية في تخريج أحاديث الهداية ٢/ ١٩٠.
وقد ردّ شيخ الإسلام ابن تيمية على المحتجين بالحديث السابق بقوله: [وأما الذين قالوا: لا يجوز ذلك إجارةً لنهيه عن قفيز الطحان، فيقال: هذا الحديث باطل لا أصل له، وليس هو في شيء من كتب الحديث المعتمدة ولا رواه إمام من الأئمة والمدينة النبوية لم يكن بها طحان يطحن بالأجرة ولا خباز يخبز بالأجرة.
وأيضاً فأهل المدينة لم يكن لهم على عهد البني ﷺ مكيال يسمى القفيز وإنما حدث هذا المكيال لما فتحت العراق وضرب عليهم الخراج فالعراق لم يفتح على عهد النبي ﷺ . وهذا وغيره مما يبين أن هذا ليس من كلام النبي ﷺ وإنما هو من كلام بعض العراقيين الذين لا يسوغون مثل هذا قولاً باجتهادهم والحديث ليس فيه نهيه عن اشتراط جزء مشاع من الدقيق بل عن شيء مسمى: وهو القفيز وهو من المزارعة لو شرط لأحدهما زرع بقعة بعينها أو شيئاً مقدراً كانت المزارعة فاسدة] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٣٠/ ١١٣.
ومما يؤيد كلام الشيخ ابن تيمية أن أهل المدينة ما كانوا يتعاملون بالقفيز إذ القفيز كان معروفاً ومستعملاً في بلاد فارس والعراق والقفيز يعادل ستة وعشرون كيلوغراماً تقريباً. الإيضاح والتبيان في معرفة المكيال والميزان ص ٧٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر: [وما يروى عن النبي ﷺ أنه نهى عن قفيز الطحان، فحديث ضعيف بل باطل، فإن المدينة لم يكن فيها طحان ولا خباز لعدم حاجتهم إلى ذلك] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٨/ ٨٨.
стр. 1536
وقال بعض أهل العلم إن النهي عن قفيز الطحان محمول على جهل قدر القفيز. البحر الزخار ٥/ ٥٢. هذا لو سلمنا بثبوت الحديث.
وخلاصة الأمر أن هذه المعاملة جائزة ولا بأس بها إن شاء الله تعالى.
حكم اللقطة
يقول السائل: إنه صاحب محل تجاري وقد وجد ولده مبلغاً كبيراً من المال (أوراق نقدية) في المحل فقام الولد بتمزيق بعض الأوراق النقدية ثم جاء شخص وقال إنه فقد المبلغ وأعطى صفته فهل على صاحب المحل ضمان ما أتلفه ولده من الأوراق النقدية؟
الجواب: يسمى المال الضائع من صاحبه ويجده غيره لقطة والأصل في اللقطة التعريف بها والإعلان عنها إن كانت ذات قيمة وأما الأمور التافهة التي يسرع إليها الفساد كالثمار ونحوها فلا يحتاج إلى التعريف بها والإعلان عنها ويجوز لملتقطها أن ينتفع بها فقد ورد في الحديث عن أنس ﵁ قال: مرَّ النبي ﷺ بتمرة في الطريق فقال: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها) رواه البخاري ومسلم، فهذا الحديث يدل على جواز أخذ المحقرات في الحال، قال الحافظ ابن حجر: [قوله ﷺ : (لأكلتها) ظاهر في جواز أكل ما يوجد من المحقرات ملقى في الطرقات لأنه ﷺ ذكر أنه لم يمتنع عن أكلها إلا تورعاً لخشية أن تكون من الصدقة التي حرمت عليه لا لكونها مرمية في الطريق فقط. ولم يذكر تعريفاً فدل ذلك على أن مثل ذلك يملك بالأخذ ولا يحتاج إلى تعريف] فتح الباري ٥/ ١٠٧ - ١٠٨.
وقال الإمام الترمذي: [وقد رخص بعض أهل العلم إذا كانت اللقطة يسيرة أن ينتفع بها ولا يعرفها وقال بعضهم إذا كان دون دينار يعرفها قدر جمعة وهو قول اسحق بن إبراهيم] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٤/ ٥١٨.
стр. 1537
ويرى بعض أهل العلم أن الأمور الحقيرة التي لا يسرع إليها الفساد تعرف ثلاثة أيام واحتجوا على ذلك بما ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من التقط لقطة يسيرة حبلاً أو درهماً أو شبه ذلك فليعرفها ثلاثة أيام فإن كان فوق ذلك فليعرفه ستة أيام فإن جاء صاحبها وإلا فليتصدق بها) رواه أحمد والطبراني والبيهقي وفي سنده كلام لأهل العلم، قال الشوكاني: [وفي إسناده عمر بن عبد الله بن يعلى وقد صرح جماعة بضعفه ولكنه قد أخرج له ابن خزيمة متابعة وروى عنه جماعات. وزعم ابن حزم أنه مجهول وزعم هو وابن القطان أن يعلى وحكيمة التي روت هذا الحديث عن يعلى مجهولان. قال الحافظ: وهو عجب منهما لأن يعلى صحابي معروف الصحبة قال ابن رسلان: ينبغي أن يكون هذا الحديث معمولاً به لأن رجال إسناده ثقات وليس فيه معارضة للأحاديث الصحيحة بتعريف سنة لأن التعريف سنة هو الأصل المحكوم به عزيمة وتعريف الثلاث رخصة تيسيراً للملتقط لأن الملتقط لليسير يشق عليه التعريف سنة مشقة عظيمة بحيث يؤدي إلى أن أحداً لا يلتقط اليسير والرخصة لا تعارض العزيمة بل لا تكون إلا مع بقاء حكم الأصل كما هو مقرر في الأصول ويؤيد تعريف الثلاث ما رواه عبد الرزاق عن أبي سعيد: (أن علياً جاء إلى النبي ﷺ بدينار وجده في السوق فقال النبي ﷺ : عرفه ثلاثاً ففعل فلم يجد أحداً يعرفه فقال: كله) وينبغي أيضاً أن يقيد مطلق الانتفاع المذكور في حديث الباب بالتعريف بالثلاث المذكور فلا يجوز للملتقط أن ينتفع بالحقير إلا بعد التعريف به ثلاثاً حملاً للمطلق على المقيد وهذا إذا لم يكن ذلك الشيء الحقير مأكولاً فإن كان مأكولاً جاز أكله ولم يجب التعريف به أصلاً كالتمرة ونحوها لحديث أنس المذكور لأن النبي ﷺ قد بيَّن أنه لم يمنعه من أكل التمرة إلا خشية أن تكون من الصدقة ولولا ذلك لأكلها وقد روى
ابن أبي شيبة عن ميمونه زوج النبي ﷺ أنها وجدت تمرة فأكلتها وقالت: لا يحب الله الفساد، قال في الفتح: يعني أنها لو تركتها فلم تؤخذ فتؤكل لفسدت قال: وجواز الأكل هو المجزوم به عند الأكثر. ويمكن أن يقال إنه يقيد حديث التمرة بحديث التعريف ثلاثاً كما قيد به حديث الانتفاع ولكنها
стр. 1538
لم تجر للمسلمين عادة بمثل ذلك وأيضاً الظاهر من قوله ﷺ (لأكلتها) أي في الحال ويبعد كل البعد أن يريد ﷺ لأكلتها بعد التعريف ثلاثاً وقد اختلف أهل العلم في مقدار التعريف بالحقير فحكى في البحر عن زيد بن علي والناصر والقاسمية والشافعي أنه يعرف به سنة كالكثير وحكى عن المؤيد بالله والإمام يحيى وأصحاب أبي حنيفة أنه يعرف به ثلاثة أيام واحتج الأولون بقوله ﷺ (عرفها سنة) قالوا: ولم يفصل. واحتج الآخرون بحديث يعلى بن مرة وحديث علي وجعلوهما مخصصين لعموم حديث التعريف سنة وهو الصواب لما سلف] نيل الأوطار ٥/ ٣٧٩ - ٣٨٠.
وأما الأمور ذات القيمة فيجب تعريفها لمدة سنة كما ثبت في الحديث عن أبي بن كعب ﵁ قال: أصبت صرة فيها مئة دينار فأتيت النبي ﷺ فقال: عرفها حولاً فعرفتها حولاً فلم أجد من يعرفها ثم أتيته فقال: عرفها حولاً فعرفتها فلم أجد ثم أتيته ثلاثاً فقال: احفظ وعاءها وعددها ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها فاستمتعت بها فلقيته بعد بمكة فقال: لا أدري ثلاثة أحوال أو حولاً واحداً) رواه البخاري.
وعن زيد بن خالد الجهني ﵁ أنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن اللقطة فقال: (اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرِّفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها قال: فضالة الغنم قال: لك أو لأخيك أو للذئب قال: فضالة الإبل؟ قال: مالك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربُها) رواه مسلم.
والعفاص هو الوعاء الذي يكون فيه المال والوكاء هو الخيط الذي يشد به الوعاء.
وفي رواية لمسلم عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن اللقطة الذهب أو الورق فقال: (اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرِّفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فأدها إليه) وسأله عن ضالة الإبل فقال: (مالك ولها؟ دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها) وسأله
стр. 1539
عن الشاة فقال: (خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب). قال الإمام النووي [وأما التعريف سنة فقد أجمع المسلمون على وجوبه إذا كانت اللقطة ليست تافهة ولا في معنى التافهة. ولا بد من تعريفها سنة بالإجماع] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ٣٨٦. ثم قال الإمام النووي: والتعريف أن ينشدها في الموضع الذي وجدها فيه وفي الأسواق وأبواب المساجد ومواضع اجتماع الناس فيقول: من ضاع منه شيء؟ من ضاع منه حيوان؟ من ضاع منه درهم؟ ونحو ذلك ويكرر ذلك بحسب العادة قال أصحابنا: فيعرفها أولاً في كل يوم ثم في الأسبوع ثم في أكثر منه] المصدر السابق ٤/ ٣٨٦ - ٣٨٧.
والتعريف باللقطة إذا كانت ذات قيمة واجب على الراجح من أقوال أهل العلم قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فإنه واجب على كل ملتقط سواء أراد تملكها أو حفظها لصاحبها وقال الشافعي: لا تجب على من أراد حفظها لصاحبها. ولنا: أن النبي ﷺ أمر به زيد بن خالد وأبي بن كعب ولم يفرق ولأن حفظها لصاحبها إنما يقيد بإيصالها إليه وطريقه التعريف أما بقاؤها في يد الملتقط من غير وصولها إلى صاحبها فهو وهلاكها سيان ولأن إمساكها من غير تعريف تضييع لها عن صاحبها فلم يجز كردها إلى موضعها أو إلقائها في غيره ولأنه لو لم يجب التعريف لما جاز الالتقاط لأن بقاءها في مكانها إذاً أقرب إلى وصولها إلى صاحبها إما بأن يطلبها في الموضع الذي ضاعت فيه فيجدها وإما بأن يجدها مع من يعرفها وأخذه لها يفوت الأمرين فيحرم فلما جاز الالتقاط وجب التعريف كيلا يحصل هذا الضرر ولأن التعريف واجب على من أراد تملكها فكذلك على من أراد حفظها فإن التمليك غير واجب فلا تجب الوسيلة إليه فيلزم أن يكون الوجوب في المحل المتفق عليه لصيانتها عن الضياع عن صاحبها وهذا موجود في محل النزاع] المغني ٦/ ٧٤.
إذا تقرر هذا فإن العلماء قد اتفقوا على أن يد الملتقط يد أمانة فإذا تلفت اللقطة عنده أثناء الحول بلا تعدٍ منه ولا تقصير فلا ضمان عليه وأما إذا تعدى أو قصّر فعليه الضمان.
стр. 1540
وقد ذكر السائل أن ابن صاحب المحل قد تعدّى بتمزيقه الأوراق النقدية فلا بد من ضمانها وإن كان الملتقط صبياً. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [إن الصبي والمجنون والسفيه إذا التقط أحدهم لقطة ثبتت يده عليها لعموم الأخبار ولأن هذا تكسب فصح منه كالاصطياد والاحتطاب وإن تلفت في يده بغير تفريط فلا ضمان عليه لأنه أخذ ما له أخذه وإن تلفت بتفريطه ضمنها في ماله وإذا علم بها وليه لزمه أخذها لأنه ليس من أهل الحفظ والأمانة فإن تركها في يده ضمنها لأنه يلزمه حفظ ما يتعلق به حق الصبي وهذا يتعلق به حقه فإذا تركها في يده كان مضيعاً لها] المغني ٦/ ١٠٠.
وخلاصة الأمر أن على ولي الصبي ضمان ما أتلفه ولده من المال الملتقط.
الفرق بين حقوق الله تعالى وحقوق العباد
يقول السائل: قرأت في كتاب فقه كلاماً عن الحقوق وأن منها ما هو حق لله تعالى ومنها ما هو حق للناس فأرجو بيان الفرق بينهما وما أثر ذلك على المعاصي التي ارتكبها الإنسان ثم تاب منها؟
الجواب: قسم جمهور أهل العلم الحق باعتبار صاحب الحق إلى أربعة أقسام وهي:
أولاً: حق الله تعالى ويسمى الحق العام:
وهو ما قصد به التقرب إلى الله تعالى وتعظيمه وإقامة شعائر دينه، أو قصد به تحقيق النفع العام دون اختصاص بأحد، ونسب هذا الحق لله تعالى لعظم خطره وشمول نفعه كما قال ابن نجيم الحنفي في فتح الغفار ٣/ ٥٩.
وحق الله تعالى يشمل الإيمان به ﷻ والصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وإقامة الحدود والكفارات وغير ذلك. انظر الفروق ١/ ١٤٠ - ١٤١ الموسوعة الفقهية ١٨/ ١٤ - ١٩.
стр. 1541
ثانياً: حق العبد المحض: وهو ما كان متعلقاً بمصالح الإنسان الخالصة، قال القرافي: [وحق العبد مصالحه] الفروق ١/ ١٤٠.
وحق العبد المحض يشمل الحقوق المالية، قال الشيخ محمد أبو زهرة: [حقوق العباد الخالصة وذلك كالديون والأملاك وحق الوراثة وغير ذلك مما يتعلق بالأموال نقلاً وبقاءً، فهذه كلها حقوق العباد خالصة والاعتداء على حقوق العباد ظلم، ولا يقبل الله تعالى توبة عبد قد أكل حقاً من حقوق العباد إلا إذا أداه أو أسقطه صاحبه وعفا] أصول الفقه ص٣٢٤.
وحق العبد يقبل الإسقاط، فإذا أسقط إنسانٌ حقاً له على غيره فله ذلك، قال القرافي: [ونعني بحق العبد المحض أنه لو أسقطه لسقط] الفروق ١/ ١٤١.
ثالثاً: ما اجتمع فيه حق الله وحق العبد وحق الله غالب: ومثاله حد القذف فهو من جهة أن فيه مساً بأعراض الناس علناً فهو حق لله تعالى، ومن جهة أن المقذوف بالزنى قد اتهم في عرضه فهو حق له ولكن حق الله غالب فيه. وكذلك حد السرقة بعد أن يبلغ الإمام، وكذلك عدة المطلقة وعدة المتوفى عنها زوجها، فحق الله فيها صيانة الأنساب عن الاختلاط وحماية المجتمع من الفوضى، وأما حق العبد فيها فهو المحافظة على نسب أولاد الزوج وحق الله غالب. نظرية الحكم القضائي ص ٢٤٢، الفقه الإسلامي وأدلته ٤/ ١٥.
رابعاً: ما اجتمع فيه حق الله وحق العبد وحق العبد الغالب: ومثاله القصاص وعقوبات الدماء بشكل عام كالديات. [فالقصاص لله فيه حق لأنه اعتداء على المجتمع واعتداء على مخلوق الله وعبده الذي حرم دمه إلا بحق ولله في نفس العبد حق الاستعباد حيث قال : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) سورة الذاريات الآية ٥٦. وللعبد في القصاص حق لأن القتل العمد اعتداء على شخصه لأن للعبد المقتول في نفسه حق الحياة وحق الاستمتاع بها فحرمه القاتل من حقه وهو اعتداء على أولياء المقتول لأنه حرمهم من رعاية مورثهم واستمتاعهم بحياته فكان القتل العمد
стр. 1542
اعتداء على حق الله وحق العبد ولذلك كان في شرعية القصاص إبقاء للحقين وإخلاء للعالم من الفساد، تصديقاً لقول الله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) سورة البقرة الآية ١٧٩.
وغلب حق العبد لأن ولي المقتول يملك رفع دعوى القصاص أو عدم رفعها وبعد المطالبة بالقصاص والحكم على الجاني القاتل يملك التنازل عنه والصلح على مال أو الصلح بغير عوض كما يملك تنفيذ حكم القصاص على القاتل إن أراد ذلك وكان يتقن التنفيذ ولا يجوز ذلك إلا بإذن الحاكم لئلا يفتات عليه فلو فعل وقع القصاص موقعه واستحق التعزير] الموسوعة الفقهية ١٨/ ١٨ - ١٩.
وأما إذا ارتكب الإنسان المعاصي ثم تاب منها فإن العلماء قد بينوا ما هو أثر التوبة على حقوق الله وحقوق العباد فإذا كانت المعصية متعلقة بحقوق الله المالية فلا بد للتائب منها أن يؤدي حقوق الله تعالى ولا يكفي مجرد الإقلاع عن المعصية.
قال الإمام النووي: [. ثم إن كانت المعصية لا يتعلق بها حق مالي لله تعالى ولا للعباد كقبلة الأجنبية ومباشرتها فيما دون الفرج فلا شيء عليه سوى ذلك، وإن تعلق بها حق مالي كمنع الزكاة والغصب والجنايات في أموال الناس وجب مع ذلك تبرئة الذمة عنه] روضة الطالبين ١١/ ٢٤٥ - ٢٤٦. وذكر الخطيب الشربيني أن حق الله تعالى كالزكاة والكفارات لابد من أدائها. مغني المحتاج ٤/ ٤٤٠. وقال الإمام النووي أيضاً: [وإن تعلق بالمعصية حق ليس بمالي فإن كان حدا لله تعالى بأن زنى أو شرب الخمر فإن لم يظهر عليه فله أن يظهره ويقر به ليقام عليه الحد ويجوز أن يستر على نفسه وهو الأفضل، فإن ظهر فقد فات الستر فيأتي الإمام ليقيم عليه الحد] روضة الطالبين ١١/ ٢٤٦ - ٢٤٧ وكلام النووي يدل على أن الحدود المختصة بالله تعالى كحد الزنا والسرقة وشرب الخمر لا تسقط بمجرد التوبة ولا بد من إقامة الحد وهذا مذهب جمهور الفقهاء. انظر الموسوعة الفقهية ١٨/ ١٨ - ١٩.
стр. 1543
وكذلك فإنه من المقرر عند العلماء أن من شروط التوبة من المعصية المتعلقة بالناس رد الحقوق لأصحابها قال الإمام النووي: [وإن تعلق بها حق مالي كمنع الزكاة والغصب والجنايات في أموال الناس وجب مع ذلك تبرئة الذمة عنه بأن يؤدي الزكاة ويرد أموال الناس إن بقيت، ويغرم بدلها إن لم تبق، أو يستحل المستحق فيبرئه، ويجب أن يعلم المستحق إن لم يعلم به، وأن يوصله إليه إن كان غائباً إن كان غصبه منه هناك، فإن مات سلَّمه إلى وارثه، فإن لم يكن له وارث وانقطع خبره، دفعه إلى قاضٍ تُرضى سيرتهُ وديانته، فإن تعذر تصدق به على الفقراء بنية الغرامة له إن وجده. وإن كان معسراً نوى الغرامة إذا قدر، فإن مات قبل القدرة فالمرجو من فضل الله تعالى المغفرة. قلت - أي النووي - ظواهر السنن الصحيحة تقتضي ثبوت المطالبة بالظلامة، وإن مات معسراً عاجزاً إذا كان عاصياً بالتزامها، فأما إذا استدان في مواضع يباح له الاستدانة واستمر عجزه عن الوفاء حتى مات، أو أتلف شيئاً خطأً وعجز عن غرامته حتى مات، فالظاهر أن هذا لا مطالبة في حقه في الآخرة إذ لا معصية منه والمرجو أن الله تعالى يعوض صاحب الحق]. روضة الطالبين ١١/ ٢٤٥ - ٢٤٦. وقال النووي أيضاً: [وإن كان حقاً للعباد كالقصاص وحد القذف فيأتي المستحق ويمكنه من الاستيفاء فإن لم يعلم المستحق وجب في القصاص أن يعلمه فيقول أنا الذي قتلت أباك ولزمني القصاص، فإن شئت فاقتص وإن شئت فاعف.
وأما الغيبة إذا لم تبلغ المغتاب فرأيت في فتاوى الحناطي أنه يكفيه الندم والاستغفار وإن بلغته. فالطريق أن يأتي المغتاب ويستحل منه فإن تعذر لموته أو تعسر لغيبته البعيدة استغفر الله تعالى ولا اعتبار بتحليل الورثة هكذا ذكره الحناطي]. روضة الطالبين١١/ ٢٤٧.
وقال الشيخ أحمد النفراوي المالكي: [وأما تبعات العباد فلا يكفرها التوبة بل لا بد من استحلال أربابها لأن حقوق العباد لا يقال لها ذنوب] الفواكه الدواني ٢/ ٣٠٢.
стр. 1544
الضمان في رفس الحمار
يقول السائل: إن حماراً قد رفس ابنه وأصابه بجرح بليغ، فهل على صاحب الحمار شيء؟
الجواب: صح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (العجماء جرحها جُبار) رواه البخاري ومسلم وفي رواية للبخاري: (العجماء عقلُها جُبار). والعجماء هي البهيمة ومعنى جُبار أي هدر والهدر الذي لا شيء فيه ومعنى العقل في الرواية الثانية أي الدية والمراد أن لا دية فيما تتلفه البهيمة. انظر فتح الباري ١٢/ ٣١٩ فما بعدها.
والذي يؤخذ من الحديث النبوي أن الدابة إذا أتلفت شيئاً بدون تقصير أو تعدٍ من مالكها أو سائقها فلا ضمان عليه وأما إذا قصر في حفظها أو تعدى بأن نخسها أو ضربها فرفست إنساناً أو عضته أو آذته فعليه الضمان.
قال الإمام الترمذي: [ومعنى قوله ﷺ : (العجماء جرحها جُبار) فسر ذلك بعض أهل العلم قالوا: العجماء الدابة المنفلتة من صاحبها فما أصابت في انفلاتها فلا غرم على صاحبها] سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٤/ ٥٢٢ - ٥٢٣.
وقال الإمام النووي: [فأما قوله ﷺ (العجماء جرحها جبار) فمحمول على ما إذا أتلفت شيئاً بالنهار أو أتلفت بالليل بغير تفريط من مالكها أو أتلفت شيئاً وليس معها أحدٌ فهذا غير مضمون وهو مراد الحديث. فأما إذا كان معها سائق أو قائد أو راكب فأتلفت بيدها أو برجلها أو فمها ونحوه وجب ضمانه في مال الذي هو معها سواء كان مالكاً أو مستأجراً أو مستعيراً أو غاصباً أو مودعاً أو وكيلاً أو غيره، إلا أن تتلف آدمياً فتجب ديته على عاقلة الذي معها والكفارة في ماله والمراد بجرح العجماء إتلافها سواء كان بجرح أو غيره قال القاضي: أجمع العلماء على أن جناية البهائم بالنهار لا ضمان فيها إذا لم يكن معها أحد فإن كان معها راكب أو سائق أو قائد
стр. 1545
فجمهور العلماء على ضمان ما أتلفته] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ٣٦٤.
وخلاصة الأمر أن صاحب الحمار إن كان قد تعدى أو قصر في حفظ حماره فعليه الضمان وإلا فلا ضمان عليه.
تحرم سرقة التيار الكهربائي
يقول السائل: إنه يعمل كهربائياً وقد قامت شركة الكهرباء بقطع التيار الكهربائي عن منزل شخص لسرقته التيار الكهربائي فطلب هذا الشخص من الكهربائي أن يوصل التيار لمنزله بدون موافقة شركة الكهرباء فما حكم ذلك؟
الجواب: ينبغي أن يعلم أولاً أن سرقة التيار الكهربائي حرام شرعاً وينطبق عليها مفهوم السرقة عند الفقهاء فالسرقة عندهم هي أخذ المال من حرزه خفية. وهذا ينطبق على سارق التيار الكهربائي فهو يأخذ التيار الكهربائي خفية من حرزه. والتيار الكهربائي ملك لشركة الكهرباء وهو مال متقوم شرعاً وهو مال له حرز معروف عرفاً فتحرم سرقته أو التعدي عليه والأدلة على تحريم ذلك كثيرة منها قوله تعالى:
(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) سورة المائدة الآية ٣٨. وقوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) سورة البقرة، الآية ١٨٨.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده) رواه البخاري ومسلم.
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) رواه البخاري.
следующие страницы →