Полный текст (3 492 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
ونشرت مجلة العربي في عددها رقم ٣٩٥ لسنة ١٩٩١ تحت عنوان " في بيتنا كلب " ما يلي: من ضمن الأمراض التي يصاب بها الكلب ما يأتي:
١. الكَلَبْ: مرض يصيب الكلب بفعل فيروس خاص تستهويه الأنسجة العصبية في الجسم فيصاب بالجنون أو السعار من مظاهره التيه والشرود واحمرار في العينين مع فك متدل ولعاب يسيل فإذا أصاب الإنسان يصبه بتشنجات وهذيان وتكون خاتمته الموت الزؤام حيث لا علاج إلا الوقاية.
٢. داء اللينتمانيا: طفيليات وحيدة الخلية إذا ما أصابت الإنسان تمرضه بإحدى صورتين: أ. جلدية فينفرج الجلد ويعاني من قرحة مزمنة.
ب. إصابة الأحشاء فيعاني المريض بها من حمى وصداع وتضخم في الكبد والطحال.
وهذه الطفيليات تنقلها بعوضة صغيرة والكلب أحد ضحايا المرض لجانب الإنسان فلهذا هو مصدر خطر كامن لهذا الداء.
٣. الديدان الشرطية.
وخلاصة الأمر أنه لا يجوز اقتناء الكلاب إلا للحاجات التي أقرها الشرع.
стр. 1612
متفرقات
стр. 1613
انهيار مركز التجارة العالمي والتلاعب بآيات القرآن الكريم
السؤال: سألني عدد من المصلين عن ورقة وزعت في بعض المساجد وهي بعنوان إحدى معجزات القرآن الكريم نقدمها للمسلمين واليهود والنصارى وجاء فيها: [انهار مركز التجارة العالمي بمدينة نيويورك في ١١/ ٩/٢٠٠١ والذي يقع على ناصية شارع (جرف هار)، وفي هذا يقول الله رب العزة العلي القدير قبل ١٤٠٠سنة وقبل أن يأتي العالم بشارع (جرف هار) ويقيم فيه هذا المبنى ... بسم الله الرحمن الرحيم (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) سورة التوبة آية ١٠٩ وبالبحث في المصحف الشريف نجد أن تقع الآية ١٠٩ من سورة التوبة في الجزء (١١) (يوم الانهيار) رقم سورة التوبة في المصحف الشريف هو (٩) (شهر الانهيار) عدد كلمات السورة من أولها وحتى نهاية هذه الآية (٢٠٠١) كلمة (عام الانهيار). فسبحان الله العلي القدير، فهل للملحدين ومن ليس لهم دين أن يؤمنوا بإله واحد لا شريك له، الذي أخبرنا بكل الأحداث في كتابه الكريم منذ ١٤٠٠سنة على لسان نبيه الأمين
(محمد) ﷺ نرجو تصوير وإهداء هذه المعجزة للكثير من الأحباب وجزاكم الله خيراً].
стр. 1614
والجواب: لابد أن أبين أولاً أن بعض الناس قد تجاوزوا حدودهم ووصل بهم الأمر إلى أن يتلاعبوا بكتاب الله وقالوا في القرآن الكريم بمجرد آرائهم السقيمة التي لا تعتمد على أي أصل علمي معتبر عند أهل العلم وإنما هي الأهواء والشهوات.
إن هؤلاء الجهلة يفسرون القرآن الكريم حسب أهوائهم وشهواتهم وما علموا أن تفسير كلام رب العالمين له قواعد وأصول وضوابط لا بد من معرفتها قبل أن يخوض أي أحد في تفسير القرآن الكريم وقد حذر النبي ﷺ من الجرأة على الخوض في كلام الله تعالى بغير علم فقد روى الترمذي بسنده عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار) وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وحسنه البغوي في شرح السنة ١/ ٢٥٨.
وجاء في رواية أخرى عن ابن عباس ﵁ أنه ﷺ قال: (اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار) رواه الترمذي وقال حديث حسن وحسنه البغوي في شرح السنة ١/ ٢٥٧.
وعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ) رواه الترمذي ثم قال: [هكذا روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أنهم شددوا في هذا في أن يفسر القرآن بغير علم] سنن الترمذي مع شرحه عارضة الأحوذي ١١/ ٥٠ - ٥١.
وقد ذكر الإمام القرطبي في مقدمة تفسيره باباً بعنوان (ما جاء في الوعيد في تفسير القرآن بالرأي والجرأة على ذلك) وذكر فيه الأحاديث السابقة ثم ذكر أقوال أهل العلم في التحذير الشديد من التلاعب بكلام الله وتفسيره حسب الآراء والأهواء التي لا تقوم على أساس صحيح ونقل عن ابن عطية قوله: [وكان جلة من السلف الصالح كسعيد بن المسيب وعامر الشعبي وغيرهما يعظمون تفسير القرآن ويتوقفون عنه تورعاً واحتياطاً لأنفسهم
стр. 1615
مع إدراكهم وتقدمهم قال أبو بكر الأنباري: وقد كان الأئمة من السلف الماضي يتورعون عن تفسير المشكل من القرآن؛ فبعض يقدر أن الذي يفسره لا يوافق مراد الله فيحجم عن القول.
وبعض يشفق من أن يُجعَل في التفسير إماماً يُبنى على مذهبه ويُقتفى طريقُه. فلعل متأخراً أن يفسر حرفاً برأيه ويخطئ فيه ويقول: إمامي في تفسير القرآن بالرأي فلان الإمام من السلف، وعن ابن أبي مليكة قال: (سئل أبو بكر الصديق- ﵁ عن تفسير حرف من القرآن فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني! وأين أذهب! وكيف أصنع! إذا قلت في حرف من كتاب الله تعالى بغير ما أراد ﵎ تفسير القرطبي ١/ ٣٣ - ٣٤.
وقال الإمام ابن العربي المالكي: [من تسور على تفسير القرآن فصور صورة خطأ فله الويل، ومن أصاب فمثله، كما روى أبو عيسى وهكذا قال النبي ﵇ في القاضي أنه إذا حكم بجهل وأصاب فله النار لإقدامه على ما لا يحل في أمر يعظم قدره وهو الإخبار عن الله بما لم يشرع في حكمه أو إخباره عن ما لم يرده بقوله في وحيه) عارضة الأحوذي ١١/ ٥٢.
إذا تقرر أنه لا يجوز لأحد أن يقدم على تفسير كلام رب العالمين إلا إذا حصلت عنده أهلية لذلك فأعود إلى ما جاء في الورقة المذكورة في السؤال فأقول إن كاتب هذه الورقة قد أعظم الفرية على كلام رب العالمين وقال في القرآن بهواه وتلاعب بالذكر الحكيم فالويل له ثم الويل له عندما يقف بين يدي الله فإنه قد جزم قائلاً بأن الله ﷻ قد قال في انهيار مركز التجارة العالمي الآية الكريمة: [وفي هذا يقول الله رب العزة العلي القدير.] ثم يفسر هذا المتلاعب قوله تعالى: (عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ) بأنه اسم للشارع الذي يقع فيه مركز التجارة العالمي (جرف هار) وهذا كذب واضح وقول في كتاب الله بغير علم وجرأة عجيبة غريبة على كلام الله ولنرجع إلى ما قاله أهل العلم في معنى جرف هار، قال الراغب الأصفهاني:
стр. 1616
[قال : (عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ) يقال للمكان الذي يأكله السيل فيجرفه أي يذهب به جرف وقد جرف الدهر ماله أي اجتاحه تشبيهاً به] المفردات ص٩١.
وقال الراغب أيضاً: [هار: يقال بئر هائر وهار وهارٍ ومهار ويقال انهار فلان إذا سقط من مكان عال ورجل هار وهائر ضعيف في أمره تشبيهاً بالبئر الهائر] المفردات ص٥٤٧.
وذكر الألوسي أن معنى قوله تعالى: (عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ) أي طرفه ومنه أشفى على الهلاك أي صار على شفاء وشفي المريض لأنه صار على شفاء البرء والسلامة. وقيل هو الهوة وما يجرفه السيل من الأودية لجرف الماء له أي أكله وإذهابه (هار) أي متصدع مشرف على السقوط وقيل ساقط وهو نعت لجرف] تفسير الألوسي ١١/ ٢١.
وبهذا يظهر لنا أن الجرف الهار هو البئر الساقط أو المنهار وهما كلمتان عربيتان فصيحتان وليستا اسم شارع في نيويورك كما زعم هذا الأفاك الأثيم. ثم زعم الكاتب والزعم مطية الكذب أن الآية ١٠٩ من سورة التوبة وأنها واقعة في الجزء الحادي عشر من القرآن ورقم سورة التوبة هو التاسع في ترتيب سور القرآن الكريم وأن عدد كلمات سورة التوبة حتى نهاية الآية هو ٢٠٠١ ويشير بذلك إلى تاريخ حادثة انهيار مركز التجارة العالمي ١١/ ٩/٢٠٠١ م وأقول إن هذا من التخرص والقول في كتاب الله بغير علم. والسؤال الذي يطرح نفسه من أين أتى هذا الكاتب بهذا التفسير العددي الذي تفوح منه رائحة الكذب والدجل بل هو دجل بلا خجل وتكلف باطل وتحميل لكلام الله تعالى ما لا يحتمل ومما يؤكد أن هذا الكلام زور وبهتان أن الكاتب زعم أن عدد كلمات سورة التوبة من أولها وحتى نهاية الآية التي استدل بها هو ٢٠٠١ كلمة وهذا غير صحيح حيث إنني قمت بعدِّ الكلمات فوجدت أن عددها هو ٢٠٨٣ كلمة حسب رسم المصحف ويزيد العدد عن ذلك إن لم نعتبر رسم المصحف وهذا يثبت كذب هذه الدعوى العريضة. ثم لماذا يؤرخ القرآن بالتاريخ الميلادي؟؟!! ويذكرني هذا الكلام بما قاله الشيخ عبد الحميد كشك ﵀ في أحد أشرطته أنه لما زار القاهرة رئيس
стр. 1617
يوغسلافيا السابق (تيتو) ظهر أحد الدجالين من اللابسين لباس العلماء وقال إن الله قد ذكر (تيتو) في القرآن الكريم ألا ترون قوله تعالى: (أوتيتم) فلفظها بطريقة توافق اسم تيتو؟ وهكذا يكون التلاعب في كتاب الله تعالى لخدمة الأهواء والشهوات. إن الآية الكريمة من سورة التوبة نزلت في حادثة مسجد الضرار الذي بناه بعض المنافقين يقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) سورة التوبة الآيات ١٠٧ - ١١٠.
قال ابن كثير: [سبب نزول هذه الآيات الكريمات أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله ﷺ إليها رجل من الخزرج يقال له: أبو عامر الراهب , وكان قد تنصر في الجاهلية وقرأ علم أهل الكتاب وكان فيه عبادة في الجاهلية وله شرف في الخزرج كبير. فلما قدم رسول الله ﷺ مهاجراً إلى المدينة واجتمع المسلمون عليه وصارت للإسلام كلمة عالية وأظهرهم الله يوم بدر شرق اللعين أبو عامر بريقه وبارز بالعداوة وظاهر بها وخرج فارَّاً إلى كفار مكة من مشركي قريش فألَّبهم على حرب رسول الله ﷺ فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب وقدموا عام أحد فكان من أمر المسلمين ما كان وامتحنهم الله وكانت العاقبة للمتقين وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين فوقع في إحداهن رسول الله ﷺ وأصيب ذلك اليوم فجرح في وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى وشج رأسه ﷺ وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته فلما عرفوا كلامه قالوا: لا أنعم الله بك عيناً يا فاسق يا عدو الله ونالوا منه وسبوه. فرجع وهو يقول: والله لقد أصاب قومي بعدي شر. وكان رسول الله ﷺ قد دعاه إلى الله قبل فراره وقرأ عليه من القرآن فأبى أن يسلم وتمرد فدعا عليه رسول الله ﷺ أن يموت بعيداً طريداً
стр. 1618
فنالته هذه الدعوة وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد ورأى أمر الرسول ﷺ في ارتفاع وظهور ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي ﷺ فوعده ومنَّاه وأقام عنده وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله ﷺ ويغلبه ويرده عما هو فيه وأمرهم أن يتخذوا له معقلاً يقدم عليهم فيه من يقدم من
عنده لأداء كتبه ويكون مرصداً له إذا قدم عليهم بعد ذلك فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج النبي ﷺ إلى تبوك وجاءوا فسألوا رسول الله ﷺ أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ليحتجوا بصلاته ﵇ فيه على تقريره وإثباته وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية. فعصمه الله من الصلاة فيه فقال: (إنا على سفر ولكن إذا رجعنا إن شاء الله) فلما قفل ﵇ راجعاً إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم نزل عليه الوحي بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم مسجد قباء الذي أسس من أول يوم على التقوى. فبعث رسول الله ﷺ إلى ذلك المسجد منْ هدمه قبل مقدمه المدينة. كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا) وهم أناس من الأنصار ابتنوا مسجداً فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجداً واستعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم وأخرج محمداً وأصحابه فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي ﷺ فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة. فأنزل الله تعالى:
(لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ. الظالمين)] تفسير ابن كثير ٣/ ٤٤٠ - ٤٤١.
وخلاصة الأمر أنه يحرم التلاعب بكلام رب العالمين كما فعل كاتب الورقة محل السؤال وأقول إنه يحرم تصوير هذه الورقة كما يحرم توزيعها على الناس لما فيها من الكذب على الله والدجل والخزعبلات والخرافات.
стр. 1619
القُصَّاص الجدد
يقول السائل: ما قولكم فيمن يربطون الأحداث التي وقعت في أفغانستان وما تعلق بها بالآيات القرآنية الواردة في قصة موسى ﵇ مع فرعون ربطاً تفصيلياً حيث إنهم يجعلون لكل حدث من الأحداث مهما كان صغيراً ارتباطاً بآية قرآنية وإن كثيراً من عامة الناس قد صدقوا هذه التفسيرات؟
الجواب: عرف التاريخ الإسلامي جماعة من الوعاظ والقُصَّاص الذين كانوا يحدثون الناس في المساجد بالغرائب والأباطيل والأكاذيب وكان هؤلاء القصاص يستميلون قلوب العامة إليهم بذلك قال ابن قتيبة: [. القصاص فإنهم يميلون وجه العوام إليهم ويشيدون ما عندهم بالمناكير والأكاذيب من الأحاديث ومن شأن العوام القعود عند القاص ما كان حديثه عجيباً خارجاً عن نظر المعقول أو كان رقيقاً يحزن القلب.] تأويل مختلف الحديث ص٣٥٧.
والعامة في كل عصر مولعون بالغريب ويعجبون بالخرافة ويستمتعون بالعجائب وقد ظهر في زماننا هذا نوع جديد من القصاص يهواهم العامة ويتحلقون حولهم ويظنونهم من المجددين لدين الإسلام وهؤلاء القصاص الجدد يزعمون أن عندهم فهماً جديداً لآيات القرآن وينزلون آيات الكتاب الكريم على الواقع الذي تعيشه الأمة المسلمة اليوم وهو واقع مرير بلا شك.
ويتعلق العامة بالقصاص الجدد بسبب حالة الضعف والذلة والهوان التي تعيشها الأمة المسلمة ونظراً لحالة العداء الشديدة للغرب عامة ولأمريكا خاصة السائدة اليوم في العالم الإسلامي فلما سمع عامة الناس كلام القصاص الجدد حول دمار أمريكا وغرقها وتدمير أبراجها إلى آخر المقولة التي يرددها القصاص الجدد تعلق العامة بهذا الكلام كتعلق الغريق بالقشة.
وأذكر هنا أمثلة من ربط الأحداث الحالية بالآيات القرآنية مما يروج على العامة وأشباه طلبة العلم فمن ذلك: إن قصة موسى ﵇ المذكورة في سورة القصص تنطبق على أمريكا اليوم وأن أمريكا ستغرق
стр. 1620
كما غرق فرعون وسيكون غرق أمريكا خلال سنة أو سنتين!!! قال الله تعالى: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ فَلَمَّاءَاسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لْآخِرِينَ) سورة الزخرف الآيات ٥١ - ٥٦.
الزعم بأن كلمة فرعون تعني البيت العظيم ويوجد اليوم البيت الأبيض قال الله تعالى (. سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ).
الزعم بأن ما ورد في سورة القصص من ذكر لبعض الأمور بصيغة المثنى مثل (رجلين)
(امرأتين) (الأجلين) (فذانك برهانان) (سحران تظاهرا) (أهدى منهما) (أجرهم مرتين) إن هذه التثنية تدل على أن القصة ستحدث مرتين الأولى مع فرعون والثانية مع أمريكا!!!
الزعم بأن قصة قارون المذكورة في سورة القصص تنطبق على السعودية لأن قارون كان من قوم موسى واليوم أسامة بن لادن سعودي فقارون هو السعودية. فالله آتى قارون من الكنوز: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَءَاتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّة) والله أعطى السعودية آبار النفط.
الزعم بأن المراد بقوله تعالى على لسان فرعون: (فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى) أن الصرح هو المرصد الفلكي وأمريكا أطلقت التلسكوب الفضائي هابل.
الزعم بأن فرعون كان يقاتل القاعدة: (فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا) وأمريكا اليوم تقاتل شبكة القاعدة والناس تقول للقاعد فزّ!!!
стр. 1621
الزعم بأن قوله تعالى مخاطباً موسى: (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ) ينطبق على انضمام جماعة الجهاد إلى القاعدة والآية قالت (عَضُدَكَ) والظواهري اسمه أيمن!!!
الزعم بأن قوله تعالى: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ) بأنه ينطبق على مصاهرة أسامة بن لادن للملا عمر!!! الزعم بأن قوله تعالى: (فسقى لهما) ينطبق على حفر أسامة بن لادن لآبار المياه في أفغانستان!!!
الزعم بأن تحالف الشمال الأفغاني ينطبق عليه قوله تعالى: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ) وقوله تعالى (والذين ظاهروهم) هم بنو قريظة والنسبة إليهم قرظي وقرظاي هو زعيم الحكومة الأفغانية الآن!!!
الزعم بأن قوله تعالى: (وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا) هي ١٠% من أرض أفغانستان التي كانت بأيدي تحالف الشمال الأفغاني حيث إن الطالبان والقاعدة سينتصرون عليهم ويطؤوا تلك الأرض التي لم يطؤوها من قبل!!!
الزعم بأن هناك توافقاً بين اسم موسى ﵇ واسم أسامة بن لادن ففي قصة موسى في سورة القصص قال تعالى: (طسم) وأن السين والميم هما الحرفان المركزيان في اسم موسى وكذلك هما في اسم أسامة. والزعم بأن أوصاف موسى تنطبق على أسامة بن لادن من حيث الطول والسواد والأنف وحمل العصا فأسامة كذلك، إلى غير ذلك من المزاعم والترهات التي حاولوا إلصاقها بآيات الكتب المبين وبهر بها العامة. إنه نوع جديد من التلاعب بكلام رب العالمين إن كلام الله أجل وأعظم من هذه الأباطيل والترهات.
وأقول في إبطال هذا الكلام ما يلي: ينبغي أن يعلم أنني لا أكتب هذا الكلام إلا دفاعاً عن كتاب الله وكلامي لا يعني أنني حريص على بقاء أمريكا بل إن كل مسلم يتمنى أن يقصم الله ظهر دول الكفر وعلى رأسها أمريكا. ولكنه الدفاع عن كلام رب العالمين حتى لا يكون لعبة للمتلاعبين بأقدس ما يملك المسلمون وألخص ردي فيما يلي:
أولاً: إن تفسير كلام رب العالمين ليس من شأن العوام ولا من شأن
стр. 1622
أشباه طلبة العلم إن تفسير كلام رب العالمين له قواعده وضوابطه التي قررها العلماء ولا بد من معرفتها قبل أن يخوض أي أحد في تفسير القرآن الكريم وقد حذر النبي ﷺ من الجرأة على الخوض في كلام الله تعالى بغير علم فقد روى الترمذي بسنده عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار) وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وحسنه البغوي في شرح السنة ١/ ٢٥٨. وجاء في رواية أخرى عن ابن عباس ﵁ أنه ﷺ قال: (اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار) رواه الترمذي وقال حديث حسن وحسنه البغوي في شرح السنة ١/ ٢٥٧. وعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ) رواه الترمذي ثم قال: [هكذا روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أنهم شددوا في هذا في أن يفسر القرآن بغير علم] سنن الترمذي مع شرحه عارضة الأحوذي ١١/ ٥٠ - ٥١.
وقد ذكر الإمام القرطبي في مقدمة تفسيره باباً بعنوان (ما جاء في الوعيد في تفسير القرآن بالرأي والجرأة على ذلك) وذكر فيه الأحاديث السابقة ثم ذكر أقوال أهل العلم في التحذير الشديد من التلاعب بكلام الله وتفسيره حسب الآراء والأهواء التي لا تقوم على أساس صحيح ونقل عن ابن عطية قوله: [وكان جلة من السلف الصالح كسعيد بن المسيب وعامر الشعبي وغيرهما يعظمون تفسير القرآن ويتوقفون عنه تورعاً واحتياطاً لأنفسهم مع إدراكهم وتقدمهم قال أبو بكر الأنباري: وقد كان الأئمة من السلف الماضي يتورعون عن تفسير المشكل من القرآن؛ فبعض يقدر أن الذي يفسره لا يوافق مراد الله فيحجم عن القول. وبعض يشفق من أن يجعل في التفسير إماماً يبنى على مذهبه ويقتفى طريقه. فلعل متأخراً أن يفسر حرفاً برأيه ويخطئ فيه ويقول: إمامي في تفسير القرآن بالرأي فلان الإمام من السلف وعن ابن أبي مليكة قال: سئل أبو بكر الصديق- ﵁ عن تفسير حرف من القرآن فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني!
стр. 1623
وأين أذهب! وكيف أصنع! إذا قلت في حرف من كتاب الله تعالى بغير ما أراد ﵎ تفسير القرطبي ١/ ٣٣ - ٣٤.
وقال الإمام ابن العربي المالكي: [من تسور على تفسير القرآن فصور صورة خطأ فله الويل، ومن أصاب فمثله، كما روى أبو عيسى وهكذا قال النبي ﵇ في القاضي أنه إذا حكم بجهل وأصاب فله النار لإقدامه على ما لا يحل في أمر يعظم قدره وهو الإخبار عن الله بما لم يشرع في حكمه أو إخباره عن ما لم يرده بقوله في وحيه) عارضة الأحوذي ١١/ ٥٢.
ثانياً: لا شك أن الله حث على الاتعاظ والاعتبار بآيات القرآن الكريم قال الله تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) سورة القمر الآية ١٧. وهذه الآية تمسك بها القصاص الجدد ليفتحوا لأنفسهم باب القول في القرآن الكريم وفق أهوائهم وشهواتهم فيرون أنه لا يوجد أية شروط لمن أراد الادكار أي التفسير حتى لو كان كافراً.
وهذا الكلام الباطل يرده ما قاله المفسرون في معنى الآية وهو (والله لقد سهلنا القرآن للحفظ والتدبر والاتعاظ لما اشتمل عليه من أنواع المواعظ والعبر (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) أي فهل من متعظ بمواعظه معتبر بقصصه وزواجره) انظر تفسير الألوسي ١٤/ ٨٣. تفسير ابن كثير ٦/ ٥٠، صفوة التفاسير ٣/ ٢٨٦.
إن الادكار والاتعاظ والاعتبار شيء والتلاعب بكتاب الله شيء آخر ولا يقبل بحال من الأحوال أن يقول إنسان مهما كان برأيه في كتاب الله ثم يقول إن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان فلو قال إنسان مثلاً إن المراد بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) البقرة هي عائشة ﵂ ثم يقول هذا رأيي فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فالله ورسوله منه بريئان!!! هل يكون هذا الكلام مقبولاً؟ بالتأكيد لا، لأن التفسير له قواعده وأصوله.
قال الشيخ مناع القطان ﵀: [ذكر العلماء للمفسر شروطاً نجملها فيما يلي:
١.
стр. 1624
صحة الاعتقاد: فإن العقيدة لها أثرها في نفس صاحبها، وكثيراً ما تحمل ذويها على تحريف النصوص والخيانة في نقل الأخبار، فإذا صنف أحدهم كتاباً في التفسير أوَّل الآيات التي تخالف عقيدته، وحملها باطل مذهبه، ليصد الناس عن اتباع السلف، ولزوم طريق الهدى.
٢. التجرد عن الهوى: فالأهواء تدفع أصحابها إلى نصرة مذهبهم، فيغرون الناس بلين الكلام ولحن البيان، كدأب طوائف القدرية والرافضة والمعتزلة ونحوهم من غلاة المذاهب.
٣. أن يبدأ أولاً بتفسير القرآن بالقرآن، فما أُجمل منه في موضع فإنه قد فصل في موضع آخر، وما اختصر منه في مكان فإنه قد بسط في مكان آخر.
٤. أن يطلب التفسير من السنة فإنها شارحة للقرآن موضحة له، وقد ذكر القرآن أن أحكام رسول الله ﷺ إنما تصدر منه عن طريق الله (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) النساء: ١٠٥.
وذكر الله أن السنة مبينة للكتاب: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) النحل: ٤٤.
وقال رسول الله ﷺ : (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) يعني السنة. وقال الشافعي ﵁: [كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن] وأمثلة هذا في القرآن كثيرة، جمعها صاحب الإتقان مرتبة مع السور في آخر فصل من كتابه كتفسير السبيل بالزاد والراحلة، وتفسير الظلم بالشرك، وتفسير الحساب اليسير بالعرض.
٥. فإذا لم يجد التفسير من السنة رجع إلى أقوال الصحابة ﵃ فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن والأحوال عند نزوله، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح.
٦. فإذا لم يجد في القرآن ولا في السنة ولا في أقوال الصحابة فقد رجع كثير من الأئمة إلى أقوال التابعين، كمجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب، والربيع بن أنس وقتادة،
стр. 1625
والضحاك بن مزاحم، وغيرهم من التابعين، ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة، وربما تكلموا في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال، والمعتمد في ذلك كله النقل الصحيح، ولهذا قال أحمد: [ثلاث كتب لا أصل لها، المغازي والملاحم والتفسير] يعني بهذا التفسير الذي لا يعتمد على الروايات الصحيحة في النقل.
٧. العلم باللغة العربية وفروعها: فإن القرآن نزل بلسان عربي، ويتوقف فهمه على شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها بحسب الوضع، قال مجاهد: [لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالماً بلغات العرب].
والمعاني تختلف باختلاف الإعراب، ومن هنا مست الحاجة إلى اعتبار علم النحو، والتصريف الذي تعرف به الأبنية، والكلمة المبهمة يتضح معناها بمصادرها ومشتقاتها. وخواص تركيب الكلام من جهة إفادتها المعنى، ومن حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها. ثم من ناحية وجوه تحسين الكلام - وهي علوم البلاغة الثلاثة: المعاني والبيان والبديع - من أعظم أركان المفسر، إذ لابد له من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز، وإنما يدرك الإعجاز بهذه العلوم.
٨. العلم بأصول العلوم المتصلة بالقرآن، كعلم القراءات لأن به يعرف كيفية النطق بالقرآن ويترجح بعض وجوه الاحتمال على بعض، وعلم التوحيد، حتى لا يؤول آيات الكتاب التي في حق الله وصفاته تأويلاً يتجاوز الحق، وعلم الأصول، وأصول التفسير خاصة مع التعمق في أبوابه التي لا يتضح المعنى ولا يستقيم المراد بدونها، كمعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، ونحو ذلك.
٩. دقة الفهم التي تمكن المفسر من ترجيح معنى على آخر، أو استنباط معنى يتفق مع نصوص الشريعة) مباحث في علوم القرآن ص ٣٤٠ - ٣٤٢.
ثالثاً: إن الاتكاء على قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) سورة الكهف الآية ٥٤. وقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ
стр. 1626
كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) سورة يوسف الآية ١١١. ونحوهما من الآيات التي أخذ منها القصاص أن كل شيء يحدث في هذا الكون لا بد وأن يكون مذكوراً في القرآن الكريم. فإن هذا فهم خاطىء لكلام الله والواقع يكذبه فإن أحداثاً كثيرة وقعت ليس لها ذكر في القرآن الكريم وإنما القرآن الكريم فيه عمومات تحمل عليها الحوادث قال الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي: [وينبغي أن تنزل جميع الحوادث والأفعال الواقعة والتي لا تزال تحدث على العمومات القرآنية فبذلك تعرف أن القرآن بيان لكل شيء وأنه لا يحدث حادث ولا يستجد أمر من الأمور إلا وفي القرآن بيانه وتوضيحه] تفسير السعدي ص١١. وأما القول بأن كل حادث صغير أو كبير مذكور في القرآن الكريم فادعاء باطل باطل.
وخلاصة الأمر أنني أوجه نداء عبر هذا المنبر إلى هؤلاء الناس أن يثوبوا إلى رشدهم وأن يكفوا عن التلاعب بآيات القرآن الكريم وأن يكفوا عن إيقاع عامة الناس في الأوهام. وأن يعلموا أن لله سنناً في نصر المؤمنين وهزيمة الكافرين قال الله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) سورة النور الآية ٥٥، فقد علق الله تعالى نصر المؤمنين وتمكينهم في الأرض على اتباع أوامر الله ﷻ وعبادته والبعد عن الشرك فهل هذا متحقق في الأمة المسلمة اليوم؟؟؟ وقال الله تعالى: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) فهل وجد الشرط حتى يتحقق المشروط؟؟؟
الإلحاد في أسماء الله الحسنى
يقول السائل: وزعت ورقة في بعض المساجد عنوانها كيف تعالج نفسك بطاقة الشفاء الموجودة في أسماء الله الحسنى وسألني عن صحة ما ورد فيها وهذا نصها:
стр. 1627
[اكتشف الدكتور إبراهيم كريم مبتكر علم البايوجيومتري أن أسماء الله الحسنى لها طاقة شفائية لعدد ضخم من الأمراض وبواسطة أساليب القياس الدقيقة المختلفة في قياس الطاقة داخل جسم الإنسان، واكتشف أن لكل اسم من أسماء الله الحسنى طاقة تحفز جهاز المناعة للعمل بكفاءة مثلى في عضو معين بجسم الإنسان، واستطاع الدكتور إبراهيم بواسطة تطبيق قانون الرنين أن يكتشف أن مجرد ذكر اسم من أسماء الله الحسنى يؤدي إلى تحسين في مسارات الطاقة الحيوية داخل جسم الإنسان وبعد أبحاث استمرت ثلاث سنوات توصل الدكتور إبراهيم إلى ما يلي:
اسم الله ... اسم المرض ... اسم الله ... اسم المرض
النافع
الرؤوف
ﷻ
النور ... العظام
الركبة
قشر الشعر
القلب ... السميع
الجبار
البديع
القوي ... الأذن
العمود الفقري
الشعر
العضلات
الوهاب
المغني
الغني
الجبار ... أوردة القلب
الأعصاب
الصداع النصفي
الغدة الدرقية ... الرزاق
الجبار
ﷻ
اللطيف والغني والرحيم ... عضلة القلب
الشريان
السرطان
الجيوب الأنفية
النور والبصير والوهاب
الرزاق
الحي
الصبور ... العين
المعدة
الكلى
الأمعاء ... الرافع
المتعال
الرؤوف
النافع ... الفخذ
الشرايين بالعين
القولون
الكبد
البارئ
الخالق
المهيمن
القوي ... البنكرياس
الرحم
الروماتيزم
الغدة التيموسية ... الرشيد
النافع
الهادي
الهادي ... البروستاتة
أكياس دهنية
المثانة
الغدة الصنوبرية
الظاهر
الخافض ... عصب العين
ضغط الدم ... البارئ
الرزاق ... الغدة فوق الكلوية
الرئة
ويشير الدكتور إلى أنه أول شخص تجري عليه الأبحاث حيث عالج عينيه من الالتهاب وانتهى بنطق التسبيح باسم النور والوهاب والخبير وخلال عشر دقائق تم الشفاء وزال احمرار العين ويلاحظ أن نفس أسماء الجلالة تستخدم للوقاية أيضاً وقد اكتشف أن طاقة الشفاء تتضاعف عند تلاوة آيات الشفاء بعد ذكر التسبيح بأسماء الله الحسنى وهذه الآيات هي: (وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) .. (وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ) .. (فِيهِ شِفَاءٌ
стр. 1628
لِلنَّاسِ) .. (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ) .. (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) .. (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَءَامَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ). طريقة العلاج: وضع اليد على مكان الألم وذكر التسبيح إلى ما شاء الله. ويكرر ذلك حتى بإذن الله يزول الألم).
الجواب: يقول الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) سورة الأعراف الآية ١٨٠.
قال القرطبي: [قوله تعالى: (فادعوه بها) أي اطلبوا منه بأسمائه فيطلب بكل اسم ما يليق به يا رحيم ارحمني يا حكيم احكم لي يا رزاق ارزقني يا هادي اهدني يا فتاح افتح لي يا تواب تب عليَّ هكذا. فإن دعوت باسم عام قلت: يا مالك ارحمني يا عزيز احكم لي يا لطيف ارزقني وإن دعوت بالأعم الأعظم فقلت يا الله فهو متضمن لكل اسم ولا تقول يا رزاق اهدني إلا أن تريد يا رزاق ارزقني الخير قال ابن العربي: وهكذا رتب دعاءك تكن من المخلصين] تفسير القرطبي ٧/ ٣٢٧.
وقد صح في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن لله تسعة وتسعين اسماً مئة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة) رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية: (من حفظها دخل الجنة) رواه البخاري ومسلم. قال الإمام النووي:
[وأما قوله ﷺ (من أحصاها دخل الجنة) فاختلفوا في المراد بإحصائها فقال البخاري وغيره من المحققين: معناه حفظها وهذا هو الأظهر لأنه جاء مفسراً في الرواية الأخرى (من حفظها) وقيل: أحصاها عدَّها في الدعاء بها وقيل: أطاقها أي أحسن المراعاة لها والمحافظة على ما تقتضيه وصدَّق بمعانيها وقيل: معناه العمل بها والطاعة بكل اسمها والإيمان بها لا يقتضي عملاً وقال بعضهم: المراد القرآن وتلاوته كله لأنه مستوف لها وهو ضعيف والصحيح الأول] شرح النووي على صحيح مسلم ٦/ ١٧٧ - ١٧٨.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قال الأصيلي الإحصاء للأسماء
стр. 1629
العمل بها لا عدها وحفظها لأن ذلك قد يقع للكافر والمنافق كما في حديث الخوارج يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم. وقال ابن بطال الإحصاء يقع بالقول ويقع بالعمل فالذي بالعمل أن لله أسماء يختص بها كالأحد والمتعال والقدير ونحوها، فيجب الإقرار بها والخضوع عندها وله أسماء يستحب الاقتداء بها في معانيها: كالرحيم والكريم والعفو ونحوها، فيستحب للعبد أن يتحلى بمعانيها ليؤدي حق العمل بها فبهذا يحصل الإحصاء العملي وأما الإحصاء القولي فيحصل بجمعها وحفظها والسؤال بها ولو شارك المؤمن غيره في العد والحفظ فإن المؤمن يمتاز عنه بالإيمان والعمل بها] فتح الباري ١٣/ ٤٦٢.
وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين: [وليس معنى أحصاها أن تكتب في رقاع ثم تكرر حتى تحفظ ولكن معنى ذلك: أولاً: الإحاطة بها لفظاً. ثانياً: فهمها معنى. ثالثاً: التعبد لله بمقتضاها ولذلك وجهان: الوجه الأول: أن تدعو الله بها لقوله تعالى: (فادعوه بها) بأن تجعلها وسيلة إلى مطلوبك فتختار الاسم المناسب لمطلوبك فعند سؤال المغفرة تقول يا غفور اغفر لي وليس من المناسب أن تقول: يا شديد العقاب اغفر لي بل هذا يشبه الاستهزاء بل تقول: أجرني من عقابك.
الوجه الثاني: أن تتعرض في عبادتك لما تقتضيه هذه الأسماء فمقتضى الرحيم الرحمة فاعمل العمل الصالح الذي يكون جالباً لرحمة الله هذا هو معنى أحصاها فإذا كان كذلك فهو جدير لأن يكون ثمناً لدخول الجنة] فتاوى العقيدة ص٥٥ - ٥٦.
وينبغي أن يعلم أن قول النبي ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً) لا يدل على أن أسماء الله الحسنى محصورة في تسعة وتسعين اسماً، بل هي أكثر ولا يعلم عددها إلا الله . قال الإمام النووي: [واتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه فليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة وتسعين وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة وتسعين من أحصاها دخل الجنة فالمراد الإخبار عن دخول الجنة
стр. 1630
بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء ولهذا جاء في الحديث الآخر: (أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو استأثرت به في علم الغيب عندك) وقد ذكر الحافظ أبو بكر ابن العربي المالكي عن بعضهم أنه قال: لله تعالى ألف اسم. قال ابن العربي: وهذا قليل فيها والله أعلم] شرح النووي على صحيح مسلم ٦/ ١٧٧.
إذا تقرر هذا فأعود إلى الجواب عما ورد في الورقة المذكورة أعلاه فأقول: إن ما ورد من مزاعم بأن لكل اسم من أسماء الله الحسنى طاقة لشفاء الأمراض إنما هو من باب الكذب والدجل وليس لهذا الكلام أي أساس شرعي ولا أدري كيف عين هذا الدكتور لكل اسم من أسماء الله الحسنى الشفاء من مرض معين ولا أدري ما هي العلاقة التي تربط اسم الله الهادي مع المثانة وما العلاقة التي تربط بين اسم الله الباري وبين البنكرياس وما العلاقة بين اسم الله الجبار وبين الغدة الدرقية إلى آخر الترهات التي ذكرت في الورقة. ويضاف إلى ذلك أن الذكر الشرعي لم يرد فيه الذكر بالأسماء المفردة كأن يقول الشخص الله الله الله رحيم رحيم رحيم رزاق رزاق رزاق. وإنما الإنسان يدعو بجملة مفيدة كأن يقول يا رب اغفر لي، يا الله اهدني يا رحيم ارحمني وهكذا.
وقد أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية فتوى في إبطال الورقة المذكورة جاء فيها: [وهذا العمل باطل لأنه من الإلحاد في أسماء الله وفيه امتهان لها لأن المشروع في أسماء الله دعاؤه بها كما قال الله تعالى: (فادعوه بها) وكذلك إثبات ما تتضمنه من الصفات العظيمة لله لأن كل اسم منها يتضمن صفة لله ﷻ لا يجوز أن تستعمل في شيء من الأشياء غير الدعاء بها إلا بدليل من الشرع. ومن يزعم بأنها تفيد كذا وكذا أو تعالج كذا وكذا بدون دليل من الشرع فإنه قول على الله بلا علم وقد قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) سورة الأعراف الآية ٣٣.
فالواجب إتلاف هذه الورقة والواجب على المذكورين وغيرهم التوبة
стр. 1631
إلى الله من هذا العمل وعدم العودة إلى شيء منه مما يتعلق بالعقيدة والأحكام الشرعية).
وخلاصة الأمر أن الشريعة الإسلامية قد بينت طرق العلاج من الأمراض وذلك بمراجعة أهل الاختصاص من الأطباء كما أن الرقية بالقرآن الكريم والأذكار والدعوات النبوية مشروعة بضوابطها الشرعية ولا ينبغي تصديق كل ناعق في هذا المجال.
بدعة الوقوف عند ذكر النبي ﷺ -
يقول السائل: يجلس جماعة من المصلين بعد صلاة الفجر لعقد مجلس للصلاة على النبي ﷺ ويأتون بأذكار كثيرة وفي لحظة من اللحظات يقفون قياماً ويزعمون أن النبي ﷺ يحضر مجلسهم فيقومون احتراماً وتقديراً وإكباراً لرسول الله ﷺ كما يزعمون فما قولكم في ذلك؟
الجواب: لا شك أن الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ﷺ من الأمور المطلوبة شرعاً وقد ورد الأمر بذلك في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) سورة الأحزاب الآية ٥٦.
ووردت الأحاديث الكثيرة في الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ﷺ وقد جمعها العلامة ابن القيم في كتابه (جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام) وتحدث عن المسائل المتعلقة بالصلاة والسلام على رسول الله ﷺ بشكل مفصل مع بيان الأدلة فهو كتاب نافع ومفيد في بابه.
وأما ما ذكره السائل من عقد مجلس للصلاة على النبي ﷺ بشكل جماعي ومع ما يصاحب ذلك من المخالفات فهذا من البدع المحدثة ولم يقم عليه دليل صحيح ولا كان عليه عمل السلف الصالح فالمسلم يصلي
стр. 1632
ويسلم على رسول الله ﷺ -انفراداً لا جماعة وأما ما يزعمه بعض الدجالين من أن النبي ﷺ يحضر المجالس المشار إليها في السؤال فهو كلام باطل لا يقوم عليه دليل، بل الثابت أن النبي ﷺ قد مات بنص القرآن الكريم قال الله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) سورة الزمر الآية ٣١. وقال الله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) سورة الرحمن الآيتان ٢٦ - ٢٧.
وقال الله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا لبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) سورة الأنبياء الآية ٣٤.
وقد اتفق العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم على أن النبي ﷺ قد مات فعلاً ويدل على ذلك أن الصحابة ﵃ قاموا على غسل النبي ﷺ وتكفينه والصلاة عليه ودفنه وطلبت فاطمة بنت رسول الله ﷺ بميراثه من أبي بكر خليفة المسلمين.
وخلاصة الأمر أن حياة النبي ﷺ الدنيوية قد انتهت بوفاته باتفاق أهل العلم ومن قال بخلاف ذلك فقوله باطل مردود ومن الثابت أن للنبي ﷺ حياة برزخية في قبره لا يعلم حقيقتها إلا الله وقد ورد في الحديث عن أنس- ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون) رواه أبو يعلى والبزار والبيهقي وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٦٢١.
ولكن هذه الحياة لا يعلم كنهها إلا الله قال العلامة الألباني: [إن حياته ﷺ بعد وفاته مخالفة لحياته قبل الوفاة ذلك أن الحياة البرزخية غيب من الغيوب ولا يدري كنهها إلا الله ولكن من الثابت والمعلوم أنها تختلف عن الحياة الدنيوية ولا تخضع لقوانينها فالإنسان في الدنيا يأكل ويشرب ويتنفس ويتزوج ويتحرك ويتبرز ويمرض ويتكلم ولا أحد يستطيع أن يثبت أن أحداً بعد الموت حتى الأنبياء ﵈ وفي مقدمتهم نبينا محمد ﷺ تعرض له هذه الأمور بعد موته.
ومما يؤكد هذا أن الصحابة ﵃ كانوا يختلفون في مسائل
стр. 1633
كثيرة بعد وفاته ﷺ ولم يخطر في بال أحد منهم الذهاب إليه ﷺ في قبره ومشاورته في ذلك وسؤاله عن الصواب فيها لماذا؟ إن الأمر واضح جداً وهو أنهم كلهم يعلمون أنه ﷺ انقطع عن الحياة الدنيا ولم تعد تنطبق عليه أحوالها ونواميسها فرسول الله ﷺ بعد موته حي أكمل حياة يحياها إنسان في البرزخ ولكنها حياة لا تشبه حياة الدنيا ولعل مما يشير إلى ذلك قوله ﷺ : (مما من أحدٍ يسلم عليَّ إلا ردَّ الله علي روحي حتى أرد ﵇ وعلى كل حال فإن حقيقتها لا يدريها إلا الله ولذلك لا يجوز قياس الحياة البرزخية أو الحياة الأخروية على الحياة الدنيوية كما لا يجوز أن تعطى واحدة منهما أحكام الأخرى بل لكل منها شكل خاص وحكم معين ولا تتشابه إلا في الاسم أما الحقيقة فلا يعلمها إلا الله ﵎] التوسل ص٦٥ - ٦٦.
إذا تقرر هذا فإن الزعم بأن النبي ﷺ يحضر إلى المجلس المذكور في السؤال إنما هو كذب وافتراء على دين الله ومن الخرافات والخزعبلات التي ابتدعها جهلة المتصوفة ومن الغلو الذي حذر منه النبي ﷺ كما في الحديث عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله) رواه البخاري. ومن المعلوم أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا أشد الناس حباً للنبي ﷺ ومع ذلك ما كانوا يفعلون ما يفعله هؤلاء ولم يكن من دأب الصحابة ﵃ القيام عند السلام على النبي ﷺ مطلقاً لا في وقت زيارة قبره ولا غيره ولم يكن من عادتهم أن يقصدوا إلى قبره للسلام عليه ﷺ كلما دخلوا المسجد النبوي ويقفوا عنده من أجل السلام عليه لكن روي عن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا جاء من سفره دخل المسجد النبوي فإذا صلى جاء إلى قبره ﵊ فسلَّم عليه. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه] فتاوى إسلامية ١/ ١١٠ - ١١١.
وخلاصة الأمر أن الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ﷺ عبادة والأصل في باب العبادات هو التلقي عن رسول الله ﷺ ولم يرد أي دليل
стр. 1634
على القيام عند الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ﷺ ، وإن الخير كل الخير في الاتباع وإن الشر كل الشر في الابتداع.
أجساد الشهداء
يقول السائل: هل تأكل الأرض أجساد الشهداء أم لا؟
الجواب: الثابت عند أهل العلم أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء فقط وهذا هو ما ورد به النص فقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء) رواه أبو داود وغيره وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ١٩٦. هذا هو الثابت وهو أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء وأما غيرهم من الناس فإن الأرض تأكل أجسادهم سواء أكانوا شهداء أم غيرهم ولكن هذا لا ينفي أن بعض الناس تكون لهم كرامة بأن لا تأكل الأرض أجسادهم وهذا أمر وقع قديماً وحديثاً في أشخاص بأعيانهم فمن ذلك ما رواه البخاري عن جابر ﵁ قال: لما حضر أحد دعاني أبي من الليل فقال: ما أراني إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ وإني لا أترك بعدي أعز عليَّ منك غير نفس رسول الله ﷺ وإن عليَّ ديناً فاقض واستوص بأخواتك خيراً فأصبحنا فكان أول قتيل ودفن معه آخر في قبر ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته هنية غير أذنه. فتح الباري ٣/ ٢٧٣. وذكر الحافظ ابن حجر أن ذلك كان كرامة لوالد جابر: [وكرامته بكون الأرض لم تبل جسده مع لبثه فيها والظاهر أن ذلك لمكان الشهادة] فتح الباري ٣/ ٢٧٧. وقد وردت قصة والد جابر وهو
عبد الله بن عمرو الأنصاري عند الإمام مالك في الموطأ بلاغاً: أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين ثم السلميين كانا قد حفر السيل قبرهما وكان قبرهما مما يلي السيل وكانا في قبر واحد وهما ممن استشهد يوم أحد فحفر عنهما ليغيرا
стр. 1635
من مكانهما فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت وكان بين أحد وبين يوم حفر عنهما ست وأربعون سنة] موطأ مالك ١/ ٣٧٤. قال الحافظ ابن عبد البر عن الحديث السابق إنه متصل من وجوه صحاح بمعنى واحد متقارب فتح المالك ٦/ ٣٥٨. وقال الإمام الباجي معلقاً على هذه الحادثة: [وقوله فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس وهذه على ما نعتقده كرامة من الله تعالى خصهما بها ولعله قد خص بذلك أهل أحد ومن كان له مثل فضلهما فإن تلك الأرض تسرع التغيير إلى من دفن فيها ولو كان ذلك أمراً معتاداً في تلك الأرض لما ذكره في هذا الحديث على وجه التعجب منه] المنتقى
وفي رواية أخرى عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: [استصرخ بنا إلى قتلانا يوم أحد وأجرى معاوية بن أبي سفيان العين فاستخرجهم بعد ستة وأربعين سنة لينة أجسادهم تنثني أطرافهم. قال أبو عمر - ابن عبد البر -: هذا هو الصحيح والله أعلم أنهم استخرجوا بعد ست وأربعين سنة لأن معاوية لم يجر العين إلا بعد اجتماع الناس عليه خليفة وكان اجتماع الناس عليه عام أربعين من الهجرة في آخرها وقد قيل: عام إحدى وأربعين وذلك حين بايعه الحسن بن علي وأهل العراق فسمي عام الجماعة وتوفي سنة ستين. وقد روى أبو مسلمة سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن جابر أنهم أخرجوا بعد ستة أشهر فإن صح هذا فمرتين أخرج والد جابر من قبره وأما خروجه وخروج غيره في حين إجراء معاوية العين فصحيح وذلك بعد ستة وأربعين عاماً على ما في حديث مالك وغيره] فتح المالك ٦/ ٣٥٩.
وفي رواية أخرى عن جابر قال: [لما أراد معاوية أن يجري العين بأحد نودي بالمدينة من كان له قتيل فليأت قتيله قال جابر: فأتيناهم فأخرجناهم رطاباً يتثنون فأصابت المسحاة أصبع رجل منهم فانفطرت دماً قال أبو سعيد الخدري لا يُنكر بعد هذا منكِرٌ أبداً. قال أبو عمر: الذي أصابت المسحاة إصبعه هو حمزة ﵁ رواه
عبد الأعلى بن حماد
стр. 1636
قال: حدثنا عبد الجبار يعني ابن الورد قال: سمعت أبا الزبير يقول: سمعت جابر بن عبد الله يقول: رأيت الشهداء يخرجون على رقاب الرجال كأنهم رجال نُوَّم حتى إذا أصابت المسحاة قدم حمزة ﵁ فانبثقت دماً وبالله التوفيق] المصدر السابق ٦/ ٣٦٠.
قال الحافظ ابن حجر: [وقد ذكر ابن إسحق القصة في المغازي حدثني أبي عن أشياخ من الأنصار قالوا: لما ضرب معاوية عينه التي مرت على قبور الشهداء انفجرت العين عليهم فجئنا فأخرجناهما - يعني عمراً وعبد الله - وعليهما بردتان قد غطي بهما وجوههما وعلى أقدامهم شيء من نبات الأرض فأخرجناهما يتثنيان تثنياً كأنهما دفنا بالأمس] وله شاهد بإسناد صحيح عند ابن سعد من طريق أبي الزبير عن جابر] فتح الباري ٣/ ٢٧٦.
وذكر ابن قتيبة في المعارف وغيره أن طلحة بن عبد الله أحد العشرة ﵃ دفن فرأته بنته عائشة بعد دفنه بثلاثين سنة في المنام فشكا إليهما النز فأمرت به فاستخرج طرياً فدفن في داره بالبصرة قال غيره قال الراوي كأني انظر إلى الكافور في عينيه لم يتغير إلا عقيصته فمالت عن موضعها واخضر شقه الذي يلي النز] المجموع ٥/ ٣٠٣.
وقد روى الترمذي في قصة أصحاب الأخدود حديثاً طويلاً وذكر في آخره: [فأما الغلام فإنه دفن قال: فذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب وإصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل] وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب، سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٩/ ١٨٦ وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/ ١٣٠.
ونقل المباركفوري عن ابن إسحق قال: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه حدث أن رجلاً من أهل نجران كان زمان عمر بن الخطاب حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجته فوجد عبد الله بن التامر تحت دفن فيها قاعداً واضعاً يده على ضربة في رأسه ممسكاً عليها بيده فإذا أخذت يده عنها انبعث دماً وإذا أرسلت يده ردت عليها فأمسكت دمها وفي يده خاتم مكتوب فيه ربي الله فكتب فيه إلى
стр. 1637
عمر بن الخطاب يخبره بأمره فكتب عمر إليهم أن أقروه على حاله وردوا عليه الذي كان عليه ففعلوا] تحفة الأحوذي ٩/ ١٨٦.
وخلاصة الأمر أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء فقط وأما الشهداء فتأكل الأرض أجسادهم كغيرهم من الأموات ولكن هنالك كرامات لبعض الشهداء بأن الأرض لا تأكل أجسادهم.
وهذا الكلام لا يعني أن من أكلت الأرض أجسادهم ليسوا شهداء.
دعاء بدعي
يقول السائل: ما قولكم في الدعاء المسمى دعاء سيدنا عكاشة حيث إنه مطبوع في كتيب صغير ويوزع في المساجد؟
الجواب: قرأت الدعاء المشار إليه ومقدمته فوجدته من جملة الأدعية المبتدعة التي احتوت على مبالغات ومجازفات فارغة وفيه أنواع من الضلال والشرك.
وأول ما يلفت النظر فيه أنه منسوب إلى الصحابي الجليل عكاشة وأن الذي جمعه هو منشئ ضريح الصحابي عكاشة كما جاء على صفحة الغلاف ومن المعلوم أن الصحابي الجليل عكاشة بن محصن الأسدي ﵁ استشهد في حروب الردة في خلافة أبي بكر ﵁ وذلك في موقعة بزاخة وقاتله هو طليحة الأسدي. انظر سير أعلام النبلاء ١/ ٣٠٧ - ٣٠٨.
وعكاشة بن محصن الأسدي ﵁ هو الذي بشره النبي ﷺ بدخول الجنة بغير حساب كما هو ثابت في الصحيحين في حديث طويل: (أن النبي ﷺ عرضت عليه الأمم فرأى سواداً عظيماً فقيل له هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ثم فسرهم النبي ﷺ فقال هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال:
стр. 1638
أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال النبي ﷺ : سبقك بها عكاشة) تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٣٣٨.
فعكاشة لم يمت في بيت المقدس حتى يكون له ضريح منسوب إليه ولا يعرف أحد غيره من الصحابة اسمه عكاشة مات في بيت المقدس فيما أعلم.
والدعاء المنسوب إلى عكاشة جاء في مقدمته في ثواب من قرأه أمور لا يقبلها شرع ولا عقل فقد جاء فيها ما يلي: [أما بعد فهذا دعاء كامل عظيم ومنافعه كثيرة حملاً وتلاوة لا يعلم ثواب هذا الدعاء إلا الله تعالى ولو كانت الأشجار أقلاماً والبحار مداداً والأولون والآخرون كُتَّاباً لعجزوا أن يكتبوا ثواب هذا الدعاء ومن قرأه فكأنما قرأ الدعوات كلها ويغفر الله ذنوبه جميعاً وإذا قرأه مريض شفاه الله تعالى ومن قرأه لدفع الجوع والقحط دفع الله عنه ذلك وإذا قرأه عطشان روي وإذا قرأه مديون قضى الله دينه وحمله ينفع إن شاء الله تعالى من جميع الأمراض والأرياح والآلام والأسقام ونافع إن شاء الله تعالى للدخول على الملوك والوزراء وأرباب الأقلام للمحبة والقبول والسفر في الليل والنهار وكذا البحار ومنع السحر عن حامله في البر والبحر ونافع إن شاء الله من لدغة الحية والعقرب والثعبان ونافع من الضرب بالسيف والنشاب والخناجر بإذن الله تعالى ولدفع شر الشياطين وكيدهم ومن كتبه في إناء صيني بماء وزعفران سبعة أيام وشربه على الريق رزقه الله ذهناً بليغاً وفهماً واسعاً وإن شرب منها المريض شفي ومن قرأه في عمره مرة واحدة جعل الله له ثواباً مثل ثواب الأولياء والأصفياء والزهاد من الرجال والنساء وينال ما يطلب من أمر الدنيا وتقضى حوائجه بإذن الله تعالى ومن علَّقه في محل بيعه تروج بضاعته وتكثر أرباحه ويحفظ المحل الذي هو فيه من الحرق والسرق وإذا وضع في سفينة نجت من الغرق إن شاء الله تعالى وحامله يفتح له أبواب الرزق من حيث لا يحتسب وتكون مقاصده ناجحة وإذا وضع في مزرعة بمحل طاهر بارك الله في محصولها وزاد نموها وحفظت من العاهات والآفات كما جرب ذلك مراراً ومع ذلك فإن فوائده لا تحصى ومنافعه لا تستقصى ومن عظيم فوائده أنه ينفع لكل
стр. 1639
شيء وإنما يلزم ذلك كله أن يستعمل بكل احترام واعتقاد ونية خالصة ولا يستعمل إلا فيما يرضي الله تعالى والله
أعلم].
أقول هذا الثواب المزعوم المرتب على هذا الدعاء لم يرد مثله في الشرع حتى للقرآن الكريم ولا للأدعية النبوية الثابتة عن النبي ﷺ . فهذا دجل وكذب وافتراء على الله وعلى رسوله- ﷺ .
كما أن هذا الدعاء فيه من الأمور الباطلة كقوله: [بحق عزرائيل وقبضته] فمن المعلوم أنه لم يثبت لا في الكتاب ولا في السنة تسمية ملك الموت بعزرائيل وإنما هذا من الإسرائيليات.
وكذلك قوله: [وبحق نوح وسفينته] ولا أدري ما هو حق سفينة نوح؟ وقوله:
[وبحق يوسف وغربته. وبحق صالح وناقته ودانيال وكرامته. إلخ ما ورد فيه من الترهات والخرافات.
فهذا الدعاء وأمثاله من الأدعية المبتدعة التي ألزم دعاة التصوف أنفسهم ومريديهم بها ليست مشروعة وقد صح في الحديث قول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس من أمرنا فهو رد) وهذا الدعاء وأمثاله ليس من أمر النبي ﷺ يقول الإمام أبو بكر بن العربي في معرض رده على الذين يخترعون أدعية من عند أنفسهم ويأمرون الناس أن يدعوا بها الله عند تفسير قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). قال ﵀: [ويقال ألحد ولحد إذا مال والإلحاد يكون بوجهين بالزيادة فيها أو النقصان منها كما يفعله الجهال الذين يخترعون أدعية يسمون فيها الباري بغير أسمائه ويذكرونه بما لم يذكره من أفعاله إلى غير ذلك مما لا يليق به فحذار منها ولا يَدْعُوَنَّ أحدٌ منكم إلا بما في الكتب الخمسة وهي كتاب البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود والنسائي فهذه الكتب هي بدء الإسلام وقد دخل فيها ما في الموطأ الذي هو أصل التصانيف وذروا سواها ولا يقولنَّ أحدٌ أختار دعاء كذا فإن الله قد اختار له وأرسل بذلك الخلق رسوله]. أحكام القرآن ٢/ ٨١٦.
стр. 1640
ويقول الإمام القرطبي عند تفسير قوله تعالى: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)، قال: [فعلى الإنسان أن يستعمل ما في كتاب الله وصحيح السنة من الدعاء ويدع ما سواه ولا يقولنَّ أختار كذا فإن الله تعالى قد اختار لنبيه وأوليائه وعلَّمهم كيف يدعون] تفسير القرطبي ٤/ ٢٣١ ..
ويقول القرطبي أيضاً عند تفسير قوله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ). بعد أن ذكر وجوهاً من الاعتداء في الدعاء قال: [ومنها أن يدعو الله بما ليس في الكتاب العزيز ولا في السنة فيتخير ألفاظاً مفقرة وكلمات مسجعة قد وجدها في كراريس لهؤلاء (يعني المشايخ) لا أصل لها ولا معول عليها فيجعلها شعاره ويترك ما دعا به رسوله ﷺ وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء] تفسير القرطبي ٧/ ٢٢٦.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية منكراً على الذين يبتدعون أشياء من عند أنفسهم ويعتقدون أنها تقربهم إلى الله زلفى: [وما علم باتفاق الأمة أنه ليس بواجب ولا مستحب ولا قربة لم يجز أن يعتقد أو يقال إنه قربة أو طاعة فكذلك هم متفقون على أنه لا يجوز قصد التقرب به إلى الله ولا التعبد به ولا اتخاذه ديناً فلا يجوز جعله من الدين لا باعتقاد وقول ولا بإرادة وعمل وبإهمال هذا الأصل غلط خلق كثير من العلماء والعباد يرون الشيء إذا لم يكن محرماً لا ينهى عنه بل يقال إنه جائز ولا يفرق بين اتخاذه ديناً وطاعة وبين استعماله كما تستعمل المباحات المحضة ومعلوم أن اتخاذه ديناً بالاعتقاد أو بالقول أو بالعمل من أعظم المحرمات وأكبر السيئات وهذا من البدع المنكرات التي هي أعظم المعاصي التي يعلم أنها معاصٍ وسيئات] مجموعة الرسائل والمسائل ١/ ١٣٨ نقلاً عن مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية ٣/ ١١٨٣ - ١١٨٥.
وخلاصة الأمر أن هذا الدعاء المسمى دعاء عكاشة دعاء مبتدع لا يجوز لأحد أن يأتي به ولا يعتقد صحته ومن أراد الدعاء فعليه بالأدعية القرآنية والأدعية النبوية ففيها الكفاية.
стр. 1641
الذين يدخلون الجنة بغير حساب
يقول السائل: إنه قرأ في حلقة سابقة من يسألونك الحديث الذي ذكر فيه الصحابي عكاشة بن محصن ﵁ وأنه سأل النبي ﷺ أن يدعو الله أن يكون من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب فمن هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب وما صفاتهم؟
الجواب: ثبت في الصحيحين وغيرهما من كتب السنة عن النبي ﷺ أحاديث تخبر أن طائفة من أمة سيدنا محمد ﷺ يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ومن هذه الأحاديث ما ثبت في الحديث عن حصين بن عبد الرحمن قال: (كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قلت: أنا ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت. قال: فماذا صنعت؟ قلت: استرقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي. فقال: وما حدثكم الشعبي؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن حصيب الأسلمي أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة فقال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي- ﷺ قال:
(عرضت عليَّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي ليس معه أحد إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي: هذا موسى ﵊ وقومه ولكن انظر إلى الأفق فإذا سواد عظيم فقيل لي انظر إلى الأفق الآخر فإذا سواد عظيم فقيل لي هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله وذكروا أشياء فخرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: ما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه فقال: هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: سبقك بها عكاشة) رواه
стр. 1642
البخاري ومسلم واللفظ لمسلم. صحيح مسلم مع شرح النووي ١/ ٤٤٩ - ٤٥٠.
وقد رواه الإمام البخاري في باب يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب. صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١٤/ ١٩٧.
وشرحه الإمام النووي تحت عنوان باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب. شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٤٤٦.
وقد جعل العلامة ابن القيم في كتابه (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح أو وصف الجنة) باباً بعنوان فيمن يدخل الجنة من هذه الأمة بغير حساب وذكر أوصافهم ص١٨٥.
وأما صفات هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم فهي المذكورة في الحديث: (لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون). وفي رواية في الصحيحين: (هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون).
وقوله ﷺ : (لا يرقون ولا يسترقون) مأخوذ من الرقية وهي العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة. والرقية الشرعية تكون بقراءة القرآن الكريم والأدعية المأثورة ونحوها لطلب الشفاء من المرض أو لدفع الضرر.
والرقية مشروعة عند أكثر أهل العلم بشروط. وقد ذكر النبي ﷺ من خصائص الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم لا يرقون ولا يسترقون وفي هذا إشارة إلى عظيم توكلهم على الله فتركوا الرقى لأنفسهم ولغيرهم. فتركهم للرقى على جهة التوكل على الله تعالى والرضا بما يقضيه من قضاء وينزل به من بلاء وهذه أرفع درجات المحققين بالإيمان كما قال الإمام الخطابي. انظر المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ١/ ٤٦٤.
وقوله ﷺ : (لا يكتوون) مأخوذ من الكي بالنار وهو أسلوب معروف في العلاج وهو مشروع وثابت في عدد من الأحاديث وصح عن النبي ﷺ أنه قال: (وما أحب أن أكتوي) رواه البخاري ومسلم.
стр. 1643
وقوله ﷺ : (لا يتطيرون) مأخوذ من الطيرة وهي التشاؤم والطيرة محرمة شرعاً وقد صح في الحديث من قول النبي ﷺ : (لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر) رواه البخاري ومسلم.
وقوله ﷺ : (وعلى ربهم يتوكلون) والتوكل على الله هو الثقة بالله تعالى والإيقان بأن قضاءه نافذ واتباع سنة نبيه ﷺ في السعي فيما لا بد منه من المطعم والمشرب والتحرز من العدو كما فعله الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين فالأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل. انظر شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٤٤٨.
قال الشيخ سليمان بن عبد الوهاب: [قوله: (وعلى ربهم يتوكلون) ذكر الأصل الجامع الذي تفرعت عنه هذه الأفعال وهو التوكل على الله وصدق الالتجاء إليه والاعتماد بالقلب عليه الذي هو خلاصة التفريد ونهاية تحقيق التوحيد الذي يثمر كل مقام شريف من المحبة والخوف والرجاء والرضى به رباً وإلهاً والرضى بقضائه بل ربما أوصل العبد إلى التلذذ بالبلاء وعده من النعماء فسبحانه من يتفضل على من يشاء بما يشاء والله ذو الفضل العظيم.
واعلم أن الحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلاً كما يظنه الجهلة فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمر فطري ضروري لا انفكاك لأحد عنه حتى الحيوان البهيم بل نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب كما قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) أي كافيه إنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها توكلاً على الله كالاسترقاء والاكتواء فتركهم له ليس لكونه سبباً لكن لكونه سبباً مكروهاً لا سيما والمريض يتشبث بما يظنه سبباً لشفائه بخيط العنكبوت أما نفس مباشرة الأسباب والتداوي على وجه لا كراهية فيه فغير قادح في التوكل فلا يكون تركه مشروعاً كما في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعاً: [ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء] وعن أسامة بن شريك قال: كنت عند النبي ﷺ وجاءت الأعراب فقالوا يا رسول الله: أنتداوى؟ فقال: (نعم يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً غير داء واحد فقالوا: وما هو؟ قال: الهرم) رواه أحمد.
стр. 1644
قال ابن القيم: [فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات وإبطال قول من أنكرها والأمر بالتداوي وأنه لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدراً وشرعاً وإن تعطيلها يقدح بمباشرته في نفس التوكل كما يقدح في الأمر والحكمة ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى من التوكل فإن تركها عجز ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه ودفع ما يضره في دينه ودنياه ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب وإلا كان معطلاً للأمر والحكمة والشرع فلا يجعل العبد عجزه توكلاً ولا توكله عجزاً] تيسير العزيز الحميد ص٨٦ - ٨٧.
أجر المتمسك بالدين في آخر الزمان
يقول السائل: ما صحة ما ورد في بعض الأحاديث أن من يتمسك بدينه في آخر الزمان له أجر خمسين من الصحابة ﵃؟
الجواب: وردت عدة أحاديث عن النبي ﷺ يشد بعضها بعضاً تدل على أن المتمسك بدينه له أجر خمسين من الصحابة ﵃ فمن ذلك:
ما جاء في الحديث عن عتبة بن غزوان- ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن من ورائكم أيام الصبر للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم قالوا: يا نبي الله أو منهم؟ قال: بل منكم) أخرجه ابن نصر في كتاب السنة وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة المجلد الأول حديث رقم ٤٩٤.
وله شاهد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن كقبضٍ على الجمر للعامل فيها أجر خمسين قالوا: يا رسول الله أجر خمسين منهم أو
стр. 1645
خمسين منا. قال: خمسين منكم) قال الهيثمي رواه البزار والطبراني بنحوه إلا أنه قال (للمتمسك أجر خمسين شهيداً فقال عمر: يا رسول الله منا أو منهم؟ قال منكم) ورجال البزار رجال الصحيح غير سهيل بن عامر البجلي وثقه ابن حبان. مجمع الزوائد ٧/ ٢٨٢.
وقال الشيخ الألباني عن إسناد الطبراني: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم. السلسلة الصحيحة المجلد الأول حديث رقم ٤٩٤.
وعن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني ﵁ فقلت: يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية: (لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) سورة المائدة الآية ١٠٥، قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً سألت رسول الله ﷺ فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوىً متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع أمر العوام فإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن مثل قبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله قال: وزادني غيره يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: خمسين منكم) رواه
أبو داود والترمذي وابن ماجة وقال الترمذي حسن غريب ورواه ابن حبان وصححه ورواه الحاكم وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وذكره الشيخ الألباني شاهداً لحديث عتبة بن غزوان المتقدم انظر المصدر السابق.
وعن عتبة بن غزوان ﵁: أن النبي ﷺ قال: (من ورائكم أيام الصبر للمتمسك فيهن يومئذ بمثل ما أنتم عليه له كأجر خمسين منكم قالوا: يا نبي الله! أو منهم؟ قال: بل منكم - ثلاث مرات أو أربع -) رواه الطبراني في الكبير والأوسط عن شيخه بكر بن سهل عن عبد الله بن يوسف قال الهيثمي وكلاهما قد وثق وفيهما خلاف.
فمجموع هذه الأحاديث يدل على الأجر العظيم لمن يتمسك بدينه وأنه يعادل أجر خمسين من الصحابة، وانظر إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة ٢/ ٩٠ - ٩١.
стр. 1646
قاعدة العمل بالحديث الضعيف
يقول السائل: أرجو توضيح قاعدة العمل بالحديث الضعيف إذا تعددت طرقه؟
الجواب: ينبغي أن يعلم أولاً أن الله قد حفظ لهذه الأمة كتابها - القرآن الكريم - حيث قال ﷻ : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) سورة الحجر الآية ٩. كما أن السنة النبوية قد حفظت حفظاً إجمالياً فقد هيأ الله ﷻ العلماء الأعلام لحفظ السنة النبوية من التحريف والتزوير والتغيير والتبديل فوضعوا لنا علم الحديث وما تفرع عنه من علوم لخدمة السنة النبوية والدفاع عنها وتنقيتها مما دخلها وليس منها كالإسرائيليات والأحاديث الموضوعة المكذوبة.
فعلم الحديث هو علم بقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن كما عرفه الشيخ
عز الدين بن جماعه كما في تدريب الراوي ١/ ٤١. بهذه القواعد الحاكمة لدراسة السند والمتن وبجهود علماء أهل الحديث العظيمة جزاهم الله خير الجزاء حفظت السنة النبوية.
قال الشيخ جمال الدين القاسمي: [من أين للبليغ أن يحصي أيادي المحدثين وهم الذين عشقوا الهدي النبوي دون العالمين فتتبعوه ممن بدا وحضر وكابدوا لأخذه أهوال السفر! فكم جابوا صحارى تتلظى تلظي الرمضاء وقطعوا عن العمران فيافي تستدعي اليأس وتروع الأحشاء! فحفظوا ووعوا ولعهد النَّفر للتفقه في الدين رَعَوا ودافعوا عن الدين صنع الوضاعين وانتحال المفترين وذبّوا الكذب عن كلام الرسول الصادق بما مهدوه من تحري كل راوٍ موافق فدونوا ما سمعوه بالسند فراراً عن الرمي باتباع الأهواء وتحكيم الآراء فاستبرؤا لدينهم بجليل هذا الاحتياط ودربوا الأمة على التثبت في توثيق عرى الارتباط! رحماك اللهم! فالاعتراف بمآثرهم الحسنة أمر واجب وشكر فضلهم لا يقصر عنه إلا من هو عن الاتباع ناكب. أفليست دواوينهم بعد القرآن دعائم الإسلام التي قامت عليها صروحه وأعضاد الدين التي بان منها صريحه؟ لا جرم لولا أخذهم بناصية ما دونوه من صحيح
стр. 1647
السنة لانثالت على الناس جراثيم الأباطيل المستكنة التي رزئ بها الدين في عصر الوضاعين المنافقين الذين دخلوا في دين الله للتشويش فردَّ الله كيدهم بتنقيب المحدثين عن خرافاتهم ودأبهم في التفتيش حتى أشرقت شموس صحاح الأخبار وانبعثت أشعتها في الأقطار وتمزقت عن البصائر حجب الجهالة وأغشية الضلالة فرحم الله تلك الأنفس التي نهضت لتأييد الدين ورضي عمن أحيا آثارهم من اللاحقين آمين]. قواعد التحديث ص ٥٩.
وقد بين أهل الحديث أن الحديث ينقسم إلى صحيح وحسن وضعيف.
فالحديث الصحيح هو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا معللاً.
وأما الحديث الحسن فهو الحديث الذي اتصل سنده بنقل عدل خف ضبطه غير شاذ ولا معلل.
وأما الحديث الضعيف فهو ما لم يجتمع فيه صفات الصحيح ولا صفات الحسن. انظر الباعث الحثيث ص ٢١، ٣٧، ٤٤.
وقد اتفق المحدثون على الإحتجاج بالحديث الصحيح والحسن وأما الحديث الضعيف فقد اختلف العلماء في حكمه على مذاهب.
[الأول: لا يعمل به مطلقاً لا في الأحكام ولا في الفضائل حكاه ابن سيد الناس في
(عيون الأثر) عن يحيى بن معين ونسبه في (فتح المغيث) لأبي بكر بن العربي. والظاهر أن مذهب البخاري ومسلم ذلك أيضاً يدل عليه شرط البخاري في صحيحه وتشنيع الإمام مسلم على رواة الضعيف كما أسلفناه وعدم إخراجهما في صحيحهما شيئاً منه وهذا مذهب ابن حزم ﵀ أيضاً حيث قال في الملل والنِحل: [ما نقله أهل المشرق والمغرب، أو كافة عن كافة، أو ثقة عن ثقة، حتى يبلغ إلى النبي ﷺ إلا أن في الطريق رجلاً مجروحاً بكذب أو غفلة أو مجهول الحال فهذا يقول به بعض المسلمين ولا يحل عندنا القول به ولا تصديقه ولا الأخذ بشيء منه].
الثاني: أنه يعمل به مطلقاً قال السيوطي: [وعزي ذلك إلى أبي داود وأحمد لأنهما يريان ذلك أقوى من رأي الرجال].
стр. 1648
الثالث: يعمل به في الفضائل بشروطه الآتية وهذا هو المعتمد عند الأئمة.
قال ابن عبد البر: [أحاديث الفضائل لا يحتاج فيها إلى من يحتج به]. وقال الحاكم: [سمعت أبا زكريا العنبري يقول: الخبر إذا ورد لم يحرم حلالاً ولم يحل حراماً ولم يوجب حكماً وكان في ترغيب أو ترهيب أغمض عنه وتسوهل في رواته].
ولفظ ابن مهدي فيما أخرجه البيهقي في المدخل: [إذا روينا عن النبي ﷺ في الحلال والحرام والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا في الرجال وإذا روينا في الفضائل والثواب والعقاب سهلنا في الأسانيد وتسامحنا في الرجال].
ولفظ أحمد في رواية الميموني عنه: [الأحاديث الرقائق يحتمل أن يتساهل فيها حتى يجيء شيء فيه حكم]. وقال في رواية عباس الدوري عنه: [ابن اسحق رجل تكتب عنه هذه الأحاديث]- يعني المغازي ونحوها - وإذا جاء الحلال والحرام أردنا قوماً هكذا - وقبض أصابع يده الأربع -] قواعد التحديث ص١١٦ - ١١٧.
إذا تقرر هذا فإن أرجح أقوال أهل العلم في هذه المسألة هو العمل بالحديث الضعيف فيما عدا الأحكام الشرعية أي يعمل به في فضائل الأعمال بالشروط الآتية:
الأول: وهو شرط متفق عليه وهو أن يكون الضعف غير شديد فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين ومن فحش غلطه.
والثاني: أن يكون مندرجاً تحت أصل عام فيخرج ما يخترع بحيث لا يكون له أصل أصلاً.
والثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته لئلا ينسب إلى النبي ﷺ ما لم يقله. الأجوبة الفاضلة ص٤٣ - ٤٤.
стр. 1649
وأما قاعدة تقوية الحديث الضعيف بكثرة الطرق وهي محل السؤال فإن المحققين من أهل الحديث يرون أن هذه القاعدة ليست على إطلاقها وإنما هي مقيدة ببعض القيود
قال الإمام النووي: [إذا روي الحديث من وجوه ضعيفة لا يلزم أن يحصل من مجموعها حسن بل ما كان ضعفه لضعف حفظ راويه الصدوق الأمين زال بمجيئه من وجه آخر وصار حسناً وكذا إذا كان ضعفها لإرسال زال بمجيئه من وجه آخر وأما الضعف لفسق الراوي فلا يؤثر فيه موافقة غيره] التقريب مع شرحه تدريب الراوي ١/ ١٧٦ - ١٧٧.
ونقل السيوطي عن الحافظ ابن حجر: [وأما الضعيف لفسق الراوي أو كذبه فلا يؤثر فيه موافقة غيره له إذا كان الآخر مثله لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر، نعم يرتقي بمجموع طرقه عن كونه منكراً أو لا أصل له صرح به شيخ الإسلام قال: بل ربما كثرت الطرق حتى أوصلته إلى درجته المستور سيء الحفظ بحيث إذا وجد له طريق آخر فيه ضعف قريب محتمل ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن] تدريب الراوي ١/ ١٧٧.
وقال العلامة المحدث الألباني: [من المشهور عند أهل العلم أن الحديث إذا جاء من طرق متعددة فإنه يتقوى بها ويصير حجة وإن كان كل طريق منها على إنفراده ضعيفاً ولكن هذا ليس على إطلاقه بل هو مقيد عند المحققين منهم بما إذا كان ضعف رواته في مختلف طرقه ناشئاً من سوء حفظهم لا من تهمة في صدقهم أو دينهم وإلا فإنه لا يتقوى مهما كثرت طرقه وهذا ما نقله المحقق المناوي في (فيض القدير) عن العلماء قالوا: [وإذا قوي الضعف لا ينجبر بوروده من وجه آخر وإن كثرت طرقه ومن ثم اتفقوا على ضعف الحديث: [من حفظ على أمتي أربعين حديثاً] مع كثرة طرقه لقوة ضعفه وقصورها عن الجبر خلاف ما خف ضعفه ولم يقصر الجابر عن جبره فإنه ينجبر ويعتضد] ... وعلى هذا فلا بد لمن يريد أن يقوي الحديث بكثرة طرقه أن يقف على رجال كل طريق منها حتى يتبين له مبلغ الضعف فيها ومن المؤسف أن القليل جداً من العلماء من يفعل ذلك
стр. 1650
ولا سيما المتأخرين منهم فإنهم يذهبون إلى تقوية الحديث بمجرد نقلهم عن غيرهم أن له طرقاً دون أن يقفوا عليها ويعرفوا ماهية ضعفها] تمام المنة في التعليق على فقه السنة ص٣١ - ٣٢.
حديث اختلاف أمتي رحمة
يقول السائل: ما معنى قول النبي ﷺ : (اختلاف أمتي رحمة)؟
الجواب: هذا الكلام المنسوب إلى النبي ﷺ لم يثبت عنه ﷺ وقد رواه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى ١/ ١٤٧ بلفظ: [واختلاف أصحابي لكم رحمة]. ورواه الطبراني والديلمي وغيرهم وقد بين السخاوي حال الحديث في المقاصد الحسنة ص٢٦ - ٢٧. وكذلك العجلوني في كشف الخفاء ١/ ٦٤ - ٦٥. وفصل الشيخ الألباني الكلام عليه حيث قال: [لا أصل له ولقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند فلم يوفقوا حتى قال السيوطي في الجامع الصغير: [ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا]. وهذا بعيد عندي إذ يلزم منه أنه ضاع على الأمة بعض أحاديثه ﷺ وهذا مما لا يليق بمسلم اعتقاده. ونقل المناوي عن السبكي أنه قال: [وليس بمعروف عند المحدثين ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع]. وأقره الشيخ زكريا الأنصاري في تعليقه على تفسير البيضاوي (ق٩٢/ ٢).
ثم إن معنى هذا الحديث مستنكر عند المحققين من العلماء، فقال العلامة ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام ٥/ ٦٤ بعد أن أشار إلى أنه ليس بحديث: [وهذا من أفسد قول يكون لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطاً وهذا ما لا يقوله مسلم لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف وليس إلا رحمة أو سخط] سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١/ ٧٦.
следующие страницы →