Полный текст (3 492 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
قاعدة العمل بالحديث الضعيف
يقول السائل: أرجو توضيح قاعدة العمل بالحديث الضعيف إذا تعددت طرقه؟
الجواب: ينبغي أن يعلم أولاً أن الله قد حفظ لهذه الأمة كتابها - القرآن الكريم - حيث قال ﷻ : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) سورة الحجر الآية ٩. كما أن السنة النبوية قد حفظت حفظاً إجمالياً فقد هيأ الله ﷻ العلماء الأعلام لحفظ السنة النبوية من التحريف والتزوير والتغيير والتبديل فوضعوا لنا علم الحديث وما تفرع عنه من علوم لخدمة السنة النبوية والدفاع عنها وتنقيتها مما دخلها وليس منها كالإسرائيليات والأحاديث الموضوعة المكذوبة.
فعلم الحديث هو علم بقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن كما عرفه الشيخ
عز الدين بن جماعه كما في تدريب الراوي ١/ ٤١. بهذه القواعد الحاكمة لدراسة السند والمتن وبجهود علماء أهل الحديث العظيمة جزاهم الله خير الجزاء حفظت السنة النبوية.
قال الشيخ جمال الدين القاسمي: [من أين للبليغ أن يحصي أيادي المحدثين وهم الذين عشقوا الهدي النبوي دون العالمين فتتبعوه ممن بدا وحضر وكابدوا لأخذه أهوال السفر! فكم جابوا صحارى تتلظى تلظي الرمضاء وقطعوا عن العمران فيافي تستدعي اليأس وتروع الأحشاء! فحفظوا ووعوا ولعهد النَّفر للتفقه في الدين رَعَوا ودافعوا عن الدين صنع الوضاعين وانتحال المفترين وذبّوا الكذب عن كلام الرسول الصادق بما مهدوه من تحري كل راوٍ موافق فدونوا ما سمعوه بالسند فراراً عن الرمي باتباع الأهواء وتحكيم الآراء فاستبرؤا لدينهم بجليل هذا الاحتياط ودربوا الأمة على التثبت في توثيق عرى الارتباط! رحماك اللهم! فالاعتراف بمآثرهم الحسنة أمر واجب وشكر فضلهم لا يقصر عنه إلا من هو عن الاتباع ناكب. أفليست دواوينهم بعد القرآن دعائم الإسلام التي قامت عليها صروحه وأعضاد الدين التي بان منها صريحه؟ لا جرم لولا أخذهم بناصية ما دونوه من صحيح
стр. 1647
السنة لانثالت على الناس جراثيم الأباطيل المستكنة التي رزئ بها الدين في عصر الوضاعين المنافقين الذين دخلوا في دين الله للتشويش فردَّ الله كيدهم بتنقيب المحدثين عن خرافاتهم ودأبهم في التفتيش حتى أشرقت شموس صحاح الأخبار وانبعثت أشعتها في الأقطار وتمزقت عن البصائر حجب الجهالة وأغشية الضلالة فرحم الله تلك الأنفس التي نهضت لتأييد الدين ورضي عمن أحيا آثارهم من اللاحقين آمين]. قواعد التحديث ص ٥٩.
وقد بين أهل الحديث أن الحديث ينقسم إلى صحيح وحسن وضعيف.
فالحديث الصحيح هو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا معللاً.
وأما الحديث الحسن فهو الحديث الذي اتصل سنده بنقل عدل خف ضبطه غير شاذ ولا معلل.
وأما الحديث الضعيف فهو ما لم يجتمع فيه صفات الصحيح ولا صفات الحسن. انظر الباعث الحثيث ص ٢١، ٣٧، ٤٤.
وقد اتفق المحدثون على الإحتجاج بالحديث الصحيح والحسن وأما الحديث الضعيف فقد اختلف العلماء في حكمه على مذاهب.
[الأول: لا يعمل به مطلقاً لا في الأحكام ولا في الفضائل حكاه ابن سيد الناس في
(عيون الأثر) عن يحيى بن معين ونسبه في (فتح المغيث) لأبي بكر بن العربي. والظاهر أن مذهب البخاري ومسلم ذلك أيضاً يدل عليه شرط البخاري في صحيحه وتشنيع الإمام مسلم على رواة الضعيف كما أسلفناه وعدم إخراجهما في صحيحهما شيئاً منه وهذا مذهب ابن حزم ﵀ أيضاً حيث قال في الملل والنِحل: [ما نقله أهل المشرق والمغرب، أو كافة عن كافة، أو ثقة عن ثقة، حتى يبلغ إلى النبي ﷺ إلا أن في الطريق رجلاً مجروحاً بكذب أو غفلة أو مجهول الحال فهذا يقول به بعض المسلمين ولا يحل عندنا القول به ولا تصديقه ولا الأخذ بشيء منه].
الثاني: أنه يعمل به مطلقاً قال السيوطي: [وعزي ذلك إلى أبي داود وأحمد لأنهما يريان ذلك أقوى من رأي الرجال].
стр. 1648
الثالث: يعمل به في الفضائل بشروطه الآتية وهذا هو المعتمد عند الأئمة.
قال ابن عبد البر: [أحاديث الفضائل لا يحتاج فيها إلى من يحتج به]. وقال الحاكم: [سمعت أبا زكريا العنبري يقول: الخبر إذا ورد لم يحرم حلالاً ولم يحل حراماً ولم يوجب حكماً وكان في ترغيب أو ترهيب أغمض عنه وتسوهل في رواته].
ولفظ ابن مهدي فيما أخرجه البيهقي في المدخل: [إذا روينا عن النبي ﷺ في الحلال والحرام والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا في الرجال وإذا روينا في الفضائل والثواب والعقاب سهلنا في الأسانيد وتسامحنا في الرجال].
ولفظ أحمد في رواية الميموني عنه: [الأحاديث الرقائق يحتمل أن يتساهل فيها حتى يجيء شيء فيه حكم]. وقال في رواية عباس الدوري عنه: [ابن اسحق رجل تكتب عنه هذه الأحاديث]- يعني المغازي ونحوها - وإذا جاء الحلال والحرام أردنا قوماً هكذا - وقبض أصابع يده الأربع -] قواعد التحديث ص١١٦ - ١١٧.
إذا تقرر هذا فإن أرجح أقوال أهل العلم في هذه المسألة هو العمل بالحديث الضعيف فيما عدا الأحكام الشرعية أي يعمل به في فضائل الأعمال بالشروط الآتية:
الأول: وهو شرط متفق عليه وهو أن يكون الضعف غير شديد فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين ومن فحش غلطه.
والثاني: أن يكون مندرجاً تحت أصل عام فيخرج ما يخترع بحيث لا يكون له أصل أصلاً.
والثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته لئلا ينسب إلى النبي ﷺ ما لم يقله. الأجوبة الفاضلة ص٤٣ - ٤٤.
стр. 1649
وأما قاعدة تقوية الحديث الضعيف بكثرة الطرق وهي محل السؤال فإن المحققين من أهل الحديث يرون أن هذه القاعدة ليست على إطلاقها وإنما هي مقيدة ببعض القيود
قال الإمام النووي: [إذا روي الحديث من وجوه ضعيفة لا يلزم أن يحصل من مجموعها حسن بل ما كان ضعفه لضعف حفظ راويه الصدوق الأمين زال بمجيئه من وجه آخر وصار حسناً وكذا إذا كان ضعفها لإرسال زال بمجيئه من وجه آخر وأما الضعف لفسق الراوي فلا يؤثر فيه موافقة غيره] التقريب مع شرحه تدريب الراوي ١/ ١٧٦ - ١٧٧.
ونقل السيوطي عن الحافظ ابن حجر: [وأما الضعيف لفسق الراوي أو كذبه فلا يؤثر فيه موافقة غيره له إذا كان الآخر مثله لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر، نعم يرتقي بمجموع طرقه عن كونه منكراً أو لا أصل له صرح به شيخ الإسلام قال: بل ربما كثرت الطرق حتى أوصلته إلى درجته المستور سيء الحفظ بحيث إذا وجد له طريق آخر فيه ضعف قريب محتمل ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن] تدريب الراوي ١/ ١٧٧.
وقال العلامة المحدث الألباني: [من المشهور عند أهل العلم أن الحديث إذا جاء من طرق متعددة فإنه يتقوى بها ويصير حجة وإن كان كل طريق منها على إنفراده ضعيفاً ولكن هذا ليس على إطلاقه بل هو مقيد عند المحققين منهم بما إذا كان ضعف رواته في مختلف طرقه ناشئاً من سوء حفظهم لا من تهمة في صدقهم أو دينهم وإلا فإنه لا يتقوى مهما كثرت طرقه وهذا ما نقله المحقق المناوي في (فيض القدير) عن العلماء قالوا: [وإذا قوي الضعف لا ينجبر بوروده من وجه آخر وإن كثرت طرقه ومن ثم اتفقوا على ضعف الحديث: [من حفظ على أمتي أربعين حديثاً] مع كثرة طرقه لقوة ضعفه وقصورها عن الجبر خلاف ما خف ضعفه ولم يقصر الجابر عن جبره فإنه ينجبر ويعتضد] ... وعلى هذا فلا بد لمن يريد أن يقوي الحديث بكثرة طرقه أن يقف على رجال كل طريق منها حتى يتبين له مبلغ الضعف فيها ومن المؤسف أن القليل جداً من العلماء من يفعل ذلك
стр. 1650
ولا سيما المتأخرين منهم فإنهم يذهبون إلى تقوية الحديث بمجرد نقلهم عن غيرهم أن له طرقاً دون أن يقفوا عليها ويعرفوا ماهية ضعفها] تمام المنة في التعليق على فقه السنة ص٣١ - ٣٢.
حديث اختلاف أمتي رحمة
يقول السائل: ما معنى قول النبي ﷺ : (اختلاف أمتي رحمة)؟
الجواب: هذا الكلام المنسوب إلى النبي ﷺ لم يثبت عنه ﷺ وقد رواه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى ١/ ١٤٧ بلفظ: [واختلاف أصحابي لكم رحمة]. ورواه الطبراني والديلمي وغيرهم وقد بين السخاوي حال الحديث في المقاصد الحسنة ص٢٦ - ٢٧. وكذلك العجلوني في كشف الخفاء ١/ ٦٤ - ٦٥. وفصل الشيخ الألباني الكلام عليه حيث قال: [لا أصل له ولقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند فلم يوفقوا حتى قال السيوطي في الجامع الصغير: [ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا]. وهذا بعيد عندي إذ يلزم منه أنه ضاع على الأمة بعض أحاديثه ﷺ وهذا مما لا يليق بمسلم اعتقاده. ونقل المناوي عن السبكي أنه قال: [وليس بمعروف عند المحدثين ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع]. وأقره الشيخ زكريا الأنصاري في تعليقه على تفسير البيضاوي (ق٩٢/ ٢).
ثم إن معنى هذا الحديث مستنكر عند المحققين من العلماء، فقال العلامة ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام ٥/ ٦٤ بعد أن أشار إلى أنه ليس بحديث: [وهذا من أفسد قول يكون لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطاً وهذا ما لا يقوله مسلم لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف وليس إلا رحمة أو سخط] سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١/ ٧٦.
стр. 1651
فالحديث ليس بثابت عن النبي ﷺ ولكن معناه صحيح إذا حملناه على الاختلاف في الفروع الفقهية كما قال بعض أهل العلم كما سيأتي. وأما قول الشيخ ابن حزم في رد الحديث دراية: [لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطاً] فغير مسلَّم لأن كون الاختلاف رحمة لا يعني أن يكون الاتفاق سخطاً كما قال وهذا الكلام من ابن حزم إنما هو أخذ بمفهوم المخالفة وابن حزم لا يأخذ بمفهوم المخالفة أصلا فكيف يحتج به، هذا أولاً.
وأما ثانياً فقد قال الإمام النووي: [قال الخطابي: وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (اختلاف أمتي رحمة) فاستصوب عمر ما قاله. قال: وقد اعترض على حديث اختلاف أمتي رحمة رجلان أحدهما مغموض عليه في دينه وهو عمرو بن بحر الجاحظ والآخر معروف بالسخف والخلاعة وهو إسحق بن إبراهيم الموصلي فإنه لما وضع كتابه في الأغاني وأمكن في تلك الأباطيل لم يرض بما تزود من إثمها حتى صدر كتابه بذم أصحاب الحديث وزعم أنهم يروون ما لا يدرون وقال هو والجاحظ: لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق عذاباً ثم زعم إنما كان اختلاف الأمة رحمة في زمن النبي ﷺ خاصة فإذا اختلفوا سألوه فبين لهم. والجواب عن هذا الاعتراض الفاسد أنه لا يلزم من كون الشيء رحمة أن يكون ضده عذاباً ولا يلتزم هذا ويذكره إلا جاهل أو متجاهل وقد قال تعالى: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه) فسمى الليل رحمة ولم يلزم من ذلك أن يكون النهار عذاباً وهو ظاهر لا شك فيه. قال الخطابي: والاختلاف في الدين ثلاثة أقسام: أحدها في إثبات الصانع ووحدانيته وإنكار ذلك كفر، والثاني في صفاته ومشيته وإنكارها بدعة، والثالث في أحكام الفروع المحتملة وجوهاً فهذا جعله الله تعالى رحمة وكرامة للعلماء وهو المراد بحديث اختلاف أمتي رحمة هذا آخر كلام الخطابي ﵀] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ٢٥٨.
وأما ثالثاً فالاختلاف المذكور هو الاختلاف في الفروع الفقهية والاختلاف فيها ليس فيه حرج ما دام أنه قد صدر عن أهل الاجتهاد.
стр. 1652
والاختلاف في الفروع موجود منذ عهد النبي ﷺ كما حصل في نهاية غزوة الأحزاب عندما قال النبي ﷺ لأصحابه:
(لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) رواه البخاري ومسلم. فقد اختلف الصحابة في ذلك فمنهم من قال إنه أراد منا الإسراع فصلى العصر في الطريق إلى ديار بني قريظة ومنهم من لم يصل العصر إلا في بني قريظة وصلوها بعد أن غابت الشمس ولما عرض الأمر على النبي ﷺ لم يعنف أحداً من الفريقين.
كما أن كبار الصحابة قد اختلفوا في مسائل الفروع وهذا أمر مشهور معروف واختلافهم فيه توسعة على الأمة. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي في مقدمة كتابه العظيم المغني ما نصه: [أما بعد: فإن الله برحمته وطَوْله وقوته وحوله ضمن بقاء طائفة من هذه الأمة على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك وجعل السبب في بقائهم بقاء علمائهم واقتدائهم بأئمتهم وفقهائهم وجعل هذه الأمة مع علمائها كالأمم الخالية مع أنبيائها وأظهر في كل طبقة من فقهائها أئمة يقتدى بها وينتهى إلى رأيها وجعل في سلف هذه الأمة أئمة من الأعلام مهد بهم قواعد الإسلام. وأوضح بهم مشكلات الأحكام اتفاقهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة. تحيا القلوب بأخبارهم وتحصل السعادة باقتفاء آثارهم ثم اختص منهم نفراً أعلى قدرهم ومناصبهم وأبقى ذكرهم ومذاهبهم فعلى أقوالهم مدار الأحكام وبمذاهبهم يفتي فقهاء الإسلام] المغني ١/ ٣ - ٤.
وقد ذكر الحافظ ابن عبد البر عن جماعة من فقهاء السلف أن الاختلاف في الفروع فيه سعة فروى عن القاسم بن محمد بن أبي بكر قال: [لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي ﷺ في أعمالهم لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة ورأى أنه خير منه قد عمله. وعن القاسم بن محمد قال: لقد أوسع الله على الناس باختلاف أصحاب محمد ﷺ أي ذلك أخذت به لم يكن في نفسك منه شيء. وعن رجاء بن جميل قال: اجتمع عمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد فجعلا
стр. 1653
يتذاكران الحديث قال فجعل عمر يجيء بالشيء مخالفاً فيه القاسم قال وجعل ذلك يشق على القاسم حتى تبين فيه فقال له عمر لا تفعل فما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم. وعن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أنه قال: لقد أعجبني قول عمر بن عبد العزيز ما أحب أن أصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا لأنه لو كانوا قولاً واحداً كان الناس في ضيق وأنهم أئمة يقتدى بهم فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سعة. قال أبو عمر هذا فيما كان طريقه الاجتهاد. وعن أسامة بن زيد قال سألت القاسم بن محمد عن القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر فيه فقال إن قرأت فلك في رجال من أصحاب رسول الله ﷺ أسوة وإذا لم تقرأ فلك في رجال من أصحاب رسول الله ﷺ أسوة. وعن يحيى بن سعيد قال ما برح أولو الفتوى يفتون فيحل هذا ويحرم هذا فلا يرى المحرم أن المحل هلك لتحليله ولا يرى المحل أن المحرم هلك لتحريمه] جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٨٠.
وقال الشيخ ولي الله الدهلوي تحت عنوان اختلاف الصحابة في الأحكام كثير، ما نصه: [وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ البسملة ومنهم من لا يقرؤها ومنهم من يجهر بها ومنهم من لا يجهر بها وكان منهم من يقنت في الفجر ومنهم من لا يقنت في الفجر ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء ومنهم من لا يتوضأ من ذلك ومنهم من يتوضأ من مس الذكر ومس النساء بشهوة ومنهم من لا يتوضأ من ذلك ومنهم من يتوضأ مما مسته النار ومنهم من لا يتوضأ من ذلك ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الإبل ومنهم من لا يتوضأ من ذلك. ثم قال الشيخ الدهلوي: ما كان خلاف الأئمة تعصباً أعمى: ومع هذا فكان بعضهم يصلي خلف بعض مثل ما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم ﵃ يصلون خلف أئمة المدينة من المالكية وغيرهم وإن كانوا لا يقرؤون البسملة لا سراً ولا جهراً. وصلى الرشيد إماماً وقد احتجم فصلى الإمام أبو يوسف خلفه ولم يعد. وكان الإمام أحمد ابن حنبل يرى الوضوء من الرعاف والحجامة فقيل له: فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ
стр. 1654
هل تصلي خلفه؟ فقال: كيف لا أصلي خلف الإمام مالك وسعيد بن المسيب. وروي أن أبا يوسف ومحمداً كانا يكبران في العيدين تكبير ابن عباس لأن هارون الرشيد كان يحب تكبير جده. وصلى الشافعي ﵀ الصبح قريباً من مقبرة أبي حنيفة ﵀ فلم يقنت تأدباً معه وقال أيضاً: ربما انحدرنا إلى مذهب أهل العراق. وفي البزازية عن الإمام الثاني وهو أبو يوسف ﵀ أنه صلى يوم الجمعة مغتسلاً من الحمام وصلى بالناس وتفرقوا ثم أخبر بوجود فأرة ميتة في بئر الحمام فقال: إذاً نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً] حجة الله البالغة ١/ ٢٩٥ - ٢٩٦.
وبعد اختلاف الصحابة والتابعين وتابعيهم اختلف الأئمة والعلماء في فروع الدين وما الاختلاف بين أصحاب المذاهب الأربعة عنا ببعيد. ولا يجوز أن يقال إن اختلاف هؤلاء الفقهاء شر وسخط وعذاب بل فيه السعة والرأفة والرحمة بالأمة. وينبغي أن لا تضيق صدورنا بالخلافات الفقهية فهي أمر تعارف عليه المسلمون منذ الصدر الأول للإسلام بل إن الإمام مالك بن أنس رفض حمل جميع المسلمين على مذهب واحد لما عرض عليه بعض الخلفاء العباسيين أن يحملوا المسلمين على ما قرره مالك في موطئه فرفض حمل الناس على ذلك حباً في التوسعة على المسلمين وعدم التضييق عليهم.
قال ابن أبي حاتم: [قال مالك: ثم قال لي أبو جعفر المنصور: قد أردت أن أجعل هذا العلم علماً واحداً فأكتب به إلى أمراء الأجناد وإلى القضاة فيعملون به فمن خالف ضربت عنقه! فقلت له: يا أمير المؤمنين أو غير ذلك قلت: إن النبي ﷺ كان في هذه الأمة وكان يبعث السرايا وكان يخرج فلم يفتح من البلاد كثيراً حتى قبضه الله ثم قام أبو بكر ﵁ بعده فلم يفتح من البلاد كثيراً ثم قام عمر ﵁ بعدهما ففتحت البلاد على يديه فلم يجد بداً من أن يبعث أصحاب محمد ﷺ معلمين فلم يزل يؤخذ عنهم كابراً عن كابر إلى يومهم هذا فإن ذهبت تحولهم مما يعرفون إلى ما لا يعرفون رأوا ذلك كفراً. ولكن أقر أهل كل بلدة على ما فيها من العلم خذ هذا العلم لنفسك فقال لي: ما
стр. 1655
أبعدت القول اكتب هذا العلم لمحمد يعني ولده المهدي الخليفة من بعده] أدب الاختلاف ص٣٦ - ٣٧.
ولكن المذموم في الاختلاف في الفروع هو التعصب للرأي وإن ثبت أن هذا الرأي مخالف لما صح عن رسول ﷺ فالتعصب صفة ذميمة لا ينبغي للمسلم أن يتصف بها
وخلاصة الرأي أن الاختلاف في الفروع لا بأس به وأن فيه توسعة على الأمة ما دام صادراً عن أهل العلم والاجتهاد.
حديث لا يرد القضاء إلا الدعاء
يقول السائل: ما معنى قول النبي ﷺ : (لا يرد القضاء إلا الدعاء)؟
الجواب: ينبغي أن يعلم أولاً أن سؤال الله تعالى ودعائه من الأمور المرغب فيها شرعاً قال الإمام النووي: [اعلم أن المذهب المختار الذي عليه الفقهاء والمحدثون وجماهير العلماء من الطوائف كلها من السلف والخلف أن الدعاء مستحب، قال الله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) سورة غافر الآية ٦٠. وقال تعالى: (ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) سورة الأعراف الآية ٥٥. الأذكار ص٣٤٠.
وجاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء) رواه الترمذي وابن ماجة وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/ ١٣٨.
وعنه أيضاً أن النبي ﷺ قال: (من سرّه أن يستجيب الله تعالى له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء) رواه الترمذي وقال الشيخ الألباني حديث حسن انظر صحيح سنن الترمذي ٣/ ١٤٠.
وعن النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ قال: (الدعاء هو
стр. 1656
العبادة) ثم قرأ (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) سورة غافر الآية ٦٠. رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وقال الترمذي: حديث حسن صحيح وصححه الألباني في المصدر السابق.
وعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل أو كف عنه من سوء مثله ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم) رواه الترمذي وحسنه الشيخ الألباني المصدر السابق ٣/ ١٤٠.
وعن عبادة بن الصامت ﵁: (ما على الأرض من مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بمأثم أو بقطيعة رحم. فقال رجل من القوم إذاً نكثر؟ قال: الله أكثر) رواه الترمذي وقال حسن صحيح وكذا قال الألباني في المصدر السابق ١/ ١٨١.
إذا تقرر هذا فنعود للحديث النبوي محل السؤال فأقول هذا الحديث ورد بلفظ آخر وهو: (لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي ورواه الترمذي بلفظ: (لا يرد القضاء إلا الدعاء) وهو حديث حسن كما قال الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٢٢٥.
وقد قرر العلماء: [أن الدعاء سبب في حصول الخير وأن هناك أشياء مقدرة ومربوطة بأسباب فإذا تحقق السبب وقع المقدر وإذا لم يتحقق السبب لم يقع، فإذا دعا المسلم ربه حصل له الخير وإذا لم يدع وقع به الشر كما جعل الله صلة الرحم سبباً لطول العمر وقطيعة الرحم سبباً لضده] المنتقى من فتاوى الفوزان ٢/ ١٠٣.
وقال العلامة ابن القيم: [والدعاء من أنفع الأدوية وهو عدو البلاء يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل وهو سلاح المؤمن كما روى الحاكم في صحيحه من حديث علي بن أبي طالب ﵁ -
стр. 1657
قال: قال رسول الله ﷺ : (الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السموات والأرض وله مع البلاء ثلاث مقامات: أحدها أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه، الثاني أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفاً، الثالث أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه وقد روى الحاكم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (لا يغني حذر من قدر والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة) وفيه أيضاً من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء. وفيه أيضاً من حديث ثوبان عن النبي ﷺ لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه)]. الجواب الكافي ص٤.
وقال العلامة ابن القيم أيضاً: [وها هنا سؤال مشهور وهو أن المدعو به إن كان قد قدر لم يكن بد من وقوعه دعا به العبد أو لم يدع وإن لم يكن قد قدر لم يقع سواء سأله العبد أو لم يسأله فظنت طائفة صحة هذا السؤال فتركت الدعاء وقالت لا فائدة فيه وهؤلاء مع فرط جهلهم وضلالهم متناقضون فإن اطرد مذهبهم لوجب تعطيل جميع الأسباب فيقال لأحدهم إن كان الشبع والري قد قدرا لك فلا بد من وقوعهما أكلت أو لم تأكل وإن لم يقدرا لم يقعا أكلت أو لم تأكل وإن كان الولد قدر لك فلا بد منه وطأت الزوجة والأمة أو لم تطأهما وإن لم يقدر لم يكن فلا حاجة إلى التزويج والتسري وهلم جرا، فهل يقال هذا عاقل أو آدمي بل الحيوان البهيم مفطور على مباشرة الأسباب التي بها قوامه وحياته فالحيوانات أعقل وأفهم من هؤلاء الذين هم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً وتكايس بعضهم وقال الاشتغال بالدعاء من باب التعبد المحض يثيب الله عليه الداعي من غير أن يكون له تأثير في المطلوب بوجه ما ولا فرق عند هذا الكيس بين الدعاء والإمساك عنه بالقلب واللسان في التأثير في حصول المطلوب وارتباط الدعاء عندهم به كارتباط السكوت ولا فرق وقالت طائفة أخرى أكيس من هؤلاء بل الدعاء علامة مجردة نصبها الله سبحانه أمارة على قضاء الحاجة
стр. 1658
فمتى وفق العبد للدعاء كان ذلك علامة له وأمارة على أن حاجته قد قضيت وهذا كما إذا رأيت غيماً أسوداً بارداً في زمن الشتاء فإن ذلك دليل وعلامة على أنه يمطر قالوا وهكذا حكم الطاعات مع الثواب والكفر والمعاصي مع العقاب هي أمارات محضة لوقوع الثواب والعقاب لأنها أسباب له وهكذا عندهم الكسر مع الإنكسار والحرق مع الإحراق والإزهاق مع القتل ليس شيء من ذلك سبباً ألبتة ولا ارتباط بينه وبين ما يترتب عليه إلا بمجرد الإقتران العادي لا التأثير السببي وخالفوا بذلك الحس والعقل والشرع والفطرة وسائر طوائف العقلاء بل أضحكوا عليهم العقلاء. والصواب أن ههنا قسماً
ثالثاً غير ما ذكره السائل وهو أن هذا المقدور قدر بأسباب ومن أسبابه الدعاء فلم يقدر مجرداً عن سببه ولكن قدر بسببه فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور ومتى لم يأت بالسبب انتقى المقدور وهذا كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب. وكذلك قدر دخول الجنة بالأعمال ودخول النار بالأعمال وهذا القسم هو الحق. وحينئذٍ فالدعاء من أقوى الأسباب فإذا قدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقال لا فائدة في الدعاء كما لا يقال لا فائدة في الأكل والشرب وجميع الحركات والأعمال وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء ولا أبلغ في حصول المطلوب ولما كان الصحابة ﵃ أعلم الأمة بالله ورسوله وأفقههم في دينه كانوا أقوم بهذا السبب وشروطه وآدابه من غيرهم وكان عمر ﵁ يستنصر به على عدوه وكان أعظم جنده وكان يقول للصحابة لستم تنصرون بكثرة وإنما تنصرون من السماء وكان يقول إني لا أحمل همَّ الإجابة ولكن همَّ الدعاء فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه] الجواب الكافي ص ٨ - ٩.
وقال أبو حامد الغزالي: [فإن قلت فما فائدة الدعاء والقضاء لا مرد له فاعلم أن من القضاء رد البلاء بالدعاء فالدعاء سبب لرد البلاء واستجلاب الرحمة كما أن الترس سبب لرد السهم والماء سبب لخروج النبات من الأرض فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان فكذلك الدعاء والبلاء يتعالجان وليس من شرط الاعتراف بقضاء الله تعالى أن لا يحمل السلاح وقد قال تعالى (خذوا حذركم) وأن لا يسقي الارض بعد بث البذر
стр. 1659
فيقال إن سبق القضاء بالنبات نبت البذر وإن لم يسبق لم ينبت بل ربط الأسباب بالمسببات هو القضاء الأول الذي هو كملح البصر أو هو أقرب وترتيب تفصيل المسببات على تفاصيل الأسباب على التدريج والتقدير هو القدر والذي قدر الخير قدره بسبب والذي قدر الشر قدر لدفعه سبباً فلا تناقص بين هذه الأمور عند من انفتحت بصيرته ثم في الدعاء من الفائدة ما ذكرناه في الذكر فإنه يستدعي حضور القلب مع الله وهو منتهى العبادات ولذلك قال ﷺ : (الدعاء مخ العبادة) والغالب على الخلق أنه لا تنصرف قلوبهم إلى ذكر الله إلا عند إلمام حاجة وإرهاق ملمة فإن الإنسان إذا مسه الشر فذو دعاء عريض فالحاجة تحوج إلى الدعاء والدعاء يرد القلب إلى الله بالتضرع والاستكانة فيحصل به الذكر الذي هو أشرف العبادات ولذلك صار البلاء موكلاً بالأنبياء ﵈ ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل لأنه يرد القلب بالإفتقار والتضرع إلى الله ويمنع من نسيانه وأما الغنى فسبب للبطر في غالب الأمور فإن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى] إحياء علوم الدين ١/ ٣٣٣.
حديث نحكم بالظاهر
يقول السائل: ما صحة الحديث الوارد عن النبي ﷺ (نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر)؟
الجواب: هذا الحديث بيَّن حاله أهلُ الحديث فمن كلامهم فيه ما قاله الحافظ ابن حجر: [قوله روي أنه ﷺ قال: (إنما نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر) هذا الحديث استنكره المزني فيما حكاه ابن كثير عنه في أدلة التنبيه. وقال النسائي في سننه باب الحكم بالظاهر ثم أورد حديث أم سلمة الذي قبله وقد ثبت في تخريج أحاديث المنهاج للبيضاوي سبب وقوع الوهم من الفقهاء في جعلهم هذا حديثا مرفوعاً وأن الشافعي قال في كلام له وقد أمر الله نبيه أن يحكم بالظاهر والله متولي السرائر وكذا قال ابن عبد البر في
стр. 1660
التمهيد: أجمعوا أن أحكام الدنيا على الظاهر وأن أمر السرائر إلى الله وأغرب إسماعيل بن علي بن إبراهيم بن أبي القاسم الجنزوي في كتابه إدارة الأحكام فقال إن هذا الحديث ورد في قصة الكندي والحضرمي اللذين اختصما في الأرض فقال المقضي عليه قضيت عليَّ والحق لي فقال ﷺ : (إنما أقضي بالظاهر والله يتولى السرائر). وفي الباب حديث عمر إنما كانوا يؤخذون بالوحي على عهد النبي ﷺ وإن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم أخرجه البخاري وحديث أبي سعيد رفعه (إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس) وهو في الصحيح في قصة الذهب الذي بعث به علي وحديث أم سلمة الذي قبله وحديث ابن عباس الذي بعده] التلخيص الحبير ٤/ ١٩٢.
وقال ابن كثير [قوله وأيضاً نحن نحكم بالظاهر هذا الحديث كثيراً ما يلهج به أهل الأصول ولم أقف له على سند وسألت عنه الحافظ أبا الحجاج المزي فلم يعرفه لكن له معنى في الصحيح وهو قوله ﷺ : (إنما أقضي بنحو مما أسمع] تحفة الطالب ١/ ١٧٤.
وقال الشوكاني: [وكذلك حديث (إنما نحكم بالظاهر) وهو وإن لم يثبت من وجه معتبر فله شواهد متفق على صحتها ومن أعظم اعتبارات الظاهر ما كان منه ﷺ مع المنافقين من التعاطي والمعاملة بما يقتضيه ظاهر الحال] نيل الأوطار ١/ ٣٦٩.
حديث (الخير فيَّ وفي أمتي) ليس ثابتاً عن النبي ﷺ -
يقول السائل: هنالك حديث متداول بين الناس نريد أن نعرف حكمه وهو: (الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة) أفيدونا؟
الجواب: هذا الحديث المشهور ليس ثابتاً عن النبي ﷺ قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [لا أعرفه كما نقله السخاوي في المقاصد الحسنة ص٢٠٨ حديث رقم ٤٦٨].
стр. 1661
وقال العجلوني: [قال ابن حجر المكي في الفتاوى الحديثية: [لم يرد بهذا اللفظ وإنما يدل على معناه الخبر المشهور [لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم.] كشف الخفاء ١/ ٣٩٦.
وقال الشيخ الألباني عن الحديث المذكور: لا أصل له. سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١/ ٥١ حديث رقم ٣٠. وبهذا يظهر لنا أن هذا الحديث ليس له أصل فلا تجوز نسبته إلى النبي ﷺ .
حديث (لا تجعلوا آخر طعامكم ماءاً) ليس ثابتاً عن النبي ﷺ -
يقول السائل: سمعت حديثاً مروياً عن النبي ﷺ وفيه: (لا تجعلوا آخر طعامكم ماءً) فهل ثبت هذا الحديث عن النبي ﷺ ؟
الجواب: هذا الحديث غير ثابت عن النبي ﷺ وقال فيه العلامة الألباني: [لا أعرف له أصلاً وإن اشتهر في العصر الحاضر على الألسنة وكثر السؤال عنه] سلسلة الأحاديث الضعيفة ٥/ ١١٥.
ولكن معنى هذا الحديث صحيح من ناحية طبية على قول بعض الأطباء حيث إن شرب الماء بعد الطعام يؤدي إلى تخفيف العصارة الهضمية - حامض الهيدروكلوريك - حيث يقل تركيزه مما يؤدي إلى إضعاف عملية الهضم. جاء في مجلة الشروق ما يلي: (لاشكّ أنّ التقليل من كميّة الطعام المأخوذة، وخاصّة الدّهون والنّشويّات، بالإضافة إلى زيادة الحركة أو ممارسة الرّياضة، من أهمّ العوامل في إنقاص الوزن.
لكنْ يجب إضافة عامل هامّ جدّاً، وهو الابتعاد عن تناول الماء مع أو بعد وجبة الطعام مباشرةً، وذلك لعدّة أسباب:
أولاً: لأنّه يقوم بتخفيف تأثير العُصارات الهاضمة، التي تفرزها المعدة لهضم الطعام ممّا يُضعف عمليّة الهضم والامتصاص، فلا يعود الجسم مستفيداً الاستفادة الأفضل من الطعام الذي يدخله.
стр. 1662
ثانياً: لوجود بعض الأجسام التي تميل إلى اختزان الماء والسّوائل، التي تدخل الجسم، أثناء أو بعد عمليّة الأكل لانشغال المعدة بعمليّة الهضم، وهذا يؤدّي طبعاً إلى زيادة في وزن الجسم.
لذا ننصح بعدم تناول السّوائل أثناء الطعام وبعده، لمدّة تقارب الثلاث ساعات على الأقلّ).
وذكر العلامة ابن القيم أنه يكره شرب الماء قبل الطعام وبعده. الطب النبوي ص ٣٤٤.
أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة
يقول السائل: كيف نوفق بين ما ورد عن النبي ﷺ : (إن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة) وبين ما ورد عن النبي ﷺ : (إن أول ما يقضى بين الناس في الدماء)؟
الجواب: أما الحديث الأول المتعلق بالصلاة فقد ورد بعدة روايات منها عن حريث بن قبيصة قال: قدمت المدينة فقلت: اللهم يسر لي جليساً صالحاً قال فجلست إلى أبي هريرة فقلت: إني سألت الله أن يرزقني جليساً صالحاً فحدثني بحديث سمعته من رسول الله ﷺ لعل الله أن ينفعني به؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
(إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر فإن انتقص من فريضته شيء قال الرب ﵎: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكمل بها ما انتقص من الفريضة ثم يكون سائر عمله على ذلك) رواه الترمذي وحسنه ورواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وغيرهم وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/ ١٣٠.
وجاء في رواية أخرى عن تميم الداري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فإن أكملها كتبت له نافلة
стр. 1663
فإن لم يكن أكملها يقول الله سبحانه لملائكته انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع؟ فأكملوا بها ما ضيع من فريضته ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ١/ ٢٤١.
وأما الحديث الثاني فقد رواه البخاري بإسناده عن عبد الله ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (أول ما يقضى بين الناس في الدماء) وفي رواية مسلم: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء).
ولا تعارض بين هذا الحديث وحديث أبي هريرة في أن أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة لأن حديث أبي هريرة متعلق بحقوق الله والحديث الآخر متعلق بحقوق العباد أي إن أول حق من حقوق الله تعالى يحاسب عليه العبد هو الصلاة وأول حق من حقوق العباد يحاسب عليه العبد هو الدماء قال الإمام النووي:
[قوله ﷺ : (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) فيه تغليظ أمر الدماء وأنها أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة وهذا لعظم أمرها وكثير خطرها وليس هذا الحديث مخالفاً للحديث المشهور في السنن: (أول ما يحاسب به العبد صلاته) لأن هذا الحديث الثاني فيما بين العبد وبين الله تعالى وأما حديث الباب فهو فيما بين العباد والله أعلم بالصواب] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ٣١٩.
وقال الحافظ ابن حجر: [ولا يعارض هذا حديث أبي هريرة ﵁ رفعه: (إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته) الحديث أخرجه أصحاب السنن لأن الأول محمول على ما يتعلق بمعاملات الخلق والثاني فيما يتعلق بعبادة الخالق وقد جمع النسائي في روايته في حديث ابن مسعود بين الخبرين ولفظه: (أول ما يحاسب العبد عليه صلاته وأول ما يقضي بين الناس في الدماء)] فتح الباري ١١/ ٤٨٢.
وقال العلامة القاري: [الأظهر أن يقال لأن ذلك من المنهيات وهذا في المأمورات أو الأول في المحاسبة والثاني في الحكم لما أخرج النسائي
стр. 1664
عن ابن مسعود مرفوعاً: (أول ما يحاسب العبد عليه صلاته وأول ما يقضى بين الناس في الدماء) وفي الحديث إشارة إلى أن الأول الحقيقي هو الصلاة فإن المحاسبة قبل الحكم] المرقاة ٧/ ٩.
وقال العلامة القاري في موضع آخر: [قال الأبهري: وجه الجمع بين هذا وبين قوله ﷺ : (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة الدماء) أن الأول من حق الله تعالى والثاني من حقوق العباد أو الأول من ترك العبادات والثاني من فعل السيئات] المرقاة ٢/ ٤٢٠
وخلاصة الأمر أن التوفيق بين الحديثين يكون بحمل حديث أولية المحاسبة على الصلاة بأن ذلك متعلق بحقوق الله وأولية القضاء في الدماء بأن ذلك متعلق بحقوق العباد.
ما يفعله الشيعة يوم عاشوراء ليس مشروعاً
يقول السائل: ما هي فضائل يوم عاشوراء وما حكم ما يفعله بعض المسلمين من ضرب أنفسهم بالسلاسل والأدوات الحادة حتى تسيل الدماء منهم في هذا اليوم؟
الجواب: الصحيح من أقوال أهل العلم أن ليوم عاشوراء فضيلة واحدة فقط ألا وهي صيامه وأما ما عدا ذلك مما زعم أنه من فضائل عاشوراء فليس له مستند صحيح وإنما كل ذلك من الافتراء والكذب.
أما صوم عاشوراء فثابت عن رسول الله ﷺ في عدة أحاديث منها عن ابن عباس ﵁ أنه سئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: [ما رأيت رسول الله ﷺ صام يوماً فتحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم يعني عاشوراء وهذا الشهر يعني رمضان] رواه البخاري ومسلم.
وعن معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: [سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن هذا يوم عاشوراء ولم يكتب عليكم صيامه وأنا
стр. 1665
صائم فمن شاء صام ومن شاء أفطر] رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي قتادة ﵁ أن رجلاً سأل النبي ﷺ -عن صيام عاشوراء فقال: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) رواه مسلم وغير ذلك من الأحاديث. وقد اتفق أهل العلم على أن صيام عاشوراء من السنن الثابتة عن النبي ﷺ ويستحب للمسلم أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده وهو الأفضل قال العلامة ابن القيم: [فمراتب صومه ثلاثة أكملها أن يصام قبله يوم وبعده يوم ويلي ذلك أن يصام التاسع والعاشر وعليه أكثر الأحاديث ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصوم] زاد المعاد ٢/ ٧٦.
هذا هو الثابت في فضل عاشوراء وهو الصيام وأما ما روي من أمور أخرى في فضل عاشوراء فليس بثابت عن النبي- ﷺ كالتوسعة على الأهل في يوم عاشوراء حيث روي في الحديث: (من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته) وهذا الحديث روي من وجوه متعددة لم يصح منها شيء كما قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف ص١١٣.
وقال الشيخ الألباني بعد أن تكلم على طرق الحديث: [وهكذا سائر طرق الحديث مدارها على متروكين أو مجهولين ومن الممكن أن يكونوا من أعداء الحسين ﵁ الذين وضعوا الأحاديث في فضل الإطعام والاكتحال وغير ذلك يوم عاشوراء معارضة منهم للشيعة الذين جعلوا هذا اليوم يوم حزن على الحسين ﵁ لأن قتله كان فيه. ولذلك جزم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بأن هذا الحديث كذب وذكر أنه سئل الإمام أحمد عنه فلم يره شيئاً وأيد ذلك بأن أحداً من السلف لم يستحب التوسعة يوم عاشوراء وأنه لا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة] تمام المنة ص٤١١ - ٤١٢.
وكذلك ما روي في إحياء ليلة عاشوراء أو صلاة أربع ركعات ليلة عاشوراء ويومها أو زيارة القبور في يوم عاشوراء وقراءة سورة فيها ذكر موسى ﵇ فجر يوم عاشوراء فكل ذلك لا أصل له شرعاً وهو من البدع المحدثة.
стр. 1666
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في جواب سؤال حول ما يفعله الناس في يوم عاشوراء من الكحل والاغتسال والحناء والمصافحة وطبخ الحبوب وإظهار السرور وعزوا ذلك إلى الشارع فهل ورد عن النبي ﷺ في ذلك حديث صحيح أم لا وإذا لم يرد حديث صحيح في شيء من ذلك فهل يكون فعل ذلك بدعة أم لا؟
أجاب: [الحمد لله رب العالمين لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئاً لا عن النبي ﷺ ولا الصحابة ﵃ ولا التابعين لا صحيحاً ولا ضعيفاً لا في كتب الصحيح ولا السنن ولا المسانيد ولا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة ولكن روى بعض المتأخرين في ذلك أحاديث مثل ما رووا أن من اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد ذلك العام ومن اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام وأمثال ذلك ورووا فضائل في صلاة يوم عاشوراء ورووا أن في يوم عاشوراء توبة آدم واستواء السفينة على الجودي ورد يوسف على يعقوب وإنجاء إبراهيم من النار وفداء الذبيح بالكبش ونحو ذلك ورووا ذلك في حديث موضوع على النبي ﷺ ورووا أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته ورواية هذا عن النبي ﷺ كذب] الفتاوى
الكبرى ٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩.
وأما ما يفعله بعض المسلمين من الرافضة (الشيعة) في يوم عاشوراء من ضرب أنفسهم بالسلاسل والسيوف حتى تسيل دماؤهم بحجة الحزن على مقتل الحسين بن علي ﵄ فإن هذا العمل منكر لا يقره الإسلام بحال من الأحوال كما سأبين ولكن ينبغي أن يعلم أولاً أنه لا نزاع في فضل الحسين ﵁ ومناقبه؛ فهو من علماء الصحابة، ومن سادات المسلمين في الدنيا والآخرة الذين عرفوا بالعبادة والشجاعة والسخاء ... ، وابن بنت أشرف الخلق ﷺ ، والتي هي أفضل بناته، وما وقع من قتله فأمر منكر شنيع محزن لكل مسلم، وقد انتقم الله من قتلته
стр. 1667
فأهانهم في الدنيا وجعلهم عبرة، فأصابتهم العاهات والفتن، وقلَّ من نجا منهم.
والذي ينبغي عند ذكر مصيبة الحسين وأمثالها هو الصبر والرضى بقضاء الله وقدره، وأنه ـ تعالى ـ يختار لعبده ما هو خير، ثم احتساب أجرها عند الله ـ تعالى ـ ولكن لا يحسن أبداً ما يفعله الشيعة من إظهار الجزع والحزن الذي يُلحَظُ التصنع والتكلف في أكثره، وقد كان أبوه عليٌّ خيراً منه وقُتل، ولم يتخذوا موته مأتماً، وقتل عثمان وعمر ومات أبو بكر ﵃، وكلهم أفضل منه .. ومات سيد الخلق ﷺ ، ولم يقع في يوم موته ما هو حاصل في مقتل الحسين. وليس اتخاذ المآتم من دين المسلمين أصلاً، بل هو أشبه بفعل أهل الجاهلية) يوم عاشوراء أحكام وفوائد ص ٩.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [فصارت طائفة جاهلة ظالمة إما ملحدة منافقة وإما ضالة غاوية تظهر موالاتها وموالاة أهل بيته تتخذ يوم عاشوراء يوم مأتم وحزن ونياحة وتظهر فيه شعار الجاهلية من لطم الخدود وشق الجيوب والتعزي بعزاء الجاهلية والذي أمر الله به ورسوله في المصيبة إذا كانت جديدة إنما هو الصبر والاحتساب والاسترجاع كما قال تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) سورة البقرة الآيات ١٥٥ - ١٥٧.
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية) وقال: (أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة) وقال: (النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها تلبس يوم القيامة درعاً من جرب وسربالاً من قطران). وفي المسند عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين عن النبي- ﷺ أنه قال: (ما من رجل يصاب بمصيبة فيذكر مصيبته وإن قدمت فيحدث لها استرجاعاً إلا أعطاه الله من الأجر مثل أجره يوم أصيب بها) وهذا من كرامة الله للمؤمنين فإن مصيبة الحسين وغيره إذا ذكرت بعد طول العهد فينبغي للمؤمن أن يسترجع فيها كما أمر الله ورسوله
стр. 1668
ليعطى من الأجر مثل أجر المصاب يوم أصيب بها وإذا كان الله تعالى قد أمر بالصبر والاحتساب عند حدثان العهد بالمصيبة فكيف مع طول الزمان فكان ما زينه الشيطان لأهل الضلال والغي من اتخاذ يوم عاشوراء مأتماً وما يصنعونه فيه من الندب والنياحة وإنشاد قصائد الحزن ورواية الأخبار التي فيها كذب كثير والصدق منها ليس فيه إلا تجديد الحزن والغضب وإثارة الشحن والحرب وإلقاء الفتن بين أهل الإسلام والتوسل بذلك إلى سب السابقين الأولين وكثرة الكذب والفتن في الدين] الفتاوى الكبرى ٢/ ٢٥٢.
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [وأما اتخاذه مأتماً كما تفعله الرافضة لأجل قتل حسين بن علي ﵄ فيه فهو من عمل من ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعاً ولم يأمر الله ولا رسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتماً فكيف بمن دونهم] لطائف المعارف ص١١٣.
وقد أنكر هذا المنكر العظيم عدد من علماء الشيعة مثل الدكتور موسى الموسوى حيث قال: [الضرورة تملي أن نفرد فصلاً خاصاً في ضرب السلاسل على الأكتاف وشج الرؤوس بالسيوف والقامات في يوم العاشر من محرم حداداً على الإمام الحسين. وبما أن هذه العملية البشعة ما زالت جزءاً من مراسم الاحتفال باستشهاد الإمام الحسين.] الشيعة والتصحيح ص٩٨.
وقال أيضاً: [ولا ندري على وجه الدقة متى ظهر ضرب السلاسل على الأكتاف في يوم عاشوراء وانتشر في أجزاء من المناطق الشيعية مثل إيران والعراق وغيرهما ولكن الذي لا شك فيه أن ضرب السيوف على الرؤوس وشج الرأس حداداً على الحسين في يوم العاشر من محرم تسرب إلى إيران والعراق من الهند وفي إبان الاحتلال الإنجليزي لتلك البلاد وكان الإنجليز هم الذين استغلوا جهل الشيعة وسذاجتهم وحبهم الجارف للإمام الحسين فعلموهم ضرب القامات على الرؤوس وحتى إلى عهد قريب كانت السفارات البريطانية في طهران وبغداد تمول المواكب الحسينية التي كانت تظهر بذلك المظهر البشع في الشوارع والأزقة] المصدر السابق ص٩٩.
стр. 1669
وقال أيضاً: [وهنا أذكر كلاماً طريفاً مليئاً بالحكمة والأفكار النيرة سمعته من أحد أعلام الشيعة ومشايخهم قبل ثلاثين عاماً لقد كان ذلك الشيخ الوقور الطاعن في السن واقفاً بجواري وكان اليوم هو العاشر من محرم والساعة الثانية عشرة ظهراً والمكان هو روضة الإمام الحسين في كربلاء وإذا بموكب المطبرين الذين يضربون بالسيوف على رؤوسهم ويشجونها حداداً وحزناً على الحسين دخلوا الروضة في أعداد غفيرة والدماء تسيل على جباههم وجنوبهم بشكل مقزز تقشعر من رؤيته الأبدان ثم أعقب الموكب موكب آخر وفي أعداد غفيرة أيضاً وهم يضربون بالسلاسل على ظهورهم وقد أدموها وهنا سألني الشيخ العجوز والعالم الحر ما بال هؤلاء الناس وقد أنزلوا بأنفسهم هذه المصائب والآلام؟ قلت: كأنك لا تسمع ما يقولون إنهم يقولون واحسيناه أي لحزنهم على الحسين. ثم سألني الشيخ من جديد أليس الحسين الآن في (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) قلت: بلى. ثم سألني مرة أخرى: أليس الحسين الآن في هذه اللحظة في الجنة (التي عرضها كعرض السماوات والأرض أعدت للمتقين)؟ قلت: بلى. ثم سألني: أليس في الجنة (حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون)، قلت: بلى وهنا تنفس الشيخ الصعداء وقال بلهجة كلها حزن وألم: ويلهم من جهلة أغبياء لماذا يفعلون بأنفسهم هذه الأفاعيل لأجل إمام هو الآن في (جنة ونعيم) ويطوف عليه ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين). وفي عام ١٣٥٢ هجري وعندما أعلن كبير علماء الشيعة في سوريا السيد محسن الأمين العاملي تحريم مثل هذه الأعمال وأبدى جرأة منقطعة النظير في الإفصاح عن رأيه وطلب من الشيعة أن يكفوا عنها لاقى معارضة قوية من داخل صفوف العلماء ورجال الدين؟! الذين ناهضوه وورائهم " الهمج الرعاع " على حد تعبير الإمام علي. وكادت خطواته الإصلاحية تفشل لولا أن تبنى جدنا السيد أبو الحسن بصفته الزعيم الأعلى للطائفة الشيعية موقف العلامة الأمين ورأيه في تلك الأعمال معلناً تأييده المطلق له ولفتواه] الشيعة والتصحيح ص١٠٠ - ١٠١.
وخلاصة الأمر أنه يندب صوم عاشوراء ويوماً قبله ويوماً بعده وأما
стр. 1670
يفعله الشيعة من ضرب بالسيوف وغيرها حتى تسيل الدماء فمن المنكرات والإسلام منها بريء.
لا فضائل خاصة بشهر رجب
يقول السائل: وزعت في بعض المساجد نشرة تضمنت فضائل شهر رجب وقد ذكرت فيها مجموعة من الأحاديث نرجو بيان الحكم عليها؟
الجواب: ورد في النشرة المذكورة في السؤال ما يلي: يقول الرسول ﷺ : [(رجب شهر الله. وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي) رجب خص بالمغفرة من الله تعالى وشعبان بالشفاعة ورمضان بتضعيف الحسنات. وقد قيل رجب شهر التوبة وشعبان شهر المحبة ورمضان شهر القربة. قال النبي ﷺ : (أكثروا من الاستغفار في رجب فإن لله تعالى في كل ساعة منه عتقاء من النار وأن لله مدائن لا يدخلها إلا من صام رجب ويسن الصيام في أوله وأوسطه وآخره ويوم الاثنين والخميس في ليلة السابع من رجب ليلة فضيلة تسمى ليلة الرغائب - ليلة نزول نطفة النبي ﷺ من والده
عبد الله إلى رحم أمه آمنة - وصيام نهارها فضيل حيث يعطي الله لعبده الصائم ذلك اليوم ما يتمنى على الله ويرغب. عن النبي ﷺ : (لا تغفلوا عن ليلة أول جمعة من رجب فإنها ليلة تسميها الملائكة ليلة الرغائب وذلك لأنه إذا مضى ثلث الليل لا يبقى ملك في السموات والأرضين إلا ويجتمعون في الكعبة وحولها فيطلع الله تعالى عليهم فيقول يا ملائكتي سلوني إذا شئتم فيقولون ربنا حاجتنا إليك أن تغفر لصوام رجب فيقول الله قد فعلت. وفي أواخره ليلة عظيمة وهي ليلة الإسراء والمعراج ليلة السابع والعشرين منه وقيام ليلها فضيل وصيام نهارها مستحب لكل مسلم ومسلمة. عن النبي ﷺ : (من صام يوم السابع والعشرين من رجب كتب الله له ثواب ستين شهراً].
стр. 1671
وأقول إن كثيراً من الناس مولعون بنشر الأحاديث المختلقة والمكذوبة على رسول الله ﷺ ويعرضون عن الأحاديث الصحيحة الثابتة والتي فيها غنى عن تلك. ومن ذلك ما ورد في النشرة فالحديث الأول وهو: (رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي) حديث موضوع كما قال الشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص١٠٠.
وقال الحافظ العراقي: [حديث ضعيف جداً هو من مرسلات الحسن رويناه في كتاب الترغيب والترهيب للأصفهاني ومرسلات الحسن لا شيء عند أهل الحديث ولا يصح في فضل رجب حديث] فيض القدير ٤/ ٢٤ وقد عدَّه ابن الجوزي من الموضوعات أيضاً.
وأما الحديث الثاني وهو: (أكثروا من الاستغفار في رجب فإن لله تعالى في كل ساعة منه عتقاء من النار وأن لله مدائن لا يدخلها إلا من صام رجب) فهو حديث مكذوب أيضاً ذكره ابن عراق في تنزيه الشريعة وابن طاهر المقدسي في تذكرة الموضوعات وذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة ص٤٣٩.
وأما ما جاء في النشرة من أنه يسن الصيام في أوله وأوسطه وآخره ويوم الإثنين والخميس فهذا الكلام ليس بصحيح لأنه لم يثبت في فضل صيام رجب بخصوصه شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه كما قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف ص٢٢٨.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [فاتخاذه - أي شهر رجب - موسماً بحيث يفرد بالصوم مكروه عند الإمام أحمد وغيره كما روي عن عمر بن الخطاب وأبي بكرة وغيرهما من الصحابة] اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ١٣٥.
وقال الحافظ ابن حجر: [لم يرد في فضل شهر رجب ولا في صيامه ولا في صيام شيء منه معين ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة] رسالة تبين العجب ص٣.
وقال السيوطي: [ويكره إفراد رجب بالصوم] الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع ص١٧٤.
стр. 1672
وقال الإمام المحدث ابن دحية: [قال المؤتمن بن أحمد الساجي الحافظ: كان الإمام عبد الله الأنصاري شيخ خراسان لا يصوم رجباً وينهى عن ذلك ويقول: ما صح في فضل رجب وفي صيامه عن رسول الله ﷺ شيء وقد روي كراهة صومه عن جماعة من الصحابة ﵃ منهم الصهر الأكرم والصاحب في الغار والرفيق الإمام أبو بكر الصديق خليفته على الأمة كلها بعد وفاته والقاتل لأهل الردة بجيوشه المنصورة وعزماته. وكان أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب الذي أجرى الله الحق على لسانه ووافقه في آيات محكمات تتلى علينا من قرآنه يضرب بالدرة صُوامه وينهى عن ذلك قوامه روى ذلك الفاكهي في كتاب (مكة) له وأسنده الإمام المجمع على عدالته المتفق في (الصحيحن) على إخراج حديثه وروايته أبو عثمان سعيد بن منصور الخراساني قال: حدثنا سفيان عن مسعر عن وبرة عن خرشة بن الحر: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يضرب أيدي الرجال في رجب إذا رفعوا عن طعامه حتى يضعوا فيه ويقول: إنما هو شهر كان أهل الجاهلية يعظمونه] أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب ص٥٥ - ٥٧.
وأما الإدعاء الكاذب المذكور في النشرة وهو: [أن ليلة السابع من رجب ليلة فضيلة تسمى ليلة الرغائب ليلة نزول نطفة النبي ﷺ من والده عبد الله إلى رحم أمه آمنة] فهذا من أكذب الكذب والزور والبهتان حيث لا دليل على ذلك من الشرع.
وأما حديث: [لا تغفلوا عن ليلة أول جمعة من رجب فإنها ليلة تسميها الملائكة ليلة الرغائب وذلك لأنه إذا مضى ثلث الليل لا يبقى ملك في السموات والأرضين إلا ويجتمعون في الكعبة وحولها فيطلع الله تعالى عليهم فيقول يا ملائكتي سلوني إذا شئتم فيقولون ربنا حاجتنا إليك أن تغفر لصوام رجب فيقول الله قد فعلت] فهذا الحديث مكذوب موضوع باتفاق المحدثين كما قال العلامة عبد الحي اللكنوي في الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ص٦٣ حيث ذكر كلام الحافظ العراقي أن هذا الحديث موضوع وكذلك كلام ابن الجوزي أنه مكذوب ص٦٤.
стр. 1673
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب وباطل لا تصح وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء. وممن ذكر ذلك من أعيان العلماء المتأخرين من الحفاظ أبو إسماعيل الأنصاري وأبو بكر بن السمعاني وأبو الفضل بن ناصر وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهم وإنما لم يذكرها المتقدمون لأنها أحدثت بعدهم وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة فلذلك لم يعرفها المتقدمون ولم يتكلموا فيها] لطائف المعارف ص٢٢٨.
وقال العلامة ابن القيم: [وكذلك أحاديث صلاة الرغائب ليلة أول جمعة من رجب كلها كذب مختلق على رسول الله ﷺ . وأمثلها: ما رواه عبد الرحمن بن منده - وهو صدوق - عن ابن جهضم - وهو واضع الحديث - حدثنا علي. عن أنس - يرفعه - (رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي) الحديث. وفيه:
(لا تغفلوا عن أول جمعة من رجب فإنها ليلة تسميها الملائكة ليلة الغائب) وذكر الحديث المكذوب بطوله. قال ابن الجوزي: اتهموا به ابن جهضم ونسبوه إلى الكذب وسمعت عبد الوهاب الحافظ يقول: رجاله مجهولون فتشت عليهم جميع الكتب فما وجدتهم! قال بعض الحفاظ: بل لعلهم لم يخلقوا. وكل حديث في ذكر صوم رجب وصلاة بعض الليالي فيه: فهو كذب مفترى كحديث (من صلى بعد المغرب أول ليلة من رجب عشرين ركعة. جاز على السراط بلا حساب). وحديث (من صام يوماً من رجب وصلى أربع ركعات يقرأ في أول ركعة مئة مرة
(آية الكرسي) وفي الثانية مئة مرة (قل هو الله أحد): لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة.). وحديث: (من صام من رجب كذا وكذا) الجميع كذب مختلق] المنار المنيف ص٩٥ - ٩٧.
وأما ما ورد في النشرة: [وفي أواخره ليلة عظيمة وهي ليلة الإسراء والمعراج ليلة السابع والعشرين منه وقيام ليلها فضيل وصيام نهارها مستحب لكل مسلم ومسلمة] فهذا عين الكذب كما قال ذلك الإمام المحدث ابن
стр. 1674
دحية ووافقه عليه الحافظ ابن حجر وأنكر ذلك الإمام إبراهيم الحربي وغيره.
قال ابن دحية: [وذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب وذلك عند أهل التعديل والتجريح عين الكذب] أداء ما وجب ٥٣ - ٥٤.
وانظر ما قاله الحافظ ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف ص٢٣٣ وما قاله العلامة المحدث الألباني في تعليقه على أداء ما وجب ص٥٣.
وأما حديث: (من صام يوم السابع والعشرين من رجب كتب الله له ثواب ستين شهراً) فهذا الحديث باطل موضوع لا يصح عن النبي ﷺ . وقد ذكر العلماء عدداً من الأحاديث المكذوبة في فضل صوم رجب منها ما ذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة ص١٠٠ - ١٠١ فانظرها.
وخلاصة الأمر أن المشروع في رجب هو المشروع في غيره من الشهور وليس لرجب أي خصوصية في صوم أو صلاة وأن ما ورد في هذه النشرة من أحاديث كلها باطلة مكذوبة وأن هؤلاء الذين ينشرون مثل ذلك يشملهم الوعيد الوارد في قول النبي ﷺ : (من حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين) رواه مسلم.
الطائفة الظاهرة
يقول السائل: من هي الطائفة الظاهرة التي أخبر عنها النبي ﷺ في الحديث (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة) وأين توجد هذه الطائفة؟
الجواب: صح عن النبي ﷺ في أحاديث كثيرة ذكر الطائفة الظاهرة التي تبقى في هذه الأمة المحمدية متمسكةً بدينها وقائمةً على أمر الله حتى قيام الساعة، وهذه مجموعة عطرة من هذه الأحاديث:
عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية ﵁ قال:
стр. 1675
قال رسول الله ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين والله المعطي وأنا القاسم ولا تزال هذه الأمة ظاهرين على من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون) رواه البخاري.
٢. وعن المغيرة بن شعبة- ﵁ عن النبي- ﷺ قال: (لا يزال ناسٌ من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون) رواه البخاري ومسلم.
٣. وعن عمير بن هانئ أنه سمع معاوية ﵁ يقول سمعت النبي- ﷺ يقول: (لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك. قال عمير فقال مالك بن يخامر: قال معاذ وهم بالشام، فقال معاوية: هذا مالك يزعم أنه سمع معاذاً يقول وهم بالشام) رواه البخاري.
٤. وعن حميد قال سمعت معاوية بن أبي سفيان ﵁ يخطب قال سمعت النبي ﷺ يقول: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين وإنما أنا قاسمٌ ويعطي الله، ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيماً حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله).
٥. وعن جابر بن عبد الله ﵁ يقول سمعت النبي ﷺ يقول: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال فينزل عيسى بن مريم ﷺ فيقول أميرهم تعال صل لنا فيقول لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة) رواه مسلم.
إن أحاديث النبي ﷺ الواردة في ذكر الطائفة الظاهرة تؤكد لنا أن هذه الطائفة كانت موجودة على مر العصور والأيام ولم ينقطع وجودها في أي عصر من العصور.
[اعلم أن أول صفة تتميز بها الطائفة المنصورة عن الطوائف الضالة الأخرى هي: صفة الاستمرارية أي إن الطائفة المنصورة مستمرة بوجودها ومقوماتها وأصولها ودعوتها ومنهجها ورجالها من لدن رسول الله ﷺ إلى ساعتنا هذه بل إلى يوم القيامة ودليل هذا قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ
стр. 1676
الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) سورة التوبة الآية ١٠٠، ففي قوله تعالى: (السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ) إشارة إلى تاريخ بدء هذه الجماعة ... وفي قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ) إشارة إلى استمرارية هذا الوجود وعموميته وعدم انقطاعه وأن ثمة رجالاً مستمرين على هذا السبيل وأن قوام هذا الاستمرار هو الاتباع (اتَّبَعُوهُمْ) ... ويؤيد هذا ويوضحه قوله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون) ففي قوله ﷺ : (لا تزال) دلالة واضحة وبينة ناصعة على صفة الاستمرارية للطائفة المنصورة] صفات الطائفة المنصورة ص١٣ - ١٤.
وهذه أقوال العلماء في بيان هذه الطائفة الظاهرة:
١. قال الإمام البخاري: [باب قول النبي ﷺ : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق وهم أهل العلم] صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١٣/ ٣٥٨.
٢. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [وأخرج الحاكم في علوم الحديث بسند صحيح عن أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم؟] فتح الباري ١٣/ ٣٥٩.
٣. وقال عبد الله بن المبارك: [هم عندي أصحاب الحديث].
٤. وقال أحمد بن سنان الثقة الحافظ: [هم أهل العلم وأصحاب الآثار] سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/ ٣/١٣٦ - ١٣٧.
٥. وقال القاضي عياض: [إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث] إتحاف الجماعة ١/ ٣٣٠.
٦. وقال الإمام النووي: [وأما هذه الطائفة فقال البخاري: هم أهل العلم , وقال أحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم. قال القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث. قلت: ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم
стр. 1677
أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/ ٥٨ - ٥٩.
٧. وقال الإمام ابن العربي المالكي: [وأما الطائفة المنصورة فقيل هم أصحاب الحديث وقيل هم العباد وقيل هم المناضلون على الحق بألسنتهم وقيل هم المجاهدون في الثغور بأسنتهم] عارضة الأحوذي ٥/ ٣٤. وانظر المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٣/ ٧٦٣.
وأما محل هذه الطائفة فقد جاء في الروايات أنها في الشام: فقد ورد في صحيح البخاري في حديث معاوية أن معاذ بن جبل قال: هم بالشام. صحيح البخاري مع الفتح ١٣/ ٥٤٧.
وورد أنهم أهل الغرب ففي صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة). قال الإمام النووي: [قوله: (لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة) قال علي بن المديني: المراد بأهل الغرب العرب، والمراد بالغرب الدلو الكبير لا ختصاصهم بها غالباً. وقال آخرون: المراد به الغرب من الأرض، وقال معاذ: هم بالشام. وجاء في حديث آخر هم ببيت المقدس، وقيل: هم أهل الشام وما وراء ذلك قال القاضي: وقيل: المراد بأهل الغرب أهل الشدة والجلد، وغرب كل شيء حده] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/ ٦٠.
وورد أنها في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس فقد ورد في حديث أبي أمامة عند الطبراني قوله ﷺ : (هم ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس). وورد أنها في دمشق وبيت المقدس فعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله لا يضرهم خذلان من خذلهم إلى يوم القيامة) رواه الطبراني في الأوسط وفيه الوليد بن عبّاد وهو مجهول كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٢٨٨.
قال الشيخ حمود التويجري: [وقد اختلف في محل هذه الطائفة: فقال ابن بطال: [إنها تكون في بيت المقدس كما رواه الطبراني من حديث أبي أمامة ﵃: (قيل: يا رسول الله أين هم؟ قال بيت
стр. 1678
المقدس) وقال معاذ ﵃: هم بالشام. وفي كلام الطبري ما يدل على أنه لا يجب أن تكون في الشام أو في بيت المقدس دائماً، بل قد تكون في موضع آخر في بعض الأزمنة. فعلى هذا فهذه الطائفة قد تجتمع وقد تفترق وقد تكون في الشام وقد تكون في غيره فإن حديث أبي أمامة وقول معاذ لا يفيد حصرها بالشام وإنما يفيد أنها تكون في الشام في بعض الأزمان لا في كلها. قلت: الظاهر من حديث أبي أمامة وقول معاذ أن ذلك إشارة إلى محل هذه الطائفة في آخر الزمان عند خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم ﵊ ويدل على ذلك ما تقدم ذكره من حديث أبي أمامة الذي رواه ابن ماجة وفيه: (فقالت أم شريك: يا رسول الله! فأين العرب يومئذ؟ قال: هم قليل وجلهم يومئذ ببيت المقدس وإمامهم رجل صالح ... فأما في زماننا وما قبله فهذه الطائفة متفرقة في أقطار الأرض كما يشهد له الواقع من حال هذه الأمة منذ فتحت الأمصار في عهد الخلفاء الراشدين إلى اليوم وتكثر في بعض الأماكن أحياناً ويعظم شأنها ويظهر أمرها ببركة الدعوة إلى الله تعالى وتجديد الدين] اتحاف الجماعة ١/ ٣٣٢ - ٣٣٤.
قال الإمام النووي: [. ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/ ٥٨ - ٥٩.
رؤية النبي ﷺ في المنام
يقول السائل: إذا رأى شخص في المنام النبي ﷺ فأمره أو نهاه فما الحكم الشرعي لذلك؟
الجواب: قامت الأدلة الصحيحة على إمكانية رؤية الرسول ﷺ في
стр. 1679
المنام فقد روى الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي).
وروى البخاري بسنده أيضاً عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءً من النبوة).
وروى بسنده عن أبي قتادة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فمن رأى شيئاً يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثاً وليتعوذ من الشيطان فإنها لا تضره وإن الشيطان لا يتراءى بي).
وروى بسنده أيضاً عن أبي قتادة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (من رآني فقد رأى الحق).
وروى بسنده أيضاً عن أبي سعيد الخدري ﵁ سمع النبي ﷺ يقول: (من رآني فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يتكونني).
وقد دلت هذه الأحاديث على جواز رؤية النبي ﷺ في المنام وهذا أمر مشهور ومعروف عن أهل العلم.
وأما إذا رأى شخص النبي ﷺ في المنام فأمره بشيء أو نهاه عن شيء فهل يعتبر ذلك تبليغاً من النبي ﷺ يجب العمل بمقتضاه، أم لا؟
فالصحيح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة أن رؤية النبي ﷺ في المنام وأمره بشيء أو نهيه عن شيء أو كلامه في أمر شرعي لا يثبت بذلك كله حكم شرعي ولا يكون ذلك حجة ولا دليلاً إلا أن يكون ما ورد في رؤية النبي ﷺ أمر ثابت في الشريعة الإسلامية فالحجة لما هو ثابت في الشريعة ولا حجة لما ورد في الرؤيا بل الأصل هو ما ورد في الشريعة، قال الإمام الشاطبي: [ربما قال بعضهم: رأيت النبي ﷺ في النوم فقال لي كذا وأمرني بكذا فيعمل بها ويترك بها معرضاً عن الحدود الموضوعة في الشريعة وهو خطأ لأن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعاً على حال
стр. 1680
إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية فإن سوغتها عمل بمقتضاها وإلا وجب تركها والإعراض عنها وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة وأما استفادة الأحكام فلا] الاعتصام ٢/ ٣١٨.
وقال الشاطبي أيضاً: [ولا يقال: إن الرؤيا من أجزاء النبوة فلا ينبغي أن تهمل وأيضاً إن المخبر في المنام قد يكون النبي ﷺ وهو قد قال: (من رآني في النوم فقد رآني حقاً فإن الشيطان لا يتمثل بي) وإذا كان فإخباره في النوم كإخباره في اليقظة.
لأنا نقول: إن كانت الرؤيا من أجزاء النبوة فليست إلينا من كمال الوحي بل جزء من أجزائه والجزء لا يقوم مقام الكل في جميع الوجوه بل إنما يقوم مقامه في بعض الوجوه وقد صرفت إلى جهة البشارة والنذارة وفيها كاف] الاعتصام ٢/ ٣١٩.
وقال الشاطبي أيضاً: [وأما الرؤيا التي يخبر فيها رسول الله ﷺ الرائي بالحكم فلا بد من النظر فيها أيضاً لأنه إذا أخبر بحكم موافق لشريعته فالحكم بما استقر وإن أخبر بمخالف فمحال لأنه ﷺ لا ينسخ بعد موته شريعته المستقرة في حياته لأن الدين لا يتوقف استقراره بعد موته ﷺ على حصول المرائي النومية لأن ذلك باطل بالإجماع فمن رأى شيئاً من ذلك فلا عمل عليه وعند ذلك نقول: إن رؤياه غير صحيحة إذ لو رآه حقاً لم يخبره بما يخالف الشرع] المصدر السابق ٢/ ٣٢١.
وقال الشاطبي أيضاً: [وعلى الجملة فلا يستدل بالرؤيا في الأحكام إلا ضعيف المنة نعم يأتي المرئي تأنيساً ونذارة خاصة بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكماً ولا يبنون عليه أصلاً وهو الاعتدال في أخذها حسبما فهم من الشرع فيها والله أعلم] المصدر السابق ٢/ ٣٢٢.
وقال الإمام القرافي: [فلو رآه ﷺ فقال له إن امرأتك طالق ثلاثاً وهو يجزم بأنه لم يطلقها فهل تحرم عليه؟ لأن رسول الله ﷺ لا يقول إلا حقاً. وقع فيه البحث مع الفقهاء واضطربت آراؤهم في ذلك بالتحريم وعدمه لتعارض خبره ﷺ عن تحريمها في النوم وإخباره في اليقظة في شريعته
стр. 1681
المعظمة أنها مباحة له والذي يظهر لي أن إخباره ﵊ في اليقظة مقدم على الخبر في النوم لتطرق الاحتمال للرائي بالغلط في ضبط المثال فإذا عرضنا على أنفسنا احتمال طروء الطلاق مع الجهل به واحتمال طروء الغلط في المثال في النوم وجدنا الغلط في المثال أيسر وأرجح ومن هو من الناس يضبط المثال على النحو المتقدم إلا أفراداً قليلةً من الحفاظ لصفته ﷺ وأما ضبط عدم الطلاق فلا يختل إلا على النادر من الناس والعمل بالراجح متعين وكذلك لو قال له عن حلال إنه حرام أو عن حرام إنه حلال أو عن حكم من أحكام الشريعة قدمنا ما ثبت في اليقظة على ما رأى في النوم لما ذكرناه كما لو تعارض خبران من أخبار اليقظة صحيحان فإنا نقدم الأرجح بالسند أو باللفظ أو بفصاحته أو قلة الاحتمال في المجاز أو غيره فكذلك خبر اليقظة وخبر النوم يخرجان على هذه القاعدة] الفروق ٤/ ٢٤٥ - ٢٤٦.
وذكر الحافظ ابن حجر عن أبي محمد بن أبي جمرة أحد شراح الحديث قوله:
[وكذلك يقال في كلامه ﷺ في النوم أنه يعرض على سنته ﷺ فما وافقها فهو هو وما خالفها فالخلل في سمع الرائي فرؤيا الذات الكريمة حق والخلل إنما هو في سمع الرائي أو بصره قال: وهذا خير ما سمعته في ذلك] فتح الباري ١٢/ ٤٨٤.
وقال الحافظ ابن حجر: [ويؤخذ من هذا ما تقدم التنبيه عليه أن النائم لو رأى النبي ﷺ يأمره بشيء هل يجب عليه امتثاله ولا بد؟ أو لا بد أن يعرضه على الشرع الظاهر، فالثاني هو المعتمد كما تقدم] المصدر السابق ١٢/ ٤٨٦.
وقال الشوكاني بعد أن ذكر أقوال أهل العلم في المسألة: [ولا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا ﷺ قد كمله الله وقال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) ولم يأتنا دليل يدل على أن رؤيته في النوم بعد موته ﷺ إذا قال فيها بقول أو فعل فيها فعلاً يكون دليلاً وحجة بل
стр. 1682
قبضه الله إليه عند أن كمل لهذه الأمة ما شرعه لها على لسانه ولم يبق بعد ذلك حاجة للأمة في أمر دينها وقد انقطعت البعثة لتبليغ الشرائع وتبيينها بالموت وإن كان رسولاً حياً وميتاً وبهذا تعلم أن لو قدرنا ضبط النائم لم يكن ما رآه من قوله ﷺ أو فعله حجة عليه ولا على غيره من الأمة] إرشاد الفحول ٢٤٩.
وبعد هذا العرض لأقوال العلماء في مسألة رؤية النبي ﷺ نخلص إلى أنه لا يجوز الاعتماد على رؤية النبي ﷺ في إثبات حكم شرعي أو نفي حكم شرعي لأن الرسالة قد تمت وكملت قبل وفاة النبي ﷺ ولم يكن من شأن الصحابة رضوان الله عليهم ولا سلف الأمة الاعتماد على رؤية النبي ﷺ في إثبات الأحكام الشرعية أو نفيها.
كرامة الخبز
يقول السائل: إنه رأى شخصاً يدوس بقدمه على قطعة خبز فنهاه عن ذلك فقال له ذلك الشخص: إنه لا فرق بين الخبز وبين غيره من الأشياء ولا كرامة للخبز فما قولكم؟
الجواب: لا شك أن الخبز نعمة من نعم الله ونعم الله ينبغي أن تصان عن الامتهان والاحتقار ودوس الخبز بالقدم عمداً يدخل في كفران نعمة الله ﷻ . وليس صحيحاً أنه لا كرامة للخبز بل له كرامة فقد ورد في الحديث عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (أكرموا الخبز) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي ورواه البيهقي في شعب الإيمان وصححه السيوطي في الجامع الصغير وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير ١/ ٢٦٥.
وقد اعتبر العلماء أن من آداب الطعام إكرام الخبز، قال العلامة المناوي: [(أكرموا الخبز) سائر أنواعه لأن في إكرامه الرضى بالموجود من
стр. 1683
الرزق وعدم الاجتهاد في التنعم وطلب الزيادة. ومن كلام الحكماء: [الخبز يُباس ولا يُداس] فيض القدير ٢/ ١١٦.
وقال العلامة المناوي أيضاً: [وإكرامه - الخبز - أن لا يوطأ ولا يمتهن كأن يستنجى به أو يوضع في القاذورة والمزابل أو ينظر إليه بعين الاحتقار] المصدر السابق ٢/ ١١٧.
وخلاصة الأمر أنه لا يجوز دوس الخبز بالقدم وأن ذلك من كفر نعمة الله.
حكم سب الصحابة
يقول السائل: ما قولكم فيمن يسب واحداً من الصحابة وينتقص منه كالذين يسبون معاوية بن أبي سفيان ويتهمونه باتهامات باطلة فما حكم الشرع في ذلك؟
الجواب: حب الصحابة الكرام جزء من عقيدة المسلم عقيدة أهل السنة والجماعة، قال صاحب العقيدة الطحاوية ص ٦٨٩: [ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ ] شرح العقيدة الواسطية ص ١٤٢.
وقد قامت على صحة هذه العقيدة ألا وهي حب الصحابة ﵃ أجمعين وحرمة سبهم وحرمة بغضهم عشرات الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وانعقد إجماع الصحابة على ذلك.
فمن الآيات الكريمات الدالة على ذلك وفيها ثناء الله على
стр. 1684
الصحابة ﵃ قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) سورة التوبة الآية ١٠٠. وقال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) سورة آل عمران الآية ١١٠. وقال تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) سورة الفتح الآية ٢٩. وقال تعالى: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) سورة الحديد الآية ١٠.
وقال تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَايَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) سورة الحشر الآيات ٨ - ١٠. وقال تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) سورة الأنفال الآية ٦٤.
وأما الأحاديث النبوية فمنها عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه) رواه البخاري ومسلم.
وعن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) رواه البخاري ومسلم.
وعن ابن عمر ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب بالجابية فقال: قام فينا رسول الله ﷺ مقامي فيكم فقال: (استوصوا بأصحابي خيراً ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. الخ) رواه أحمد والبيهقي والترمذي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ورواه ابن حبان وقال محققه: إسناده صحيح على شرط الشيخين. صحيح ابن حبان ١٦/ ٢٤٠.
стр. 1685
ونص أهل العلم على وجوب احترام الصحابة ﵃ أجمعين وأنه يحرم الطعن فيهم أو سبهم أو الانتقاص منهم.
قال أبو زرعة الرازي: [إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق] ولتكن ممن يقول: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَايَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)
سورة الحشر الآية ١٠] انظر صب العذاب على من سب الأصحاب للألوسي ص ٣٩١ - ٣٩٢.
وقال الإمام أحمد: [وخير الأمة بعد النبي ﷺ أبو بكر وعمر بعد أبي بكر وعثمان بعد عمر وعلي بعد عثمان ووقف قوم وهم خلفاء راشدون مهديون ثم أصحاب رسول الله ﷺ بعد هؤلاء الأربعة خير الناس لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساويهم ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا نقص فمن فعل ذلك فقد وجب تأديبه وعقوبته ليس له - أي الحاكم - أن يعفو عنه بل يعاقبه ويستتيبه فإن تاب قبل منه وإن ثبت أعاد عليه العقوبة وخلَّده في الحبس حتى يموت أو يراجع] الصارم المسلول ص ٥٧٠
وقال الإمام النووي: [واعلم أن سب الصحابة ﵃ حرام من فواحش المحرمات سواء من لابس الفتن منهم وغيره لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون.] ثم نقل عن القاضي عياض قوله: [وسب أحدهم - أي الصحابة - من المعاصي الكبائر] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/ ٧٢ - ٧٣.
وقال الحافظ ابن حجر: [اتفق أهل السنة على أن الجميع - أي جميع الصحابة - عدول ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة وقد ذكر الخطيب في الكفاية فصلاً نفيساً في ذلك فقال عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم فمن ذلك قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) وقوله:
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) وقوله: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ) وقوله: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ
следующие страницы →