Полный текст (3 492 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
الطهارة والصلاة
стр. 1717
قيء الآدمي طاهر ولا ينقض الوضوء
يقول السائل: هل قيء الآدمي طاهر أم نجس؟ وهل يعتبر القيء من نوا قض الوضوء أم لا؟
الجواب: القيء هو الطعام الذي يخرج من المعدة بعد استقراره فيها وذهب جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن القيء نجس ووافقهم المالكية في حالة تغيره عن حال الطعام فإن لم يتغير فهو طاهر.
وخالف في ذلك جماعة من أهل العلم فذهبوا إلى أن القيء طاهر وهو الذي أرجحه لأن القائلين بنجاسته ليس معهم دليل يعتمد عليه وأما الذين قالوا بأنه طاهر فاعتمدوا على قاعدة أن الأصل في الأعيان الطهارة حتى يأتي دليل ناقل عنها ولا دليل يخرج قيء الآدمي عن الطهارة إلى النجاسة.
قال الشوكاني: [والأصل الطهارة فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح لم يعارضه ما يساويه أو يقدم عليه] وقال صديق حسن خان شارحاً كلام الشوكاني ما نصه: [لأن كون الأصل الطهارة معلوم من كليات الشريعة المطهرة وجزئياتها ولا ريب أن الحكم بنجاسة شيء يستلزم تكليف العباد بحكم من أحكام الشرع والأصل البراءة من ذلك ولا سيما من الأمور التي تعم بها البلوى وقد أرشدنا رسول الله ﷺ إلى السكوت عن الأمور
стр. 1718
التي سكت الله تعالى عنها وأنها عفو فما لم يرد فيه شيء من الأدلة الدالة على نجاسته فليس لأحد من عباد الله تعالى أن يحكم بنجاسته بمجرد رأي فاسد أو غلط في الاستدلال كما يدعيه بعض أهل العلم من نجاسة ما حرمه الله تعالى زاعماً أن النجاسة والتحريم متلازمان. وهذا الزعم من أبطل الباطلات فالتحريم للشيء لا يدل على نجاسته بمطابقة ولا تضمن ولا التزام فتحريم الخمر والميتة والدم لا يدل على نجاسة ذلك] الروضة الندية ١/ ١١٨.
وقال الشوكاني في موضع آخر: [حق استصحاب البراءة الأصلية وأصالة الطهارة أن يطالب من زعم بنجاسة عين من الأعيان بالدليل فإن نهض به كما في نجاسة بول الآدمي وغائطه والروثة فذاك وإن عجز عنه أو جاء بما لا تقوم به الحجة فالواجب علينا الوقوف على ما يقتضيه الأصل والبراءة] السيل الجرار ١/ ٣١.
وقال أيضاً: [قد عرفناك في أول كتاب الطهارة أن الأصل في جميع الأشياء هو الطهارة وأنه لا ينقل عن ذلك إلا ناقل صحيح صالح للاحتجاج به غير معارض بما يرجح عليه أو يساويه فإن وجدنا ذلك فبها ونعمت وإن لم نجد ذلك كذلك وجب علينا الوقوف في موقف المنع ونقول لمدعي النجاسة: هذه الدعوى تتضمن أن الله سبحانه أوجب على عباده واجباً هو غسل هذه العين التي تزعم أنها نجسة وأنه يمنع وجودها صحة الصلاة بها فهات الدليل على ذلك. فإن قال حديث عمار:
(إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والقيء والدم والمني) قلنا: هذا لم يثبت من وجه صحيح ولا حسن ولا بلغ إلى أدنى درجة من الدرجات الموجبة للاحتجاج به والعمل عليه فكيف يثبت به هذا الحكم الذي تعم به البلوى وهو لا يصلح لإثبات أخف حكم على فرد من أفراد العباد] المصدر السابق ١/ ٤٣.
وقال الألباني معلقاً على قول صاحب فقه السنة إن من النجاسات القيء: [قلت: لم يذكر المؤلف الدليل على ذلك اللهم إلا قوله: [إنه متفق على نجاسته] وهذه دعوى منقوضة فقد خالف في ذلك ابن حزم حيث
стр. 1719
صرح بطهارة قيء المسلم وهو مذهب الإمام الشوكاني في الدرر البهية وصديق خان في شرحها حيث لم يذكرا في النجاسات قيء الآدمي مطلقاً وهو الحق ثم ذكرا أن في نجاسته خلافاً ورجحا الطهارة بقولهما: [والأصل الطهارة فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح لم يعارضه ما يساويه أو يقدم عليه] وذكر نحوه الشوكاني أيضاً في السيل الجرار. وهذا الأصل قد اعتمده المؤلف في غير ما مسألة مثل طهارة أبوال ما يؤكل لحمه وطهارة الخمر فيما ذكر هو بعد وهو أصل عظيم من أصول الفقه فلا أدري ما الذي حمله على تركه هنا مع أنه ليس في الباب ما يعارضه من النصوص الخاصة؟] تمام المنة ٥٣ - ٥٤.
واحتج الجمهور على نجاسة القيء بما روي في الحديث أن النبي ﷺ قال: (يا عمار إنما يغسل الثوب من الغائط والبول والقيء والدم والمني] رواه الدارقطني. وهو حديث ضعيف لا يصح الاستدلال به. قال الإمام النووي: [حديث عمار هذا رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده والدارقطني والبيهقي، قال البيهقي: هو حديث باطل لا أصل له وبين ضعفه الدارقطني والبيهقي] المجموع ٢/ ٥٤٩.
وتكلم الحافظ ابن حجر على حديث عمار وبين ضعفه وذكر أن فيه رجلاً متهماً بالوضع وذكر أن العلماء اتفقوا على ترك حديثه. انظر التلخيص الحبير ١/ ٣٣. وانظر نصب الراية ١/ ٢١٠ - ٢١١.
ويؤيد ذلك أن القيء عند الأطباء عبارة عن الطعام الذي أكله الشخص ومعه العصارات الهاضمة وخاصة حامض الهيدروكلوريك.
هذا ما يتعلق بكون القيء طاهراً أم نجساً، وقد تبين لنا أنه باق على أصل الطهارة ولم يثبت دليل صحيح ناقل له عنها.
وأما أن القيء ينقض الوضوء أم لا؟ فالراجح من أقوال أهل العلم أن القيء ليس من نواقض الوضوء حيث لم يثبت دليل صحيح على كونه من نواقض الوضوء قال الإمام النووي: [وأحسن ما اعتقده في المسألة أن الأصل أن لا نقض حتى يثبت بالشرع ولم يثبت، والقياس ممتنع في هذا الباب لأن علة النقض غير معقولة] المجموع ١/ ٥٥.
стр. 1720
وأما ما روي في الحديث عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء ﵁: (أن النبي- ﷺ قاء فتوضأ فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت له ذلك فقال: صدق أنا صببت له وضوءه) رواه أحمد والترمذي وغيرهما، وهو حديث مختلف فيه فمنهم من صححه ومنهم من ضعفه.
وأجاب الحافظ ابن عبد البر عن حديث أبي الدرداء بقوله: (وهذا حديث لا يثبت عند أهل العلم بالحديث ولا في معناه ما يوجب حكماً. لأنه يحتمل أن يكون وضوؤه ها هنا غسل فمه ومضمضته وهو أصل لفظ الوضوء في اللغة وهو مأخوذ من الوضاءة والنظر يوجب أن الوضوء المجتمع عليه لا ينتقض إلا بسنة ثابتة لا مدفع فيها أو إجماع ممن تجب الحجة بهم، ولم يأمر الله تعالى بإيجاب الوضوء من القيء ولا ثبت به سنة عن رسوله ﷺ ولا اتفق الجميع عليه). الاستذكار ٢/ ١٣٧
وقال الإمام النووي: [وأما الجواب عن احتجاجهم بحديث أبي الدرداء فمن أوجه: أحسنها أنه ضعيف مضطرب، قاله البيهقي وغيره من الحفاظ، والثاني لو صح لحمل على ما تغسل به النجاسة وهذا جواب البيهقي وغيره، والثالث أنه يحتمل الوضوء لا بسبب القيء فليس فيه أنه توضأ من القيء. والجواب عن حديث ابن جريج من أوجه أحسنها أنه ضعيف باتفاق الحفاظ وضعفه من وجهين: أحدهما أن رواية إسماعيل بن عياش عن ابن جريج، وابن جريج حجازي، ورواية إسماعيل عن أهل الحجاز ضعيفة عند أهل الحديث. والثاني أنه مرسل قال الحفاظ: المحفوظ في هذا أنه عن ابن جريج عن أبيه عن النبي ﷺ ممن قال ذلك الشافعي وأحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى الذهلي وعبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبيه وأبو زرعة وأبو أحمد بن عدي والدارقطني والبيهقي وغيرهم وقد بيَّن الدارقطني والبيهقي ذلك أحسن بيان] المجموع ١/ ٥٥.
وحديث ابن جريج الذي ذكره النووي وضعفه هو (إذا قاء أحدكم في صلاته أو قلس أو رعف فليتوضأ ثم ليبن على ما مضى ما لم يتكلم).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والأظهر أنه لا يجب الوضوء من مس
стр. 1721
الذكر ولا النساء ولا خروج النجاسات من غير السبيلين ولا غسل الميت فإنه ليس مع الموجبين دليل صحيح بل الأدلة الراجحة تدل على عدم الوجوب لكن الاستحباب متوجه ظاهر] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٠/ ٥٢٦.
وقال الشيخ ابن عثيمين مبيناً عدم نقض القيء للوضوء: [الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء قلَّ أو كثر إلا البول والغائط وذلك أن الأصل عدم النقض فمن ادّعى خلاف الأصل فعليه الدليل وقد ثبتت طهارة الإنسان بمقتضى دليل شرعي وما ثبت بمقتضى دليل شرعي فإنه لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي ونحن لا نخرج عما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لأننا متعبدون بشرع الله لا بأهوائنا فلا يسوغ لنا أن نلزم عباد الله بطهارة لم تجب ولا أن نرفع عنهم طهارة واجبة. فإن قال قائل: قد ورد أن النبي ﷺ قاء فتوضأ؟ قلنا: هذا الحديث قد ضعفه أكثر أهل العلم ثم نقول: إن هذا مجرد فعل ومجرد الفعل لا يدل على الوجوب لأنه خالٍ من الأمر ثم إنه معارض بحديث وإن كان ضعيفاً: (أن النبي ﷺ احتجم وصلى ولم يتوضأ) وهذا يدل على أن وضوءه من القيء ليس للوجوب. وهذا القول هو الراجح أن الخارج من بقية البدن لا ينقض الوضوء وإن كثر سواء كان قيئاً أو لعاباً أو دماً أو ماء جروح أو أي شيء آخر إلا أن يكون بولاً أو غائطاً مثل أن يفتح لخروجهما مكان من البدن فإن الوضوء ينتقض بخروجهما منه] فتاوى الطهارة ص١٩٨.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: [والصحيح أن الدم والقيء ونحوهما لا ينقض الوضوء قليلها ولا كثيرها لأنه لم يرد دليل بين على نقض الوضوء بها والأصل بقاء الطهارة وحديث: (إنه ﷺ قاء فتوضأ) نهاية ما يدل عليه استحباب الوضوء لخروج القيء لأن الفعل الذي تجرد من الأمر يدل على الاستحباب] غاية المرام ٢/ ٢٦.
وقال الشيخ الألباني بعد أن ذكر حديث أبي الدرداء وصححه قال: [فائدة: استدل المصنف بالحديث على أن القيء ينقض الوضوء وقيده بما
стр. 1722
إذا كان فاحشاً كثيراً كل أحد بحسبه! وهذا القيد مع أنه لا ذكر له في الحديث البتة. فالحديث لا يدل على النقض إطلاقاً لأنه مجرد فعل منه ﷺ والأصل أن الفعل لا يدل على الوجوب وغايته أن يدل على مشروعية التأسي به، وأما الوجوب فلا بد له من دليل خاص، وهذا مما لا وجود له هنا ولذلك ذهب كثير من المحققين إلى أن القيء لا ينقض الوضوء منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى له وغيرها] إرواء الغليل ١/ ١٤٨.
وخلاصة الأمر أن القيء طاهر غير نجس وأنه ليس من نواقض الوضوء على الراجح من أقوال أهل العلم.
تحرم القراءة بالقراءات الشاذة في الصلاة
يقول السائل: إن إمام المسجد عندهم قرأ في صلاة جهرية آيات من سورة الإسراء ومنها قوله تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) حيث قرأ (أمَّرنا) بتشديد الميم فما حكم ذلك؟
الجواب: من المعلوم أن القراءة المشهورة في بلادنا ويتداولها القراء وحفظة القرآن وطلاب العلم وغيرهم هي قراءة حفص بن سليمان الكوفي عن عاصم بن أبي النجود الكوفي. وهذه القراءة من القراءات المتواترة وهي عشر قراءات على الراجح من أقوال أهل العلم. وقد اتفق العلماء على جواز القراءة بها في الصلاة وخارج الصلاة وأما ما عداها من قراءات فهي شاذة لم تثبت بطريقة التواتر فالقراءة الشاذة ما نقل قرآناً من غير تواتر واستفاضة أو ما عبر عنه بأنها ما دون القراءات العشر المتواترة التي قبلتها الأمة عن الأئمة العشرة.
ومن القراءات الشاذة، قراءة (أمَّرنا) بتشديد الميم من الآية المذكورة في السؤال حيث نص علماء القراءات على أنها قراءة شاذة، كما في
стр. 1723
المختصر في شواذ القرآن ص ٧٩، وفي كتاب المحتسب في تبيين وجوه شواذ القرآن ٢/ ٦٠، وبما أن هذه القراءة شاذة، فلا تصح القراءة بها في الصلاة وغيرها، بل نقل الحافظ ابن عبد البر الإجماع على ذلك فقال: [الذي عليه جماعة الأمصار من أهل الأثر والرأي أنه لا يجوز لأحد أن يقرأ في صلاته نافلة كانت أو مكتوبة بغير ما في المصحف المجتمع عليه سواء كانت القراءة مخالفة له منسوبة لابن مسعود أو إلى أُبي أو إلى ابن عباس أو إلى أبي بكر أو عمر أو مسندة إلى النبي ﷺ ] الاستذكار ٨/ ٤٧ - ٤٨.
وقال الإمام النووي: [وتجوز قراءة القرآن بالقراءات السبع المجمع عليها ولا يجوز بغير السبع ولا بالروايات الشاذة المنقولة عن القراء السبعة، وسيأتي في الباب السابع إن شاء الله تعالى بيان اتفاق الفقهاء على استتابة من أقرأ بالشواذ أو قرأ بها وقال أصحابنا وغيرهم: لو قرأ بالشواذ في الصلاة بطلت صلاته إن كان عالماً وإن كان جاهلاً لم تبطل ولم تحسب له تلك القراءة وقد نقل الإمام أبو عمر بن عبد البر الحافظ إجماع المسلمين على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ
стр. 1724
وأنه لا يصلى خلف من يقرأ بها. قال العلماء: من قرأ الشاذ إن كان جاهلاً به أو بتحريمه عُرِّفَ بذلك فإن عاد إليه أو كان عالماً به عزر تعزيراً بليغاً إلى أن ينتهي عن ذلك، ويجب على كل متمكن من الإنكار عليه ومنعه الإنكار والمنع] التبيان في آداب حملة القرآن ص٥٠ - ٥١.
وقال الإمام النووي أيضاً: [قال أصحابنا وغيرهم تجوز القراءة في الصلاة وغيرها بكل واحدة من القراءات السبع ولا تجوز القراءة في الصلاة ولا غيرها بالقراءة الشاذة لأنها ليست قرآناً فإن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر وكل واحدة من السبع متواترة هذا هو الصواب الذي لا يعدل عنه ومن قال غيره فغالظ أو جاهل وأما الشاذة فليست متواترة فلو خالف وقرأ بالشاذة أنكر عليه قراءتها في الصلاة أو غيرها وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة من قرأ بالشواذ وقد ذكرت قصة في التبيان في آداب حملة القرآن. ونقل الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر إجماع المسلمين على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ وأنه لا يصلى خلف من يقرأ بها قال العلماء فمن قرأ بالشاذ إن كان جاهلاً به أو بتحريمه عرف ذلك فإن عاد إليه بعد ذلك أو كان عالماً به عزر تعزيراً بليغاً إلى أن ينتهي عن ذلك ويجب على كل مكلف قادر على الإنكار أن ينكر عليه] المجموع ٣/ ٣٩٢.
وقال ابن عابدين الحنفي: [القرآن الذي تجوز به الصلاة بالاتفاق هو المضبوط في مصاحف الأئمة التي بعث بها عثمان ﵁ إلى الأمصار وهو الذي أجمع عليه الأئمة العشرة وهذا هو المتواتر جملة وتفصيلاً فما فوق السبعة إلى العشرة غير شاذ وإنما الشاذ ما وراء العشرة وهو الصحيح] حاشية ابن عابدين ١/ ٤٨٦.
وقال الزركشي: [قال أبو شامة ﵀ وقد ورد إلى دمشق استفتاء من بلاد العجم عن القراءة الشاذة هل تجوز القراءة بها وعن قراءة القارئ عشراً كل آية بقراءة قارئ فأجاب عن ذلك جماعة من مشايخ عصرنا منهم شيخا الشافعية والمالكية حينئذ وكلاهما أبو عمر وعثمان يعنى ابن الصلاح وابن الحاجب. قال شيخ الشافعية: يشترط أن يكون المقروء به على تواتر نقله عن رسول الله ﷺ قرآنا واستفاض نقله بذلك وتلقته الأمة بالقبول كهذه القراءات السبع لأن المعتبر في ذلك اليقين والقطع على ما تقرر وتمهد في الأصول فما لم يوجد فيه ذلك ما عدا العشرة فممنوع من القراءة به منع تحريم لا منع كراهة في الصلاة وخارج الصلاة وممنوع منه ممن عرف المصادر والمعاني ومن لم يعرف ذلك وواجب على من قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يقوم بواجب ذلك وإنما نقلها من نقلها من العلماء لفوائد منها ما يتعلق بعلم العربية لا القراءة بها هذا طريق من استقام سبيله. ويجب منع القارىء بالشواذ وتأثيمه بعد تعريفه وإن لم يمتنع فعليه التعزير بشرطه. وأما إذا شرع القارىء في قراءة فينبغي ألا يزال يقرأ بها ما بقى للكلام متعلق بما ابتدأ به وما خالف هذا فمنه جائز وممتنع وعذره مانع من قيامه بحقه والعلم عند الله تعالى. وقال شيخ المالكية ﵀: لايجوز أن يقرأ بالقراءة الشاذة في صلاة ولا غيرها عالماً بالعربية كان أو جاهلاً] البرهان في علوم القرآن ١/ ٣٣٢ - ٣٣٣.
стр. 1725
وخلاصة الأمر أن قراءة (أمَّرنا) بتشديد الميم من الآية المذكورة في السؤال قراءة شاذة تحرم القراءة بها في الصلاة وخارج الصلاة محافظة على كتاب الله .
صفة التشهد في الصلاة
يقول السائل: ما قولكم فيما قرره بعض أهل العلم أن الصواب في صفة التشهد في الصلاة هو قول (السلام على النبي) وأما قول (السلام عليك أيها النبي) فقد كان حال حياة النبي ﷺ فلذا فإن الإتيان بهذا اللفظ غلط؟ أفيدونا.
الجواب: ما ذكره السائل قاله بعض العلماء كالشيخ الألباني في صفة صلاة النبي ﷺ حيث ذكر تشهد ابن مسعود ﵁ وعلق عليه بقوله: [قلت: وقول ابن مسعود " قلنا: السلام على النبي " يعني أن الصحابة ﵃ كانوا يقولون: " السلام عليك أيها النبي " في التشهد والنبي ﷺ حي، فلما مات عدلوا عن ذلك وقالوا: " السلام على النبي " ولا بد أن يكون ذلك بتوقيف منه ﷺ ويؤيده أن عائشة ﵂ كذلك كانت تعلمهم التشهد في الصلاة " السلام على النبي " رواه السراج في مسنده والمخلص في الفوائد بسندين صحيحين عنها] صفة صلاة النبي ﷺ ص١٤٣. وقال الشيخ مشهور سلمان وهو أحد تلاميذ الشيخ الألباني: [غلط قول " السلام عليك أيها النبي " في التشهد] القول المبين في أخطاء المصلين ص١٥٢.
وأقول ليس غلطاً أن يقول المصلي " السلام عليك أيها النبي " في التشهد بل هو صواب لا شك في ذلك ولا ريب وكيف يكون غلطاً وقد قاله عدد من صحابة النبي ﷺ كعمر وابنه عبد الله وابن عباس وعائشة وأبي موسى الأشعري وغيرهم وهو ثابت عنهم ﵃ أجمعين وعليه
стр. 1726
جماهير أهل العلم. وينبغي أن يعلم أنه قد ورد عن النبي ﷺ عدة صيغ في التشهد وقد ذكر الشيخ الألباني خمساً من صيغ التشهد ثابتة عن النبي ﷺ وهي تشهد ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي موسى الأشعري وعمر بن الخطاب ﵃ أجمعين وليس في الصيغ الأربع الأخيرة سوى قول " السلام عليك أيها النبي ". صفة صلاة النبي ﷺ ص ١٤٢ - ١٤٥
وقد قرر المحققون من أهل العلم أن اختلاف صيغ التشهد الواردة عن النبي ﷺ إنما هي من اختلاف التنوع وليس من اختلاف التضاد. فإذا جاء المصلي بأي صيغة منها أجزأه ولا حرج عليه، ولا يصح حمل المصلي على صيغة واحدة فقط وهي قول " السلام على النبي " قال الإمام الشافعي: [قال لي قائل: قد اختلف في التشهد، فروى ابن مسعود عن النبي ﷺ : (أنه كان يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن) فقال في مبتدأه: ثلاث كلمات: (التحيات لله) فبأي التشهد أخذت؟ فقلت: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري أنه سمع عمر بن الخطاب يقول على المنبر، وهو يعلم الناس التشهد يقول: قولوا: " التحيات لله الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله " قال الشافعي: فكان هذا الذي علمنا من سبقنا بالعلم من فقهائنا صغاراً ثم سمعناه بإسناد وسمعنا ما خالفه فلم نسمع إسناداً في التشهد يخالفه ولا يوافقه أثبت عندنا منه وإن كان غيره ثابتاً. فكان الذي نذهب إليه أن عمر لا يعلم الناس على المنبر بين ظهراني أصحاب رسول الله ﷺ : إلا على ما علمهم النبي ﷺ فلما انتهى إلينا من حديث أصحابنا حديث يثبته عن النبي ﷺ صرنا إليه وكان أولى بنا. قال: وما هو؟ قلت: أخبرنا الثقة وهو يحيى بن حسان عن الليث بن سعد عن أبي الزبير المكي عن سعيد بن جبير وطاووس عن ابن عباس أنه قال كان رسول الله يعلمنا التشهد كما يعلمنا القرآن فكان يقول: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. قال
стр. 1727
الشافعي:
فقال: فأنى ترى الرواية اختلفت فيه عن النبي ﷺ ؟ فروى ابن مسعود خلاف هذا وروى أبو موسى خلاف هذا وجابر خلاف هذا وكلها قد يخالف بعضها بعضاً في شيء من لفظه ثم علم عمر خلاف هذا كله في بعض لفظه. وكذلك تشهد عائشة وكذلك تشهد ابن عمر ليس فيها شيء إلا في لفظه شيء غير ما في لفظ صاحبه وقد يزيد بعضها الشيء على بعض فقلت له: الأمر في هذا بين. قال: فأبنه لي؟ قلت: كل كلام أريد به تعظيم الله فعلمهم رسول الله فلعله جعل يعلمه الرجل فيحفظه والآخر فيحفظه، وما أخذ حفظاً فأكثر ما يحترس فيه منه إحالة المعنى فلم تكن فيه زيادة ولا نقص ولا اختلاف شيء من كلامه يحيل المعنى فلا تسع إحالته فلعل النبي أجاز لكل امرئ منهم كما حفظ إذا كان لا معنى فيه يحيل شيئاً عن حكمه ولعل من اختلفت روايته واختلف تشهده إنما توسعوا فيه فقالوا على ما حفظوا وعلى ما حضرهم وأجيز لهم قال: أفتجد شيئاً يدل على إجازة ما وصفت؟ فقلت: نعم. قال: وما هو؟ قلت: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال " سمعت عمر بن الخطاب يقول سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأها وكان النبي ﷺ أقرأنيها فكدت أعجل عليه ثم أمهلته حتى انصرف ثم لببته بردائه فجئت به إلى النبي- ﷺ فقلت: يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها فقال له رسول الله ﷺ : اقرأ فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ فقال رسول الله ﷺ : هكذا أنزلت ثم قال لي: اقرأ فقرأت فقال: هكذا أنزلت إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر. قال: فإذا كان الله لرأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف معرفة منه بأن الحفظ قد يزل ليحل لهم قراءته وإن اختلف اللفظ فيه ما لم يكن في اختلافهم إحالة معنى كان ما سوى كتاب الله أولى
أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يحل معناه وكل ما لم يكن فيه حكم فاختلاف اللفظ فيه لا يحيل معناه. وقد قال بعض التابعين لقيت أناساً من أصحاب رسول الله ﷺ فاجتمعوا في المعنى واختلفوا عليَّ في اللفظ فقلت لبعضهم ذلك فقال لا بئس ما لم يحيل المعنى قال
стр. 1728
الشافعي: فقال: ما في التشهد إلا تعظيم الله وإني لأرجو أن يكون كل هذا فيه واسعاً وأن لا يكون الاختلاف فيه إلا من حيث ذكرت] الرسالة٢٦٧ - ٢٧٥.
وقال الحافظ ابن عبد البر: [ولما علم مالك أن التشهد لا يكون إلا توقيفاً عن النبي ﷺ اختار تشهد عمر لأنه كان يعلمه للناس وهو على المنبر من غير نكير عليه من أحد من الصحابة وكانوا متوافرين في زمانه وأنه كان يُعَلِّم ذلك من لم يعلمه من التابعين وسائر من حضره من الداخلين في الدين ولم يأت عن أحد حضره من الصحابة أنه قال: ليس كما وصفت. وفي تسليمهم له ذلك مع اختلاف رواياتهم عن النبي ﷺ في ذلك دليل على الإباحة والتوسعة فيما جاء عنه من ذلك ﵇ مع أنه متقارب كله قريب في المعنى بعضه من بعض إنما فيه كلمة زائدة في ذلك المعنى أو ناقصة] الاستذكار ٤/ ٢٧٤.
وقال الحافظ ابن عبد البر أيضاً: [وتشهد ابن مسعود ثابت أيضاً من جهة النقل عند جميع أهل الحديث مرفوع إلى النبي ﷺ وهو: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلى الله وأن محمداً عبده ورسوله. وبه قال الثوري والكوفيون وأكثر أهل الحديث وكان أحمد بن خالد بالأندلس يختاره ويميل إليه ويتشهد به. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور: أحب التشهد إلينا تشهد ابن مسعود الذي رواه عن النبي ﷺ وهو قول أحمد وإسحاق وداود. وأما الشافعي وأصحابه والليث ابن سعد فذهبوا إلى تشهد ابن عباس الذي رواه عن النبي ﷺ . قال الشافعي: هو أحب التشهد إليَّ. رواه الليث بن سعد عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير وطاووس عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا القرآن فكان يقول: (التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله). وروي عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً وموقوفاً نحو تشهد ابن مسعود. وروي عن علي
стр. 1729
أكمل من هذه الروايات كلها. وفي الموطأ عن ابن عمر وعائشة ما قد علمت واختيار العلماء من ذلك ما ذكرت لك وكل حسن إن شاء الله. والذي أقول به - وبالله التوفيق - أن الاختلاف في التشهد وفي الأذان والإقامة وعدد التكبير على الجنائز وما يقرأ ويدعى به فيها وعدد التكبير في العيدين ورفع الأيدي في ركوع الصلاة وفي التكبير على الجنائز وفي السلام من الصلاة واحدة أو اثنتين وفي وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة وسدل اليدين وفي القنوت وتركه وما كان مثل هذا كله اختلاف في مباح كالوضوء واحدة واثنتين وثلاثاً. وكل ما وصفت لك قد نقلته الكافة من
الخلف عن السلف ونقله التابعون بإحسان عن السابقين نقلاً لا يدخله غلط ولا نسيان لأنها أشياء ظاهرة معمول بها في بلدان الإسلام زمناً بعد زمن لا يختلف في ذلك علماؤهم وعوامهم من عهد نبيهم ﷺ وهلم جرا فدل على أنه مباح كله إباحة توسعة ورحمة والحمد لله]. الاستذكار ٤/ ٢٧٧ - ٢٨٣
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عند حديثه عما يقع فيه الخلاف مما يتعلق بصفات العبادات ما نصه: [والقسم الثالث ما قد ثبت عن النبي ﷺ فيه أنه سن الأمرين لكن بعض أهل العلم حرَّم أحد النوعين أو كرهه لكونه لم يبلغه أو تأول الحديث تأويلاً ضعيفاً، والصواب في مثل هذا أن كل ما سنَّه رسول الله ﷺ لأمته فهو مسنون لا يُنهى عن شيء منه وإن كان بعضه أفضل من ذلك فمن ذلك أنواع التشهدات فإنه قد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ تشهد ابن مسعود وثبت عنه في صحيح مسلم تشهد أبي موسى وألفاظه قريبة من ألفاظه وثبت عنه في صحيح مسلم تشهد ابن عباس وفي السنن تشهد ابن عمر وعائشة وجابر وثبت في الموطأ وغيره أن عمر بن الخطاب علَّم المسلمين تشهداً على منبر النبي ﷺ ولم يكن عمر ليعلمهم تشهداً يقرونه عليه إلا وهو مشروع فلهذا كان الصواب عند الأئمة المحققين أن التشهد بكل من هذه جائز لا كراهة فيه ومن قال إن الإتيان بألفاظ تشهد ابن مسعود واجب كما قاله بعض أصحاب أحمد فقد أخطأ] مجموع الفتاوى ٢٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦.
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وبأي تشهدٍ تَشهدَ مما صح عن النبي ﷺ جاز، نص عليه أحمد فقال: تشهد عبد الله أعجب إليَّ وإن تشهد
стр. 1730
بغيره فهو جائز لأن النبي ﷺ لما علمه الصحابة مختلفاً دل على جواز الجميع كالقراءات المختلفة التي اشتمل عليها المصحف، قال القاضي وهذا يدل على أنه إذا أسقط لفظة هي ساقطة في بعض التشهدات المروية صح تشهده] المغني ١/ ٣٨٥.
وقال الإمام النووي بعد أن ذكر أحاديث التشهد المختلفة: [فهذه الأحاديث الواردة في التشهد وكلها صحيحة وأشدها صحة باتفاق المحدثين حديث ابن مسعود ثم حديث ابن عباس، قال الشافعي والأصحاب: وبأيها تشهد أجزأه، لكن تشهد ابن عباس أفضل وهذا معنى قول المصنف: وأفضل التشهد أن يقول إلى آخره، فقوله أفضل التشهد دليل على جواز غيره، وقد أجمع العلماء على جواز كل واحد منها وممن نقل الإجماع القاضي أبو الطيب] المجموع ٣/ ٤٥٧.
وقال الشوكاني فيما نقله عنه صاحب الروضة الندية: [ومما ينبغي أن يعلم أن التشهد وألفاظ الصلاة على النبي ﷺ كلها مجزئة إذا وردت من وجه معتبر وتخصيص بعضها دون بعض كما يفعله بعض الفقهاء قصور باعٍ وتحكمٌ محضٌ وأما اختيار الأصح منها وإيثاره مع القول بإجزاء غيره فهو من اختيار الأفضل من المتفاضلات وهو من صنيع المهرة بعلم الاستدلال والأدلة. انتهى. وقال في موضع آخر: التشهدات الثابتة عنه ﷺ موجودة في كتب الحديث فعلى من رام التمسك بما صح عنه ﷺ أن ينظرها في دواوين الإسلام الموضوعة لجمع ما ورد من السنة ويختار أصحها ويستمر عليها أو يعمل تارة بهذا وتارة بهذا مثلاً يتشهد في بعض الصلوات بتشهد ابن مسعود وفي بعضها بتشهد ابن عباس وفي بعضها بتشهد غيرهما فالكل واسع والأرجح هو الأصح لكن كونه الأصح لا ينافي إجزاء الصحيح. انتهى] الروضة الندية ١/ ٢٧١ - ٢٧٢.
وقال الشيخ ولي الله الدهلوي: [وجاء في التشهد صيغ أصحها تشهد ابن مسعود ﵁ ثم تشهد ابن عباس وعمر ﵄ وهي كأحرف القرآن كلها شافٍ كاف] حجة الله البالغة ٢/ ٢٠.
وقال العلامة محمد بن عثيمين: [وأما ما ورد في صحيح البخاري عن
стр. 1731
عبد الله بن مسعود ﵁ إنهم كانوا يقولون بعد وفاة الرسول ﷺ " السلام على النبي ورحمة الله وبركاته " فهذا من اجتهاداته ﵁ -التي خالفه فيها من هو أعلم منه عمر بن الخطاب ﵁ فإنه خطب الناس على منبر رسول الله ﷺ وقال في التشهد " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله " كما رواه مالك في الموطأ بسند من أصح الأسانيد وقاله عمر بمحضر الصحابة ﵃ وأقروه على ذلك ثم إن الرسول ﵊ علَّم أمته حتى إنه كان يعلم ابن مسعود وكفه بين كفيه من أجل أن يستحضر هذا اللفظ وكان يعلمهم إياه كما يعلمهم السورة من القرآن وهو يعلم أنه سيموت لأن الله قال له (إنك ميت وإنهم ميتون) ولم يقل بعد موتي قولوا " السلام على النبي " بل علَّمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن بلفظها ولذلك لا يعول على اجتهاد ابن مسعود بل يقال " السلام عليك أيها النبي "] الشرح الممتع ٣/ ٢٠٩ - ٢١٠.
وقد أجابت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية برئاسة الشيخ ابن باز عن سؤال نصه: [في التشهد هل يقول الإنسان " السلام عليك أيها النبي " أم يقول " السلام على النبي " لأن عبد الله بن مسعود ﵁ قال كنا نقول قبل وفاة النبي ﷺ " السلام عليك أيها النبي " وبعد موته ﷺ كنا نقول " السلام على النبي "؟ الجواب: الصحيح أن يقول المصلي في التشهد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته لأن هذا هو الثابت في الأحاديث وأما ما روي عن ابن مسعود ﵁ في ذلك إن صح عنه فهو اجتهاد من فاعله لا يعارض به الأحاديث الثابتة ولو كان الحكم يختلف بعده وفاته عنه في حياته لبينه لهم ﷺ ] فتاوى اللجنة الدائمة ٧/ ١٠ - ١١.
وخلاصة الأمر أن القول بأن من الغلط أن يقول المصلي في تشهده " السلام عليك أيها النبي " قول خاطئ وتحجير لواسع وظهر لنا من أقوال كبار أهل العلم أن الأمر فيه سعة وأن المصلي إذا جاء بأي صيغة من صيغ التشهد الثابتة عن النبي ﷺ فإن ذلك مجزئ إن شاء الله تعالى.
стр. 1732
حكم الصلاة بين السواري
يقول السائل: كما تعلمون فإنه يوجد في المسجد الأقصى المبارك عدد كبير من الأعمدة (السواري) والناس يصلون بينها، فما قولكم في ذلك؟
الجواب: وردت بعض الأحاديث التي تدل على كراهية الصف بين السواري فمن ذلك ما رواه الترمذي بإسناده عن عبد الحميد بن محمود قال: (صلينا خلف أمير من الأمراء فاضطرنا الناس فصلينا بين الساريتين فلما صلينا قال أنس بن مالك: كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ ) وفي الباب عن قرة بن إياس المزني.
قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن صحيح. وقد كره قوم من أهل العلم أن يصف بين السواري. وبه يقول أحمد وإسحق. وقد رخص قوم من أهل العلم في ذلك] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٢/ ١٩.
وعن معاوية بن قرة عن أبيه قال: [كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ونطرد عنها طرداً] رواه ابن ماجة وابن خزيمة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
وقد أخذ العلماء من هذه الأحاديث كراهية الصف بين السواري لغير حاجة من ضيق ونحوه. وكراهية الصف بين السواري لا تعني بطلان الصلاة وعدم صحتها بل الصلاة صحيحه مع الكراهة. وأما إن كان هنالك حاجة للمصلين أن يصفوا بين السواري نظراً لضيق المسجد وكثرة المصلين، أو لأن ترك الصف بين السواري سيؤدي إلى عدم اتصال الصفوف كما هو الحال في المسجد الأقصى فلا كراهة في الصف بين السواري قال الإمام مالك: [لا بأس بالصفوف بين الأساطين إذا ضاق المسجد].
وقال الحافظ ابن حجر: [قال المحب الطبري كره قوم الصف بين السواري للنهي الوارد عن ذلك ومحل الكراهة عند عدم الضيق] فتح الباري ١/ ٧٤٧.
وقد نقل عن جماعة من أهل العلم جواز الصلاة بين السواري كما سبق في كلام الترمذي ومن ذلك أيضاً ما رواه ابن أبي شيبة بإسناده عن
стр. 1733
محمد بن سيرين قال: [لا أعلم بالصلاة بين السواري بأساً]. وروى بإسناده أن سعيد بن جبير كان يؤمهم بين ساريتين. مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٣٧٠.
وكذلك رخص جماعة من الفقهاء في الصلاة بين السواري فقد ورد عن الإمام أحمد أنه لا يكره ذلك ورخص فيه ابن سيرين ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر. انظر غاية المرام شرح مغني ذوي الأفهام ٦/ ٣٤٣.
وكلام هذه الطائفة من أهل العلم يمكن حمله على أن عدم الكراهة يكون في حال عدم الحاجة: [ويكره ذلك بلا حاجة فإن كان ثم حاجة كضيق المسجد وكثرة الجماعة لم يكره] المصدر السابق ٦/ ٣٤٣.
ومما يؤكد لنا هذا المعنى أنه قد ورد في رواية حديث عبد الحميد عند ابن حبان:
- وهو الحديث الأول المذكور سابقاً - قال: صليت إلى جنب أنس بن مالك بين السواري. إلخ. صحيح ابن حبان ٥/ ٥٩٧. فهذا أنس ﵁ قد صلى بين السواري ولو كانت الصلاة بين السواري باطلة لما صلى أنس ﵁. وبناء على ما تقدم فلا يصح حمل النهي الوارد في الأحاديث السابقة على التحريم، فليس كل نهي وارد في الشرع يدل على التحريم، فإن كثيراً من النواهي الشرعية تدل على الكراهة التنزيهية، وكذلك فليس كل نهي وارد في الشرع يدل على البطلان والفساد فمثلا ورد النهي عن التخصر في الصلاة كما رواه البخاري ومسلم وحمله جمهور العلماء على الكراهة ولم يقولوا بإبطال صلاة المتخصر. وهنالك أمثلة كثيرة على أن النهي لا يفيد بطلان المنهي عنه دائماً.
وخلاصة الأمر أن الصلاة بين السواري في المسجد الأقصى صحيحة لأن بناء المسجد الأقصى قائم على عدد كبير من السواري ولا يمكن للصفوف أن تتم بدون الوقوف بين السواري. ولا ينبغي لأحد أن يتشدد في هذه المسألة وأمثالها مما يؤدي إلى حدوث بلبلة بين المصلين وإلى تشكيك الناس في صحة صلاتهم.
стр. 1734
حكم قطع الصلاة المفروضة
يقول السائل: بينما كان إمام المسجد يصلي بالناس إذ رن الهاتف النقال لأحد المصلين (البلفون) فما كان من الإمام إلا أن قطع الصلاة وطلب من صاحب الهاتف أن يوقف هاتفه ثم أحرم بالصلاة من جديد فما حكم ذلك؟
الجواب: ما فعله إمام المسجد المذكور خطأ واضح فلا يجوز قطع الصلاة المفروضة لمثل هذا الأمر فقد كان الواجب على إمام المسجد أن يتم الصلاة ومن ثم ينبه المصلين لإغلاق البلفونات وقت الصلاة والأولى أن يكون التنبيه على إغلاق البلفونات قبل الشروع في الصلاة ولو بيَّن لهم أنه في حال نسيان أحد المصلين للبلفون مفتوحاً ورن وهو في الصلاة فبإمكانه أن يوقفه وهو في الصلاة ولا حرج في ذلك إن شاء الله تعالى ولو تحرك المصلي حركة يسيرة فلا تؤثر على صحة الصلاة.
وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز قطع الصلاة المفروضة بدون عذر شرعي واختلفوا في صلاة النافلة هل يجوز قطعها أم لا؟ والراجح أن الأمر في النافلة واسع فيجوز قطعها.
وقد قرر الفقهاء أن قطع العبادة الواجبة بعد الشروع فيها بلا مسوغ شرعي غير جائز لأن قطعها بلا مسوغ شرعي عبث يتنافى مع حرمة العبادة، وورد النهي عن إفساد العبادة، قال الله تعالى: (وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) سورة محمد الآية ٣٣. أما قطعها بمسوغ شرعي فمشروع، فتقطع الصلاة لقتل حية ونحوها للأمر بقتلها حيث ورد في الحديث من قول النبي ﷺ (اقتلوا الأسودين في الصلاة الحية والعقرب) رواه أبوداود والترمذي وغيرهما وهو حديث صحيح، وتقطع الصلاة لخوف المصلي ضياع مال له قيمة، له أو لغيره أو لخوفه سرقته، وتقطع الصلاة لإغاثة ملهوف استغاث بالمصلي، وتنبيه غافل أو نائم قصدت إليه حية ونحوها ولا يمكن تنبيهه بتسبيح فيجب قطع الصلاة لإنقاذ حياة إنسان. وتقطع الصلاة أيضاً إذا أصيب أحد المصلين بحالة إغماء ونحوها أثناء الصلاة فيجب قطع الصلاة لإسعافه. وتقطع الصلاة أيضاً إذا غلب على ظن المصلي خوف تردي أعمى أو طفل صغير
стр. 1735
أو غيرهما في بئر ونحوه. كما تقطع الصلاة خوف اندلاع حريق أو مهاجمة حيوان مفترس لأن في ذلك إحياء للنفس أو المال ويمكن تدارك الصلاة بعد قطعها؛ حيث إن أداء حق الله تعالى مبني على المسامحة ويجوز للمرأة قطع الصلاة خوفاً على ولدها إن خشيت عليه السقوط من مكان مرتفع أو الوقوع في قدر على النار ونحو ذلك. ويجوز قطع الصلاة ليدفع الإنسان عن نفسه أذى العدو أو الحيوان المفترس. انظر الموسوعة الفقهية الكويتية٣٤/ ٥١، الفقه الإسلامي وأدلته ٢/ ٣٧.
وخلاصة الأمر أن الصلاة المفروضة لا يجوز قطعها إلا لأمر هام وخطير يترتب عليه دفع شر وأما الصلاة النافلة فالأمر فيها أهون وأسهل من المفروضة وما ذكره السائل من رن البلفون أثناء صلاة الجماعة لا يجيز قطع الصلاة من أجل تنبيه صاحب البلفون ليغلقه.
تقضى صلاة الوتر إذا فاتت
يقول السائل: إنه قرأ قولاً لأحد العلماء أن صلاة الوتر لا تقضى ومن فاتته يفعل كما جاء في الحديث عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا غلبه وجع أو نوم عن قيام الليل صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة فما قولكم في ذلك؟
الجواب: صلاة الوتر من السنن المؤكدة الثابتة عن النبي ﷺ وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة منها:
عن علي ﵁ قال: (الوتر ليس بحتم كصلاتكم المكتوبة ولكن سنَّ رسول الله ﷺ وقال: (إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن) رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني في صحيح الترغيب ١/ ٣٨٣.
وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل فإن صلاة آخر الليل مشهودة محضورة وذلك أفضل) رواه مسلم.
стр. 1736
وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر) رواه أبو داود وصححه الألباني في المصدر السابق ١/ ٣٨٤.
وعن أبي تمام الجيشاني قال: سمعت عمرو بن العاص ﵁ يقول: أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله زادكم صلاة فصلوها فيما بين العشاء إلى الصبح: الوتر الوتر) ألا وإنه أبو بصرة الغفاري. رواه أحمد والطبراني وأحد إسنادي أحمد رواته رواة الصحيح قاله المنذري في الترغيب والترهيب، وصححه الألباني في المصدر السابق ١/ ٣٨٤.
إذا تقرر هذا فقد ذهب جماهير أهل العلم إلى أن صلاة الوتر تقضى قال الشوكاني:
[وقد ذهب إلى ذلك من الصحابة علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبادة الصامت وعامر بن ربيعة وأبو الدرداء ومعاذ بن جبل وفضالة بن عبيد وعبد الله بن عباس كذا قال العراقي. قال: ومن التابعين عمرو بن شرحبيل وعبيدة السلماني وإبراهيم النخعي ومحمد بن المنتشر وأبو العالية وحماد بن أبي سليمان. ومن الأئمة سفيان الثوري وأبو حنيفة والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحق وأبو أيوب سليمان بن داود الهاشمي وأبو خيثمة. ثم اختلف هؤلاء إلى متى يقضى على ثمانية أقوال: أحدها: ما لم يصل الصبح وهو قول ابن عباس وعطاء بن أبي رباح ومسروق والحسن البصري وإبراهيم النخعي ومكحول وقتادة ومالك والشافعي وأحمد وإسحق وأبي أيوب وأبي خيثمة حكاه محمد بن نصر عنهم. ثانيها: أنه يقضى الوتر ما لم تطلع الشمس ولو بعد صلاة الصبح وبه قال النخعي. ثالثها: أنه يقضى بعد الصبح وبعد طلوع الشمس إلى الزوال روي ذلك عن الشعبي وعطاء والحسن وطاووس ومجاهد وحماد بن أبي سليمان. وروي أيضاً عن ابن عمر رابعها: أنه لا يقضيه بعد الصبح حتى تطلع الشمس فيقضيه نهاراً حتى يصلي العصر فلا يقضيه
стр. 1737
بعده ويقضيه بعد المغرب إلى العشاء ولا يقضيه بعد العشاء لئلا يجمع بين وترين في ليلة حكي ذلك عن الأوزاعي. خامسها أنه إذا صلى الصبح لا يقضيه نهاراً لأنه من صلاة الليل ويقضيه ليلاً قبل وتر الليلة المستقبلة ثم يوتر للمستقبلة. روي ذلك عن سعيد بن جبير. سادسها: أنه إذا صلى الغداة أوتر حيث ذكره نهاراً فإذا جاءت الليلة الأخرى ولم يكن أوتر لم يوتر لأنه إن أوتر في ليلة مرتين صار وتره شفعاً حكي ذلك عن الأوزاعي أيضاً. سابعها: أنه يقضيه أبداً ليلاً ونهاراً وهو الذي عليه فتوى الشافعية. ثامنها: التفرقة بين أن يتركه لنوم أو نسيان وبين أن يتركه عمداً فإن تركه لنوم أو نسيان قضاه إذا استيقظ أو إذا ذكر في أي وقت كان ليلاً أو
نهاراً وهو ظاهر الحديث واختاره ابن حزم واستدل بعموم قوله ﷺ : (من نام عن صلاته أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) قال وهذا عموم يدخل فيه كل صلاة فرض أو نافلة وهو في الفرض أمر فرض وفي النفل أمر ندب)] نيل الأوطار ٣/ ٥٥ - ٥٦.
والذي يظهر لي رجحان قول ابن حزم الظاهري أن من فاتته صلاة الوتر لنوم أو نسيان يقضيها متى ذكرها ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره) رواه أبو داود ورواه الترمذي بزيادة (أو إذا استيقظ) وصححه الشيخ الألباني في إرواء الغليل ثم قال: [ولا تعارض بينه وبين الحديث الذي قبله خلافاً لما أشار إليه محمد بن يحيى ذلك لأنه خاص بمن نام أو نسي فهذا يصلي بعد الفجر أي وقت تذكر وأما الذاكر فينتهي وقت وتره بطلوع الفجر وهذا بين ظاهر] إرواء الغليل ٢/ ١٥٣.
وقال الشيخ الألباني أيضاً: [ومما يشهد لهذا حديث قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعاً بلفظ: (من أدرك الصبح ولم يوتر فلا وتر له). أخرجه الحاكم وعنه البيهقي وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وأما البيهقي فأعله بقوله: ورواية يحيى بن كثير كأنها أشبه. يعني الحديث الأول فقد روينا عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قضاء الوتر. يعني حديث محمد بن مطرف المذكور آنفاً. ولا وجه لهذا الإعلال
стр. 1738
بعد صحة الإسناد وهو بمعنى الحديث الأول بل هو أصرح منه وأقرب إلى التوفيق بينه وبين حديث ابن المطرف. لأنه صريح فيمن أدرك الصبح ولم يوتر فهذا لا وتر له وأما الذي نسي أو نام حتى الصبح فإنه يصلي كما تقدم] إرواء الغليل ٢/ ١٥٣ - ١٥٤. ويؤيد ذلك ما ورد في الحديث عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يصبح فيوتر) رواه أحمد والطبراني في الأوسط بإسناد حسن كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٢٤٦. ويؤيده أيضاً أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله إن أصبحت ولم أوتر؟ قال: (فأوتر). رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثوقون وإن كان في بعضهم كلام لا يضر قاله الهيثمي في المصدر السابق ٢/ ٢٤٦.
وعن عروة بن الزبير قال: كان ابن مسعود يوتر بعد الفجر وكان أبي يوتر قبل الفجر رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثوقون. المصدر السابق ٢/ ٢٤٧.
وأما ما ورد في أحاديث من أنه لا وتر بعد الصبح كحديث أبي سعيد الخدري أنه ﷺ قال: (أوتروا قبل أن تصبحوا) رواه مسلم. فتحمل على من أدرك وقت الصبح ولم يوتر وأما من نام عنه أو نسيه فيوتر متى استيقظ أو تذكر. وأما الحديث المذكور في السؤال فلا أرى فيه دلالة على أن الوتر لا يقضى.
وخلاصة الأمر أن صلاة الوتر تقضى في حالة نسيانها أو النوم عنها.
القنوت في النوازل
يقول السائل: إنه قد صلى الظهر في أحد المساجد فما كان من الإمام إلا أن قنت في الركعة الرابعة ودعا بدعاءٍ طويل فما قولكم في ذلك؟
الجواب: الثابت من هدي النبي ﷺ أنه قنت أحياناً في النوازل التي كانت على عهده ﷺ وهذا ثابت في أحاديث منها: حديث أبي هريرة -
стр. 1739
رضي الله عنه - قال: (كان النبي ﷺ يدعو في القنوت اللهم أنج سلمة بن هشام اللهم أنج الوليد بن الوليد اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم سنين كسني يوسف) رواه البخاري.
وفي رواية أخرى عند البخاري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع فربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها سنين كسني يوسف يجهر بذلك وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر اللهم العن فلاناً وفلاناً لأحياء من العرب حتى أنزل الله (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) سورة آل عمران الآية ١٢٨.
وفي رواية عند مسلم عن أبي سلمة أن أبا هريرة ﵁ حدثهم (أن النبي ﷺ قنت بعد الركعة في صلاة شهراً إذا قال سمع الله لمن حمده يقول في قنوته اللهم أنج الوليد بن الوليد اللهم نج سلمة بن هشام اللهم نج عياش بن أبي ربيعة اللهم نج المستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف) قال أبو هريرة ثم رأيت رسول الله ﷺ ترك الدعاء بعد فقلت أرى رسول الله ﷺ قد ترك الدعاء لهم قال فقيل وما تراهم قد قدموا.
وفي رواية أخرى عند مسلم عن أبي سلمة أن أبا هريرة ﵁ أخبره أن رسول الله ﷺ بينما هو يصلي العشاء إذ قال سمع الله لمن حمده ثم قال قبل أن يسجد اللهم نج عياش بن أبي ربيعة ثم ذكر بمثل حديث الأوزاعي إلى قوله كسني يوسف ولم يذكر ما بعده.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (كان القنوت في المغرب والفجر) رواه البخاري.
وروى البخاري بسنده عن عاصم قال: (سألت أنس بن مالك عن
стр. 1740
القنوت فقال: قد كان القنوت قلت: قبل الركوع أو بعده قال: قبله قال: فإن فلاناً أخبرني عنك أنك قلت بعد الركوع فقال: كذب إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهراً أراه كان بعث قوماً يقال لهم القراء زهاء سبعين رجلاً إلى قوم من المشركين دون أولئك وكان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد فقنت رسول الله ﷺ شهراً يدعو عليهم).
وعن أنس ﵁: (أن النبي ﷺ قنت شهراً يدعو على أحياء من العرب ثم تركه) رواه مسلم.
وفي لفظ للبخاري: (قنت شهراً حين قتل القراء فما رأيته حزن حزناً قط أشد منه).
وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: قنت رسول الله ﷺ شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة إذا قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة، يدعو عليهم، يدعو على حي من بني سُليم، على رعل وذكوان وعصية، ويُؤَمِن من خلفه). رواه أحمد وأبو داود وإسناده حسن أو صحيح كما قال النووي في الخلاصة ١/ ٤٦١.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (لَأُقَرِّبَنَّ بكم صلاة رسول الله ﷺ ، فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة في صلاة الظهر والعشاء الأخيرة وصلاة الصبح بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار). وفي رواية لأحمد: صلاة العصر، مكان: صلاة العشاء الآخرة) رواه البخاري ومسلم.
والذي يؤخذ من هذه الأحاديث وغيرها مشروعية القنوت عند النوازل والمصائب والبلايا العامة في الصلوات الخمس ويقنت الإمام جهراً في جميع الصلوات بعد الركوع ويجوز قبله فإذا ارتفعت النازلة ترك القنوت.
قال العلامة ابن القيم: [والإنصاف الذي يرتضيه العالم المنصف أنه ﷺ جهر وأسر وقنت وترك وكان إسراره أكثر من جهره وتركه القنوت أكثر من فعله فإنه إنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم وللدعاء على آخرين ثم تركه لما قدم من دعا لهم وتخلصوا من الأسر وأسلم من دعا عليهم وجاءوا
стр. 1741
تائبين فكان قنوته لعارض فلما زال ترك القنوت ولم يختص بالفجر بل كان يقنت في صلاة الفجر والمغرب ذكره البخاري في صحيحه عن أنس وقد ذكره مسلم عن البراء وذكر الإمام أحمد عن ابن عباس قال: قنت رسول الله ﷺ شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة إذا قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة يدعو على حي من بني سليم على رعل وذكوان وعصية ويؤمن من خلفه ورواه أبو داود. وكان هديه ﷺ القنوت في النوازل خاصة وتركه عند عدمها ولم يكن يخصه بالفجر بل كان أكثر قنوته فيها لأجل ما شرع فيها من التطويل ولاتصالها بصلاة الليل وقربها من السحر وساعة الإجابة وللتنزل الإلهي ولأنها الصلاة المشهودة التي يشهدها الله وملائكته أو ملائكة الليل والنهار كما روي هذا وهذا في تفسير قوله تعالى: (إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) سورة الإسراء الآية ٧٨] زاد المعاد ١/ ٢٧٢ - ٢٧٣.
وقال العلامة ابن القيم أيضاً: [ولا ريب أن رسول الله ﷺ فعل ذلك - أي القنوت - ثم تركه فأحب أبو هريرة أن يعلمهم أن مثل هذا القنوت سنة وأن رسول الله ﷺ فعله وهذا ردٌّ على أهل الكوفة الذين يكرهون القنوت في الفجر مطلقاً عند النوازل وغيرها ويقولون: هو منسوخ وفعله بدعة فأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء وبين من استحبه عند النوازل وغيرها وهم أسعد بالحديث من الطائفتين فإنهم يقنتون حيث قنت رسول الله ﷺ ويتركونه حيث تركه فيقتدون به في فعله وتركه ويقولون: فعله سنة وتركه سنة ومع هذا فلا ينكرون على من داوم عليه ولا يكرهون فعله ولا يرونه بدعة ولا فاعله مخالفاً للسنة كما لا ينكرون على من أنكره عند النوازل ولا يرون تركه بدعة ولا تاركه مخالفاً للسنة بل من قنت فقد أحسن ومن تركه فقد أحسن، وركن الاعتدال محل الدعاء والثناء وقد جمعهما النبي ﷺ فيه ودعاء القنوت دعاء وثناء فهو أولى بهذا المحل وإذا جهر به الإمام أحياناً ليعلم المأمومين فلا بأس بذلك فقد جهر عمر ﵁ بالاستفتاح ليعلم المأمومين وجهر ابن عباس ﵁ بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ليعلمهم أنها سنة ومن هذا أيضاً جهر الإمام بالتأمين وهذا من
стр. 1742
الاختلاف المباح الذي لا يعنف فيه من فعله ولا من تركه وهذا كرفع اليدين في الصلاة وتركه وكالخلاف في أنواع التشهدات وأنواع الأذان والإقامة وأنواع النسك من الإفراد والقران والتمتع وليس مقصودنا إلا ذكر هديه ﷺ الذي كان يفعله هو فإنه قبلة القصد وإليه التوجه في هذا الكتاب وعليه مدار التفتيش والطلب هذا شيء والجائز الذي لا ينكر فعله وتركه شيء فنحن لم نتعرض في هذا الكتاب لما يجوز ولما لا يجوز وإنما مقصودنا فيه هدي النبي ﷺ الذي كان يختاره لنفسه فإنه أكمل الهدي وأفضله فإذا
قلنا: لم يكن من هديه المداومة على القنوت في الفجر ولا الجهر بالبسملة لم يدل ذلك على كراهية غيره ولا أنه بدعة ولكن هديه ﷺ أكمل الهدي وأفضله والله المستعان] زاد المعاد ١/ ٢٧٤ - ٢٧٥.
وقال الشوكاني بعد كلام طويل عن القنوت: [إذا تقرر لك هذا علمت أن الحق ما ذهب إليه من قال إن القنوت مختص بالنوازل وأنه ينبغي عند نزول النازلة أن لا تخص به صلاة دون صلاة وقد ورد ما يدل على هذا الاختصاص من حديث أنس عند ابن خزيمة في صحيحه وقد تقدم ومن حديث أبي هريرة عند ابن حبان بلفظ (كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد أو يدعو على أحد وأصله في البخاري كما سيأتي] نيل الأوطار ٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧. وبهذا يظهر لنا أن القنوت في النوازل مشروع، وأما قول السائل إن إمام المسجد قد دعا بدعاء طويل فأقول إن الأولى في لفظ دعاء القنوت أن يدعو بما ورد عن النبي ﷺ فإن دعا بغير ذلك جاز. قال الإمام النووي: [وأما لفظه - أي القنوت - فالاختيار أن يقول فيه: ما روينا في الحديث الصحيح في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي وغيرها بالإسناد الصحيح عن الحسن بن علي ﵄ قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر:
(اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت فإنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت) قال الترمذي: هذا حديث حسن قال: ولا نعرف عن النبي ﷺ في القنوت شيئاً أحسن من هذا. ويستحب أن يقول عقيب هذا الدعاء: " اللهم صل على محمد وعلى آل
стр. 1743
محمد وسلم ". فقد جاء في رواية النسائي في هذا الحديث بإسناد حسن: " وصلى الله على النبي ". قال أصحابنا: وإن قنت بما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ كان حسناً وهو أنه قنت في الصبح بعد الركوع فقال: [اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ولا نكفرك ونؤمن بك ونخلع من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار ملحق اللهم عذب الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويقاتلون أوليائك اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وأصلح ذات بينهم وألف بين قلوبهم واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة وثبتهم على ملة رسولك ﷺ وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه وانصرهم على عدوك وعدوهم إله الحق واجعلنا منهم]. واعلم أن المنقول عن عمر ﵁[عذب كفرة أهل الكتاب] لأن قتالهم ذلك الزمان كان مع كفرة أهل الكتاب وأما اليوم فالاختيار أن يقول [عذب الكفرة] فإنه أعم. وقوله: نخلع أي نترك وقوله يفجرك أي يلحد في صفاتك وقوله: نحفد بكسر الفاء أي: نسارع وقوله الجد بكسر الجيم: أي الحق وقوله: ملحق بكسر الحاء على المشهور ويقال بفتحها ذكره ابن قتيبة وغيره وقوله: ذات بينهم أي: أمورهم ومواصلاتهم وقوله: والحكمة هي: كل مانع من القبيح وقوله: وأوزعهم: أي ألهمهم وقوله: اجعلنا منهم أي: ممن هذه صفته قال أصحابنا يستحب الجمع بين قنوت عمر ﵁ وما سبق فإن جمع بينهما فالأصح تأخير قنوت عمر وإن اقتصر فليقتصر على الأول وإنما يستحب الجمع بينهما إذا كان منفرداً أو إمام محصورين يرضون بالتطويل واعلم أن القنوت لا يتعين فيه دعاء على المذهب المختار فأي دعاء دعا به حصل القنوت ولو قنت بآية أو آيات من القرآن العزيز وهي مشتملة على الدعاء حصل القنوت ولكن الأفضل ما جاءت به السنة.] الأذكار ٤٨ - ٥٠.
ولا ينبغي للإمام أن يطيل القنوت نص على ذلك الإمام النووي في المجموع ٣/ ٤٩٩.
стр. 1744
لا يجوز لمن يصلي في بيته أن يجمع بين الصلاتين بسبب المطر
يقول السائل: هل يجوز لمن يصلي في بيته أن يجمع بين الصلاتين بسبب المطر؟
الجواب: كثر تساهل الناس في أيامنا هذه في الجمع بين الصلوات للمطر ومن أمثلة هذا التساهل: الجمع بين الصلاتين مع عدم وجود المطر. والجمع بين الصلاتين مع وجود مطر خفيف أو رذاذ. والجمع بين الصلاتين مع وجود ريح خفيفة. والجمع بين الصلاتين للمنفرد في بيته.
ويجب أن يعلم أن كل من يجمع بين الصلاتين بدون عذر شرعي فجمعه باطل أي أن صلاته الثانية باطلة لأنها وقعت في غير وقتها المقدر لها شرعاً فدخول الوقت شرط من شروط صحة الصلاة والأصل في الصلوات الخمس أن تصلى كل منها في وقتها الشرعي قال الله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) سورة النساء الآية ١٠٣. قال الشوكاني في تفسير الآية: [أي محدوداً معيناً يقال وقَّته فهو موقوت ووقَّته فهو مؤقت والمعنى إن الله افترض على عباده الصلوات وكتبها عليهم في أوقاتها المحدودة لا يجوز لأحد أن يأتي بها في غير ذلك الوقت إلا لعذر شرعي من نوم أو سهو أو نحوهما] تفسير فتح القدير ١/ ٥١٠.
وكذلك فإن من جمع بين الصلاتين بدون عذر شرعي فقد ارتكب حراماً بل كبيرة من كبائر الذنوب كما نص على ذلك ابن حجر المكي في كتابه الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/ ٢٨٨ - ٢٨٩.
وقد روي في الحديث عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر) رواه الترمذي والحاكم وهو حديث ضعيف ضعفه الحافظ ابن حجر وغيره. وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة حديث رقم ٤٥٨١.
وقال محمد بن الحسن الشيباني: [وبلغنا عن عمر بن الخطاب -
стр. 1745
رضي الله عنه - أنه كتب في الآفاق ينهاهم أن يجمعوا بين الصلاتين ويخبرهم أن الجمع بين الصلاتين في وقت واحد كبيرة من الكبائر أخبرنا بذلك الثقات عن العلاء بن الحارث عن مكحول] الموطأ برواية محمد بن الحسن ص٨٢.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال: (الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر) وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي قتادة العدوي قال (قُرىء علينا كتاب عمر من الكبائر جمع بين الصلاتين) يعني بغير عذر والفرار من الزحف والنميمة). الدر المنثور ٢/ ٥٠٢.
وقال الإمام البيهقي: [" باب ذكر الأثر في أن الجمع من غير عذر من الكبائر مع ما دلت عليه أخبار المواقيت ثم روى بسنده عن عمر ﵁ قال: (جمعُ الصلاتين من غير عذر من الكبائر) قال الشافعي في سنن حرملة العذر يكون بالسفر والمطر وليس هذا بثابت عن عمر هو مرسل. قال الشيخ هو كما قال الشافعي والإسناد المشهور لهذا الأثر ما ذكرنا وهو مرسل. أبو العالية لم يسمع من عمر ﵁ وقد روى ذلك بإسناد آخر قد أشار الشافعي إلى متنه في بعض كتبه. (أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عامل له ثلاث من الكبائر الجمع بين الصلاتين إلا في عذر والفرار من الزحف والنهبى) أبو قتادة العدوي أدرك عمر ﵁ فإن كان شهده كتب فهو موصول وإلا فهو إذا انضم إلى الأول صار قوياً وقد روي فيه حديث موصول عن النبي ﷺ في إسناده من لا يحتج به. عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (جمعٌ بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر). لفظ حديث نعيم وفي رواية يعقوب (من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر) تفرد به حسين بن قيس أبو علي الرحبي المعروف بحنش وهو ضعيف عند أهل النقل لا يحتج بخبره] سنن البيهقي ٣/ ١٦٩.
وعلَّق التركماني على كلام البيهقي بقوله: [ذكر فيه الأثر عن أبي العالية عن عمر ثم قال: (مرسل، أبو العالية لم يسمع من عمر) قلت: أبو العالية أسلم بعد موت النبي ﷺ بسنتين ودخل على أبي بكر وصلى خلف
стр. 1746
عمر وقد قدمنا غير مرة أن مسلماً حكى الإجماع على أنه يكفي لاتصال الإسناد ثبوت كون الشخصين في عصر واحد وكذا الكلام في رواية أبي قتادة العدوي عن عمر فإنه أدركه كما ذكره البيهقي بعد فلا يحتاج في اتصاله إلى أن يشهده] الجوهر النقي بهامش سنن البيهقي ٣/ ١٦٩.
وذكر ابن كثير الأثر عن أبي قتادة العدوى قال: قرئ علينا كتاب عمر من الكبائر جمع بين الصلاتين يعني بغير عذر والفرار من الزحف والنهبة. وهذا إسناد صحيح والغرض أنه إذا كان الوعيد فيمن جمع بين الصلاتين كالظهر والعصر تقديماً أو تأخيراً وكذا المغرب والعشاء كالجمع بسبب شرعي فمن تعاطاه بغير شيء من تلك الأسباب يكون مرتكباً كبيرة فما ظنك بترك الصلاة بالكلية) تفسير ابن كثير١/ ٤٨٥.
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عمن ترك صلاة واحدةً عمداً بنية أنه يفعلها بعد خروج وقتها قضاءً فهل يكون فعله كبيرة من الكبائر فأجاب الحمد لله نعم تأخير الصلاة عن غير وقتها الذي يجب فعلها فيه عمداً من الكبائر بل قد قال عمر بن الخطاب ﵁ الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر وقد رواه الترمذى مرفوعاً عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال (من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر). ورفع هذا إلى النبي ﷺ وإن كان فيه نظر فإن الترمذي قال العمل على هذا عند أهل العلم والأثر معروف وأهل العلم ذكروا ذلك مقرين له لا منكرين له] مجموع الفتاوى ٢٢/ ٥٣ - ٥٤.
إذا تقرر هذا فإنه لا يجوز الجمع للمنفرد في بيته ولا يجوز الجمع لمن يصلون جماعة في بيوتهم على الصحيح من أقوال أهل العلم فإن الجمع للمطر يصح فقط في المساجد ونحوها من المصليات وهذا قول المالكية والقول المعتمد عند الشافعية وأحد القولين في مذهب أحمد. قال الإمام الشافعي: [ولا يجمع إلا من خرج من بيته إلى المسجد يجمع فيه، قَرُبَ المسجد أو كثر أهله أو قلَّوا أو بعدوا ولا يجمع أحد في بيته لأن النبي ﷺ جمع في المسجد والمصلي في بيته مخالف المصلي في المسجد] الأم ١/ ٩٥. وقال الإمام النووي بعد أن تكلم على أحكام الجمع بين
стр. 1747
الصلاتين للمطر: [ثم هذه الرخصة لمن يصلي جماعة في مسجد يأتيه من بُعدٍ ويتأذى بالمطر في إتيانه. فأما من يصلي في بيته منفرداً أو في جماعة أو مشى إلى المسجد في كنٍ أو كان المسجد في باب داره أو صلى النساء في بيوتهن جماعة أو حضر جميع الرجال في المسجد وصلوا أفراداً فلا يجوز الجمع على الأصح. وقيل: على الأظهر] روضة الطالبين ١/ ٥٠١ - ٥٠٢. وقال الإمام النووي أيضاً: [قال أصحابنا والجمع بعذر المطر وما في معناه من الثلج وغيره يجوز لمن يصلي جماعة في مسجد يقصده من بعد ويتأذى بالمطر في طريقه] المجموع ٤/ ٣٨١.
وقل الماوردي: [فأما إذا أراد الجمع بينهما في منزله أو في المسجد وكان بينهما ساباط يرفع عنه أذى المطر ففي جواز ذلك قولان: أحدهما: وهو قوله في الإملاء: يجوز له الجمع في جماعة وفرادى لراوية ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ جمع بين الصلاتين في المطر وقد كان منزله في المسجد.
والقول الثاني: نص عليه في كتاب الأم: لا يجوز له الجمع لا في جماعة ولا منفرداً لأن الجمع بينهما يجوز لأجل المشقة وما يلحقه من أذى المطر وإذا عدم هذا المعنى امتنع جواز الجمع وما روي من جمع رسول الله ﷺ -فلعله كان وهو في غير منزل عائشة ﵂ لأنه قد كان يطوف على نسائه ولم يكن منزل جميع نسائه في المسجد وإنما كان منزل عائشة ﵂ وحدها فيه] الحاوي ٢/ ٣٩٨ - ٣٩٩.
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي معللاً القول بمنع المنفرد من الجمع للمطر: [لأن الجمع لأجل المشقة فيختص بمن تلحقه المشقة دون من لا تلحقه كالرخصة في التخلف عن الجمعة والجماعة يختص بمن تلحقه المشقة دون من لا تلحقه] المغني ٢/ ٢٠٤.
وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية السؤال التالي: [ما حكم الجمع في البيت أيام المطر أو أيام البرد إذا كنا جماعة؟ والذي نعرفه أن الجمع في المسجد وليس في البيت. أفيدونا.
стр. 1748
الجواب: المشروع أن يجمع أهل المسجد إذ وجد مسوغ للجمع كالمطر كسباً لثواب الجماعة ورفقاً بالناس وبهذا جاءت الأحاديث الصحيحة. أما جمع جماعة في بيت واحد من أجل العذر المذكور فلا يجوز لعدم وروده في الشرع المطهر وعدم وجود العذر المسبب للجمع] فتاوى اللجنة الدائمة ٨/ ١٣٤ - ١٣٥.
وأجاب مركز الفتوى في الشبكة الإسلامية في قطر عن السؤال التالي: [هل يجوز للمصلي أن يجمع بين صلاتي الظهر والعصر أو المغرب والعشاء بسبب البرد والمطر في بيته أو في عمله؟
الجواب: فلا يجوز الجمع بين الصلاتين للمنفرد لعذر المطر، لأن الشرع أباح الجمع بين الصلاتين عند المطر رفعاً لمشقة الحضور إلى المسجد في الجو الممطر، ومحافظة على صلاة الجماعة، وهذا السبب المبيح غير متحقق في حق الفرد، لأنه لا جماعة يحافظ عليها، ولا مشقة عليه ما دام سيصلي في بيته، حيث فاتته صلاة الجماعة) عن شبكة الإنترنت.
وخلاصة الأمر أن الجمع للمطر مشروع في الجماعات في المساجد، ولا يجوز لمن صلى في بيته جماعة أو منفرداً أن يجمع.
حكم الجمع بين صلاة الجمعة والعصر بسبب المطر
يقول السائل: ما حكم الجمع للمطر بين صلاة الجمعة والعصر؟
الجواب: لا يصح الجمع بين صلاتي الجمعة والعصر بسبب المطر وهذا مذهب جماهير أهل العلم حيث إن الجمع بين الجمعة والعصر متفرع على مسألة الجمع بين الظهر والعصر للمطر وجماهير أهل العلم منعوا جواز الجمع بين الظهر والعصر للمطر وقصروا جواز الجمع بسبب المطر على المغرب والعشاء ولم يثبت أن النبي ﷺ جمع بين الجمعة والعصر.
стр. 1749
قال الشيخ محمد العثيمين عند كلامه على شروط الجمع: [وفيه شرط آخر: أن لا تكون صلاة الجمعة فإنه لا يصح أن يجمع إليها العصر وذلك لأن الجمعة صلاة منفردة مستقلة في شروطها وهيئتها وأركانها وثوابها أيضاً والسنة إنما وردت في الجمع بين الظهر والعصر ولم يرد عن النبي ﷺ أنه جمع العصر إلى الجمعة أبداً فلا يصح أن تقاس الجمعة على الظهر لما سبق من المخالفة بين الصلاتين] الشرح الممتع ٤/ ٥٧٢ - ٥٧٣.
وخلاصة الأمر أنه لا يصح الجمع بين الجمعة والعصر على الراجح من قولي العلماء في المسألة.
لا يجوز تخصيص ليلة الجمعة بصلاة قيام الليل
يقول السائل: نحن مجموعة من المصلين نقوم بدعوة بعضنا بعضاً لقيام الليل بشكل جماعي ونختار دائماً ليلة الجمعة ليس كتخصيص لهذه الليلة وإنما لأننا نكون في فراغ ليلة الجمعة ويمكن الاستراحة بعد ذلك ونوضح دائماً للحضور بأن الرسول ﷺ قد نهى عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام ونبين السبب في اختيار هذه الليلة فهل في هذا حرج؟
الجواب: إن الأصل في باب العبادات هو التوقيف والتلقي عن الرسول ﷺ كما قرر ذلك أهل العلم.
وبناء على الأصل السابق قرر العلماء أنه لا يجوز تخصيص زمان معين بعبادة معينة بدون دليل شرعي فقد صح في الحديث عن النبي ﷺ قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم.
قال الشيخ أبو شامة المقدسي: [ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات لم يخصصها بها الشرع بل يكون جميع أفعال البر مرسلة في جميع الأزمان ليس لبعضها على بعض فضل إلا ما فضله الشرع وخصه بنوعٍ من العبادة فإن كان ذلك اختص بتلك الفضيلة تلك العبادة دون غيرها كصوم يوم عرفة
стр. 1750
وعاشوراء والصلاة في جوف الليل والعمرة في رمضان ومن الأزمان ما جعله الشرع مفضلاً فيه جميع أعمال البر كعشر ذي الحجة وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر أي العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر فمثل ذلك يكون أي عمل من أعمال البر حصل فيها كان له الفضل على نظيره في زمن آخر. فالحاصل أن المكلف ليس له منصب التخصيص بل ذلك إلى الشارع وهذه كانت صفة عبادة رسول الله ﷺ ] الباعث على إنكار البدع والحوادث ص٧٧.
وقال الشيخ علي محفوظ عند ذكره لأمثلة البدعة الإضافية: [تخصيص يوم لم يخصه الشارع بصوم أو ليلة لم يخصها الشارع بقيام فالصوم في ذاته مشروع وقيام الليل كذلك وتخصيصهما بيوم أو بليلة بدعة] الإبداع في مضار الابتداع ص٥٩.
إذا تقرر هذا فقد ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تخصوا ليلة الجمعة بقيامٍ من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم ٍ يصومه أحدكم).
قال الأمير الصنعاني: [الحديث دليل على تحريم تخصيص ليلة الجمعة بالعبادة بصلاة وتلاوة غير معتادة إلا ما ورد به النص على ذلك كقراءة سورة الكهف فإنه ورد تخصيص ليلة الجمعة بقراءتها وسور أخرى وردت بها أحاديث فيها مقال وقد دل هذا بعمومه على عدم مشروعية صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من رجب ولو ثبت حديثها لكان مخصصاً لها من عموم النهي لكن حديثها تكلم العلماء عليه وحكموا بأنه موضوع] سبل السلام ٢/ ٦٦٣.
وروى ابن سعد في الطبقات بسنده عن محمد بن سيرين قال دخل سلمان على أبي الدرداء في يوم جمعة فقيل له: هو نائم فقال: ما له؟ قالوا: إنه إذا كان ليلة جمعة أحياها ويصوم يوم الجمعة قال: فأمرهم فصنعوا طعاماً في يوم جمعة ثم أتاهم فقال: كل فقال: إني صائم فلم يزل
стр. 1751
به حتى أكل ثم أتيا النبي ﷺ -فذكر له ذلك فقال النبي ﷺ وهو يضرب بيده على فخذ أبي الدرداء: (عويمر! سلمان أعلم منك ثلاث مرات لا تخصن ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصن يوم الجمعة بصيام من بين الأيام] قال الشيخ الألباني بعد أن ذكره وهذا إسناد مرسل صحيح: سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢/ ٧١٢.
وبناء على ما سبق فإن ما ورد في السؤال من اختيار ليلة الجمعة لقيام الليل بشكل جماعي بدعة وفيه مخالفة واضحة لنهي النبي ﷺ عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة خاصة وهو قوله ﷺ : (لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي) والأصل في النهي أنه يفيد التحريم وما ذكر من تعليل في السؤال أنهم يستريحون بعد ليلة الجمعة فليس مقبولاً ولا يعد مسوغاً لذلك.
وخلاصة الأمر أن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة قيام الليل بشكل جماعي والتداعي لذلك بدعة مخالفة لسنة النبي ﷺ .
الصلاةُ خيرُ موضوع
يقول السائل: ما معنى قول النبي ﷺ : (الصلاةُ خيرُ موضوع)؟
الجواب: هذا الحديث ورد عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الصلاة خيرُ موضوع فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر) رواه الطبراني في الأوسط وذكره المنذري في الترغيب والترهيب وذكر الهيثمي أنه ضعيف. مجمع الزوائد ٢/ ٢٤٩.
وورد الحديث بسياق أطول عن أبي ذر- ﵁: (قال أتيت رسول الله ﷺ وهو في المسجد فجلست فقال: يا أبا ذر هل صليت؟ قلت: لا، قال: قم فصل، قال: فقمت فصليت ثم جلست، فقال يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن، قال: قلت يا رسول الله وللإنس شياطين. قال: نعم قلت يا رسول الله الصلاة؟ قال: خيرُ
стр. 1752
موضوع من شاء أقلَّ ومن شاء أكثر. قال: قلت يا رسول الله فما الصوم؟ قال فرض مجزئ وعند الله مزيد، قلت: يا رسول الله فالصدقة قال أضعاف مضاعفة. قلت: يا رسول الله فأيها أفضل؟ قال: جهدُ مقل أو سرٌ إلى فقير. قلت: يا رسول الله أي الأنبياء كان أول؟ قال: آدم. قلت: يا رسول الله ونبي كان؟ قال: نعم نبي مكلم. قال: قلت يا رسول الله كم المرسلون؟ قال ثلاث مائة وبضعة عشر جماً غفيراً. وقال: مرة خمسة عشر، قال: قلت يا رسول الله آدم أنبي كان؟ قال نعم نبي مكلم قلت يا رسول الله أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: آية الكرسي الله لا إله إلا هو الحي القيوم) رواه أحمد في المسند.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [(حديث الصلاة خير موضوع فمن شاء استقل ومن شاء استكثر) وهو خبر مشهور أحمد والبزار من حديث عبيد بن الحسحاس عن أبي ذر، ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر في حديث طويل جداً، وأورده الطبراني في الأوسط، ورواه في الطوالات أيضا من طريق أخرى عن ابن عائذ عن أبي ذر ومن طريق يحيى بن سعيد السعيدي عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن أبي ذر وأعله ابن حبان في الضعفاء بيحيى بن سعيد وخالف الحاكم فأخرجه في المستدرك من حديثه وله شاهد من حديث أبي أمامة رواه أحمد بسند ضعيف) التلخيص الحبير ٢/ ٢١.
وحكم الشيخ الألباني على الحديث بأنه حسن لغيره وقال: [له شواهد يتقوى بها فأخرجه الطيالسي وأحمد والحاكم من طريقين عن أبي ذر وأحمد وغيره من حديث أبي أمامة فالحديث حسن إن شاء الله تعالى] صحيح الترغيب والترهيب ١/ ٢٨٠. وحسنه الألباني أيضاً في صحيح الجامع الصغير ٢/ ٧١٩.
وقال الحافظ المناوي في شرح الحديث ما نصه: [(الصلاةُ خيرُ موضوع) بإضافة خير إلى موضوع أي أفضل ما وضعه الله أي شرعه من العبادات (فمن استطاع أن يستكثر) منها (فليستكثر) لأن بها تبدو قوة الإيمان في شهود ملازمة خدمة الأركان ومن كان أقواهم إيماناً كان أكثرهم
стр. 1753
وأطولهم صلاةً وقنوتاً وإيقاناً وقد جعلها الله فروضاً وسنناً. كان عامر بن عبد الله بن قيس التابعي جعل عليه كل يوم ألف ركعة فلا ينصرف منها إلا وقد انتفخت قدماه وساقاه ثم يقول لنفسه: يا نفس إنما أريد إكرامك غداً عند الله والله لأعملن بك عملاً حتى لا يأخذ الفراش منك نصيباً وقال بعضهم: مكث عندنا رجل ثلاثة عشر سنة يصلي كل يوم ألف ركعة حتى أقعد فكان إذا صلى العصر احتبى واستقبل القبلة ثم قال: عجبت للخليقة كيف أرادت بك بدلاً عجبت للخليقة كيف شاءت سواك ثم يسكت إلى الغروب وقال الداراني: لو خيرت بين ركعتين وبين دخول الفردوس لاخترت الركعتين لأني في الفردوس بحظي وفي الركعتين بحق ربي] فيض القدير ٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥.
وينبغي التنبيه إلى أن الحديث يقرأ هكذا: الصلاةُ خيرُ موضوع، أي بضم الصلاة وضم خير، ومن الخطأ أن تقول الصلاة خيرٌ موضوعٌ بتنوين الضم فيهما.
وخلاصة الأمر أن الحديث يدل على الفضل العظيم للصلاة وهو حديث حسن.
صلاة الحفظ صلاة مبتدعة غير مشروعة
يقول السائل: قرأت في نشرة وزعت في بعض المساجد بعنوان الدعاء لحفظ القرآن وفيها حديث طويل يتضمن صلاة أربع ركعات لتقوية الحفظ فهل هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ ؟
الجواب: روى الترمذي بإسناده عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاءه علي بن أبي طالب ﵁ قال: بأبي أنت تفلَّت هذا القرآن من صدري فما أجدني أقدر عليه فقال له رسول الله ﷺ يا أبا الحسن أفلا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن وينفع بهن من علمته ويثبت ما تعلمت في صدرك؟ قال: أجل يا رسول الله فعلمني.
стр. 1754
قال إذا كان ليلة الجمعة، فإن استطعت أن تقوم في ثلث الليل الآخر فإنها ساعة مشهودة والدعاء فيها مستجاب فقد قال أخي يعقوب لبنيه: سوف أستغفر لكم ربي. يقول حتى تأتي ليلة الجمعة فإن لم تستطع فقم في وسطها فإن لم تستطع فقم في أولها فصل أربع ركعات: تقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة يس وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب وحم الدخان وفي الركعة الثالثة بفاتحة الكتاب وألم تنزيل (السجدة) وفي الركعة الرابعة بفاتحة الكتاب وتبارك المفصل فإذا فرغت من التشهد فاحمد الله وأحسن الثناء على الله وصل عليَّ وأحسن وعلى سائر النبيين واستغفر للمؤمنين والمؤمنات ولإخوانك الذين سبقوك بالإيمان ثم قل في آخر ذلك: اللهم ارحمني بترك المعاصي أبداً ما أبقيتني وارحمني أن أتكلف ما لا يعنيني وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني اللهم بديع السموات والأرض ذا الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام أسألك يا الله يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تلزم قلبي حفظ كتابك كما علمتني وارزقني أن أتلوه على النحو الذي يرضيك عني اللهم بديع السموات والأرض ذا الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام أسألك يا الله يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تنور بكتابك بصري وأن تطلق به لساني وتشرح به صدري وأن تستعمل به بدني فإنه لا يعينني على الحق غيرك ولا يؤتينيه إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
يا أبا الحسن تفعل ذلك ثلاث جمع أو خمساً أو سبعاً تجاب بإذن الله والذي بعثني بالحق ما أخطأ مؤمناً قط. قال ابن عباس ﵄: فوالله ما لبث علي إلا خمساً أو سبعاً حتى جاء رسول الله ﷺ في ذلك المجلس فقال: يا رسول الله إني كنت فيما خلا لا آخذ إلا أربع آيات ونحوهن فإذا قرأتهن على نفسي تفلتن وأنا أتعلم اليوم أربعين آية ونحوها فإذا قرأتهن على نفسي فكأنما كتاب الله بين عيني ولقد كنت أسمع الحديث فإذا رددته تفلت وأنا اليوم أسمع الأحاديث فإذا تحدثت بها لم أخرم منها حرفاً فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: مؤمن ورب الكعبة يا أبا الحسن). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم. سنن الترمذي مع شرحه التحفة ١٠/ ١٤ - ١٦.
стр. 1755
وقد اختلف أهل الحديث في الحكم على هذا الحديث فحسنه الترمذي كما سبق إلا أن الشيخ الألباني ذكر أن الحافظ ابن عساكر قد نقل حكم الترمذي على الحديث دون لفظة حسن وكذلك الحافظ الضياء المقدسي ثم قال الألباني: [وهو الأقرب إلى الصواب واللائق بهذا الإسناد فإن الوليد بن مسلم يدلس تدليس التسوية كما سيأتي فهو علة الحديث وإن خفيت على كثير كالحاكم وغيره فإنه قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وتعقبه الذهبي بقوله: هذا حديث شاذ أخاف أن لا يكون كذا ولعل الصواب أن يكون موضوعاً وقد حيرني والله جودة سنده] السلسة الضعيفة ٧/ ٣٨٤ - ٣٨٥.
وقال المنذري عن هذا الحديث [طرق أسانيد هذا الحديث جيدة ومتنه غريب جداً]. وقد عدَّه ابن الجوزي في الموضوعات وذكره الشوكاني في كتابه في الأحاديث الموضوعة ص٤٢.
وذكر الذهبي الحديثَ في سير أعلام النبلاء في ترجمة الوليد بن مسلم وساقه بطوله ثم قال: [هذا عندي موضوع والسلام] سير أعلام النبلاء ٩/ ٢١٨.
وقال الذهبي أيضاً معلقاً على تصحيح الحاكم للحديث: [هذا حديث منكر شاذ وقد حيرني والله جودة إسناده] وقال الذهبي أيضاً في الميزان بأنه حديث منكر جداً. انظر المصدر السابق الحاشية.
وقد حكم الشيخ الألباني على الحديث بأنه منكر وتكلم عليه كلاماً طويلاً ثم قال:
[وجملة القول أن هذا الحديث موضوع كما قال الذهبي في الميزان وقال أيضاً وهو من أنكر ما أتى به الوليد بن مسلم، وابن الجوزي ما أبعد عن الصواب حين أورده في الموضوعات ومن تعقبه فلم يأت بشيء يستحق النظر فيه] السلسلة الضعيفة ٧/ ٣٨٧ - ٣٨٨.
إذا تقرر هذا فإن الصحيح من أقوال العلماء أنه لا يجوز إثبات صلاة بناء على هذا الخبر الموضوع أو الضعيف جداً وخاصة أنه يثبت صلاة غريبة
следующие страницы →