← Фатава

Фатава · id 9087

فتاوى يسألونك

حسام الدين عفانة

Полный текст (3 492 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

به حتى أكل ثم أتيا النبي ﷺ -فذكر له ذلك فقال النبي ﷺ وهو يضرب بيده على فخذ أبي الدرداء: (عويمر! سلمان أعلم منك ثلاث مرات لا تخصن ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصن يوم الجمعة بصيام من بين الأيام] قال الشيخ الألباني بعد أن ذكره وهذا إسناد مرسل صحيح: سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢/ ٧١٢. وبناء على ما سبق فإن ما ورد في السؤال من اختيار ليلة الجمعة لقيام الليل بشكل جماعي بدعة وفيه مخالفة واضحة لنهي النبي ﷺ عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة خاصة وهو قوله ﷺ : (لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي) والأصل في النهي أنه يفيد التحريم وما ذكر من تعليل في السؤال أنهم يستريحون بعد ليلة الجمعة فليس مقبولاً ولا يعد مسوغاً لذلك. وخلاصة الأمر أن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة قيام الليل بشكل جماعي والتداعي لذلك بدعة مخالفة لسنة النبي ﷺ . الصلاةُ خيرُ موضوع يقول السائل: ما معنى قول النبي ﷺ : (الصلاةُ خيرُ موضوع)؟ الجواب: هذا الحديث ورد عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الصلاة خيرُ موضوع فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر) رواه الطبراني في الأوسط وذكره المنذري في الترغيب والترهيب وذكر الهيثمي أنه ضعيف. مجمع الزوائد ٢/ ٢٤٩. وورد الحديث بسياق أطول عن أبي ذر- ﵁: (قال أتيت رسول الله ﷺ وهو في المسجد فجلست فقال: يا أبا ذر هل صليت؟ قلت: لا، قال: قم فصل، قال: فقمت فصليت ثم جلست، فقال يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن، قال: قلت يا رسول الله وللإنس شياطين. قال: نعم قلت يا رسول الله الصلاة؟ قال: خيرُ

стр. 1752

موضوع من شاء أقلَّ ومن شاء أكثر. قال: قلت يا رسول الله فما الصوم؟ قال فرض مجزئ وعند الله مزيد، قلت: يا رسول الله فالصدقة قال أضعاف مضاعفة. قلت: يا رسول الله فأيها أفضل؟ قال: جهدُ مقل أو سرٌ إلى فقير. قلت: يا رسول الله أي الأنبياء كان أول؟ قال: آدم. قلت: يا رسول الله ونبي كان؟ قال: نعم نبي مكلم. قال: قلت يا رسول الله كم المرسلون؟ قال ثلاث مائة وبضعة عشر جماً غفيراً. وقال: مرة خمسة عشر، قال: قلت يا رسول الله آدم أنبي كان؟ قال نعم نبي مكلم قلت يا رسول الله أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: آية الكرسي الله لا إله إلا هو الحي القيوم) رواه أحمد في المسند. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [(حديث الصلاة خير موضوع فمن شاء استقل ومن شاء استكثر) وهو خبر مشهور أحمد والبزار من حديث عبيد بن الحسحاس عن أبي ذر، ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر في حديث طويل جداً، وأورده الطبراني في الأوسط، ورواه في الطوالات أيضا من طريق أخرى عن ابن عائذ عن أبي ذر ومن طريق يحيى بن سعيد السعيدي عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن أبي ذر وأعله ابن حبان في الضعفاء بيحيى بن سعيد وخالف الحاكم فأخرجه في المستدرك من حديثه وله شاهد من حديث أبي أمامة رواه أحمد بسند ضعيف) التلخيص الحبير ٢/ ٢١. وحكم الشيخ الألباني على الحديث بأنه حسن لغيره وقال: [له شواهد يتقوى بها فأخرجه الطيالسي وأحمد والحاكم من طريقين عن أبي ذر وأحمد وغيره من حديث أبي أمامة فالحديث حسن إن شاء الله تعالى] صحيح الترغيب والترهيب ١/ ٢٨٠. وحسنه الألباني أيضاً في صحيح الجامع الصغير ٢/ ٧١٩. وقال الحافظ المناوي في شرح الحديث ما نصه: [(الصلاةُ خيرُ موضوع) بإضافة خير إلى موضوع أي أفضل ما وضعه الله أي شرعه من العبادات (فمن استطاع أن يستكثر) منها (فليستكثر) لأن بها تبدو قوة الإيمان في شهود ملازمة خدمة الأركان ومن كان أقواهم إيماناً كان أكثرهم

стр. 1753

وأطولهم صلاةً وقنوتاً وإيقاناً وقد جعلها الله فروضاً وسنناً. كان عامر بن عبد الله بن قيس التابعي جعل عليه كل يوم ألف ركعة فلا ينصرف منها إلا وقد انتفخت قدماه وساقاه ثم يقول لنفسه: يا نفس إنما أريد إكرامك غداً عند الله والله لأعملن بك عملاً حتى لا يأخذ الفراش منك نصيباً وقال بعضهم: مكث عندنا رجل ثلاثة عشر سنة يصلي كل يوم ألف ركعة حتى أقعد فكان إذا صلى العصر احتبى واستقبل القبلة ثم قال: عجبت للخليقة كيف أرادت بك بدلاً عجبت للخليقة كيف شاءت سواك ثم يسكت إلى الغروب وقال الداراني: لو خيرت بين ركعتين وبين دخول الفردوس لاخترت الركعتين لأني في الفردوس بحظي وفي الركعتين بحق ربي] فيض القدير ٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥. وينبغي التنبيه إلى أن الحديث يقرأ هكذا: الصلاةُ خيرُ موضوع، أي بضم الصلاة وضم خير، ومن الخطأ أن تقول الصلاة خيرٌ موضوعٌ بتنوين الضم فيهما. وخلاصة الأمر أن الحديث يدل على الفضل العظيم للصلاة وهو حديث حسن. صلاة الحفظ صلاة مبتدعة غير مشروعة يقول السائل: قرأت في نشرة وزعت في بعض المساجد بعنوان الدعاء لحفظ القرآن وفيها حديث طويل يتضمن صلاة أربع ركعات لتقوية الحفظ فهل هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ ؟ الجواب: روى الترمذي بإسناده عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاءه علي بن أبي طالب ﵁ قال: بأبي أنت تفلَّت هذا القرآن من صدري فما أجدني أقدر عليه فقال له رسول الله ﷺ يا أبا الحسن أفلا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن وينفع بهن من علمته ويثبت ما تعلمت في صدرك؟ قال: أجل يا رسول الله فعلمني.

стр. 1754

قال إذا كان ليلة الجمعة، فإن استطعت أن تقوم في ثلث الليل الآخر فإنها ساعة مشهودة والدعاء فيها مستجاب فقد قال أخي يعقوب لبنيه: سوف أستغفر لكم ربي. يقول حتى تأتي ليلة الجمعة فإن لم تستطع فقم في وسطها فإن لم تستطع فقم في أولها فصل أربع ركعات: تقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة يس وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب وحم الدخان وفي الركعة الثالثة بفاتحة الكتاب وألم تنزيل (السجدة) وفي الركعة الرابعة بفاتحة الكتاب وتبارك المفصل فإذا فرغت من التشهد فاحمد الله وأحسن الثناء على الله وصل عليَّ وأحسن وعلى سائر النبيين واستغفر للمؤمنين والمؤمنات ولإخوانك الذين سبقوك بالإيمان ثم قل في آخر ذلك: اللهم ارحمني بترك المعاصي أبداً ما أبقيتني وارحمني أن أتكلف ما لا يعنيني وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني اللهم بديع السموات والأرض ذا الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام أسألك يا الله يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تلزم قلبي حفظ كتابك كما علمتني وارزقني أن أتلوه على النحو الذي يرضيك عني اللهم بديع السموات والأرض ذا الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام أسألك يا الله يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تنور بكتابك بصري وأن تطلق به لساني وتشرح به صدري وأن تستعمل به بدني فإنه لا يعينني على الحق غيرك ولا يؤتينيه إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. يا أبا الحسن تفعل ذلك ثلاث جمع أو خمساً أو سبعاً تجاب بإذن الله والذي بعثني بالحق ما أخطأ مؤمناً قط. قال ابن عباس ﵄: فوالله ما لبث علي إلا خمساً أو سبعاً حتى جاء رسول الله ﷺ في ذلك المجلس فقال: يا رسول الله إني كنت فيما خلا لا آخذ إلا أربع آيات ونحوهن فإذا قرأتهن على نفسي تفلتن وأنا أتعلم اليوم أربعين آية ونحوها فإذا قرأتهن على نفسي فكأنما كتاب الله بين عيني ولقد كنت أسمع الحديث فإذا رددته تفلت وأنا اليوم أسمع الأحاديث فإذا تحدثت بها لم أخرم منها حرفاً فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: مؤمن ورب الكعبة يا أبا الحسن). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم. سنن الترمذي مع شرحه التحفة ١٠/ ١٤ - ١٦.

стр. 1755

وقد اختلف أهل الحديث في الحكم على هذا الحديث فحسنه الترمذي كما سبق إلا أن الشيخ الألباني ذكر أن الحافظ ابن عساكر قد نقل حكم الترمذي على الحديث دون لفظة حسن وكذلك الحافظ الضياء المقدسي ثم قال الألباني: [وهو الأقرب إلى الصواب واللائق بهذا الإسناد فإن الوليد بن مسلم يدلس تدليس التسوية كما سيأتي فهو علة الحديث وإن خفيت على كثير كالحاكم وغيره فإنه قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وتعقبه الذهبي بقوله: هذا حديث شاذ أخاف أن لا يكون كذا ولعل الصواب أن يكون موضوعاً وقد حيرني والله جودة سنده] السلسة الضعيفة ٧/ ٣٨٤ - ٣٨٥. وقال المنذري عن هذا الحديث [طرق أسانيد هذا الحديث جيدة ومتنه غريب جداً]. وقد عدَّه ابن الجوزي في الموضوعات وذكره الشوكاني في كتابه في الأحاديث الموضوعة ص٤٢. وذكر الذهبي الحديثَ في سير أعلام النبلاء في ترجمة الوليد بن مسلم وساقه بطوله ثم قال: [هذا عندي موضوع والسلام] سير أعلام النبلاء ٩/ ٢١٨. وقال الذهبي أيضاً معلقاً على تصحيح الحاكم للحديث: [هذا حديث منكر شاذ وقد حيرني والله جودة إسناده] وقال الذهبي أيضاً في الميزان بأنه حديث منكر جداً. انظر المصدر السابق الحاشية. وقد حكم الشيخ الألباني على الحديث بأنه منكر وتكلم عليه كلاماً طويلاً ثم قال: [وجملة القول أن هذا الحديث موضوع كما قال الذهبي في الميزان وقال أيضاً وهو من أنكر ما أتى به الوليد بن مسلم، وابن الجوزي ما أبعد عن الصواب حين أورده في الموضوعات ومن تعقبه فلم يأت بشيء يستحق النظر فيه] السلسلة الضعيفة ٧/ ٣٨٧ - ٣٨٨. إذا تقرر هذا فإن الصحيح من أقوال العلماء أنه لا يجوز إثبات صلاة بناء على هذا الخبر الموضوع أو الضعيف جداً وخاصة أنه يثبت صلاة غريبة

стр. 1756

والأصل في العبادات التلقي عن النبي ﷺ بطريق ثابت صحيح ولا يجوز شرعاً تخصيص وقت معين بعبادة معينة وبكيفية معينة بدون دليل شرعي صحيح وكذلك فإن في الحديث تخصيص ليلة الجمعة بعبادة خاصة وهذا يعارض ما ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم) رواه مسلم. قال الإمام النووي: [وفي هذا الحديث النهي الصريح عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة من بين الليالي ويومها بصوم كما تقدم وهذا متفق على كراهيته] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/ ٢١١. ولا يصح العمل بهذا الحديث الموضوع على أساس أنه وارد في فضائل الأعمال لأن الحديث الموضوع لا يعمل به في فضائل الأعمال ولا غيرها، ولا يجوز أن ينسب إلى النبي ﷺ . وخلاصة الأمر أن الحديث المذكور لا يصح الاعتماد عليه لأنه موضوع أي مكذوب وصلاة الحفظ التي وردت فيه صلاة مبتدعة غير مشروعة. التكبير في عيد الأضحى يقول السائل: متى يبدأ التكبير في عيد الأضحى وما قولكم في التكبير الجماعي في المساجد وبعد الصلوات المكتوبة؟ الجواب: التكبير من شعائر الإسلام وهو مندوب إليه لقوله تعالى: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) سورة الحج الآية ٢٨. ولقوله تعالى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) سورة البقرة الآية ٢٠٣. والأيام المعدودات هي أيام التشريق وأما الأيام المعلومات فهي العشر

стр. 1757

الأوائل من ذي الحجة قال القرطبي: [وقد روي عن ابن عباس أن المعلومات العشر والمعدودات أيام التشريق وهو قول الجمهور] تفسير القرطبي ٣/ ٣. وقد رواه البخاري عن ابن عباس ﵁، صحيح البخاري مع الفتح ٢/ ٥٨٩. والتكبير عند العلماء في هذه الأيام على نوعين: مطلق ومقيد أما التكبير المطلق فيبدأ من أول شهر ذي الحجة في جميع الأوقات ولا يخص بمكان معين فقد ورد في الحديث عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد) رواه أحمد وصحح إسناده الشيخ أحمد محمد شاكر. ورواه الطبراني في الكبير عن ابن عباس بإسناد جيد كما قال المنذري في الترغيب والترهيب. وقال الإمام البخاري في صحيحه: [وكان عمر ﵁ يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً. وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الأيام جميعاً] صحيح البخاري مع الفتح ٢/ ٥٩٤. وروى البخاري بسنده عن محمد بن أبي بكر الثقفي قال: (سألت أنساً ونحن غاديان من منى إلى عرفات عن التلبية: كيف كنتم تصنعون مع النبي ﷺ ؟ قال: كان يلبي الملبي لا ينكر عليه ويكبر المكبر فلا ينكر عليه). وأما التكبير المقيد فيكون بعد الصلوات المكتوبات وأرجح أقوال أهل العلم أنه يبدأ من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر يوم من أيام التشريق أي يكبر بعد ثلاث وعشرين صلاة مفروضة قال الحافظ ابن حجر: [وأصح ما ورد فيه عن الصحابة قول علي وابن مسعود أنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى] فتح الباري ٢/ ٥٩٥. وإلى هذا ذهب الإمام أحمد والشافعي في أحد قوليه وهو قول عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود ﵃ وإليه ذهب الثوري وابن عيينة وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة. الفتح الرباني ٦/ ١٧١. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [قيل لأحمد ﵀ بأي حديث

стр. 1758

تذهب إلى أن التكبير من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق؟ قال: لإجماع عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود ﵃ ولأن الله تعالى قال: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) وهي أيام التشريق فتعين الذكر في جميعها ولأنها أيام يرمى فيها فكان التكبير فيها كيوم النحر. وقوله تعالى: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) والمراد به ذكر الله تعالى على الهدايا والأضاحي] المغني ٢/ ٢٩٢. وقال الإمام النووي: [واختارت طائفة من محققي الأصحاب المتقدمين والمتأخرين أنه يبدأ من صبح يوم عرفة ويختم بعصر آخر التشريق ممن اختاره أبو العباس بن سريج حكاه عنه القاضي أبو الطيب في المجرد وآخرون قال البندنيجي هو اختيار المزني وابن سريج قال الصيدلاني والروياني وآخرون وعليه عمل الناس في الأمصار واختاره ابن المنذر والبيهقي وغيرهما من أئمة أصحابنا الجامعين بين الفقه والحديث وهو الذي اختاره واحتج له البيهقي بحديث مالك عن محمد بن أبي بكر الثقفي أنه سأل أنس بن مالك وهما غاديان من منى إلى عرفات كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ فقال: (كان يهلل المهلل منا فلا ينكر عليه ويكبر المكبر فلا ينكر عليه) رواه البخاري ومسلم وعن ابن عمر قال (كنا مع رسول الله ﷺ في غداة عرفة فمنا المكبر ومنا المهلل فأما نحن فنكبر) رواه مسلم وقال البيهقي وروى في ذلك عن عمر وعلي وابن عباس ﵃ ثم ذكر ذلك بأسانيده وأنهم كانوا يكبرون من الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق قال البيهقي وقد روي في ذلك حديث مرفوع لا يحتج بمثله ثم ذكر بإسناده عن عمرو بن شمر عن جابر يعني الجعفي عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ يكبر يوم عرفة من صلاة الغداة إلى صلاة العصر آخر أيام التشريق) قال البيهقي عمرو بن شمر وجابر الجعفي لا يحتج بهما وفي رواية الثقات كفاية هذا كلام البيهقي. وروى الحاكم في المستدرك عن علي وعمار ﵄ أن النبي ﷺ (كان يجهر في المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم وكان يقنت في صلاة الفجر وكان يكبر يوم عرفة

стр. 1759

من صلاة الصبح ويقطعها صلاة العصر آخر أيام التشريق) قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد لا أعلم من رواته منسوباً إلى الجرح قال وقد روي في الباب عن جابر بن عبد الله وغيره فأما من فعل عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس ﵃ فصحيح عنهم التكبير من صبح عرفة إلى عصر آخر التشريق وروى البيهقي هذا الحديث الذي رواه الحاكم بإسناد الحاكم ثم قال وهذا الحديث مشهور بعمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن أبي الطفيل وكلا الإسنادين ضعيف هذا كلام البيهقي وهو أتقن من شيخه الحاكم وأشد تحرياً. قال أصحابنا ويكبر خلف الصبح أو العصر التي هي الغاية بلا خلاف] المجموع للنووي ٥/ ٣٤ - ٣٦. وروى ابن أبي شيبة بسنده عن علي ﵁ أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق. وروى أيضاً بسنده عن الأسود قال كان عبد الله - ابن مسعود ﵁ يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من النحر يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. وروى أيضاً بسنده عن الضحاك أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق. وروى أيضاً بسنده عن ابن عباس ﵁ أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق لا يكبر في المغرب يقول الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا الله أكبر وأجل الله أكبر ولله الحمد. وروى أيضاً بسنده عن علقمة أنه كان يكبر يوم عرفة من صلاة الفجر حتى صلاة العصر من يوم النحر. وروى أيضاً بسنده عن إبراهيم قال كانوا يكبرون يوم عرفة وأحدهم مستقبل القبلة في دبر الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

стр. 1760

وروى أيضاً بسنده عن أبي الأحوص عن عبد الله أنه كان يكبر أيام التشريق الله اكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. وروى أيضاً بسنده عن شريك قال: قلت لأبي إسحاق كيف كان يكبر علي وعبد الله قال: كانا يقولان: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. وروى أيضاً بسنده أن الحسن كان يكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاث مرات وروى أيضاً بسنده عن ابن عباس ﵁ أنه كان يقول: الله أكبر كبيراً الله أكبر كبيراً الله أكبر وأجل الله أكبر ولله الحمد. مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ١٦٥ - ١٦٨. ويؤخذ من هذه الروايات أيضاً صيغ التكبيرة الواردة عن السلف. قال الحافظ ابن حجر: [وأما صيغة التكبير فأصح ما ورد فيه ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان ﵁ قال: (كبروا الله، الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيراً) ونقل عن سعيد بن جبير ومجاهد وعبد الرحمن بن أبي ليلى أخرجه جعفر الفريابي في كتاب العيدين من طريق يزيد بن أبي زياد عنهم وهو قول الشافعي وزاد ولله الحمد. وقيل يكبر ثلاثاً ويزيد لا إله إلا الله وحده لا شريك له. إلخ. وقيل يكبر ثنتين بعدهما لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد جاء ذلك عن عمر وعن ابن مسعود نحوه وبه قال أحمد وإسحاق وقد أحدث في هذا الزمان زيادة في ذلك لا أصل لها] فتح الباري ٢/ ٥٩٥. والتكبير مشروع للنساء أيضاً فقد قال الإمام البخاري: [وكانت ميمونة تكبر يوم النحر وكذا النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد. وروى البخاري بسنده عن أم عطية ﵂ قالت كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد حتى نخرج البكر من خدرها حتى تخرج الحيض فيكبرن خلف الناس فيكبرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته].

стр. 1761

وقال الإمام مالك: [والتكبير في أيام التشريق على الرجال والنساء] الموطأ ١/ ٣٢٣. قال الإمام النووي: [فرع في مذاهبهم في تكبير النساء في هذه الأيام - أيام التشريق - خلف الصلوات مذهبنا استحبابه لهن وحكاه ابن المنذر عن مالك وأبي يوسف ومحمد وأبي ثور] المجموع ٥/ ٤٠. وأما التكبير الجماعي فإن الآثار الواردة عن الصحابة وغيرهم من السلف أنه كان يقع جماعياً أي أنه وجد جماعة من الناس يكبرون في وقت واحد فقد سبق في كلام الإمام البخاري: [وكان عمر ﵁ يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً]. وقوله ترتج أي تضطرب وتتحرك وهي مبالغة في اجتماع رفع الأصوات كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٢/ ٥٩٥. وهذا فيه دلالة واضحة على أن التكبير كان يقع بشكل جماعي. وكذلك فقد قال الإمام البخاري: [وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما] صحيح البخاري مع الفتح ٢/ ٥٨٩. وكذلك فإن ما ورد في حديث أم عطية السابق وفيه: [فيكبرن بتكبيرهم] يدل على أن التكبير كان يقع جماعياً، ويؤيده ما سبق في كلام الإمام البخاري: [وكنَّ - النساء - يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد]. ويدل على ذلك ما رواه مالك عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن عمر بن الخطاب خرج الغد من يوم النحر حين ارتفع النهار شيئاً فكبر فكبر الناس بتكبيره ثم خرج الثانية من يومه ذلك بعد ارتفاع النهار فكبر فكبر الناس بتكبيره ثم خرج الثالثة حين زاغت الشمس فكبر فكبر الناس بتكبيره حتى يتصل التكبير ويبلغ البيت] الموطأ ١/ ٣٢٣. وذكر الحافظ ابن عبد البر عن عبيد بن عمير قوله كان عمر يكبر في قبته بمنى فكبر أهل المسجد ويكبر أهل الأسواق فيملأون منى تكبيراً. الاستذكار ١٣/ ١٧١ - ١٧٢.

стр. 1762

وخلاصة الأمر أن التكبير مشروع من أول يوم من ذي الحجة مطلقاً ومشروع مقيداً عقب الصلوات الخمس من فجر يوم عرفة حتى عصر اليوم الأخير من أيام التشريق والتكبير مشروع للرجال والنساء ويجوز أن يقع بشكل جماعي.

стр. 1763

صلاة الجنازة

стр. 1764

يجوز تغسيل الميت بالماء المسخن بالسخان الشمسي يقول السائل: مات عندنا شخص وعند تغسيله قال بعض الحاضرين لا يجوز تغسيل الميت بالماء المسخن بالسخان الشمسي فما قولكم في ذلك؟ الجواب: لا حرج في تغسيل الميت بالماء المسخن بالسخان الشمسي أو غيره من وسائل تسخين الماء ولم يرد في الشرع ما يمنع ذلك وما ورد من أحاديث وآثار في منع استعمال الماء المسخن أو المشمس وهو الذي يسخن عن طريق الشمس فكلها باطلة لا تصح ولا تثبت عن النبي ﷺ ومن هذه الأحاديث الباطلة ما روي أن النبي ﷺ نهى عائشة ﵂ عن تشميس الماء وقال لها: (لا تفعلي يا حميراء فإنه يورث البرص) فهذا الحديث مكذوب وفي سنده كذاب كما ذكره أهل الحديث. انظر التلخيص الحبير للحافظ ابن حجر ١/ ٢٠. وقد ذكر ابن الجوزي حديث عائشة في الموضوعات أي الأحاديث المكذوبة. انظر نصب الراية ١/ ١٠٢. ومثله ما روي عن عائشة ﵂ قالت: (نهى رسول الله أن نتوضأ بالماء المشمس أو نغتسل فيه) وفيه راو يضع الحديث كما قال ابن حبان انظر التلخيص الحبير ١/ ٢١. ومثله ما روي عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ : (لا تغتسلوا بالماء الذي يسخن في الشمس فإنه يعدي من

стр. 1765

البرص) وقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات. المصدر السابق ١/ ٢١. وقال العقيلي: لا يصح في الماء المشمس حديث مسند. انظر نصب الراية ١/ ١٠٣. وذكر الشوكاني أحاديث الماء المشمس في كتابه الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص٨. وحكم الألباني على حديث عائشة في الماء المشمس بأنه موضوع أي مكذوب وذكر طرقه وفصل الكلام عليها في كتابه إرواء الغليل ١/ ٥٠ - ٥٤. وخلاصة الأمر أنه يجوز تغسيل الميت بالماء المسخن بالسخان الشمسي وغيره ولا كراهة في ذلك. لا يُصلَّى على العضو المقطوع من الإنسان الحي يقول السائل: إن الأطباء قد قطعوا رِجْلَ أحد المرضى فماذا نصنع بالرِجْلِ المقطوعة؟ الجواب: إذا قطع عضو من إنسان حي كيدٍ أو رِجلٍ أو غير ذلك فإنه ينبغي دفن العضو المقطوع إما في المقبرة أو في أرض طاهرة ولا يجوز رميه مع النفايات والزبالة لأن الإنسان مكرم حياً وميتاً وكذلك ما قطع من أعضاء الإنسان فيجب تكريمها وقد قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) سورة الإسراء الآية ٧٠. ولا يغسل العضو المقطوع ولا يصلى عليه بل يلف في خرقة ويدفن. وقد ذكر بعض أهل العلم أنه يستحب دفن كل عضو يبان من الإنسان الحي كالشعر والأظافر والدم وقد روي في ذلك أحاديث لا تثبت عن النبي ﷺ ، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ويستحب دفن ما قلم من أظفاره أو ما أزال من شعره لما روى الخلال بإسناده عن ميل بنت مشرح

стр. 1766

الأشعرية قالت: (رأيت أبي يقلم أظفاره ويدفنها ويقول: رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك. وعن ابن جريج عن النبي ﷺ قال: (كان يعجبه دفن الدم) وقال مهنا: سألت أحمد عن الرجل يأخذ من شعره وأظفاره: أيدفنه أم يلقيه؟ قال: يدفنه قلت: بلغك فيه شيء؟ قال: كان ابن عمر يدفنه ورويناه عن النبي ﷺ : أنه أمر بدفن الشعر والأظفار وقال: لا يتلاعب به سحرة بني آدم] المغني ١/ ٦٦. وقال الإمام النووي: [يستحب دفن ما أخذ من هذه الشعور والأظفار ومواراته في الأرض نقل ذلك عن ابن عمر ﵄ واتفق عليه أصحابنا] المجموع ١/ ٢٨٩ - ٢٩٠. وقال الإمام النووي أيضاً: [ونقل المتولي ﵀ الاتفاق على أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، فقال: لا خلاف أن اليد المقطوعة في السَّرقة والقِصاص لا تغسل ولا يُصلَّى عليها، ولكن تلفُّ في خِرقة وتدفن وكذا الأظفار المقلومة والشَّعَر المأخوذ من الأحياء لا يصلَّى على شيء منها، لكن يستحَبُّ دفنها] المجموع ٥/ ٢٥٤ وقال الإمام النووي أيضاً: [والدفن لا يختصُّ بعضو مَنْ عُلِمَ موته، بل كل ما ينفصل من الحيِّ من عضو وشعر وظُفُر وغيرهما من الأجزاء يستحَبُّ دفنُه، وكذلك تُوارَى العَلَقة والمُضغة تُلقيهما المرأة، وكذا يُواري دم الفَصْد] المصدر السابق. وخلاصة الأمر أن العضو المقطوع من الإنسان الحي لا يُصلى عليه ولكن يدفن ولا يُرمى مع القاذورات ولا يصح الاحتفاظ به حتى يدفن مع صاحبه عند موته. ما يُصنع بأعضاء الميت إذا قطع جسده إلى أجزاء يقول السائل: إذا مات إنسان في حادث وقطع جسده إلى أجزاء ووجد بعض أعضائه دون بعض فهل تغسل هذه الأعضاء وهل يصلى عليها؟ الجواب: إذا وجدت بعض أعضاء الميت دون بعض فيغسل ما يمكن غسله من هذه الأعضاء وتلف في خرقة ويصلى عليها وتدفن في المقبرة.

стр. 1767

وإذا لم يمكن غسل الميت نظراً لتقطعه أو تهشم جسمه فحينئذ ييمم لأن هذا هو المستطاع وقد قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) سورة التغابن الآية ١٦. ومن أهل العلم من قال يغسل أي عضو وجد من الميت ومنهم من قال إن وجد أكثر جسم الميت يغسل وإلا فلا، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فإن لم يوجد إلا بعض الميت فالمذهب: أنه يغسل ويصلى عليه وهو قول الشافعي ونقل ابن منصور عن أحمد: أنه لا يصلى على الجوارح - أي الأعضاء - قال الخلال: ولعله قول قديم لأبي عبد الله. والذي استقر عليه قول أبي عبد الله: أنه يصلي على الأعضاء. وقال أبو حنيفة ومالك: إن وجد الأكثر صُليَ عليه وإلا فلا. لأنه بعض لا يزيد على النصف فلم يصل عليه كالذي بان في حياة صاحبه والشعر والظفر. ولنا: إجماع الصحابة ﵃. قال أحمد: صلى أبو أيوب على رِجل وصلى عمر على عظام بالشام وصلى أبو عبيدة على رؤوس بالشام رواهما عبد الله بن أحمد بإسناده. وقال الشافعي: ألقى طائر يداً بمكة من واقعة الجمل فعرفت بالخاتم وكانت يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فصلى عليها أهل مكة وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم نعرف من الصحابة مخالفاً في ذلك ولأنه بعض من جملة تجب الصلاة عليها فيصلى عليه كالأكثر وفارق ما بان في الحياة. لأنه من جملة لا يصلى عليها والشعر والظفر لا حياة فيه] المغني ٢/ ٤٠١ - ٤٠٢. وانظر المجموع للنووي ٥/ ٢٥٣. وخلاصة الأمر أنه إن أمكن غسل أجزاء الميت فهو الأصل وإن لم يمكن فلا حرج ويصلى عليها وتدفن في المقبرة حكم الصلاة على الجنين الذي يسقط قبل تمام الحمل يقول السائل: هل يُصلى على الجنين الذي يسقط قبل تمام الحمل؟ الجواب: اتفق أهل العلم على أن صلاة الجنازة مشروعة على كل مسلم ذكراً كان أو أنثى صغيراً كان أو كبيراً.

стр. 1768

وأما الجنين الذي سقط قبل تمام أربعة أشهر فهذا لا يصلى عليه بلا خلاف عند أهل العلم ذكره الإمام النووي في المجموع ٥/ ٢٥٨. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فأما من لم يأت له أربعة أشهر فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه ويلف في خرقة ويدفن ولا نعلم فيه خلافاً إلا عن ابن سيرين فإنه قال: يصلى عليه إذا علم أنه نفخ فيه الروح وحديث الصادق المصدوق يدل على أنه لا ينفخ فيه الروح إلا بعد أربعة أشهر وقبل ذلك فلا يكون نسمة فلا يصلى عليه كالجمادات والدم] المغني ٢/ ٣٨٩. وأما السقط بعد تمام أربعة أشهر فيصلى عليه لما ورد في الحديث عن المغيرة بن شعبة ﵃ أن النبي ﷺ قال: (الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها والطفل يصلى عليه) رواه أبو داود والترمذي وقال الترمذي: [هذا حديث صحيح. والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم قالوا يصلى على الطفل وإن لم يستهل بعد أن يعلم أنه خلق وهو قول أحمد وإسحق] سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٤/ ١٠٢. وجاء في رواية أخرى للحديث السابق: (السقط يصلى عليه) رواه أحمد وأبو داود وهي رواية صحيحة كما قال الألباني في أحكام الجنائز ص٨٠ ....... وقال المجد ابن تيمية: [قلت وإنما يصلى عليه إذا نفخت فيه الروح وهو أن يستكمل أربعة أشهر فأما إن سقط لدونها فلا لأنه ليس بميت إذ لم ينفخ فيه روح وأصل ذلك حديث ابن مسعود ﵃ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: (إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح)] نيل الأوطار ٤/ ٥٣. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي - شارحاً قول الخرقي: والسقط إذا ولد لأكثر من أربعة أشهر غُسِّلَ وصُليَ عليه - قال: [السقط: الولد تضعه

стр. 1769

المرأة ميتاً أو لغير تمام فأما إن خرج حياً واستهل فإنه يغسل ويصلى عليه بغير خلاف قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الطفل إذا عرفت حياته واستهل يصلى عليه وإن لم يستهل قال أحمد: إذا أتى له أربعة أشهر غسل وصلي عليه. هذا قول سعيد بن المسيب وابن سيرين وإسحق وصلى ابن عمر على ابن لابنته ولد ميتاً] المغني ٢/ ٣٨٩. وقال الشيخ الألباني: [والظاهر أن السقط إنما يصلى عليه إذا كان قد نفخت فيه الروح وذلك إذا استكمل أربعة أشهر ثم مات فأما إذا سقط قبل ذلك فلا لأنه ليس بميت كما لا يخفى] أحكام الجنائز ص٨١. وقد أجابت اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ عن السؤال التالي: [كثيراً ما يحدث في بعض المستشفيات أن تسقط بعض النساء الأجنة في الشهر الخامس ولكن لا نعلم مصير هذه الأجنة هل تدفن ويصلى عليها أم ترمى مع النفايات؟ نرجو التكرم بالتحقق في الموضوع وإفادتنا هل يصلى على الجنين بعد نفخ الروح فيه بعد غسله وهل يسمى؟ ...... الجواب: إذا كان الواقع كما ذكر من إسقاط المرأة الجنين في الشهر الخامس من حملها غسل الجنين وكفن وصلي عليه ويسن أن يعق عنه كما يفعل بالكبير من المسلمين ودفن في مقابر المسلمين وسمي] فتاوى اللجنة الدائمة ٨/ ٤٠٧. وقد اشترط جماعة من العلماء للصلاة على السقط بعد أربعة أشهر أن يستهل أي أن يصرخ واحتجوا بما روي في الحديث عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إذا استهل السقط غسل وصلي عليه.) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم والبيهقي وإسناده ضعيف كما قال الإمام النووي في المجموع ٥/ ٢٥٥. وضعفه الألباني أيضاً فقال: [ولكنه حديث ضعيف لا يحتج به] أحكام الجنائز ص٨١. وخلاصة الأمر أن السقط إذا لم يكمل أربعة أشهر فلا يصلى عليه ولكن يجب دفنه فيلف في خرقة ويدفن وأما إن أتم أربعة أشهر فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن .......

стр. 1770

حكم وضع الميت أمام المصلين يقول السائل: أحضرت جنازة امرأة إلى المسجد للصلاة عليها فوضعت الجنازة في القبلة وصلى المصلون صلاة الظهر وهي أمامهم ثم صلوا على الجنازة فاعترض بعض المصلين على وجود الجنازة أمامهم أثناء صلاة الظهر فما حكم ذلك؟ الجواب: تصح الصلاة على الجنازة داخل المسجد وخارجه على الراجح من أقوال أهل العلم كما سيأتي في السؤال التالي، وأما وضع الميت أمام المصلين في صلاة الجماعة فلا بأس في ذلك وإن كان الميت امرأة ولا أثر لذلك على صحة صلاة المصلين وقد ثبت في الحديث عن عائشة ﵂ قالت (إن النبي- ﷺ كان يصلي من الليل وأنا معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة) رواه مسلم. فهذا الحديث يدل على جواز الصلاة إلى المرأة وهي نائمة في قبلة المصلي وإذا كان هذا يجوز وهي على قيد الحياة فمن باب أولى أنه يجوز وهي ميتة وخاصة أن عائشة شبهت نفسها بالجنازة ففي ذلك إشارة إلى جواز الصلاة والجنازة في قبلة المصلي ....... حكم الصلاة على الجنازة داخل المسجد يقول السائل: اعتاد المصلون في المسجد الذي نصلي فيه أن يصلوا على الجنازة خارج المسجد وقد رغب بعض المصلين في نقل صلاة الجنازة إلى داخل المسجد ليكثر عدد المصلين على الجنازة حيث إننا نلاحظ قلة المصلين على الجنازة عندما تكون خارج المسجد فما قولكم في ذلك؟ الجواب: ثبت من هدي النبي ﷺ أنه كان يصلي على الجنائز في مكان خاص يقال له مصلى الجنائز وكان خارج المسجد النبوي من جهة الشرق وثبت أيضاً أنه ﷺ كان يصلي على الجنائز داخل المسجد النبوي فكلا الأمرين جائز ولا بأس به.

стр. 1771

ومما يدل على أن النبي ﷺ كان يصلي على الجنازة في مصلى الجنائز ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب الجنائز باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ في صلاة النبي ﷺ على النجاشي وفيه أن النبي ﷺ صف بهم بالمصلى فكبر عليه أربعاً. ثم ذكر حديث ابن عمر ﵄ أن اليهود جاءوا إلى النبي ﷺ برجل منهم وامرأة زنيا فأمر بهما فرجما قريباً من موضع الجنائز عند المسجد. قال الحافظ ابن حجر: [ودل حديث ابن عمر المذكور على أنه كان للجنائز مكان معد للصلاة عليها] فتح الباري ٣/ ٢٥٤. ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن بطال أن مصلى الجنائز بالمدينة كان لاصقاً بمسجد النبي ﷺ من ناحية جهة الشرق. المصدر السابق. ومما يدل على أن النبي ﷺ كان له مصلى للجنائز خارج المسجد ما جاء في الحديث عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: (كنا جلوساً بفناء المسجد حيث توضع الجنائز ورسول الله ﷺ جالس بين ظهرانينا.) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وحسنه الألباني في أحكام الجنائز ص١٠٧ ....... ويدل على ذلك أيضاً ما جاء في الحديث عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: مات رجل فغسلناه وكفناه وحنطناه ووضعناه لرسول الله ﷺ حيث توضع الجنائز عند مقام جبريل ثم آذنا رسول الله ﷺ بالصلاة عليه فجاء معنا فتخطى ثم قال: لعل على صاحبكم ديناً؟ قالوا: نعم ديناران. فتخلف قال: صلوا على صاحبكم. فقال له رجل منا يقال له أبو قتادة: يا رسول الله هما عليَّ فجعل رسول الله- ﷺ يقول: هما عليك وفي مالك والميت منهما بريء؟ فقال: نعم فصلى عليه فجعل رسول الله ﷺ إذا لقي أبا قتادة يقول: - وفي رواية ثم لقيه من الغد- فقال: ما صنعت الديناران؟ قال: يا رسول الله إنما مات أمس حتى كان

стр. 1772

آخر ذلك وفي الرواية الأخرى: ثم لقيه من الغد فقال: ما فعل الديناران؟ قال: قد قضيتهما يا رسول الله قال الآن حين بردت عليه جلده. رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي ورواه أحمد بإسناد حسن كما قال الهيثمي. انظر أحكام الجنائز ص ١٦ ....... وأما أن النبي ﷺ قد صلى على الجنائز داخل المسجد فيدل عليه ما جاء في الحديث أن عائشة ﵂ أمرت أن يمر بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد فتصلي عليه فأنكر الناس ذلك عليها فقالت: ما أسرع ما نسي الناس ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل ابن البيضاء إلا في المسجد. رواه مسلم. وفي رواية أخرى لمسلم عن عائشة أنها لما توفي سعد بن أبي وقاص ﵁ أرسل أزواج النبي ﷺ أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه ففعلوا فوقف به على حجرهن يصلين عليه أخرج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقاعد فبلغهن أن الناس عابوا ذلك وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد فبلغ ذلك عائشة فقالت: ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به، عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد وما صلى رسول الله ﷺ على سهيل ابن بيضاء إلا في جوف المسجد. وفي رواية ثالثة لمسلم أن عائشة لما توفي سعد بن أبي وقاص قالت: ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه فأنكر ذلك عليها فقالت: والله لقد صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء في المسجد سهيل وأخيه. صحيح مسلم مع شرح النووي ٣/ ٣٣ - ٣٥. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ولا بأس بالصلاة على الميت في المسجد إذا لم يخف تلويثه وبهذا قال الشافعي وإسحاق وأبو ثور وداود] المغني ٣/ ٣٦٨ ....... وقال النووي: [الصلاة على الميت في المسجد صحيحة جائزة لا كراهة فيها] المجموع ٥/ ٢١٣. وبناء على ما تقدم يظهر لنا أن صلاة الجنازة تجوز في المسجد بلا كراهة وتجوز خارج المسجد أيضاً. وأما ما ذهب إليه بعض أهل العلم من كراهة الصلاة على الجنازة داخل المسجد أخذاً مما

стр. 1773

روي في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له) رواه أبو داود وفي رواية لابن ماجة: (فليس له شيء) وفي رواية أخرى: (فلا أجر له). فقد اختلف أهل العلم في هذا الحديث اختلافاً كثيراً والجمهور على أنه حديث ضعيف وإن صح فمؤول كما سيأتي. قال الحافظ ابن عبد البر عن رواية (فلا أجر له) إنها خطأ لا إشكال فيه. فتح المالك ٤/ ٣٠٧. وقال الحافظ ابن عبد البر أيضاً: [وفي هذا الباب عن النبي ﷺ حديثان: أحدهما حديث عائشة هذا والثاني حديث يروى عن أبي هريرة لا يثبت عنه أن رسول الله ﷺ قال: (من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له). وقد يحتمل قوله في حديث أبي هريرة هذا: (فلا شيء له) أي فلا شيء عليه. كما قال : (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) سورة الإسراء الآية ٧ بمعنى عليها. وسئل أحمد بن حنبل وهو إمام أهل الحديث والمقدم في معرفة علل النقل فيه عن الصلاة على الجنازة في المسجد؟ فقال: لا بأس بذلك وقال بجوازه. فقيل: فحديث أبي هريرة؟ فقال: لا يثبت أو قال: حتى يثبت. ثم قال: رواه صالح مولى التوأمة وليس بشيء فيما انفرد به. فقد صحح أحمد بن حنبل السنة في الصلاة على الجنائز في المسجد وقال بذلك. وهو قول الشافعي وجمهور أهل العلم وهي السنة المعمول بها في الخليفتين بعد رسول الله ﷺ صلَّى عمر على أبي بكر الصديق في المسجد وصلَّى صهيب على عمر في المسجد ...... بمحضر كبار الصحابة وصدر السلف من غير نكير وما أعلم من ينكر ذلك إلا ابن أبي ذئب. ورويت كراهية ذلك عن ابن عباس من وجوه لا تصح ولا تثبت وعن بعض أصحاب مالك ورواه عن مالك. وقد روي عنه جواز ذلك من رواية أهل المدينة وغيرهم] الاستذكار ٨/ ٢٧٣ - ٢٧٤. وقال الإمام النووي عن رواية (فلا شيء له) ضعفه الحفاظ منهم أحمد بن حنبل وأبو بكر ابن المنذر والخطابي والبيهقي قالوا: وهو من أفراد صالح مولى التوأمة وهو مختلف في عدالته معظم ما عابوا عليه الاختلاط قالوا وسمع ابن أبي ذئب منه قبل الاختلاط] خلاصة الأحكام ٢/ ٩٦٦.

стр. 1774

وقال الإمام النووي في موضع آخر: [وأما حديث أبي هريرة ﵁ فجوابه من أوجه أحدها: أنه ضعيف باتفاق الحفاظ وممن نص على ضعفه الإمام أحمد بن حنبل وأبو بكر بن المنذر والبيهقي وآخرون قال أحمد هذا الحديث مما انفرد به صالح مولى التوأمة وهو مختلف في عدالته لكن معظم ما عابوا عليه الاختلاط قالوا وسماع ابن أبي ذئب ونحوه منه قبل الاختلاط وهذا الحديث من رواية ابن أبي ذئب عنه والله أعلم والوجه الثاني إن الذي ذكره أبو داود في روايته في جميع نسخ كتابه المعتمدة (فلا شيء عليه) وعلى هذا لا دلالة فيه لو صح وأما رواية (فلا شيء له) فهي مع ضعفها غريبة ولو صحت لوجب حملها على (فلا شيء عليه) للجمع بين الروايات وقد جاء مثله في القرآن كقوله: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) أي فعليها. الثالث: أجاب به الخطابي وسائر أصحابنا في كتب المذهب أنه لو ثبت لكان محمولاً على نقصان الأجر لأن المصلي عليها في المسجد ينصرف غالباً إلى أهله ومن صلى عليها في الصحراء حضر دفنها غالباً فنقص أجر الأول ويكون التقدير فلا أجر كامل له كقوله ﷺ : (لا صلاة بحضرة الطعام) أي لا صلاة كاملة] المجموع ٥/ ٢١٤ ....... وقد احتج جماعة من أهل العلم برواية (فلا شيء له) ومنهم العلامة ابن القيم: [وهذا الحديث حسن فإنه من رواية ابن أبي ذئب عنه وسماعه منه قديم قبل اختلاطه فلا يكون اختلاطه موجباً لرد ما حدث به قبل الاختلاط وقد سلك الطحاوي في حديث أبي هريرة ﵁ هذا وحديث عائشة مسلكاً آخر فقال: صلاة النبي ﷺ على سهيل ابن بيضاء في المسجد منسوخة وترك ذلك آخر الفعلين من رسول الله ﷺ بدليل إنكار عامة الصحابة ذلك على عائشة وما كانوا ليفعلوه إلا لما علموا خلاف ما نقلت. ورد ذلك على الطحاوي جماعة منهم: البيهقي وغيره قال البيهقي: ولو كان عند أبي هريرة ﵁ نسخ ما روته عائشة لذكره يوم صلي على أبي بكر الصديق في المسجد ويوم صلي على عمر بن الخطاب في المسجد ولذكره من أنكر على عائشة أمرها بإدخاله المسجد ولذكره أبو هريرة حين روت فيه الخبر وإنما أنكره من لم يكن له معرفة بالجواز فلما

стр. 1775

روت فيه الخبر سكتوا ولم ينكروه ولا عارضوه بغيره. قال الخطابي: وقد ثبت أن أبا بكر وعمر ﵄ صلي عليهما في المسجد ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما وفي تركهم الإنكار الدليل على جوازه. قال: ويحتمل أن يكون معنى حديث أبي هريرة إن ثبت متأولاً على نقصان الأجر. وذلك أن من صلى عليها في المسجد فالغالب أنه ينصرف إلى أهله ولا يشهد دفنه وان من سعى إلى الجنازة فصلى عليها بحضرة المقابر شهد دفنه وأحرز أجر القيراطين وقد يؤجر أيضاً على كثرة خطاه وصار الذي يصلي عليه في المسجد منقوص الأجر بالإضافة إلى من يصلي عليه خارج المسجد. وتأولت طائفة معنى قوله: (فلا شيء له) أي فلا شيء عليه ليتحد معنى اللفظين ولا يتناقضان كما قال تعالى: (وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) سورة الإسراء الآية ٧. أي فعليها. فهذه طرق الناس في هذين الحديثين. والصواب ما ذكرناه أولاً وأن ...... سنته وهديه الصلاة على الجنازة خارج المسجد إلا لعذر وكلا الأمرين جائز والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد. والله أعلم] زاد المعاد ١/ ٥٠١ - ٥٠٢. وانظر أيضاً السلسلة الصحيحة ٥/ ٤٦٢ حيث فصل الشيخ الألباني الكلام على الحديث وقواه واحتج به ولكنه يرى جواز الصلاة في المسجد والأفضل في مصلى الجنائز وانظر أحكام الجنائز له ص١٠٦ وخلاصة الأمر أن صلاة الجنازة داخل المسجد صحيحة بلا كراهة لثبوت ذلك عن النبي ﷺ إذا تقرر هذا فأعود إلى السؤال فأقول إن كان نقل الصلاة على الجنازة من خارج المسجد إلى داخله يؤدي إلى زيادة عدد المصلين عليها فهذا وجه معتبر شرعاً لأنه كلما كثر المصلون على الجنازة كان أفضل للميت وأنفع له فقد ثبت في الحديث عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: (ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون إلا شفعوا فيه) رواه مسلم. وعن كريب مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس أنه مات ابن له بقديد أو بعسفان فقال: يا كريب انظر ما اجتمع له الناس قال: فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا له فأخبرته فقال: تقول: هم أربعون قال: نعم قال: أخرجوه فإني سمعت رسول الله ﷺ -

стр. 1776

يقول: (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه) رواه مسلم. وعن مالك بن هبيرة قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا غفر له) رواه أحمد والبيهقي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وحسنه النووي في المجموع ٥/ ٢١٢ وغير ذلك من الأحاديث ....... السهو في صلاة الجنازة يقول السائل: سها الإمام في صلاة الجنازة فسلَّم بعد التكبيرة الثالثة فسبح بعض المصلين فجاء الإمام بالتكبيرة الرابعة ولكن بعض المصلين أعادوا صلاة الجنازة مرة ثانية فما الحكم في ذلك؟ الجواب: اتفق جماهير أهل العلم على أن صلاة الجنازة أربع تكبيرات وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة منها عن أبي هريرة ﵃ (أن النبي ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر عليه أربعاً) رواه البخاري ومسلم. وعن جابر ﵃ (أن النبي ﷺ صلى على أصحمة النجاشي فكبر أربعاً) رواه البخاري ومسلم. وعن يزيد بن ثابت ﵃ قال: (خرجنا مع النبي ﷺ ذات يوم فلما ورد البقيع فإذا هو بقبر جديد فسأل عنه فقالوا: فلانة مولاة بني فلان قال: فعرفها وقال: ألا آذنتموني بها؟ قالوا: ماتت ظهراً وكنت قائلاً صائماً فكرهنا أن نؤذيك قال: فلا تفعلوا لا أعرفن ما مات منكم ميت ما كنت بين أظهركم إلا آذنتموني به فإن صلاتي عليه رحمة ثم أتى القبر فصففنا خلفه فكبر عليه أربعاً) أخرجه النسائي، وابن ماجة وابن حبان والبيهقي وإسناده صحيح على شرط مسلم قاله الألباني في أحكام الجنائز ص ٨٩ وغير ذلك من الأحاديث.

стр. 1777

قال الحافظ ابن عبد البر: [اختلف السلف في عدد التكبير على الجنازة ثم اتفقوا على أربع تكبيرات وما خالف ذلك شذوذ يشبه البدعة والحدث. حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا ابن وضاح قال: حدثنا موسى بن معاوية عن وكيع عن سفيان عن الأعمش عن أبي وائل قال: جمع عمر الناس فاستشارهم في التكبير على الجنازة وجمعهم على أربع تكبيرات قال: وحدثنا وكيع عن مسعر عن عبد الملك الشيباني عن إبراهيم قال: اجتمع أصحاب محمد ﷺ في بيت أبي مسعود فأجمعوا على أن التكبير أربع] فتح المالك ٤/ ٢٨٨ ....... ثم قال الحافظ ابن عبد البر: [وما جمع عمر عليه الناس أصح وأثبت مع صحة السنن فيه عن النبي ﷺ أنه كبر أربعاً وهو العمل المستفيض بالمدينة ومثل هذا يحتج فيه بالعمل لأنه قلَّ يوم أو جمعة إلا وفيه جنازة وعليه الجمهور وهم الحجة وبالله التوفيق] المصدر السابق ٤/ ٢٩٠. إذا تقرر هذا فإن الصحيح من أقوال أهل العلم أن صلاة الجنازة أربع تكبيرات واتفقت المذاهب الأربعة على أن التكبيرات الأربع ركن من أركان صلاة الجنازة لا تصح الصلاة بدونها. وبناء على ذلك فإن تركت تكبيرة من الأربع عمداً فقد بطلت الصلاة وأما إن سها الإمام فسلم بعد الثالثة كما في السؤال فإنه يسبح له ليرجع فيكبر الرابعة فإن لم يرجع الإمام كبر المأمومون الرابعة وسلموا لأنفسهم. قال الإمام البخاري: [باب التكبير على الجنازة أربعاً وقال حميد صلى بنا أنس ﵃ فكبر ثلاثاً ثم سلم فقيل له فاستقبل القبلة ثم كبر الرابعة ثم سلم] صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ٢٥٧. وروى عبد الرزاق بسنده عن قتادة عن أنس أنه كبر على جنازة ثلاثاً ثم انصرف ناسياً فتكلم وكلم الناس فقالوا: يا أبا حمزة: إنك كبرت ثلاثاً قال: فصفوا ففعلوا فكبر الرابعة] مصنف عبد الرزاق ٣/ ٤٨٦. وقال الحافظ ابن عبد البر: [وذكر الفزاري عن حميد عن أنس أنه

стр. 1778

صلى على جنازة فكبر ثلاثاً ثم سلَّم فقيل له: إنما كبرت ثلاثاً فاستقبل القبلة فكبر الرابعة ثم سلم] فتح المالك ٤/ ٢٨٩ - ٢٩٠. وورد في الفتاوى الهندية نقلاً عن الفتاوى التتارخانية: [ولو سلَّم الإمام بعد الثالثة ناسياً كبر الرابعة ويسلم] الفتاوى الهندية ١/ ١٦٥ ....... وقال الدسوقي المالكي: [إن الإمام إذا سلَّم عن أقل من أربع تكبيرات فإن مأمومه لا يتبعه بل إن كان نقص ساهياً سبح له فإن رجع وكمل سلموا معه وإن لم يرجع وتركهم كبروا لأنفسهم وصحت صلاتهم مطلقاً تنبه عن قرب وكمل صلاته أم لا. وقيل إن لم يتنبه عن قرب فإن صلاتهم تبطل تبعاً لبطلان صلاة الإمام والأول هو المعتمد وإن كان نقص عمداً وهو يراه مذهباً لم يتبعوه وأتوا بتمام الأربع وصحت لهم وله وإن كان لا يراه مذهباً بطلت عليهم ولو أتوا برابعة تبعاً لبطلانها على الإمام وحينئذ فتعاد ما لم تدفن فإن دفنت صلي على القبر على ما قال المصنف.] حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١/ ٤١١. ولا أوافقه في إبطال صلاة المأمومين ببطلان صلاة الإمام. وينبغي أن يعلم أن أهل العلم قد اتفقوا على أنه لا يشرع سجود السهو في صلاة الجنازة؛ لأن صلاة الجنازة لا ركوع ولا سجود فيها. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وروي عن ابن عباس أنه كبر على الجنازة ثلاثاً ولم يعجب ذلك أبا عبد الله وقال: قد كبر أنس ثلاثاً ناسياً فأعاد ولأنه خلاف ما نقل عن النبي ﷺ ولأن الصلاة الرباعية إذا نقص منها ركعة بطلت كذلك هاهنا فإن نقص منها تكبيرة عامداً بطلت كما لو ترك ركعة عمداً وإن تركها سهواً احتمل أن يعيدها كما فعل أنس ويحتمل أن يكبرها ما لم يطل الفصل كما لو نسي ركعة ولا يشرع لها سجود سهو في الموضعين] المغني ٢/ ٣٨٥. وخلاصة الأمر أن الإمام في صلاة الجنازة إذا سها فسلَّم قبل الرابعة فإنه ينبغي أن يعود ويأتي بما فاته من التكبير إن لم يطل الفصل فإن طال الفصل فتجب إعادة صلاة الجنازة لأن الأولى باطلة .......

стр. 1779

يجوز للزوجة أن تودع زوجها الميت يقول السائل: هل يجوز للزوجة أن تودع زوجها الميت بأن تقبله بعد غسله وتكفينه؟ الجواب: يجوز للمرأة أن تودع زوجها الميت بتقبيله بعد غسله وتكفينه وكذلك يجوز للزوج أن يودع زوجته الميتة ولا يصح كلام العامة أن ذلك ناقض لوضوء الميت فقد ورد في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: (لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي ﷺ غير نسائه) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وغيرهم وحسنه الألباني في إرواء الغليل ٣/ ١٦٢. وجاء في حديث آخر عن عائشة ﵂ قالت: (رجع إليَّ رسول الله ﷺ -من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعاً في رأسي وأقول: وارأساه فقال: بل أنا وارأساه ما ضرك لو مت قبلي وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك) رواه أحمد وابن ماجة وغيرهما وفيه كلام لأهل الحديث وصححه الألباني في إرواء الغليل ٣/ ١٦٠. وجاء في الحديث عن أسماء بنت عميس قالت: غسلَّت أنا وعليٌ فاطمةَ بنتَ رسول الله ﷺ . رواه الحاكم والبيهقي وحسنه الحافظ ابن حجر وحسنه الألباني أيضاً في إرواء الغليل ٣/ ١٦٢. وقد قال بمقتضى هذه الأحاديث جماهير أهل العلم قال الإمام النووي: [نقل ابن المنذر في كتابيه الإجماع والإشراف والعبدري وآخرون إجماع المسلمين أن للمرأة غسل زوجها وقد قدمنا رواية عن أحمد بمنعه وأما غسله زوجته فجائز عندنا وعند جمهور العلماء حكاه ابن المنذر عن علقمة وجابر بن زيد وعبد الرحمن بن الأسود وسليمان ابن يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن وقتادة وحماد بن أبي سليمان ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحق وهو مذهب عطاء وداود وابن المنذر] المجموع ٥/ ١٤٩ - ١٥٠. وكذلك فقد وردت أحاديث ثابتة عن النبي ﷺ في تقبيل الميت منها حديث عائشة وابن عباس (أن أبا بكر ﵁ قبَّل النبي ﷺ بعد

стр. 1780

موته) رواه البخاري. وعن عائشة ﵂ قالت: (قبَّل رسولُ الله ﷺ عثمانَ بن مظعون وهو ميت فكأني أنظر إلى دموعه تسيل على خديه) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وقال حسن صحيح وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ١/ ٢٤٦. وخلاصة الأمر أنه يجوز للمرأة أن تودع زوجها الميت وكذا يجوز للزوج أن يودع زوجته الميتة .......

стр. 1781

الزكاة

стр. 1782

زكاة المال المشترك يقول السائل: إنه قد اشترك مع عدد من الأشخاص في محل تجاري ودفع كل واحد منهم مبلغاً من المال فكيف يزكون أموالهم؟ الجواب: الأصل أن الزكاة تجب على المكلف في ماله فإذا ملك نصاباً وحال عليه الحول وتحققت شروط وجوب الزكاة في ماله زكاه. وبالنسبة للمال المشترك فكل واحد من الشركاء يحسب نصيبه من الشركة وما تحقق له من ربح في المحل التجاري ويضمه إلى ما لديه من أموال أخرى فإن تحققت فيه شروط وجوب الزكاة وجب عليه إخراجها. وقد أخذ بهذا القول مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة فقرر أنه في الشركات التي يساهم فيها عدد من الأفراد لا ينظر في تطبيق أحكام الزكاة إلى مجموع أرباح الشركات وإنما ينظر إلى ما يخص كل شريك على حدة. ومن العلماء من يرى أن تعامل الشركة معاملة الشخص الواحد أي شخصية اعتبارية فتخرج الزكاة على هذا الأساس فقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي ما يلي: [ أولاً: تجب زكاة الأسهم على أصحابها وتخرجها الشركة نيابة عنهم إذا نص في نظامها الأساسي على ذلك أو صدر به قرار من الجمعية

стр. 1783

العمومية أو كان قانون الدولة يلزم الشركات بإخراج الزكاة أو حصل تفويض من صاحب الأسهم لإخراج إدارة الشركة زكاة أسهمه ....... ثانياً: تخرج إدارة الشركة زكاة الأسهم كما يخرج الشخص الطبيعي زكاة أمواله بمعنى أن تعتبر جميع أموال المساهمين بمثابة أموال شخص واحد وتفرض عليها الزكاة بهذا الاعتبار من حيث نوع المال الذي تجب فيه الزكاة ومن حيث النصاب ومن حيث المقدار الذي يؤخذ وغير ذلك مما يراعى في زكاة الشخص الطبيعي وذلك أخذاً بمبدأ الخلطة عند من عممه من الفقهاء في جميع الأموال ويطرح نصيب الأسهم التي لا تجب فيها الزكاة ومنها أسهم الخزانة العامة وأسهم الوقف الخيري وأسهم الجهات الخيرية وكذلك أسهم غير المسلمين. ثالثاً: إذا لم تزك الشركة أموالها لأي سبب من الأسباب فالواجب على المساهمين زكاة أسهمهم فإذا استطاع المساهم أن يعرف من حسابات الشركة ما يخص أسهمه من الزكاة لو زكت الشركة أموالها على النحو المشار إليه زكى أسهمه على هذا الاعتبار لأنه الأصل في كيفية زكاة الأسهم وإن لم يستطع المساهم معرفة ذلك: فإن كان ساهم في الشركة بقصد الاستفادة من ريع الأسهم السنوي وليس بقصد التجارة فإنه يزكيها زكاة المستغلات وتمشياً مع ما قرره مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية بالنسبة لزكاة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية فإن صاحب هذه الأسهم لا زكاة عليه في أصل السهم وإنما تجب الزكاة في الريع وهو ربع العشر بعد دوران الحول من يوم قبض الريع مع اعتبار توافر شروط الزكاة وانتفاء الموانع وإن كان المساهم قد اقتنى الأسهم بقصد التجارة زكاها زكاة عروض التجارة فإذا جاء حول زكاته وهي في ملكه زكى قيمتها السوقية وإذا لم يكن لها سوق زكى قيمتها بتقويم أهل الخبرة فيخرج ربع العشر ٢,٥ % من تلك القيمة ومن الربح إذا كان للأسهم ربح. رابعاً: إذا باع المساهم أسهمه في أثناء الحول ضم ثمنها إلى ماله وزكاه معه عندما يجيء حول زكاته أما المشتري فيزكي الأسهم التي اشتراها على النحو السابق] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد٤ ج١/ ٨٨١ - ٨٨٢ .......

стр. 1784

وجاء في فتاوى بيت التمويل الكويتي ما يلي: [يجوز أن يتضمن عقد إنشاء الشركة بنداً ينص على أن الشركة تخرج الزكاة عما لديها من الأموال وحينئذ يحق لإدارة الشركة إخراج الزكاة نيابة عن المساهمين أما إذا لم ينص عقد إنشاء الشركة على ذلك فيجوز للشركاء أن يوكلوا إدارة الشركة في إخراج الزكاة فإن لم يوكلوها لم يكن لها أن تخرج الزكاة وهذا في ظل الأمر القائم الآن من أن الدولة جعلت تحصيل بيت الزكاة للزكوات باختيار المزكين أما لو أخذت الدولة بنظام التحصيل الإلزامي فيجوز حينئذ أخذ الزكاة للشركة ككل ويعتبر مالها مالاً واحداً قياساً على نظام الخلطة في زكاة الماشية وأما في ظل الوضع الحاضر فإن كل مزك يخرج عن نفسه أو يوكل من يخرج عنه الزكاة ويضم إلى حصته من الموجودات الزكوية من الشركة ما سوى ذلك من أمواله الزكوية ويسقط ما عليها من الديون ويزكى الباقي إن كان أكثر من نصاب والله أعلم]. ولا بد من رضا المساهمين شخصياً عند تطبيق هذا الرأي ومستند هذا الاتجاه الأخذ بمبدأ (الخلطة) الوارد في السنة النبوية بشأن زكاة الأنعام والذي أخذ به الشافعية أيضا في الأموال النقدية وأموال التجارة وغيرها، قال الإمام النووي: (الخلطة تؤثر في المواشي بلا خلاف - أي في المذهب الشافعي - وهل تؤثر في الثمار والزروع والنقدين وأموال التجارة؟.) ثم ذكر أن المذهب الجديد عندهم أن الخلطة تؤثر فيها. الروضة ٢/ ٣٠. وخلاصة الأمر أن الأصل أن يزكي كل شريك أمواله منفرداً وإن زكت الشركة أموالها باعتبار أنها شخصية اعتبارية فحسن ولا بأس بذلك. زكاة الغنم المعلوفة يقول السائل إن لديه قطيع أغنام ولكنه يعلفها أكثر أيا م السنة ويشتري لها العلف ويبيع من أولادها وألبانها وأصوافها فكيف يزكيها أفيدونا ....... الجواب: تجب الزكاة في الغنم بشروط وهي أن تبلغ النصاب وأن

стр. 1785

يحول عليها الحول وهذا باتفاق أهل العلم وبشرط أن تكون سائمة وهذا عند جمهور العلماء وهو الذي تؤيده الأدلة ومعنى السوم أن ترعى الماشية أكثر العام فإن كان صاحبها يعلفها أكثر العام فلا زكاة فيها إلا إذا اتخذها للتجارة فعندئذ تزكى زكاة عروض التجارة. لما ورد في حديث أبي بكر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين فيها شاة" رواه البخاري. ولما ورد عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "في كل سائمة إبل في أربعين ابنة لبون" رواه أحمد وأبو داود والنسائي. فوصف النبي ﷺ لها بالسائمة يدل مفهومه على أن المعلوفة لا زكاة فيها، لأن الشارع ينزه كلامه عن اللغو. والحديثان السابقان وما جاء في معناهما يقيدان ما ورد من أحاديث مطلقة عن وصف السوم فتحمل على الأحاديث المقيدة بهذا الوصف. وأما ما تبيعه من أولادها وألبانها وأصوافها فتضيف أثمانها إلى ما لديك من أموال فإذا بلغ نصاباً وحال عليه الحول فتزكيه عندئذ ....... لا يجوز القرض الحسن من مال الزكاة يقول السائل: ترغب إحدى الجمعيات الخيرية في إنشاء صندوق من أموال الزكاة لمساعدة الطلبة الجامعيين الفقراء بإعطائهم قروضاً حسنةً بحيث يعطى الطالب مبلغاً من مال الزكاة كقرض حسن ويسدده بدون أية زيادة بعد أن يتخرج من الجامعة ويعمل، فما قولكم في ذلك؟ الجواب: إن الله بين لنا مصارف الزكاة فقال ﷻ : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) سورة التوبة الآية ٦٠ .......

стр. 1786

فهذه الآية الكريمة حصرت مصارف الزكاة في المصارف الثمانية ويدل على ذلك قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ) ولفظة (إنما) تقتضي حصر الزكاة في المصارف الثمانية ثم إن الله أضاف الصدقات للفقراء باللام التي تدل على التمليك ثم عطف بقية الأصناف على الفقراء، قال أبو إسحق الشيرازي بعد أن ذكر آية مصارف الزكاة: [فأضاف جميع الصدقات إليهم بلام التمليك وأشرك بينهم بواو التشريك فدل على أنه مملوك لهم مشترك بينهم] المهذب مع شرحه المجموع ٦/ ١٨٥. وقد اختلف أهل العلم في اشتراط تمليك الزكاة للأصناف الثمانية، فمن العلماء من قال إن التمليك شرط في الأصناف الثمانية. وجمهور العلماء على أن التمليك شرط في الأصناف الأربعة الأولى وهم الفقراء والمساكين والعاملون عليها والمؤلفة قلوبهم. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وأربعة أصناف يأخذون أخذاً مستقراً ولا يراعى حالهم بعد الدفع وهم الفقراء والمساكين والعاملون والمؤلفة. فمتى أخذوها ملكوها ملكاً دائماً مستقراً لا يجب عليهم ردها بحال وأربعة منهم وهم: الغارمون وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل. فإنهم يأخذون أخذاً مراعىً. فإن صرفوه في الجهة التي استحقوا الأخذ لأجلها وإلا استرجع منهم. والفرق بين هذه الأصناف والتي قبلها: أن هؤلاء أخذوا لمعنى لم يحصل بأخذهم للزكاة والأولون حصل المقصود بأخذهم وهو غنى الفقراء والمساكين وتأليف المؤلفين وأداء أجر العاملين] المغني ٢/ ٥٠٠. وقال الخطيب الشربيني: [وأضاف في الآية الكريمة الصدقات إلى الأصناف الأربعة الأولى بلام الملك والأربعة الأخير - كذا والصواب الأخيرة - بفي الظرفية للإشعار بإطلاق الملك في الأربعة الأولى وتقييده في الأربعة الأخيرة حتى إذا لم يحصل الصرف في مصارفها استرجع بخلافه في الأولى.] مغني المحتاج ٤/ ١٧٣ ....... وقال الألوسي: [والعدول عن اللام إلى (في) في الأربعة الأخيرة على ما قاله الزمخشري للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق الصدقة ممن سبق ذكره

стр. 1787

لما أن (في) للظرفية المنبئة عن إحاطتهم بها وكونهم محلها ومركزها وعليه فاللام لمجرد الاختصاص، وفي الانتصاف أن ثم سراً آخر هو أظهر وأقرب وذلك أن الأصناف الأوائل ملاك لما عساه أن يدفع إليهم وإنما يأخذونه تملكاً فكان دخول اللام لائقاً بهم وأما الأربعة الأواخر فلا يملكون لما يصرف نحوهم بل ولا يصرف إليهم ولكن يصرف في مصالح تتعلق بهم فالمال الذي يصرف في الرقاب إنما يتناوله السادة المكاتبون أو البائعون فليس نصيبهم مصروفاً إلى أيديهم حتى يعبر عن ذلك باللام المشعرة بملكهم لما يصرف نحوهم وإنما هم محال لهذا الصرف ولمصالحه المتعلقة به، وكذلك الغارمون إنما يصرف نصيبهم لأرباب ديونهم تخليصاً لذممهم لا لهم، وأما في سبيل الله فواضح فيه ذلك، وأما ابن السبيل فكأنه كان مندرجاً في سبيل الله وإنما أفرد بالذكر تنبيهاً على خصوصيته مع أنه مجرد من الحرفين جميعاً] روح المعاني ٥/ ٣١٤. وجاء في توصيات الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة المنعقدة في الكويت سنة ١٤١٣هـ ما يلي: [التمليك في الأصناف الأربعة الأولى المذكورة في آية مصارف الزكاة (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ.) شرط في إجزاء الزكاة والتمليك يعني دفع مبلغ من النقود أو شراء وسيلة النتاج كآلات الحرفة وأدوات الصنعة وتمليكها للمستحق القادر على العمل] أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة ٢/ ٨٨٦ ....... إذا تقرر هذا فإني أرى أنه لا يجوز تحويل أموال الزكاة إلى قروض حسنة تسترجع من الطلبة مستقبلاً لأن هذا يعني أن الزكاة لم توضع في مصارفها الشرعية فهذه الأموال المقرضة ستستمر في الدوران بين الطلبة وبين الصندوق كلما أخذها طالب ردها إلى الصندوق ليأخذها آخر وهكذا وبالتالي لا تكون الزكاة قد وقعت في أيدي مستحقيها ومن المعلوم أن المكلف بإخراج الزكاة أما أن يدفع مال الزكاة للمستحقين وأما أن يدفعه للإمام الذي يتولى إيصاله لمستحقيه أو من يقوم مقامه ولا تبرأ الذمة إلا بأحد الأمرين.

стр. 1788

انظر مجلة المجمع الفقهي عدد ٣ ج١ ص٤١٦. فإذا بقيت الزكاة تدور بين الصندوق وبين الطلبة فإنها لن تصل إلى مستحقيها ويبقى المال في هذا الصندوق الذي لا مالك له حقيقة. وأخيراً لا بد أن أذكر أن بعض العلماء المعاصرين ذهبوا إلى جواز إقراض مال الزكاة، قال الدكتور يوسف القرضاوي: [بقي هنا بحث نتم به الحديث عن هذا المصرف وهو إعطاء القروض الحسنة من الزكاة هل يجوز ذلك قياساً للمستقرضين على الغارمين؟ أم نقف عند حرفية النص ولا نجيز ذلك بناء على أن الغارمين هم الذين استدانوا بالفعل، أعتقد أن القياس الصحيح والمقاصد العامة للإسلام في باب الزكاة تجيز لنا القول بإقراض المحتاجين من سهم الغارمين على أن ينظم ذلك وينشأ له صندوق خاص. وبذلك تساهم الزكاة مساهمة عملية في محاربة الربا والقضاء على الفوائد الربوية. وهذا ما ذهب إليه الأساتذة: أبو زهرة وخلاف وحسن في بحثهم عن الزكاة معللين ذلك بأنه إذا كانت الديون العادلة تؤدي من مال الزكاة فأولى أن تعطى منه القروض الحسنة الخالية من الربا لترد إلى بيت المال فجعلوه من قياس الأولى] فقه الزكاة ٢/ ٦٣٤. وأقول إن القياس المذكور غير مسلم لأن الغارمين هم الذين استدانوا فعلاً وأصبحوا مطالبين بالدين ولا يستطيعون السداد فهؤلاء يعطون من سهم الغارمين وأما الإقراض للطلبة فإن هؤلاء الطلبة ليسوا غارمين حقيقة حتى نلحقهم بالغارمين. والصحيح في هذه المسألة أن هؤلاء الطلبة فقراء فيعطون من سهم الفقراء والمساكين ويمَلَّكون هذا المال ولا يصح استرداده منهم. ويمكن إيجاد حل آخر لمسألة القروض بأن ينشأ صندوق لإقراض الطلبة من أموال الصدقات الأخرى غير الزكاة على أن يخبر المتبرعون لهذا الصندوق بأن ما سيتبرعون به سيوضع في صندوق للقروض الحسنة ويجعل له نظام واضح ويبين فيه مآل هذه الأموال مستقبلاً إن انتهى عمل الصندوق .......

стр. 1789

الصدقة الجارية يقول السائل: ما المقصود بالصدقة الجارية؟ وهل القيام بأعمال التشطيبات في مسجد يُعد من الصدقة الجارية؟ حيث إنه يوجد في منطقتنا مسجد - بناء عظم - ويحتاج إلى تكملة ولديَّ النيةُ لإكماله فهل يدخل ذلك في الصدقة الجارية؟ الجواب: ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم. قال الإمام النووي: [قال العلماء معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة لكونه كان سببها فإن الولد من كسبه وكذلك العلم الذي خلَّفه من تعليم أو تصنيف وكذلك الصدقة الجارية وهي الوقف] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ٢٥٣. وقال الإمام البغوي: [هذا الحديث يدل على جواز الوقف على وجوه الخير واستحبابه وهو المراد من الصدقة الجارية] شرح السنة ١/ ٣٠٠. فالصدقة الجارية هي التي يستمر نفعها للناس فترة من الزمان ويكون أجرها المتجدد لصاحبها الذي جعلها ....... وجاء في الحديث عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول ﷺ (أربعة تجري عليهم أجورهم بعد الموت: من مات مرابطاً في سبيل الله , ومن علَّم علماً أجري له عمله ما عمل به , ومن تصدق بصدقة فأجرها يجري له ما وجدت , ورجل ترك ولداً صالحاً فهو يدعو له) رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط والبزار وفيه راوٍ ضعيف كما قاله الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٦٧ وورد في الحديث عن سلمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أربع من عمل الأحياء تجري للأموات: رجل ترك عقباً صالحاً ينفعه دعاؤهم

стр. 1790

ورجل تصدق بصدقة جارية من بعده له أجرها ما جرت بعده ورجل علَّم علماً فعمل به من بعده له مثل أجر من عمل به من غير أن ينقص من أجر من يعمل به شيء) رواه الطبراني وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير حديث رقم ٨٨٨. ويدخل في الصدقة الجارية أعمال البر وهي كثيرة جداً ومنها بناء المساجد فقد ثبت في الحديث عن عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه البخاري ومسلم. ويدخل في الصدقة الجارية أيضاً المشاركة في بناء المسجد وتعميره ولو كانت المشاركة بمبلغ قليل ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من بنى لله مسجداً قدْر مفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه البزار والطبراني في المعجم الصغير وابن حبان وقال الألباني صحيح كما في صحيح الترغيب والترهيب ١/ ٢٢٧. وقوله ﷺ : (قدْر مفحص قطاة) وهو المكان الذي تضع فيه القطاة - طير - بيضها. وهذا يدل على أن الأجر يثبت لمن أسهم في بناء المسجد ولو بشيء قليل لأنه لا يعقل أن يكون المسجد بقدر مفحص قطاة ....... ومن الصدقة الجارية التبرع بما يلزم المساجد من أثاث وسجاد وأدوات التنظيف ونحوها. ومن الصدقة الجارية ما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته علماً علَّمه ونشَره أو ولداً صالحاً تركه أو مصحفاً ورَّثه أو مسجداً بناه أو بيتاً لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته) رواه ابن ماجة وابن خزيمة والبيهقي وحسنه الشيخ الألباني كما في صحيح الترغيب والترهيب ١/ ٢٧٥. فتوريث المصاحف ووقفها على المساجد والمؤسسات العلمية كالمدارس والجامعات تعتبر صدقة جارية.
следующие страницы →