← Фатава

Фатава · id 9087

فتاوى يسألونك

حسام الدين عفانة

Полный текст (3 492 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

تغني عن هذه الصورة الباطلة، فعلى المسلم أن يلتزم بالصيغ الصحيحة، ويتجنب الصيغ المكذوبة، فإن الخير كل الخير في الإتباع، والشر كل الشر في الإبتداع. أحاديث الأبدال يقول السائل: إنه قرأ في إحدى المجلات مقالة حول الأبدال وأنهم يكونون بالشام كما ورد في الحديث المذكور في المقال، وهو عن الإمام علي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الأبدال يكونون بالشام، وهم أربعون رجلاً، كلما مات منهم رجل، أبدل الله مكانه رجلاً، يسقى بهم الغيث، وينصر بهم على الأعداء ويصرف بهم عن أهل الأرض البلاء) رواه الترمذي، فما قولكم في ذلك؟ الجواب: لم يثبت عن النبي- ﷺ حديث صحيح في الأبدال وكل ما ورد من الأحاديث في الأبدال والأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد، كلها أحاديث باطلة على رسول الله ﷺ ، كما قرر ذلك المحققون من أهل العلم حديثاً وقديماً. ومن هذه الأحاديث الباطلة، الحديث المذكور أعلاه، فإنه حديث منقطع وهو ضعيف قال الشيخ أحمد محمد شاكر يرحمه الله في تعليقه على مسند الإمام أحمد ٢/ ١٧١، قال: " وإسناده ضعيف لانقطاعه .... ". وقال ابن القيم: " ذكره الإمام أحمد ولا يصح أيضاً فإنه منقطع " المنار المنيف ص١٣٦. وقال الشيخ الألباني: ضعيف، انظر ضعيف الجامع الصغير ص٣٣٤. ويضاف إلى ذلك كله أن الحديث لم يروه الترمذي كما ورد في السؤال. وأحاديث الأبدال لم يروها أحد من أصحاب الكتب الستة إلا حديثاً

стр. 632

واحداً رواه أبو داود في سننه، وورد فيه ذكر الأبدال، وهو حديث أم سلمة وهو حديث ضعيف لا يصح وفيه " فإذا رأى الناس ذلك، أتاه أبدال الشام وعصائب أهل العراق فيبايعونه .... " وهذا الحديث ضعيف، فهو من رواية قتادة عن صالح أبي الخليل عن صاحب له لم يسمَّ عن أم سلمة، فالحديث ضعيف، كما أن قتادة لم بصرح بالسماع، وقد ضعفه الشيخ الألباني وغيره. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " والحديث المروي في الأبدال، أربعون رجلاً، حديث ضعيف، فإن أولياء الله المتقين، يزيدون وينقصون بحسب كثرة الإيمان والتقوى، وبحسب قلة ذلك، كانوا في أول الإسلام أقل من أربعين، فلما انتشر الإسلام كانوا أكثر من ذلك " مجموع الفتاوى ٢٧/ ٤٩٨. وخلاصة الأمر كما قال العلاّمة ابن القيم: " إن أحاديث الأبدال والأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد، كلها باطلة عن رسول الله ﷺ " المنار المنيف ص١٣٦. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " .... كل حديث يروى عن النبي ﷺ في عدة الأولياء والأبدال والنقباء والنجباء والأوتاد والأقطاب مثل أربعة أو سبعة أو اثني عشر أو أربعين أو سبعين أو ثلاثمئة وثلاثة عشر، أو القطب الواحد، فليس في ذلك شيء صحيح عن النبي ﷺ ولم ينطق السلف بشيء من هذه الألفاظ إلا بلفظ الأبدال، وروي فيهم حديث أنهم أربعون رجلاً وأنهم بالشام وهو في المسند من حديث علي ﵁، وهو حديث منقطع ليس بثابت " مجموع الفتاوى ١١/ ١٦٧. وقال الحافظ السخاوي: " حديث الأبدال له طرق عن أنس- ﵁ مرفوعاً بألفاظ كثيرة كلها ضعيفة " المقاصد الحسنة ص٨. وقد ضعف الشيخ الألباني حفظه الله الأحاديث الواردة في الأبدال كما في السلسلة الضعيفة ٢/ ٣٤٠ - ٣٤١. ورد الشيخ الألباني على السيوطي تصحيحه لها، وذكر حديث عبادة:

стр. 633

" الأبدال في هذه الأمة ثلاثون، مثل إبراهيم خليل الرحمن ، كلما مات رجل، أبدل الله ﵎ مكانه رجلاً "، ثم قال: " منكر رواه الأمام أحمد .... وقال أحمد عقبه: وهو حديث منكر .... الخ ". كما ضعف الشيخ الألباني أحاديث الأبدال الواردة عن أنس رواه الخلال في كرامات الأولياء، وقال الشيخ الألباني: ضعيف. وحديث عون بن مالك رواه الطبراني، وقال الشيخ الألباني: ضعيف. وحديث عطاء مرسلاً رواه الحاكم في الكنى، وقال الشيخ الألباني: ضعيف، انظر ضعيف الجامع الصغير، الأحاديث من رقم ٢٢٦٥ إلى ٢٢٧٠ وانظر أيضاً السلسلة الضعيفة ٣/ ٦٧٧ حيث ذكر الشيخ الألباني حديث عطاء السابق وقال: منكر. ونقل عن الذهبي أنه قال: " والخبر منكر ". ولا ينخدعن أحد بما ذكره السيوطي في رسالته: " الخبر الدال على وجود القطب والأوتاد والنجباء والأبدال " فإنها أحاديث ضعيفة مثخنة بالجراح. وذكر الحافظ ابن الجوزي أحاديث الأبدال وطعن فيها واحداً واحداً وحكم بوضعها. وقال الشيخ ملا علي القاري: " حديث الأبدال من الأولياء، له طرق عن أنس مرفوعاً بألفاظ مختلفة كلها ضعيفة " ذكره ابن الديبع. وعن ابن الصلاح: أقوى ما روينا في الأبدال قول علي أنه بالشام يكون الأبدال وأما الأدباء والنجباء والنقباء، فقد ذكرها بعض مشايخ الطريقة، ولا يثبت ذلك " الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ص١٠١ - ١٠٢. وجاء في تذكرة الموضوعات للفتني الهندي: " وعن أبي هريرة: " لن تخلو الأرض من ثلاثين، مثل إبراهيم خليل الرحمن، بهم يعانون وبهم يرزقون وبهم يمطرون " وفيه واضع ضعيف، .... وعن أنس: البدلاء

стр. 634

أربعون .... فيه العلاء روى عن أنس نسخة موضوعة .... ، وعن أنس بطريق آخر: الأبدال أربعون رجلاً وأربعون امرأة كلما مات .... الخ فيه مجاهيل .... الخ " تذكرة الموضوعات ١٩٤. وقال ابن عرَّاق الكناني بعد أن ساق عدداً من أحاديث الأبدال: " .... ولا يصح منها شيء ". هل كان الرسول ﷺ يكرر الحديث في أكثر من مجلس يقول السائل: هل كان الرسول عيه الصلاة والسلام يكرر الحديث الواحد في أكثر من مجلس؟ الجواب: إن تعدد روايات الصحابة للحديث الواحد مع اختلاف هذه الروايات، إما بزيادة أو نقص، يشير إلى تكرار الحديث في عدة مواطن، ولا نزعم أن هذا كان ديدناً له ﵊، ولعل في المثال التالي ما يشير إلى ذلك، وهو روايات حديث (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا .... الخ) من مسند أحمد، فهذا الحديث، رواه جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة وأبو بكر وأنس وجابر وأوس وغيرهم، وكلهم يروي الحديث نفسه مع زيادة أو نقص، وبعضهم يذكر مناسبة للحديث وهذه الروايات هي: ١ - عن أبي هريرة: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإن قالوها، عصموا مني دماءَهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله). ٢ - قال عمر: يا أبا بكر، كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه , وحسابه على الله تعالى). ٣ - عن أبي هريرة (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله

стр. 635

إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءَهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله). ٤ - عن أبي هريرة (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ثم قد حُرِّم عليَّ دماؤُهم وأموالهم، وحسابهم على الله . ٥ - حديث أنس (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلوا صلاتنا، فقد حُرِّمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم). ٦ - حديث جابر (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عَصَموا مني دماءَهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله . ٧ - حديث جابر (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عَصَموا مني بها دماءَهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ثم قرأ: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ) سورة الغاشية /٢٢,٢١). ٨ - حديث أوس (أتيت رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، فكنا في قبة فقام من كان فيها غيري وغير رسول الله ﷺ ، فجاء رجل فقال: اذهب فاقتله، ثم قال: أليس يشهد أن لا إله إلا الله، قال بلى، ولكن يقولها تعوذاً، فقال ردَّه قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها حُرِّمت عليَّ دماؤُهم وأموالهم إلا بحقها .... ). والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب

стр. 636

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) سورة آل عمران الآية ١٠٢. (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) النساء الآية ١. (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) سورة الأحزاب الآيتان ٧٠ - ٧١. وبعد. فهذا هو الجزء الرابع من كتابي [يسألونك] وأصله حلقات تنشر أسبوعياً، في جريدة القدس المقدسية، صباح كل يوم جمعة، أجيب فيها على أسئلة القراء. وقد احتوى هذا الجزء على أجوبة لكثير من المسائل والمشكلات،

стр. 637

التي تقع للناس، وخاصة بعض القضايا المعاصرة، حيث إن الفقه الإسلامي لا يقف جامداً، أمام المشكلات التي تتجدد للناس، وإنما يدرس الموضوعات، والقضايا الجديدة التي تمخضت عنها الحياة المعاصرة، بما جدَّ فيها من أنظمة وقوانين، ومخترعات واكتشافات، وتقدم علمي واقتصادي، وفكري وطبي، واجتماعي وإعلامي، وغير ذلك مما يلح العصر على دراستها (١)، وبيان حكم الشرع فيها، اعتماداً على الأدلة الشرعية، والضوابط والقواعد، التي أرسى قواعدها، فقهاؤنا الأجلاء، لنسير على هديها، ولا نخرج عنها؛ فإن في ذلك تحقيقاً لمصالح العباد، في المعاش والمعاد؛ فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدلٌ كلها، ورحمةٌ كلها، ومصالح كلها، وحكمةٌ كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ أتم دلالة وأصدَقَها، وهي نوره الذي أبصر به المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل، فهي قُرة العيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح؛ فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة، وكل خير من الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطُويَ العالم، وهي العصمة للناس وقوام العالم، وبها يمسك الله السماوات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله سبحانه وتعال خرابَ الدنيا وطَي العالم رفَع إليه ما بقي من رسومها، فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم، وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة (٢).

стр. 638

وأخيرأً فإني لا أزعم أني أصبت الحق فيما كتبت، ولكن حسبي أني بذلت الجهد والوسع، فما كنت أجيب على سؤال، إلا بعد مراجعة كتب أهل العلم، الذين نعيش على فتات موائدهم، من المفسرين والمحدثين والفقهاء. وأذكر الأخوة القراء، أنني أعتمد في تخريج الأحاديث الواردة في هذا الكتاب، وغيره من كتبي، على ما حققه محدث العصر، العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله ورعاه، ومنحه الصحة والعافية، وجزاه الله خير الجزاء على خدمته للسنة النبوية الشريفة. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والله الهادي إلى سواء السبيل أبوديس / القدس في صباح يوم الجمعة ٢٠ ربيع الأول ١٤٢٠ وفق ٢ تموز ١٩٩٩. كتبه الدكتور حسام الدين بن موسى عفانه الأستاذ المشارك في الفقه والأصول كلية الدعوة وأصول الدين جامعة القدس

стр. 639

الطهارة والصلاة

стр. 640

المسح على الجبيرة يقول السائل: إنه قد كسرت يده ووضعها في الجبس فكيف يصنع في الطهارة في حالتي الوضوء والغسل؟ الجواب: إذا تعذر على المسلم غسل عضو من أعضاء بدنه لعذر كأن يكون العضو مكسوراً وموضوعاً في الجبس أو مجروحاً وعليه دواء ومنعه الأطباء من استعمال الماء أو محروقاً أو نحو ذلك فإنه يشرع له المسح عليه دون الغسل بالماء وهذا يسمى عند العلماء المسح على العصائب والجبائر. والعصائب والجبائر قد تحتاج إلى مدة لإزالتها حسب حالة الجرح أو الكسر والمسلم في هذه المدة يحتاج إلى الطهارة سواء كانت الوضوء أو الغسل ودين الإسلام جاء باليسر والتسهيل على العباد فشرع المسح على العصائب والجبائر لرفع الحرج وإزالة المشقة عن الناس لأن في إزالة العصائب والجبائر حرجاً وضرراً يلحق بالمرضى. ومما يدل على مشروعية المسح على العصائب والجبائر ما ورد عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: [من كان له جرح معصوب عليه توضأ ومسح على العصائب ويغسل ما حول العصائب].

стр. 641

وفي رواية أخرى عن ابن عمر: [أنه توضأ وكفه معصوبة فمسح على العصائب وغسل سوى ذلك] رواه البيهقي وقال: وهو عن ابن عمر صحيح. سنن البيهقي ١/ ٢٢٨. وقد ورد عن النبي ﷺ بعض الأحاديث الضعيفة في المسح على الجبائر ولكنها غير ثابتة. قال البيهقي: [ولا يثبت عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء - أي باب المسح على العصائب والجبائر - وأصح ما روي فيه حديث عطاء بن أبي رباح وليس بالقوي وإنما فيه قول الفقهاء من التابعين ممن بعدهم مع ما روينا عن ابن عمر في المسح على العصابة] سنن البيهقي ١/ ٢٢٨. وقد قال بمشروعية المسح على العصائب والجبائر جمهور أهل العلم بما فيهم أصحاب المذاهب الأربعة وقد روى البيهقي عن جماعة من كبار التابعين جواز المسح على الجبائر منهم عبيد بن عمير وطاووس والحسن البصري وإبراهيم النخعي. والمسح على العصائب والجبائر واجب لا يصح الوضوء والغسل بدونه بالشروط التالية: ١. أن يكون غسل العضو المريض الذي عليه عصابة أو جبيرة ضاراً بالإنسان بحيث يخشى من غسله زيادة الألم أو تأخر الشفاء. ٢. أن لا تغطي الجبيرة أو العصابة من العضو الصحيح إلا ما لا بد منه وهذا معروف وخاصة في الجبيرة فإنه يحتاج فيها إلى تغطية جزء من العضو الصحيح بالإضافة إلى محل الكسر حتى تتماسك الجبيرة. وأما إذا تجاوزت الجبيرة المحل المصاب بدون حاجة فلا بد من نزعها عن المحل السليم لغسله ولا يصح مسحه هذا إذا كان نزعها لا يضر بالمريض. وصفة طهارة من كان على بدنه عصابة أو جبيرة أن يغسل الأعضاء

стр. 642

السليمة ويمسح على العضو الموضوع في الجبيرة ويجب أن يستوعب جميع الجبيرة بالمسح على مذهب جمهور الفقهاء. وهذه بعض أحكام المسح على العصائب والجبائر: ١. إن المسح على العصائب والجبائر غير مؤقت بمدة معينة بل يجوز المسح بدون توقيت ما دام هنالك حاجة للعصائب والجبائر فمثلاً قد يحتاج وضع الرجل المكسورة في الجبس إلى شهر أو شهرين فيمسح طوال تلك المدة بخلاف المسح على الخفين والجوربين فإنه محدد بيوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر. أي أن المسح على العصائب والجبائر مؤقت بالشفاء وليس بالأيام. ٢. لا يشترط أن توضع العصائب والجبائر على طهارة سابقة على الراجح من أقوال أهل العلم لما في ذلك من الحرج والمشقة فإن الإنسان قد يصاب في حادث مفاجئ ويحمل إلى المستشفى وتوضع يده أو رجله في الجبس ولا يمكنه التطهر قبل ذلك. ٣. يمسح على الجبيرة والعصابة في الوضوء والغسل بخلاف المسح على الخفين فلا يصح إلا في الوضوء فقط. ٤. لا يجوز المسح على العصائب والجبائر إن برء العضو وشفي من الجرح أو الكسر لأن المسح عليها رخصة مرهونة بالعذر فإذا زال العذر بطل المسح. ٥. إن مسح على العصابة أو الجبيرة ثم نزعها للبرء أو الشفاء فإن طهارته لا تنتقض لأنها تمت على وجه شرعي. كيف يتيمم المريض في المستشفى ؟ يقول السائل: إنه مريض ويرقد في المستشفى ولا يستطيع استعمال الماء للوضوء لأن الأطباء قد منعوه من استعماله فكيف يتيمم للصلاة؟

стр. 643

الجواب: يقول الله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) سورة المائدة آلآية ٦. إذا تعذر على المسلم استعمال الماء لأي سبب من الأسباب المبيحة للتيمم فإنه يتيمم والأصل في التيمم استعمال الصعيد الطيب كما في الآية السابقة. وهذا المريض عليه أن يتيمم بالتراب إن استطاع ذلك سواء وصل إلى التراب بنفسه أو أحضر له التراب فإن تعذر ذلك تيمم بالأرض الطاهرة وإن تعذر ذلك تيمم على الفراش والله يقول: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). والراجح في صفة التيمم أنه ضربة واحدة يضرب الأرض بيديه فيمسح بهما وجهه وكفيه لقول النبي ﷺ لعمار: (إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ضربة واحدة ثم تمسح بهما وجهك وكفيك) رواه البخاري ومسلم. النظافة لدخول المسجد يقول السائل: إن بعض المصلين يحضرون إلى المسجد بملابس ليست نظيفة وتخرج منهم روائح كريهة وخاصة في أيام الصيف الحارة فما قولكم في ذلك؟ الجواب: إن الإسلام دين النظافة ويظهر ذلك واضحاً جلياً في كثير من النصوص الشرعية التي تحث على النظافة والطهارة والتطيب وإزالة ما يجب إزالته من الروائح الكريهة أو ما يؤدي إليها فالمسلم يتوضأ في اليوم

стр. 644

عدة مرات ليصلي ومطلوب منه أن يستعمل السواك عدة مرات أو ما يقوم مقام السواك من فرشاة أسنان ومعجون ومطلوب من المسلم الاغتسال مرة في الأسبوع على أقل تقدير. وقد حثَّ الإسلام المسلمين على الطهارة والنظافة في البدن والثياب عند حضور مجامع المسلمين كصلاة الجماعة والجمعة والعيدين وغيرها وهذه بعض النصوص الشرعية التي تؤكد على هذه الحقيقة: ١. يقول الله تعالى:: (يا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) سورة المائدة الآية ٦. ٢. ويقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) سورة المدثر الآيات ١ - ٤. ٣. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل) رواه البخاري ومسلم. ٤. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (غسلُ يوم الجمعة واجب على كل محتلم - أي بالغ - والسواك وأن يمس من الطيب ما يقدر عليه) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : (حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً يغسل فيه رأسه وجسده) رواه البخاري ومسلم. ٦. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من النصوص التي تحث المسلم وتوجب عليه الطهارة والنظافة بشكل عام وفي يوم الجمعة بشكل خاص نظراً لاجتماع المصلين في المسجد وحتى لا يؤذي بعضهم بعضاً بروائحهم الكريهة.

стр. 645

وقد جاء في الحديث عن عائشة ﵂: (كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم ومن العوالي فيأتون في العباء فيصيبهم الغبار والعرق فتخرج منهم الريح فأتى النبي ﷺ إنسان منهم وهو عندي فقال النبي ﷺ : لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا؟) رواه البخاري ومسلم. وقد حث الرسول ﷺ المسلم أن يلبس ملابس نظيفة وخاصة يوم الجمعة غير ملابسه التي يلبسها لعمله خلال أيام الأسبوع فقد جاء في الحديث عن عبد الله بن سلام ﵁: (أنه سمع النبي ﷺ يقول على المنبر يوم الجمعة: ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته) رواه أحمد وأبو داود وإسناده صحيح على شرط مسلم كما قال الشيخ الألباني في غاية المرام ص ٦٤. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (على كل مسلم الغسل يوم الجمعة ويلبس من صالح ثيابه وإن كان له طيب مس منه) رواه أحمد وأبو داود وهو حديث صحيح، الفتح الرباني ٦/ ٤٨. وكذلك فإن من السنة أن يتطيب المسلم عند ذهابه إلى المسجد لصلاة الجمعة ولغيرها فقد جاء في الحديث عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يروح إلى المسجد ولا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت للإمام إذا تكلم إلا غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة الأخرى) رواه البخاري. وعن أبي أيوب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد فيركع إن بدا له ولم يؤذ أحداً ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى) رواه أحمد ورجاله ثقات كما قال الهيثمي. كما وأن الرسول ﷺ نهى من أكل بصلاً أو ثوماً عن الحضور إلى

стр. 646

المسجد لما في ذلك من إيذاء للمصلين بالروائح الكريهة فقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من أكل الثوم والبصل والكراث فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية عند مسلم: (من أكل هذه الشجرة يعني الثوم فلا يقربن مساجدنا). وفي رواية أخرى عند البخاري ومسلم: (من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا ولا يصلين معنا). وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما - البصل والثوم - من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع) رواه البخاري ومسلم. وينبغي أن يعلم أن كل رائحة كريهة تلحق برائحة البصل والثوم فمن كانت رائحة جواربه ورجليه نتنة فينبغي له أن لا يدخل المسجد حتى يغسلهما وكذلك رائحة المدخنين الكريهة تلحق برائحة آكلي البصل والثوم وهكذا كل رائحة كريهة لأن المساجد تصان عن جميع الروائح الكريهة. قال القرطبي: [قال العلماء: إذا كانت العلة في إخراجه من المسجد أنه يتأذى به ففي القياس أن كل من تأذى به جيرانه في المسجد بأن يكون ذرب اللسان سفيهاً عليهم أو كان ذا رائحة قبيحة لا تريمه - أي لا تفارقه - لسوء صناعته أو عاهة مؤذية كالجذام وشبهه وكل ما يتأذى به الناس كان لهم إخراجه ما كانت العلة موجودة حتى تزول. وكذلك يجتنب مجتمع الناس حيث كانت لصلاة أو غيرها كمجالس العلم والولائم وما أشبهها من أكل الثوم وما في معناه مما له رائحة كريهة تؤذي الناس) تفسير القرطبي ٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨ وأخيراً أذكر ما قاله الإمام الشافعي في حق من يحضر الجمعة وغيرها: (فنحب للرجل أن يتنظف يوم الجمعة بغسل وأخذ شعر وظفر وعلاج لما يقطع تغير الريح من جميع جسده وسواك وكل ما نظفه وطيبه

стр. 647

وأن يمس طيباً مع هذا إن قدر عليه ويستحسن من ثيابه ما قدر عليه ويلبسها عليه ويطيبها اتباعاً للسنه ولا يؤذي أحداً قاربه بحال. وكذلك أحب له في كل عيد وآمره به وأحبه في كل صلاة جماعة وآمره به وأحبه في كل أمر جامع للناس وإن كنت له في الأعياد من الجمع وغيرها أشد استحباباً للسنة وكثرة حاضرها) الأم ١/ ١١٧. الأذان الجماعي يقول السائل: إنه سمع من الإذاعة الأذان يؤدى من مجموعة من المؤذنين في وقت واحد فما قولكم في ذلك؟ الجواب: إن الأذان الجماعي بدعة ليست مشروعة ومخالفة لما كان عليه الهدي النبوي لأن الأصل في الأذان المأثور منذ عهد الرسول ﷺ أن يؤذن شخص واحد فقط. قال الشيخ علي محفوظ: [ومن البدع أذان الجماعة المعروف بالأذان السلطاني أو أذان الجوقة فإنه لا خلاف في أنه مذموم مكروه لما فيه من التلحين والتغني وإخراج كلمات الأذان عن أوضاعها العربية وكيفياتها الشرعية بصورة قبيحة. وأول من أحدثه هشام بن عبد الملك.] الإبداع ص ١٧٦. وقد أجاب الشيخ محمد مصطفى المراغي لما سئل عن الأذان الجماعي بقوله: [إن الأذان السلطاني لم يكن على عهد رسول الله ﷺ ] الإبداع ص ١٧٦. وقال الشيخ محمد عبد السلام: [والأذان جماعة على وتيرة واحدة بدعة] السنن ص ٤٩. وقد أجاز بعض أهل العلم أن يؤذن أكثر من واحد في آن واحد إذا كان صوت المؤذن الواحد لا يصل مختلف أرجاء البلد فقالوا: يجوز حينئذ

стр. 648

أن يقوم أربعة مؤذنين مثلاً على عدة مآذن فيؤذنوا ليصل صوتهم إلى أرجاء البلد. وهذه العلة التي ذكروها زالت اليوم نظراً لاستخدام مكبرات الصوت التي توصل صوت المؤذن الواحد إلى أرجاء البلد فكيف إذا كان الأذان بواسطة الإذاعة فإن عدد الذين يستمعون له أكبر وأكثر ويصل إلى مختلف أنحاء الدولة وأبعد من ذلك. قال الإمام الشافعي: [. ولا يؤذن جماعة معاً وإن كان مسجداً كبيراً له مؤذنون عدد فلا بأس أن يؤذن في كل منارة له مؤذن فيسمع من يليه في وقت واحد] الأم ١/ ٨٤. وقال الماوردي: [. لأن الصوت يختلط باجتماعهم فلا يفهم إلا أن يكون البلد كبيراً والمسجد واسعاً فلا بأس أن يجتمعوا في الأذان دفعة واحدة كالبصرة.] الحاوي الكبير ٢/ ٥٨ - ٥٩. يستحب الأذان في أذن المولود يقول السائل: سمعت أنه من السنة أن يؤذن في أذن المولود بعد ولادته فهل لهذا مستند من الشرع؟ الجواب: جاء في الحديث عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ أذّن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة ﵄ رواه الترمذي وقال: هذا حديث صحيح والعمل عليه - أي عند العلماء - ورواه أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي وغيرهم وقال الشيخ الألباني: حديث حسن. صحيح سنن الترمذي ٢/ ٩٣. وذكر الشيخ الألباني حديثاً آخر يقوي الحديث المتقدم ويشهد له وهو ما رواه البيهقي في " شُعب الإيمان " عن ابن عباس ﵄: (أن

стр. 649

النبي ﷺ أذنّ في أذن الحسن بن علي يوم ولد وأقام في أذنه اليسرى) سلسلة الأحاديث الضعيفة ١/ ٣٣١. وبناء على هذين الحديثين استحب جمهور أهل العلم أن يؤذن في أذن المولود اليمنى وان تقام الصلاة في أذنه اليسرى. وهذا في مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة. الموسوعة الفقهية ٢/ ٣٧٣، الأذكار ص ٢٤٤ وذكر عن الحسن البصري أنه كان يفعل ذلك. وروى ابن المنذر عن عمر بن عبد العزيز أنه كان إذا وُلِدَ له ولد أذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى. الفتح الرباني ١٣/ ١٣٥، شرح السنة ١١/ ٢٧٣. ورواه أيضاً عبد الرزاق في المصنّف عن عمر بن عبد العزيز. المصنف ٤/ ٣٣٦. والمقصود بالأذان المذكور هو الأذان للصلاة وكذا الإقامة الإقامة للصلاة. قال العلامة ابن القيم مبيناً الحكمة من هذه السنة: [وسر التأذين والله أعلم: أن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلماته - أي كلمات الأذان - المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته والشهادة التي أول ما يدخل بها في الإسلام فكان ذلك كالتلقين له شعار الإسلام عند دخوله إلى الدنيا كما يلقن كلمة التوحيد عند خروجه منها وغير مستنكر وصول أثر التأذين إلى قلبه وتأثره به وإن لم يشعر مع ما في ذلك من فائدة أخرى وهي هروب الشيطان من كلمات الأذان وهو كان يرصده حتى يولد فيقارنه للمحنة التي قدّرها الله وشاءها فيسمع شيطانه ما يضعفه ويغيظه أول أوقات تعلقه به. وفيه معنى آخر وهو أن تكون دعوته إلى الله وإلى دينه الإسلام وإلى عبادته سابقة على دعوة الشيطان. كما كانت فطرة الله التي فطر الناس عليها

стр. 650

سابقة على تغيير الشيطان ونقله عنها ولغير ذلك من الحكم] تحفة المودود بأحكام المولود لابن القيم ص٢٥ - ٢٦. وقال العلامة ابن علان: [قوله (أذن في أذن الحسن) أي أتى بكلمات الأذان المعروفة في أذن الحسن عقب ولادته ليكون الذِكْرُ أول شيء يقرع سمعه وشرع في قلبه وقياً لأن الشيطان ينخس فيه عند الولادة فاستحب الأذان حينئذ لأن الشيطان يدبر عند سماعه] الفتوحات الربانية على الأذكار النووية ٦/ ٩٤ - ٩٥. ومن جهة أخرى فإن من السنة أيضاً في حق المولود أن يحنَّك بالتمر فقد ثبت في الحديث عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: (ولد لي غلام فأتيت به النبي ﷺ فسمّاه إبراهيم وحنَّكه بتمرة ودعا له بالبركة ودفعه إليَّ وكان أكبر ولد أبي موسى) رواه البخاري. وعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة قالت: (فخرجت وأنا متم - أي أتمت مدة الحمل - فأتيت المدينة فنزلت بقباء فولدت بقباء ثم أتيت رسول الله ﷺ فوضعته ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ ثم حنَّكه بالتمرة ثم دعا له فبرَّك عليه وكان أول مولود في الإسلام) أي في المدينة بعد الهجرة. رواه البخاري ومسلم. وكذلك فقد ثبت من حديث أنس بن مالك ﵁ في قصة ابن أبي طلحة: (لمّا ولد غلام لأبي طلحة من زوجته أم سليم حيث حمل أنس الطفل إلى الرسول ﷺ فأخذ النبي ﷺ تمراً فمضغه ثم أخذه من فيه فجعله في فم الصبي ثم حنَّكه وسماه عبد الله) والحديث في الصحيحين. والتحنيك هو مضغ تمر أو غيره حتى يصير مائعاً ثم يوضع في فم الطفل ويدلك به فم الطفل. والتحنيك سنة بالإجماع كما قال الإمام النووي ويستحب أن يحنَّكه إنسان صالح من رجل أو امرأة.

стр. 651

والتحنيك يكون بالتمر كما هو مذكور في الأحاديث السابقة فإن لم يتيسر فبالرطب وإلا فشيء حلو وعسل النحل أولى من غيره. والتحنيك بالتمر له فوائد عديدة فالتمر من الفواكه الجافة وهو غني بالسكر والسليلوز ويحتوي نسبة كبيرة من المواد السكرية ويستطيع الجهاز الهضمي هضمه وامتصاصه خلال ساعة تقريباً وفي التمر نسبة من المواد البروتينية والمواد الدسمة ويحتوي على نسبة من المواد المعدنية وهو غني بالفيتامينات. وأفادت بعض الدراسات العلمية أن جعل شيء من التمر بعد مضغه في فم الطفل يخفف المغص والآلام عند الأطفال ويهدئ الأطفال. قال صاحب كتاب " الغذاء لا الدواء ": [لذلك فإننا ننصح الأطباء بإعطاء كل طفل ثائر عصبي المزاج بضع تمرات في صباح كل يوم لتضفي السكينة والهدوء على نفسه فتحد من تصرفاته واضطراباته.] الغذاء لا الدواء ص ١٢٢ للدكتور صبري القباني. وللتمر فوائد أخرى كثيرة ذكرها العلماء قديماً وحديثاً. الطب النبوي ص ٢١٦ - ٢١٧. وقال الله : (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) سورة مريم الآية ٢٥. حكم صلاة المرأة في البنطال تقول السائلة: هل يجوز للمرأة أن تصلي في بيتها وهي تلبس البنطلون ولا يراها أحد من الرجال الأجانب؟ الجواب: نص أهل العلم على أنه يجب على المرأة إذا صلت أن تستر جميع بدنها ما عدا الوجه والكفين ومن ضمن شروط لباس المرأة أن

стр. 652

يكون لباسها فضفاضاً غير ضيق فيصف شيئاً من جسمها. ويدل على ذلك ما جاء في حديث أسامة بن زيد ﵄ قال: (كساني رسول الله قبطية كثيفة مما أهداها له دحية الكلبي فكسوتها امرأتي. فقال: مالك لم تلبس القبطية؟ قلت: كسوتها امرأتي. فقال: مرها فلتجعل تحتها غلالة فإني أخاف أن تصف حجم عظامها) رواه أحمد والبيهقي والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني. جلباب المرأة المسلمة ص ١٣١ - ١٣٢. ففي هذا الحديث أمر الرسول ﷺ بأن تجعل المرأة تحت القبطية غلالة - وهي شعار يلبس تحت الثوب - ليمنع وصف بدنها والأمر يفيد الوجوب كما هو معلوم عند الأصوليين. وقد نص أهل العلم أيضاً على أن أقل اللباس المجزئ للمرأة في صلاتها هو درع وخمار فالخمار تغطي به رأسها وعنقها والدرع تغطي به البدن والرجلين. فقد جاء في الحديث عن أم سلمة ﵂ أنها سألت الرسول ﷺ : (أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟ فقال: إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور قدميها) رواه أبو داود بإسناد جيد كما قال الإمام النووي ورواه الحاكم وقال: حديث صحيح على شرط البخاري. انظر المجموع ٣/ ١٧٢. وقال عمر بن الخطاب ﵁: [تصلي المرأة في ثلاثة أثواب درع وخمار وإزار] رواه البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٢٣٥. وقالت عائشة ﵂: [لا بد للمرأة من ثلاثة أثواب تصلي

стр. 653

فيها: درع وجلباب وخمار وكانت عائشة تحل إزارها فتتجلبب به] رواه ابن سعد بإسناد صحيح على شرط مسلم. وإنما كانت عائشة تفعل ذلك لئلا يصفها شيء من ثيابها وقولها: (لا بد) دليل على وجوب ذلك. وقال ابن عمر ﵄: [إذا صلت المرأة فلتصل في ثيابها كلها الدرع والخمار والملحفة] رواه ابن أبي شيبة في المصنف بسند صحيح كما قال الشيخ الألباني. انظر جلباب المرأة المسلمة ص ١٣٤ - ١٣٥. والملحفة هي الجلباب. وسئلت أم سلمة ﵂: [ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ فقالت: في الخمار والدرع السابغ الذي يغيب ظهور قدميها] رواه مالك في الموطأ. وقال مكحول سألت عائشة: [فبكم تصلي المرأة؟ فقالت: ائت علياً فاسأله ثم ارجع إلي. فقال: في درع سابغ وخمار فرجع إليها فأخبرها فقالت: صدق] رواه عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة أيضاً انظر الاستذكار ٥/ ٤٤١. وهذه النصوص المذكورة عن الصحابة قال بها الأئمة من أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم. قال الحافظ ابن عبد البر: [والذي عليه فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق أن على المرأة الحرة أن تغطي جسمها كله بدرع صفيقٍ سابغٍ وتخمر رأسها فإنها كلها عورة إلا وجهها وكفيها وأن عليها ستر ما عدا وجهها وكفيها] الاستذكار ٥/ ٤٤٣. وقد سئل الإمام أحمد: [المرأة في كم ثوب تصلي؟ قال: أقله درع وخمار وتغطي رجليها ويكون درعاً سابغاً يغطي رجلها] مسائل إبراهيم بن هانيء للإمام أحمد رقم ٢٨٦ عن القول المبين ص ٢٨.

стр. 654

وقال الإمام أحمد أيضاً: [قد اتفق عامتهم - أي العلماء - على الدرع والخمار وما زاد فهو خير وأستر ولأنه إذا كان عليها جلباب فإنها تجافيه راكعة وساجدة لئلا تصفها ثيابها فتبين عجيزتها ومواضع عورتها] المغني ١/ ٤٣٢. وبهذا يظهر لنا أن صلاة المرأة في البنطلون ولو كانت في بيتها لا يراها أحد غير صحيحة لأنها أخلت بشرط من شروط ستر العورة وهو أن يكون لباسها فضفاضاً سابغاً والبنطلون ليس كذلك بل هو ضيق ملتصق بلحمها وعظمها يصف حجم أعضائها. وما ينسب لمذهب الشافعية من جواز صلاة المرأة في الملابس الضيقة غير مسلّم به بل إن الإمام الشافعي على خلاف ذلك فقد قال الإمام الشافعي في كتابه الأم: [وإن صلى - أي الرجل - في قميص يشف عنه لم تجزه الصلاة. فإن صلى في قميص واحد يصفه ولم يشف كرهت له ولا يتبين أن عليه إعادة الصلاة والمرأة أشد حالاً من الرجل إذا صلت في درع وخمار يصفها وأحب إليّ أن لا تصلي إلا في جلباب فوق ذلك وتجافيه عنها لئلا يصفها الدرع] الأم ١/ ٩٠ - ٩١. فانظر إلى حرص الإمام الشافعي على أن يكون الجلباب فضفاضاً واسعاً حتى لا يصف أعضاء المرأة. حكم قراءة الفاتحة في الركعتين الأخيرتين يقول السائل: هل يقرأ المصلي في الركعتين الأخيرتين من الصلاة الرباعية سورة بالإضافة إلى سورة الفاتحة؟ الجواب: إن الأصل في الصلاة هو اتباع الرسول ﷺ وأن نفعل مثلما فعل بغير زيادة ولا نقصان فقد ثبت في الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري. وقد اتفق أهل العلم على أن المصلي إذا كان إماماً أو منفرداً فإنه يقرأ

стр. 655

في الركعتين الأوليين الفاتحة وسورة بعدها فقد ثبت في الحديث عن أبي قتادة ﵁: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب ويسمعنا ويطول في الركعة الأولى مالا يطيل في الركعة الثانية وهكذا في العصر وهكذا في الصبح) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى عند مسلم: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة ويسمعنا الآية أحياناً ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب). وقد بوب الإمام البخاري لحديث أبي قتادة ﵁ بقوله باب (يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب). قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [يعني بغير زيادة وسكت عن ثالثة المغرب رعاية للفظ الحديث مع أن حكمهما حكم الأخريين من الرباعية.] فتح الباري ٢/ ٤٠٣. وبناءاً على هذه الأحاديث فإن المصلي يقتصر على قراءة الفاتحة فقط في الركعتين الأخيرتين من الصلاة الرباعية وكذا الثالثة من الصلاة الثلاثية وهذا في معظم صلاته وهو مذهب جماعة كثيرة من أهل العلم. وإن قرأ المصلي في الثالثة والرابعة وكذا في ثالثة المغرب سورة مع الفاتحة فلا بأس ولكن دون أن يداوم على ذلك. فقد ثبت أن النبي ﷺ كان أحياناً يقرأ السورة في الثالثة والرابعة بعد الفاتحة كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية أو قال نصف ذلك وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر خمس عشرة آية وفي الأخريين قدر نصف ذلك) رواه مسلم. فقول أبي سعيد ﵁: (وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية)

стр. 656

يدل على أنه ﷺ كان يقرأ في الأخريين من الظهر بزيادة على الفاتحة لأنها ليست إلا سبع آيات. انظر نيل الأوطار ٢/ ٢٥٤ والفتح الرباني ٣/ ٢٠٩. وقال الشيخ الألباني معلقاً على هذا الحديث: [وفي الحديث دليل على أن الزيادة على الفاتحة في الركعتين الأخريين سنة وعليه جمع من الصحابة منهم أبو بكر الصديق ﵁ وهو قول الإمام الشافعي سواء ذلك في الظهر أو غيرها.] صفة صلاة النبي ﷺ ص ٩٤. قال الإمام الماوردي بعد أن ذكر أن في المسألة قولين للإمام الشافعي: [والقول الثاني إنها سنة في الأخريين كما كانت سنة في الأوليين وهو في الصحابة قول أبي هريرة وابن عمر ﵄ لرواية رفاعة بن رافع ﵁ أن الرسول ﷺ قال للرجل حين علمه الصلاة: (ثم اقرأ بأم القرآن وما شاء الله أن تقرأ به ثم اصنع ذلك في كل ركعة) الحاوي الكبير ٢/ ١٣٥. وذكر الإمام النووي أن القول الثاني للشافعي في سنية قراءة سورة مع الفاتحة في الأخريين هو نص الشافعي في الأم وقد صححه جماعة من فقهاء الشافعية. المجموع ٤/ ٣٨٦. الدعاء قبل السلام من الصلاة يقول السائل: ما هو المشروع من الدعاء قبل أن يسلّم المصلي؟ الجواب: ورد عن الرسول ﷺ أحاديث في الدعاء قبل السلام في الصلاة منها: ١. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم

стр. 657

ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال) رواه مسلم. ٢. ومنها ما رواه مسلم بسنده عن طاووس عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن يقول: (قولوا اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات). قال الإمام مسلم صاحب الصحيح: [بلغني أن طاووساً قال لابنه: أدعوت بها في صلاتك؟ فقال: لا. قال: أعد صلاتك] لأن طاووساً رواه عن ثلاثة أو أربعة أو كما قال. صحيح مسلم مع شرح النووي ٢/ ٢٤٠. وظاهر هذه الأحاديث يدل على وجوب الاستعاذة من هذه الأربع المذكورة في الحديث وقال بالوجوب جماعة من أهل العلم كطاووس وابن حزم الظاهري والشوكاني والصنعاني والشيخ الألباني. ولكن جمهور أهل العلم على أن الاستعاذة من الأربعة المذكورة مستحبة وليست واجبة وهذا أرجح القولين في المسألة. قال الإمام النووي: [باب استحباب التعوذ من عذاب القبر وعذاب جهنم وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال ومن المأثم والمغرم بين التشهد والتسليم]. ثم قال: [قوله: إن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن وإن طاووساً رحمه الله تعالى أمر ابنه حين لم يدع بهذا الدعاء فيها بإعادة الصلاة. هذا كله يدل على تأكيد هذا الدعاء والتعوذ والحث الشديد عليه. وظاهر كلام طاووس رحمه الله تعالى أنه حمل الأمر به على الوجوب فأوجب إعادة الصلاة لفواته. وجمهور العلماء على أنه مستحب ليس بواجب. ولعل طاووساً أراد تأديب ابنه وتأكيد هذا الدعاء عنده لا أنه يعتقد وجوبه] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٢٤٠.

стр. 658

وطاووس المذكور هو طاووس بن كسيان الفقيه القدوة عالم اليمن من التابعين. وقال ابن المنذر: [لولا حديث ابن مسعود (ثم ليتخير من الدعاء) لقلت بوجوبها] فتح الباري ٢/ ٤٦٥. صيغة التسليم من الصلاة يقول السائل: نسمع بعض المصلين عندما يسلم عن يمينه من الصلاة يقول: [السلام عليكم ورحمة الله وبركاته] ثم يسلم عن يساره بقوله: [السلام عليكم ورحمة الله] بدون لفظ وبركاته فما قولكم في ذلك؟ الجواب: ثبت التسليم عن النبي ﷺ ولفظه المتفق عليه عند أكثر أهل العلم هو السلام عليكم ورحمة الله [على اليمين] ثم السلام عليكم ورحمة الله [على الشمال] والسلام بهذا اللفظ وبدون زيادة لفظ [وبركاته] قد ورد عن جماعة من الصحابة ذكرهم العلامة ابن القيم في زاد المعاد ١/ ٢٥٨. ومنها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ الوارد في التسليم بدون زيادة [وبركاته] ونصه: أن الرسول ﷺ : (كان يسلم عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله) رواه الترمذي وقال حسن صحيح والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق. سنن الترمذي ٢/ ٩٠. وغيره من الأحاديث وجمهور أهل العلم على الاقتصار في التسليم على [السلام عليكم ورحمة الله] بدون زيادة [وبركاته]. وأما زيادة لفظة [وبركاته] فقد وردت في بعض الروايات فمن ذلك ما جاء في إحدى روايات حديث ابن مسعود السابق عند ابن حبان: (أن النبي ﷺ كان يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده: السلام

стр. 659

عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) فقد ورد في هذه الرواية زيادة [وبركاته] في التسليمة الثانية. وروى أبو داود بإسناده عن علقمة بن وائل عن أبيه قال: (صليت مع النبي ﷺ فكان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة وبركاته وعن شماله السلام عليكم ورحمة الله) ففي هذه الرواية وردت لفظة [وبركاته] في التسليمة الأولى. وقد ذكر الإمام النووي في المجموع وفي الخلاصة هذا الحديث بزيادة وبركاته في التسليمتين ثم قال: رواه أبو داود بإسناد صحيح. المجموع ٣/ ٣٧٩ والخلاصة ١/ ٤٤٤ - ٤٤٥. كما ذكر الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام رواية حديث وائل السابق بزيادة وبركاته في التسليمتين: (صليت مع النبي ﷺ فكان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعن شماله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته). ثم قال الحافظ ابن حجر: رواه أبو داود بإسناد صحيح. بلوغ المرام ص ٣٤٢. وقد علق الشيخ الألباني على ذلك بقوله: [ولكنهما - النووي وابن حجر - أورداه مع الزيادة في التسليمتين فلا أدري أذلك وَهمٌ منهما أو هو من اختلاف النسخ فإن الذي في نسختنا وغيرها من المطبوعات ليس فيه هذه الزيادة في التسليمة الثانية وهو الموافق لحديث ابن مسعود في مسند الطيالسي.] ارواء الغليل ٢/ ٣٢ وانظر تمام المنة ص ١٧١. وما قاله الشيخ الألباني صحيح فلا يوجد في نسخة سنن أبي داود المطبوعة مع شرحه عون المعبود لفظة وبركاته في التسليمة الثانية. انظر عون المعبود ٣/ ٢٠٧. ولا توجد هذه اللفظة كذلك في نسخة سنن أبي داود المطبوعة مع شرحه المنهل العذب المورود ٦/ ١١٦.

стр. 660

وخلاصة الأمر أن الثابت المشهور في التسليم من الصلاة أن يقول المصلي: [السلام عليكم ورحمة الله] في التسليمتين عن يمينه وعن يساره. وإن زاد [وبركاته] في التسليمة الأولى أحياناً فلا بأس به. انظر صفة صلاة النبي ﷺ ص ١٦٨. وقد اختار هذه الزيادة جماعة من الفقهاء والمحدثين كما في المجموع للنووي ٣/ ٤٧٨. وقال الصنعاني: [وحديث التسليمتين رواه خمسة عشر من الصحابة بأحاديث مختلفة ففيها صحيح وحسن وضعيف ومتروك وكلها بدون زيادة [وبركاته] إلا في رواية وائل هذه ورواية عن ابن مسعود عند ابن ماجة وعند ابن حبان ومع صحة إسناد حديث وائل كما قال المصنف - الحافظ ابن حجر - هنا يتعين قبول زيادته إذ هي زيادة عدل وعدم ذكرها في رواية غيره ليست رواية لعدمها. وقد عرفت أن الوارد زيادة [وبركاته] وقد صحت ولا عذر عن القول بها وقال به السرخسي والإمام والروياني في الحلية. وقول ابن الصلاح: إنها لم تثبت قد تعجب منه المصنف وقال هي ثابتة عند ابن حبان في صحيحه وعند أبي داود وعند ابن ماجة قال المصنف: إلا أنه قال ابن رسلان في شرح السنن: لم نجدها في ابن ماجة. قلت - أي الصنعاني -: راجعنا سنن ابن ماجة من نسخة صحيحة مقروءة فوجدنا فيه ما لفظه: باب التسليم حدثنا. (أن رسول الله ﷺ كان يسلم عن يمينه وعن شماله حتى يرى بياض خده السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) انتهى بلفظه. وفي تلقيح الأفكار تخريج الأذكار للحافظ ابن حجر لما ذكر النووي أن زيادة وبركاته زيادة فردة ساق الحافظ طرقاً لزيادة وبركاته ثم قال هذه عدة طرق ثبتت بها وبركاته بخلاف ما يوهمه كلام الشيخ أنها رواية فردة] انتهى كلامه. سبل السلام ١/ ٣٧٦ - ٣٧٧.

стр. 661

يجوز إيقاف الهاتف النقال [البلفون] أثناء الصلاة يقول السائل: إنه نسي جهاز الهاتف النقال (البلفون) مفتوحاً ودخل في الصلاة مع الجماعة وأثناء الصلاة رنَّ الهاتف عدة مرات فهل يجوز له أن يوقفه خلال الصلاة أم يتركه. مع العلم أن الشخص الذي اتصل عليه قد يعيد الاتصال أكثر من مرة وفي ذلك إزعاج للمصلين فما قولكم؟ الجواب: ينبغي أولاً على من يحمل الهاتف النقال (البلفون) أن يوقفه عن العمل عند دخوله المسجد سواء أكان ذلك في صلاة الجمعة أو غيرها من الصلوات. لأن احتمال أن يتصل به أحد قائم وفي الرنين الصادر من الهاتف إزعاج وتشويش على المصلين والمساجد لها حرمتها ولا ينبغي لأحد أن يشوش على من في المسجد سواء كانوا في صلاة أو ذكر أو قراءة قرآن أو سماع درس علم بأي نوع من أنواع التشويش والإزعاج. فقد ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: ألا إن كلكم مناجٍ ربه فلا يؤذي بعضكم بعضاً ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة) رواه أبو داود بإسناد صحيح كما قال الإمام النووي وصححه الشيخ الألباني. إذا تقرر هذا فأقول إنه يجوز لحامل الهاتف النقال (البلفون) أن يوقفه عن العمل أثناء الصلاة وإن اقتضى ذلك أن يتحرك المصلي في صلاته فإن هذه الحركة مباحة على أقل تقدير إن لم تكن مستحبة نظراً للحاجة حيث إنه يترتب عليها منع ما يشوش على المصلين وقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ : (أمَّ الناس في المسجد فكان إذا قام حمل أمامة بنت زينب وإذا سجد وضعها) رواه البخاري ومسلم. كما وأنه يجوز قتل الحية والعقرب في الصلاة وقد أمر النبي ﷺ بذلك. رواه أصحاب السنن وقال الإمام الترمذي حديث حسن.

стр. 662

فيؤخذ من هذين الحديثين أن الحركة في الصلاة إن كانت لحاجة جائزةٌ ولا تبطل الصلاة أقول هذا مع التأكيد على إغلاق الهاتف عند الدخول إلى المسجد فإن نسيه مفتوحاً ورنَّ أثناء الصلاة فيغلقه ولا شيء عليه. جذب مصل من الصف إذا كانت الصفوف مكتملة يقول السائل: دخلت المسجد فوجدت الصفوف تامة فهل أقف وحدي خلف الصف أم أسحب أحد المصلين لأقف معه فما قولكم؟ الجواب: من دخل المسجد ووجد الصفوف تامة مكتملة فليحاول أن يقرّب بين اثنين من المصلين ليجد له فرجة حتى يقف فيها فإن تعذّر عليه ذلك صلى خلف الصف وحده وصلاته صحيحة إن شاء الله ولا شيء عليه لأنه معذور في ترك هذا الواجب وهو الوقوف في الصف. وأما جذب رجل من الصف فلا ينبغي لأن الحديث الوارد في ذلك ضعيف لا يثبت. وهو ما روي أنه ﷺ قال لرجل صلى خلف الصف: (أيها المصلي هلا دخلت في الصف أو جررت رجلاً من الصف أعد صلاتك) قال الحافظ ابن حجر رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي من حديث وابصة وفيه السري بن إسماعيل وهو متروك. ثم ذكر الحافظ حديثاً آخر وهو ضعيف أيضاً رواه أبو داود في المراسيل: (إن جاء رجل فلم يجد أحداً فليختلج إليه رجلاً من الصف فليقم معه فما أعظم أجر المختلج) ثم ذكر حديثاً واهي الإسناد أيضاً. التلخيص الحبير ٢/ ٣٧. وضعف الحديث الأول البيهقي والهيثمي والألباني. انظر إرواء الغليل ٣/ ٣٢٦. وضعف الألباني الحديث الثاني أيضاً. انظر إرواء الغليل ٣/ ٣٢٨.

стр. 663

ثم قال الشيخ الألباني: (إذ لم يستطع الرجل أن ينضم إلى الصف فصلى وحده فهل تصح صلاته؟ الأرجح الصحة والأمر بالإعادة محمول على من لم يستطع القيام بواجب الانضمام وبهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية.] إرواء الغليل ٢/ ٣٢٩. وخلاصة الأمر أنه لا ينبغي لمن لم يستطع الانضمام إلى الصف أن يجذب رجلاً لما في ذلك من المفاسد منها سحب رجل من المكان الفاضل إلى المكان المفضول ومنها التشويش على الشخص المسحوب ومنها ترك فرجة في الصف. انظر فتاوى منار الإسلام ١/ ٢٣٥. لا يجوز ترك صلاة الجماعة إذا رفض الإمام الجمع بين الصلاتين يقول السائل: ما حكم المصلي الذي طلب من إمام المسجد أن يجمع بين المغرب والعشاء مع العلم أنه لم يكن هنالك مطر فلم يجبه الإمام إلى طلبه فخرج من المسجد دون أن يصلي لأن إمام المسجد لم ينو الجمع بين المغرب والعشاء؟ الجواب: لا ينبغي لهذا المصلي أن يخرج من المسجد ويترك صلاة الجماعة لأن إمام المسجد رفض طلبه في الجمع بين المغرب والعشاء. ويجب أن يعلم أن المصلين يتبعون الإمام في هذه المسألة فإذا جمع الإمام جمعوا وإذا لم يجمع الإمام لا ينبغي لأحد أن يجمع لأن في ذلك افتياتاً على إمام المسجد والرسول ﷺ يقول: (إنما جعل الإمام ليؤتم به.) رواه البخاري ومسلم. وإمام المسجد هو السلطان في المسجد فلا يجوز لأحد أن يتعدى على سلطانه.

стр. 664

كما أنه قد ورد النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر شرعي فقد روى مسلم بإسناده عن أبي الشعثاء قال: (كنا قعوداً في المسجد مع أبي هريرة فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ ). قال الإمام النووي: [فيه كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصليَ المكتوبة] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/ ١٥٧. وروى مالك أن بلغه أن سعيد بن المسيب قال: [يقال: لا يخرج من المسجد أحد بعد النداء إلا أحد يريد الرجوع إليه إلا منافق]. قال الحافظ ابن عبد البر: [وهذا لا يقال مثله من جهة الرأي ولا يكون إلا توقيفاً وقد روي معناه مسنداً عن النبي ﷺ ] فتح المالك ٣/ ٢١٦. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه إلا لحاجة ثم لا يرجع إليه إلا منافق) رواه الطبراني في الأوسط ورواته محتج بهم في الصحيح قاله الإمام المنذري وقال الشيخ الألباني: صحيح. وعن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أدركه الأذان في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجعة فهو منافق) رواه ابن ماجة وقال الشيخ الألباني صحيح. انظر صحيح الترغيب والترهيب ص١٠٧. وقال الحافظ ابن عبد البر معلقاً على حديث أبي هريرة ﵁ الذي ذكرته أولاً: [أجمعوا على القول بهذا الحديث لمن لم يصل وكان على طهارة]. فتح المالك ٣/ ٢١٧. وهذا المصلي الذي خرج من المسجد لكون الإمام لم ينو الجمع بين المغرب والعشاء قد أخطأ لأن عدم الجمع بين المغرب والعشاء من الإمام ليس عذراً في الخروج من المسجد وترك صلاة الجماعة والجمع رخصة إن وجد سببها.

стр. 665

وأخيراً على هذا المصلي أن يتوب ويستغفر الله وألا يعود لمثل ذلك. الاقتداء بالإمام المخالف في المذهب يقول السائل: إنه صلى الفجر في أحد المساجد فقنت الإمام في صلاة الفجر والسائل لا يقنت في صلاة الفجر لأنه يقلد إماماً لا يرى القنوت في صلاة الفجر فما قولكم؟ الجواب: اتفق أكثر أهل العلم على صحة الإقتداء بالإمام المخالف في الفروع فإذا صلى أحد أتباع المذاهب خلف غيره من المذاهب الأخرى فالصلاة صحيحة وهذا هو الراجح في هذه المسألة. والاختلاف في الفروع معروف منذ عهد الرسول ﷺ وقد اختلف الصحابة ﵃ في الفروع وكانوا يصلون خلف بعضهم بعضاً وهذا هو منهج الأئمة المعتبرين من علماء المسلمين. قال الشيخ ولي الله الدهلوي: [وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ البسملة ومنهم من لا يقرؤها ومنهم من يجهر بها ومنهم من لا يجهر بها وكان منهم من يقنت في الفجر ومنهم من لا يقنت في الفجر ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء ومنهم من لا يتوضأ من ذلك. ومنهم من يتوضأ من مس الذكر ومس النساء بشهوة ومنهم من لا يتوضأ من ذلك ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الإبل ومنهم من لا يتوضأ من ذلك ومع هذا فكان بعضهم يصلي خلف بعض مثل ما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم ﵃ يصلون خلف أئمة المدينة من المالكية وغيرهم وإن كانوا لا يقرؤون البسملة لا سراً ولا جهراً. وصلى الرشيد إماماً وقد احتجم فصلى الإمام أبو يوسف خلفه ولم يعد.

стр. 666

وكان الإمام أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الرعاف والحجامة فقيل له: [فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ هل تصلي خلفه؟ فقال: كيف لا أصلي خلف الإمام مالك وسعيد بن المسيب]. وروي أن أبا يوسف ومحمداً كانا يكبّران في العيدين تكبير ابن عباس لأن هارون الرشيد كان يحب تكبير جده. وصلى الشافعي ﵀ الصبح قريباً من مقبرة أبي حنيفة ﵀ فلم يقنت تأدباً معه وقال أيضاً: [ربما انحدرنا إلى مذهب أهل العراق]. وفي البزازية عن الإمام الثاني - وهو أبو يوسف ﵀ أنه صلى يوم الجمعة مغتسلاً من الحمام وصلى بالناس وتفرقوا ثم أخبر بوجود فأرة ميتة في بئر الحمام فقال: إذاً نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً. وسئل الإمام الخجندي ﵀ عن رجل شافعي المذهب ترك صلاة سنة أو سنتين ثم انتقل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ كيف يجب عليه القضاء أيقضيها على مذهب الشافعي أم على مذهب أبي حنيفة؟ فقال: [على أي المذهبين قضى بعد أن يعتقد جوازها جاز]. وفي جامع الفتاوى أنه إن قال حنفي إن تزوجت فلانة فهي طالق ثلاثاً ثم استفتى شافعياً فأجاب أنها لا تطلق ويمينه باطل فلا بأس باقتدائه بالشافعي في هذه المسألة لأن كثيراً من الصحابة في جانبه. قال محمد ﵀ في أماليه: [لو أن فقيهاً قال لامرأته: أنت طالق البتة وهو ممن يراها ثلاثاً ثم قضى عليه قاض بأنها رجعية وسعه المقام معها.] حجة الله البالغة ١/ ٢٩٥ - ٢٩٦. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية قصة جرت لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة عندما استخلفه الخليفة في صلاة الجمعة فصلى بالناس ثم ذكر أنه كان محدثاً فأعاد ولم يأمر الناس بالإعادة فقيل له في ذلك فقال: [ربما ضاق علينا الشيء فأخذنا بقول إخواننا المدنيين.].

стр. 667

ثم قال شيخ الإسلام: [ثم من المعلوم بالتواتر عن سلف الأمة أن بعضهم ما زال يصلي خلف بعض. فما زال الشافعي وأمثاله يصلون خلف أهل المدينة وهم لا يقرؤون البسملة سراً ولا جهراً]. ومن المأثور أن الرشيد احتجم فاستفتى مالكاً فأفتاه بأنه لا وضوء عليه فصلى خلفه أبو يوسف ومذهب أبي حنيفة وأحمد أن خروج النجاسة من غير السبيلين ينقض الوضوء ومذهب مالك والشافعي أنه لا ينقض الوضوء فقيل لأبي يوسف: [أتصلي خلفه؟ فقال: سبحان الله! أمير المؤمنين!]. فإنَّ ترك الصلاة خلف الأئمة لمثل ذلك من شعائر أهل البدع كالرافضة والمعتزلة. ولهذا لما سئل الإمام أحمد عن هذا فأفتى بوجوب الوضوء فقال له السائل: [فإن كان الإمام لا يتوضأ أصلي خلفه؟ فقال: سبحان الله! ألا تصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك بن أنس؟!]. إذا تقرر هذا فإن على المأموم أن يتابع إمامه في القنوت لعموم قول الرسول ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا. الحديث) رواه البخاري ومسلم. وقال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة: [لو صلى الفجر خلف إمام يقنت يتابعه لئلا يخالف إمامه] الاختيار لتعليل المختار ١/ ٥٥. الدعاء المشروع في القنوت يقول السائل: ما هو الدعاء المشروع في القنوت وماذا يقول المأمومون عند الدعاء؟ الجواب: ثبت القنوت عن رسول الله ﷺ في صلاة الوتر وفي الصلوات الخمس إذا نزلت بالمسلمين نازلة وقنت النبي ﷺ في الفجر ثم تركه لذا فإنه ليس من السنة المداومة على القنوت في الفجر. وقد صح عن النبي ﷺ الدعاء التالي في القنوت وهو عن الحسن بن

стр. 668

علي بن أبي طالب ﵄ قال: (علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت فإنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت لا منجا منك إلا إليك) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم وقال الترمذي: (حديث حسن. ولا نعرف في القنوت شيئاً أحسن من هذا الدعاء) وصححه جماعة من المحدثين. انظر صفة الصلاة ص ١٦١ والخلاصة ١/ ٤٥٥. وجاء في رواية عند النسائي قال: (تباركت وتعاليت وصلى الله على النبي) قال النووي: وإسناده حسن أو صحيح. الخلاصة ١/ ٤٥٨ والأذكار ص ٤٩. وقد ذكر الإمام النووي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يقنت بهذا الدعاء: (اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ولا نكفرك، ونؤمن بك ونخلع من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجدّ بالكفار ملحق، اللهم عذّب الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، وللمسلمين والمسلمات، وأصلح ذات بينهم، وألف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبتهم على ملة رسولك ﷺ ، وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوك وعدوهم، إله الحق واجعلنا منهم) الأذكار ص ٤٩. وجاء في رواية أخرى عن عمر أنه قنت بعد الركوع فقال: (اللهم اغفر لنا، وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك، وعدوهم. اللهم العن كفرة أهل الكتاب، الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك، اللهم خالف بين كلمتهم وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا تردّه عن القوم المجرمين، بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك،

стр. 669

ونستغفرك، ونثني عليك، ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نخشى عذابك الجد، ونرجو رحمتك، إن عذابك بالكفار ملحق) الخلاصة ١/ ٤٥٨ - ٤٥٩. قال البيهقي: وهو صحيح عن عمر. قال الإمام النووي: [هذه إحدى روايات البيهقي التي اختارها ورجحها على غيرها] الخلاصة ١/ ٤٥٩. قال الشيخ الألباني: [ولا بأس من جعل القنوت بعد الركوع ومن الزيادة عليه لعن الكفرة والصلاة على النبي ﷺ والدعاء للمسلمين في النصف الثاني من رمضان لثبوت ذلك عن الأئمة في عهد عمر ﵁ فقد جاء في آخر حديث عبد الرحمن بن عبدٍ القاري: وكانوا يلعنون الكفرة في النصف. اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ولا يوفون بوعدك وخالف بين كلمتهم وألق في قلوبهم الرعب وألق عليهم رجزك وعذابك إله الحق. ثم يصلي على النبي ﷺ ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير ثم يستغفر للمؤمنين.] قيام رمضان ص٣١ - ٣٢ ويجهر الإمام بهذه الأدعية فقد صح الحديث في ذلك فقد روى أبو هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ جهر بالقنوت في قنوت النازلة) رواه البخاري. ويؤَمّن المصلون بعد دعاء الإمام فقد ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: (قنت رسول الله ﷺ شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة إذا قال: سمع الله لمن حمده في الركعة الأخيرة يدعو على أحياء بني سليم ويؤَمّن من خلفه) رواه أبو داود بإسناد حسن أو صحيح كما قال الإمام النووي. الخلاصة ١/ ٤٦١. قال بعض أهل العلم: [ولم يرد عن صحابة رسول الله ﷺ حال القنوت في الصلاة إلا التأمين ومن أخطاء المأمومين زيادة عبارات لم يرد

стр. 670

بها الأثر وإنما هي مجرد نظر من مثل قولهم "حق" و "أشهد" وكذلك قلب أياديهم عند الدعاء على الكفرة أو عند الدعاء برفع الشر والبلاء] القول المبين ص ١٣٢. وقال بعض أهل العلم أيضا: [وتقليب أيديهم في دعاء القنوت عند قولهم إنه: " لا يذل من واليت " بدعة وحركة في الصلاة سيئة وقولهم "حق، حق" أثناء قراءة الإمام للقنوت بدعة إن لم تكن مفسدة للصلاة فأقل أحوالها الكراهة.] السنن والمبتدعات ص ٦٢. وتقليب الكفين عند الدعاء ثبت عن النبي ﷺ في صلاة الاستسقاء خاصة ولعل الحكمة في الإشارة بظهر الكفين في الاستسقاء دون غيره التفاؤل بتقليب الحال كما قيل في تحويل الرداء. قاله الشوكاني في نيل الأوطار ٤/ ١٠. صلوات الأيام والليالي المكذوبة يقول السائل: أطلعني أحد الأصدقاء على نشرة يوزعها الناس بعنوان " أدعية مختارة "تتضمن عدداً من أدعية الاستغفار وصلوات على النبي ﷺ ومجموعة من الأحاديث في فضل الصلاة على النبي ﷺ ومجموعة أخرى من الأحاديث في صلوات الأيام والليالي. وسألني هل هذه الأدعية والأذكار والأحاديث ثابتة عن الرسول ﷺ ؟ الجواب: من المعلوم عند أهل العلم أن الكذب على رسول الله ﷺ قد انتشر انتشاراً كبيراً وقد كانت الدوافع وراء ذلك الكذب على الرسول ﷺ عديدة كالزندقة والتعصب المذهبي أو لغرض دنيوي أو نحو ذلك. وكان من أخطر دوافع الكذب على الرسول ﷺ ما قام به جماعة من الزهاد والعباد الذين أرادوا أن يحثوا الناس على فعل الخيرات كما زعموا فكذبوا الأحاديث في الترغيب والترهيب.
следующие страницы →