← Фатава

Фатава · id 9087

فتاوى يسألونك

حسام الدين عفانة

Полный текст (3 492 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وكان الإمام أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الرعاف والحجامة فقيل له: [فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ هل تصلي خلفه؟ فقال: كيف لا أصلي خلف الإمام مالك وسعيد بن المسيب]. وروي أن أبا يوسف ومحمداً كانا يكبّران في العيدين تكبير ابن عباس لأن هارون الرشيد كان يحب تكبير جده. وصلى الشافعي ﵀ الصبح قريباً من مقبرة أبي حنيفة ﵀ فلم يقنت تأدباً معه وقال أيضاً: [ربما انحدرنا إلى مذهب أهل العراق]. وفي البزازية عن الإمام الثاني - وهو أبو يوسف ﵀ أنه صلى يوم الجمعة مغتسلاً من الحمام وصلى بالناس وتفرقوا ثم أخبر بوجود فأرة ميتة في بئر الحمام فقال: إذاً نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً. وسئل الإمام الخجندي ﵀ عن رجل شافعي المذهب ترك صلاة سنة أو سنتين ثم انتقل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ كيف يجب عليه القضاء أيقضيها على مذهب الشافعي أم على مذهب أبي حنيفة؟ فقال: [على أي المذهبين قضى بعد أن يعتقد جوازها جاز]. وفي جامع الفتاوى أنه إن قال حنفي إن تزوجت فلانة فهي طالق ثلاثاً ثم استفتى شافعياً فأجاب أنها لا تطلق ويمينه باطل فلا بأس باقتدائه بالشافعي في هذه المسألة لأن كثيراً من الصحابة في جانبه. قال محمد ﵀ في أماليه: [لو أن فقيهاً قال لامرأته: أنت طالق البتة وهو ممن يراها ثلاثاً ثم قضى عليه قاض بأنها رجعية وسعه المقام معها.] حجة الله البالغة ١/ ٢٩٥ - ٢٩٦. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية قصة جرت لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة عندما استخلفه الخليفة في صلاة الجمعة فصلى بالناس ثم ذكر أنه كان محدثاً فأعاد ولم يأمر الناس بالإعادة فقيل له في ذلك فقال: [ربما ضاق علينا الشيء فأخذنا بقول إخواننا المدنيين.].

стр. 667

ثم قال شيخ الإسلام: [ثم من المعلوم بالتواتر عن سلف الأمة أن بعضهم ما زال يصلي خلف بعض. فما زال الشافعي وأمثاله يصلون خلف أهل المدينة وهم لا يقرؤون البسملة سراً ولا جهراً]. ومن المأثور أن الرشيد احتجم فاستفتى مالكاً فأفتاه بأنه لا وضوء عليه فصلى خلفه أبو يوسف ومذهب أبي حنيفة وأحمد أن خروج النجاسة من غير السبيلين ينقض الوضوء ومذهب مالك والشافعي أنه لا ينقض الوضوء فقيل لأبي يوسف: [أتصلي خلفه؟ فقال: سبحان الله! أمير المؤمنين!]. فإنَّ ترك الصلاة خلف الأئمة لمثل ذلك من شعائر أهل البدع كالرافضة والمعتزلة. ولهذا لما سئل الإمام أحمد عن هذا فأفتى بوجوب الوضوء فقال له السائل: [فإن كان الإمام لا يتوضأ أصلي خلفه؟ فقال: سبحان الله! ألا تصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك بن أنس؟!]. إذا تقرر هذا فإن على المأموم أن يتابع إمامه في القنوت لعموم قول الرسول ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا. الحديث) رواه البخاري ومسلم. وقال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة: [لو صلى الفجر خلف إمام يقنت يتابعه لئلا يخالف إمامه] الاختيار لتعليل المختار ١/ ٥٥. الدعاء المشروع في القنوت يقول السائل: ما هو الدعاء المشروع في القنوت وماذا يقول المأمومون عند الدعاء؟ الجواب: ثبت القنوت عن رسول الله ﷺ في صلاة الوتر وفي الصلوات الخمس إذا نزلت بالمسلمين نازلة وقنت النبي ﷺ في الفجر ثم تركه لذا فإنه ليس من السنة المداومة على القنوت في الفجر. وقد صح عن النبي ﷺ الدعاء التالي في القنوت وهو عن الحسن بن

стр. 668

علي بن أبي طالب ﵄ قال: (علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت فإنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت لا منجا منك إلا إليك) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم وقال الترمذي: (حديث حسن. ولا نعرف في القنوت شيئاً أحسن من هذا الدعاء) وصححه جماعة من المحدثين. انظر صفة الصلاة ص ١٦١ والخلاصة ١/ ٤٥٥. وجاء في رواية عند النسائي قال: (تباركت وتعاليت وصلى الله على النبي) قال النووي: وإسناده حسن أو صحيح. الخلاصة ١/ ٤٥٨ والأذكار ص ٤٩. وقد ذكر الإمام النووي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يقنت بهذا الدعاء: (اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ولا نكفرك، ونؤمن بك ونخلع من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجدّ بالكفار ملحق، اللهم عذّب الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، وللمسلمين والمسلمات، وأصلح ذات بينهم، وألف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبتهم على ملة رسولك ﷺ ، وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوك وعدوهم، إله الحق واجعلنا منهم) الأذكار ص ٤٩. وجاء في رواية أخرى عن عمر أنه قنت بعد الركوع فقال: (اللهم اغفر لنا، وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك، وعدوهم. اللهم العن كفرة أهل الكتاب، الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك، اللهم خالف بين كلمتهم وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا تردّه عن القوم المجرمين، بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك،

стр. 669

ونستغفرك، ونثني عليك، ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نخشى عذابك الجد، ونرجو رحمتك، إن عذابك بالكفار ملحق) الخلاصة ١/ ٤٥٨ - ٤٥٩. قال البيهقي: وهو صحيح عن عمر. قال الإمام النووي: [هذه إحدى روايات البيهقي التي اختارها ورجحها على غيرها] الخلاصة ١/ ٤٥٩. قال الشيخ الألباني: [ولا بأس من جعل القنوت بعد الركوع ومن الزيادة عليه لعن الكفرة والصلاة على النبي ﷺ والدعاء للمسلمين في النصف الثاني من رمضان لثبوت ذلك عن الأئمة في عهد عمر ﵁ فقد جاء في آخر حديث عبد الرحمن بن عبدٍ القاري: وكانوا يلعنون الكفرة في النصف. اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ولا يوفون بوعدك وخالف بين كلمتهم وألق في قلوبهم الرعب وألق عليهم رجزك وعذابك إله الحق. ثم يصلي على النبي ﷺ ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير ثم يستغفر للمؤمنين.] قيام رمضان ص٣١ - ٣٢ ويجهر الإمام بهذه الأدعية فقد صح الحديث في ذلك فقد روى أبو هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ جهر بالقنوت في قنوت النازلة) رواه البخاري. ويؤَمّن المصلون بعد دعاء الإمام فقد ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: (قنت رسول الله ﷺ شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة إذا قال: سمع الله لمن حمده في الركعة الأخيرة يدعو على أحياء بني سليم ويؤَمّن من خلفه) رواه أبو داود بإسناد حسن أو صحيح كما قال الإمام النووي. الخلاصة ١/ ٤٦١. قال بعض أهل العلم: [ولم يرد عن صحابة رسول الله ﷺ حال القنوت في الصلاة إلا التأمين ومن أخطاء المأمومين زيادة عبارات لم يرد

стр. 670

بها الأثر وإنما هي مجرد نظر من مثل قولهم "حق" و "أشهد" وكذلك قلب أياديهم عند الدعاء على الكفرة أو عند الدعاء برفع الشر والبلاء] القول المبين ص ١٣٢. وقال بعض أهل العلم أيضا: [وتقليب أيديهم في دعاء القنوت عند قولهم إنه: " لا يذل من واليت " بدعة وحركة في الصلاة سيئة وقولهم "حق، حق" أثناء قراءة الإمام للقنوت بدعة إن لم تكن مفسدة للصلاة فأقل أحوالها الكراهة.] السنن والمبتدعات ص ٦٢. وتقليب الكفين عند الدعاء ثبت عن النبي ﷺ في صلاة الاستسقاء خاصة ولعل الحكمة في الإشارة بظهر الكفين في الاستسقاء دون غيره التفاؤل بتقليب الحال كما قيل في تحويل الرداء. قاله الشوكاني في نيل الأوطار ٤/ ١٠. صلوات الأيام والليالي المكذوبة يقول السائل: أطلعني أحد الأصدقاء على نشرة يوزعها الناس بعنوان " أدعية مختارة "تتضمن عدداً من أدعية الاستغفار وصلوات على النبي ﷺ ومجموعة من الأحاديث في فضل الصلاة على النبي ﷺ ومجموعة أخرى من الأحاديث في صلوات الأيام والليالي. وسألني هل هذه الأدعية والأذكار والأحاديث ثابتة عن الرسول ﷺ ؟ الجواب: من المعلوم عند أهل العلم أن الكذب على رسول الله ﷺ قد انتشر انتشاراً كبيراً وقد كانت الدوافع وراء ذلك الكذب على الرسول ﷺ عديدة كالزندقة والتعصب المذهبي أو لغرض دنيوي أو نحو ذلك. وكان من أخطر دوافع الكذب على الرسول ﷺ ما قام به جماعة من الزهاد والعباد الذين أرادوا أن يحثوا الناس على فعل الخيرات كما زعموا فكذبوا الأحاديث في الترغيب والترهيب.

стр. 671

قال العلامة اللكنوي مبيناً أصناف الكذابين على الرسول ﷺ : [. الثالث قوم كانوا يضعون الأحاديث في الترغيب والترهيب ليحثوا الناس على الخير ويزجروهم عن الشر وأكثر أحاديث صلوات الأيام والليالي من وضع هؤلاء ومن هؤلاء من كان يظن أن هذا جائز في الشرع لأنه كذب للنبي ﷺ لا عليه.] الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ص ١٥. ثم نقل اللكنوي عن أحد الكذابين على الرسول ﷺ والذي اخترع مجموعة من الأحاديث في فضائل القرآن سورة سورة فقال: [إني رأيت الناس أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة.] المصدر السابق ص ١٥. أقول: وكاتب هذه النشرة محل السؤال من هذا الصنف فإنه كما يزعم يرغب الناس في الذكر والاستغفار والصلاة على النبي ﷺ ويرغبهم في صلوات محددة لكل ليلة من ليالي الأسبوع وكل ذلك بواسطة ذكر أحاديث مكذوبة على الرسول ﷺ وما درى هذا المغفل أن الكذب على الرسول ﷺ من كبائر الذنوب وأنه لا فرق بين الكذب على رسول الله ﷺ والكذب له كما زعم جهلة العباد والزهاد. وأسوق لك أخي القارئ بعض الأحاديث المكذوبة في صلوات الأيام والليالي كما ذكرها كاتب النشرة ثم أبين كلام العلماء فيها: ١. عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى ليلة الجمعة ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وسورة الزلزلة خمس عشرة مرة فإذا فرغ من صلاته يقول: " يا حيّ يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام " مائة مرة آمنه الله من عذاب القبر وظلمته وضيقه ومن أهوال يوم القيام ولا يقوم من مقامه لا جائعاً ولا ظمآناً ويكسى حلة من النور ولا يخرج من الدنيا حتى يرى مقعده في الجنة). ٢. عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى ليلة السبت ست ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وسورة

стр. 672

الإخلاص إحدى وثلاثين مرة أخرج الغل والمكر والوسواس والعجب والرياء من قلبه ويجمع الله في قلبه النور والرحمة والرأفة ويلبسه يوم القيامة المغفرة ويبقى وجهه كالقمر ليلة البدر ويبنى له بكل ركعة قصراً في الجنة). ٣. عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى ليلة الأحد ست ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وسورة الإخلاص سبع مرات أعطاه الله ثواب الشاكرين والصابرين وأعمال المطيعين وكتب الله له عبادة سنتين ولا يقوم من مقامه إلا مغفوراً له ولا يخرج من الدنيا حتى يرى مقعده من الجنة). ٤. عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى ليلة الاثنين عشر ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وآية الكرسي مرة فينادي منادي يوم القيامة أين فلان بن فلانة يقوم يأخذ ثوابه من الله تعالى فأول ما يعطيه من الثواب ألف حلة من النور ويتوج بتاج من نور ويدخل الجنة مع الصديقين والشهداء والصالحين ويستقبله ألف مَلَكْ يسير كل مَلَكٍ بهدية وترون له ألف قصر من النور يتلألأ). ٥. عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى ليلة الثلاثاء ست ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وسورة الإخلاص والمعوذتين فإذا فرغ من صلاته يقول: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت أبداً بيده الخير وهو على كل شيء قدير " سبعين مرة أعطاه الله بكل حرف عشر حوريات من الحور العين على كل واحدة منهن سبعون حلة من النور ويبني له عشر مدينات في كل مدينة ألف قصر وله من الثواب ما لا يصفه الواصفون). ٦. عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى ليلة الأربعاء أربع ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وسورة الإخلاص مائة مرة فإذا فرغ من صلاته ينام ووجهه إلى القبلة فإنه يراني وكأنما اشترى نفسه من الله تعالى). ٧. عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من

стр. 673

صلى ليلة الخميس ثماني ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وسورة الإخلاص عشر مرات فإذا فرغ من صلاته يقول: " لا إله إلا الله الملك الحق المبين محمد رسول الله الصادق الوعد الأمين " مائة مرة بنى الله له في الجنة ثمانمائة قصر من ياقوتة حمراء ويصرف عنه كل شيطان مريد). هكذا وردت هذه الأحاديث المكذوبة في النشرة المشار إليها. وقد وردت عدة روايات أخرى كثيرة لهذه الأحاديث المكذوبة في بعض الكتب وقد بين المحققون من علماء الحديث حال هذه الأحاديث وبينوا أنها مكذوبة على رسول الله ﷺ . قال العلامة ابن القيم مبيناً الأمور الكلية التي يعرف بها كون الحديث موضوعاً أي مكذوباً على رسول الله ﷺ فقال: [ومنها أحاديث صلوات الأيام والليالي كصلاة يوم الأحد وليلة الأحد ويوم الاثنين وليلة الاثنين إلى آخر الأسبوع كل أحاديثها كذب.] المنار المنيف ص ٩٥. وقال العلامة ابن القيم في موضع آخر مبيناً كذب أحاديث صلوات الأيام والليالي: [ومن ذلك حديث: من صلى يوم الأحد أربع ركعات بتسليمة واحدة يقرأ في كل ركعة (الحمد لله.) و (آمن الرسول.) كتب الله له ألف حجة وألف عمرة وألف غزوة وبكل ركعة ألف صلاة وجعل بينه وبين النار ألف خندق.] فقبح الله واضعه ما أجرأه على الله ورسوله. [ومن ذلك حديث: من صلى ليلة الأحد أربع ركعات يقرأ في كلى ركعة فاتحة الكتاب مرة و (قٌلْ هُوَ الله أَحَدْ) خمس عشرة مرة أعطاه الله يوم القيامة ثواب من قرأ القرآن عشر مرات وعمل بما في القرآن ويخرج يوم القيامة من قبره ووجه مثل القمر ليلة البدر ويعطيه الله بكل ركعة ألف مدينة من لؤلؤ في كل مدينة ألف قصر من زبرجد في كل قصر ألف دار من ياقوت في كل دار ألف بيت من المسك في كل بيت ألف سرير.] واستمر هذا الكذاب الأشر على الألف.

стр. 674

[ومن ذلك حديث: من صلى ليلة الاثنين ست ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، وعشرين مرة (قٌلْ هُوَ الله أَحَدْ) ويستغفر الله بعد ذلك عشرة مرات أعطاه الله يوم القيامة ثواب ألف صدّيق وألف عابد وألف زاهد.] فقبح الله واضعه ومختلقه على رسول الله ﷺ وهو من عمل الجويباري الخبيث. [ومن ذلك حديث: من صلى يوم الاثنين أربع ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وآية الكرسي مرة و (قٌلْ هُوَ الله أَحَدْ) مرة و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِ الفَلَقْ) مرة كفرت ذنوبه كلها وأعطاه الله قصراً إلى الجنة من درة بيضاء في جوف القصر سبعة أبيات طول كل بيت ثلاثة آلاف ذراع.]. واستمر هذا الكذاب الخبيث على حديث طويل فيه من هذه المجازفات!! وهو من عمل الحسين بن إبراهيم كذاب يروي عن محمد بن طاهر وضع من هذا الضرب أحاديث صلاة يوم الأحد وليلة الأحد وصلاة يوم الاثنين وليلة الاثنين ويوم الثلاثاء وليلة الثلاثاء وهكذا في سائر أيام الأسبوع ولياليه. المنار المنيف ص ٤٨ - ٥٠. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر طائفة من الأحاديث المكذوبة: [. وأشد من ذلك ما يذكره بعض المصنفين في الرقائق والفضائل في الصلوات الأسبوعية والحولية كصلاة يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة والسبت المذكورة في كتاب أبي طالب وأبي حامد وعبد القادر غيرهم. وكصلاة الألفية التي في أول رجب ونصف شعبان والصلاة الإثني عشرية التي في أول ليلة جمعة من رجب والصلاة التي في ليلة سبع وعشرين من رجب وصلوات أخرى تذكر في الأشهر الثلاثة وصلاة ليلتي العيدين وصلاة يوم عاشوراء وأمثال ذلك من الصلوات المروية عن النبي ﷺ مع اتفاق أهل المعرفة بحديثه ﷺ - أن ذلك كذب عليه.] مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٤/ ٢٠١ - ٢٠٢.

стр. 675

وقال شارح إحياء علوم الدين: [وليس يصح في صلوات أيام الأسبوع ولياليه شيء]. وقد ضعف الحافظ العراقي أحاديث صلوات الليالي والأيام التي ذكرها الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين. انظر تخريج العراقي لأحاديث إحياء علوم الدين ١/ ١٩٨ - ٢٠١. وأخيراً ينبغي التنبيه على أن الأحاديث الصحيحة في الترغيب والترهيب تغنينا عن هذه الموضوعات والمكذوبات على رسول الله ﷺ . التنكيس حقيقته وحكمه يقول السائل: ما هو التنكيس في قراءة القرآن الكريم وما حكمه؟ الجواب: التنكيس مأخوذ من النكس وهو قلب الشيء ورده وجعل أعلاه أسفله ومقدمه مؤخره. والتنكيس في قراءة القرآن له معنيان هما: ١. أن يبدأ من آخره أي من المعوذتين ثم يرتفع إلى البقرة ويختم بالفاتحة. ٢. أن يبدأ من آخر السورة فيقرأها إلى أولها مقلوباً. تاج العروس ٩/ ٢٢. إذا تقرر هذا فينبغي أن يعلم أن السنة لقارئ القرآن سواء أكان في الصلاة أم خارجها أن يقرأ حسب ترتيب السور في المصحف. قال الإمام النووي: [قال العلماء: الاختيار أن يقرأ على ترتيب المصحف فيقرأ الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران ثم ما بعدها على الترتيب سواء قرأ في الصلاة أو في غيرها حتى قال بعض أصحابنا: إذا قرأ في الركعة الأولى سورة (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِ النَاسِ) يقرأ في الثانية بعد الفاتحة من البقرة. قال بعض أصحابنا: يستحب إذا قرأ سورة أن يقرأ التي تليها ودليل هذا

стр. 676

أن ترتيب المصحف إنما جعل هكذا لحكمة فينبغي أن يحافظ عليها.] التبيان في آداب حملة القرآن ص٥١ - ٥٢. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [والمستحب أن يقرأ في الركعة الثانية سورة بعد السورة التي قرأها في الركعة الأولى في النظم لأن ذلك هو المنقول عن النبي ﷺ ] المغني ١/ ٣٥٦. فإذا لم يلتزم القارئ في قراءته بترتيب السور في القرآن الكريم فقرأ في الركعة الثانية سورة تقع في المصحف قبل السورة التي قرأها في الركعة الأولى جازت قراءته ولا شيء في ذلك وصلاته جائزة باتفاق العلماء. فقد ثبت في الحديث عن حذيفة ﵁ قال: [صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة ثم مضى فقلت يصلي بها في ركعة فمضى فقلت يركع بها ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلاً إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبّح وإذا مرّ بسؤال سأل وإذا مرّ بتعوذ تعوذ ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحواً من قيامه ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلاً قريباً مما ركع ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريباً من قيامه] رواه مسلم. ففي هذا الحديث نرى أن النبي ﷺ قرأ النساء ثم آل عمران وهذا على خلاف ترتيب المصحف وهو يدل على جواز ترك الترتيب ومما يؤيد ذلك ما رواه الإمام البخاري: [أن الأحنف قرأ بالكهف في الأولى وفي الثانية بيوسف أو يونس وذكر أنه صلى مع عمر ﵁ الصبح بهما] رواه البخاري تعليقاً مجزوماً به. صحيح البخاري مع الفتح ٢/ ٣٩٩. قال القاضي عياض: [لا خلا ف أنه يجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة الثانية سورة قبل التي قرأها في الأولى] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٣٩٥. وبهذا يظهر لنا أن التنكيس بالمعنى الأول وهو أن يقرأ في الركعة الثانية بسورة قبل التي قرأ في الركعة الأولى جائز إن شاء الله ولا كراهة فيه والأولى أن تكون قراءته حسب ترتيب المصحف.

стр. 677

وأما التنكيس بالمعنى الثاني وهو أن يبدأ من آخر السورة فيقرؤها إلى أولها مقلوباً فقد ذكر كثير من أهل العلم أن ذلك محرم. قال الإمام النووي: [وأما قراءة السورة من آخرها إلى أولها فممنوع منعاً متأكداً فإنه يذهب بعض ضروب الإعجاز ويزيل حكمة ترتيب الآيات] التبيان في آداب حملة القرآن ص ٥٢. وهذا التنكيس الممنوع هو الذي حمل عليه قول ابن مسعود: [عندما سئل عن رجل يقرأ القرآن منكوساً. قال: ذلك منكوس القلب] رواه الطبراني بإسناد جيد ورواه ابن أبي داود بإسناد صحيح كما قال الإمام النووي في التبيان ص ٥٢. قال القاضي عياض: [وتأول نهي بعض السلف عن قراءة القرآن منكوساً على من يقرأ من آخر السورة إلى أولها] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٣٩٥. وقال ابن مفلح: [وتنكيس الكلمات محرم مُبْطِل] أي مُبْطِل للصلاة. الفروع ١/ ٤٢٢. وقال الدسوقي: [وحَرُمَ تنكيس الآيات المتلاصقة في ركعة واحدة وأبطل الصلاة لأنه ككلام أجنبي] حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١/ ٢٤٢. وقال القرطبي: [وأما ما روي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما كرها أن يقرأ القرآن منكوساً وقالا: ذلك منكوس القلب. فإنما عنيا بذلك من يقرأ السورة منكوسة ويبتدئ من آخرها إلى أولها لأن ذلك حرام محظور ومن الناس من يتعاطى هذا في القرآن والشعر ليذلل لسانه بذلك ويقدر على الحفظ وهذا حظره الله تعالى ومنعه في القرآن لأنه إفساد لسوره ومخالفة لما قصد بها] تفسير القرطبي ١/ ٦١.

стр. 678

حكم قراءة سورة الفاتحة في ختام الدروس وتلاوة القرآن يقول السائل: ما حكم ما يفعله كثير من القراء عند انتهائهم من تلاوة القرآن أن يقول الفاتحة وكذلك ما يفعله بعض الوعاظ عند انتهائهم من دروسهم يقولون الفاتحة وكذلك بعد الصلاة على الجنازة حيث يقولون الفاتحة والناس يقرؤون الفاتحة في هذه المواضع، أفيدونا؟ الجواب: سورة الفاتحة هي أعظم سورة في القرآن الكريم وهي السبع المثاني كما قال تعالى: (َوَلَقَدْءَاتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ) سورة الحجر الآية ٨٧. قال القرطبي: [سميت بذلك لأنها تثنى في كلى ركعة] تفسير القرطبي ١/ ١١٢. وقد ثبت فضل سورة الفاتحة في عدة أحاديث منها: عن أبي سعيد بن يعلى ﵁ قال: (كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه ثم أتيته فقلت يا رسول الله: إني كنت أصلي. فقال: ألم يقل الله: (واستجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم). ثم قال لي: ألا علمك سورة هي أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟ ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك أعظم سورة في القرآن. قال الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) رواه البخاري. وعن ابن عباس ﵄ قال: (بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضاً من فوقه فرفع رأسه فقال: هذا باب السماء فتح لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ منها حرفاً إلا أعطيته) رواه مسلم.

стр. 679

وغير ذلك من الأحاديث. وقراءة الفاتحة وغيرها من سور القرآن الكريم عبادة من العبادات والأصل في العبادات التلقي عن رسول الله ﷺ ولم ينقل عن رسول الله ﷺ أنه كان يقرأ الفاتحة بعد وعظه وإرشاده ولا بعد صلاة الجنازة ولا عند الزواج ولا في المناسبات التي شاع فيها قراءة الفاتحة في زماننا هذا. وكل ذلك من الأمور المبتدعة المخالفة لهدي المصطفى ﷺ ، قال الشيخ محمد رشيد رضا: [فاعلم أن ما اشتهر وعمَّ البدو والحضر من قراءة الفاتحة للموتى لم يرد في حديث صحيح ولا ضعيف فهو من البدع المخالفة لما تقدم من النصوص القطعية ولكنه صار بِسُكُوتِ اللابسين لباس العلماء وبإقرارهم له ثم بمجاراة العامة عليه من قبيل السنن المؤكدة أو الفرائض المحتمة] تفسير المنار ٨/ ٢٦٨. وقال الشيخ الألباني: [. ومما سبق تعلم أن قول الناس اليوم في بعض البلاد: " الفاتحة على روح فلان " مخالف للسنة المذكورة فهو بدعة بلا شك] أحكام الجنائز ص ٣٣. وقراءة الفاتحة بنية قضاء الحاجات وتفريج الكربات وهلاك الأعداء بدعة لم يأذن بها الدين. وقراءة الفاتحة عند خطبة الزواج واعتقاد الناس أن قراءتها عهد لا ينقض بدعة اعتقاد فاسد جاهل. السنن والمبتدعات ص٢١٧. وكذلك قراءة الفاتحة بعد ما يسميه العامة ختم الصلاة بدعة لا أصل لها في الشرع الحنيف وكذلك قراءة الفاتحة بعد الصلاة على النبي ﷺ بعد الأذان بدعة. العمل المشروع عند دخول المسجد يقول السائل: ما هو المسنون والمشروع في حق من يدخل المسجد هل يصلي تحية المسجد أولاً ثم يسلم على من فيه أم أنه يبدأ بالسلام على الموجودين فيه ثم يصلي تحية المسجد؟

стр. 680

الجواب: المشروع والمسنون في حق الداخل إلى المسجد أن يدخل برجله اليمنى لأنها السنة فقد كان الرسول ﷺ يحب التيامن في كل أموره. ويقول الداخل للمسجد أحد الأذكار الواردة في الأحاديث التالية: ١. قال ﷺ : (إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك) رواه مسلم. ٢. كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد يقول: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم) رواه أبو داود وإسناده صحيح وحسنه النووي. الأذكار ص ٢٦. ٣. وكان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد صلَّى على محمد وعلى آله وسلم ثم يقول: (اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك) رواه أبو داود وابن ماجة وهو حديث صحيح قاله الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٩٣. وبعد ذلك يسن على التأكيد في حق الداخل إلى المسجد أن يصلي ركعتين تحية المسجد فقد ثبت أن الرسول ﷺ قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس) رواه البخاري. وفي حديث آخر عن أبي قتادة ﵁ قال: (دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس بين ظهراني الناس. قال: فجلست فقال رسول الله ﷺ : ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس؟ قال: فقلت: يا رسول الله رأيتك جالساً والناس جلوس. قال: فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين) رواه مسلم. فإذا صلى الداخل تحية المسجد طرح السلام على من كان فيه بصوت خفيض حتى لا يشوش على المصلين والذاكرين لأنه لا ينبغي رفع الصوت في المسجد.

стр. 681

قال العلامة ابن القيم: [ومن هديه ﷺ -أن الداخل إلى المسجد يبتدئ بركعتين تحية المسجد ثم يجيء فيسلم على القوم فتكون تحية المسجد قبل تحية أهله فإن تلك حق الله تعالى والسلام على الخلق هو حق لهم وحق الله في مثل هذا أحق بالتقديم بخلاف الحقوق المالية فإن فيها نزاعاً معروفاً والفرق بينهما حاجة الآدمي وعدم اتساع الحق المالي لأداء الحقين بخلاف السلام. وكانت عادة القوم معه هكذا يدخل أحدهم المسجد فيصلي ركعتين ثم يجيء فيسلم على النبي ﷺ ولهذا جاء في حديث رفاعة بن رافع أن النبي ﷺ بينما هو جالس في المسجد يوماً قال رفاعة: ونحن معه إذا جاء رجل كالبدوي فصلى فأخف صلاته ثم انصرف فسلم على النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : (وعليك فارجع فصل فإنك لم تصل.) وذكر الحديث فأنكر عليه صلاته ولم ينكر عليه تأخير السلام عليه ﷺ إلى ما بعد الصلاة. وعلى هذا: فيسن لداخل المسجد إذا كان فيه جماعة ثلاث تحيات مترتبة: أن يقول عند دخوله: بسم الله والصلاة على رسول الله ثم يصلي ركعتين تحية المسجد ثم يسلم على القوم] زاد المعاد ٢/ ٤١٣ - ٤١٤. وضع جهاز لقتل الحشرات في المسجد يقول السائل: وضع في المسجد الذي أصلي فيه جهاز كهربائي لقتل الذباب والناموس فاعترض بعض المصلين على ذلك مستندين إلى ما ورد في الحديث الشريف من قول الرسول ﷺ : (لا يعذب بالنار إلا رب النار)، فما قولكم؟ الجواب: لا شك أن الذباب والناموس من الحشرات الضارة التي يسعى الإنسان إلى التخلص منها بشتى الوسائل والسبل وهذا أمر مشروع وجائز بل مطلوب شرعاً لما في القضاء على هذه الحشرات من النفع

стр. 682

للإنسان ودفع الضرر عنه وخاصة إذا كانت أعدادها كبيرة. وقد قرر العلماء جواز قتل كل حيوان مؤذ. والقضاء على هذه الحشرات جائز فيما أرى بأي وسيلة تتخذ لذلك سواء كان عن طريق رشها بالمبيدات الحشرية أو باستخدام الأجهزة الكهربائية أو غير ذلك وأعتقد أن قتلها بواسطة الجهاز الكهربائي المشار إليه في السؤال لا بأس فيه ولا حرج في ذلك ولا يدخل استعماله تحت الحديث المشار إليه. وأصل هذا الحديث هو ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: (بعثنا رسول الله ﷺ في بعث، فقال: إذا وجدتم فلاناً وفلاناً - وهما من كفار قريش - فأحرقوهما بالنار. ثم قال ﷺ حين أردنا الخروج: إني أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً وإن النار لا يُعَذِبُ بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما). فقتل الذباب والناموس بالجهاز الكهربائي لا يدخل في هذا النهي الوارد في الحديث لأنه يطلب شرعاً قتل الحيوانات والحشرات الضارة. وبناءاً على ما سبق لا حرج في وضع الجهاز المذكور في المسجد وينبغي وضعه في مؤخرة المسجد مثلاً حتى لا يشغل المصلين عن صلاتهم لأنه لا يجوز وضع شيء في المسجد فيه تشويش على المصلين. حكم بناء مسجد وجعل أعلاه مسكناً يقول السائل: يريد شخص أن يتبرع بقطعة أرض لبناء مسجد عليها ولكنه يشترط أن يكون سطح المسجد ملكاً له ليبني عليه مسكناً له فما قولكم في ذلك؟ الجواب: لا شك أن التبرع بقطعة أرض ليقام عليها مسجد عمل

стр. 683

مبرور ومن أعمال الخير ويعد مشاركة في بناء المسجد وجزى الله هذا المتبرع خير الجزاء. وقد ورد عن الرسول ﷺ أحاديث كثيرة في فضل بناء المساجد والمشاركة في بنائها فمن ذلك: عن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من بنى لله مسجداً قدر مفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه ابن حبان والبزار والطبراني في الصغير وقال الشيخ الألباني: حديث صحيح. وهذا الحديث يدل على المشاركة في بناء المسجد لأن مفحص القطاة لا يكفي ليكون مسجداً. ومفحص القطاة هو المكان الذي تفحصه القطاة لتضع فيه بيضها وترقد عليه. وعن أنس ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (من بنى لله مسجداً صغيراً كان أو كبيراً بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه الترمذي وقال الشيخ الألباني: حديث حسن. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علَّمه ونشره أو ولداً صالحاً تركه أو مصحفاً ورثه أو مسجداً بناه أو بيتاً لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته) رواه ابن ماجة وابن خزيمة والبيهقي وقال الشيخ الألباني: وإسناد ابن ماجة حسن. انظر صحيح الترغيب والترهيب ص ١٠٩ - ١١١. إذا تقرر هذا فأقول إن المسجد في الإسلام له مكانته الخاصة وله أحكامه الخاصة فلا ينبغي أن يكون سطح المسجد مسكناً وإنما ينبغي أن يكون المسجد مستقلاً فإذا بني على ظهر المسجد مسكن فإن ذلك قد

стр. 684

يحدث تشويشاً على المصلين كما أن بعض الفقهاء يرون أن هواء المسجد يعتبر مسجداً وإلى عنان السماء وبالتالي يمنعون السكن فوقه لأن الساكن فوق المسجد تقع منه أمور طبيعية لا تفعل في المسجد مطلقاً. قال صاحب الدر المختار من علماء الحنفية: [وكره تحريماً الوطء فوقه والبول والتغوط لأنه مسجد إلى عنان السماء] الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ١/ ٦٥٦. وقال الإمام بدر الدين الزركشي: [كره مالك أن يبني مسجداً ويتخذ فوقه مسكناً يسكن فيه بأهله. قلت - أي الزركشي -: وفي فتاوى البغوي ما يقتضي منع مكوث الجنب فيه لأنه جعل ذلك هواء المسجد وهواء المسجد حكمه حكم المسجد] إعلام الساجد بأحكام المساجد ص ٢٨٣. وبمناسبة الحديث عن بناء المساجد لا بد من التنبيه إلى أن كثيراً من المساجد التي تبنى في أيامنا هذه يلاحظ فيها المبالغة في البناء وإنفاق الأموال الطائلة في زخرفة المسجد وتزيينه حتى سمعنا عن بعض المساجد التي كلف الواحد منها مئات الملايين مع أن الناس يعانون من الفقر في تلك البلاد فكان أولى أن تنفق تلك الأموال لسد حاجات الناس الضرورية. ويجب أن يعلم أنه ليس من منهج الإسلام الصحيح المبالغة في بناء المسجد ولا إنفاق الملايين عليه مباهاةً وتفاخراً. وقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ في الحديث عن ذلك فقد جاء في الحديث عن أنس أن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وأحمد وصححه ابن خزيمة وقال الشيخ الألباني: حديث صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ٢/ ١٢٣٧. وقال الشيخ الشوكاني: [أي يتفاخرون في بناء المساجد والمباهاة بها] نيل الأوطار ٢/ ١٦٩. وقال الإمام البخاري في صحيحه: [باب بنيان المسجد وقال أبو

стр. 685

سعيد: كان سقف المسجد من جريد النخل. وأمر عمر ببناء المسجد وقال: أكن الناس من المطر وإياك أن تحمِّر أو تصَفّر فتفتن الناس. وقال أنس: يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلاً]. وقال الحافظ ابن حجر قوله: [ثم لايعمرونها: المراد به عمارتها بالصلاة وذكر الله وليس المراد به بنيانها.] صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٢/ ٨٥ - ٨٦. وخلاصة الأمر أنه يجب الاقتصاد عند بناء المسجد فليس هنالك داع للزخارف الفخمة والثريات الباهظة الثمن والقباب المذهبة والمآذن الطويلة بل يجب أن يكون المسجد في غاية البساطة مع الاتساع وتوفر المرافق المريحة للمصلين كالحمامات النظيفة ووسائل التبريد والتدفئة والإضاءة الجيدة وغير ذلك فإذا اقتصدنا في بناء المسجد فإن الأموال الفائضة يمكن أن نبني بها مسجداً آخر فعوضاً عن صرف الملايين على مسجد واحد يمكن بناء مساجد عديدة في مناطق بحاجة للمسجد. وأخيراً أذكر حديث الرسول ﷺ : (ما أمرت بتشييد المساجد) رواه أبو داود وابن حبان وصححه. قال الإمام البغوي: (والمراد من التشييد: رفع البناء وتطويله ومنه قوله : (فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) وهي التي طول بناؤها. وقال أبو الدرداء ﵁: إذا حليتم مصاحفكم وزوقتم مساجدكم فالدمار عليكم) شرح السنة ٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠. وقال ابن رسلان معلقاً على حديث الرسول ﷺ السابق: [وهذا الحديث فيه معجزة ظاهرة إخباره ﷺ عما يقع بعده فإن تزويق المساجد والمباهاة بزخرفتها كثر من الملوك والأمراء في هذا الزمان بالقاهرة والشام وبيت المقدس بأخذهم أموال الناس ظلماً وعمارتهم بها المدارس على شكل بديع نسأل الله السلامة والعافية] نيل الأوطار ٢/ ١٦٨.

стр. 686

حكم دخول الحائض للمسجد تقول السائلة: هل يجوز للمرأة الحائض دخول المسجد لحضور دروس العلم؟ الجواب: إن دخول الحائض للمسجد ممنوع عند أكثر الفقهاء وعمدتهم في المنع ما روي في الحديث عن عائشة أن النبي ﷺ قال: (لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب) رواه أبو داود وابن ماجة. وفي سنده كلام كثير لأهل الحديث وسيأتي بعضه. وبعض أهل العلم احتج على منع الحائض من دخول المسجد بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ) سورة النساء الآية ٤٣. ومع أن هذه الآية لم تذكر الحائض إلا أنهم ألحقوها بالجنب. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى جواز دخول الحائض للمسجد وبهذا قال الإمام أحمد في رواية عنه وهو قول المزني صاحب الإمام الشافعي وبه قال الإمام داود وابن حزم الظاهريان. وقال الإمام أحمد في رواية أخرى إن للحائض دخول المسجد إن توضأت وأمنت تلويث المسجد. انظر الإنصاف ١/ ٣٤٧. واختار هذا القول العلامة المحدّث الشيخ ناصر الدين الألباني كما في تمام المنة ص ١١٩. وهذا القول هو الذي أطمئن إليه فيجوز للمرأة الحائض دخول المسجد لحضور دروس العلم. ويدل لهذا القول ما يلي: ١. البراءة الأصلية لأن الأصل عدم التحريم ولم يقم دليل صحيح صريح على تحريم دخول الحائض للمسجد. قال الإمام النووي: [وأحسن ما يوجه به هذا المذهب أن الأصل عدم

стр. 687

التحريم وليس لمن حرم دليل صحيح صريح] المجموع ٢/ ١٦٠. وقال الشيخ الألباني: [والقول عندنا في هذه المسألة من الناحية الفقهية كالقول في مس القرآن من الجنب للبراءة الأصلية وعدم وجود ما ينهض على التحريم وبه قال الإمام أحمد وغيره.] تمام المنة ص ١١٩. ٢. إن الحديث الذي استدل به جمهور العلماء وهو: (لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض) اختلف فيه أهل الحديث اختلافاً كبيراً لأنه من رواية أفلت بن خليفة عن جسرة بنت دجاجة وقد ضعفهما جماعة من أهل الحديث كالخطابي والبيهقي وعبد الحق الاشبيلي وابن حزم ونقل التضعيف عن الإمام أحمد أيضاً. وقال الإمام البغوي: [وجَوَّزَ أحمد والمزني المكث فيه وضعّف أحمد الحديث لأن راويه وهو أفلت بن خليفة مجهول وتأوّل الآية على أن - عابري السبيل - هم المسافرون تصيبهم الجنابة فيتيممون ويصلون وقد روي ذلك عن ابن عباس] شرح السنة ٢/ ٤٦. ومن المعاصرين الشيخ الألباني حيث قال: [قال البيهقي: ليس بالقوي]. وقال عبد الحق الإشبيلي: [لا يثبت]، وبالغ ابن حزم فقال: [إنه باطل]. وللحديث شاهدان لا ينهضان لتقويته ودعمه لأن في أحدهما متروكاً وفي الآخر كذاباً.] تمام المنة ١١٩، وضعّفه الشيخ الألباني أيضاً في إرواء الغليل ١/ ١٦٢. وقد ضعف الإمام النووي هذا الحديث في كتابه خلاصة الأحكام حيث قال: [باب ذكر المحدث والجنب والحائض وقراءتهم ومسهم المصحف ودخولهم المسجد] ثم ساق بعض الأحاديث الصحيحة في الباب ثم قال: فصل في ضعيفه وذكر عدة أحاديث ضعفها ومنها حديث: (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) انظر خلاصة الأحكام ١/ ٢٠٦ - ٢١٠. وقال الحافظ ابن حجر عن أفلت بن خليفة بأنه مجهول الحال. التخليص الحبير ١/ ١٤٠.

стр. 688

وقال الخطابي: [وضعفوا هذا الحديث وقالوا أفلت راويه مجهول ولا يصح الاحتجاج بحديثه.] معالم السنن ١/ ٦٧. وضعف الحديث برواية ابن ماجة أيضاً صاحب الزوائد حيث قال: [إسناده ضعيف مخدوج لم يوثق وأبو الخطاب مجهول] سنن ابن ماجة ١/ ٢١٢. وقال الإمام البخاري عند جسرة عجائب. المجموع ٢/ ١٦٠. وقد اعتبر كثير من العلماء كلام البخاري هذا تضعيفاً للحديث. كما أن ابن حزم قد ضعف الحديث برواياته كلها فقال: [وهذا كله باطل أما أفلت فغير مشهور ولا معروف بالثقة وأما مخدوج فساقط يروي المعضلات عن جسرة وأبو الخطاب الهجري مجهول وأما عطاء الخفاف فهو عطاء بن مسلم منكر الحديث وإسماعيل مجهول ومحمد بن الحسن مذكور بالكذب وكثير بن زيد مثله فسقط كل ما في هذا الخبر جملة] المحلى ١/ ٤٠١. ولا يخفى أن كثيراً من العلماء قد حسنوا هذا الحديث. انظر نصب الراية ١/ ١٩٤. ٣. ومما يقوي القول بجواز دخول الحائض للمسجد عموم قول النبي ﷺ : (المسلم لا ينجس) رواه البخاري ومسلم. ٤. ومما يدل على الجواز أيضاً أن العلماء أجازوا للكافر دخول المسجد رجلاً كان أو امرأة فالمسلم أولى وإن كان جنباً والمسلمة كذلك وإن كانت حائضاً. ٥. ومما يدل على الجواز أيضاً ما رواه البخاري ومسلم في قصة المرأة السوداء التي كان لها خباء في مسجد رسول الله ﷺ فقد قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب نوم المرأة في المسجد] ثم ساق حديث عائشة ﵂: (أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب فأعتقوها فكانت معهم. قالت عائشة فكان لها خباء في المسجد أو حفش قالت: فكانت تأتيني فتحدث عني. الخ).

стр. 689

قال الحافظ ابن حجر: [والخباء الخيمة من وبر وغيره والحفش البيت الصغير] فتح الباري ٢/ ٨٠. وقال ابن حزم مبيناُ وجه الاستدلال بهذا الحديث: [فهذه امرأة ساكنة في مسجد رسول الله ﷺ والمعهود من النساء الحيض فما منعها عليه الصلاة السلام من ذلك ولا نهى عنه وكل ما لم ينه عنه رسول الله ﷺ فمباح وقد ذكرنا عن رسول الله ﷺ قوله: (جعلت لي الأرض مسجداً) ولا خلاف في أن الحائض والجنب مباح لهما جميع الأرض وهي مسجد فلا يجوز أن يخص بالمنع من بعض المساجد دون بعض ولو كان دخول المسجد لا يجوز للحائض لأخبر بذلك ﵊ عائشة إذا حاضت فلم ينهها إلا عن الطواف بالبيت فقط ومن الباطل المتيقن أن يكون لا يحل لها دخول المسجد فلا ينهاها ﵊ عن ذلك ويقتصر على منعها من الطواف وهذا قول المزني وداود وغيرهما وبالله تعالى التوفيق] المحلى ١/ ٤٠١ - ٤٠٢. وخلاصة الأمر أنه يجوز للمرأة الحائض دخول المسجد لطلب العلم إن أمنت تلويثه وذلك لحاجة النساء الماسة إلى العلم والتفقه في الدين وإن كنت أفضل أن تكون دروس العلم للنساء في مرافق ملحقة بالمسجد كما هو الحال في المسجد الأقصى المبارك حيث تعقد بعض دروس النساء في قاعة باب الرحمة. حكم الصلاة في مسجد بني من مال حرام يقول السائل: ما حكم الصلاة في مسجد بناه شخص من أموال الربا؟ الجواب: إن الإسلام قد حض على بناء المساجد والعناية بها قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَءَاتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) سورة التوبة الآية ١٨.

стр. 690

وعمارة المساجد تكون ببنائها كما تكون بالصلاة فيها. وجاء في الحديث عن عثمان بن عفان رضي ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه البخاري ومسلم. وقوله ﵊: (من بنى لله) أي كان مخلصاً في عمله لله لا يريد مباهاة ولا رياءً ولا سمعة فمن بنى مسجداً لهذه الخصال الذميمة لم يكن بانياً لله . نيل الأوطار ٢/ ١٦٦. والمسجد الذي يبنى لله يجب أن يكون مبيناً من مال طيب حلال ولا يجوز شرعاً بناء المساجد من المال الحرام كمال الربا " الفائدة " ومال الميسر " اليانصيب والقمار " والمال المسروق وغيرها من الأموال التي تكتسب بطرق محرمة. ومال الربا الذي بني منه المسجد مال خبيث لأن الربا من أشد المحرمات فقد جاء في الحديث أنه ﵊ قال: (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ست وثلاثين زنية] رواه أحمد وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد ٤/ ١١٧. وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة ٣/ ٢٩. والله طيب لا يقبل إلا طيباً ومال الربا خبيث والمرابي ليس من المتقين. يقول الله تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) سورة المائدة الآية ٢٧. ويقول الرسول ﷺ : (إن الله ﵎ يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلا الطيب) رواه الترمذي وأحمد بنحوه وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الإمام البغوي: هذا حديث صحيح. شرح السنة ٦/ ١٣٠ وعارضة الأحوذي ٣/ ١٣٢ والفتح الرباني ٨/ ١٨٠

стр. 691

وقال النبي ﷺ : (ما تصدق أحد من صدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه. الحديث) رواه البخاري ومسلم. وفي حديث آخر قال ﷺ : (والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيباً ولا يصعد إلى السماء إلا الطيب كأنما يضعها في يد الرحمن. الحديث] رواه الشافعي وإسناده حسن. وعن أبي هريرة أن الرسول ﷺ قال: (من جمع مالاً حراماً ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر وكان إصره عليه) رواه ابن حبان والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. إذا تقرر هذا فإنه لا يجوز بناء المساجد من المال الحرام لأن المال الحرام خبيث كما سبق ولا يصلح أن يدخل في بناء بيوت الله تعالى وصيانة لبيوت الله عن كل خبث وعن كل مال حرام وإذا كانت بيوت الله تصان عن النجاسات الصغيرة والقاذورات كالبصاق والمخاط فمن باب أولى أن تصان عن هذه المحرمات الكبيرة. وقد كانت العرب في جاهليتها تحرص أشد الحرص على أن تبقى الكعبة المشرفة وهي بيت الله الحرام بعيدة عن أي درهم حرام حيث ذكر ابن هشام في سيرته أن قريشاً لما أجمعوا أمرهم على هدم الكعبة وإعادة بنائها من جديد قام أبو وهب عائذ بن عمران بن مخزوم خال أب الرسول ﷺ فتناول من الكعبة حجراً فوثب في يده حتى رجع إلى موضعه فقال: [يا معشر قريش لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيباً لا يدخل فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد الناس]. فإذا كان الجاهليون حريصين على ألا يبنى بيت الله من مال حرام فنحن المسلمين أولى بهذا منهم. أحكام المال الحرام ص ٣١٠. وأما الصلاة في المسجد الذي بني من مال حرام فهي صلاة صحيحة

стр. 692

إن شاء الله ولا شيء على المصلي وإنما الإثم على باني المسجد بالمال الحرام. وينبغي أن يمنع بناء المساجد من الأموال المحرمة إن كان ذلك معلوماً. حكم بناء مسجد جديد بالقرب من مسجد قديم يقول السائل: ما حكم بناء مسجد جديد بجوار مسجد قديم مع العلم أن المسافة التي تفصل بين المسجدين لا تزيد عن مئتي متر تقريباً ومع أن المسجد القديم يتسع لأهل الحيّ؟ الجواب: لا يجوز بناء المسجد الجديد بقرب المسجد القديم ما دام أن المسجد القديم يتسع لأهل الحي وكذلك لا يجوز بناء المسجد الجديد بجوار المسجد القديم حتى لو ضاق المسجد القديم بأهل الحيّ وإنما المطلوب في هذه الحالة العمل على توسعة المسجد القديم وزيادة البناء فيه ليتسع لأهل الحي. لأن من المقاصد التي بنيت لها المساجد جمع أكبر عدد من المصلين في المسجد الواحد ليتعاونوا ويتعارفوا. كما أن الله جعل الثواب العظيم لمن يمشي إلى المسجد للصلاة ولو كان بعيداً كما صح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى) رواه البخاري ومسلم. وإنّ بناء المسجد الجديد بجوار المسجد القديم يعتبر من باب الضرار عند العلماء لأنه سيؤدي إلى تفريق جماعة المسلمين. وقد اعتبر السيوطي أن كثرة المساجد في المحلة الواحدة من

стр. 693

المحدثات المخالفة لهدي الرسول ﷺ . انظر كتاب الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع ص ٣٠٠. وذلك لما فيه من تفريق الجمع وتشتيت الشمل وحل عروة الانضمام في العبادة وذهاب رونق وفرة المتعبدين وتعديد الكلمة واختلاف المشارب ومضادة حكمة مشروعية الجماعات. كما أن في ذلك مضارة للمسجد القديم أو شبه مضارة أو محبة الشهرة أو السمعة وفيه أيضاً صرف الأموال فيما لا ضرورة له. انظر كتاب إصلاح المساجد ص ٩٦. قال ابن مفلح: [ولا يُبنىَ مسجدٌ ضراراً وقال محمد بن موسى: يَبني مسجداً إلى جنب مسجد. وقال: لا تبني المساجد ليعدى بعضها بعضاً] الفروع ٢/ ٣٨. وجاء في المنتهى من كتب الحنابلة: [ويحرم بناء مسجد يراد به الضرر لمسجد قربه]. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يحرم بناء مسجد بقرب مسجد وأنه ينبغي هدم المسجد الجديد لأنه مسجد ضرار، وصححه المرداوي في تصحيح الفروع ٢/ ٣٩ وقال القرطبي: (قال علماؤنا: لا يجوز أن يُبنى مسجدٌ إلى جنب مسجد ويجب هدمه والمنع من بنائه لئلا ينصرف أهل المسجد الأول فيبقى شاغراً إلا أن تكون المحلة كبيرة فلا يكفي أهلها مسجدٌ واحدٌ فَيُبنَى حينئذ.). تفسير القرطبي ٨/ ٢٥٤ ثم إن المسجد كلما كان قديماً كلما كان أفضل والأجر فيه أعظم وعتق المسجد من الأمور المحمودة قال الله تعالى: (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ). وقال تعالى: (إن أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى

стр. 694

لِلْعَالَمِينَ) فإن قِدَمَهُ يقتضي كثرة العبادة فيه وذلك يقتضي زيادة فضله. مجموع الفتاوى ١٧/ ٤٦٩. وخلاصة الأمر أنه لا يجوز بناء المسجد الجديد المذكور في السؤال قرب المسجد القديم لما بينت. زيادة التبرعات للمسجد عن حاجته يقول السائل: إن لجنة المسجد عندهم جمعت تبرعات لإصلاح المسجد وقد زادت تلك التبرعات عن حاجة المسجد فكيف يتصرفون بها؟ الجواب: إن الأصل في هذه التبرعات أن تصرف لذات المسجد الذي تم التبرع له لأن هذه الأموال صارت موقوفة على ذلك المسجد. ولا يصح صرفها لغير ذلك المسجد ما دامت الحاجة قائمة لذلك المسجد. وأما إذا فاضت تلك التبرعات عن حاجات المسجد فيجوز صرفها لمسجد آخر في الحي أو أقرب مسجد إلى المسجد الأول وإن لم يتيسر ذلك صرفت للفقراء والمساكين. قال الشيخ ابن قدامة: [وما فضل من حصر المسجد وزيته ولم يحتج إليه جاز أن يجعل في مسجد آخر أو يتصدق من ذلك على فقراء جيرانه أو غيرهم وكذلك إن فضل من قصبه أو شيء من نقضه. قال أحمد في مسجد بني فبقي من خشبه أو قصبه أو شيء من نقضه فقال: يعان به في مسجد آخر. وقال المروزي: سألت أبا عبد الله - يعني الإمام أحمد- عن بواري المسجد أي حصر المسجد إذا فضل منه الشيء أو الخشبة قال: يتصدق به. قال: وأرى أنه قد احتج بكسوة البيت - الكعبة المشرفة - إذا تخرقت تصدق بها.

стр. 695

وقال في موضع آخر: قد كان شيبة يتصدق بخلقان الكعبة - أي كسوة الكعبة التي بليت ونزعت عنها -. وروى الخلال بإسناده عن علقمة عن أمه أن شيبة بن عثمان الحجبي جاء إلى عائشة ﵂ فقال يا أم المؤمنين إن ثياب الكعبة تكثر عليها فننزعها فنحفر لها آباراً فندفنها فيها حتى لا تلبسها الحائض والجنب. قالت عائشة: بئس ما صنعت ولم تصب. إن ثياب الكعبة إذا نزعت لم يضرها من لبسها من حائض أو جنب ولكن لو بعتها وجعلت ثمنها في سبيل الله والمساكين. فكان شيبة يبعث بها إلى اليمن فتباع فيضع ثمنها حيث أمرته عائشة. وهذه قصة مثلها ينتشر ولم ينكر فيكون إجماعاً ولأنه مال الله تعالى لم يبق له مصرف فصرف إلى المساكين كالوقف المنقطع] المغني ٦/ ٣١. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وما فضل من ريع وقف عن مصلحته صرف في نظيره أو مصلحة المسلمين من أهل ناحيته ولم يحبس المال دائماً بلا فائدة فقد كان عمر بن الخطاب كل عام يقسم كسوة الكعبة بين الحجيج ونظير كسوة الكعبة المسجد المستغنى عنه من الحصر ونحوها وأمر بتحويل مسجد الكوفة من مكان إلى مكان حتى صار موضع الأول سوقاً] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٣١/ ٩٣. وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الوقف إذا فضل من ريعه واستغني عنه؟ فأجاب: [يصرف في نظير تلك الجهة كالمسجد إذا فضل عن مصالحه صرف في مسجد آخر لأن الواقف غرضه في الجنس والجنس واحد فلو قدر أن المسجد الأول خرّب ولم ينتفع به أحد صرف ريعه في مسجد آخر فكذلك إذا فضل عن مصلحته شيء فإن هذا الفاضل لا سبيل إلى صرفه إليه ولا إلى تعطيله فصرفه في جنس المقصود أولى وهو أقرب الطرق إلى مقصود الواقف وقد روى أحمد عن علي ﵁ أنه حض الناس على إعطاء مكاتب ففضل شيء عن حاجته فصرفه في المكاتبين] المصدر السابق ٣١/ ٢٠٦ - ٢٠٧.

стр. 696

صلاة الجمعة

стр. 697

حكم البيع والشراء وقت النداء لصلاة الجمعة يقول السائل: إنه يملك محلاً تجارياً وفي يوم الجمعة يذهب إلى الصلاة ويترك زوجته في المحل تبيع الناس فما الحكم في ذلك؟ الجواب: يقول الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) سورة الجمعة الآية ٩. وصلاة الجمعة فرض على كل مسلم بإجماع الأمة والأئمة إلا من استثني وقد أمر الله بالسعي إلى ذكر الله وأمر بترك البيع لما فيه من إشغال عن الصلاة. قال الإمام القرطبي: [قوله تعالى: (وَذَرُوا الْبَيْعَ) منع الله منه عند صلاة الجمعة وحرَّمه في وقتها على من كان مخاطباً بفرضها. والبيع لا يخلو من شراء فاكتفى بذكر أحدهما. وخص البيع لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق] تفسير القرطبي ١٨/ ١٠٧. والأمر بالسعي في الآية يفيد الوجوب والأمر بترك البيع بمعنى النهي يفيد التحريم وقد قال جمهور أهل العلم إن المقصود بقوله تعالى: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ)

стр. 698

الأذان الذي يكون بين يدي الإمام والذي يبدأ الإمام عقبه بالخطبة لأنه الأذان الذي كان موجوداً على عهد الرسول ﷺ كما ثبت في الحديث عن السائب بن يزيد قال: [كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ فلمّا كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء. قال الإمام البخاري: والزوراء موضع بالسوق من المدينة] رواه البخاري. وفي هذا الحديث أنه كان على عهد الرسول ﷺ وعلى عهد أبي بكر وعمر ﵄ أذان واحد للجمعة وهو الذي يكون بين يدي الإمام وبعده تكون الخطبة، ثم لمّا كان عثمان أحدث الأذان الثاني لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة قياساً على بقية الصلوات فألحق الجمعة بها وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب. فتح الباري ٣/ ٤٤. وسماه الحديث ثانياً باعتباره وجد بعد الأذان الأول الذي كان في عهد الرسول ﷺ وأبي بكر وعمر وسماه في الحديث ثالثاً: باعتباره مزيداً على الأذان الأول والإقامة ولأن الإقامة تسمى أذاناً كما في الحديث: (بين كل أذانين صلاة) رواه البخاري ومسلم. وقد اتفق جمهور أهل العلم على تحريم البيع والشراء وقت النداء وأن هذا التحريم خاص بالمخاطبين بفرض الجمعة وأما من لا جمعة عليهم فلا حرج عليهم إذا باعوا وشروا مع أمثالهم ممن لا يخاطب بالجمعة وهؤلاء غير المخاطبين بالجمعة هم: ١. الصبي وهو من كان دون البلوغ. ٢. المرأة فليس على النساء جمعة. ٣. المسافر فلا جمعة على المسافر. ٤. المريض فلا جمعة على المريض العاجز عن إجابة النداء.

стр. 699

وهناك أعذار خاصة تسقط الجمعة ليس هذا محل بحثها. فهؤلاء المذكورون ومن في حكمهم ممن لا جمعة عليهم يجوز لهم البيع والشراء وقت النداء لأن الله إنما نهى عن البيع من أمره بالسعي للجمعة وهؤلاء غير مخاطبين بالسعي إلى الجمعة. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وتحريم البيع ووجوب السعي يختص بالمخاطبين بالجمعة فأما غيرهم من النساء والصبيان والمسافرين فلا يثبت في حقه ذلك. فإن الله تعالى إنما نهى عن البيع من أمره بالسعي فغير المخاطب بالسعي لا يتناوله النهي ولأن تحريم البيع معلل بما يحصل به من الاشتغال عن الجمعة وهذا معدوم في حقهم] المغني ٢/ ٢٢٠. فزوجتك أيها السائل إن باعت لصبي أو لامرأة مثلها أو لمسافر أو لمريض ومن في حكمهم فلا حرج في ذلك إن شاء الله. وأما إن باعت لمن وجبت عليه الجمعة وهو تارك لها فإن زوجتك قد أعانت على المعصية والإثم فذاك تارك الجمعة لا شك أنه آثم لتركه الجمعة وزوجتك قد باعته فأعانته على المعصية والله يقول: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) ومن المعلوم أن ترك الجمعة لغير عذر ذنب عظيم فقد ثبت في الحديث الشريف أن الرسول ﷺ قال: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين) رواه مسلم. وقال ﷺ في حديث آخر: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه) رواه أحمد وأصحاب السنن وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني. وعن أسامة بن زيد ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (من ترك ثلاث جمعات من غير عذر كتب من المنافقين) رواه الطبراني وقال الشيخ الألباني حديث حسن. وقال ﵊ في حديث آخر: (من ترك الجمعة ثلاث

стр. 700

مرات من غير ضرورة طبع الله على قلبه) رواه أحمد بإسناد حسن كما قال الشيخ الألباني ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. صحيح الترغيب ص ٣٠٦ - ٣٠٧. ويجب أن يعلم أن الأمر بترك البيع وقت النداء لصلاة الجمعة ليس خاصاً بالبيع وإنما النهي يشمل البيع والشراء والإجارة والنكاح وباقي العقود لأن الحكمة في ذلك أن البيع يشغل عن تلبية النداء فكذا بقية العقود ويلحق بذلك الألعاب المختلفة فتحرم إقامة المباريات الرياضية أو الثقافية وقت النداء لصلاة الجمعة. روى الإمام البخاري عن عطاء أحد أئمة التابعين أنه قال: [تحرم الصناعات كلها - أي وقت النداء للجمعة -]. وذكر الحافظ ابن حجر رواية أخرى عن عطاء بلفظ آخر: [إذا نودي بالأذان حرم اللهو والبيع والصناعات كلها والرقاد وأن يأتي الرجل أهله وأن يكتب كتاباً]. وقال الحافظ: [وبهذا قال الجمهور أيضاً] فتح الباري ٣/ ٤١. ويستمر تحريم هذه العقود حتى انقضاء صلاة الجمعة، قال ابن عباس ﵄: [لا يصلح البيع يوم الجمعة حين ينادي للصلاة فإذا قضيت الصلاة فبع واشتر] ذكره الحافظ في فتح الباري ٣/ ٤١. حكم تعدد صلاة الجمعة في البلدة الواحدة يقول السائل: تقام الجمعة في بلدتهم في مسجدين كبيرين وقد بني حديثاً مسجد ثالث لا يبعد كثيراً عن أحد المسجدين والذي يتسع لأعداد كبيرة من المصلين ويرغب المصلون في إقامة صلاة الجمعة في المسجد الجديد فما الحكم في ذلك؟

стр. 701

الجواب: إن صلاة الجمعة بمثابة مؤتمر أسبوعي يحضره المسلمون في البلد عامة ولها أحكامها الخاصة بها ولا يصح إلحاقها بالصلوات الخمس فيقال بجواز تعدد الجمعة كما تتعدد الجماعة في الصلوات الخمس. بل الصحيح من أقوال أهل العلم أن صلاة الجمعة يجوز التعدد فيها إذا دعت الحاجة إلى ذلك فقط كأن يضيق المسجد بأهل البلدة فيبنى مسجد آخر فتقام فيه الجمعة أو يكون هناك حرج في وصول المصلين إلى المسجد الذي تقام فيه صلاة الجمعة فتقام جمعة أخرى أو يكون البلد واسعاً مترامي الأطراف وسكانه كثيرون فتتعدد الجمعة لذلك وهذا مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم من الفقهاء. قال الإمام النووي: [والصحيح هو الجواز في موضعين أو أكثر بحسب الحاجة وعسر الاجتماع به] المجموع ٤/ ٥٨٦. ومما يدل على ذلك أنه كان في المدينة في عهد الرسول ﷺ عدة مساجد تقام فيها الصلوات الخمس كالمسجد الذي كان معاذ بن جبل يصلي فيه بقومه صلاة العشاء بعد أن يصليها مع النبي ﷺ ولكن ما كانت تقام الجمعة إلا في مسجد الرسول ﷺ وهذا يدل على أن تعدد الجمعة بدون الحاجة خلاف السنة. وقد ذكر الشيخ تقي الدين السبكي في رسالته المسماة " الاعتصام بالواحد الأحد من إقامة جمعتين في بلد " أقوال أهل العلم في المسألة وأدلتهم ورجح القول بعدم جواز تعدد الجمعة إلا للحاجة ثم قال: [وأما تخيل أن ذلك - أي تعدد الجمعة - يجوز في كل المساجد عند عدم الحاجة فهذا من المنكر بالضرورة في دين الإسلام] فتاوى السبكي ١/ ١٨٠. وقد جاء عن عمر بن الخطاب ما يؤيد منع تعدد الجمعة فقد روى ابن عساكر عن عطاء قال: [لما افتتح عمر بن الخطاب البلدان كتب إلى أبي موسى الأشعري وهو على البصرة يأمره أن يتخذ للجماعة مسجداً ويتخذ للقبائل مسجداً فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى مسجد الجماعة فشهدوا الجمعة].

стр. 702

وكتب عمر إلى سعد بن أبي وقاص وهو على الكوفة بمثل ذلك. وكتب عمر أيضاً إلى عمرو بن العاص وهو على مصر بمثل ذلك. وكان الصحابة ﵃ يأتون إلى الجمعة من مسافة بعيدة فقد كان عبد الله بن رواحة يأتي الجمعة من مسافة ميلين وكان أبو هريرة يأتي الجمعة في مسجد رسول الله ﷺ من ذي الحليفة " آبار علي ". وذكر الحافظ ابن حجر: [قال الأثرم للإمام أحمد بن حنبل: أجُمِعَ جمعتان في مصر؟ قال لا أعلم أحداً فعله] انظر إصلاح المساجد ص ٥٢ - ٥٤. وقد بين الإمام السبكي أن قول من قال من العلماء بجواز تعدد الجمعة لا يحمل على تعددها مطلقاً وإنما يكون ذلك للحاجة إلى التعدد فقال: [وينبغي أن يفهم أن مذهبه هذا عند الحاجة لأنه إنما تكلم في ذلك فيتقيد بحسب الحاجة ولا يحمل على إجازة تعددها مطلقاً في كل المساجد فتصير كالصلوات الخمس حتى لا يبقى للجمعة خصوصية فإن هذا معلوم بطلانه بالضرورة لاستمرار عمل الناس عليه من النبي ﷺ إلى اليوم] فتاوى السبكي ١/ ١٧٩. وقال الشيخ القاسمي: [فالذي أراه في الخروج من عهدة هذه الحالة أن يترك التجميع في كل مسجد صغير - سواء أكان بين البيوت أو في الشوارع - وفي كل مسجد كبير أيضاً يستغنى عنه بغيره وأن ينضم كل أهل محلة كبرى إلى جامعها الأكبر ولتفرض كل محلة كبرى كقرية على حدة فيستغنى بذلك عن كثير من زوائد المساجد ويظهر الشعار في تلك الجوامع الجامعة فيخرج من عهدة التعدد] إصلاح المساجد من البدع والعوائد ص ٦٢. وخلاصة الأمر أنه يجوز تعدد الجمعة لحاجة وهذا يوافق مقاصد الشرع الحنيف قال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) سورة الحج الآية ٧٨. والحاجة كالضرورة تقدر بقدرها فلا ينبغي تعدد الجمعة بدون حاجة لما في ذلك من تفويت مقاصد الجمعة وحكمة مشروعيتها.

стр. 703

الجنائز

стр. 704

حكم رفع اليدين في صلاة الجنازة يقول السائل: هل يرفع المصلي في صلاة الجنازة يديه مع كل تكبيرة أم لا؟ وما قولكم فيما يفعله إمام المسجد عندهم حيث إنه ينكر على من يرفع يديه؟ الجواب: لم يثبت عن النبي ﷺ حديث صحيح في رفع اليدين مع كل تكبيرة من تكبيرات صلاة الجنازة سوى التكبيرة الأولى فلذلك قالت طائفة من أهل العلم ترفع الأيدي مع التكبيرة الأولى فقط وهذا مذهب أبي حنيفة في ظاهر الرواية عنه وهو اختيار ابن حزم الظاهري وهوقول الشوكاني ونقل عن جماعة من السلف كابن عباس وابن مسعود وسفيان الثوري وغيرهم. وقد روى الترمذي بإسناده عن أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ كبر على جنازة فرفع يديه في أول تكبيرة ووضع اليمنى على اليسرى) ورواه أيضاً الدارقطني والبيهقي وهو حديث ضعيف. وقال الشيخ الألباني: [يشهد له الحديث الآتي وهو: (عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه على الجنازة في أول تكبيرة ثم لا يعود)] أحكام الجنائز ص ١١٦.

стр. 705

وقال ابن حزم: [وأما رفع الأيدي فإنه لم يأت عن النبي ﷺ في رفع شيء من تكبير الجنازة إلا في أول تكبيرة فقط فلا يجوز فعل ذلك لأنه عمل في الصلاة لم يأت به نص] المحلى ٣/ ٣٥١. وقال الشوكاني: [والحاصل أنه لم يثبت في غير التكبيرة الأولى شيء يصلح للاحتجاج به عن النبي ﷺ ] نيل الأوطار ٤/ ٧١. وقال الشيخ الألباني: [ولم نجد في السنة ما يدل على مشروعية الرفع في غير التكبيرة الأولى فلا نرى مشروعية ذلك وهو مذهب الحنفية وغيرهم واختاره الشوكاني وغيره من المحققين وإليه ذهب ابن حزم] أحكام الجنائز ص ١١٦. وقد عارض ما تقدم آثار وردت عن بعض الصحابة كابن عمر تنص على رفع الأيدي مع كل تكبيرة وهي مستند العلماء القائلين بذلك إلا أنه قد ورد عنه خلافه فتعارضت. ولا ينبغي لإمام المسجد أن ينكر على المصلين الذين يرفعون أيديهم مع كل تكبيرة من تكبيرات الجنازة لأن هؤلاء المصلين يقلدون العلماء القائلين بذلك كالشافعي وأحمد وغيرهما. والمسألة خلافية ولا ينبغي الإنكار في مسائل الخلاف ما دام أن المخالف من العلماء أهل الاجتهاد وله أدلته وليس في المسألة نص عن رسول الله ﷺ وعلى إمام المسجد إن كان لا يأخذ برفع اليدين أن يبين قوله للناس وأدلته فقط ولا ينكر عليهم مخالفته فإن الأمر فيه سعة. قال الإمام سفيان الثوري: [إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه]. وقال الإمام أحمد: [لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس عل مذهب.]. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [. وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ فلا ينكر على من عمل بها مجتهداً أو مقلداً] الآداب الشرعية ١/ ١٦٩، دراسات في الاختلافات الفقهية ١٠٣/ ١٠٤.
следующие страницы →