← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 908

إسعاف اللبيث بفتاوى الحديث

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إنَّ الحمدَ لله نحمدهُ ونستَعين به ونستَغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفُسِنا وسيئاتِ أعمَالِنَا. من يَهِدِ الله فلا مُضلَّ لَهُ، ومن يُضلِل فلا هَادىَ له، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا الله، وأشهَدُ أن محمَّدًا عبده ورسولُهُ. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٣ - ٧١]. أمَّا بعدُ فإنهُ لم يَدُرْ بِخَلَدي، ولم يُحَوِّم طائرُ فكرى يومًا على فكرة هذا الكتابَ، ولكن كما قيل: إذا أرادَ اللهُ شيئًا هيَّأَ أسبَابَهُ. فقد كنتُ في جلسةٍ مع فَضيلة الشَّيخ مُحَمَّد صفوَت نور الدِّين ﵀، وكان الرَّئيسَ العامَّ لجماعة أنصار السُّنَّة بمصرَ، وكان ذلك عقب درسٍ عِلميٍّ ألقَاهُ في مسجدي الكائنِ بمدينةِ كفر الشَّيخ وتكَلَّمنا في أمورٍ شتَّى، فكان ممَّا قلتهُ لهُ: "إنَّني لا أستطيعُ أن أفهَمُ حتَّى الآن أن تكون جماعة دَعَويَّةٌ سَلَفيَّةٌ كهذه التي ترأَسُهَا، وليسَ لها مجلَّةٌ علميَّةٌ تُطبَع مرَّتَينِ في العام على الأقَلِّ، تُعلِّمونَ النَّاسَ من خلالها عقيدَةَ السَّلَف الصَّالح، ويَكتُبُ فيها أهلُ العلم عن مسائل النَّوازلِ التي تقَع بالمسلِمِين، ممَّا لم

стр. 2

يَكُن مثلُهُ في الأزمان السَّالِفَة. فأينَ الأرشيفُ العِلمِيُّ للجماعة؟! "، فقال: "عندنا مَجَلَّةُ التَّوحيد"، فقُلتُ لهُ: "هذه مجلَّةٌ سيَّارةٌ لعَامَّةِ النَّاس، وأنا أتكَلَّمُ عن مَجَلَّة يغلُبُ عليها طَابعُ البَحث العِلمِي"، فقال: "لمَ لا تَأتينَا في المَركز العامِّ لِنَطرَحَ هذه القَضِيَّة للمُناقَشَة؟ "، واتَّفَقنَا، وذَهَبتُ إليهم، والتَقَينا بالشَّيخ صفوَت الشَّوادفي ﵀ وطالَ الكلامُ، فقال لي الشَّيخُ الشَّوادفي: "أنتَ تُريد أن تحلِّق في الفَضاءِ البَعيد، ونَحنُ نَطلُبُ منكَ شيئًا يسيرا لا يُكَلِّفُ كثيرًا، ويكونُ نُواةً لهذه الأُمنيَّة التي ترجُوها"، قُلتُ لَهُ: "وما هي؟ "، فقال: "أن تُشارِكَنا في رَفعِ سَقف مجلَّة التَّوحيد التي أرأَسُ تَحريرَها، بأن تُجيبَ عن أسئِلَةِ القُرَّاءِ الذينَ يُتَابعُونَ المَجَلَّة بِشَغَفٍ بالغ، وينتَظرونَ كَلِمَتَك في الحُكمِ على الأحاديثِ التي يسمعونَها من خُطباءِ المساجدِ أو يقرؤونَهَا في الكُتُب"، ثُمَّ أخرَجَ لي كيسًا كَبيرًا، وقال: "هذه رسائلُ تحتوى على مئات الأحاديث التي تنتظر الجوابَ عنها". ولَم يُعطِني فُرصَةً لأُبدِي رَأيي في الموضُوع، ولكنَّهُ طلَب منِّى ألَّا أُطِيلَ الكلامَ حولَ أسانيد الأحاديث، فضلًا عن الخَوضِ في المُناقَشات العِلمِيَّة، التي لا يفهمها مُعظَمُ القُرَّاء، واضعًا في اعتباري الإجابةَ عن أكبر قدرٍ من الأسئلَة، بأن أذكُرَ الحديثَ المسؤُولَ عنه، ثُمَّ أجيبَ عنهُ في سَطرَين أو ثلاثةٍ، حتَّى نُجيبَ عن أكبرِ قَدرٍ من الأسئلةِ. ولم أُوَافِقهُ على هذا، وقُلتُ لهُ: "هناكَ جانبٌ تعليمِيٌّ في الإجابة عن هذه الأحاديث، لا يقِلّ أهميَّةً عن الجوابِ نَفسِه، ذلك أنَّنا نُريدُ أن

стр. 3

يَعرفَ النَّاسُ: كيفَ نَحكُمُ على الحديث، وأنَّ المسألةَ ليسَت بالتَّشَهِّي واتِّبَاعِ الهَوَى، بل وِفْقَ ضَوابطَ عِلميَّةٍ دقيقَةٍ، وهذا لا يكُونُ إلَّا إذا أبرَزنَا هذا المعنَى من خلال تخريجِ الأحاديث، أمَّا أن أكتَفِي بأن أُجيبَ عن الحديث بأنَّهُ صحيحٌ أو ضَعِيفٌ أو منكرٌ إلى آخرِ هذه الألقابِ، فلا أَرَى فيه فائدةً". فقال لي: "افعل ما تراهُ مُناسِبًا، واضعًا في اعتبارِك أنَّهُ يَصِلُنِي عشراتُ الخِطاباتِ، التي تحتَوِى هي بدَورِهَا على أسئلَةٍ كثيرةٍ". وبَدأتُ في الجوابِ عن هذه الأسئلَة، واضطُرِرتُ أمامَ كَثرَتِهَا أن أختَصرَ الجَوابَ عنها اختصارًا مُجحِفًا في الغالب، لكنَّني خَالَفتُ شرطي في أحيان قليلَةٍ، وظَلَلتُ عدَّةَ سنَواتٍ أكتُبُ هذا الباب، ثُمَّ اقتَرَحَ عليَّ بعضُ إخواني أن أجمعَ هذه الأجوبَةَ في كتابٍ، فلَم أتحَمَّس لذلك؛ لأنَّهَا مختَصَرَةٌ، فاقتَرَحَ أن أُعيدَ النَّظرَ فيها مَرَّةً أخرى، وأزيدَ فيهَا ما كنتُ أرجوهُ لها، فوَعَدتُهُ خيرًا. ومرَّت سنواتٌ، ولم أتمَكَّن من النّظرِ فيها، حتَّى أوائل هذا العام (١٤٣١ هـ)، بدأتُ في جمعِ الأحاديثِ من المَجَلَّةِ، ثُمَّ زدتُ عليها ما قَدرتُ عليه آنذاكَ، إذ دَاهَمَنِي مَرَضٌ - والحمدُ لله - اضطُرِرتُ معه إلى السَّفر إلى ألمانيا لمدَّة ثلاثةِ أشهُرٍ من يومِ ٢٨/ ٤/ ٢٠١٠ م، واصطَحَبتُ معي هذا الكتاب للنَّظرِ فيه، فوَجَدتُهُ يحتاج إلى تأليفٍ من جديدٍ، وهذا ممَّا قد يُوقِفُ الشروعَ كلِّيًّا، فالممتَعَنتُ بالله تعالى في كِتَابَةِ ما أقدِرُ عليه. ورأيتُ كتابًا صَدَرَ حديثًا وهو كتاب "المُداوِي لعِلَل الجامع الصَّغير

стр. 4

وشَرحَي المُناوِي" لأبي الفَيض أحمد بن مُحمَّد بن الصِّديق الغُمارِيِّ، ونظرتُ في عمَلِه، فإذا بي أَقِفُ على طَوَامَّ ممَّا خَالَفَ فيه أهلَ العِلمِ، مع تجريحٍ وسبٍّ للمُناوِيِّ، وتحقير لأئمَّة السَّلَفِ، فَرَددتُ عليه في بعضِ الأحاديثِ التي سَمَحَ وقتي أن أُعَلِّقَ عليهِ فيهَا، ورأيتُ أن تَعَقُّبَهُ في كلِّ ما أخطأَ فيه يحتاجُ إلى تصنيفٍ مُستَقِل، فقلتُ: "ما لا يُدرَكُ كلُّه، لا يُترَك جُلُّه"، فناقشتُهُ في بعض ما ذهبَ إليه، وترَكتُ كثيرًا ممَّا قال لأنَّ تَتَبُّعَهُ يحتاجُ إلى فراغٍ لا أجِدُهُ عندي. وسأُحَاولُ - إن شاء اللهُ - أن أزيدَ الكتابَ فوائدَ كُلَّما عنَّ لي ذلك، فلَم يَعُد عندَي من الجَلَدِ القَديمِ ما أستَطيعُ به أن أقُومَ بواجبِي كُلِّه. والحمدُ لله على كلِّ حالٍ. وكان بوُدِّي أن أكتُبَ مُقَدِّمَةً ضَافِيَةً أَذكُرُ فيها فوائدَ وأُصولَ، غيرَ أنَّهُ حالَ دونَ ذلك ما ذكَرتُهُ آنفًا عن مَرَضِي. فأَسألُ الله تعالى أن يجعَلَهُ كفَّارةً وأجرًا، ورفعًا للدَّرجات إنَّهُ وَلِيُّ ذلكَ والقادرُ عليه. وآخرُ دعوَانَا أن الحمدُ لله ربِّ العَالمَين. وكتبَهُ أبو إسحاقَ الحُوَينِيُّ حامدًا الله تعالى، ومصلِّيًا على نبيِّنا ﷺ وآله وصحبه ١٣ من المحرَّم ١٤٣٢ هـ

стр. 5

١ - سُئلتُ عن حديثِ: "أَحبِب حَبِيبَكَ هَونًا مَا؛ عَسَى أَن يَكُونَ بَغِيضَكَ يَومًا مَا، وَأَبغِض بَغِيضَكَ هَونًا مَا، عَسَى أَن يَكُونَ حَبِيبَكَ يَومًا مَا". • قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ موقوفٌ. أخرجَهُ ابنُ عدي في "الكاملِ" (٢/ ٧١١ - ٧١٢)، والخطيبُ في "تاريخِهِ" (١١/ ٤٢٧)، ومن طريقه ابنُ الجوزيِّ في "الواهياتِ" (٢/ ٢٤٨) مِن طريقِ الحسنِ بن دينارٍ، عن محمَّدِ بن سيرينَ، عن أبِي هريرةَ، مرفوعًا … فذكرَهُ. وهذَا سندٌ ضعيفٌ جدًّا؛ وآفتُهُ: الحسنُ بنُ دينارٍ؛ فإنَّهُ واهٍ. لكنَّهُ لَم يتفرَّد به، فتابعَهُ أيُّوبُ السَّختيانيُّ، فروَاهُ عن محمَّدِ بن سيرينَ، عن أبِي هُريرةَ - قالَ: أُراهُ رفعَهُ -، ثمَّ ذَكرَ الحديثَ. أخرجَهُ التِّرمذيُّ (١٩٩٧)، والبزَّارُ في "مسند" (ج ٢/ ق ٢٦٧/ ١)، وابنُ حبَّانَ في "المجروحين" (١/ ٣٥١)، وابنُ عدي في "الكاملِ" (٢/ ٧١٢)، وأبُو الشَّيخِ في "الأمثالِ" (رقم ١١٤)، والبيهقيُّ في "الشُّعَبِ" (ج ١١/ رقم ٦١٧١) مِن طريقِ سُويدِ بن عمرٍو، عن حمَّادِ بن سلمةَ، عن أيُّوبَ السَّختيانيِّ به. قال التِّرمذيُّ: "هذا حديث غريبٌ، لا نعرفُهُ بهذا الإسنادِ إلَّا مِن هذا الوجهِ".

стр. 6

قال المُناويُّ في "فيضِ القديرِ" (١/ ١٧٧): "وقد استَدركَ الحافظُ العراقيُّ على التِّرمذيِّ دعوَاهُ غرابتَهُ وضعْفَهُ، فقالَ: قلتُ: رجالُهُ رجالُ مُسلم، لكنَّ الرَّاوِي تردَّدَ في رفعِهِ". • قلت: استِغرابُ التِّرمذيِّ إنّما هو في رفعِهِ، وقد صحَّحَ وقفَهُ على أميرِ المؤمنينَ عليِّ بن أبِي طالبٍ ﵁، ووافقَهُ علَى هذا الحُكمِ جماعة منَ الحفَّاظِ، مِنهُم: ابنُ حبَّانَ، والَدَّارقُطنيُّ في "العلل" (ج ٣/ ق ٢٧/ ٢)، والبزَّارُ، وابنُ عديٍّ، والبيهقيُّ، وغيرُهُم. واعلَم! أنَّ للحديثِ المرفوعِ شواهدَ عن بعضِ الصَّحابةِ، لكِنَّهَا شديدةُ الضَّعفِ، فلا يُعَوَّلُ على شيءٍ مِنهَا. واللهُ أعلمُ. أمَّا أثرُ عليِّ بن أبِي طالبٍ الموقوفُ عليهِ: فأخرجَهُ البخاريُّ في "الأدبِ المفرَدِ" (١٣٢١)، وابنُ أبِي شيبةَ في "المصنَّفِ" (١٤/ ١٠٢)، ومُسدَّدُ في "مسندِه" - كما في "المطالبِ العاليةِ" (٣/ ٩) للحافظِ -، والبيهقيُّ في "الشُّعَبِ" (٦١٦٨ - ٦١٧٠)، بسندٍ حسنٍ. وأخرجَ عبدُ الرَّزَّاقِ في "المصنَّفِ" (ج ١١/ رقم ٢٠٢٦٩) عن مَعمَرٍ. والبخاريُّ في "الأدب المفرَدِ" (١٣٢٢) عن محمَّدِ بن جعفرٍ. كلاهُمَا، عن زيدِ بن أَسلمَ، عن أبِيهِ، قال: قال لي عُمرُ بنُ الخطَّابِ: "يا أسلمُ! لا يَكُن حُبُّكَ كَلَفًا، ولا يكُن بغضُكَ تلَفًا"، قلتُ: وكيفَ ذلكَ؟ قال: "إذا أحبَبتَ فلا تكلِف كما يَكلِفُ الصبيُّ بالشَّيءِ يُحبُّهُ، وإذا أبغَضت، فلا تبغض بُغضًا تحبُّ أن يَتلَفَ صاحبُكَ ويهلِكَ". وسندُهُ صحيحٌ، ورضيَ اللهُ عن عُمرَ.

стр. 7

٢ - سئلتُ عن حديثِ: "إِنَّ الله يبغضُ كلَّ جَعظَرِيٍّ، جَوَّاظٍ، سَخَّابِ فِي الأَسوَاقِ، جِيفَةٍ بِاللَّيلِ، حِمَارٍ بِالنَّهَارِ، عَالمٍ بِأَمرِ الدُّنيَا، جَاهِلٍ بِأَمرِ الآخِرَةِ". • قلتُ: هذا حديث ضعيفٌ. أخرجَهُ ابنُ حبَّانَ في "صحيحِهِ" (١٩٧٥)، وأبُو القاسمِ الأصبهانيُّ في "التَّرغيبِ" (١٩٢٦)، والبيهقيُّ (١٠/ ١٩٤) من طريقِ عبدِ الله بن سعيدِ بن أبِي هندٍ، عن أبِيهِ، عن أبِي هُريرةَ، مرفُوعًا … فذكرَهُ. وهذا سندٌ ضعيف، وعبدُ الله بنُ سعيدٍ صدوق، وثَّقهُ أحمدُ، وابنُ معينٍ، وغيرُهمَا، وضعَّفهُ أبُو حاتمٍ الرَّازيُّ. وأبوه فلَم يسمَع من أبي هُريرَة. وكنتُ حسَّنتُ هذا الحديثَ، ثُمَّ تراجعتُ عنه بعد عدَّة أشهُرٍ، ونبَّهتُ على ذلك في المجلَّة نفسِها. والحمدُ لله. أمَّا معنَى الحديثِ .. فـ "الجَعظَرِيُّ": هو الشَّديدُ الغليظُ. و "الجَوَّاظُ": هو الأكولُ. و "السَّخَّابُ": هو الصَّخَّابُ، كثيرُ الصِّياحِ، عالِي الصَّوتِ. ومقصودُ الحديثِ .. ذمُّ أهلِ الدُّنيَا، المتكالِبِينَ عليهَا، بحيثُ إنهم يَكدَحونَ فِيهَا طُوالَ

стр. 8

حياتهم كالأنعامِ، ليسَ لهُم همٌّ إلَّا جمعُهَا، والاستكثَارُ مِنهَا، فإذَا جَنَّ عليهِم اللَّيلُ نامُوا كالأمواتِ بلَا حِراكٍ، ولا يذكُرونَ الله ﵎. واللهُ أعلمُ.

стр. 9

٣ - سُئلتُ عن حديثِ: "اليَمِينُ الكَاذبَةُ تَذَرُ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ". • قلتُ: هذا حديثٌ حسنٌ. أخرجَهُ ابنُ حبَّانَ في "الثقاتِ" (٨/ ٤٠٠)، والدُّولابيُّ في "الكُنَى" (٢/ ١٦٥)، والكِلَابَاذِيُّ في "مفتاحِ المعانِي" (ق ٢٢٣/ ١ - ٢)، والخطيبُ في "التَّلخيصِ" (٢/ ٧٠٢ - ٧٠٣) من طريقِ سُليمانَ بن عبدِ الحميدِ بن عبدِ العزيزِ، عن أبِيهِ، عن عمرِو بن قيسٍ، عن واثِلةَ بن الأسقعِ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "اليمينُ الغَموسُ الكاذبةُ، تَذرُ الدِّيارَ بلاقعَ"، وهذَا لفظُ الخطيبِ. وسندُهُ ضعيفٌ؛ وسليمانُ بنُ عبدِ الحميدِ، ذكرَهُ في "التَّهذيبِ" تمييزًا، ولَم يذكُرهُ بأكثرَ مِن روايةِ الحسنِ بن سُليمانَ الفزاريِّ عنهُ. وأبُوهُ، ذكرَهُ ابنُ حبَّانَ في "الثِّقاتِ" بروايةِ ابنِهِ فقط، فهُمَا مجهُولانِ. ولكِن للحديثِ شاهدٌ عن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، مرفوعًا بلفظِ: "اليمينُ الفاجرةُ تُذهِبُ المالَ - أو: تَذهَبُ بالمالِ - ". أخرجَهُ البزَّارُ (ج ٢/ رقم ١٣٤٥)، من طريقِ ابن عُلاثَةَ، عن هشامِ بن حسَّانَ، عن يحيَى بن أبِي كثير، عن أبِي سلمةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ. قال البزَّارُ: "لا نعلَمُهُ عن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ إلا من هذَا الوجهِ، ولا أسندَ هشامٌ عن يحيَى غيرَ هذا، ولا رواهُ عن هشامٍ إلَّا ابنُ عُلاثةَ، وهو ليِّنُ الحديث".

стр. 10

وقال المُنذِرِيُّ في "التَّرغيبِ" (٣/ ٤٧): "إسنادُهُ صحيحٌ، لو صحَّ سماعُ أبِي سَلَمةَ من أبِيهِ عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ". وجزَمَ الهيثميُّ في "المَجمعِ" (٤/ ١٧٩) بأنَّهُ لَم يَسمَع مِن أبِيهِ، ولكنَّهُ وَهِمَ، فقالَ: "رجالُهُ رجالُ الصَّحيحِ"! ومحمَّدُ بنُ عبدِ الله بن عُلاثَةَ لَم يُخرِّج لهُ أحدُ الشَّيخينِ شيئًا، وهو صدوقٌ، في حفظِهِ مقالٌ يسيرٌ، أفرَطَ الأزديُّ وابنُ حبَّانَ فِيهِ، وإنَّما وقَعَت المناكيرُ في روايتهِ مِن قِبَلِ عموِو بن الحُصينِ، كما قال الخطيبُ. وعمرُو بنُ الحُصينِ تالفٌ البتّة. وخُولفَ هشامُ بنُ حسَّانَ فِيهِ. خالَفَهُ أبو حنيفةَ، فروَاهُ عن يحيَى بن أبِي كثيرٍ، عن مُجاهدٍ، وعِكرمةَ، عن أبِي هُريرةَ مرفُوعًا: "ليس شيءٌ أُطِيعَ اللهُ فيه أعجلَ ثوابًا من صلة الرَّحِمِ، وليس شيءٌ أعجَلَ عقابًا من البَغيِ وقطيعةِ الرَّحِمِ، واليمينُ الفاجرةُ تَدَع الدِّيارَ بلاقِعَ". أخرجَهُ البيهقيُّ (١٠/ ٣٥) من طريقِ عبدِ اللهِ بن يزيدَ المُقرِئِ، عن أبِي حنيفَة، به، وقال: "كذا رواهُ عبدُ اللهِ بنُ يزيدَ المقرِئ، عن أبِي حنيفَةَ. وخالفَهُ إبراهيمُ بنُ طَهمانَ، وعليُّ بنُ ظَبيانَ، والقاسمُ بنُ الحَكَمِ، فرَوَوهُ عن أبِي حنيفَةَ، عن ناصحِ بن عبدِ الله، عن يحيَى بن أبِي كثيرٍ، عن أبِي سلَمةَ، عن أيِي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ . وقِيلَ: عن يحيَى، عن أبِي سلَمةَ، عن أبِيهِ. والحديثُ مشهور بالإِرسالِ" اهـ.

стр. 11

ثُمَّ روَى البيهقيُّ الحديثَ مِن طريقَينِ مُرسلينِ بسندٍ صحيحٍ. ولَهُ طريقٌ آخرُ، عن أبِي سلَمةَ، عن أبِي هُريرةَ مرفوعًا: "إن أعجَلَ الطَّاعات ثوابًا صلةُ الرَّحِم، وإنَّ أهل البيت لَيَكُونون فُجَّارًا، فتَنموا أموالهُم، ويَكثر عددُهُم إذا وَصَلُوا أرحامَهُم. وإنَّ أعجَلَ المعصية عُقوُبَةً البغيُ، والخِيانةُ. ويَمينُ الغَموسُ: تُذهِبُ المالَ، وتذَرُ الدِّيارَ بلاقِعَ". وزاد الطَّبرانِيُّ: "وتُقِل في الرَّحمِ". أخرجَهُ ابنُ حبَّانَ في "المجرُوحِينَ" (٣/ ١٤٩ - ١٥٠) مُعلَّقًا، ووصلَهُ الطَّبرانيُّ في "الأوسطِ" (ج ١/ ق ٦١/ ١) من طريقِ أبِي جعفرٍ النُّفيليِّ، ثنا أبُو الدَّهماءِ البصريُّ - شيخُ صدقٍ -، عن محمَّدِ بن عمرٍو، عن أبِي سلَمةَ به. قال الطَّبرانيُّ: "لَم يَروِ هذا الحديثَ عن محمَّدِ بن عمرٍو إلَّا أبُو الدَّهماءِ، تفرَّدَ به النُّفيليُّ". • قلتُ: والنُّفيليُّ ثقةٌ مأمونٌ، ولكِنْ أبُو الدَّهماءِ قال فيه ابنُ حبَّانَ: "كانَ مِمَّن يروِي المقلوباتِ، ويأتِي عن الثِّقاتِ بمَا لَا يُشبهُ حديث الأثباتِ، فبطُلَ الاحتجاجُ به إذَا انفَرَدَ". واعتَمَدَ كلامَهُ الهيثميُّ في "المَجمعِ" (٨/ ١٥٢) فضعَّفهُ جدًّا، ولكنَّهُ خالفَ فِي موضعٍ آخرَ من "كتابِهِ" (٨/ ١٨٥) فقال: "فيه أبو الدَّهماءِ البصريُّ، وثَّقهُ النُّفيليُّ، وضعَّفهُ ابنُ حبَّانَ". وفي عبارتهِ نظرٌ؛ فإنَّ النُّفيليَّ لَم يُوثِّقهُ، بل قالَ: "شيخُ صدقٍ"، وهذا لا يَدلُّ علَى ضبطٍ، بل غايتُهُ إثباتُ صدقِهِ فحَسبُ.

стр. 12

وخُلاصةُ البحثِ، أن الحديث حسنٌ بالطَّريقِ الأوَّلِ مع المرسَلَينِ الصَّحيحَينِ اللَّذَينِ أشرتُ إليهِمَا. واللهُ تعالَى أعلَمُ.

стр. 13

٤ - سئلتُ عن حديثِ: "مَن قَلَّ مَالُهُ، وَكثُرَ عِيَالُه، وَحَسُنَت صَلَاتُهُ، وَلَم يَغتَب أَحَدًا مِنَ المُسلِمِينَ، كانَ مَعِي يَومَ القِيَامَةِ كأُصبُعَيَّ هَاتَينِ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ جدًّا. أخرجَهُ أبو يعلَى (ج ٢/ رقم ٩٩٠)، والأصبهانيُّ في "التَّرغيب" (٢٢٢٦)، والخطيبُ في "تاريخه"، ومن طريقه ابنُ الجوزيِّ في "الواهيات" (٢/ ٣١٩) من طريق مَسلَمَةَ بن عَليٍّ، عن عبد الرَّحمن بن يزيدَ، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن النبيِّ ﷺ ، فذكره. قال ابن الجوزيِّ: "هذا حديثٌ لا يصحُّ. قال أحمد: عبد الرَّحمن بن يزيدَ ضعيفٌ. وقال النَّسائيُّ: متروكٌ". كذا قال ابن الجوزيِّ! وفي إعلاله نظرٌ، فإنَّه لا يَتِمُّ له .. وبيان ذلك، أن مَسلَمَةَ بن عليٍّ يَروِى عن عبد الرَّحمن بن يزيدَ بن تميمٍ، وكذا عن عبد الرَّحمن بن يزيدَ بن جابرٍ، كما أن كليهما يَروِي عن الزُّهريِّ. والأوَّل ضعيفٌ أو متروكٌ، والثَّاني ثقةٌ ثبتٌ، فلا يَتمُّ له الإعلال إلَّا إذا أَثبَت أن الواقع في السند هو المتروكُ دون الثِّقة، ولا يُقطَع بهذا إلَّا إذا جاء منسوبًا.

стр. 14

أمَّا علَّة الحديث الَّتي أغفَلَها ابنُ الجوزيِّ، فهي مَسلَمَةُ بنُ عليٍّ، وهو أبو سعيدٍ الخشُنيُّ، وهو متروكٌ كما قال النَّسائيُّ، والدَّارقُطنيُّ، والبَرقانيُّ، وغيرُهُم. وقالَ أبو داوُد: "ليس بثقةٍ ولا مأمونٌ". وقال البُخاريُّ، وأبُو زُرعةَ، وغيرُهما: "منكَر الحديث". والله أعلم.

стр. 15

٥ - سُئلتُ عن حديث: "مَا قَلَّ وَكفَى، خيرٌ مِمَّا كثُرَ وَأَلهَى". • قلتُ: هذا الحديث صحيحٌ. أخرجه أحمدُ في "المسند" (٥/ ١٩٧)، وفي "الزُّهد" (ص ١٩)، وابنُ أبي شَيبةَ في "المسند" (٣٦)، والطَّيالسيُّ (٩٧٩)، وعبدُ بن حُميدٍ في "المنتخَب" (٢٥٧)، وابنُ جَريرٍ في "تفسيره" (١١/ ١٠٤، و ٣٠/ ٢٢١)، وفي "تهذيب الآثار" (٤٤٣، ٤٤٤، ٤٤٧ - مُسنَد ابن عبَّاسٍ)، وابنُ أبي حاتِمٍ في "تَفسِيره" (١٠٣٢٦)، وابنُ حِبَّانَ (٨١٤، ٢٤٧٦)، وأبو مُحمَّدٍ الفَاكِهِيُّ في "حدِيثه" (ج ١/ ق ١٤/ ١ - رقم ٦٤ بتحقيقي)، وابنُ السُّنِّيِّ في "القناعة" (٣٠، ٣١، ٣٢)، والمَحَامِليُّ في "الأمالي" (ق ٤٩/ ٢ - ٥٠/ ١)، والطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" (٢٨٩١)، وابنُ بِشرَانَ في "الأمالي" (ق ٩٨/ ٢)، والحاكمُ (٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥)، وأبو الشَّيخِ في "الأمثال" (١٨٨)، وابنُ أبي الدُّنيَا في "كَلَام الأيَّام واللَّيَالِي" (رقم ١، ٢)، وأبُو نُعيم في "الحِلية" (١/ ٢٢٦، و ٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣، و ٩/ ٦٠)، والأصبهانيُّ في "التَّرغيب" (٥١٦، ٢٠٤٨)، والبيهقيُّ في "الشُّعَب" (ج ٧/ رقم ٣١٣٩)، والقُضَاعِيُّ في "مُسنَد الشِّهاب" (٨١٠)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (١٤/ ٢٤٧) من طُرُقٍ عن قتادة، عن خُلَيد بن عبد الله العَصَريِّ، عن أبي الدَّرداءِ، عن رسول الله ﷺ ، قال: "ما طلعت الشمسُ قطُّ، إلَّا وبِجَنبَتَيهَا ملَكان يناديان، يُسمعَان مَن علَى

стр. 16

الأرض، غيرَ الثَّقلينِ: أيُّها النَّاسُ! هلُمُّوا إلَى ربِّكُم، ما قلَّ وكفَى خيرٌ ممَّا كثُرَ وألهَى. ولا آبت شَمسٌ قَطُّ، إلَّا بُعِثَ بجَنبَتَيهَا مَلَكَان يُنادِيان، يُسمِعان أهلَ الأرضِ، إلَّا الثَّقَلَين: اللَّهُمَّ! أَعط مُنفِقًا خَلَفًا، وأَعط مُمسِكًا مَالًا تَلَفًا"، لفظُ أحمدَ. وفي حدِيثِ عبَّادِ بن راشدٍ، عن قَتادَةَ - عِند ابن جَرِيرٍ، وابنِ أبي حاتِم، والفَاكِهِيِّ، وابنِ بِشرَانَ، والبَيهَقِيِّ -، زادَ: " … وأنزَلَ اللّهُ تعالَى في ذلك قُرآنًا - في قول الملكين: يا أيُّها النَّاسُ! هَلُمُّوا إلى رَبِّكُم -، في سُورَة يُونُس: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]. وَأنزلَ في قولهِمَا: اللَّهُمَّ! أَعطِ مُنفِقًا خَلَفًا، وأَعطِ مُمسِكًا تَلَفًا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ … إلى قَولِه: … ﴿لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١ - ١٠] ". • قلتُ: وقد تَفَرَّد عبَّادُ بن راشدٍ دُونَ سائِرِ رُواتِه عن قتادةَ، بِجَعلِ هذا الحديثَ سبَبًا لنُزُول هذه الآياتِ. وعبَّادُ بن راشدٍ لا يُحتَمَلُ لمِثلِه أن يَنفَرِد عن قَتادَةَ بهذا. وقد رَوَاهُ عن قَتَادَةَ دُون سَبَب النزول: سَعِيدُ بن أبي عَرُوبَةَ - مِن رواية عَبدِ الأَعلى بن عبد الأَعلَى -، وهمَّامُ بنُ يَحيَى، وشيبَانُ بن عبد الرَّحمَن، وهِشَامٌ الدَّستوائِيُّ، وسُليمانُ التَّيمِيُّ، وأبو عَوَانَةَ، وسَلَّام بن مِسكِين، فلَم يَذكُر واحدٌ مِنهُم ما ذَكَرَهُ عبّادُ بن راشدٍ. نعم! وَقَع في رواية هِشَامٍ الدَّستوائِيِّ، قال: ثنا قتادَةُ، وتلا قَولَ الله : ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾

стр. 17

[الشُّورَى: ٢٧]، فقال: ثنا خُلَيدُ بن عبدِ الله العَصَرِيُّ، عن أبي الدَّردَاءِ، مرفُوعًا، … إلى قوله: "وعجِّلْ لممسِكٍ تَلَفًا". أخرَجَهُ الحاكمُ (٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥) قال: أخبَرَنَا أبو الحُسَين أحمدُ بن عُثمانَ بن يَحيَى المُقرِئُ ببغدادَ، ثنا أبو قِلَابَةَ الرَّقَاشِيُّ، ثنا عبدُ الصَّمَد بن عبد الوَارِثِ، ثنا هِشَامٌ الدَّستوائِيُّ، بهذا. وشَيخُ الحاكِمِ ثقةٌ. وأبو قِلَابَةَ الرَّقَاشِيُّ هو عبدُ المَلِك بنُ مُحَمَّدٍ. وهو من الحُفَّاظِ. إلَّا أن الدَّارَقُطنِيَّ رَمَاهُ بكثرةِ الخَطَإِ في المَتنِ والإِسناد. وقد رواه الطَّيَالِسِيُّ، ومُعاذُ بن هِشَامٍ كلاهُمَا، عن هِشامٍ الدَّستوائِيِّ، دُون ذِكرِ الحِكاية التي وَرَدَت في حديث عبدِ الصَّمَد، عِند الحَاكِم. وعبدُ الصَّمَد من الأَثبَاتِ، فَهَل وَهِمَ عليه أبو قِلَابَةَ الرَّقَاشِيُّ؟! ولكن، يُمكِن أن يُقالَ: ذَكَرَ الإمامُ أحمدُ أنَّهُ إذَا وَرَدَت حكايَةٌ في الحديث دَلَّ علَى أنَّهُ محفُوظٌ. وهذا مِنهَا. ووَقَعَ تصريحُ قتَادَةَ بالسَّمَاع مِن خُلَيدٍ عند الطَبَرِيِّ، والحاكِمِ مِن رواية عبَّادِ بن راشِدٍ، وهِشامٍ الدَّستوائِيِّ، عن قَتادَةَ. وخُلَيدُ بنُ عبد الله العَصَرِيُّ رَوَى له مُسلِمٌ حديثًا واحِدًا، مُتابَعةً، في "كتاب الزَّكَاة" (٩٩٢/ ٣٥) عنه، عن الأَحنَف بن قَيسٍ، قال: كُنتُ في نَفَرٍ من قُرَيشٍ، فمَرَّ أبُو ذَرٍّ، وهو يَقُولُ: "بشِّر الكَانِزِين بِكَيٍّ في ظُهُورِهم، يَخرُج من جُنُوبِهم. وبِكَي مِن قِبَل أَقفَائِهِم، يَخرُج مِن جِبَاهِهِم"، - قال: - ثمَّ تَنَحَّى، فقَعَد، - قال. - قُلتُ: "مَن هَذَا؟ "،

стр. 18

قالُوا: "هذا أبو ذَرٍّ"، - قال: - فقُمتُ إليه، فقُلتُ: "ما شَيءٌ سَمِعتُك تقولُ قُبَيلَ؟ "، قال: "ما قُلتُ إلَّا شيئًا قد سمِعته مِن نَبِيِّهم ﷺ "، - قال: - قُلتُ: "ما تقُولُ في هذا العَطَاءِ؟ "، قال: "خُذهُ؛ فإنَّ فيه اليومَ مَعُونَةً. فإن كان ثَمَنًا لدِينِكَ فادفَعهُ". هذا ما لِخُلَيدٍ في "صحيح مُسلِمٍ". وخُلَيدٌ ذَكَرَهُ ابنُ حِبَّان في "الثِّقات". ونَصَّ ابنُ مَعِينٍ في "تَارِيخِه" (٢/ ٢٢٤) على صِحَّة سمَاعِهِ مِن أبي الدَّردَاءِ. وصَحَّحَ إسنادَهُ الحاكمُ، كما مَرَّ ذِكرُه. وقولُهُ: "اللَّهُمَّ! أعطِ مُنفِقًا خَلَفًا … " أخرَجَهُ الشَّيخَانِ، مِن حديثٌ أبي هُريرَة ﵁، مرفُوعًا. وصحَّح إسنادَهُ المنذريُّ في "التَّرغيب" (٢/ ٥٣٧)، وشيخُنَا الألبانيُّ في "الصَّحيحة" (رقم ٩٤٧). وقال الهَيثميُّ في "المجمَع" (٣/ ١٢٢، و ١٠/ ٢٥٥): "رجاله رجال الصَّحيحِ". وله شاهدٌ عن أبي أُمامَة الباهليِّ مرفوعًا: "هلُمُّوا إلى ربِّكُم ، ما قلَّ وكفَى خيرٌ ممَّا كثُر وألهَى". أخرجَهُ ابنُ السُّنِّيِّ في "القَناعة" (٣٥)، والطَّبرانيُّ في "الكبير" (٨/ ٣١٤)، والقُضاعيُّ في "مُسنَد الشِّهاب" (١٢٦٣). وفي إسناده فَضَّالُ بنُ جُبيرٍ، وهو ضعيفٌ. وأخرجه أبُو يَعلَى (ج ٢/ رقم ١٠٥٣) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ عبَّادٍ،

стр. 19

حدَّثَنا أبو سعِيدٍ، عن صَدقةَ بن الرَّبيع، عن عُمارَةَ بن غَزِيَّةَ، عن عبد الرَّحمن بن أبي سعيدٍ - أُراه عن أبيه، شكَّ أبو عبد الله -، قال: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ وهو على الأعواد، وهو يقولُ: "ما قلَّ وكفَى خيرٌ مما كثُر وألهَى". وصحَّحَهُ الضِّياءُ في "المُختارَة". • قلتُ: والذي شك هو شيخ أبي يعلى، ويكنى: أبا عبد الله، وأبو سعيدٍ هو مَولَى بني هاشمٍ، من ثقات مشايخ الإمام أحمد. وفي إسناده صَدَقَةُ بن الرَّبيع، قال الهيثميُّ في "المجمع" (١٠/ ٢٥٥ - ٢٥٦): "وهو ثقةٌ"!! كذا قالَ! وصدَقةُ ترجَمَهُ ابنُ أبي حاتِمٍ في "الجرح والتَّعديل" (٢/ ١/ ٤٣٣)، ولم يذكر فيه شيئًا، وذَكَره ابنُ حِبَّان في "الثِّقات" (٨/ ٣١٩). فمِثلُهُ لا يُقال فيه: "ثقةٌ". وأخرجه ابن عديٍّ في "الكامل" (١/ ٢٧٦) قال: حدَّثَنا الحَسنُ بنُ شعبةَ الأنصاريُّ، ثنا محمَّدُ بن أحمدَ بن سعيدٍ، ثنا القاسمُ بنُ الحَكَم، ثنا إسماعيلُ بنُ سَلمَانَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، مرفوعًا: "ما قلَّ وكفَى خيرٌ مما كثُر وألهَى". وفيه إسماعيل بن سلمان الأزرق، وهو متروكٌ، كما قال النَّسائِيُّ. وخَتَمَ ابنُ عَدِيٍّ ترجَمَته بقوله: "وقد رَوَى - يعني: إسماعيلَ - عن أنسٍ أيضًا حديثَ الطَّير في فضائِلِ عليّ بن أبي طالبٍ". وهو بهذا يُشير إلى وهائِهِ؛ لأنَّ حديث الطَّير - وإن تعدَّدت طُرُقه - فهو باطلٌ واللهُ أعلمُ.

стр. 20

٦ - سُئلتُ عن الحديث القدسيِّ: "إِنَّ مِن عِبَادي مَن لَا يَصلُحُ إِيمَانهُ إِلَّا بِالغِنَى، وَلَو أَفقَرتُهُ لَكَفَرَ … الخ". • قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ. أخرَجَه الخطيبُ في "التَّاريخ" (٦/ ١٥) من طريق يحيى بن عيسى الرَّمليِّ، حدَّثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ الثَّوريُّ، حدَّثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أبي قِلابةَ، عن كَثر بن أَفلَحَ، عن عُمَر بن الخطَّاب مرفُوعًا: "أتاني جبريلُ، فقال: يا مُحمَّدُ! ربُّك يقرأُ عليكَ السَّلامَ، ويقولُ: إنَّ مِن عبادي مَن لا يَصلُح إيمانُهُ إلَّا بالغِنى، ولو أفقرته لكفرَ، وإنَّ مِن عبادي مَن لا يَصلُح إيمانُهُ إلَّا بالفقر، ولو أغنيته لكَفَرَ، وإنَّ مِن عبادي مَن لا يَصلُح إيمانُهُ إلَّا بالسَّقَم، ولو أصحَحته لكفر، وإنَّ مِن عبادي مَن لا يَصلُح إيمانُهُ إلَّا بالصِّحَّة، ولو أسقمته لكفر". وهذا سندٌ ضعيفٌ أو واهٍ، وعلَّتُهُ: يحيى بنُ عيسى الرَّمليُّ، ضعَّفه ابن مَعِينٍ، وقال النَّسائيُّ: "ليس بالقويِّ"، وقال ابن عدِيٍّ: "عامَّة ما يروِيهِ ممَّا لا يُتابَع عليه". وله شاهدٌ من حديث أنسٍ ﵁ .. أخرَجَهُ ابنُ أبي الدُّنيَا في "الأولياء" (١)، وأبو بَكرٍ الكِلَابَاذِيُّ في "معاني الأَخبَار" (ق ١٣٣/ ١ - ٢)، وأبو نُعيمٍ في "الحِليَةِ" (٨/ ٣١٨ - ٣١٩)، والأَصبَهَانِيُّ فِي "التَّرغيب" (٢٠٤)، وابنُ عساكر في "تاريخ دِمَشقَ"

стр. 21

(٧/ ٦٨)، وابنُ الجَوزِيِّ في "الواهيات" (٢٧)، وفي "صفة الصَّفوة" (رقم ٣ - بتحقيقي)، والشَّجَرِيُّ في "الأَمالِي" (٢/ ٢٠٤) من طُرُقٍ عن الحَسَن بن يحيى الخُشَنِيِّ أبي عبد المَلِك، ثنا صَدَقةُ بن عبد الله، عن هِشامٍ الكِنَانِيِّ، عن أنسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "قال اللهُ تعالَى: مَن أهانَ لِي وليًّا فقد بَارَزَنِي بالمُحارَبة، وما تَردَّدتُ عَن شيءٍ أنا فَاعِلُهُ ما تَرَدَّدتُ في قَبضِ نفسِ عَبدِي المُؤمِنِ؛ لأنَّهُ يَكرَهُ المَوتَ، وأنا أَكرَهُ مَسَاءَتَهُ، ولابُدَّ لَهُ مِنهُ. وإن مِن عِبادِي المُؤمِنين مَن يُرِيدُ بَابًا مِنَ العِلمِ فأكُفُّهُ عَنهُ؛ لا يَدخُلُه عُجبٌ فيَفسَدُ لذلك. وما تَقرَبَ إليَّ عَبدِي بمِثلِ أداءِ ما افتَرَضتُ عليه. وما يَزَالُ عَبدِي يَتنَفَّلُ لي حَتَّى أُحِبَّه، فإذا أَحبَبتُه كنتُ له سَمعًا، وبَصَرًا، ويَدًا، ومُؤَيِّدًا، دَعَانِي فأجَبتُه، وسَألنِي فأعطَيتُه، ونَصَح لي فنَصَحتُ له. وإن مِن عِبادِي المُؤمِنين مَن لا يُصلِحُ إيمانَهُ إلَّا الفَقرُ، ولو بَسَطتُ لَهُ لأَفسَدَهُ ذلك. وإنَّ مِن عِبادِي المُؤمِنين مَن لَا يُصلِحُ لَهُ إيمانَهُ إلَّا الصِّحَّةُ، ولو أَسقَمته لأفسَدَهُ ذلك. وإن مِن عِبادِي المُؤمِنين مَن لا يُصلِحُ إيمانَهُ إلا السَّقَمُ، ولو أَصحَحتُهُ لأفسَدَهُ ذلك. إنِّي أُدَبِّرُ أَمرَ عِبادِي بِعِلمِي، إنِّي بقلُوبِهِم عَلِيمٌ خَبِيرٌ". وعزاهُ شيخُنا في "الصَّحيحة" (٤/ ١٨٩) إلى مُحمَّدِ بن سُليمان الرَّبعِيِّ في "جُزءٍ من حديثه" (ق ٢١٦/ ٢). قال أبو نُعيمٍ: "غَرِيبٌ من حديث أنسٍ. لم يَروِهِ عنه بهذه السِّيَاقَةِ إلَّا هشَامٌ الكِنَانِيُّ، وعنه صَدَقَةُ بن عبد الله أبو مُعاوِيَةَ الدِّمَشقِيُّ. تفرَّدَ به الحَسَنُ بن يحيى الخُشَنِيُّ".

стр. 22

قال شيخُنا: "هشامٌ الكنانِيُّ لم أعرفه، وقد ذَكَره ابنُ حِبّان في كلامه الذي سبق نقلُهُ عنه بواسطةِ الحافظِ ابن حَجَرٍ، فالمفروضُ أن يُورِدِهُ ابنُ حبَّان في "ثقات التَّابعين"، ولكنَّه لم يَفعَل، وإنَّما ذَكَر فيهم هشامَ بن زيدِ بن أنسٍ البَصريَّ، يروي عن أَنسٍ، وهو من رجال الشَّيخَين. فلعلَّه هو". • قلتُ: وهو بعيدٌ أن يكون هو. والخُشَنِيُّ صَدُوق في نَفسِه، ولكنَّه صاحِبُ مَنَاكِير. وخالَفَهُ سَلامَةُ بن بِشرٍ، قال: نا صَدَقَةُ، عن إبراهيمَ بن أبي كَرِيمَةَ، عن هِشامٍ الكِنَانِيِّ، عن أنسٍ، عن رسُولِ الله ﷺ ، عن جِبرِيلَ، عن رَبِّه ﵎، … فذَكَرَه. فجَعَلَ بين صدقةَ وهِشامٍ: "إبراهيمَ بنَ أبي كَرِيمَة". أخرَجَهُ ابنُ عَسَاكِر (٧/ ٦٧)، من طرِيقٍ تمامٍ الرَّازِيِّ، أنا أبو الحَسَن أَحمَدُ بن سُليمَان بن حَذْلَمٍ، نا يزيدُ بن مُحمَّد بن عبد الصَّمَد، نا سَلَامةُ بن بِشرٍ بهذا. وسَلَامةُ هو ابن بِشرِ بن بُدَيلٍ، قال أبو حاتِمٍ: "صَدُوقٌ"، وذَكَرَهُ ابن حِبَّانَ في "الثِّقات" وقال: "يُغرِبُ". وهو أحسَنُ حالًا من الخُشَنِيِّ. والرَّاوِي عنه يَزِيدُ بن مُحَمَّدٍ أحَدُ الثِّقاتِ، مِن مشَايخ أبِي دَاوُد، والنَّسائِيِّ. وإبراهيمُ بنُ أبي كَرِيمَةَ تَرجَمَهُ ابنُ عسَاكِر في مَوضِع الحديثِ، ولم يَذكُر فيه شَيئًا.

стр. 23

بَقِيَ الكلامُ عن صَدَقَةَ بن عبد الله السَّمِينِ، والذي اختَلَفَ الرُّواةُ عَنهُ. فالذي يَتَحَصَّلُ مِن كلام العُلَماء فيه أنَّهُ ضَعِيفٌ. وقد مَرَّ وَجهَانِ مِن الاختلاف عليه .. ووَجهٌ ثالِثٌ .. وهو ما رَوَاهُ عُمَرُ بن سعيدٍ الدِّمَشقِي، عنه، قال: حدَّثَني عبدُ الكَرِيم الجَزَرِيُّ، عن أنس بن مالِكٍ، عن رسولِ الله ﷺ ، عن جِبرِيلَ ﵇، عن الله ﵎، أنَّهُ قال: "مَن أَهَانَ لِي وليًّا فقد بَارَزَنِي بالمُحارَبَة، وإِنِّي لأَسرَعُ شَيءٍ إلى نُصرَةِ أوليَائِي؛ لأنِّي لأَغضَبُ لَهُم كما يَغضَبُ اللَّيثُ الحَرِبُ. وما تَردَّدتُ عن شَيءٍ أنا فَاعِلُهُ ترددي عن قَبضِ رُوح عَبدِي المُؤمِنِ؛ وهو يَكرَهُ الموتَ وأَكرَهُ مَساءَتَهُ، ولابدَّ له مِنهُ. وما تَعَبَّدَ لي عَبدِي المُؤمِنُ بمِثلِ الزُّهدِ في الدُّنيَا. ولا تَقَرَّبَ إليَّ عَبدِي المُؤمِنُ بِمِثلِ أداءِ ما افَترَضتُ عليه. وما يَزَالُ عَبدِي يتقَرَّبُ إليَّ بالنَّوَافِل حتى أُحِبَّهُ، فإذا أحبَبتُه كنتُ له سَمعًا، وبَصَرًا، ويَدًا، ومُؤَيِّدًا، إن سَألني أعطيته، وإن دَعَانِي أجَبتُ لَهُ. وإِنّ مِن عِبادِي المؤمِنِين لمَن يَسألُني البابَ مِن العِبَادَة، ولو أَعطَيته إيَّاهُ لدَخَلَهُ العُجبُ فأَفسَدَهُ. ذَلِكَ؛ أن مِن عِبادِي مَن لا يُصلِحُهُ إلَّا الغِنَي، ولو أَفقَرتُهُ لأفسَدَهُ ذلك. وإنَّ مِن عِبادِي المُؤمِنين مَن لا يُصلِحُهُ إلَّا الفَقرُ، ولو أَغنَيتُه لأفسَدَهُ ذلك. وإنَّ مِن عِبادِي المُؤمِنين مَن لا يُصلِحُهُ إلَّا الصِّحَّةُ، ولو أَسقَمته لأَفسَدَهُ ذلك. وإن مِن عِبادِي المُؤمِنين مَن لا يُصلِحُهُ إلا السَّقَمُ، ولو أصَحَحته لأَفسَدَهُ ذلك. إنِّي أُدَبِّرُ عِبَادِي بِعِلمِي بِقُلُوبِهم، إنِّي عَلِيمٌ خَبِيرٌ".

стр. 24

قال صَدَقَةُ: سمعتُ أبانَ بنَ أبي عيَّاش يحدِّثُ هذا، عن أنَسَ بن مالِكٍ ﵁، ثُمَّ يقُولُ أنَسٌ: "اللَّهُمَّ! إنِّي مِن عِبَادِك الذين لا يُصلِحُهُم إلا الغِنَى، فلا تُفقِرْنِي". أخرَجَهُ الحكيمُ التِّرمِذِيُّ في "نَوادِر الأُصُول" (ج ١/ ق ٢٥٩/ ١ - ٢)، قال: حدَّثَنا داوُد بنُ حمَّادٍ القَيسِيُّ، قال: حدَّثَنَا عُمَرُ بن سعيدٍ الدِّمَشقِيُّ بهذا. • قلتُ: وعُمَرُ بن سَعِيدٍ هذا هو عِندِي ابنُ سُليمانَ أبو حَفصٍ الأَعوَرُ. تَرجَمَهُ ابن عَساكِر (٤٨/ ٤١ - ٤٥)، وذَكَرَهُ الحافِظُ في "التَّهذِيب" (٧/ ٤٥٣ - ٤٥٤)، تميِيزًا. وهو ضَعِيفٌ جِدًّا. قال النَّسَائِيُّ: "ليس بِثِقَةٍ"، وضَعَّفَهُ ابنُ المَدِينِيِّ جِدًّا، وقال أبو حَاتِمٍ: "كَتَبتُ عَنهُ، وطَرَحتُ حدِيثَهُ". وعبدُ الكَرِيم بن مالِكٍ الجَزَرِيُّ أحَدُ الأَثبَات، لكِنَّهُ لم يُدرِك أَحَدًا مِن الصَّحَابَة؛ فالإِسنادُ مُنقَطِعٌ أيضًا. وأَشبَهُ الوُجُوه ما رَوَاهُ سَلَامة بن بِشرٍ، عن صَدَقَة، عن إبرَاهِيمَ بن أبي كَرِيمَةَ، عن هِشامٍ الكِنَانِيِّ، عن أنَسٍ. وقد بَيَّنتُ لك قَبلَ ذلك أن هذا الوجهَ لا يَصِحُّ أيضًا. أمَّا حدِيثُ: "مَن عَادَى لي وَليًّا فقد آذَنته بالحرب … "، فهو حديثٌ صحِيحٌ، مِن مَفَارِيد البُخارِيِّ. ولِشَيخِنَا الأَلبَانِيِّ حَفِظَهُ اللهُ تحقِيقٌ مُمتِعٌ عليه، أَودَعَهُ في "الصَّحِيحَة" (٤/ ١٨٣ - ١٩٣). والله أعلَمُ.

стр. 25

٧ - سُئلتُ عن حديث: "العَمَلُ عِبَادَةٌ". • قلتُ: هذا الحديثُ لا أصلَ له. ولعلَّ مستنَدَ هذا القول هو ما يتداوله العوامُّ، مِن أن رجلًا كان يَتعبَّد في المسجد ليلَ نهارٍ، وله أخٌ يُنفِقُ عليه، فرآه النَّبيُّ ﷺ ، فقال له: "مَن يُنفِق عليك؟ "، قالَ: "أخي"، قال: "أخوك أَعبَدُ منك". وهذا باطلٌ، لا أصل له في شيءٍ مِن كُتب السُّنَّة المعتبَرة. بل يُبطِله ما: أخرجه التِّرمذيُّ (٢٣٤٥)، والحاكمُ (١٠/ ٩٣ - ٩٤)، والسَّهميُّ في "تاريخ جُرجَان" (٥٤٢)، وابنُ عبدِ البَرِّ في "جامع العلم" (١/ ٥٩) من طريقِ حمَّاد بن سَلَمة، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، قال: كان أَخَوان على عهد النَّبيِّ ﷺ ، فكان أحدُهما يأتِي النَّبيَّ ﷺ ، والآخَر يحتَرِفُ - يَعنِي: يَعملُ -، فشكَى المحترفُ أخاه إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال له: "لعلَّك تُرزَقُ به". قال التِّرمذيُّ: "حسنٌ صحيحُ". وقال الحاكمُ: "صحيحٌ على شرط مُسلِم، ورواتُهُ عن آخرِهِم أثباتٌ ثقاتٌ"، ووافقَهُ الذَّهبيُّ، وهو كما قالوا. وليس في هذا الحديث أيضًا ما يتَّكئُ عليه العاطلون، فقد تتابعت الأحاديث في الحضِّ على العمل، والنَّهيِ عن السُّؤال. وبيانُ عدم التَّعارض بين الأحاديث يحتاجُ إلى مَقامٍ آخرَ.

стр. 26

وأخرجَ البُخاريُّ في "التاريخ الكبير" (٤/ ١/ ١٨١)، ويعقوبُ بن سفيانَ في "المعرفة" (١/ ٣١١)، والطَّبرانيُّ في "الكبير" (ج ١٩/ رقم ٦٣، وأبو نُعيمٍ في "الحلية" (٣/ ١٢٥)، والبيهقيُّ (١٠/ ١٩٤ - ١٩٥) من طريق بكر بن بشرٍ العسقلانيِّ، ثنا عبدُ الحميد بنُ سَوَّارٍ، عن إياسِ بن مُعاوية، عن أبيه، عن جَدِّه، وساق حديثًا، فيه: "والعمل من الإيمان". لكنَّه ضعيفٌ؛ بكرُ بنُ بشر مجهولٍ كما قال الذَّهبيُّ في "الميزان". وعبدُ الحميد بنُ سَوَّارٍ ضعيفٌ، وبه أعلَّه الهيثميُّ في "المجمَع" (٨/ ٢٧). ولو صحَّ، لم يكُن فيه دليلٌ للحديث المسئول عنه؛ لأنَّ المقصودَ منه أن الأعمال الَّتي هي كالصَّلاة والزَّكاةِ وغيرِها مِن تمامِ الإيمانِ. وفيه ردٌّ علَى المُرجئةِ، الَّذين لا يَعتبِرون الأعمالَ داخلةً في الإيمانِ. (وهناك تنبيه) وهو أن المُسلمَ لو عَمِلَ أيَّ عملٍ مُباحٍ، واقترَنَت به نيَّةُ الزُّلفَى إلى الله تعالَى، فإنَّهُ يَدخل في جنس العبادة، فلو ذهب لِعَمَله وفي نيَّته أنَّهُ يَستعِفُّ به، ويُؤدِّي ما أوجبه اللهُ عليه مِنَ النَّفقة على زوجته وأولاده، كان بذلك عابدًا لله؛ لأنَّهُ لو قَصَّر في ذلك حتَّى ضيَّعَهُم، أَثِمَ به، وقد صحَّ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "كفى بالمرء إثمًا أن يَحبِس عمَّن يملِكُ قوتَهُ"، أخرجهُ مُسلمٌ وغيرُهُ. واللهُ أعلمُ.

стр. 27

٨ - سُئلتُ عن حديث: "إِنّ لِكُلِّ شيءٍ شَيخًا، وَشَيح الجِهَادِ الرِّبَاطُ فِي سبِيلِ اللهِ". • قلتُ: هذا حديثٌ منكَرٌ. أخرجه العُقيليُّ في "الضُّعفاء" (٨٠/ ٢)، ومن طريقِهِ ابنُ الجَوزِيِّ في "الواهيات" (٢/ ٩٠ - ٩١) من طريق سُليمانَ بن الحجَّاج الطَّائفيِّ، عن خالد بن سعيدٍ، عن أبي حازمٍ، عن سهل بن سعدٍ السَّاعديِّ، مرفُوعًا فذكره. قال العُقيليُّ: "سُليمان بن الحجَّاج: الغالبُ على حديثه الوَهَمُ. وهذا الحديثُ لا أصل له". وقال ابنُ الجوزيِّ: "لا يصحُّ".

стр. 28

٩ - سُئلتُ عن حديث: "يَخرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ رِجَالٌ، يَختِلُونَ الدُّنيَا بِالدِّينِ، يَلبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأنِ مِنَ اللِّينِ، أَلسِنَتُهُم أَحلَى مِنَ العَسَلِ، وَقُلُوُبهُم قُلُوبُ الذِّئَابِ، يَقُولُ اللهُ : أَبِي يَغتَرُّونَ؟! أَم عَليّ يَجترئُونَ؟! فَبِي حَلَفتُ! لأَبعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ مِنهُم فِتنَةً، تَدَع الحَلِيمَ مِنهُم حَيرَانَ". • قلتُ: هذا الحديثُ ضعيفٌ جدًّا. أخرجه التِّرمذيُّ (٢٤٠٤)، وابنُ المبارَك (٥٠)، وهنَّادُ بنُ السَّريِّ (٨٦٠) كلاهما في "الزُّهد"، وابنُ عبد البرِّ في "الجامع" (١/ ١٨٩)، والخطيبُ في "الفقيه والمتفقِّه" (٢/ ١٦٢)، والبغَويُّ في "شرح السُّنَّة" (١٤/ ٣٩٤) من طريق يحيى بن عُبيد الله، عن أبيه، عن أبي هُريرة، مرفوعًا به. وهذا سندٌ ضعيفٌ جدًّا؛ ويحيى بن عُبيد الله: قال أحمد: "أحاديثه مناكيرُ"، وضعَّفه ابنُ مَعِين، وابنُ عديٍّ،. وتركه يحيى القَطَّانُ آخرَ أمرِهِ. وأبوه عُبيد الله بن عبد الله بن مَوهَبٍ: قال أحمد، والجُوزجانيُّ، والشَّافعيُّ: "لا يُعرَف"، وقال ابنُ القطَّان الفاسيُّ: "مجهول الحال"، أمَّا ابنُ حِبَّانَ، فوثَّقه (٥/ ٧٢)! وله شاهدٌ من حديث ابن عُمَر ﵁.

стр. 29

أخرجه التِّرمذيُّ (٢٤٠٥) من طريق حمزة بن أبِي مُحَمَّدٍ، عن عبد الله بن دينارٍ، عن ابن عُمَر، مرفوعًا: "إنَّ الله تعالى قال: لقد خلَقتُ خلقًا، ألسنتُهُم أحلَى من العسل، وقلوبُهُم أَمَرُّ من الصبر، فبِي حَلَفتُ! لأُتِيحَنَّهُم فتنةً تدع الحليمَ منهُم حَيرانَ، فَبِي يغترُّونَ؟! أم عليَّ يَجتَرِؤُون؟! ". قال التِّرمذيُّ: "هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من حديث ابن عُمَر، لا نَعرِفه إلَّا مِن هذا الوجه". • قلتُ: كذَا! وحمزة بن أبي مُحَمَّدٍ: ليَّنَه أبو زُرعةَ، وقال أبو حاتمٍ: "ضعيف الحديث. مُنكَر الحديث. لم يَروِ عنه غيرُ حاتم بن إسماعيل"، وهذا معناه أنَّه مجهول العين. فإذا كان مع جهالته مُنكَر الحديث، فهو ساقطٌ عن حدِّ الاعتبار به، فالسَّند واهٍ. وله شاهدٌ من حديثِ أبِي الدَّرداءِ مرفُوعًا: "أنزل الله في بعض كتبِه، أو أَوحَى إلى بعض أنبيائِهِ: قُل للَّذين يتفقَّهُون لغيرِ الدِّين، ويتعلَّمُون لغيرِ العمل، ويطلبون الدُّنيا بعملِ الآخرةِ، يَلبسُون للنَّاس مُسُوكَ الكِباش، قلوبُهُم كقلوب الذِّئاب، ألسنتُهُم أحلَى من العسل، وقلوبُهُم أَمَرُّ من الصبر: إيَّاي يَخدعُون؟! أَوْ بي يستهزِئُون؟! فبِي حَلفتُ! … الحديثُ". أخرجه ابنُ عبد البرِّ في "الجامع" (١/ ١٨٩)، والخطيب في "الفقيه والمتفقِّه" (٢/ ١٦٢)، وابنُ عساكر في "المجلس الرَّابع عشر من الأمالي" (ق ٢/ ١) من طريق المغيرة بن عبد الرَّحمن، عن عُثمان بن عبد الرَّحمن، عن الزُّهريِّ، عن عائذ الله بن عبد الله، عن أبي الدَّرداء مرفوعًا.

стр. 30

قال ابنُ عساكر: "تفرَّد به المغيرةُ بن عبد الرَّحمن المخزوميُّ، عن عثمانَ الوَقَّاصِيِّ، عن الزُّهريِّ". وهذا سندٌ تالفٌ البتةَ؛ والمغيرةُ مجهولٌ، وعُثمانُ الوَقَّاصِيُّ: كذَّبه ابنُ مَعِينٍ، وأبو حاتمٍ، وقال: "ذاهب الحديث. متروك الحديث"، وقال النَّسائِيُّ وابنُ البَرقِيِّ: "ليس بثقةٍ"، وكذلك تركه النَّسائِيُّ في روايةٍ، والدَّارَقُطنِيُّ. والكلامُ فيه طويلُ الذَّيل، فالحمل عليه. وأخرجه الدَّارميُّ (١/ ٧٦ - ٧٧) قال: حدَّثَنا أبو النُّعمان - هو: عارمٍ -، ثنا حمَّاد بن زيدٍ، عن يزيدَ بن حازمٍ، حدَّثني عمي جَرِيرُ بن زيدٍ، أنَّه سمع تبيعًا يُحدِّثُ، عن كعب الأحبارِ، قال: "إنِّي لأَجدُ نَعتَ قومٍ يتعلَّمُون لغير العَمَل، ويتفقَّهُون لغير العبادة، ويطلُبون الدُّنيا بعمَل الآخِرة، وَيلبَسُون جُلود الضَّأن، وقُلوبُهُم أَمَرُّ من الصَّبر. فَبِي يغتَرُّون؟! أو إيَّاي يُخادِعُون؟! فَحَلفتُ بي! لأُتيحَنَّ لهم فتنةً تترُكُ الحليمَ فيها حيرانَ". وقد خُولف الدَّارميُّ فيه .. خالفه عليُّ بنُ عبد العزيز: فرواهُ عن عارمٍ، حدَّثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ، أنَّهُ بَلَغَهُ عن كعبٍ، قالَ: … فذكرَهُ. أخرجه ابن عبد البرِّ (١/ ١٨٩). ولعلَّ هذا من عارمٍ؛ فقد ساء حِفظُه بأَخَرَةٍ. وقد خُولف عارمٌ .. خالَفَه عليُّ بنُ المَدينيِّ، قال: حدَّثَنا حمَّادُ بنُ زيدٍ، حدَّثَنَا يزيدُ بنُ حازمٍ، عن عمِّه جرير بن زيدٍ، قال: سمعتُ تُبيعًا يقولُ: … فذكر مثله.

стр. 31

أخرَجَه البيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (١٧٧٣ - طبع الهند) من طريق أبي جعفرٍ الحذَّاء، قال: حدَّثَنا عليُّ بنُ المَدِينيِّ بهذا. وتُبيعٌ هذا ربيبُ كعبٍ الأحبارِ، فلعلَّه أَخَذه منه، فتتَّفق الرِّوايتان. وبالجُملة، فلا يصِحُّ الحديثُ من أيِّ وجهٍ. واللهُ أعلمُ.

стр. 32

١٠ - سُئلتُ عن حديث: "رُبَّ عَابِدٍ جَاهِلٌ، وَرُبَّ عَالمِ فَاجِرٌ، فَاحذَرُوا الجُهَّالَ مِنَ العُبَّادِ، وَالفُجَّارَ مِنَ العُلَمَاءِ؛ فَإِنَّ أُولَئِكَ فِتنَةُ الفُتَنَاءِ". • قُلتُ: هذا حديثٌ موضوعٌ. أخرجه ابنُ عديٍّ في "الكامل" (٢/ ٤٤٦)، وابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (ج ٣/ ل ٣٥٧)، وفي "المجلس الرَّابع عشر من الأمالي" (ق ٢/ ١) من طريق بشرِ بن إبراهيم أبي سعيدٍ الدِّمشقيِّ، ثنا ثَورُ بن يزيدَ، عن خالدِ بن معدان، عن أبِي أُمَامة مرفوعًا، فذكره. قال ابنُ عديٍّ: "غير محفوظٍ". وقال ابنُ عساكر: "تَفرَّد به أبو سعيدٍ بِشرُ بنُ إبراهيم الدِّمشقيُّ". • قلتُ: وبِشرٌ هذا: قال ابنُ حِبَّانَ: "كان يَضعُ الحديثَ على الثِّقاتِ". وأخرجه ابنُ عديٍّ (٦/ ٢٤٣٣) من طريق عُمَر بن مُوسَى، عن خالدِ بن مَعدانَ، عن أبِي أُمَامة مرفُوعًا به. وعُمَرُ بنُ موسى الوَجِيهِيُّ: قال أبو حاتمٍ، وابنُ عديٍّ: "كان يضع الحديثَ". فالحديث ساقطٌ بالطَّريقَين. والله أعلمُ.

стр. 33

١١ - وسُئلتُ عن قول عُمَر ﵁: "إِن أنا نِمتُ نَهَارِي ضَاعَتِ الرَّعِيَّةُ، وَإِنَ أنا نِمتُ لَيلِي ضَيَّعتُ نَفسِي .. كَيفَ بِالنَّومِ مَعَهُمَا؟ ". • قُلتُ: أخرجه نِظامُ المُلكِ الحسنُ بن عليٍّ في "مجلسين من الأمالي" (رقم ٢٣ - بتحقيقي)، من طريق عبد الله بن إِدريسَ، عن ليثِ بن أبِي سُليمٍ، أنَّه قال: بَلَغني أن عُمَر بن الخطَّاب عُوتِب في جَهدِهِ نهارًا في أُمُور النَّاس، وفي اجتهَادِه ليلًا في أُمُور آخرتِهِ، فقالَ: … فذكرَهُ. وسندُهُ ضعيفٌ، للانقطاع بين ليثٍ وعُمَر، ثُمَّ ليث فيه مقالٌ معروفٌ. والله أعلم.

стр. 34

١٢ - سُئلتُ عن الحديث القدسي: "قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَحَبُّ عِبَادِي إِليَّ أَعجَلُهُم فِطرًا". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرجه التِّرمذيُّ (٧٠٠، ٧٠١)، وأحمد (٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨، ٣٢٩)، وابن خُزَيمَة (ج ٣/ رقم ٢٠٦٢)، وابنُ حِبَّانَ (٨٨٦)، والبَغَوِيُّ في "شرح السنة" (٦/ ٢٥٦)، والشَّجريُّ في "الأمالي" (١/ ١٨٩ - ١٩٠) من طُرُقٍ عن قُرَّة بن عبد الرَّحمن، عن الزُّهريِّ، عن أبِي سَلَمة، عن أبِي هُرَيرة مرفُوعًا، فذكَرَه. قال التِّرمذيُّ: "حسنٌ غريبٌ". • قلتُ: وسندُه ضعيفٌ؛ وقُرَّة بن عبد الرَّحمن: في حديثهِ نكارةٌ عن الزُّهريِّ. ولكنَّه تُوبِعَ .. تابعه مُحمَّدُ بن الوليد الزُّبَيدِيُّ، عن الزُّهريِّ، بسندِهِ سواء. أخرجه الطَّبرانيُّ في "الأوسط" (ج ١/ رقم ١٤٩) قال: حدَّثَنا أحمدُ بنُ يحيى بن خالد بن حيَّان، قال: نا مُحمَّدُ بنُ سُفيانَ الحضرَمِيُّ، قال: نا مَسلَمةُ بنُ عليٍّ، عن مُحمَّدِ بن الوليد به. ورواه هشامُ بنُ عمَّارٍ، قال: ثنا مَسلَمَةُ بنُ عليٍّ، بهذا الإسناد.

стр. 35

أخرجَهُ ابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٦/ ٢٣١٥)، قال: حدَّثَنا عبدُ الصَّمد بنُ عبد الله الدِّمَشقِيُّ، ثنا هشامٌ بهذا. قال الطَّبَرانِيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن الزُّبَيدِيِّ إلَّا مَسلَمةُ بنُ عليٍّ". • قُلتُ: وهو الخُشَنيِّ: ضعيفُ الحديث جدًّا، ترَكَهُ غيرُ واحدٍ، منهم: النَّسائيُّ، والدَّارقُطنِيُّ، والبَرقَانِيُّ، والأَزدِيُّ، وقالَ الحاكم: "رَوَى عن الأوزاعِيِّ والزُّبَيدِيِّ المناكيرَ والموضُوعَاتِ". وَخَتَمَ ابنُ عَدِيٍّ ترجَمَتَه بقوله: "ولمَسلَمَةَ غيرُ ما ذكرتُ من الحديثِ، وكُلُّ أحاديثهِ، ما ذكرتُهُ وما لم أذكُرهُ، كُلُّها أو عامَّتُها غيرُ محفُوظَةٍ". وفي الباب حديثُ سهلِ بن سعدٍ ﵁ مرفُوعًا: "لا يزالُ النَّاسُ بخيرٍ ما عجَّلوا الفِطرَ". أخرَجَهُ السِّتَّةُ إلَّا أبا داوُد. وقال التِّرمذِيُّ: "حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ". (تنبيهٌ) عزا مُلَّا عليٌّ القارِي هذا الحديثَ في "الأربعون القدسية" (٢٢ - بتحقيقي)، لابن ماجَهْ، ولم أَجِده فيه. واللهُ أعلَمُ.

стр. 36

١٣ - سُئلتُ عن حديث: "مَن آذَى مُسلِمًا فَقَد آذَانِي، وَمَن آذَانِي فَقَد آذَى الله". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ جدًّا. أخرَجَه الطَّبرانيُّ في "الصَّغير" (١/ ١٦٨ - ١٦٩) قال: حدَّثَنا سعيدُ بنُ مُحمَّد بن المُغيرَةَ الواسِطِيُّ، حدَّثَنا سعيدُ بنُ سُليمانَ، حدَّثنا مُوسى بن خَلَفٍ العَمِّيُّ الواسِطيُّ، حدَّثنا القاسمُ العِجليُّ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: بينما رسولُ الله ﷺ يخطُب، إِذ جاءَ رجلٌ يتخطَّى رقابَ النَّاس حتَّى جلس قريبًا منَ النَّبيِّ ﷺ ، فلمَّا قضَى رسولُ الله ﷺ صلاتَه قالَ: "ما مَنَعَكَ يا فُلانُ أن تجمِّعَ؟ "، قال: يا رسولَ الله! قد حرَصتُ علَى أن أضع نفسي بالمكان الَّذِي ترَى. قال: "قد رأيتُك تخطَّى رقابَ النَّاس وتُؤذِيهم، مَن آذَى مُسلمًا … الحديث". قال الطَّبرانيُّ: "لم يَروِه عَن أنسٍ إلَّا القاسمُ العِجليُّ، ولا عنه إلَّا مُوسى بن خَلَفٍ". • قُلتُ: وعِلَّته القاسمُ العِجليُّ، فقد تركه ابنُ حِبَّانَ، وبه أعلَّه الهيثميُّ في "المَجمَعِ" (٢/ ١٧٩). ومُوسَى بنُ خَلَفٍ قوَّاهُ أكثرُ العُلماء، ولكن قال النَّسائِيُّ: "ليس بذاك القَوِيِّ، ليس به بأسٌ"، وهو معنَى قولِ الدَّارقُطنِيِّ: "ليس بالقوِيِّ، يُعتبَرُ به". وترك ابنُ حِبَّان الاحتجاجَ به إذا خالَفَ أو انفَرَدَ. وشيخُ الطَّبَرانِيِّ لا أعلَمُ من حاله شيئًا. والله أعلم.

стр. 37

١٤ - سُئلتُ عن حديث: "إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنزِلَةً يَومَ القِيَامَةِ مَن وَدَعَهُ الناسُ اتِّقَاءَ فُحشِهِ". • قُلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ. أخرجه البُخاريُّ (١٠/ ٤٥٢، ٤٧١)، ومُسلمٌ (٢٥٩١)، وأبو داود (٤٧٩١)، والتِّرمذيُّ (١٩٩٦)، وأحمدُ (٦/ ٣٨)، والطَّيالسِيُّ (١٤٥٥) وآخرُون مِن حديث عائشة، قالت: استأذن رجلٌ على رسول الله ﷺ وأنا عِندَه، فقالَ: "بئس ابنُ العَشِيرة - أو: أخو العَشيرَة - " ثمَّ أَذِنَ له، فأَلانَ له القولَ، فلمَّا خرجَ، قلتُ: "يا رسول الله! قُلتَ له ما قُلتَ، ثمَّ أَلنت لَهُ؟! "، فقالَ -: "إنَّ شرَّ النَّاس … الحديثُ". قال التِّرمذيُّ: "حسنٌ صحيحٌ".

стр. 38

١٥ - سُئلتُ عن حديث: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، كَمَا يَتبَوَّأُ لِمَنزِلِهِ. • قُلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرَجَهُ الحارثُ بن أبي أُسامَة في "مُسنَده" (٦٤)، ومن طريقِهِ أبو نُعيمٍ في "معرفة الصَّحابة" (٤٧٩٨) .. وابنُ قانعٍ في "مُعجَم الصَّحابة" (ج ٧/ ق ١٠٩/ ١ - ٢)، قال: حدَّثَنا بِشرُ بن مُوسى .. قالا (بشرٌ والحارِثُ): ثنا يحيى بن إسحاق السَّيْلَحِينِيُّ، ثنا سعيدُ بن زيدٍ، عن واصل مَولَى أبي عُيَينة، عن يحيى بن عُبيدٍ، عن أبيه، أن النَّبيَّ ﷺ … فذكره. وأخرَجَهُ ابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٣/ ١٢١٤) عن أبي عاصمٍ الضَّحَّاكِ بن مَخلَدٍ .. وأبو نُعيمٍ في "المعرفة" (٤٧٩٩) عن وَكِيع بن الجرَّاح .. قالا: ثنا سعيدُ بن زيدٍ، بهذا الإسناد. وكذلك، أخرَجَهُ ابن مَنْدَهْ في "الصَّحابة". وقال أبو نُعيم: "وكذلك رواه أبو داوُد، عن سعيدِ بن زيدٍ". وأخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الأوسَط" (٣٠٦٤)، قال: حدَّثَنا بِشرُ بن مُوسَى، قال: نا يحيى بن إسحاقَ السَّيْلحينيُّ، قال: نا سعيدُ بن زيدٍ،

стр. 39

عن واصلٍ مَولَى أبي عُيَينَة، عن يحيى بن عُبَيدٍ، عن أبيه، عن أبي هُريرَة … فذَكَره. فجَعَله من مُسنَد أبي هُريرَة. وقد مرَّ في التَّخريج أن ابنَ قانِعٍ يرويه عن شيخه بِشرِ بن مُوسَى، عن يحيى بن إسحاقَ، بهذا الإسنادِ، ولم يَذكُر أبا هُريرَة. ولا أدري، كيف وقع هذا وشيخُ الطَّبَرَانِيِّ وابنِ قانعٍ واحدٌ؟! وقال أبو نُعيمٍ: "ورواه ابن زيدَانَ، عن عمرِو بن عاصمٍ، عن حمَّادٍ وسعيدٍ ابنَيْ زيدٍ، عن واصلٍ، عن يحيى بن عبيد بن رُحَيٍّ، عن أبيه، عن أبي هُريرَة، فذكره". • قلتُ: وابنُ زيدان هذا لم أَعرِفهُ، وبحثتُ عنه كثيرًا. ثُمَّ تبيَّن لي أنهُ مُصَحَّفٌ، وصوابُه: ابن زيدٍ - وتصَحَّف اسمُه في الرُّواة عن عمرِو بن عاصمٍ، في "تهذيب الكمال" (٢٢/ ٨٨)، فقال: "مُحمَّد بن زَبْدا"، هكذا ضبَطَه بالزَّاي، بعدها باءٌ مُوحَّدةٌ، ثُمَّ ألفٌ -. وهو محمَّد بن أحمد بن زيدٍ المَدارِيُّ. ذكرَهُ ابنُ حِبّان في "الثِّقات" (٩/ ١٢٣)، وقال: "أبو جعفرٍ المَداريُّ من أهل البَصرة … حدَّثنا عنه عبدُ الله بن قَحْطَبةَ، وغيرُه". ورأيتُه في "التَّوضيح" (٨/ ٩٦) لابن ناصر الدِّين، قال: "المَدَاريُّ، بالدَّال المُهمَلة … - ثُمّ قال: - ومُحمَّد بن أحمد بن زيدٍ المداريُّ، عن عمرِو بن عاصمٍ". وضَبَطَه ابنُ نُقطَة بالذال المُعجَمة: المَذارِيُّ. ورأيتُ له حديثًا في "أوسطِ الطبَرَانِيِّ" (٢٠٣٦)، عن عمرو بن عاصمٍ، ثُمَّ قال: "تفرَّد به ابنُ زيدٍ - يعني: مُحمّد بن أحمد بن زيدٍ المَدارِيُّ -، وهو ثقةٌ".

стр. 40

• قلتُ: وهذه فائدةٌ نفيسةٌ غاليةٌ، خَلَت منها كُتُب الرِّجال. والحمد لله تعالَى. فقد رأيتَ - أراك اللهُ الخير - أن يحيى بن إسحاقَ ووكيعًا والطَّيالسِيَّ رووه عن سعيد بن زيدٍ، عن واصلٍ، عن يحيى بن عُبيدٍ، عن أبيه. وقال أبو زُرعَة - كما في "عِلل ابن أبي حاتمٍ" (٨٧) -: "مُرسلٌ" ورواه يحيى بن إسحاق مرَّةَ أخرى، عن سعيد بن زيدٍ، فزاد في إسناده أبا هُريرَة. أخرجه الطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" كما سبق، وقال: "لم يَروِ هذا الحديث عن واصلٍ مولى أبي عُيينَة إلَّا سعيدُ بن زيدٍ. ويحيى هو يحيى بن عُبيد بن رُحَيٍّ. ولم يُسنِد عُبيد بن رُحَيٍّ عن أبي هُريرَة إلَّا هذا الحديث". كذا قال! ولم يتفرَّد به سعيد بن زيدٍ، بل تابعه حمَّادُ بن زيدٍ، كما مَرَّ في كلام أبي نُعيمٍ. وانظُر "تنبيه الهاجد" (رقم ٢٧٣٢). والحاصلُ أن هذا الاضطرابَ يبدُو أنهُ من سعيد بن زيدٍ؛ فإنَّه وإن وَثَّقه بعضُ النُّقَاد، فليس بعمدةٍ إذا انفَرَد. وقد تابعه أخُوه حمَّادُ بن زيدٍ، الحُجَّةُ الإمامُ. فلذلك أُرَجِّحُ من هذا الاختلاف أنهُ من مُسنَد أبي هُريرَة. فيبقَى الكلامُ عن يحيى بن عُبيدٍ وأبيه. فقال الهيثَمِيُّ في "المَجمع" (١/ ٢٠٤): "هو من رواية يحيى بن عبيد بن رُحَيٍّ، عن أبيه. ولم أَر من ذكَرَهما. وبقيَّةُ رجاله ثقاتٌ". وقال المُناويُّ في "فيض القدير" (٥/ ٣٠٠): "قال الوليُّ "العِرَاقِيُّ: فيه يحيى بن عبيدٍ وأبوه: غيرُ معرُوفَين".
следующие страницы →