١٣ - سُئلتُ عن حديث: "مَن آذَى مُسلِمًا فَقَد آذَانِي، وَمَن آذَانِي فَقَد آذَى الله".
• قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ جدًّا.
أخرَجَه الطَّبرانيُّ في "الصَّغير" (١/ ١٦٨ - ١٦٩) قال: حدَّثَنا سعيدُ بنُ مُحمَّد بن المُغيرَةَ الواسِطِيُّ، حدَّثَنا سعيدُ بنُ سُليمانَ، حدَّثنا مُوسى بن خَلَفٍ العَمِّيُّ الواسِطيُّ، حدَّثنا القاسمُ العِجليُّ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: بينما رسولُ الله ﷺ يخطُب، إِذ جاءَ رجلٌ يتخطَّى رقابَ النَّاس حتَّى جلس قريبًا منَ النَّبيِّ ﷺ ، فلمَّا قضَى رسولُ الله ﷺ صلاتَه قالَ: "ما مَنَعَكَ يا فُلانُ أن تجمِّعَ؟ "، قال: يا رسولَ الله! قد حرَصتُ علَى أن أضع نفسي بالمكان الَّذِي ترَى. قال: "قد رأيتُك تخطَّى رقابَ النَّاس وتُؤذِيهم، مَن آذَى مُسلمًا … الحديث".
قال الطَّبرانيُّ: "لم يَروِه عَن أنسٍ إلَّا القاسمُ العِجليُّ، ولا عنه إلَّا مُوسى بن خَلَفٍ".
• قُلتُ: وعِلَّته القاسمُ العِجليُّ، فقد تركه ابنُ حِبَّانَ، وبه أعلَّه الهيثميُّ في "المَجمَعِ" (٢/ ١٧٩). ومُوسَى بنُ خَلَفٍ قوَّاهُ أكثرُ العُلماء، ولكن قال النَّسائِيُّ: "ليس بذاك القَوِيِّ، ليس به بأسٌ"، وهو معنَى قولِ الدَّارقُطنِيِّ: "ليس بالقوِيِّ، يُعتبَرُ به". وترك ابنُ حِبَّان الاحتجاجَ به إذا خالَفَ أو انفَرَدَ. وشيخُ الطَّبَرانِيِّ لا أعلَمُ من حاله شيئًا. والله أعلم.
стр. 37
١٤ - سُئلتُ عن حديث: "إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنزِلَةً يَومَ القِيَامَةِ مَن وَدَعَهُ الناسُ اتِّقَاءَ فُحشِهِ".
• قُلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ.
أخرجه البُخاريُّ (١٠/ ٤٥٢، ٤٧١)، ومُسلمٌ (٢٥٩١)، وأبو داود (٤٧٩١)، والتِّرمذيُّ (١٩٩٦)، وأحمدُ (٦/ ٣٨)، والطَّيالسِيُّ (١٤٥٥) وآخرُون مِن حديث عائشة، قالت: استأذن رجلٌ على رسول الله ﷺ وأنا عِندَه، فقالَ: "بئس ابنُ العَشِيرة - أو: أخو العَشيرَة - " ثمَّ أَذِنَ له، فأَلانَ له القولَ، فلمَّا خرجَ، قلتُ: "يا رسول الله! قُلتَ له ما قُلتَ، ثمَّ أَلنت لَهُ؟! "، فقالَ -: "إنَّ شرَّ النَّاس … الحديثُ".
قال التِّرمذيُّ: "حسنٌ صحيحٌ".
стр. 38
١٥ - سُئلتُ عن حديث: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، كَمَا يَتبَوَّأُ لِمَنزِلِهِ.
• قُلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ.
أخرَجَهُ الحارثُ بن أبي أُسامَة في "مُسنَده" (٦٤)، ومن طريقِهِ أبو نُعيمٍ في "معرفة الصَّحابة" (٤٧٩٨) ..
وابنُ قانعٍ في "مُعجَم الصَّحابة" (ج ٧/ ق ١٠٩/ ١ - ٢)، قال: حدَّثَنا بِشرُ بن مُوسى ..
قالا (بشرٌ والحارِثُ): ثنا يحيى بن إسحاق السَّيْلَحِينِيُّ، ثنا سعيدُ بن زيدٍ، عن واصل مَولَى أبي عُيَينة، عن يحيى بن عُبيدٍ، عن أبيه، أن النَّبيَّ ﷺ … فذكره.
وأخرَجَهُ ابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٣/ ١٢١٤) عن أبي عاصمٍ الضَّحَّاكِ بن مَخلَدٍ ..
وأبو نُعيمٍ في "المعرفة" (٤٧٩٩) عن وَكِيع بن الجرَّاح ..
قالا: ثنا سعيدُ بن زيدٍ، بهذا الإسناد.
وكذلك، أخرَجَهُ ابن مَنْدَهْ في "الصَّحابة".
وقال أبو نُعيم: "وكذلك رواه أبو داوُد، عن سعيدِ بن زيدٍ".
وأخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الأوسَط" (٣٠٦٤)، قال: حدَّثَنا بِشرُ بن مُوسَى، قال: نا يحيى بن إسحاقَ السَّيْلحينيُّ، قال: نا سعيدُ بن زيدٍ،
стр. 39
عن واصلٍ مَولَى أبي عُيَينَة، عن يحيى بن عُبَيدٍ، عن أبيه، عن أبي هُريرَة … فذَكَره.
فجَعَله من مُسنَد أبي هُريرَة.
وقد مرَّ في التَّخريج أن ابنَ قانِعٍ يرويه عن شيخه بِشرِ بن مُوسَى، عن يحيى بن إسحاقَ، بهذا الإسنادِ، ولم يَذكُر أبا هُريرَة.
ولا أدري، كيف وقع هذا وشيخُ الطَّبَرَانِيِّ وابنِ قانعٍ واحدٌ؟!
وقال أبو نُعيمٍ: "ورواه ابن زيدَانَ، عن عمرِو بن عاصمٍ، عن حمَّادٍ وسعيدٍ ابنَيْ زيدٍ، عن واصلٍ، عن يحيى بن عبيد بن رُحَيٍّ، عن أبيه، عن أبي هُريرَة، فذكره".
• قلتُ: وابنُ زيدان هذا لم أَعرِفهُ، وبحثتُ عنه كثيرًا. ثُمَّ تبيَّن لي أنهُ مُصَحَّفٌ، وصوابُه: ابن زيدٍ - وتصَحَّف اسمُه في الرُّواة عن عمرِو بن عاصمٍ، في "تهذيب الكمال" (٢٢/ ٨٨)، فقال: "مُحمَّد بن زَبْدا"، هكذا ضبَطَه بالزَّاي، بعدها باءٌ مُوحَّدةٌ، ثُمَّ ألفٌ -. وهو محمَّد بن أحمد بن زيدٍ المَدارِيُّ. ذكرَهُ ابنُ حِبّان في "الثِّقات" (٩/ ١٢٣)، وقال: "أبو جعفرٍ المَداريُّ من أهل البَصرة … حدَّثنا عنه عبدُ الله بن قَحْطَبةَ، وغيرُه". ورأيتُه في "التَّوضيح" (٨/ ٩٦) لابن ناصر الدِّين، قال: "المَدَاريُّ، بالدَّال المُهمَلة … - ثُمّ قال: - ومُحمَّد بن أحمد بن زيدٍ المداريُّ، عن عمرِو بن عاصمٍ". وضَبَطَه ابنُ نُقطَة بالذال المُعجَمة: المَذارِيُّ. ورأيتُ له حديثًا في "أوسطِ الطبَرَانِيِّ" (٢٠٣٦)، عن عمرو بن عاصمٍ، ثُمَّ قال: "تفرَّد به ابنُ زيدٍ - يعني: مُحمّد بن أحمد بن زيدٍ المَدارِيُّ -، وهو ثقةٌ".
стр. 40
• قلتُ: وهذه فائدةٌ نفيسةٌ غاليةٌ، خَلَت منها كُتُب الرِّجال. والحمد لله تعالَى.
فقد رأيتَ - أراك اللهُ الخير - أن يحيى بن إسحاقَ ووكيعًا والطَّيالسِيَّ رووه عن سعيد بن زيدٍ، عن واصلٍ، عن يحيى بن عُبيدٍ، عن أبيه.
وقال أبو زُرعَة - كما في "عِلل ابن أبي حاتمٍ" (٨٧) -: "مُرسلٌ" ورواه يحيى بن إسحاق مرَّةَ أخرى، عن سعيد بن زيدٍ، فزاد في إسناده أبا هُريرَة.
أخرجه الطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" كما سبق، وقال: "لم يَروِ هذا الحديث عن واصلٍ مولى أبي عُيينَة إلَّا سعيدُ بن زيدٍ. ويحيى هو يحيى بن عُبيد بن رُحَيٍّ. ولم يُسنِد عُبيد بن رُحَيٍّ عن أبي هُريرَة إلَّا هذا الحديث".
كذا قال! ولم يتفرَّد به سعيد بن زيدٍ، بل تابعه حمَّادُ بن زيدٍ، كما مَرَّ في كلام أبي نُعيمٍ. وانظُر "تنبيه الهاجد" (رقم ٢٧٣٢).
والحاصلُ أن هذا الاضطرابَ يبدُو أنهُ من سعيد بن زيدٍ؛ فإنَّه وإن وَثَّقه بعضُ النُّقَاد، فليس بعمدةٍ إذا انفَرَد. وقد تابعه أخُوه حمَّادُ بن زيدٍ، الحُجَّةُ الإمامُ. فلذلك أُرَجِّحُ من هذا الاختلاف أنهُ من مُسنَد أبي هُريرَة.
فيبقَى الكلامُ عن يحيى بن عُبيدٍ وأبيه.
فقال الهيثَمِيُّ في "المَجمع" (١/ ٢٠٤): "هو من رواية يحيى بن عبيد بن رُحَيٍّ، عن أبيه. ولم أَر من ذكَرَهما. وبقيَّةُ رجاله ثقاتٌ".
وقال المُناويُّ في "فيض القدير" (٥/ ٣٠٠): "قال الوليُّ "العِرَاقِيُّ: فيه يحيى بن عبيدٍ وأبوه: غيرُ معرُوفَين".
стр. 41
وبعد كتابة ما تقدَّم، رأيتُ الحديثَ في "المَطالِب العالية" (٣٥/ ٢) للحافظ، قال: "قال سعيدُ بن يعقُوبَ الأَصبَهَانِيُّ - في "كتابه في الصحَّابة" -: حدَّثَنا سهلُ بنُ الفَرُّخان، ثنا ابنُ أبي السَّرِيِّ، ثنا وكيعٌ، عن سعيد بن زيدٍ، عن واصلٍ مولَى أبي عُيينَة، عن عُبيد بن صَيْفِيٍّ، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ … - وذَكَر الحديث - ". كذا، جَعَل الحديثَ مِن مُسنَد صَيفيٍّ.
وهذه روايةٌ مُنكَرةٌ.
وقد رواها هنَّادُ بن السَّرِيِّ، عن وكيعٍ، عن سعيد بن زيدٍ، عن واصلٍ، عن يحيى بن عبيدٍ، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ .
أخرَجَها أبو نُعيمٍ في "المعرفة" (٤٧٩٩)، قال: حدَّثَنا الطَّلْحِيُّ، ثنا الحَضرمِيُّ - هو مُطيَّنٌ -، ثنا هنَّاد بن السَّريِّ، بهذا.
أمَّا ابنُ أبي السَّريِّ، واسمه الحُسين بن المتوكِّل بن عبدِ الرحمن، أحدُ شُيوخ ابن ماجَهْ، كذَّبَه أخُوه، وأبو عَرُوبةْ الحرَّانِيُّ، وضعَّفُه أبو داوُد، وقال ابن حِبَّان: "يُخطِئ ويُغرِب".
ثمَّ رأيتُ الحافظَ ذكر صَيفِيًّا هذا في "الإصابة" (٥/ ٣٢٦ - طبع هجر)، في القِسم الرَّابع، وقال: "ذكره سعيدُ بن يعقوبَ، من طريق وكيعٍ، عن سعيد بن زيدٍ، عن واصلٍ مولى أبي عُيينَة، عن عُبيد بن صيفيٍّ، عن أبيه - وذكر الحديثَ. قال: - وهذا وهم نشأَ عن سقطٍ. وفي إسنادِهِ إلى وكيعٍ ضعفٌ. والصَّوابُ ما رواه يحيى بن إسحاقَ، عن سعيد بن زيدٍ، "عن واصلٍ، عن يحيى بن عبيدٍ، عن أبيه" انتهَى.
وله شواهدُ مثلُه في الضَّعف، لا يَتقوَّى الحديثُ بها. والله أعلم.
стр. 42
١٦ - سألني سائل، فقال: ذكر بعض الخطباء أنه يجوز صلاة الصُّبح بعد شروق الشَّمس، واستدلَّ بحديثٍ عن أحد الصَّحابة، اسمه على ما أَذكُر "صفوان"، وقد سألتُ عنه بعض أهل العلم، فقال لي: "هو حديثٌ منكَرٌ"، فنرجو أن تذكر لنا نصَّ الحديث، مع ذكر درجته ..
وقد ذكر هذا الخطيبُ أيضًا، أن في هذا الحديث النَّهيَ عن قراءة سورتين بعد الفاتحة، فهل هذا صحيحٌ؟
• قلتُ: الحديثُ صحيحٌ.
أخرجه أبُو داوُد (٢٤٥٩)، وأحمدُ (٣/ ٨٠)، وكذا ابنُهُ عبدُ الله في "زوائده على المسند" في ذات الموضع، وابنُ حِبَّانَ (٩٥٦)، عن أبِي يَعلَى، وهذا في "مُسنَده" (ج ٢/ رقم ١٠٣٧، ١١٧٤)، والطحاويُّ في "مُشكِل الآثار" (٢/ ٤٢٤)، والحكمُ (١/ ٤٣٦)، والبيهقى (٤/ ٣٠٣)، وابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (ج ٨/ ل ٣٤٩ - ٣٥٠) من طريق جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن أبِي صالحٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: جاءت امرأةٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إن زوجي صفوانَ بنَ المُعَطِّل يضربُني إذا صلَّيتُ، ويُفَطِّرُني إذا صُمتُ، ولا يُصلِّي صلاةَ الفجرِ حتَّى تطلُع الشَمسُ. - قال: - وصفوانُ عنده، فسأله عمّا قالَت،
стр. 43
فقال: يا رسول الله! أمَّا قولها: يضربِنُي إذا صلَّيتُ، فإنهَّا تقرأُ بسورَتَينِ، وقد نهيتُها عنها. فقال النَّبيُّ ﷺ لو كانت سُورةً واحدةً لَكَفَتِ النّاس"، قال: وأمَّا قولها: يُفطِّرُني إذا صُمتُ، فإنَّها تنطلِقُ فتصومُ، وأنا رجلٌ شابٌّ، لا أصبرُ. فقال رسولُ الله ﷺ يومئذٍ: "لا تصوم امرأةٌ إلا بإذن زوجها"، وأمَّا قولهُا: لا أُصلِّي حتَّى تطلُع الشَّمسُ، فإنَّا أهل بيتٍ لا نكاد نستيقظُ حتَّى تطلُع الشَّمسُ. فقال ﷺ : "فإذا استَيقَظتَ فصلِّ". وهذا السِّياقُ لابن حِبَّانَ.
ورواه أبُو بكرٍ بنُ عيَّاشٍ، عن الأعمشِ، بسنده سواءٌ، وفي حديثه: "وأمَّا قولهُا: إنِّي أضرِبُها عن الصَّلاة؛ فإنَّها تقرأُ بسورَتِي، فتُعَطِّلُني"، قال: "لو قرأها النّاس ما ضَرَّك"، "وأمَّا قولها: إنِّي لا أُصلِّى حتَّى تطلُع الشَّمسُ، فإنِّي ثقيلُ الرَّأس، وأنا مِن أهل بيتٍ يُعرَفون بذاكَ، بثِقَلِ الرُّؤُوسِ"، قال: "فإذَا قُمتَ فصلِّ".
أخرجه أحمدُ (٣/ ٨٤ - ٨٥) حدَّثنا أَسوَدُ بن عامرٍ، نا أبُو بكرٍ بنُ عيِّاشٍ به.
قال الحاكم: "هذا حديثٌ صحيحٌ، على شرطِ الشَّيخين"، وهُو كما قال. وصحَّح إسنادَهُ الحافظُ في "الإصابة" (٣/ ٤٤١). وقد صرَّح الأعمشُ بالتَّحديثِ عن أبي صالحٍ، عند ابن سعدٍ في "الطَّبقات"، كما قال الحافظُ في "الفتح" (٨/ ٤٦٢).
أمَّا من أنكره فهُو مسبوقٌ إليه ..
стр. 44
فقد قال الحافظُ في "الإصابة" (٣/ ٤٤١): "إنَّ البُخاريَّ أوردَ هذا الإشكال قديمًا".
ولمَّا رَوَى البزَّارُ هذا الحديثَ في "مُسنَده"، قال: "هذا الحديثُ كلامُهُ منكَرٌ، ولعلَّ الأعمشَ أخذه من غير ثقةٍ فدلَّسَهُ، فصار ظاهِرُ سنده الصِّحةُ، وليس للحديث عندي أصلٌ".
وخُلاصة الإشكال، أن صفوان بن المعطِّل لمَّا رُمِي بعائشَةَ ﵂ في حديث الإفك المشهور، في "الصَّحيحين" وغيرهما، قال: "سُبحان الله! والله! ما كَشَفتُ كَنَفَ أُنثَى قطُّ! "، فيكونُ حديث أبِي سعيدٍ هذا منكرًا؛ إذ فيه أن لصفوانَ زوجةً، فكيف يقولُ: "والله! ما كشفتُ كنف أنثى قطُّ! "؟، فلهذا استَشكَلَه البُخاريُّ، وأنكره البزَّارُ.
ولكن يُجاب عنه بأنَّ الجمعَ أولَى من التَّرجيحِ، فالأصلُ في الدَّليلين الصَّحيحَين الإعمالُ لا الإهمالُ، والجَمعُ هنا مُمكنٌ، بل ظاهرٌ، وهو أنْ يكون حديث أبِي سعيدٍ هذا متأخرًا عن حادثة الإفك، فيُحمَل قولُه: "ما كشفتُ كنفَ أُنثَى قطُّ! " على أنَّه لم يكُن تزوَّج آنذاكَ، ثُمَّ تزوَّج بعد ذلك، فشَكَتهُ امرأتُهُ. وبهذا أجاب الحافظ.
وهناك جوابٌ آخرُ. قال القُرطُبيُّ: قولُه: "ما كشفتُ كنفَ أُنثَى قطُّ"، يعنى: بزنًا، أي في الحرام. ولكن اعتَرَضَه الحافظُ بقولِهِ: "فيه نظرٌ؛ لأنَّ في رواية سعيد بن أبِي هلالٍ، عن هشام بن عُروة، في قِصَّة الإفكِ، أن الرَّجُل الَّذي قيل فيه ما قيل لمَّا بلغهُ الحديثُ قال: "والله! ما أصبتُ امرأةً قطّ، حلالًا ولا حرامًا"، وفي حديث ابن عبَّاسٍ
стр. 45
عند الطَبرانيِّ: "كان لا يَقرَبُ النِّساء". فالَّذِي يظهَرُ، أن مرادَه بالنَّفيِ المذكورِ ما قبل القصَّة، ولا مانع أن يتزوج بعد ذلك، فهذا الجمعُ لا اعتراض عليه، إلا بما جاء عن ابن إسحاق أنَّه كان حَضورًا، لكنَّه لم يثبُت، فلا يُعارِض الحديثَ الصَّحيحَ" انتهى كلامُ الحافظ.
وما ذكره من حديث ابن عبَّاسٍ، فأخرجه الطَّبرانيُّ (٢٣/ ١٢٣)، وفي سنده إسماعيل بن يحيى بن سَلَمة بن كُهَيلٍ، وهو متروك، وكذلك أبوه يحيى بنُ سَلَمة. فالسّندُ ضعيفٌ جدًّا.
وخُلاصة الجواب أن الحديثَ صحيح، وليس معناهُ مُنكَرًا كما شرحنَاه.
أمَّا ما ذكره ذاك الواعظُ من صلاة الفجر بعد طُلوع الشَّمس فجائزٌ، لا سيَّما مَن كان حالُه كحال صفوانَ بن المُعطِّل، وأنَّه كان ثقيلَ الرَّأس، فكانت هذه فيه كالصِّفات الجِبِلِّيَّة في الإنسان. واستَبعدَ الذهبيُّ في "سير النُّبلاء" (٢/ ٥٥٠) هذه الخَصلَة في صفوان، فقال: "فهذا بعيدٌ. مِن حال صَفوان أن يكُون كذلك" كذا قال! ولا بُعد فيه، كما لا يخفَى.
أمَّا من يظلُّ ساهرًا طول اللَّيل في غير منفعة، - ليس - إلَّا لمجرَّد السَّهرِ، حتَّى إذا اقترَبَ الفجرُ نام، فلا يستيقظ إلا وقد تعالَى النَّهارُ، فلا شكَّ أنَّه مُؤاخَذٌ، وإن جازت صلاتُهُ. والله أعلمُ.
أمَّا استدلالُ ذلكَ الخطيبِ على النَّهي عن قراءةِ سُورتين بعدَ الفاتحة، فلستُ أدرِي مِن أين أخذه؟! فليس في الحديث أنَّه ﷺ نهاها عن قراءة سُورتين، وإنَّما قال: "لو كانت سُوْرةٌ واحدةٌ لكَفَت النَّاس"، يعني أن
стр. 46
سورةً واحدةً، لو قرأها المُصلِّي مُتدبِّرًا لها، لَكَفَتهُ، لو عمل بها.
ويكفي في ردِّ استدلال هذا الخطيب، ما أخرجه البُخاريُّ (٢/ ٢٥٥ - فتح) من حديث أنسٍ ﵁، أن رجُلًا مِنَ الأنصار كان يَؤُمُّهُم في مسجدِ قُباءَ، وكان كُلَّما افتتح سُورةً يقرأُ بها لهم في الصَّلاة ممَّا يقرأ به افتتح بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، حتَّى يَفرُغ منها، ثمَّ يقرأُ سورةً أُخرى معها، وكان يصنع ذلك في كلِّ ركعةٍ، … وذكرَ الحديثَ، وفيه: أنَّهم شكوه إلى النَّبيِّ ﷺ ، فسأله عن لُزُومه سورةَ الإخلاص في كلِّ ركعةٍ، فقال الرَّجلُ: "إنِّي أُحبُّها"، فقال النَّبيُّ ﷺ : "حُبُّك إيَّاها أدخلَكَ الجنَّةَ". وبوَّب البُخاريُّ على هذا الحديثِ وغيرِهِ، بقوله: "بابُ الجمع بين السُّورتين في الرَّكعةِ".
وهذا البحثُ كلُّه قائمٌ على أن اللَّفظ "سورتين".
ووقع في روايةٍ لأحمدَ والطَّحاويِّ: "وأمّا قولهُا: "يضربُنِي إذا صلَّيتُ"، فإنَّها تقوم بسورتي التي أقرأُهَا، فتقرأُ بها"، فلفظُ "السُّورة" في هذه الرِّواية جاء مضافًا. ومعناه كما قال الطَّحاويُّ، أنَّه إنَّمَا ضربَهَا لأَنَّها تقومُ بسُورتهِ التي يقرأُ بها، فظنَّ صفوانُ أنَّها إذا قرأت السُّورةَ الَّتِي يقرأُهَا فلا يحصُلُ لهما بقراءتهما إيّاها جميعًا إلَّا ثوابًا واحدًا، فلو أنَّها قرأت سُورةً أُخرَى غيرَ التي قرأها حصَل لهما ثوابان، فأَعلَمَه رسولُ الله ﷺ أنَّ كلَّ واحدٍ منهُما لو قرأَهَا في صلاِتهِ فيحصُلُ لهما ثوابانِ؛ لأنَّ قراءةَ أحدِهما غيرُ قراءة الآخَر. وممَّا يدل على ذلكَ قولُهُ في روايةِ أبِي بكرٍ ابن عيَّاشٍ، عن الأعمش، عند أحمد، قولُهُ: "فإنَّها تقرأ بسورتي
стр. 47
فتُعَطِّلُني"، أي: تُنازِعُنِي في الثَّواب بقراءَتِها نفسَ السُّورةِ فتترُكُنِي عُطْلًا من الثَّوابِ.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 48
١٧ - سُئلتُ عن حديث: "اهتَزَّ العَرشُ لِمَوتِ سَعدِ بن مُعَاذٍ حَتَّى تَفَسَّخَت أَعوَادُهُ"، هل صحَّ هذا الحديثُ؟ ونحنُ نعلمُ قدرَ عَظَمَة العرش. وهل تفسَّخت أعواده لمَّا اهتزَّ؟!
• قُلتُ: أمَّا أن العرش تفسَّخت أعوادُه، فهذا حديثٌ منكَرٌ بهذا اللَّفظ.
أخرَجَه ابنُ سعدٍ في "الطَّبقات" (٣/ ٤٣٣)، وابنُ أبِي شيبة (١٢/ ١٤٢ - ١٤٣)، والبزَّارُ (ج/ رقم ٢٦٩٧)، وابنُ أبي حاتمٍ في "تفسيره" (١١٩٩٣) ببعض اختصارٍ، والحاكم (٣/ ٢٠٦) من طريق مُحمَّد بن فُضيلٍ، حدَّثنا عطاءُ بنُ السَّائب، عن مجاهدٍ، عن ابن عُمَر، قال: اهتزَّ العرش لحُبِّ لقاء الله سعدَ بن معاذٍ، قال: فقال: إنَّما يعني: السَّريرَ؛ ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف:١٠٠]، قال: تفسَّخَت أعوادُه. - قال: - ودَخَل رسولُ الله ﷺ قبرَه فاحتُبِس، فلمَّا خرج قيل له: يا رسول الله! ما حَبَسَكَ؟ قال: "ضُمَّ سعدٌ في القبر ضمَّةً، فدعوتُ الله، فكَشَف عنه".
ورأيتُ مُحمَّدَ بنَ عثمانَ بن أبي شيبةَ في "كتاب العرش" (٤٩) روَى هذا الحديثَ عن عمِّه أبي بكرٍ بن أبي شيبةَ بهذا الإسناد، لكنَّه رَفَعَ أوَّله، ولم يقل: "إنَّما يعنِي السَّرير … الخ".
ولا أدري كيفَ هذا، وهذا القدرُ عند ابن أبي شيبة في "المُصنَّف" موقوفٌ؟!
стр. 49
ثمَّ خَطَر لي أن يكون هذا وقع من مُحمَّدِ بن عُثمان بن أبي شيبَةَ لأنَّه روَى الحديثَ هكذا، قال: حدَّثَنا يحيَى بنُ عبد الحميد، حدَّثَنا عبدُ السَّلام بنُ حربٍ (ح) وحدَّثَنا عمِّي أبو بكرٍ، حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ فُضيلٍ. جميعًا عن عطاءِ بن السَّائب، عن مُجاهدٍ، عن ابن عُمر مرفُوعًا: "اهتزَّ العرشُ لحبِّ لقاء الله سعدًا".
فحَمَل مُحمَّدُ بنُ عثمانَ روايةَ ابن فُضيلٍ الموقوفةَ على روايةِ عبدِ السَّلام المرفوعةِ. والله أعلم.
قال البزَّار: "هذا الحديثُ بهذا التَّفسير لا نعلمُه إلَّا عن ابن عُمَر".
• قلتُ: هذا مُتعَقَّبٌ بما أخرجه البُخاريُّ (٧/ ١٢٣) وغيرُهُ، عن أبِي صالحٍ، عن جابرٍ، مرفوعًا: "اهتزَّ العرشُ لموت سعدٍ"، فقال رجل لجابرٍ: "فإنَّ البراءَ يقولُ: اهتزَّ السَّريرُ؟ "، فقال: "إنَّه كان بين هذينِ الحيَّينِ ضغائنُ، سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "اهتزَّ عرشُ الرَّحمن لموت سعدِ بن مُعاذٍ".
فيُؤخَذ من هذه الرِّواية أن البراءَ بنَ عازبٍ ﵁ كان يُفسِّر "العرش" بأنَّه "السَّرير"، أي "النَّعشَ"، فردَّهُ جابرُ بنُ عبدِ الله ردًّا واضحًا لمَّا أضاف العرش إلى "الرَّحمن" جلَّ وعلَا، ثمَّ لو كان "العرشُ" هو "النَّعش" لَمَا كان فيه أيَّةُ منقَبةٍ؛ فكُلُّ "نعشٍ" يهتزُّ بمن فيه.
لكنِ الشَّأنُ في ثبوت هذا التَّفسير عن ابن عُمَر، وهو لا يَثبُت بهذا الإسناد؛ فإنَّ مُحمَّدَ بنَ فُضيلٍ كان ممَّن سمِع من عطاءِ بن السَّائب في الاختلاط، فوقَعَت في روايته عنه أغلاطٌ واضطرابٌ، كما قال أبُو حاتمٍ
стр. 50
الرَّازيُّ. ثُمَّ رأيتُ في "علل الدَّارَقُطنِيِّ" (ج ٢/ ق ٣٦/ ٢ - ٣٧/ ١) أنَّه قال: "رواه إبراهيمُ بنُ طَهمَان، وابنُ فُضيلٍ، وحمَّادُ بنُ سَلَمة، عن عطاء بن السَّائب، عن مُجاهدٍ، عنْ ابن عُمَر"، فهذا يدُلُّ على أن ابن الفُضيلِ لم يتفرَّد به. ولكنَّ حمادَ بنَ سَلَمة سمِعَ من عطاءٍ قبل الاختلاط وبعده، فلا يُحتَجُّ بروايته عنه حتَّى نُميِّزَ رَوايتَه قبل أو بعد الاختلاط. وإبراهيمُ بن طَهمَان يَظهَرُ أنَّهُ سمع من عطاءٍ بعدَ الاختلاط، يُعلَمُ ذلك من مُطالَعة ترجمة: "عطاءٍ"، فأخشَى أن يكُون أَخْذُهم في وقتٍ واحدٍ. ثُمَّ إنَّ الدَّارَقُطنِيَّ لم يذكُر لفظَ حديث ابن طَهمانَ وحمَّادٍ، فَلَرُبَّمَا تَابَعَا ابن فُضيلٍ على أصله وليس على هذه اللَّفظة المُنكَرة، وهي "تفَسَّخت أعوادُه".
وقد قال العُقَيلِيُّ في "الضُّعفاء" (٤/ ٤٢٥): "وليس يُحفَظ: "حتَّى تخَلَّعَت أعوادُهُ" مِن وجهٍ صحيحٍ" ا. هـ.
وبهذا التَّحقيقِ تعلمُ ما في قولِ الحاكِمِ: "هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد"!!
وقد رأيتُ أبا عَوانَةَ روَى هذا الحديثَ - دون هذه اللفظةِ - عن عطاءِ بن السَّائِبِ، عن مُجاهدٍ، عن ابن عُمَر مرفُوعًا: "اهتزَّ العرشُ لحبِّ لقاء الله سعدًا".
هكذا رَفَعَهُ.
أخرَجَه ابنُ أبي حاتم في "العِلل" (٢٦٢٦)، والمَحَامِلِيُّ في "الأمالِي" (ق ٢٣/ ١).
وسُئل أبُو زُرعة عن هذه الرِّواية، فقال: "رواه جريرٌ، وابنُ فُضَيلٍ
стр. 51
وغيرُهُم، عن عطاءِ بن السَّائب، عن مُجاهِدٍ، عن ابن عُمر موقُوفًا، لا يرفعُونه" انتهَى.
• قلتُ: وأبو عَوانَةَ كان ممَّن سمع من عطاءٍ في الاختلاط.
وتابَعَه عبدُ السَّلام بنُ حربٍ، فرواه عن عطاء بن السَّائب، بهذا الإسناد.
أخرَجَه مُحمَّدُ بنُ عثمان بن أبي شيبَةَ في "كتاب العرش" (٤٩) ..
والطَّحاوِيُّ في "المُشكِل" (٤١٧١) قال: حدَّثَنا فهدُ بنُ سُليمان ..
قالا: ثنا يحيَى بنُ عبدِ الحميد الحِمَّانِيُّ، قال: ثنا عبدُ السَّلام بنُ حربٍ بهذا.
والحِمَّانِيُّ فيه مقالٌ معروفٌ.
وخالَفَه مالكُ بنُ إسماعيل أبُو غَسَّان النَّهديُّ، فرواه عن عبد السَّلام بن حربٍ بهذا الإسنادِ، ولم يرفعه.
أخرَجَه الطَّحاوِيُّ في "المُشكِل" (١٠/ ٣٦٥ - ٣٦٦) - واللفظُ له -، قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بن عليّ بن داوُد ..
والطَّبَرانِيُّ في "الكبير" (ج ١٢/ رقم ١٣٥٥٥)، قال: حدَّثَنا عليُّ بنُ عبد العزيز ..
- قالا: ثنا أبو غسَّان بهذا، ولفظُهُ: "اهتزَّ العرشُ لحبِّ لقاء الله سعدًا". قال: ثُمَّ قالُوا: "وما العرشُ؟ "، قال: "سُبحان الله! لقد تفسَّخَت أعوادُهُ، أو عوارِضُهُ، وإنَّه على رقابِنَا وأكتافِنا، وكان آخِرُ مَن خَرَج من قبره النَّبيُّ ﷺ ، وقال: إن سعدًا ضُغِط في قبره ضغطةً، فسألتُ الله تعالى أن يُخفِّفَ عنه"، وقرأ: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾. قال: السَّرير.
стр. 52
وقد رأيتُ يحيَى الحِمَّانِيَّ رواه عن ابن فُضيلٍ، عن عطاء بن السَّائب، بهذا الإسناد مرفُوعًا. أخرَجَه الطَّحاوِيُّ (٤١٧١).
وهذا يدُلُّ على الاضطراب في رواية هذا الحديثِ عن ابن عُمر.
وخالَفَ الجميعَ أبُو بكرٍ النَّهشَليُّ، فرواه عن عطاء بن السَّائبُ، عن سعيد بن جُبَيرٍ، عن ابن عُمر.
ذَكَره الدَّارَقُطنِيُّ في "العلل" (ج ٢/ ق ٣٧/ ١) وقال: "حديثُ مُجاهِدٍ عن ابن عُمر أشبَهُ بالصَّواب.
فالصَّحيحُ في حديث ابن عُمر أن أوَّلهُ موقُوفٌ عليه، دون آخِرِه.
وقد وقفه: جريرُ بنُ عبد الحميد، وإبراهيمُ بنُ طَهمانَ، وحمَّادُ بنُ سلَمَة، ومُحمَّدُ بنُ فُضيلٍ - مع الاختلاف عليه -. ولكن له حُكم المرفوع كما لا يَخفَى.
وروايةُ جَريرٍ أخرَجَها المَحامليُّ في "الأمالِي" (ق ٢٣/ ١) قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ مُوسَى ..
والحكيمُ التِّرمِذيُّ في "نوادر الأصول" (ج ١/ ق ١٥/ ١) قال: حدَّثَنا الجارُودُ ..
قالا: ثنا جريرُ بنُ عبد الحميد، عن عطاءٍ بهذا موقُوفًا.
أمَّا حديثُ: "اهتزَّ العرشُ لموتِ سعدِ بن مُعاذٍ" فصحيحٌ، بل مُتواتِرٌ.
وقد وَرَد من حديث جابرِ بن عبد الله، وأبي سعيدٍ الخُدرِيِّ، وأنسٍ، وحُذَيفةَ، وأُسيدِ، بن حُضَيرٍ، وابنِ عُمر، ورُميثةَ، وعائشةَ، وأسماءَ بنتِ يزيدَ، وسعدِ بن أبي وقَّاصٍ، ومُجَمِّعِ بن جاريةَ، وأبي هُريرةَ ﵃.
стр. 53
• أوَّلًا: حديثُ جابرٍ ﵁: وله عنه طُرُقٌ:
١ - أبُو سُفيانَ، عنه.
أخرَجَهُ البُخارِيُّ (٧/ ١٢٢ - ١٢٣ - فتح)، ومُسلمٌ (٢٤٦٦/ ١٢٤)، وابنُ ماجَهْ (١٥٨)، وأحمدُ في "المُسنَد" (٣/ ٣١٦)، وفي "الفضائل" (١٤٨٥)، وابنُ أبي شَيبة في "المُصنَّف" (١٢/ ١٤٢، و ١٤/ ٤١٤)، وسعيدُ بنُ منصورٍ في "سُننه" (٢٩٣٦)، وابنُ سعدٍ (٣/ ٤٣٣ - ٤٣٤)، وابنُ طَهمانَ في "سُنَنِه" (١٤٥، ١٤١)، وعبَّاسٌ التَّرقُّفِيُّ في "جُزئه" (ق ١٢١/ ١)، ومُحمَّدُ بنُ عُثمان بن أبي شيبةَ في "كتاب العَرش" (٤٨)، والحكيمُ التِّرمِذِيُّ في "نوادر الأُصول" (ج ١/ ق ١٦/ ١)، وابنُ أبي عاصمٍ في "السُّنَّة" (٥٦٢، ٥٦٣)، والدُّولابِيُّ في "الكُنَى" (٢/ ١١٤ - ١١٥)، والجُرجانِيُّ في "الأمالِي" (ق ٨٧/ ١)، والطَّبرانِيُّ في "الكبير" (ج ٦/ رقم ٥٣٣٥)، والطَّحاوِيُّ في "المشُكِل" (٤١٦٧، ٤١٦٨)، وابنُ حِبَّان (ج ٩/ رقم ٦٩٩٢)، والبَيهَقِيُّ في "الأسماء والصِّفات" (٢/ ١٤٠)، وابنُ البَطِر في "الفوائد المُنتَقاة" (ق ٢٢١/ ٢)، وابنُ مَندَهْ في "التَّوحيد" (٨١٨، ٨١٩)، وابنُ الأثير في "أُسد الغابة" (٢/ ٣٩٨)، والبَغَوِيُّ في "شرح السَّنَّة" (٣٩٨٠) من طُرُقٍ عن الأعمش، عن أبي سُفيان، عن جابرٍ مرفُوعًا: "اهتزَّ العرشُ لموت سعد بن مُعاذٍ".
وعند الحكيم التِّرمِذِيِّ: لمَّا مات سعدٌ، نزل جِبريلُ، فقال: يا مُحمَّدُ! رجلٌ من أُمَّتك اهتزَّ له العرشُ. فخرج رسولُ الله ﷺ إلى المسجد، فإذا امرأةٌ في المسجد، فقالت: يا رسول الله! إنَّ سعدَ بنَ مُعاذٍ قد ماتَ.
стр. 54
فَشَهِدَ رسُولُ الله ﷺ جِنازَتَهُ، فجلس على القبر، فقال: "لا إله إلَّا الله! سُبحان الله! "، ثمَّ قال: "هذا العبدُ الصَّالحُ قد ضُيِّق عليه في قبره، حتى خشيتُ أن لا يُوسَّع عليه، ثُمَّ وُسِّع عليه".
وقال البزَّارُ (٧٩٥ - زوائد ابن حَجَرٍ): "على أنَّ الأعمشَ لم يسمع من أبي سُفيانَ، وقد روَى عنه نحوَ مئة حديثٍ".
كذا قال! وقد سمع الأعمشُ أبا سُفيانَ طلحَةَ بنَ نافعٍ ..
فأخرَج البُخارِيُّ في "كتاب الأشرِبة" (١٠/ ٧٠) قال: حدَّثَنا عُمر بن حفصٍ، ثنا أبي، ثنا الأعمشُ، قال: سمعتا أبا صالحٍ يَذكُرُ، - أُراه - عن جابرٍ ﵁، قال: جاء أبو حُميدٍ - رجلٌ من الأنصار - من النَّقيع بإناءٍ من لبنٍ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال ﷺ : "ألا خمَّرتَهُ، ولو أن تَعرِضَ عليه عُودًا".
وحدَّثَنِي أبُو سُفيان، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ بهذا.
وأخرَجَه البُخارِيُّ (١٠/ ٧٠) قال: حدَّثَنا قُتَيبَةُ ..
ومُسلمٌ (٢٠١١/ ٩٥) قال: حدَّثَنا عُثمانُ بنُ أبي شَيبَةَ ..
قالا: ثنا جَريرٌ، عن الأعمَشِ، عن أبي سُفيانَ، وأبي صالحٍ، عن جابرٍ فذَكَرَه.
وقد أخَرج البُخارِيُّ (٧/ ١٢٢ - ١٢٣)، ومُسلمٌ (٢٤٦٦/ ١٢٤) هذه التَّرجَمَة أيضًا، وساق حديثَ: "اهتزَّ العرشُ لموتِ سعد بن مُعاذٍ".
ولم يُخرِّج البُخارِيُّ غيرَ هذين الحديثَين. وأخرج البُخارِيُّ الحديثَين لأبي سُفيان مقرُونًا بأبي صالحٍ.
أمَّا مُسلمٌ، فأخرَج نحوًا من ثلاثين حديثًا بهذه التَّرجَمة. والله أعلم.
стр. 55
وقد علَّق الهَيثَمِيُّ على قول البَزَّار بقوله: "عجِبتُ من قوله: لم يَسمَع الأعمشُ من أبي سُفيان".
٢ - أبُو صالحٍ ذَكوَانُ، عنه.
أخرَجَهُ البُخارِيُّ (٧/ ١٢٢ - ١٢٣)، وابنُ البَطِرِ في "الفوائد المُنتقاة" (ق ٢٢١/ ٢ - ٢٢٢/ ١)، والدُّولابِيُّ في "الكُنَى" (٢/ ١١٤ - ١١٥)، والحاكمُ (٣/ ٢٠٧) عن أبي عَوانَة ..
وابنُ حِبَّان (٧٠٣١) عن أبي عُبيدَة بن مَعنٍ ..
وابنُ طَهمانَ في "سُننه" (١٤٠) عن الحَسَن بن عُمارَةَ ..
ثلاثتُهُم، عن الأعمَشِ، عن أبي صالحٍ، عن جابِرٍ مرفُوعًا: "اهتزَّ العرشُ لموتِ سعد بن مُعاذٍ".
زاد البُخارِيُّ: فقال رجلٌ لجابرٍ: فإنَّ البَراء يقولُ: اهتزَّ السَّرير؟ فقال: إنَّه كان بين هذين الحيَّين ضغائنُ، سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقُولُ: "اهتزَّ عرشُ الرَّحمن لموت سعد بن مُعاذٍ".
وَوَهِم الحاكمُ في استدراكه على البُخارِيِّ.
قال الحافظُ في "الفتح" (٧/ ١٢٣ - ١٢٤):
"قولُهُ: "إنَّه كان بين هذين الحَيَّين ضغائنُ" أي: الأوس والخَزرَج.
قولُهُ: "ضغائن" بالضَّاد والغَين المُعجَمَتَين، جمعُ ضغينةٍ، وهو الحِقدُ. قال الخَطَّابِيُّ: إنَّما قال جابرٌ ذلك لأنَّ سعدًا كان من الأوس، والبَرَاءَ خَزرَجِيٌّ، والخَزرَجُ لا تُقِرُّ للأوس بفضلٍ. كذا قال! وهو خطأٌ فاحشٌ؛ فإنَّ البَراءَ أيضًا أوسِيٌّ؛ لأنَّه: ابنُ عازِب بن الحارثِ بن عَدِيِّ بن مجدعةَ
стр. 56
ابن حارِثَةَ بن الحارثِ بن الخَزرَجِ بن عَمرِو بن مالكِ بن الأوسِ، يجتَمع مع سعد بن مُعاذٍ في الحارث بن الخَزرَج، والخَزرَجُ والدُ الحارث بن الخَزرَج، وليس هو الخَزرَج الذي يُقابل الأوسَ، وإنَّما سُمِّي على اسمه. نعم! الذي من الخَزرَج الذين هم مُقابِلُو الأوس: جابرٌ. وإنَّما قال جابرٌ ذلك إظهارًا للحقِّ واعترافًا بالفضل لأهله، فكأنَّه تعجَّب من البَراء: كيف قال ذلك مع أنَّه أوسِيٌّ؟! ثُمَّ قال: أنا وإن كُنتُ خَزرَجِيًّا وكان بين الأوس والخَزرَج ما كان، لا يمنَعُنِي ذلك أن أقول الحقَّ. فذَكَر الحديث. والعُذر للبراء أنَّه لم يقصد تغطيةَ فضلِ سعدِ بن مُعاذٍ، وإنَّما فهم ذلك، فَجَزَم به. هذا الذي يليقُ أن يُظَنَّ به، وهو دالٌّ على عدم تعصُّبه.
ولمَّا جَزَم الخَطَّابِيُّ بما تقدَّم احتاج هو ومَن تَبِعَه إلى الاعتذارِ عمَّا صدَرَ من جابرٍ في حقِّ البَراء، وقالُوا في ذلك ما مُحَصِّلُهُ: إنَّ البَراء معذُورٌ لأنَّه لم يَقُل ذلك على سبيل العَداوة لسعدٍ، وإنَّما فهم شيئًا مُحتمَلًا فحَمَل الحديث عليه، والعُذرُ لجابِرٍ أنَّه ظنَّ أن البَراء أراد الغَضَّ من سعدٍ، فساغ له أن ينتصر له. والله أعلم.
وقد أنكَرَ ابنُ عُمر ما أنكَرَهُ البراءُ، فقال: إنَّ العرش لا يَهتَزُّ لأَحَدٍ. ثُمَّ رجع عن ذلك وَجَزَم بأنَّه اهتزَّ له عرشُ الرَّحمن. أخرَج ذلك ابنُ حِبَّانَ من طريق مُجاهِدٍ عنه.
والمُرادُ باهتزاز العَرش استبشارُهُ وسُرُورُه بقدوم رُوحِهِ. يُقال لكلِّ مَن فرح بقدُوم قادِمٍ عليه: اهتزَّ له. ومنه: اهتزَّت الأرضُ بالنَّبات إذا اخضرَّت وحسُنت. ووقع ذلك من حديث ابن عُمر عند الحاكم بلفظ:
стр. 57
"اهتزَّ العرشُ فَرَحًا به"، لكنَّه تأوَّله كما تأوَّله البراءُ بن عازِبٍ، فقال: "اهتزَّ العرشُ فرَحًا بلقاء الله سعدًا حتَّى تفسَّخت أعوادُه على عواتِقِنا" قال ابنُ عُمر: يعني عرشَ سعدٍ الذي حُمل عليه. وهذا من رواية عطاء بن السَّائب، عن مُجاهدٍ، عن ابن عُمر. وفي حديث عطاءٍ مَقالٌ؛ لأنَّه ممَّن اختَلَط في آخر عُمره. ويُعارِضُ روايَتَه أيضًا ما صحَّحه التِّرمِذِيُّ من حديث أنَسٍ، قال: لمَّا حُمِلَت جنازةُ سعدِ بن مُعاذٍ قال المُنافِقُون: ما أخفَّ جنازَتَه، فقال النَّبيُّ ﷺ : "إنَّ الملائكة كانت تحمِلُهُ".
قال الحاكمُ: الأحاديثُ التي تُصرِّحُ باهتزاز عرش الرَّحمن مخُرَّجَةٌ في "الصَّحيحَين"، وليس لِمُعارِضِها في الصَّحيح ذِكرٌ. انتهَى.
وقيل: المُراد باهتزاز العَرش اهتزازُ حَمَلة العَرش. ويُؤيِّدُهُ حديثُ: "إنَّ جبريل قال: مَن هذا الميِّتُ الذي فُتِحَت له أبوابُ السَّماء واستَبشَر به أهلُها" أخرَجَه الحاكم.
وقيل: هي علامةٌ نَصَبَها الله لموت مَن يموتُ مِن أوليائِهِ؛ لِيُشعِرَ الملائكةَ بفضله.
وقال الحَربِيُّ: إذا عظَّمُوا الأمرَ نَسَبُوه إلى عظيمٍ، كما يقُولُون: قامَت لموتِ فُلان القيامةُ، وأظلمت الدُّنيا ونحو ذلك.
وفي هذه مَنقَبَةٌ عظيمةٌ لسعدٍ.
وأمَّا تأويل البَراء على أنَّه أراد بالعرش السَّريرَ الذي حَمَلَهُ عليه، فلا يَستَلزِمُ ذلك فضلًا له؛ لأنَّه يشركه في ذلك كلُّ ميِّتٍ، إلَّا أنَّه يُريدُ: اهتزَّ حَمَلةُ السَّرير فَرَحًا بقُدُومه على ربِّه" انتهَى كلامُ الحافظ.
стр. 58
٣ - أبو الزُّبَير، عنه.
أخرَجَه مُسلمٌ (٢٤٦٦/ ١٢٣) واللفظ له، والتِّرمِذِيُّ (٣٨٤٨)، وأحمدُ (٣/ ٢٩٦ - ٢٩٥، ٣٤٩)، وعبدُ الرَّزَّاق (٦٧٤٧)، وابنُ حِبَّان (ج/ رقم ٦٩٩٠)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٦/ رقم ٥٣٣٦، ٥٣٣٧، ٥٣٣٨)، وابنُ مندَهْ في "التَّوحيد" (٨١٧) من طُرقٍ عن أبي الزُّبَير، أنَّه سمع جابرَ بنَ عبدِ الله يقول: قال رسول الله ﷺ ، وجِنازةُ سعدِ بن مُعاذٍ بين أيديهِم: "اهتزَّ لها عرشُ الرَّحمن".
قال التِّرمذيُّ: "حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ".
٤ - أبو سَلَمَة، عنه.
أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ (ج ٦/ رقم ٥٣٣٩).
ولكن في سنده زكريَّا بنُ يحيَى الوَقَارُ، كذَّبَه صالحٌ جَزَرَةُ.
وقال ابنُ عَدِيٍّ: "يَضَع الحديثَ". وضَعَّفه ابنُ يُونُسَ، وغيرُه.
٥ - معاذُ بنُ رِفاعَةَ، عنه.
أخرَجَهُ النَّسائيُّ في "الفضائل" (١٢٠)، وأحمدُ (٣٢٧)، وفي "الفضائل" (١٤٩٦)، والحاكمُ (٣/ ٢٠٦)، وابنُ مَندَهْ في "التَّوحيد" (٨٢١)، وأبو عليٍّ حامدُ بنُ مُحَمَّدٍ الهَرَوِيُّ في "الفوائد" (ق ٤٠٠/ ١)، والخطيبُ في "المُدرَج" (ص:٤١٢ - ٤١٣) من طريق مُحمَّد بن عَمْرٍو، حدَّثَني يزيدُ بنُ عبد الله بن أُسامَة، ويحيَى بنُ سعيدٍ، عن مُعاذِ بن رفاعَةَ، عن جابرٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ لسَعدٍ وهو يُدفَن: "إنَّ هَذَا العَبدَ الصَالِحَ تحرَّكَ له العَرشُ، وفُتِحَت له أَبوَابُ السَّماء".
стр. 59
ومن هذا الوجه أخرَجَهُ أحمدُ في "الفضائل" (١٤٩٧)، والطَّبَرانيُّ (ج ٦/ رقم ٥٣٤٠) عن مُحمَّدِ بن عَمرٍو، حدَّثَني يزيدُ بنُ عبدِ الله به. ولم يذكُر يحيَى بنَ سعيدٍ.
وسَندُهُ حَسَنٌ.
وتابَعَهُ اللَّيثُ بنُ سعدٍ، عن يزيدَ بن عبد الله به.
أخرَجَهُ الطَّحاوِيُّ (٤١٧٣)، وابنُ مَندَهْ في "التَّوحيد" (٨٢٥)، والبَيهَقِيُّ في "الدَّلائل" (٤/ ٢٩).
وتابعه عبدُ العزيزِ بنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، فرواه عن يزيدَ بن الهادِ بهذا.
أخرَجَهُ أبو القاسم البَغَوِيُّ في "حديث مُصعَبٍ بن الزُّبير" (ق ٢٧٩/ ١).
وأخرَجَهُ مُحمَّدُ بنُ عثمانَ بن أبي شَيبةَ في "كتاب العَرش" (٥١) قال: حدَّثَنا عُقبَةُ بن مُكرِمٍ، نا يُونُس بن بُكَيرٍ، عن مُحمَّد بن إسحاقَ، عن مُعاذَ بن رفاعة الزُّرَقِيُّ، ثنا مَن شئتُ مِن رجاك قَومِي: أن جبرِيلَ أتَى رسُولَ الله ﷺ حين قُبِض سعدُ بنُ مُعاذٍ من جَوفِ اللَّيل مُعتَجِرًا بعِمامةٍ من إِستبرَقٍ، فقال: يا مُحمَّدُ! مَن هذا الميَتُ الذي فُتِحتْ له أبوابُ السَّماء واهتزَّ له العَرشُ؟ - قال: - فقام رسُولُ الله ﷺ سرِيعًا يجرُّ ثوبَهُ إلى سعدٍ، فوَجَدَهُ قد مات.
• قلتُ: ومحُمَّد بن إسحاقَ مُدَلِّسٌ، ولم يُصرِّح بتحديثٍ.
ثمَّ رأيتُهُ صَرَّح بالتَّحديث، قال: حدَّثَنا مُعاذُ بن رِفاعَةَ، أخبَرَنا محمُودُ بن عبدِ الرَّحمن بن عَمرِو بن الجَمُوح، عن جابِرِ بن عبدِ الله، قال: لمَّا وُضِعَ سعدُ بنُ مُعاذٍ في حُفرَته، سَبَّح رسولُ الله ﷺ وسَبَّح النَّاسُ معه،
стр. 60
ثُمَّ كَبَّر وكَبَّر القومُ معه، قالوا: يا رسولَ الله! لم سَبَّحتَ؟ فقال: "هَذَا العَبدُ الصَالحُ! لَقَد تَضايقَ عليه قَبرُهُ "حتى فرَّجه الله عنه".
أخرَجَهُ البَيهَقِيُّ في "الدَّلائل" (٤/ ٢٩ - ٣٠) من طريق أحمدَ بن عبد الجَبَّار، حدَّثَنا يُونُس - يعني ابنَ بُكَيرٍ -، عن ابن إسحاقَ به.
وهذا سَندٌ حَسَنٌ، لولا أنَّني لم أَقِف على ترجمةٍ لمحمُودِ بن عبدِ الرَّحمن.
ويغلُبُ على ظَنِّي أنَّه مُصحَّفٌ.
ثمَّ هذا مَتنٌ آخَرُ بخلاف ما رواه عُقبَةُ بن مُكرِمٍ، عن يُونُس.
ثُمَّ رأيتُهُ في "المُعجَم الكبير" للطَّبَرانِيِّ (ج ٦/ رقم ٥٣٤٦) من طريق مُحمَّد بن سَلَمة، عن مُحمَّد بن إسحاقَ به.
وتبَيَّن أن "مَحمُودَ" مُصحَّفٌ عن "مُحَمَّدٍ"!! ومحُمَّد بن عبد الرَّحمن وثَّقَهُ أبُو زُرعَة - كما في "الجرح والتَّعديل" (٣/ ٢/ ٣١٦) -.
فالسَّنَد حَسَنٌ بغير ترَدُّدٍ، والحمدُ لله على تَوفِيقِه. ولكنَّ الشَّأنَ في اختلاف المَتن.
ثُمَّ وجدتُهُ يرويه عن عاصمِ بن عُمَر بن قَتَادَة، عن عبدِ الله بن كَعبِ بن مالكٍ … فذَكَرَهُ بأطولَ منه.
أخرَجَهُ الحاكمُ (٣/ ٢٠٥) عن سَلَمَة بن الفَضلِ، حدَّثَني مُحمَّدُ بن إسحاقَ، عن عاصمِ بن عُمَرَ به.
وسَنَدُهُ ضعيفٌ؛ لأنَّ عبدَ الله بنَ كَعبٍ لم يُدرِك سَعدًا. واللهُ أعلَمُ.
• ثانيًا: حديثُ أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ ﵁.
أخرَجَه النَّسَائِيُّ في "الفَضائل" (١٢١)، وأحمدُ (٣/ ٢٣ - ٢٤)، وفي
стр. 61
"فَضَائل الصَّحَابة" (١٤٨٦)، وابنُ أبي شَيبة في "المُصنَّف" (١٢/ ١٤٢)، وابنُ سَعدٍ (٣/ ٤٣٤)، وعَبدُ بنُ حُمَيدٍ في "المُنتخَب" (٨٦٩)، ومحمَّدُ بن عبدِ الله الأنصَارِيِّ في "حديثه" (٥٧)، وابنُ أبي عاصِمٍ في "الآحاد والمَثَانِي" (ق ٢١١/ ١)، والقَطِيعِيُّ في "جُزء الألف دِينارٍ" (٢٠٠)، والبَزَّارُ (ج ٣/ رقم ٢٧٠١ - كشف)، وتَمَّامٌ الرَّازِيُّ في "الفوائد" (ق ٣/ ٢)، والطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (٤١٦٩)، وأبو يَعلَى (ج ٢/ رقم ١٢٦٥)، وابنُ المُقرِئِ في "المُعجَم" (ج ١/ ق ١٧/ ١)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٦/ رقم ٥٣٣٤)، والحاكمُ (٣/ ٢٠٦)، والخِلَعِيُّ في "الخِلَعِيَّات" (ج ٥/ ق ٢٣/ ٢)، وأبو نُعَيمٍ في "أخبار أصبَهان" (٢/ ٢٧٤)، وفي "مَعرِفة الصَّحابة" (٣١١٠)، وابنُ مَندَهْ في "التَّوحيد" (٨٢٥) من طُرُقٍ عن عَوفِ بن أبي جَمِيلةَ الأَعرَابِيِّ، عن أبي نَضرَةَ، عن أبي سعيدٍ مرفُوعًا: "اهتزَّ العَرشُ لمِوتِ سَعدِ بن مُعاذٍ".
قال البَزَّارُ: "لا نَعلَمُهُ رُوِي عن أبي سعيدٍ إلَّا مِن هذا الوَجهِ، ولا رواه عن أبي نَضرَةَ إلَّا عَوفٌ".
كذا قال! وقد ذَكَرَ الذَّهَبِيُّ في "العُلُوِّ" أن داودَ بنَ أبي هِندٍ رواه عن أبي نَضرَةَ. والحمدُ لله.
قال الحاكمُ: "صحيحٌ على شرط مُسلمٍ"، ووافقه الذَّهَبِي.
وقال الذَّهَبِيُّ في "العُلُوِّ" (ص: ٧١): "هذا حديثٌ صحيحٌ".
• ثالثًا: حديثُ أنس ﵁.
أخرَجَهُ مُسلمٌ (٢٤٦٧/ ١٢٥)، وأحمدُ (٣/ ٢٣٤)، والبَزَّارُ (ج ٢/
стр. 62
ق ١٩٢)، وابنُ أبي عاصمٍ في "السُّنَّة" (٥٦١)، والطَّبَرَانِيُّ (ج ٦/ رقم ٥٣٤٢)، وابنُ مَندَهْ في "التَّوحيد" (٨٢٢، ٨٢٣، ٨٢٤)، والبَيهَقِيُّ في "الأسماء" (٢/ ١٤٠) من طريق سعيدِ بن أبي عَرُوبَةَ، عن قتادَةَ، حدَّثَنا أنَسٌ، أن نبيَّ الله ﷺ قال وجنازَتُهُ موضُوعَةٌ - يعني سعدًا -: "اهتَزَّ لها عَرشُ الرَّحمن".
ورواه عن سعيدٍ: عبدُ الوَهَّاب بنُ عطاءٍ، ومُحمَّدُ بنُ سواءٍ.
ورأيتُهُ عند أبي عَوَانَة - كما في "إتحاف المَهَرة" (٢/ ٢١٥) -، وابنِ حِبَّان (٧٠٣٢) من طريق مُحمَّد بن سواءٍ، عن شعبَة، عن قتادَةَ بهذا.
وأخشى أن يكُونَ "شعبةُ" تصحَّفَ إلى "سعيدٍ". واللهُ أعلَمُ.
وأخرَجَهُ أبو يَعلَى (ج ٥/ رقم ٢٩٥٣)، والبَزَّارُ (ج ٣/ رقم ٢٨٠٢)، والحكيمُ التِّرمِذِيُّ في "نوادر الأُصُول" (ج ١/ ق ١٦/ ١)، والطَّبَرانِيُّ في "الكبير" (ج ٤/ رقم ٣٤٨٨)، وأبو نُعَيمٍ في "معرفة الصَّحابَة" (ج ١/ ق ١٨٦) من طريق عبدِ الوَهَّاب بن عطاءٍ، أخبَرَنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أنَسٍ، قال: افتَخَر الحيَّانِ "من الأَنصارِ الأوسُ والخَزرَجُ، فقالت الأوسُ: منا غسيلُ المَلائِكَةِ: حنظَلَةُ ابنُ الرَّاهب، ومِنَّا من اهتزَّ له عرشُ الرَّحمنِ: سعدُ بنُ مُعاذٍ، ومِنَّا من حَمَتهُ الدَّبْرُ: عاصمُ بنُ ثابتِ بن أبي الأَقلَح، ومِنَّا من أُجِيزَت شَهَأدَتُه بشهادة رَجُلَين خُزَيمَةُ بنُ ثَابتٍ. وقَالَت الخَزرَجِيونَ: مِنَّا أَربَعَةٌ جَمَعُوا القُرآن على عَهد رَسول الله ﷺ لم يجمَعهُ غيرُهُم: زَيدُ بنُ ثابتٍ، وأبو زَيدٍ، وأُبَيُّ بن كَعبٍ، ومُعاذُ بن جَبَلٍ.
стр. 63
ورواهُ أبو المِقدامِ، عن قتادةَ، عن أنَسٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ وجنازةُ سعدِ بن مُعاذٍ موضوعَةٌ: "اهتزَّ لها عرشُ الرَّحمنِ ".
أخرَجَهُ ابنُ قانعٍ في "جُزءٍ من حديثهِ" (ق ٨/ ١) قال: حدَّثَنا الحسنُ بنُ عبدِ العَزيز، حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ عُقبَةَ السُّدُوسِيُّ، حدَّثنا سُليمانُ بنُ أبي سُليمانَ، عن أبي المِقدامِ بهذا.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ وأبو المِقدَامِ اسمُهُ: هِشامُ بنُ زيادٍ، وهو مترُوكٌ.
ورواهُ الحسَنُ البَصرِيُّ، عن أنَسٍ به.
أخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ (ج ٦/ رقم ٥٣٤٣)، والبَزَّارُ (ج ٢/ ق ٦٦/ ١) من طريق عُمَرَ بن سَهلٍ، ثنا مُبارَكُ بن فَضَالةَ، عن الحَسَن بهذا.
قال البَزَّار: "وهذا الحديثُ لا نَعلَمُ رواه عن مُبارَكٍ، عن الحَسَن، عن أنَسٍ إلَّا عُمَرُ بنُ سَهلٍ. وعُمَرُ بنُ سهلٍ بَصرِيٌّ لا بأس به، انتَقَل من البَصرَة إلى مَكَّة إلى أن مات بها. وهو حديثٌ غرِيبٌ".
وعُمَرُ بنُ سَهلٍ فيه ضعفٌ. ومُبَارَكٌ كثيرُ التَّدليس. ثُمَّ عَنَعنَةُ الحسَنُ.
• رابعًا: حديثُ حُذَيفةَ ﵁.
أخرَجَهُ ابنُ أبي شَيبَة في "المُصنَّف" (١٢/ رقم ١٢٣٦٧، و ١٤/ رقم ١٨٦٥٢)، وابنُ سعدٍ في "الطَّبَقات" (٣/ ٤٣٤ - ٤٣٥)، قالا: ثنا عُبيدُ الله بنُ مُوسَى، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن رَجُلٍ حدَّثَه، عن حُذَيفَة مرفُوعًا: "اهتَزَّ العَرشُ لِرُوحِ سعدِ بن مُعَاذٍ".
ورجالُهُ ثقاتٌ، حاشا الرَّجُل الذي لم يُسَمَّ.
стр. 64
• خامسًا: حديثُ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ ﵁.
أخرَجَهُ أحمدُ (٤/ ٣٥٢)، وإسحاق بن رَاهَوَيه في "مُسنَده" (ج ٤/ ق ٢٠٤/ ٢ - ٢٠٥/ ١)، وابنُ أبي شيبة في "المُصنَّفِ" (١٢/ ١٤٢، و ١٤/ ٤١٥)، وفي "المُسنَد" (٩٢٨)، وابنُ أبي عاصِمٍ في "الآحاد والمَثانِي" (ق ٢١٠/ ٢)، وابنُ سَعدٍ (٣/ ٤٣٤)، والطَّحاوِيُّ في "المُشكِل" (٤١٧٢)، والحكيمُ في "نوادر الأُصُول" (ج ١/ ق ١٥/ ٢)، وابنُ حِبَّان (ج ٩/ رقم ٦٩٩١) بدُون القِصَّة، والطَّبَرَانِيُّ (ج ١/ رقم ٥٥٣ - ٥٥٤، ج ٦/ رقم ٥٣٣٢)، والحاكمُ (٣/ ٢٨٩)، وأوبو نُعَيمٍ في "معرفة الصَّحابة" (ق ٦٣/ ٢ - ٦٤/ ١)، وابنُ مَندَهْ في "التَّوحيد" (٨٢٦)، والضِّياءُ في "المُختارَة" (١٤٦٩) من طريق مُحمَّد بن عَمْرٍو، عن أبيه، عن جَدِّه، عن عائشةَ، قالت: قَدِمنَا من حَجٍّ أو عُمرَةٍ فتُلُقِّينَا بذي الحُلَيفة، وكان غِلمَانُ الأنصار يتلقَّونَ أهليهم، فلَقَوْا أُسَيدَ بنَ حُضَيرٍ، فنَعَوْا له امرَأَتَهُ، فتقَنَّعَ وجَعَل يبكي. فقُلتُ: غَفَرَ اللهُ لك! أنتَ صاحبُ رسُول الله ﷺ ، ولك من السَّابِقَة والقِدَم مَا لَكَ، وأنتَ تَبكِي على امرأةٍ؟! - قالت: - فكَشَفَ رأسَهُ وقال: صدقتِ! لعَمرِي! ليَحِقَّنَّ أن لا أَبكِي على أحدٍ بعد سَعدِ بن مُعاذٍ، وقد قال له رسُولُ الله ﷺ عنهُ ما قال. - قالت: - قلتُ: وما قال له رسُولُ الله ﷺ ؟ قال: "اهتَزَّ العَرشُ لوَفَاةِ سَعدِ بن مُعَاذٍ"، - قالت: - وهو يَسِيرُ بيني وبين رسُولِ الله ﷺ .
واللَّفظُ لابن سعدٍ.
وقال الحاكمُ: "على شرط مُسلِمٍ" كذا قال!
стр. 65
وفي لفظٍ: "إنَّ العَرشَ اهتَزَت أَعوادُهُ لمَوتِ سعدٍ".
وفي رواية حمَّادِ بن سَلَمةَ، عن مُحمَّد بن عَمرٍو، قالت عائشةُ: "ولمَّا مات سعدٌ بَكَى أبُو بكرٍ وعُمَرُ، حتى عرفتُ بُكاءَ أبي بَكرٍ من بُكاءِ عُمَر، وبُكاءَ عُمَرَ من أبي بَكرٍ".
قال الهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (٩/ ٣٠٩): "أسانيدُهَا كلُّها حَسَنةٌ"، وهو كما قال. وحسَّنَ إسنادَهُ الذَّهَبِيُّ في "العُلُوِّ" (ص: ٧١).
• سادسًا: حديثُ ابن عُمرَ ﵄.
وقد مرَّ الكلامُ عن بعض طرقِه في أوَّل البحث.
وله طريقٌ آخَرُ عنه ..
أخرَجَهُ النَّسائِيُّ (٤/ ١٠٠ - ١٠١)، والحكيمُ التِّرمِذِيُّ في "نوادر الأُصُول" (ج ١/ ق ١٥/ ٢)، والطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (١٠/ ٣٦٤)، والبَزَّارُ (ج ٢/ ق ١٣/ ٢)، والطَّبَرانيُّ في "الأوسَط" (١٧٠٧)، وفي "الكبير" (ج ٦/ رقم ٥٣٣٣)، وأبو الشَّيخ في "الطَّبَقات" (٧٧٧)، وأبو نُعَيمٍ في "معرفة الصَّحَابة" (٣١١١) من طريق ابن إِدرِيسَ، عن عُبَيدِ الله بن عُمرَ، عن نافِعٍ، عن ابن عُمرَ مرفُوعًا: "هذا الذي تحرَّك له العرشُ، وفُتِحَت له أبوابُ السَّماء، وشَهِدَهُ سبعُونَ ألفَ مَلَكٍ من الملائكة، لقد ضُمَّ ضَمَّةً، ثُمَّ فُرِّجَ عنه".
قال البَوارُ: "وهذا الحديثُ لا نَعلَمَهُ يُروَى بهذا اللَّفظ إلَّا عن ابن إدريس، عن عُبَيدِ الله".
قال الطَّبَرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن عُبَيدِ الله إلَّا ابنُ إدريسَ".
стр. 66
كذا قالَ! وقد تابَعَه داوُدُ بنُ عبدِ الرَّحمن العَطَّارُ، ثنا عُبيدُ الله بنُ عُمَر، عن نافعٍ، عن ابن عُمَر مرفُوعًا: "لَقَد هَبَطَ يومَ مات سَعدُ بنُ مُعَاذٍ سَبعُونَ ألفَ مَلَكٍ إلى الأرضِ لَم يهبطوا قبل ذلك، ولَقَد ضَمَّةُ القَبرُ ضَمَّةً"، ثمَّ بكى نافعٌ.
أخرَجَهُ البَزَّارُ (ج ٢/ ق ١٤/ ١ - ٢)، وقال: "وهذا الحديثُ لا نَعلَمُ رواهُ عن عُبَيدِ الله، عن ابن عُمَر، إلَّا داوُدُ العَطَّارُ. ورواهُ غيرُهُ عن عُبيدِ الله، عن نافعٍ مُرسَلًا" كذا قال! وقد تعقَّبتُ البزَّارَ والطَّبَرانيَّ في هذا.
وانظُر "تنبيه الهاجِد" (٩٥٠).
ثُمَّ رواهُ البزَّارُ من طريق سُكَينِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن زَيدِ بن الخَطَّاب، عن نافعٍ به.
• سابعًا: حديثُ مُعَيقِيبَ ﵁.
أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٦/ رقم ٥٣٤١) من طريق عَمْرِو بن مَالِكٍ العَنبَرِيِّ، ثنا الوليدُ بن مُسلِمٍ، ثنا الأَوزَاعِيُّ، عن يحيَى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي سَلَمَة، عن مُعَيقِيبَ مرفُوعًا، فذَكَرهُ.
ورَوَى الخطيبُ في "تاريخه" (٩/ ٤٩) بسَنَدِه عن عبدِ الله بن عليِّ بن المَدِينِيِّ، قال: "قلتُ لأبي: حديثٌ رواهُ الوليدُ، عن الأَوزَاعِيِّ، عن يحيَى، عن أبي سَلَمَة [فذكَرَهُ]. فقال: هذا الحديثُ كَذِبٌ موضُوعٌ".
• قلتُ: وَيظهَرُ لي أنَّ عليَّ بنَ المَدِينِيَّ حَكَمَ بوَضعِ الحديثِ لأنَّ الرَّاوي عن الوَليدِ بن مُسلِمٍ هو سُليمانُ بنُ أحمدَ بن مُحَمَّدٍ الجُرَشِيُّ، وقد
стр. 67
كذَّبَهُ يحيَى، وقال صالحُ بنُ مُحَمَّدٍ: "كان يُتَّهَمُ في الحديث" وكذَّبَهُ، وضَّعَفَهُ النَّسائيُّ، واتَّهمَهُ ابنُ عَدِيٍّ بسرقة الحديث.
لكن تابَعَهُ عَمرُو بنُ مالكٍ العَنبَرِيُّ، كما تقدَّم. وقد ضعَّفَهُ أبو حاتِمٍ وأبو زُرعَة وغيرُهما.
ولعلَّ العِلَّة هي الوليد بن مُسلِمٍ؛ فقد كان يُدَلِّسُ، ولم يُصرِّح في كُلِّ طبقات السَّنَد.
لكنَّه تُوبِع ..
فأخرَجَه الطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٢٠/ رقم ٨٢٩) من طريق يحيَى بن يَعلَى، عن أبيه، عن غَيلَانَ بن جَريرٍ، عن أبي عبدِ الله، عن يحيَى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن مُعَيقيبَ، مرفُوعًا به.
• قلتُ: وقولُه: "غَيلانُ بنُ جَريرٍ، عن أبي عبدِ الله" أظنُّهُ خطأً، وصوابُهُ فيما أرى: "عن غيلانَ بن جرير أبي عبدِ الله"، وهي كُنيةُ غَيلانَ. ولم أَرَ يحيَى بنَ أبي كثيرٍ في شُيوخ غَيلانَ، وليس بشرطٍ؛ لأنَّ الذي فات المِزِّيَّ كثيرٌ. وغيلانُ قد رَوَى عمَّن هو أعلى طبَقَةً من يحيَى بن أبي كثيرٍ.
فلو صَحَّ ما حرَّرتُهُ هنا لكانت مُتابَعَةً جيِّدةً لرواية الوَلِيد، ولكنِّي لم أَقِف على تَصريحِ يحيَى بن أبي كثيرٍ بالسَّمَاع. فاللهُ أعلمُ.
• ثامنًا: حديثُ أسماءَ بنتِ يزيدَ ﵁.
أخرَجَهُ أحمدُ في "المُسنَد" (٦/ ٤٥٦)، وفي "الفَضائل" (١٥٠٠)، وابنُ سعدٍ في "الطَّبَقات" (٣/ ٤٣٤)، وابنُ أبي شَيبَةَ في "المُصنَّف" (١٢/
стр. 68
١٤٣ - ١٤٤، و ١٤/ ١٩، ٤١٥)، وابنُ خُزيمَةَ في "التَّوحيد" (٢٣٧)، وابنُ أبي عاصِمٍ في "السُّنَّة" (٥٥٩)، والدَّارِمِيُّ في "الرَّدِّ على المِرِيسِيِّ" (ص: ١٨٠ - ١٨١)، ومُحمَّدُ بنُ عُثمانَ بن أبي شَيبَة في "كتاب العرش" (٥٠)، والطَّحاوِيُّ في "المُشكِل" (٤١٧٠)، والحاكمُ (٣/ ٢٠٦)، والطَّبرَانيُّ في "الكبير" (ج ٦/ رقم ٥٣٤٤، وج ٢٤/ ٤٦٧) من طريق إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن إسحاقَ بن راشدٍ، عن امرأةٍ من الأنصارِ يُقالُ لها: أسماءُ بنتُ يزيدَ بن السَّكَنِ، قالت: لمَّا تُوفِّيَ سعدُ بنُ مُعاذٍ صاحت أمُّهُ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "أَلا يَرقَأُ دَمعُكِ، ويَذهَبُ حُزنُك بأنَّ ابنَكِ أوَّلُ من ضَحَكَ اللهُ لهُ، واهتَزَّ لهُ العَرشُ؟ ".
قال ابنُ خُزَيمَة: "لستُ أَعرِفُ إسحاقَ بنَ راشدٍ هذا، ولا أظُنُّهُ الجزَرِيَّ، أخو النُّعمانَ بن راشدٍ".
وقال شيخُنا الألبانيُّ في "ظِلال الجَنَّة": "إسنادُهُ ضعيفٌ. رجالُهُ كلُّهم ثقاتٌ غيرُ إسحاقَ بن راشدٍ، فإنَّهُ مجهولٌ، لا يُعرَف، وهو غيرُ الجَزَرِيِّ؛ فإنَّهُ أقدَمُ طَبقَةً منه".
وقال الحاكمُ: "صحيحُ الإسناد"، ووافَقَهُ الذَّهبيُّ!! وليس كما قالا؛ لما تقدَّم.
والمُدهِشُ أن الذَّهَبيَّ صحَّحَ الإسنادَ هنا، في حين أنَّهُ قال في "السِّيَر" (١/ ٢٩٤)، وفي "العُلُوِّ" (ص: ٧٠): "هذا مُرسَلٌ".
والذي حمَلَ الذَّهَبيَّ على الحُكمِ بالإرسال أن "أسماء" التي وَقَعَت في السَّنَد عندَهُ هي: "أسماءُ بنتُ قَيسٍ"، ولذلك قال في "العُلُوِّ": "أسماءُ
стр. 69
تابِعِيَّةٌ. وهذا مُرسَلٌ".
والحقُّ أن أسماءَ هي بنتُ يزيدَ بن السَّكَن، وهي صحابيَّةٌ معرُوفَةٌ.
وقد جعَلَ أحمدُ والطَّبرَانِيُّ وغيرُهما الحديثَ في مُسنَد "أسماءَ بنت يزيدَ".
واللهُ تعالى أعلَمُ.
• تاسعًا: حديثُ رُمَيثَةَ ﵂.
أخرَجَهُ أحمدُ (٦/ ٣٢٩)، والتِّرمذِيُّ في "الشَّمائل" (١٧)، وابنُ أبي عاصمٍ في "الآحَاد والمَثانِي" (ق ٣٧٤/ ٢)، والبُخارِيُّ في "التَّاريخ" (١/ ١٧٣)، وابنُ الأثير في "أُسد الغَابَة" (٥/ ٤٥٩)، وابنُ سَعدٍ (٣/ ٤٣٠)، والطَّبَرانيُّ في "الكَبير" (ج ٢٤/ رقم ٧٠٣)، وقي "الأوسَط" (ج ٢/ ق ٦٤/ ١)، والطَّحَاوِيُّ في "المشكل" (٤١٧٥)، وابنُ مَندَهْ في "التَّوحيد" (٨٢٧) من طريق يُوسُف بن المَاجِشُّون، عن أبيه، عن عاصمِ بن عُمَر بن قَتادَةَ، عن جَدَّتِه رُمَيثَةَ، قالت: سمعتُ رسُولَ الله ﷺ ولو أشاءُ أن أُقبِّلَ الخاتَمَ الذي بين كَتِفَيه لقُربِى مِنهُ لفعلتُ - وهو يقُولُ لسعدِ بن مُعاذٍ يومَ ماتَ: "اهتزَّ عرشُ الرَّحمن".
قال الطَّبَرانيُّ: "لا يُروَى هذا الحديثُ عن رُمَيثَةَ إلَّا بهذا الإسناد.
تفرَّد به: يُوسُفُ المَاجِشُّونَ".
قال شيخُنا الألبانيُّ في "ظِلال الجَنَّة" (١/ ٢٤٨): "فيه يُوسُف بنُ المَاجِشُّونَ، عن أبيه. ولم أَعرِفهُما".
• قلتُ: ما زلتُ أتعَجَّبُ من هذا الوَهمِ، وكيفَ وقَع للشَّيخ - حفظه الله -؟! فإنَّ يُوسُفَ ابن المَاجِشُّونَ هو يُوسُف بنُ يعقُوبَ بن أبي سَلَمَة المَاجِشُّونُ،
стр. 70
وهُو من رجال الشَّيخَين. وأبُوهُ يعقُوبُ بنُ أبي سلَمة مِن رجال مُسلِمٍ، وروايَتُهُ عن عاصمِ بن عُمَر بن قتادَةَ ثابتةٌ في "التَّهذيب".
وقال الذَّهَبيُّ في "السِّيَر" (١/ ٢٩٣): "إسنادُهُ صالحٌ"!! وكذا قال في "العُلُوِّ" (ص: ٧١) وزاد: "صحَّحَهُ ابنُ مندَهْ".
ولعلَّ الذي دَفَعَ الشَّيخَ إلى عدم التَّفتيش هو قَولُ الذَّهبِيِّ الذي يُشعِر أن في بعضِ رِجالِ السَّنَد جهالةً أو ضعفًا.
وعلى كُلِّ حالٍ، فالسَّندُ حَسَنٌ. واللهُ أعلَمُ.
• عاشرًا: حديثُ سعدِ بن أبي وقَّاصٍ ﵁.
أخرَجَهُ البُخاريُّ في "التَّاريخ الكبير" (٢/ ٢/ ٢٩١) مُعلَّقًا، ووصَلَهُ البَزَّارُ في "مُسنَده" (٣٠ - مُسنَد سعدٍ) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ مَعمَرٍ، قال: نا يعقُوبُ بنُ مُحَمَّدٍ، قال: نا صالحُ بنُ محمَّدُ بن صالحٍ، قال: نا أبي، عن سعدِ بن إبراهيمَ، عن عامرِ بن سعدٍ، عن أبيه، قال: لمَّا مرَّت جنازةُ سعدِ بن مُعاذٍ، قال النَّبيُّ ﷺ : "لقد اهتَزَّ له العَرشُ".
هكذا رواهُ البَزَّارُ مختَصَرًا.
وأخرَجَهُ الطَّحاوِيُّ في "المُشكِل" (٤١٧٤) قال: حدَّثَنا أبُو أُميَّةَ، قال: حدَّثنا يعقُوبُ بنُ مُحمَّدِ بن عيسَى الزُّهرِيُّ، قال: حدَّثَنا صالحُ بن مُحمَّد بن صالحٍ التَّمَّارُ، ومَعنُ بنُ عيسى، وعبدُ العزيز بنُ عِمرانَ، عن مُحمَّد بن صالحٍ، عن سَعدِ بن إبراهيمَ، عن عَامِرِ بن سعدٍ، عن أبيهِ، أن عُمرَ قال لأمِّ سعدِ بن معاذٍ وهي تبكي عليه: اُنظُرِي ما تقُولينَ يا أمَّ سعدٍ! فقال رسُولُ الله ﷺ : "دعها يا عُمَرُ! كُلُّ نائِحةٍ مُكذَّبَةٌ إلَّا أُمَّ سَعدٍ، ما
стр. 71
قالت مِن خَيرٍ فَلَن تَكذِبَ" ثُمَّ احتُمِلَ، فَوُضعَ في قبرِه، فتَغيَّرَ لونُ النَّبيِّ ﷺ ، فقال المُسلِمُونَ: يا رسُولَ الله! إن كِدتَ لتَقطَعُنا - يعنونَ: في السُّرعةِ -! قال: "خَشِيتُ أن تَسبِقَنا الملائكةُ إلى غَسلِه كما سَبَقَتنَا إلى غَسلِ حَنظَلةَ بن أبي عامرٍ"، قالوا: يا رسُول الله! رأينَا لَونَكَ قد تغيَّر حينَ قَعَدتَ على القَبرِ. قال: "ضُّمَّ سَعدٌ في القَبر ضَمَّةً، ولو أُعفِيَ منها أَحَدٌ، أُعفيَ منها سَعدٌ"، وقال النَّبيُّ ﷺ : "نَزَلَ الأرضَ سَبعُونَ ألفَ مَلَكٍ لِشُهودِ سعدٍ، ما نَزَلُوها قطُّ، واستَبشَرَ به جميعُ أهلِ السَّماء، واهتزَّ له العَرشُ".
قال صالحٌ - يعني ابنَ مُحَمَّدٍ -، قال أبي: قال رجُلٌ لسعدِ بن إبراهيم: إنَّ العَرشَ تدعُوهُ العربُ السَّريرَ، وإنَّما يعنِي سَريرَ سَعدِ بن مُعاذٍ. قال سعدٌ: ما بَلَغَ سريرُ سَعدِ بن مُعاذٍ أن يَذكُرَهُ رسُولُ الله ﷺ (١).
وأخرَجَهُ ابنُ سعدٍ في "الطَّبَقات" (٣/ ٤٢٩) قال: أخبَرَنا مُحمَّدُ بنُ عُمرَ، قال: حدَّثَني مُحمَّدُ بن صالحٍ بهذا الإسناد، وفيه: قال: فانتَهَى رسُولُ الله ﷺ وأمُّ سعدٍ تَبكِي، وهي تقُولُ:
ويلُ أمِّ سَعدٍ سَعدَا
جَلَادَةً وجِدَّا
فقال عُمرُ: … والباقي نحوَه إلى قوله: " … فلن تكذبَ".
وشيخُ ابن سَعدٍ هو الوَاقِدِيُّ، وهو مترُوكٌ. لكنَّه مُتَابَعٌ كما رأيتَ.
قال البزَّارُ: "وهذا الحديثُ لا نَعلَمُه يُروَى عن سعدٍ إلَّا مِن هذا الوجهِ بهذا الإسناد".
стр. 72
وأخرَجَهُ الدَّارَقُطنيُّ في "الأَفراد" (ق ٥٥/ ٢) وقال: "تفرَّد به مُحمَّد بنُ صالحٍ، عن سعدِ بن إبراهيمَ، عن عامرٍ".
وقال الهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (٩/ ٣٠٩): "رواهُ البَزَّارُ. وفيه يعقُوبُ بنُ مُحَمَّدٍ الزُّهرِيُّ، وقد ضعَّفَهُ الجُمهُور، ووُثِّق على ضعفِهِ. وصالحُ بنُ مُحمَّد بن صالحٍ التَّمَّارُ لم أَعرِفهُ. وبقيَّةُ رجاله ثقاتٌ".
• قلتُ: أمَّا صالحُ بنُ مُحَمَّدٍ فقد ترجَمَهُ البُخاريُّ في "الكبير" (٢/ ٢/ ٢٩)، ولم يَذكُر فيه جَرحًا ولا تعديلًا، ولكنَّهُ أشارَ إلى هذه الرِّواية، وأعلَّها بالمُخالَفة. فيَظهَرُ أن الهَيثميَّ ﵀ لم يُفَتِّش في "تاريخ البُخارِيِّ".
ولحديثِ مُحمَّد بن صالحٍ الفائتِ شاهدٌ مِن حديثِ محمُودِ بن لَبِيدٍ، قال: لمَّا أُصِيب أَكحَلُ سعدٍ يومَ الخَندَقِ فثَقُلَ، حوَّلُوهُ عندَ امرأةٍ يُقالُ لها رُفَيدَةُ، وكانت تُداوِي الجَرحَى، فكان النَّبيُّ ﷺ ، إذا مرَّ به يقولُ: "كيفَ أَمسَيتَ؟ "، وإذا أَصبَحَ قال: "كيفَ أصبَحتَ" فيُخبِرُهُ، حتَّى كانت اللَّيلةُ التي نقلَهُ قَومُهُ فيها، فثَقُل، فاحتَمَلُوه إلى بني عبدِ الأَشهَل إلى منازِلهِم، وجاء رسُولُ الله ﷺ كما كان يَسأل عَنهُ، وقالُوا: قد انطَلَقُوا به. فخَرَج رسُولُ الله ﷺ وخَرَجنَا مَعَهُ، فأَسرَعَ المَشيَ حتَّى تَقَطَّعَت شُسُوعُ نِعَالِنا، وسَقَطَت أَردِيَتُنا عن أَعنَاقِنا، فشَكَا ذلك إليه أصحابُهُ: يا رسُولَ الله! أَتعَبتَنَا في المَشي! فقال: "إنِّي أخافُ أَن تَسبِقَنا الملائِكَة إليه، فتغَسِّلَهَ كما غَسَّلَت حَنظَلَةَ"، فانتهَى رسُولُ الله ﷺ إلى البَيتِ وهو يُغَسَّل، وأُمُّهُ تبكيه وهي تقُولُ:
стр. 73
ويلُ أمِّ سعدٍ سعدَا
حَزَامَةً وَجِدَّا
فقال رسُولُ الله ﷺ : "كُلُّ نائحةٍ تَكذِبُ إلَّا أمَّ سَعدٍ"، ثُمَّ خَرَج به، - قال: - يقول له القومُ أو مَن شاء اللهُ منهم: يا رسُولَ الله! ما حَمَلْنَا ميِّتًا أخفَّ علينا مِن سَعدٍ! فقال: "ما يَمنَعُكُم مِن أن يَخِفَّ عَلَيكُم وَقَد هَبَطَ مِنَ الملائكَةِ كَذَا وَكَذَا - قَد سَمَّى عِدَّة كثيرةً لَم أَحفَظهَا - لم يَهبِطُوا قطُّ قبلَ يومِهِم، قد حملوهُ معكُم".
أخرَجَهُ ابنُ سَعدٍ (٣/ ٤٢٧) قال: أخبَرَنا الفضلُ بنُ دُكينٍ، قال: أخبَرَنا عبدُ الرَّحمن بنُ سليمانَ بن الغَسِيل، عن عاصمِ بن عُمرَ بن قتادةَ، عن مَحمُودِ بن لَبيدٍ بهذا.
وأخرَجهُ البُخارِيُّ في "التَّاريخ الكبير" (٤/ ١/ ٤٠٢) قال: قال لنا أبو نُعَيمٍ - وهو الفَضلُ بنُ دُكَينٍ - بهذا الإسناد مختصَرًا جدًّا.
وهذا إسنادٌ جيِّدٌ. ومحمُودُ بنُ لَبيدٍ اختلَفَ أهلُ العِلمِ في صُحبَتهِ، فذهبَ أكثرُهُم إلى أنَّه صحابيٌّ، كأحمدَ والبُخارِيِّ والتِّرمِذِيِّ وغيرِهِم، وعارَضَ في ذلكَ أبو حاتِمٍ ومُسلِمٌ.
قال ابنُ عبد البَرِّ في "الاستيعاب" (٣/ ٤٣٥): "قولُ البُخارِيِّ أولَى، وقد ذَكَرنَا من الأحاديثِ ما يَشهدُ لهُ، وهُو أولى بأن يُذكَرَ في الصَّحابةِ من محمُودِ بن الرَّبيع؛ فإنَّه أَسَنُّ منهُ. وذَكَره مُسلم في الطَّبقةِ الثَّانية منهم فلم يَصنَع شيئًا، ولا عَلِمَ مِنهُ ما عَلِمَ غيرُهُ. وكان محمُودُ بن لَبيدٍ أحدَ العُلماء".
وقال الحافظُ في "التَّهذيب": "على مُقتَضَى قولِ الوَاقِدِيِّ في سِنِّهِ
стр. 74
يكونُ له يومَ ماتَ النَّبيُّ ﷺ ثلاثَ عشرَةَ سَنَةً، وهذا يُقَوِّي قولَ من أثبَتَ الصُّحبَةَ".
ومن الغَرائبِ أن يقُولَ البَزَّارُ (٣٨٤ - البحر الزَّخَّار): "لا نَعلَمُ سمِعَ محمُودُ بنُ لَبيدٍ من عُثمانَ، وإن كان قدِيمًا" كذا قال!
وأخرَجَهُ العُقيليُّ في "الضُّعفاء" (٤/ ٤٢٥) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ زكريَّا، حدَّثَنا شيبانُ - يعني ابنَ فَرُّوخٍ -، حدَّثَنا يحيَى بنُ كثيرٍ أبو النَّضر، أخبَرَنِي يحيَي بنُ أبي كَثيرٍ، عن أبي حَمزَة، عن إبراهيمَ، عن سعدِ بن أبي وقَّاصٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "اهتزَّ العَرشُ لموتِ سَعدِ بن مُعَاذٍ، حتَّى تَخَلَّعَت أَعوَادُهُ". قال سعدٌ: وذاك أوَّلُ ما سَمِعنَا أن للعَرشِ أعوادًا.
• قلتُ: وفي إسنادِهِ يحيَى بنُ كَثيرٍ، وهو مُنكَرُ الحديث.
* حادي عَشَر: حديثُ مُجَمِّعِ بن جَارِيَةَ ﵁.
أخرَجَهُ أبو الحَسَن الحَمَّامِيُّ في "الأربَعينَ من الفوائد" (ق ١٦٨/ ٢ - تخريجُ ابن أبي الفَوَارِس) قال: حدَّثَنا أحمدُ بنُ كامِلٍ القاضِي، قال: حدَّثَنا أبو قِلابةَ عبدُ المَلِكِ بنُ مُحَمَّدٍ، قال: حدَّثَنا عُمرُ بنُ أيُّوبَ الغِفارِيُّ، قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ - بنُ مَعْنٍ الغِفَاريُّ، قال: حدَّثني مُجَمِّعُ بنُ يعقُوبَ، عن أبيه، عن عبدِ الرَّحمنِ بن يزيدَ، عن عَمِّه مُجَمِّعِ بن جَارِيةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ يومَ ماتَ سعدُ بنُ مُعاذٍ: "اهتزَّ لهُ عَرشُ الرَّحمَن. - قال: - وَنَزَلَت سَبعُونَ ألفًا من الملاِئكَةِ. - قال رسُولُ الله ﷺ -: كما وَجَدتُ مَقعَدًا في البَقيعِ حتَّى قبَضَ جِبرِيلُ جَنَاحَهُ، فَأَقعَدَنِي".
стр. 75
قال ابنُ أبي الفَوارِس: "غريبٌ من حديثِ عبدِ الرَّحمنِ بن يزيدَ بن جَارِيَةَ، عن عمِّه مُجَمِّعٍ. لا أعلَمُ حدَّثَ به إلَّا مُجمِّعُ بنُ يعقُوبَ عن أبيه".
• قلتُ: وهذا حديثٌ مُنكَرٌ جدًّا بهذا السِّياقِ؛ وعُمرُ بن أيُّوبَ الغِفاريُّ أحدُ الهَلكَى، كان ممَّن يَضَعُ الحديثَ، كما قال الدَّارَقُطنيُّ والحاكمُ وغيرُهما.
• ثاني عشر: حديثُ أبي هُريرَة ﵁.
أخرَجَهُ العُقَيليُّ في "الضُّعفاء" (٤/ ٤٢٥) قال: حدَّثَنا مُحمَّد بن زكريَّا، حدَّثَنا شَيبانُ - يعني ابنَ فَرُّوخٍ -، حدَّثَنا يحيَي بنُ كَثيرٍ أبو النَّضرِ، عن مُحمَّدِ بن عَمرٍو، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا: "اهتزَّ العَرشُ لموتِ سَعدِ بن مُعَاذٍ".
وهذا حديثٌ مُنكَرٌ؛ وعلَّتُهُ أبو النَّضر. وقد مرَّ ذِكرُ حالِهِ قريبًا.
وهناك مراسِيلُ أيضًا في الباب:
كمُرسَل الحَسَنِ عند: سعيد بن مَنصُورٍ (٢٩٦٢)، والحَكِيمِ التِّرمِذِيِّ في "نوادر الأُصول" (ج ١/ ق ١٦/ ١)، وأبو الشَّيخ في "الطَّبَقات" (٢/ ٣١٣)، وابنُ سعدٍ (٣/ ٤٣٤) ..
ومُرسَلِ يزيدَ بن الأَصَمِّ عند: ابن سعدٍ (٣/ ٤٣٥) ..
ومُرسَلِ أُميَّةَ بن عبدِ الله عند: مُحمَّدِ بن عُثمانَ بن أبي شيبَة في "العرش" (٥٢).
وبالجُملَة فالحديثُ، كما قال الذَّهَبِيُّ في "العُلُوِّ": "فهذا مُتواتِرٌ أَشهَدُ بأنَّ رسُولَ الله ﷺ قالَهُ" ا. هـ.
• قلتُ: وأنا أَشهَدُ بذلك أيضًا ..
ورَضِي اللهُ عن سعدٍ.