← История

История · id 9091

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

اليافعي

Полный текст (1 334 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم قال العبد الفقير إلى لطف الله الكريم سيدنا الشيخ الإمام العالم العلامة علم العلماء وقدوة العرفاء أبو محمد عبد الله بن أسعد بن علي نزيل الحرمين الشريفين اليمني المعروف باليافعي: اما بعد حمدا لله المتوحد بالإلهية والكمال والعظمة والسلطان مميت الأحياء ومحيي الأموات المعروف بالرحمة والإحسان موجد الوجود ومفيض الفضل والجود في سائر الأكوان، الأزلي الأبدي، الحي الباقي، وكل من عليها فان. وصلواته وسلامه على رسوله الحبيب الكريم المنتخب من نسل عدنان النازل في ذروة علياء المفاخر المجلي عند استباق الأصفياء النجباء يوم الرهان وعلى آله وأصحابه الغر الكرام المعز بهم دين الإسلام السامي على سائر الأديان. فهذا كتاب لخصته واختصرته، مما ذكره أهل التواريخ والسير أولو الحفظ والاتقان في التعريف بوفيات بعض المشهورين المذكورين الأعيان، وغزوات النبي ﵌، وشيء من شمائله، ومعجزاته، ومناقب أصحابه وأموره، وأمور الخلفاء والملوك، وحدوثها في أي الأزمان على وجه التقريب لمعرفة المهم من ذلك دون الاستيعاب، واستقصاء ذكر الأوصاف والأنساب لأستغني به في معرفة ما تضمنه عن الحاجة إلى استعارة التواريخ للمطالعة في بعض الأحيان، معتمداً في الشمائل والمناقب على ما أفصح به كتاب الشمائل للترمذي وجامعه والصحيحان، وفي التواريخ على ما قطع به الذهبي، أو أوله وصحح، ومودعه أشياء من الغرائب والنوادر والظرف والملح ملتقطاً ذلك من نفائس جواهر نوادر الفضلاء، ومعظمها من تاريخ الإمام ابن خلكان وشيئاً من تاريخ ابن سمرة في قدماء علماء اليمن أولي الفقه والحكمة والبيان مختصراً في جميع ذلك على الاختصار بين التفييط المخل، والإفياط الممل، محافظاً على لفظ المذكورين في غالب الأوقات حاذفاً للتطويل، وما يكره المتدين ذكره من الخلاعات، على حسب ما أشرت إليه في هذه الأبيات. أيا طالباً علم التواريخ لم تشن ... بإخلال تفييط وإملال إفياط تلق كتاباً قد أتى متوسطاً ... وخير أمور حل منها بأوساط تجلى بأشعار زهت ونوادر ... وما لاق من إثبات ذكر وإسقاط

стр. 2

به تجتلى الأسماع عند غرائب ... ولياً منقى من قشور وأخلاط ومن درر الألفاظ عين معاني ... ونجباة خودات نقاوة لقاط بذاك اعبتار واطلاع مطالع ... على علم دهر رافع الخلق حطاط وتصريف أيام حكيم مداول ... لها مسقط في خلقه غير قساط فكم في تواريخ الوقائع عبرة ... لمعتبر خاشي العواقب محتاط فنى من صروف الدهرحزم مجانب ... تعاطى أمور معطيات لمتعاطي قنوع بما فيه الخبير أقامه ... وقدره راضي القضا غير مسخاط أجر رب من كل البلايا وفتنة ... بدنيا بها كم ذي افتنان وكم خاطي وكم غارق في بدرها جاء شطه ... فكيف بمن للبدر قد جاوز الشاطي وسميته مرآة الجنان وعبرة اليقطان في معرفة حوادث الزمان وتقليب أحوال الإنسان، وتاريخ موت بعض المشهورين من الأعيان، مرتباً على سني الهجرة النبوية، والله الموفق المستعان، والحمد لله رب العالمين على كل حال. السنة الأولى من الهجرة هاجر ﵌ من مكة المعظمة إلى المدينة المكرمة بالتأييد والتوفيق في صحبة الصديق السابق بالتصديق، ومعهما عامر بن فهيرة ورجل آخر من أهل الحيرة بالطريق، فدخلها ﵌ ضحى يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، فبنى ﵌ مسجده ومساكنه، وآخى بين المهاجرين، والأنصار، رضي الله تعالى عنهم، وأسلم عبد الله بن سلام، وتوفي نقيبان أسعد بن زرارة الأنصاري من بني النجار والبراء بن معرور السلمي.

стр. 3

السنة الثانية فيها حولت القبلة إلى الكعبة، قال محمد بن حبيب الهاشمي: حولت في ظهر يوم الثلاثاء نصف شعبان، وكان ﵌ في أصحابه، فجاءت صلاة الظهر في منازل بني سلمة، فصلى بهم ركعتين من الظهر في مسجد القبلتين إلى القدس، ثم أمر في الصلاة باستقبال الكعبة، وهو راكع في الركعة الثانية فاستدار واستدارت الصفوف خلفه ﵌، فأتم الصلاة فسمي مسجد القبلتين. وفي شعبان أيضاً فرض صوم رمضان، وفي رمضان كانت وقعة بدر يوم الجمعة في السابع عشر منه، فاستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلاً، منهم ابن عم رسول الله ﵌ أبو عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب قلت: هكذا ذكروا في التواريخ، ولم يبينوا من هم، وقد بينهم علماء السير، فقالوا: كان من قريش ستة أولهم أبو عبيدة بن الحارث ابن عم رسول الله ﵌ وعمير بن أبي وقاص الزهري، وذو الشمالين بن عبد عمرو، وعاقل بن البكير ومهجع مولى عمر بن الخطاب، وصفوان ابن بيضاء، ومن الأنصار ثمانية خمسة من الأوس سعد بن خيثمة، ومبشر بن عبد المنذر من بني عمرو بن عوف، وزيد بن الحارث من بني سلمة، ورافع بن المعلى من بني خثيم، وثلاثة من الخزرج من بني النجار، حارثة بن سراقة، وعوف ومعوذ ابنا عفراء، ﵃. وقتل من الكفار سبعرن، وأسر سبعون، ومن المقتولين رأس الكفرة أبوجهل المخزومي، وعتبة بن ربيعة العبشمي، فهما المقدمان في الجيش والكبيران في قريش. وفيها توفيت رقية بنت رسول الله ﵌ زوجة عثمان رضي الله تعالى عنهما، وفي شوال منها دخل النبي ﵌ بعائشة، وفيها بنى علي بفاطمة ﵄. وفيها توفي عثمان بن مظعون ﵁ بالمدينة، وهو أول من مات من المهاجرين في زمن النبي ﵌ بالمدينة بعد رجوعه من بدر، ولما دفن

стр. 4

قال النبي ﵌: " نعم السلف هو لنا عثمان بن مظغون ". وأعلم ﵌ قبره بحجر، وكان يزوره، وكان عابداً مجتهداً من فضلاء الصحابة، وكان ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية، وقال: لا أشرب شراباً يذهب عقلي، ويضحك بي من هو أدنى مني على أن أنكح كريمتي، فلما حرمت الخمر، وأعلم بتحريدها قال: تباً لها، قد كان بصري منها ثاقباً، ورأته امرأته فقالت: ياعين جودي بدمع غير ممنوع ... على رزية عثمان بن مظعون على أمرء بان في رضوان خالقه ... طوبى له من فقيد الشخص مدفون مع أبيات أخرى، ومن فضائله أنه لما مات قبله النبى ﵌، وأعلم على قبره، ودفن بجنبه ولده ابراهيم رضي الله تعالى عنه، وأنه لما سمع لبيداً ينشد شعراً: ألا كل شيء ما خلا الله باطل قال: صدقت، فلما قال: وكل نعيم لا محالة زائل قال: كذبت نعيم الجنة لا يزول، فقال لبيد: يا معشر قريش أكذب في مجلسكم، فلطم بعض الحاضرين عثمان بن مظعون على وجهه حتى اخضرت إحدى عينيه، وذلك في أول الإسلام، فقال له عتبة بن ربيعة: لو بقيت في منزلي ما أصابك هذا، وقد كان في نزله، ثم رده عليه، وقال له عثمان: ان عيني الأخرى لفقيرة إلى ما أصاب أختها في سبيل الله، وفيها ولد عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما. السنة الثالثة في رمضان منها ولد الحسن رضوان الله عليه قلت: ولم أرهم ذكروا تاريخ ولادة أخيه الحسين رضي الله تعالى عنه، والذي يقتضيه ما ذكروا من تاريخ مدة عمرهما وزمان وفاتهما أن تكون ولادة الحسين في السنة الخامسة، والله تعالى أعلم، ثم وقفت على كلام للأمام القطبي المالكي يذكر فيه أنه ولد في شهر شعبان في السنة الرابعة ، فعلى هذا ولد الحسين، قبل تمام السنة من ولادة الحسن ومثل هذا غريب في العادة. نادر الوقوع. ويؤيد هذا ما وقفت عليه، بعد ذلك من نقل الواحدي أن فاطمة رضي الله تعالى عنها، علقت بالحسين بعد مولد الحسن بخمسين ليلة، والله أعلم. وفي الثالثة أيضا دخل النبي ﵌ بحفصة رضي الله تعالى عنها.

стр. 5

وفي رمضان أيضاً دخل بزينب بنت جحش، وبزينب بنت خزيمة العامرية أم المساكين، وعاشت عنده نحواً من ثلاثة أشهر. ثم توفيت. وفيها تزوج عثمان ﵁ بأم كلثوم بنت النبي ﵌. وفيها تحريم الخمر، ووقعة أحد يوم السبت السابع من شوال، وصحح بعضهم أنها في الحادي عشر منه، فاستشهد فيها عم النبي ﵌، الأسد المتغلب أبو يعلى حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، ومناقبه مشهورة، وسيرته مشكورة. وشجاعته معروفة. ونجابته موصوفة، وقد ورد أنه لما بلغه أن أبا جهل آذى النبي ﵌ بمكة قصده حمزة، فشجه بقوس كانت في يده. جاء بها من الصيد ومشاهده معروفة منها يوم بدر، ويوم أحد قتل فيها جماعة وبلي فيها بلاء حسناً، وكان ممن قتل يوم بدرعتبة بن ربيعة، وقيل: بل أخوه شيبة مبارزة، وما ندبه ﵌ إلى البراز يوم بدر للعدى إلا لما علم فيه من النجدة، ومكافحة الأقران أولى الاعتداء، وكان يقال له: أسد الله، وأسد رسوله أسلم في السنة الثالثة، وقيل في السنة السادسة من مبعثه، ﵌ ولم يسلم من إخوته سوى العباس، وكانوا تسعة، وقيل عشرة، وقيل اثنا عشر، وهم حمزة، والعباس، وأبو طالب، واسمه عبد مناف، والحارث، وهو أكبرهم سناً، والزبير، وعبد الكعبة، والمقوم، والمغيرة، وضرار، وأبو لهب، واسمه عبد العزى، والغيداق، وعبد الله والد رسول الله ﷺ . ولما وقف ﷺ عليه مقتولاً ممثلاً به يوم أحد حلف ليقتلن به سبعين من قريش، فأنزل الله " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين " فقال رسول الله ﷺ : " بل نصبر "، وكفرعن يمينه، ورثاه كعب ابن مالك، وقيل عبد الله بن رواحة، فقال: بكت عيني، وحق لنا بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل على أسد ألا له غداة قالوا ... لحمزة ذاكم الرجل القتيل أصيب المسلمون به جميعاً ... هناك وقد أصيب به الرسول

стр. 6

أبا يعلى بك الأركان هدت ... فأنت الماجد البر الوصول عليك سلام ربك في جنان ... يخالطها نعيم ل ايزول وفيها قتل الذي لبس في الله إهاب كبش، بعدما كان من الذين يلبسون ويتنعمون، فقال فيه رسول الله ﷺ : " دعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون " مصعب بن عمير العبدري قتل مع تتمة سبعين رجلاً من المسلمين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. وفي الحديث هاجرنا، فوجب أجرنا على الله فمنا من مضى لسبيله، ولم يأكل من أجره شيئاً منهم مصعب بن غمير قتل يوم أحد، وليس له إلا نمرة إن غطينا بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطينا بها رجليه بدا رأسه، فقال رسول الله ﵌ " غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجليه من الأذخر "، ومنا من أينعت له ثمرة فهويهديها، وكان أبواه يحبانه، ويغذيانه بأطعم الطعام والشراب، ويلبس أحسن ملابس الثياب، وكان رسول الله ﵌ يقول: " ما رأيت رجلاً أحسن ملة، ولا أرق حلة ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير "، وكان إسلامه في دار الأرقم ولما قدم من بعض الأسفار بدأ بالنبي ﵌ قبل أمه فغضبت، فقالت قدم على رسول الله ﵌ أحداً أو كانت في يده راية رسول الله ﵌ يوم بدر، ويوم أحد فلما قتل أخذها ليث بني غالب علي بن أبي طالب. وغزوة بدر الصغرى في هلال في القعدة، وفيها غزوة بني النضير عند بعضهما، وذكر بعض المحققين أنها في الرابعة. السنة الرابعة فيها غزوة بن معونة في صفر، قال أنس: كانوا سبعين، فقتلوا يومئذ، وقال غيره: وكانوا أربعين، وكان يقال لهم: القراء، فاستشهدوا كلهم، ونزل فيهم قرآن. وغزوة بني النضير في الربيع الأولى، فنزلوا صلحاً، وارتحلوا إلى خيبر. وغزوة ذات الرقاع في أول المحرم. وغزوة الخندق عند بعضهم، وكان مدة إقامة

стр. 7

الأحزاب فيها خمسة عشر يوماً، ثم هزمهم الله تعالى، وكذلك نزول التيمم، وزواج أم سلمة. السنة الخامسة ذكر بعضهم فيها صلاة الخوف، وغزوة دومة الجندل، وغزوات ذات الرقاع عند نعضهم خلإذا لما تقدم، وغزوة الخندق عند بعضهم في شوال، ثم غزوة بني قريظة، وممن ذكر هذا الذهبي، قلت: والعجب من الشيخ محيي الدين النواوي ﵀ كيف صحح كون غزوة الخندق في الرابعة، وغزوة بني قريظة في الخامسة ذكر ذلك في الروضة مع أنها وقعت عقبها وظاهرهذا النقل التناقض. اللهم إلا أن يكون غزوة الخندق في آخرالرابعة عنده، وغزوة بني قريظة في أول الخامسة. اعني دامت إلى أول الخامسة، فيصح ذلك لكني أراه بعيداً لوجهين: أحدهما ما تقدم من كون غزوة الخندق في شوال، وهذا النقل وإن احتمل خلفه، فالوجه الثاني لايحتمل خلافه، وهو ما قد علم من نصوص الأحاديث أن النبي ﵌ توجه إلى بني قريظة في اليوم الذي انصرف فيه الأحزاب من غزوة الخندق بعدما أخبره جبرائيل ﵇ بأن الله تعالى يأمره بالتوجه إلى بني قريظة، والغزوة إذا أطلقت حملت على ابتدائها دون دوامها، وغزوة الخندق هي غزوة الأحزاب، ولم يكن فيها سوى الرمي بالنبل، والمصابنة أكثر من عشرين يوماً، وقيل: خمسة عشر يوماً، وخرج فيها للمبارزة عمرو بن عبد ود، فبارزه علي رضي الله تعالى عنه فقتله. وفي السنة المذكورة توفي سعد بن معاذ سيد الأوس الذي اهتز عرش الرحمن بموته، وقال ﵌ فيه: " قوموا إلى سيدكم ". وقال: " لقد حكم بحكم الله " الحديث لما حكم في بني قريظة بما هو معروف، وقال: " لمناديل سعد في الجنة خير من هذا " مشيراً إلى الحرير الذي أعجبهم كل هذه من بعض مناقبه، مات ﵁ شهيداً من سهم أصابه في غزوة الخندق، وعاش بعده حتى حكم في بني قريظة، وعدل في حكمه الذي وافق فيه حكم الله .

стр. 8

وقال ابن عبد البر: روي عن النبي ﵌ أنه قال: " لقد نزل من الملاتكة في جنازة سعد بن معاذ سبعون ألفاً ما وطأوا الأرض قبل ذلك ". قال ابن عبد البر: وبلغني عن بعض السلف أن جبرائيل ﵇ نزل من السماء معتماً بعمامة من استبرق، وقال: يا نبي الله من هذا الذي فتحت له أبواب السماء واهتزله العرش؟ فخرج رسول الله ﵌ سريعاً يجر ثوبه فوجد سعداً وقد قبض، وفي ذلك يقول رجل من الأنصار شعراً. وما اهتز عرش الله من موت هالك ... علمنا به إل السعد أبي عمرو السنة السادسة فيها بيعة الرضوان في ذي القعدة، وموت سعد بن خولة بمكة، وذكر بعضهم فيها غزوة بني المصطلق، وفرض الحج فيها، وقيل سنة خمس، وكسفت الشمس ونزل حكم الظهار. السنة السابعة فيها غزوة خيبر، وفتحها في صفر، وأكرم فيها بالشهادة بضعة عشر. وتزوج ﵌ صفرة، وميمونة، وأم حبيبة، وجاءته مارية القبطية هدية، وبغلته دلدل، وقدم جعفر بن أبي طالب وأصحابه من الحبشة ﵃، وأسلم أبو هريرة ﵁. وفيها عمرة القضاء في ذي القعدة التي قضاها المسلمون عن عمرة الحديبية. السنة الثامنة فيها غزوة مؤتة في جمادى الأولى، فاستشهد الأمراء الثلاثة الأجلة السادة زيد بن حارثة الكلبي مولى رسول الله ﵌، ومن فضائله تقديم النبي ﵌ في الإمارة. على الأمراء، وقوله ﵌: " وإن كان خليقأ للأمرة " أي حقيقاً بها، وكان قد أسرته العرب، وهو صبي، فجلب إلى المدينة. فسمع به قرابته، فقدم منهم جماعة لأجله وفيهم أبوه وعمه، فوجدوه قد ملكه النبي صلى الله عليه

стр. 9

وآله وسلم، وأعتقه، فكلموه ﵌ فيه، فجعل ﵌ الخيرة إلى زيد أن اختار قومه أرسله معهم وإن اختار النبي ﵌ أقام معه، فرغبه أهله إلى أن يختارهم، فأبى، واختار النبي ﵌ للسعادة السابقة، وكان ﵌ يحبه، وفيه نزل " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه " الأحزاب قيل أنعم الله تعالى عليه بالإيمان، وأنعمت عليه بالعتق والإحسان. وزوجة رسول الله ﵌ زينب بنت جحش، فأقامت عنده. إلى أن فارقها لما فهم أن لرسول الله ﵌ فيها رغبة موثراً بها رسول الله ﵌ على نفسه، فزوجها الله تعالى عند ذلك رسول الله ﵌، كما أخبر سبحانه بقوله " فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكما " عوضها الله تعالى أشرف الخلق وأكرمهم ﵌، لما انقادت وأطاعت في زواج زيد بعد أن كانت قد كرهته هي وأخوها لكونه مولى، فلما أنزل الله في ذلك: " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " الآية إذعناً وأطاعا واستسلما لحكم الله تعالى فأعقبها ذلك السعادة الكبرى في الدنيا والآخرة. وقال ابن عبد البر: كان قد سبي في الجاهلية، وهو غلام، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بأربع مائة درهم، فلما تزوجها رسول الله ﵌ تبناه ﵌ بمكة قبل النبوة، فهو ابن ثمان سنين، فقال أبوه حارثة حين فقده. أشعاراً: بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحي يرجى أم أتى دونه الأجل فو الله ما أدري وإن كنت سائلاً ... أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل تذكرنيه الشمس عند طلوعها ... ويعرض ذكراه إذا قارب الطفل وإن هبت الأرواح هيجن ذكره ... فيا طول ما حزني عليه وما وجل سأعمل نضر العيش في الأرض جاهداً ... ولا أسأم التطواف أوتشأم الأبل حياتي أو تأتي علي منيتي ... وكل امرء فان وإن غره الأمل فحج بعد ذلك ناس من كلب فرأوا زيداً، فعرفهم، وعرفوه، فقال لهم أبلغوا أهلي الأبيات فإني أعلم أنهم قد جزعوا علي فأنشد أشعاراً: أحن إلى قومي وإن كنت نائياً ... فإني قعيد البيت عند المشاعر

стр. 10

فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم ... ولا تعلموا في الأرض نض الأباعر فإني بحمد الله في خيرأسرة ... كرام معد كابن بعد كابن فانطلق الكلبيون وأعلموا أباه فخرج أبوه وعمه لفدائه، وقدما مكة والياً النبي صلى اله عليه وآله وسلم، وقالا له: يا ابن عبد المطلب يا ابن هاشم، يا ابن سيد قومه أنتم أهل حرم الله. وجيرانه تفكون العاني وتطعمون الأسير، جئناك في ابننا، فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه، قال: " من هو؟ " قالوا: زيد بن حارثة، فقال ﵌: " فهلا غير ذلك " قالوا: وما هو؟ قال: " ادعوه فأخبره فإن اختاركم، فهو لكم وإن اختارني، فو الله ما أنا بالذي اختارعلى من اختارني أحداً " قالوا: قد زدتنا على النصف، وأحسنت، فدعاه النبي ﵌، وخيره، فقال: ما أنا بالذي اختار عليك أحداً أنت مني مكان الأب والعم، فقالوا: ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك وعمك، وأهل بيتك؟ قال: نعم قد رأيت من هذا الرجل شيئاً ما أنا بالذي أختار عليه أحداً، فلما رأى النبي ﵌ ذلك، أدخله الحجر، وقال: " يا من حضر اشهدوا أن زيداً ابني، يرثني وأرثه " فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما وانصرفا، فادعي يومئذ زيد بن محمد. وذكر معمر في جامعه عن الزهري، قال: ما علمنا أحداً أسلم قبل زيد بن حارثة قال عبد الرزاق، وما أعلم أحداً ذكر هذا غير الزهري، وقد روي عن الزهري من وجوه أن أول من أسلم خديجة، وشهد زيد بدراً، وزوجه ﵌ مولاته أم أيمن، فولدت له أسامة، وكان يقال له: حب رسول الله ﵌، وكذا يقال: لزيد، ثم زوجه ﵌ زينب على ما تقدم والله أعلم. ثم استشهد بعده جعفربن أبي طالب، وهو ابن إحدى وأربعين سنة. ومن فضائله ارسال النبي ﵌ له أميراً، وحصول الهجرتين له ولأصحابه، وصدقه بين يدي النجاشي في أن عيسى صلوات الله عليه وسلامه عبد الله ورسوله مع اتخاذ النصارى له إلهاً وقتلهم من يصفه بكونه عبداً، واسهامه ﵌ ولأصحابه يوم خيبر، ولم يكونوا شهدوا الوقعة، وشدة شفقته على المساكين وبره لهم كما ورد في الحديث. قلت: هذا ما لخصته من أقوال العلماء، وكان يشبه النبي ﵌ في

стр. 11

خلقه وخلقه، وكان أكبر من علي بعشر سنوات، وعقيل أكبر من جعفر بعشر سنين، وطالب أكبر من عقيل بعشر سنين أيضاً، " ولما قتل عوضه الله بقطع يديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء " رواه الزبير بن بكار في تاريخه عن رسول الله ﵌، ورواه ابن أبي شيبة. ثم استشهد بعدهما عبد الله بن رواحة الخزرجي ومن فضائله أنه أحد النقباء ليلة العقبة وإن النبي ﵌ جعله أميراً بعد جعفر ومنها قوة إيمانه ومن ذلك قوله شعراً. والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إذ لاقينا إن الأعادي قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا وقوله: وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الفجر ساطع أتانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع ثم أخذ الراية خالد بن الوليد المخزومي لما أصيب الأمراء الثلاثة المذكورون من غير إمرة فاستظهر على المشركين، وتحيز بالمسلمين. وهي أول مشاهده في الإسلام قلت وفي قول النبي ﷺ : " ثم أخذها سيف من سيوف الله " مدح عظيم، وفخر وتنويه إلى آخر الدهر. وفي السنة المذكورة فتح مكة في رمضان، وغزوة حنين في شوال، ثم حصار الطائف ونصب المنجنيق عليها، ثم رحل المسلمون عنها وأسلم أهلها في العام القابل، وفيها غزوات ذات السلاسل وغلاء السعر فقالوا سعر لنا يا رسول الله فاعلمهم أن الله تعالى هو المسعر، وهو القابض والباسط. وفيها ولد ابراهيم ابن رسول الله ﷺ ، وتوفيت ابنته زينب، وهي أكبر أولاده ﷺ .

стр. 12

السنة التاسعة فيها وقعت غزوة تبوك في رجب وحج أبو بكر رضي الله تعالى عنه بالناس، وصلى النبي ﷺ على النجاشي صلاة الغائب، ووصفه ﷺ بالصلاح، وموته ﵀ في رجب، وتوفيت أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ ، وابن أبي ابن سلول، ي ذي القعمة وقتل عروة بن مسعود الثقفي، قتله قومه إذ دعاهم إلى الإسلام، وكان من دهاة العرب الأربعة المعدودين الآتي ذكرهم بعد إن شاء الله تعالى، وهو أحد الرجلين اللذين قال المشركون: لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم. هو من الطائف، والوليد بن المغيرة من مكة وتوفي سهل ابن بيضاء الفهري، ﷺ في المسجد. وقتل ملك الفرس، وملكوا عليهم بوارن بنت كسرى، إليها الإشارة بقوله ﷺ : " لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ". السنة العاشرة فيها حجة الوداع، ووفاة ابراهيم ابن رسول الله ﵌ وهو ابن سنة ونصف، فحزن عليه ﵌، وقال: " العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بفراقك يا ابراهيم لمحزونون " قلت: وفي الحديث الصحيح. وقد تقدم إن الشمس كسفت في السنة السادسة. وفيه بعض إشكال، فإنه لم ينقل أن الشمس كسفت. في عهد رسول الله ﵌ غير مرة، فإن كسفت مرتين فلا إشكال، وإلا فأحد النصين لا يصح، بل كسفت في العاشرة، أو مات ابن رسول الله ﵌ في السادسة، والله أعلم. وقد ذكر بعض أصحابنا الشافعية: أن الشمس كسفت في غير اليوم الثامن والعشرين،

стр. 13

محتجاً بكسوفها يوم مات ابراهيم، رداً على أهل علم الفلك، زاعماً أن موت ابراهيم في غير اليوم المذكور، فهذا يحتاج إلى نقل صحيح، فإن العادة المستقرة كسوفها في اليوم المذكور، والله أعلم. ولما ولد ابراهيم رضوان الله عليه، بشر به أبو رافع النبي ﵌، فوهب له عبداً، وقال ﵌: " ولد لي ولد فسميته باسم أبي ابراهيم ﵌ " وذكر ابن بكار أن الأنصار تنازعوا في من يرضعه، فدفعه ﵌ إلى أبي سيف، فلما توفي قال ﵌: " إن له مرضعة في الجنة ". وفيها إسلام جرير ونزول قوله تعالى: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي " - المائدة: ٣ - وظهور الأسود العنسي بالنون بعد العين المهملة الدجال المدعي للنبوة، وكان له شيطان. يخبره ببعض الأشياء الغائبة عن الناس، فضل به خلق كثير واستولى على اليمن، إلى أن قتل في العام القابل في صفر وكان بين ظهوره وقتله نحو من أربعة أشهر، وكثرت الوفود في السنة العاشرة، ودخل الناس في دين الله أفواجاً. وبعضهم ذكر الوفود في التاسعة، وكانت غزوات النبي ﵌ خمساً وعشرين، وقيل سبعاً وعشرين، وسراياه ستاً وخمسين، وقيل غير ذلك والله أعلم. السنة الحادية عشر توفي فيها المصطفى ﵌ في وسط نهار الاثنين في ربيع الأول. قلت وفيما قيل: إنه توفي في الثاني عشر منه أشكال، لأنه ﷺ كانت وقفته بالجمعة في السنة العاشرة إجماعاً، فإذا كان ذلك لا يتصور وقوع يوم الاثنين في ثاني عشر ربيع الأول من السنة التي بعدها، وذلك مطرد في كل سنة، تكون الوقفة قبله بالجمعة على كل تقدير، من تمام الشهور ونقصانها، وتمام بعضها ونقصان بعض. ولم يعتمر ﵌ بعد الهجرة سوى أربع عمر، كلهن في ذي القعدة، ما خلا التي مع حجته، فإن أفعالها وقعت في ذي الحجة. وسميت حجة الوداع لأن

стр. 14

النبي ﵌ ودع الناس فيها، ولم يحج النبي ﵌ بعد الهجرة سواها. وأما قبل الهجرة فلم يضبط عدد حجاته ﵌، غير أنه أقام بعد النبوة بمكة ثلاث عشرة سنة على القول الراجح المشهور، وقيل عشراً، وقيل خمس عشرة، وأقام بالمدينة عشراً بالاجماع، كان مبعثه ﵌ على رأس أربعين سنة من مولده. وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: أنزل القرآن على النبي ﷺ وهو ابن أربعين سنة وعن عائشة مثل ذلك. وتوفي ﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة وفي إقامته بمكة والمدينة يقول أبو ليث صرمة بن قيس الأنصاري. ثوى في قريش بضع عشرة حجة ... وذكر لو يلقى صديقاً موليا ويعرض في أهل المواسم فنه ... ولم يرمن يؤوي ولم ير داعيا فلما أتانا واستقر به السوى ... وأصبح مسروراً بطيبة راضيا وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم ... بعيد، ولا يخشى من الناس باغيا بذلنا له الأموال من جل مالنا ... وأنفسنا، عند الوغى ولا ناسيا نادى الذي عادى من الناس كلهم ... جميعاً وإن كان الحبيب الموليا ونعلم أن الله لا شيء غيره ... وأن كتاب الله أصبح هاديا وكان مولده ﵌ عام الفيل بمكة، في شعب بني هاشم، في الدار التي كانت تدعى بعد ذلك لمحمد بن يوسف أخي الحجاج. وتوفي جده عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين في أحد الأقوال، وشهد رسول الله ﵌ بناء الكعبة وتراضت قريش بحكمه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة على أحد الأقوال فيما نقل ابن عبد البر. قلت هذا مشكل، فإنهم نقلوا في السيرة أنه كان وهو صبي صغير، وفي ذلك قضية مشهورة وقعت له حين نزع بردته ووضعها على كتفه يتقي بها الحجارة فحصل له في ذلك عشرين سنة على القول المشهور.

стр. 15

وفرضت الصلوات الخمس ليلة الإسراء بمكة بعد النبوة لعشر سنين وثلاثة أشهر، قيل ليلة سبع وعشرين من رجب، وقيل بل في الربيع الأول، وقيل في الثاني، وقيل في رمضان، وأما الصوم ففرض بعد الهجرة بسنتين، واختلفوا في الزكاة هل فرضت قبل الصوم أم بعده؟!. قلت ومناقبه ﷺ ومحاسنه قد ملأت الوجود شهرة، ولو اجتمع الخلق على أن يحصوها. كان وصفهم من بحرها قطرة، ولم يتعرض الذهبي لشيء من شمائله ﷺ ، ولا رأيت أحداً من أهل التواريخ تعرض لذلك، مع تعرضهم لأوصاف الناس الذين يؤرخون موتهم، فكان ذكر وصفه ﷺ أولى وأحرى وأبهج وأبهى: وها أنا أذكر شيئاً مما رويناه بسندنا من ذلك مما أخرجه الحافظ أبو عيسى الترمذي ﵀ غير ملتزم لترتيبه وأذكر شيئاً من أوصافه ﷺ ومحاسن خلقه وخلقه وأقدم على ذلك ذكر نسبه ﷺ . أما نسبه عليه أفضل الصلوات والسلام، المتفق عليه بين العلماء الأعلام، فهم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ذا هو نسبه المتفق عليه إلى عدنان. أما ما فوقه ففيه خلاف لا يهتدى إلى معرفة حقيقته بإيضاح وبيان. وأما صفته ﵌ فقد روينا في كتاب شمائله ﵌، تصنيف الشيخ الإمام الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، حمه الله، بسندنا المتصل عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه قال: كان النبي ﵌ ليس بالطويل البائن ولا بالقصير ولا بالأبيض الأمهق ولا بالأدم ولا بالجعد القطط ولا بالسبط، بعثه الله تعالى على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله تعالى على رأس ستين سنة، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء. قلت وقد تقدم أن القول الراجح أنه ﵌ أقام بعد النبوة بمكة

стр. 16

ثلاث عشرة سنة، والصحيح عند جمهور العلماء أن عمره ﵌ ثلاث وستون سنة. وبسندنا المتصل في الكتاب المذكور أيضا إلى البراء بن عازب ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﵌ رجلاً مربوعاً، بعيد ما بين المنكبين عظيم الجمة إلى شحمة أذنيه، عليه حلة حمراء ما رأيت شيئا قط أحسن منه، وفي الرواية الأخرى عنه ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله ﵌، له شعر يضرب منكبيه، بعيد ما بين المنكبين، لم يكن بالقصير ولا بالطويل. وروينا فيه أيضا عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا وصف رسول الله ﵌، قال: لم يكن بالطويل الممعط، لا بالقصير المتردد، كان ربعة من القوم، لم يكن بالجعد القطط ولا بالسبط، كان جعداً رجلاً، ولم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم، في وجهه تدوير أبيض مشرب أدعج العينين أهدب الأشفار جليل المشاس والكتداجرد ذو مسربة شثن الكفين والقدمين، إذا مشى تقلع، كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت معاً. بين كتفيه خاتم النبوة أجود الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة، وألينهم عريكة، وأحسنهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله، ﵌. قال أبو عيسى: سمعت أبا جعفر محمد بن الحسين، يقول: سمعت الأصمعي يقول في تفسير صفة النبي ﵌: الممعط الذاهب طولاً، والمتردد الداخل بعضه في بعض قصراً وأما القطط فشديد الجعودة، والرجل الذي في شعره حجولة، أي تثن قليلاً يعني الرجل بكسر الجيم وأما المطهم فالبادن الكثير اللحم، والمكلثم المدور الوجه والمشرب الذي في بياضه حمرة. والأدعج الشديد سواد العين، والأهدب الطويل الأشفار، والكتد المجتمع الكتفين، وهو الكاهل، والمسربة الشعر الدقيق الذي كأنه قضيب من الصدر إلى السرة والشثن الغليظ الأصابع من الكفين والقدمين، والتقلع إن يمشي بقوة والصبب الحدور، قول: انحدرنا في صبب وصبوب، قوله: جليل المشاس يريد رؤوس المناكب، والعشرة الصحبة، والعشير الصاحب، والبديهة المفاجأة، يقال: بدهته بأمر: أي فجأته. وروينا فيه أيضا عن الحسن بن علي ﵄ قال: سألت خالي هند بن أبي هالة، وكان وصإذا لحلية النبي ﷺ ، وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلق به، فقال: كان رسول الله ﵌ فخماً مفخماً يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع وأقصر من المشذب، عظيم الهامة رجل الشعر، إن انفرقت عقيصته فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه، إذا هو وفره أزهر اللون واسع الجبين، ازج الحواجب، سوابغ في غير قرن بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأجله اشم، كث اللحية سهل الخدين، ضليع الفم مفلج الأسنان دقيق المسربة، كان عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق بادن متماسك سواء البطن والصدر عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين ضخم الكراديس أنور المتجرد موصول ما بين اللبة، والسرة، بشعر يجري كالخط عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك لشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر طويل الزندين رحب الراحة شثن الكفين والقدمين سائل الأطراف أو قال شائل الأطراف خمصان الأخمصين مسيح القدمين ينبو عنهما الماء إذا أزال زال قلعاً يخطو تكفياً، ويمشي هوناً ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب، إذا التفت التفت جميعاً، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدر من لقي بالسلام. وروينا فيه أيضاً عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﵌ ضليع الفم، أشكل العين منهوش العقب قال شعبة: قلت لسماك يعني أحد رواة هذا الحديث: ما ضليع الفم؟ قال: عظيم الفم، قلت: ما أشكل العين؟ قال: طويل شق العين: قلت منهوش العقب؟ قال: قليل لحم العقب. وفي رواية أخرى عنه قال رأيت رسول الله ﵌ في ليلة أضحيان، وعليه حلة حمراء، فجعلت انظر إليه وإلى القمر، فلهو عندي أحسن من القمر. قلت: يعني في حسن لونه وريق بهجته، وأما باقي محاسن صورته. فليس القمر مشاركة في شيء منها. وروينا فيه أيضاًعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﵌ قال: " عرض على الأنبياء فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة ورأيت عيسى ابن مريم فإذا هو أقرب من رأيت به شبهاً عروة بن مسعود ورأيت ابراهيم فإذ هو أقرب من رأيت به شبهاً صاحبكم يعني نفسه ورأيت جبرائيل، إذا هو أقرب من رأيت به شبهاً دحية " صلوات الله وسلامه على نبينا، وعليهم أجمعين. وروينا فيه أيضاً عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﵌ أفلج الثنيتين، إذا كلم رئي كالنور يخرج من بين ثناياه ﵌. في بياضه حمرة. والأدعج الشديد سواد العين، والأهدب الطويل الأشفار، والكتد المجتمع الكتفين، وهو الكاهل، والمسربة الشعر الدقيق الذي كأنه قضيب من الصدر إلى السرة والشثن الغليظ الأصابع من الكفين والقدمين، والتقلع إن يمشي بقوة والصبب الحدور، قول: انحدرنا في صبب وصبوب، قوله: جليل المشاس يريد رؤوس المناكب، والعشرة الصحبة، والعشير الصاحب، والبديهة المفاجأة، يقال: بدهته بأمر: أي فجأته. وروينا فيه أيضا عن الحسن بن علي ﵄ قال: سألت خالي هند بن أبي هالة، وكان وصإذا لحلية النبي ﷺ ، وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلق به، فقال: كان رسول الله ﵌ فخماً مفخماً يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع وأقصر من المشذب، عظيم الهامة رجل الشعر، إن

стр. 17

انفرقت عقيصته فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه، إذا هو وفره أزهر اللون واسع الجبين، ازج الحواجب، سوابغ في غير قرن بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأجله اشم، كث اللحية سهل الخدين، ضليع الفم مفلج الأسنان دقيق المسربة، كان عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق بادن متماسك سواء البطن والصدر عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين ضخم الكراديس أنور المتجرد موصول ما بين اللبة، والسرة، بشعر يجري كالخط عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك لشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر طويل الزندين رحب الراحة شثن الكفين والقدمين سائل الأطراف أو قال شائل الأطراف خمصان الأخمصين مسيح القدمين ينبو عنهما الماء إذا أزال زال قلعاً يخطو تكفياً، ويمشي هوناً ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب، إذا التفت التفت جميعاً، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدر من لقي بالسلام. وروينا فيه أيضاً عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﵌ ضليع الفم، أشكل العين منهوش العقب قال شعبة: قلت لسماك يعني أحد رواة هذا الحديث: ما ضليع الفم؟ قال: عظيم الفم، قلت: ما أشكل العين؟ قال: طويل شق العين: قلت منهوش العقب؟ قال: قليل لحم العقب. وفي رواية أخرى عنه قال رأيت رسول الله ﵌ في ليلة أضحيان، وعليه حلة حمراء، فجعلت انظر إليه وإلى القمر، فلهو عندي أحسن من القمر. قلت: يعني في حسن لونه وريق بهجته، وأما باقي محاسن صورته. فليس القمر مشاركة في شيء منها. وروينا فيه أيضاًعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﵌ قال: " عرض على الأنبياء فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة ورأيت عيسى ابن مريم فإذا هو أقرب من رأيت به شبهاً عروة بن مسعود ورأيت ابراهيم فإذ هو أقرب من رأيت به شبهاً صاحبكم يعني نفسه ورأيت جبرائيل، إذا هو أقرب من رأيت به شبهاً دحية " صلوات الله وسلامه على نبينا، وعليهم أجمعين. وروينا فيه أيضاً عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﵌ أفلج الثنيتين، إذا كلم رئي كالنور يخرج من بين ثناياه ﵌.

стр. 18

تواضعه ﵌ عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ". وعن أنس بن ماللك رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﵌ يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد، وكان يوم قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه أكاف من ليف. وعنه قال: كان رسول الله ﵌ يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السخنة فرجيب. وعنه أيضاً قال: حج رسول الله ﵌، على رجل رث وعليه قطيفة خلق، لا يساوي أربعة دراهم، فقال اللهم اجعله حجاً مبروراً لا رياء فيه ولا سمعة. وعنه أيضاً قال: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﵌، وكانوا إذا رأوه ولم يقوموا له، لما يعلمون من كراهيته لذلك. وعن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما قال: سألت أبي عن دخول النبي، ﵌، فقال: اذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء جزءاً لله وجزءاً لأهله وجزءاً لنفسه ثم جزأ جزءاً بينه وبين الناس، فيودي ذلك بالخاصة على العامة، ولا يدخر عنهم شيئاً للعامة، وكان من سيرته في جزء الأمة، إيثار أهل الفضل باذنه، وقسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم، ويشغلهم عما أصلحهم، الأمة من مسألتهم عنه. قلت: هذا في الشمائل من مسألتهم عنه وفي كتاب الشفاء، من مسألته عنهم، وأخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول: " ليبلغ الشاهد منكم الغائب، وابلغوني حاجة من لا يستطيع ابلاغها، إنه من أبلغ سلطاناً حاجة من لا يستطيع ابلاغها، ثبت الله قدميه يوم القيامة، لا يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون رواداً، ولا يفترقون إلاعن

стр. 19

ذواق، ويخرجون أدلة يعني على الخير ". قلت: وقوله عن ذواق؟ قيل: ذواق العلم والفوائد، لأنه ﵌ ما كان عنده شيء من الدنيا يسع به الخلايق، قال: فسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه؟ قال كان رسول الله ﵌ يخزن لسانه إلا فيما يعنيه، ويؤلفهم ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم، ويوليه عليه، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره، ولا بخلقه، ويتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويصوبه، ويقبح القبيح ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف لا يغفل، مخافة أن يغفلوا، أو يميلوا لكل امرىء عنده عتاد، يعني أهبة لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه الذين يلونه من الناس، خيارهم وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومواراة. قال فسألته عن مجلسه فقال: كان رسول الله ﷺ لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، فإذا انتهى إلى قوم، جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك. يعطي كلا ًنصيبه لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه ممن جالسه. ومن سأله عن حاجته لم يرده ألا بها أو بميسور من القول قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أباً وصاروا عنده في الحق سواء مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم. يتعاطفون فيه بالتقوى متواضعين، يوقرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصغير ويوثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب. وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله ﵌: " لو أهدي إلي كراع لقبلت ولو دعيت إليه لأجبت ". وعن عمرة قالت: قيل لعائشة رضي الله تعالى عنها: ماذا كان يعمل رسول الله ﵌ في بيته؟ فقالت: كان بشراً من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاته ويخدم نفسه. وروى الترمذي أن النبي ﵌: كان يعلف البعير، ويقم البيت ويخصف النعل، ويرقع الثوب، ويعلف الشاة، ويأكل مع الخادم ويطحن معه إذا أعيى، وكان لا يمنعه الحياء أن يحمل بضاعته من السوق إلى أهله، ويصافح الغني والفقير، ويسلم مبتدياً، ولا يحقر ما دعي إليه ولو إلى حشف الثمر، وكان هين المؤنة لين الخلق كريم

стр. 20

الطبيعة جميل المعاشرة طلق الوجه بساماً من غير ضحك، محزوناً من غير عبوس، متواضعاً من غير مذلة، جواداً من غير سرف، رقيق القلب رحيماً بكل مسلم، لم يتجشأ قط من شبع، ولم يمد يده إلى الطمع، ﵌ وعلى أصحابه وبارك وشرف كرم. ذكر شيءمن حيائه مما ورد في حيائه ﵌ روينا في كتاب الحافظ أبي عيسى المذكور عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﵌. أشد حياء من العنراء في خدرها، وكان إذا كره الشيء عرفناه في وجهه. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما نظرت إلى فرج رسول الله ﵌. وقالت ما رأيت فرج رسول الله ﵌. ذكر شيءمن خلقه يسير مما ورد من محاسن خلقه ﵌ اعلم إنه ما يهتدي أحد من خلق الله ، إلى معرفة ما حوى خلقه الحسن من المحاسن الكريمة، وجميل الأخلاق الكاملة العظيمة وقد أجمل الله تعالى من وصفه في محكم تنزيله ما لا تتسع الدفاتر لتفصيله. فقال في الذكر الحكيم: " وإنك لعلى خلق عظيم " فأعظم بما وصفه العظيم بكونه عظيماً. فإنه لا يهتدي الخلق إلى إدراك كنه ذلك العظيم، تفصيلاً لمجموع محاسنه، وتعميماً. ولكني أذكر شيئاً مما ورد في ذلك من الأخبار بحسب التبرك والتذكار. روينا في الكتاب المذكور عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: خدمت رسول الله ﵌ عشر سنين، فما قال لي أف قط، وما قال لشيء صنعته لم صنعته، ولا لشيء تركته لما تركته. وكان ﵌ من أحسن الناس خلقاً، ولا مسست خزاً قط، ولا حريراً ولا شيئاً ألين من كف رسول الله ﵌، ولا شممت مسكاً قط ولا عطراً كان أطيب من عرق رسول الله ﵌، كان رسول الله ﵌ لا يكاد يواجه أحداً بشيء يكرهه، وكان عنده رجل به أثر صفرة، فلما قام قال ﵌ للقوم: " لو قلتم له يدع هذه الصفرة ". وروينا عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لم يكن رسول الله ﵌ فاحشاً، ولا متفحشاً ولا صخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، لكن يعفو ويصفح.

стр. 21

وعنها أيضاً قالت: ما ضرب رسول الله ﵌ بيده شيئاً قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا ضرب خادماً ولا امرأة. وعنها قالت: ما رأيت رسول الله ﵌ منتصراً لنفسه من مظلمة ظلمها قط، ما لم ينتهك من محارم الله شيء فإذا انتهك من محارم الله شيء، كان أشدهم في ذلك غضباً. وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً. وعنها قالت: استأذن رجلاً على رسول الله ﵌ وأنا عنده فقال بئس ابن العشيرة أو أخو العشيرة ثم أذن له، فألان له القول، فلما خرج قلت: يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له القول فقال: " يا عائشة إن من شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه ". وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال لي رسول الله ﵌: " كنت لك كأبي زرع لأم زرع الحديث " وأوله قالت: جلست إحدى عشرة امرأة. تعاهدن وتعاقدن، أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً، ثم ذكرت ما قالت: كل واحدة منهن في حديث طويل، ذكره البخاري رضي الله تعالى عنه. وفي آخره قالت الحادية عشر زوجي أبو زرع، وما أبو زرع؟ أناس من حلي أذني، وملأ من شحم عضدي، ويجحني فبجحت إلى نفسي الحديث. قال في آخره: لما ذكرت ما أعطاها زوجها الثاني، بقولها: وأعطاني من كل رائحة زوجاً، وقال كلي أم زرع، وميري أهلك، فلو جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغرآنية أبي زرع. قالت عائشة فقال رسول الله ﵌ كنت لك كأبي زرع لأم زرع. وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: ما سئل رسول الله ﵌ شيئاً قط فقال لا. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﵌ أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، حتى ينسلخ فيأتيه جبرائيل ﵇، فيعرض عليه القرآن، فإذا لقيه جبرائيل، كان ﵌ أجود بالخير من الريح المرسلة. وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﵌، فسأله أن يعطيه، فقال ﵌: ما عندي شيء، ولكن اتبع

стр. 22

علي، فإذا جاءني شيء قضيته، فقال عمر: يا رسول الله، قد أعطيته، فما كلفك الله ما لا تقدر عليه، وكره ﵌ قول عمر، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله انفق ولا تخش من ذي العرش إقلالاً، فتبسم رسول الله ﵌، وعرف البشر في وجهه لقول الأنصاري، ثم قال بهذا أمرت. وعن الربيع بنت معوذ ابن عفراء رضي الله تعالى عنهما، قالت: اتيت النبي ﵌ بقناع من رطب، وأجر زغب فأعطاني ملء كفيه حلياً وذهباً. وفي رواية. وعليه أجر من قثاء زغب، وكان النبي ﵌ يحب القثاء، فأتيت بها، وعنده حلية قد قدمت عليه من البحرين، فملأ يده منها وأعطانيه. وعن علي ﵁ قال: كان النبي ﵌ دائم البشر سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهيه، ولا يوئس منه، ولا يجيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحداً، ولا يعيبه، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رؤوسهم الطير إذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلم عنده انصتوا له، حتى يفرغ حديثهم عنده، حديث أولهم يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إن كان أصحابه ليستجلبونه ويقول: " إذا رأيتم صاحب حاجة يطلبها فارقدوه " ولا يقبل الثناء إلا من مكافىء، لا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز، فيقطعه بنهي أو قيام. ن الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهيه، ولا يوئس منه، ولا يجيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحداً، ولا يعيبه، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رؤوسهم الطير إذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلم عنده انصتوا له، حتى يفرغ حديثهم عنده، حديث أولهم يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إن كان أصحابه ليستجلبونه ويقول: " إذا رأيتم صاحب حاجة يطلبها فارقدوه " ولا يقبل الثناء إلا من مكافىء، لا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز، فيقطعه بنهي أو قيام. ذكر شيء من عبادته مما جاء في عبادته ﵌ عن المغيرة بن شعبة ﵁ قام رسول الله ﵌ حتى انتفخت قدماه، فقيل له: اتتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: أفلا أكون عبداً شكوراً. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه نحوه إلا أنه قال: يصلي حتى تورمت قدماه. وفي رواية عنه. حتى تنتفخ. وفي الجميع يقول النبي صلى الله عليه وآله سلم " أفلا أكون عبداً شكوراً ".

стр. 23

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان ينام رسول الله ﵌، أول ليلة، ثم يقوم، فإذا كان من السحر، أوتر ثم أتى فراشه فإذا كانت له حاجة ألم بأهله فإذا سمع الأذان وثب فإن كان جنباً إذاض عليه من الماء وإلا توضأ وخرج للصلاة. وعنها وقد سئلت. كيف كانت صلاة رسول الله ﵌. في رمضان فقالت: ما كان رسول الله ﵌ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشر ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً. قالت: قلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ قال: يا عائشة إن عيني تنامان. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان ﵌ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﵌ كان إذا لم يصل من الليل منعه من ذلك النوم أو غلبت عيناه صلى من النهار اثنتي عشر ركعة. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﵌ قال: " إذا قام أحدكم من الليل، فليفتح صلاته بركعتين خفيفتين ". وعن حذيفة اليمان رضي الله تعالى عنهما أنه صلى مع النبي ﵌ من الليل قال فلما دخل في الصلاة قال الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، ثم قرأ البقرة، ثم ركع، وكان ركوعه نحواً من قراءته، وكان يقول سبحان ربي العظيم سبحان ربي العظيم، ثم رفع رأسه وكان قيامه نحواً من ركوعه، وهو يقول: لربي الحمد لربي الحمد، ثم سجد، فكان سجوده نحواً من قيامه، وكان يقول سبحان ربي الأعلى سبحان ربي الأعلى، ثم رفع رأسه فكان بين السجدتين نحو من السجود، وكان يقول: رب اغفر لي، رب اغفر لي، حتى قرأ البقرة وآل عمران والنساء والمائدة أو الأنعام. شك شعبة. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: قام رسول الله ﵌ بآية من القرآن ليلة. وعن عبد الله يعني ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: صليت ليلة مع رسول الله

стр. 24

صلى الله عليه وآله وسلم فلم يزل قائماً حتى هممت بأمر سوء قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أقعد، وأدع النبي ﵌. وعن عبد الله بن شقيق، قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن صلاة رسول الله ﵌ عن تطوعه، فقالت: كان يصلي ليلاً طويلاً قائماً وليلاً طويلاً قاعداً، فإذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو جالس ركع وسجد وهو جالس. وعن معاذة، قالت: قلت: لعائشة رضي الله تعالى عنها أكان رسول الله ﵌ يصلي الضحى؟ قالت: نعم أربع ركعات. وعن أنس رضي الله تعالى عنه أنه كان ﵌ يصلي الضحى ست ركعات. وعن عبد الرحمن بن أبي يعلى قال: ما أخبرني أحد أنه رأى النبي ﵌ ويصلي الضحى إلا أم هاني فإنها حدثت أن رسول الله ﵌ دخل بيتها يوم فتح مكة، فاغتسل، فسبح ثماني ركعات ما رأيته صلى صلاة قط أخف منها غير أنه، كان يتم الركوع والسجود، قلت: الحديث الصحيح المشهور أن ذلك في أعلى مكة عند قدومه لفتحها. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﵌ يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها وبدعها حتى نقول لا يصليها. وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى لله عليه وآله وسلم كان يدمن أربع ركعات عند زوال الشمس، وقال إن أبواب السماء تفتح، عند زوال الشمس ولا ترتج حتى يصلي الظهر، فأحب أن يصعد لي في تلك الساعة خير. وفي رواية أخرى. عمل صالح. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﵌ كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، وبعد المغرب اثنتين، وبعد العشاء ركعتين، وقبل الفجر اثنتين. وعن علي رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﵌ كان يصلي قبل

стр. 25

الظهر أربعاً، وبعدها ركعتين، وقبل العصر أربعاً، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين، والنبيين ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين قلت: وفي حديث آخر: يصلي قبل الظهر أربعاً وبعدها أربعاً. ركعتين، وقبل العصر أربعاً، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين، والنبيين ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين قلت: وفي حديث آخر: يصلي قبل الظهر أربعاً وبعدها أربعاً. ذكر شيء من بكائه ما ورد من بكائه ﵌ عن مطرف بن عبد الله بن الشخيرعن أبيه قال أتيت النبي ﵌ وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء. وعن عائشة ﵂ أن النبي ﵌ قبل عثمان بن مظعون، وهو ميت، وهو يبكي، أو قالت: وعيناه تهرقان. وعن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم: اقرأ علي، فقلت: يا رسول الله اقرأ عليك، وعليك أنزل قال: أني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت سورة النساء، حتى بلغت " وجئنا بك على هؤلاء شهيداً " النساء قال: فرأيت عيني النبي ﵌ تهملان. ذكر شيء من معجزاته ﵌ منها انشقاق القمر. ومنها نبع الماء من بين أصابعه، وتكثيره. وتكثير الطعام لبركة دعائه، ﵌. وكلام الشجرة وشهادتها له بالنبوة. وأجابتها دعوته لما قال له أعرابي: من يشهد لك؟ والشجرة التي جاءت إليه ﵌، حتى قضى حاجته خلفها. وحنين الجذع إليه، ﵌. وتسبيح الطعام الذي كان يأكل منه، ﵌. وتسبيح الحصى في كفه، وتسليم الأشجار والأحجار عليه، ﵌. ورجف أحد به وببعض أصحابه، ﵌. وكلام الضب والذئب له والجمل. وذلك ما روي أن أعرابياً صاد ضباً، فجاءه والنبي ﵌ بين أصحابه، فقال: ما هذا؟ قالوا: نبي الله، فقال: واللات والعزى لا آمنت بك أو تؤمن هذا الضب، وطرحه بين يدي النبي ﵌ فقال النبي ﵌: " يا ضب " فأجاب بلسان مبين لبيك وسعديك يا زين من وافى القيامة، فقال " من تعبد "؟ قال: الذي في السماء عرشه، وفي الأرض سلطانه، وفي الجنة رحمته، وفي النار عقابه قال: " فمن أنا " قإل: رسول رب العالمين، وخاتم النبيين، قد أفلح من صدقك، وخاب من كذبك، فأسلم الأعرابي.

стр. 26

وروينا أن ذئباً أخذ ظبياً فدخل الظبي الحرم، فانصرف الذئب، فعجب من رآه من الكفار، فقال الذئب: أعجب من ذلك، محمد بن عبد الله بالمدينة، يدعوكم إلى الجنة، وتدعونه إلى النار. وروي أن بعيراً جاء إلى النبي ﵌، فوضع مشفره في الأرض، وبرك بين يديه، فسأل النبي ﵌ عن شأنه، فأخبر: ان أهله أرادوا ذبحه. وفي رواية أن النبي ﵌ قال لهم: إنه يشكو كثرة العمل وقلة العلف. وفي رواية شكا إلي أنكم أردتم ذبحه، بعد أن استعملتموه في شاق العمل من صغره، فقالوا نعم. وروي أن حمام مكة أظلت النبي ﵌ يوم فتحها فدعا لها بالبركة. وروي أنه أمر حمامتين فوقفتا بفم الغار، وإن العنكبوت نسجت على بابه، فلما رأى ذلك الطالبون له، انصرفوا. وروي أن النبي ﵌ كان في صحراء فنادته ظبية؟ يا رسول الله: قال: " ما حاجتك ": قال صادني هذا الأعرابي ولي خشفان في ذلك الجبل، فأطلقني حتى أذهب فأرضعهما، وأرجع، قال: " وتفعلين " قالت: نعم فأطلقها فذهبت ورجعت فأوثقها فانتبه الأعرابي وقال يا رسول الله ألك حاجة؟ قال: " أطلق هذه الظبية "، فأطلقها، فخرجت تعدو في الصحراء، وتقول أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. ومنها حديث الناقة التي شهدت عند النبي ﵌ لصاحبها، أنه ما سرقها وإنها ملكه، وكلام الحمار الذي أصابه ﵌ بخيبر، وقال له اسمي يزيد بن شهاب، فسماه النبي ﵌ يعفورا. والعنز التي أتت رسول الله ﵌ في عسكر. وقد أصابهم عطش، فحلبها ﵌، فأروى الجند الحديث وفيه طول. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ان يهودية أهدت إلى النبي ﵌ بجنب شاة مصلية سمتها، فأكل رسول الله ﵌ منها، وأكل القوم، فقال: ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتني أنها مسمومة، فمات بشر بن البراء، فقال ﵌ لليهودية: " ما حملك على ماصنعت؟ " قالت: إن كنت نبياً لم يضرك

стр. 27

الذي صنعت، وإن كنت ملكاً أرحت الناس منك، فأمر بها، فقلت، وفي حديث آخر قالت: أردت قتلك، فقال: ما كان الله ليسلطك على ذلك. وأصيبت عين قتادة بن النعمان يوم أحد، حتى وقعت على وجنته، فردها رسول الله صلى الله عليه آله وسلم، وكانت أحسن عينيه. وعن حبيب بن يزيد: أن أباه ابيضت عيناه، فكان لا يبصر بهما شيئاً، فنفث رسول الله ﵌ فيهما، فأبصر. وتفل في عين علي رضي الله تعالى عنه يوم خيبر، وكان رمداً، فصار بارئاً. وكانت في كف شرحبيل الجعفي سلعة تمنعه القبض على السيف وعنان الدابة فشكاها للنبي ﵌، فما زال يطحنها بكفه حتى لم يبق لها أثر. ودعا ﵌ لعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل، فاستجيب له في عمر رضي الله تعالى عنه. قال ابن مسعود: فما زلنا أعزة مذ أسلم عمر، رضي الله تعالى عنه. ودعا ﵌ في الاستسقاء فسقوا، ثم شكوا إليه المطر، فدعا فارتفع. ودعا لابن عباس رضي الله تعالى عنهما اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، فصار حتى سمي الحبر وترجمان القرآن ودعا لجماعة بالبركة فظهرت عليهم البركات، وربحوا في التجارات، نهم عبد الله بن جعفر والمقداد وعروة بن أبي الجعد. قال: كنت أقوم بالكراسة فما ارجع حتى أربح أربعين ألفاً. وقال البخاري في حديثه: وكان لو اشترى التراب ربح فيه. ودعا على مضر فقحطوا، حتى استعطفته قريش ودعا لهم. ودعا على كسرى حين مزق كتابه أن يمزق ملكه فلم تبق له باقية. وقال لعتبة بن أبي لهب " اللهم سلط عليه كلباً من كلابك "، فأكله أسد. وقال لرجل رآه يأكل بشماله: " كل بيمينك ": فقال: لا أستطيع. فقال: " لا استطعت " فلم يرفعها إلى فيه. ودعا على الحكم بن أبي العاص، وكان يختلج بوجهه، ويغمز عند النبي ﵌، فقال: " كذلك كن " فلم يزد يختلج إلى أن مات. وغير ذلك مما يخرج عن الانحصار. هذا منه قطرة من بحار، وللعلماء في المعجزات تصانيف مستقلات، وإلى شيء من محاسنه الباهية في ظاهره وباطنه أشرت في بعض القصائد هذه الأبيات. نهما اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، فصار حتى سمي الحبر وترجمان القرآن ودعا لجماعة بالبركة فظهرت عليهم البركات، وربحوا في التجارات، نهم عبد الله بن جعفر والمقداد وعروة بن أبي الجعد. قال: كنت أقوم بالكراسة فما ارجع حتى أربح أربعين ألفاً. وقال البخاري في حديثه: وكان لو اشترى التراب ربح فيه. ودعا على مضر فقحطوا، حتى استعطفته قريش ودعا لهم. ودعا على كسرى حين مزق كتابه أن يمزق ملكه فلم تبق له باقية. وقال لعتبة بن أبي لهب " اللهم سلط عليه كلباً من كلابك "، فأكله أسد. وقال لرجل رآه يأكل بشماله: " كل بيمينك ": فقال: لا أستطيع. فقال: " لا استطعت " فلم يرفعها إلى فيه. ودعا على الحكم بن أبي العاص، وكان يختلج بوجهه، ويغمز عند النبي صلى الله

стр. 28

عليه وآله وسلم، فقال: " كذلك كن " فلم يزد يختلج إلى أن مات. وغير ذلك مما يخرج عن الانحصار. هذا منه قطرة من بحار، وللعلماء في المعجزات تصانيف مستقلات، وإلى شيء من محاسنه الباهية في ظاهره وباطنه أشرت في بعض القصائد هذه الأبيات. صلاة وتسليم يفوح شذاهما ... على سيد الكونين من آل هاشم نبي علا فوق النبيين منصباً ... يدا نوره من قبل نشوة آدم وجبة صبيح الوجه مصباح ظلمة ... محا بضيا العدل ظلام المظالم حليم كريم مشفق متعطف ... رؤوف بكل المؤمنين وراحم مبيد للأعادي ذو انتقام وسطوة ... غليظ على الكفار للكفر هادم مقر الندى بجر خضم وفي الوغا ... هزبر من الأسد الليوث الضراغم يروي القنا عند اللقا من دم العدى ... وبالبيض يقري البيض حتى الجماجم سراج الدنيا شرقاً وغرباً نقي الطغى ... بسمر القنا والمرهقات الصوارم به الدهر أضحى ضاحكاً متبسماً ... عبوساً على أعدائه غير باسم مليح فصيح أبيض أدعج إذا ... تبسم خلت البرق بين المباسم إلى شحمة الأذنين يكسوه وفروة ... حكت جنح ليل مظلم اللون فاحم أغر به يستنزل القطر قد سقت ... أنامله جيشاً ربيعا لقادم شفيع البرإيا صاحب الحوض واللوا ... غياث الورى عند الدواهي الدواهم ومخترق سبعاً طباقاً بليلة ... بها في محل القدس أنس التنادم براقاً ومعراجاً من الكون قد علا ... إلى رتبة لا يرتقي بسلالم من الفرش حتى العرش شاهد في ... سرى كسبعة آلاف سنين توامم وكان له الروح الأمين مسائراً ... إلى سدرة من فوقها غير صارم له الرسل والأملاك تخدم في السماء ... فأكرم بمخدوم هناك وخادم يهنيه كل بالكرامة قائلاً ... لأحمد أهلاً مرحباً خير قادم وبات له بعداً محياك باسماً ... على أرضه لا تفخري وتعاظمي أميطت له حجب الجلال فجازها ... إلى مكرمات حازها بعزايم من النور كم حجب تعدى وابحرا ... بها غير محجوب هناك وعايم إلى أن دنا من حضرة القدس والملا ... بعيداً وهم ما بين حان وقائم فوافى شراب الحب في الكلس قد ... صفا وقد طابت الأحباب وقت التنادم

стр. 29

فقال التي قد رام موسى ولم يقل ... لدى الطور في أعلى السما غير دائم فقال لسان الحال في ذاك منشداً ... يعبر عن موسى بنظم ملائم قضاها لغيري وابتلاني بحبها ... بسابق علم لست فيه بعالم أنا طالب والغير مطلوب أنا ... بها مغرم أهريق في حبها دمي معنى بها والغير فيها منعم ... ولكم بين مشغوف معنى وناعم فلا نلت ما قد رمت منها ولا أنا ... من العتب أو بلوى هواها بعالم نهار التجلي صعقة قد لقيتها ... بها ضل عقلي زائلاً غير فاهم كفى شرفاً أن الحبيب مثبت ... لمذهب عقل للكليم وكالم لطرف أديب لم يرغ لا ولا طغى ... وقلب لبيب ساكن غيرهائم رأى ووعى ما لم ير غيره ولا ... وعى في السما من آية ومعالم علا فوق كل المصطفين مقرباً ... بأعلى مقام ما له من مزاحم وعاد قرير العين في خلع الرضا ... وغانم ما لم يغتنم كل غانم بيمناه سيف الحق والرأس مكرم ... بتاج العلى والظهر بزهو بخاتم ألا يا رسول الله يا معدن الندى ... ويا بحر جود يا مقر المكارم ويا من ملأ الكونين فضلاً وسؤدداً ... فياضاً لفضل للخلائق عاصم ومن أمتي والرسل نفسي مقالهم ... يقول وهم ما بين جاث وجاثم من الهول يا غوث الورى من جهنم ... إذا ظن كل أنه غير سا لم لعاص فقير يافعي يماني ... لمداحكم يا سيد الرسل خادم أغث وأجر واشفع له ولعشرة ... مضى ذكرهم في نظمه المتقادم فاصل واصل ثم شيخ وأهله ... وصهر وذي الأرحام أهل التراحم وخل وقارىء كتبه ثم سامع ... وجار فكم حق على الجار لازم فأنت الذي لا شك تحت لوائه ... غدا آدم يمشي فمن دون آدم عليك صلاة الله ثم سلامه ... يصوغان نشراً محييا كل شامم وآلك أهل الفضل والفخر والعلى ... وأصحابك الزهر النجوم النواجم وأزواجك الغر القوانت في الدجى ... ذوات الصلاح القانتات الصوائم وسبحان من ذاتاً ووصفاً مقدس ... وأشرف مبد وذكر وخاتم ذكر خاتم النبوة روينا في الكتاب عن السائب بن يزيد قال: ذهبت بي خالتي إلى رسول الله

стр. 30

صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: يا رسول الله إن ابن اختي وجع، فمسح رأسي وروي برأسي فدعا بالبركة، وتوضأ فشربت من وضوئه، وقمت خلف ظهره، فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه، فإذا هو مثل زر الحجلة. وعن أبي نضرة قال: سألت أبا سعيد الخدري عن خاتم رسول الله ﵌، يعني خاتم النبوة، فقال: كان في ظهره بضعة ناشزة. وعن عبد الله بن سرجس قال: أتيت رسول الله ﵌ وهو في أناس من الناس من الصحابة، فدرت هكذا من خلفه، فعرف الذي أريد فألقى الرداء عن ظهره، فرأيت مثل الخاتم على كتفيه، مثل الجمع حولها خيلان، أنها ثآليل قلت: قوله مثل الجمع بضم الجيم وسكون الميم. قال في الصحاح جمع الكف بالضم، وهو حين يقبضها يقال: ضربته بجمع كفي. صفة خاتم كفه وصفة تختمه عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: كان خاتم رسول الله ﵌ من ورق، وكان فضه حبشياً. وفي رواية أخرى عنه من فضة فصه منه وفي حديث آخر عنه أيضاً كان نقش خاتم النبي ﵌ محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر. وفي رواية أخرى عنه: كأني أنظر إلى بياضه في كفه، وأنه كان إذا دخل الخلاء نزع عن كفه. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: اتخذ رسول الله ﵌ خاتماً من ورق، فكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر وعمر، ثم كان في يد عثمان، ثم وقع. وروي حتى وقع في بيراريس نقشه محمد رسول الله. وعن علي ﵁: إن النبي ﵌ كان يلبس خاتمه في يمينه.

стр. 31

وعن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما: كان النبي ﵌ يتختم في يمينه. وكذا رواه ابن عباس وجابر بن عبد الله ﵃. وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله صلى الله وآله وسلم اتخذ خاتماً من فضة، وجعل فصه مما يلي كفه. وروى بعض أصحاب الحديث عن قتادة عن أنس، عن النبي ﵌ إنه كان يتختم في يساره أيضاً. قال الترمذي وهو حديث لايصح. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: اتخذ رسول الله ﵌ خاتماً من ذهب، فكان يلبس في يمينه، فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، فطرحه رسول الله ﵌، وقال لا ألبسه أبداً، فطرح الناس خواتيمهم. ذكر شعره ﷺ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﵌ من إناء واحد، وكان له شعر فوق الجمة ودون الوفية. وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان شعر رسول الله ﵌ ليس بالجعد ولا بالسبط، كان يبلغ شحمة أذنيه. وفي رواية أخرى عنه كان إلى انصاف أذنيه. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﵌ كان يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يسلمون رؤوسهم، وكان يحب موافقة أهل الكتاب، فيما لم يؤمر بشيء، ثم فرق رسول الله ﵌ رأسه. وعن أم هانىء رضي الله تعالى عنها قالت: رأيت شعر رسول الله ذا ضفائر أربع. ذكر شيبة ﵌ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: ما عددت في رأس رسول الله ﵌ ولحيته إلا أربع عشرة شعرة بيضاء. وقال غيره: نحواً من، عشرين. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال أبو بكر: رسول الله قد شبت، قال:

стр. 32

" شيبتني وهود والواقعة والمرسلات وعم تسألون وإذا الشمس كورت: " وفي حديث آخر. شيبتي هود وأخواتها. ذكرلباسه ﷺ عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: كان أحب الثياب إلى رسول الله ﵌ القميص. وعن أسماء بنت يزيد ﵂ قالت: كان كم قميص رسول الله ﵌ إلى الرسغ. وعن أنس ﵁ قال: كان أحب الثياب إلى رسول الله ﵌ يلبسه الحبرة. وعن البراء بن عازب ﵁ قال: ما رأيت أحداً من الناس أحسن في حلة حمراء من رسول الله ﵌، إن كانت جمته لتقرب قربا من منكبه ﵌. وعن أبي رمثة ﵁ قال: رأيت النبي ﵌ وعليه بردان أخضران. وعن قيلة بنت مخرمة ﵂ قالت رأيت النبي ﵌ وعليه أسمال مليتين كانتا بزعفران وقد نفضه قلت المليتين تصغير ملايتين تثنية ملاءة وهي نوع من الثياب. وعن المغيرة بن شعبة ﵁ أن النبي ﵌ لبس جبة رومية ضيقة الكمين. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت خرج النبي ﵌ ذات غداة وعليه مرط شعر أسود قلت ذكر في الصحاح أن المرط بالكسر كساء من صوف أو خز. وعن سمرة بن جندب ﵁ قال قال رسول الله ﵌.

стр. 33

" البسوا البياض فإنها أطهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم ". وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: دخل النبي ﵌ بمكة وعليه عمامة سوداء. وعن ابن عمر ﵄ قال كان النبي ﵌ إذا أعتم سدل عمامته بين كتفيه. وعن الأشعث بن سليم قال: سمعت عمتي تحدث عن عمها قال: بينما أنا أمشي بالمدينة. إذا إنسان خلفي يقول: ارفع إزارك فإنه أنقى وأبقى. فإذا هو رسول الله ﵌، فقلت: يا رسول الله إنما هي بردة ملحا، فقال: " أما لك في اسوة " فنظرت، فإذا إزاره إلى نصف ساقيه. ذكر نعله ﵌ عن قتادة ﵁ قال: قلت: لأنس بن مالك كيف كان نعل رسول الله ﵌ قال: لها قبالان وفي رواية أخرى أخرج لنا أنس بن مالك نعلين جرداوين لهما قبالان. وعن ابن عمر ﵄ قال: رأيت رسول الله ﵌ يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن ألبسها لما قيل له رأيتك، تلبس النعال السبتية. وعن ابن بريدة ﵄ أن النجاشي أهدى للنبي ﵌ خفين أسودين ساذجين، فلبسهما ثم توضأ، فمسح عليهما. ذكر صفة مشيه ﷺ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله ﵌، كأن الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحداً أسرع في مشيه من رسول الله ﵌، كأن الأرض تطوى له، انا لنجهد أنفسنا، وأنه لغير مكترث. وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: كان النبي ﵌ إذا مشى تكفى

стр. 34

تكفياً، كإنما ينحط من صبب. ذكر جلسته ﷺ عن قيلة بنت مخرمة ﵂: إنها رأت رسول الله ﵌ في المسجد قاعداً القرفصاء. عن عباد بن تميم عن أبي سعيد الخدري ﵄ قال: كان رسول الله ﵌ إذا جلس في المسجد أحبتى بيديه. ذكر خبزه ﷺ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين، حتى قبض رسول الله ﵌. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﵌ يبيت الليالي متتابعة طاوياً وأهله لا يجدون عشاء وكان أكثر خبزهم خبز الشعير. وعن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه أنه قيل له: أكل رسول الله ﵌ النقى يعني الحواري فقال: ما رأى رسول الله ﵌ النقي حتى لقي الله، فقيل له: هل كانت لكم مناخل على عهد رسول الله ﵌؟ قال: ما كانت لنا مناخل: قيل: كيف كنتم تصنعون بالشعير؟ قال: كنا ننفخه فيطير منه ما طار، ثم نعجنه. وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: ما أكل النبي ﵌ على خوان ولا سكرجة ولا خبز مرقق، قال: فقلت: لقتادة فعلى ما كانوا يأكلون؟ قال: على هذه السفر. ذكر إدامه ﷺ عن جابر وعائشة ﵄ أن رسول الله ﵌ قال: " نعم الإدام الخل ". وفي حديث عبد الله نعم الادم أو الادام الخل. وعن أبي أسيد ﵁ قال قال رسول الله ﵌: " كلوا

стр. 35

بالزيت وادهنوا به ". وعن ابن عمر مثله. وكذلك عن زيد بن أسلم. وعن يوسف بن عبد الله ﵁ قال: رأيت النبي ﵌ أخذ كسرة من خبز شعير، فوضع عليها تمرة، وقال هذا دام هذه. ذكر شرابه ﷺ عن عائشة ﵂ قالت: كان أحب الشراب إلى رسول الله ﵌ الحلو البارد. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: دخلت مع رسول الله ﵌ أنا وخالد بن الوليد على ميمونة فجاءتنا بإناء من لبن، شرب النبي ﵌، وأنا عن يمينه وخالد عن شماله، فقال لي: الشربة لك. فإن شئت آثرت بها خالد أفقلت: ما كنت لأوثر على سورك أحداً. ثم قال رسول الله ﵌: " من أطعمه الله طعاماً فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه ومن سقاه الله لبناً فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه " وقال ﵌: " ليس شيء يجزئك عن مكان الطعام والشراب غير اللبن ". قال أبو عيسى وميمونة بنت الحارث زوج النبي ﵌، هي خالة خالد بن الوليد وخالة ابن عباس وخالة يزيد بن الأصم ﵃. ذكر أكله ﷺ عن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي ﵌ كان يلعق أصابعه ثلاثاً وفي رواية أخرى كان يأكل بأصابعه الثلاث، ويلعقهن وفي رواية عن أنس كان رسول الله ﷺ إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث. وعن أبي جحيفة ﵁ قال: قال النبي ﵌: " أما أنا فلا آكل متكئاً ". وعن أنس قال: أتي رسول الله ﵌: بتمر، فرأيته يأكل وهو مقع من الجوع قلت: هذا من جلسة الإقعاء المعروفة.

стр. 36

ذكر شربه صلى الله وسلم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﵌ شرب من زمزم وهو قائم. وعن علي رضي الله تعالى عنه أنه أتي بكوز من ماء، وهو في الرحبة فأخذ منه كفاً فغسل يديه، ومضمض، واستنشق، ومسح وجهه وذراعيه ورأسه، وهو قائم، ثم قال: " هذا وضوء من لم يحدث " هكذا رأيت رسول الله ﵌ فعل. وعن أنس ﵁ أن النبي ﵌ كان يتنفس في الإناء ثلاتاً إذا شرب، ويقول: " هو أروى وامرأ ". قوله ﷺ عند الطعام ، وعندما يفرغ منه عن عمر بن أبي سلمة ﵄ أنه د خل على رسول الله ﵌ وعنده طعام: فقال: " ادن يا بني فسم الله وكل بيمينك وكل مما يليك ". وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﵌: " إذا أكل أحدكم فنسي أن يذكر اسم الله على طعامه فليقل بسم الله أوله واخره ". وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﵌ إذا فرغ من طعامه قال: " الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين ". وعن أبي إمامة ﵁ قال: كان رسول الله ﵌ إذا رفعت المائدة من بين يديه يقول: " الحمد لله حمداً كثيرا ًطيبا ًمباركاً فيه غير مودع ولا مستغني عنه ربنا " وفي الحديث الآخر. غير مكفي ولا مكفور ولا مودع إلى آخره. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النبي ﵌ يأكل طعاماً في ستة من أصحابه، فجاء اعرابي فأكله بلقمتين، فقال رسول الله ﵌: " لو سمى لكفاكم ". وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌: " إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمده عليها ". ذكروضوء رسول الله ﷺ عن زاذان عن سلمان ﵄ قال قرأت في التوراة أن بركة الطعام الوضوء

стр. 37

بعده، فذكرت للنبي ﵌، فأخبرته بما قرأت في التوراه، قال رمسول الله ﵌: " بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده ". ذكر عيشه ﷺ وما أكل من الألوان أو مدحه عن أبي طلحة رضي الله تعالى عنه قال: شكونا إلى رسول الله ﵌ الجوع، ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله ﵌ عن حجرين. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: خرج رسول الله ﵌ في ساعة لا يخرج فيها، ولا يلقاه فيها أحد، فأتاه أبو بكر، فقال: ما جاء بك يا أبا بكر؟ قال: خرجت ألقى رسول الله ﵌، وانظر في وجهه وأسلم عليه، فلم يلبث إن جاء عمر، فقال: ما جاء بك يا عمر؟ قال: الجوع. فقال رسول الله ﷺ : " وأنا قد وجدت بعض ذلك " فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري وكان رجلاً كثير البخل والشماء، ولم يكن له خدم، فلم يجدوه وقالوا لامرأته: اين صاحبك؟ قالت: انطلق يستعذب لنا الماء. فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربة يزعبها فوضعها، ثم جاء يلتزم النبي ﵌، ويفديه بأبيه وأمه، ثم انطلق بهم إلى حديقته، فبسط لهم بساطاً ثم انطلق إلى نخله، فجاء بقنو فوضعه، فقال النبى ﵌: " أفلا تنقيت لنا من رطبه " فقال: يا رسول الله إني أردت أن تختاروا أو تخيروا من رطبه وبسره فأكلوا وشربوا من ذلك الماء، فقال النبي ﵌: " هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة ظل بارد ورطب طيب وماء بارد " فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعاماً، فقال النبي ﵌: " لا تذبحن ذات در " فذبح لهم عناقاً أو جدياً فأتاهم بها، فقال النبي ﵌: " هل لك خادم؟ " قال: لا قال: فإذا أتانا سبي فأتنا فأتي النبي ﵌ برأسين ليس منهما ثالث، فأتاه أبو الهيثم، قال النبي ﵌: " اختر منهما " فقال: يا نبي الله اختر لي، فقال النبي ﵌: " إن المستشار مؤتمن خذ هذا فأني رأيته يصلي واستوص به معروفاً " فانطلق به أبو الهيثم إلى امرأته، فأخبرها بقول النبي ﵌، فقالت امرأته: ما أنت ببالغ ما قال فيه النبي ﵌ إلا أن تعتقه. قال: فهو عتيق. فقال النبي ﵌: " إن الله لم يبعث نبياً ولا خليفة إلا وله بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالاً ومن

стр. 38

يوق بطانة السوء فقد وقي ". وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌: " لقد أخفت في الله وما يخاف أحد ولقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد ولقد أتت علي ثلاثون ما بين ليلة ويوم وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه أبط بلال ". وعن نوفل بن إياس الهذلي ﵁ قال: كان عبد الرحمن بن عوف لنا جليساً، وكان نعم الجليس، وأنه انقلب بنا ذات يوم حتى إذا دخلنا بيته، دخل فاغتسل، ثم خرج وأتانا بصحفة فيها خبز ولحم، فلما وضعت بكى عبد الرحمن، وقلت له: يا أبا محمد ما يبكيك؟ قال: هلك رسول الله ﵌ ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير، فلا أرانا أخرنا لما هو خير لنا. وعن أم هانىء بنت أبي طالب ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﵌ وقال: اما عندك شيء؟ فقلت: لا إلا خبزاً يابس وخل. فقال هاتي: ما أفقر بيت من أدم فيه خل وقد تقدم أيضاً عن جابر رضي الله تعالى عنه نعم الأدام الخل وكذلك عن عائشة وعن عبد الله ﵄ بمعناه. وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: رأيت رسول الله ﵌ يأكل لحم الدجاج. وعن أنس ﵁ قال: كان النبي ﵌ يعجبه الدباء. وعن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﵌ يحب الحلواء والعسل. وعن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: كان النبي ﵌ يأكل القثاء بالرطب. وعن عائشة ﵂ أن النبي ﵌ كان يأكل البطيخ بالرطب. وعنها أيضاً قالت: ما كان ﵌ يحب الذراع إلا لأنها أعجل اللحم نضجاً.

стр. 39

وعن عبد الله بن جعفر ﵄ قال سمعت رسول الله ﵌ يقول: " إن أطيب اللحم لحم الظهر ". وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﵌ كان يعجبه الثفل قال بعض الرواة يعني ما بقي من الطعام. وعن أبي عبيد قال: طبخت للنبي ﵌ قدراً، وكان يعجبه الذراع، فناولته الذراع، ثم قال ناولني النراع فناولته، ثم قال ناولني الذراع فقلت: يا رسول الله كم للشاة من ذراع فقال: " والذي نفسي بيده لو سكت لناولتني الذراع ما دعوت ". وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: " أفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ". وعن أنس ﵁ قال: اولم رسول الله ﵌ بتمر وسويق. وعن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﵇ يأتي فيقول أعندك غداء؟ فأقول: لا قالت: فيقول أني صائم قالت: فأتى يوماً فقلت يا رسول الله أهديت لنا هدية قال: وما هي قلت حيس قال أما أني أصبحت صائماً قالت ثم أكل. وعنها قالت: ما شبع رسول الله ﵌ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض قلت: وأما ما ذكر في الأحاديث من كونه ﵌ كان يحب الحلواء والعسل. وأنه يأكل لحم الدجاج ونحو ذلك مما يستطاب، فينبغي أن يعلم أنه ﵌ كان لا يقصد أن يصنع له شيء من ذلك، لكن إذا حضر بين يديه اتفاقا أكله. كما كان يأكل ما حضر من خبز شعير وغيره، ولا يتوقف ﵌ على طعام مخصوص ولا لباس مخصوص ولا هيئة مخصوصة، وينبغي لغيره إذا اشتهى شيئاً طئباً لا يجعله عادة مستمر، بل إن كان ولا بد فأحياناً، وينبغي مع ذلك أن يطعم منه المساكين. وعن عائشة ﵂ قالت: كان أحب الشراب إلى رسول الله ﵌ الحلو البارد. كما تقدم وتقدم أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﵌ قال: " من أطعمه الله طعاماً فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه ومن سقاه الله لبناً فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه " وقال ﵌: " اليس شيء يجزىء مكان الطعام والشراب سوى اللبن ".

стр. 40

ذكر شيء من الوضوء للطعام مما ورد عنه ﵌ في الوضوء للطعام، وما يقال عند الطعام عن سلمان ﵁ قال: قرأت في التوراة أن بركة الطعام الوضوء بعده، فذكرت ذلك للنبي ﵌، فقال ﵌: " بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده " قلت هذا الحديث قد تقدم عن سلمان رواية ولفظاً. وعن راشد بن جندل التابعي عن حبيب بن أوس عن أبي أيوب الأنصاري قال: كنا عند النبي ﵌ يوماً، فقرب إليه طعام، فلم أرى أعظم بركة منه أول ما أكلنا ولا أقل بركة في آخره. فقلنا: يا رسول الله: كيف هذا؟ قال: " إنا ذكرنا اسم الله حين أكلنا ثم قعد من أكل ولم يسم فأكل معه الشيطان ". وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵌: " إذا أكل أحدكم فنسي أن يذكر الله عند طعامه فليقل بسم الله أوله وآخره ". وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﵌ إذا فرغ من طعامه قال: " الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين ". ذكر شيء مما جاء في تطييبه ﵌ وترجيل شعره وخضابه وتكحيله عن أنس ﵁ قال: كانت لرسول الله ﵌ سكة يتطيب منها. وفي رواية أخرى. كان لا يرد الطيب. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه ". وعن عائشة ﵂ قالت: كنت أرجل شعر رأس رسول الله ﵌ وأنا حائض. وعن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﵌ يكثر دهن رأسه، وتسريح لحيته. وعن أبي رمثة ﵁ قال: اتيت النبي ﵌ مع ابن لي، فقال " ابنك؟ " فقلت: نعم أشهد به قال: " لا يجني عليك ولا تجني عليه " ورأيت الشيب أحمر. قال أبو عيسى هذا أحسن شيء روي في هذا الباب، وأفسر من الروايات الصحيحة
следующие страницы →