← История

История · id 9091

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

اليافعي

Полный текст (1 334 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ذكر شربه صلى الله وسلم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﵌ شرب من زمزم وهو قائم. وعن علي رضي الله تعالى عنه أنه أتي بكوز من ماء، وهو في الرحبة فأخذ منه كفاً فغسل يديه، ومضمض، واستنشق، ومسح وجهه وذراعيه ورأسه، وهو قائم، ثم قال: " هذا وضوء من لم يحدث " هكذا رأيت رسول الله ﵌ فعل. وعن أنس ﵁ أن النبي ﵌ كان يتنفس في الإناء ثلاتاً إذا شرب، ويقول: " هو أروى وامرأ ". قوله ﷺ عند الطعام ، وعندما يفرغ منه عن عمر بن أبي سلمة ﵄ أنه د خل على رسول الله ﵌ وعنده طعام: فقال: " ادن يا بني فسم الله وكل بيمينك وكل مما يليك ". وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﵌: " إذا أكل أحدكم فنسي أن يذكر اسم الله على طعامه فليقل بسم الله أوله واخره ". وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﵌ إذا فرغ من طعامه قال: " الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين ". وعن أبي إمامة ﵁ قال: كان رسول الله ﵌ إذا رفعت المائدة من بين يديه يقول: " الحمد لله حمداً كثيرا ًطيبا ًمباركاً فيه غير مودع ولا مستغني عنه ربنا " وفي الحديث الآخر. غير مكفي ولا مكفور ولا مودع إلى آخره. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النبي ﵌ يأكل طعاماً في ستة من أصحابه، فجاء اعرابي فأكله بلقمتين، فقال رسول الله ﵌: " لو سمى لكفاكم ". وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌: " إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمده عليها ". ذكروضوء رسول الله ﷺ عن زاذان عن سلمان ﵄ قال قرأت في التوراة أن بركة الطعام الوضوء

стр. 37

بعده، فذكرت للنبي ﵌، فأخبرته بما قرأت في التوراه، قال رمسول الله ﵌: " بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده ". ذكر عيشه ﷺ وما أكل من الألوان أو مدحه عن أبي طلحة رضي الله تعالى عنه قال: شكونا إلى رسول الله ﵌ الجوع، ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله ﵌ عن حجرين. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: خرج رسول الله ﵌ في ساعة لا يخرج فيها، ولا يلقاه فيها أحد، فأتاه أبو بكر، فقال: ما جاء بك يا أبا بكر؟ قال: خرجت ألقى رسول الله ﵌، وانظر في وجهه وأسلم عليه، فلم يلبث إن جاء عمر، فقال: ما جاء بك يا عمر؟ قال: الجوع. فقال رسول الله ﷺ : " وأنا قد وجدت بعض ذلك " فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري وكان رجلاً كثير البخل والشماء، ولم يكن له خدم، فلم يجدوه وقالوا لامرأته: اين صاحبك؟ قالت: انطلق يستعذب لنا الماء. فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربة يزعبها فوضعها، ثم جاء يلتزم النبي ﵌، ويفديه بأبيه وأمه، ثم انطلق بهم إلى حديقته، فبسط لهم بساطاً ثم انطلق إلى نخله، فجاء بقنو فوضعه، فقال النبى ﵌: " أفلا تنقيت لنا من رطبه " فقال: يا رسول الله إني أردت أن تختاروا أو تخيروا من رطبه وبسره فأكلوا وشربوا من ذلك الماء، فقال النبي ﵌: " هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة ظل بارد ورطب طيب وماء بارد " فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعاماً، فقال النبي ﵌: " لا تذبحن ذات در " فذبح لهم عناقاً أو جدياً فأتاهم بها، فقال النبي ﵌: " هل لك خادم؟ " قال: لا قال: فإذا أتانا سبي فأتنا فأتي النبي ﵌ برأسين ليس منهما ثالث، فأتاه أبو الهيثم، قال النبي ﵌: " اختر منهما " فقال: يا نبي الله اختر لي، فقال النبي ﵌: " إن المستشار مؤتمن خذ هذا فأني رأيته يصلي واستوص به معروفاً " فانطلق به أبو الهيثم إلى امرأته، فأخبرها بقول النبي ﵌، فقالت امرأته: ما أنت ببالغ ما قال فيه النبي ﵌ إلا أن تعتقه. قال: فهو عتيق. فقال النبي ﵌: " إن الله لم يبعث نبياً ولا خليفة إلا وله بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالاً ومن

стр. 38

يوق بطانة السوء فقد وقي ". وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌: " لقد أخفت في الله وما يخاف أحد ولقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد ولقد أتت علي ثلاثون ما بين ليلة ويوم وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه أبط بلال ". وعن نوفل بن إياس الهذلي ﵁ قال: كان عبد الرحمن بن عوف لنا جليساً، وكان نعم الجليس، وأنه انقلب بنا ذات يوم حتى إذا دخلنا بيته، دخل فاغتسل، ثم خرج وأتانا بصحفة فيها خبز ولحم، فلما وضعت بكى عبد الرحمن، وقلت له: يا أبا محمد ما يبكيك؟ قال: هلك رسول الله ﵌ ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير، فلا أرانا أخرنا لما هو خير لنا. وعن أم هانىء بنت أبي طالب ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﵌ وقال: اما عندك شيء؟ فقلت: لا إلا خبزاً يابس وخل. فقال هاتي: ما أفقر بيت من أدم فيه خل وقد تقدم أيضاً عن جابر رضي الله تعالى عنه نعم الأدام الخل وكذلك عن عائشة وعن عبد الله ﵄ بمعناه. وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: رأيت رسول الله ﵌ يأكل لحم الدجاج. وعن أنس ﵁ قال: كان النبي ﵌ يعجبه الدباء. وعن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﵌ يحب الحلواء والعسل. وعن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: كان النبي ﵌ يأكل القثاء بالرطب. وعن عائشة ﵂ أن النبي ﵌ كان يأكل البطيخ بالرطب. وعنها أيضاً قالت: ما كان ﵌ يحب الذراع إلا لأنها أعجل اللحم نضجاً.

стр. 39

وعن عبد الله بن جعفر ﵄ قال سمعت رسول الله ﵌ يقول: " إن أطيب اللحم لحم الظهر ". وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﵌ كان يعجبه الثفل قال بعض الرواة يعني ما بقي من الطعام. وعن أبي عبيد قال: طبخت للنبي ﵌ قدراً، وكان يعجبه الذراع، فناولته الذراع، ثم قال ناولني النراع فناولته، ثم قال ناولني الذراع فقلت: يا رسول الله كم للشاة من ذراع فقال: " والذي نفسي بيده لو سكت لناولتني الذراع ما دعوت ". وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: " أفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ". وعن أنس ﵁ قال: اولم رسول الله ﵌ بتمر وسويق. وعن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﵇ يأتي فيقول أعندك غداء؟ فأقول: لا قالت: فيقول أني صائم قالت: فأتى يوماً فقلت يا رسول الله أهديت لنا هدية قال: وما هي قلت حيس قال أما أني أصبحت صائماً قالت ثم أكل. وعنها قالت: ما شبع رسول الله ﵌ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض قلت: وأما ما ذكر في الأحاديث من كونه ﵌ كان يحب الحلواء والعسل. وأنه يأكل لحم الدجاج ونحو ذلك مما يستطاب، فينبغي أن يعلم أنه ﵌ كان لا يقصد أن يصنع له شيء من ذلك، لكن إذا حضر بين يديه اتفاقا أكله. كما كان يأكل ما حضر من خبز شعير وغيره، ولا يتوقف ﵌ على طعام مخصوص ولا لباس مخصوص ولا هيئة مخصوصة، وينبغي لغيره إذا اشتهى شيئاً طئباً لا يجعله عادة مستمر، بل إن كان ولا بد فأحياناً، وينبغي مع ذلك أن يطعم منه المساكين. وعن عائشة ﵂ قالت: كان أحب الشراب إلى رسول الله ﵌ الحلو البارد. كما تقدم وتقدم أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﵌ قال: " من أطعمه الله طعاماً فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه ومن سقاه الله لبناً فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه " وقال ﵌: " اليس شيء يجزىء مكان الطعام والشراب سوى اللبن ".

стр. 40

ذكر شيء من الوضوء للطعام مما ورد عنه ﵌ في الوضوء للطعام، وما يقال عند الطعام عن سلمان ﵁ قال: قرأت في التوراة أن بركة الطعام الوضوء بعده، فذكرت ذلك للنبي ﵌، فقال ﵌: " بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده " قلت هذا الحديث قد تقدم عن سلمان رواية ولفظاً. وعن راشد بن جندل التابعي عن حبيب بن أوس عن أبي أيوب الأنصاري قال: كنا عند النبي ﵌ يوماً، فقرب إليه طعام، فلم أرى أعظم بركة منه أول ما أكلنا ولا أقل بركة في آخره. فقلنا: يا رسول الله: كيف هذا؟ قال: " إنا ذكرنا اسم الله حين أكلنا ثم قعد من أكل ولم يسم فأكل معه الشيطان ". وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵌: " إذا أكل أحدكم فنسي أن يذكر الله عند طعامه فليقل بسم الله أوله وآخره ". وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﵌ إذا فرغ من طعامه قال: " الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين ". ذكر شيء مما جاء في تطييبه ﵌ وترجيل شعره وخضابه وتكحيله عن أنس ﵁ قال: كانت لرسول الله ﵌ سكة يتطيب منها. وفي رواية أخرى. كان لا يرد الطيب. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه ". وعن عائشة ﵂ قالت: كنت أرجل شعر رأس رسول الله ﵌ وأنا حائض. وعن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﵌ يكثر دهن رأسه، وتسريح لحيته. وعن أبي رمثة ﵁ قال: اتيت النبي ﵌ مع ابن لي، فقال " ابنك؟ " فقلت: نعم أشهد به قال: " لا يجني عليك ولا تجني عليه " ورأيت الشيب أحمر. قال أبو عيسى هذا أحسن شيء روي في هذا الباب، وأفسر من الروايات الصحيحة

стр. 41

أن النبي ﵌ لم يبلغ الشيب. وعن قتادة رضى الله عنه قال: قلت لأنس هل خضب رسول الله ﵌؟ قال: لم يبلغ ذلك إنما كان شيبه في صدغه، ولكن أبو بكر خضب بالحناء والكتم. وفي رواية أخرى عن أنس ﵁ قال رأيت رسول الله ﵌ مخضوباً. وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﵌ يحب التيمن في طهوره إذا تطهر، وفي ترجله إذا ترجل، وفي انتعاله إذا انتعل. وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﵌ قال: " اكتحلوا بالاثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر ". ومثله من رواية ابن عمر. وعن ابن عباس كان النبي ﵌ يكتحل بالاثمد ثلاثا ثلاثاً قبل أن ينام. كلامه ﷺ عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﵌ يعيد الكلمة ثلاثاً ليعقل عنه. وعن هند بن أبي هالة ﵁ قال: كان النبي ﵌ متواصل الأحزان دائم الفكر، ليست له راحة، طويل السكوت لا يتكلم في غير حاجة، ويتكلم بجوامع الكلم، بكلامه فصل لا فضول ولا تقصير، ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة وإن دقت، ولا يذم منها شيئاً، غير أنه لم يكن يذم ذواقاً، ولا يمدحه ولا يغضبه الدنياوما كان لها، فإذا تعدى الحق لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له. ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، الحديث. قال في آخره. وإذا غضب أعرض وأشاح جل ضحكه التبسم.

стр. 42

مزاحه ﷺ عن أبي هريرة ﵁ قال: قالوا: يا رسول الله إنك تداعبنا قال: " إني لا أقول إلا حقا ". تداعبنا يعني تمازحنا. عن أنس ﵁ أن رجلاً استحمل رسول الله صلى الله عليه وآله فقال إني حاملك على ولد الناقة فقال: يا رسول الله ما أصنع بولد الناقة؟ فقال رسول الله ﵌: " وهل تلد الإبل إلا النوق ". وعن المبارك بن فضالة عن الحسين قال: اتت عجوز النبي ﵌ فقالت: يا رسول الله، ادع الله لي أن يدخلني الجنة. فقال: " يا أم فلان أن الجنة لا يدخلها عجوز " قال: فولت تبكي فقال: " أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز " إن الله يقول " إنا أنشأناهن انشاء فجعلناهن أبكارًا عرياً أتراباً ". كلامه ﷺ في الشعر عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﵌ أن أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم وعن عائشة ﵂ أنه ﵌ كان يتمثل بشعر ابن رواحة ويقول طرفة. " ويأتيك بالأخبارما لم تزود ". وعن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: اصاب حجر إصبع رسول الله ﵌ فدميت فقال: هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت وعن البراء بن عازب ﵁ قال: وقد قيل له أفررتم عن رسول الله ﵌ يعني يوم حنين؟ فقال: لا والله ما ولي رسول الله ﵌، ولكن سرعان الناس تلقتهم، او قال رشقتهم هوازن بالنبل ورسول الله ﵌ على بغلته، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بلجامها، ورسول الله ﵌ يقول:

стр. 43

أنا النبي لاكذب ... أنا ابن عبد المطلب وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: جالست النبي ﵌ أكثرمن مائة مرة، فكان أصحابه يتناشدون الشعر، ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية، وهو ﵌ ساكت، وربما تبسم معهم. ضحكه ﵌ وعن جابر بن سمرة ﵁ أن رسول الله ﵌ كان لا يضحك إلا تبسماً، وكنت إذا نظرت إليه قلت أكحل العينين وليس بأكحل. وعن ابن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﵌ " إني لأعرف آخر أهل النار خروجاً " الحديث. وفيه. فيقول: تسخر بي وأنت الملك قال: فلقد رأيت رسول الله ﵌ ضحك حتى بدت نواجذه. كلامه ﷺ في السمر عن عائشة ﵂ قالت حدث رسول الله ﵌ ذات ليلة نساء حديثاً، فقالت امرأة منهن: كان الحديث حديث خرافة، فقال ﵌: " أتردون ما خرافة؟ ان خرافة كان رجلاً من عذرة أسرته الجن في الجاهلية فمكث فيهم دهراً ثم ردوه إلى الأنس فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب فقال الناس حديث خرافة. نومه ﵌ عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﵌ كان إذا أخذ مضجعه وضع كفه اليمنى تحت خده الأيمن، قال: " رب قني عذابك يوم تجمع عبادك ". وعن حذيفة ﵁ قال: كان النبي ﵌ إذا أوى إلى فراشه فقال " اللهم باسمك أموت وأحيا " وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور ". وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﵌ إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه فنفث فيهما، وقرأ فيهما " قل هو الله أحد " والمعوذتين، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما رأسه ووجهه ثم ما أقبل من جسده، يصنع ذلك

стр. 44

ثلاث مرات. وفي رواية رويناها في جامعه الكبير يبدأ بهما على رأسه. وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﵌ كان إذا أوى إلى فراشه قال: " الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي ". وعن أبي قتاة ﵁ أن النبي ﵌ كان إذا عرس بليل اضطجع على شقة الأيمن، وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه. فراش رسول الله ﷺ عن عائشة ﵂ قالت: إنما كان فراش رسول الله ﵌ الذي كان ينام عليه آدماً حشوه ليف. وعن حفصة بنت عمر رضي الله تعالى عنها قالت: كان فراش رسول الله ﵌ مسحاً تثنيه ثنيتين، فينام عليه، فلم كان ذات ليلة ثنيته بأربع ثنيات، فلما أصبح قال: " ما فرشتموني " وقال " أفرشتموني الليلة " قالت: قلنا هو فراشك إلا أنا ثنيناه بأربع ثنيات قلنا هو أوطأ لك قال: " ردوه بحاله الأول فإنه منعتني وطأته صلاتي لليلة ". حجامته ﵌ عن أنس ﵁ قال: احتجم رسول الله ﵌ حجمه أبو طيبة، فأمر له بصاعين من طعام، وكلم أهله فوضعوا عنه. وفي رواية ابن عمر ﵄: دعا حجاماً فحجمه، وسأله كم خراجك، فقال ثلاثة أصع فوضع عنه صاعاً من خراجه وأعطاه أجره، وقال: " إن أفضل ما تداويتم به الحجامة " أو أن من أمثل دوائكم الحجامة. وروى الترمذي أيضاً أن النبي ﵌ احتجم في الأخدعين وبين الكتفين، وأعطى الحجام أجره ولو كان حراماً لم يعط. وعن أنس ﵁ قال: كان رسول الله صلى عليه وآله وسلم يحتجم في الأخدعين والكاهل، وكان يحتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين.

стр. 45

وعن أنس أيضاً أن رسول الله ﵌ احتجم وهو محرم بملل على ظهر القدم. في أسمائه ﵌ عن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قال رسول الله ﵌: " ان لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي ". وعن حذيفة ﵁ قال: لقيت النبي ﵌ في بعض طرق المدينة، فقال: " أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي، وأنا نبي الرحمة، ونبي التوبة، وأنا المقفي، وأنا الحاشر ونبي الملاحم " قلت وروى غير الترمذي أن له أسماء أخر يطول عددها. في سنه ﵌ عن ابن عباس ﵄ قال: مكث النبي ﵌ بمكة ثلاث عشرة سنة، يعني بعد نبوته، وبالمدينة عشراً. وعن عائشة ﵂: ان النبي ﵌ مات وهو ابن ثلاث وستين. في وفاته ﵌ عن أنس ﵁ قال: آخر نظرة نظرتها الى رسول الله ﵌ كشف الستارة يوم الاثنين، فنظرت الى وجهه، كأنه ورقة مصحف، والناس خلف أبي بكر فأشار الى الناس أن استولوا، وأبو بكر يؤمهم، وألقى السجف وتوفي من آخر ذلك اليوم. وعن عائشة ﵂ قالت: رأيت رسول الله ﵌ وهو بالموت، وعنده قدح فيه ماء، وهو يدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول: " اللهم أعني على سكرات الموت أو سكرة الموت ". وعنها قالت: لما قبض رسول الله ﵌، اختلفوا في دفنه، فقال

стр. 46

أبو بكر ﵁: سمعت من رسول الله ﵌ شيئاً ما نسيته، قال: ما قبض الله نبياً إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه، ادفنوه في موضع فراشه. وعنها وعن ابن عباس أن أبا بكر قبل النبي ﵌ بعدما مات، وفي روايتها الآخرى فوضع فمه بين عينيه، ووضع يديه على ساعديه، وقال: وانبياه واصفياه واخليلاه. وعن أنس ﵁ قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﵌ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا أيدينا عن التراب، وأنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا، وعن سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قبض رسول الله ﵌ يوم الاثنين، فمكث ذلك اليوم وليلة الثلاثاء ويوم الثلاثاء، ودفن من الليل. وقال سفيان وقال غيره سمعت صوت المساحي من آخر الليل. استخلافه أبا بكر في الصلاة عن سالم بن عبيد ﵁ وكانت له صحبة قال: اغمي على رسول الله ﵌ في مرضه، فإفاق، فقال: " حضرت الصلاة "؟ فقالوا: نعم. فقال: " مروا بلالاً فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل للناس "، او قال بالناس، ثم أغمي عليه، فأفاق، فقال: " مروا بلالاً فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل بالناس ". فقالت عائشة: ان أبى. وفي الحديث الآخر. ان أبا بكر رجل أسيف، اذا قام مقامك يبكي ولا يستطيع، فلو أمرت غيره، قال: ثم أغمي عليه، فأفاق، فقال: " مروا بلالاً فليؤذن ومروا أبا بكر فليصل بالناس "، فإنكن صواحب أو قال صواحبات. وفي الحديث الآخر. صويحبات يوسف، قال: فأمر بلال فأذن وأمر أبو بكر فصلى بالناس ثم إن رسول الله ﵌ وجد خفة، فقال: " انظروا إلى من اتكىء عليه " فجاءته بريرة ورجل آخر فاتكأ عليهما، فلما رآه أبو بكر ذهب لينكص فأومى إليه أن يثبت مكانه ولفظه في صحيح مسلم ادعي لي أباك أبا بكر وأخاك، حتى أكتب كتاباً، فإني أخاف أن يتمنى متمن، ويقول قائل: انا ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر انتهى. رجعنا إلى لفظ الترمذي: ثم إن رسول الله ﵌ قبض، فقال عمر: والله لا أسمع أحداً يذكر أن رسول الله ﵌ قبض إلا ضربته

стр. 47

بسيفي. هذا الحديث قال في آخره: فجاء أبو بكر حتى أكب على رسول الله ﷺ ومسه فقال: " إنك ميت وإنهم ميتون " فعلموا أنه قد صدق قلت وفي الحديث الآخر، ان أبا بكر ﵁ لما خرج من عند رسول الله ﵌ إلى الناس، قرأ " ومامحمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل " - آل عمران: ٤٤ - قالوا: ياصاحب رسول الله ﵌ أتصلي على رسول الله ﵌، ال نعم. قالوا وكيف قال: يدخل قوم فيكبرون ويصلون ويدعون، ثم يخرجون حتى يدخل الناس الحديث. قال فيه ثم أمرهم أن يغسله بنو أبيه، واجتمع المهاجرون يتشاورون، فقالوا: انطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار، ندخلهم معنا في هذا الأمر، فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير فقال عمر بن الخطاب ﵁: من له مثل هذه الثلاث " ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه " من صاحبه؟ لا تحزن إن الله معنا، مع من؟ ثم قال: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعه، وبايعه الناس بيعة حسنة جميلة. وعن أنس ﵁ قال: لما وجد رسول الله ﵌ من كرب الموت ما وجد، قالت فاطمة ﵂: واكرباه: فقال النبي ﵌: " لا كرب على أبيك بعد اليوم، قد حضر بأبيك ما ليس بتارك منه أحدا، الموإفاة يوم القيامة ". في ميراثه ﵌ عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵌، قال: " لا تقسم ورثتي ديناراً ولا درهماً ما تركته بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة ". وفي الباب عن عمر وعائشة ﵄ وفي رواية عائشة ﵂: ما ترك رسول الله ﵌ ديناراً ولا درهماً ولا شاة ولا بعيراً. قال الراوي وأشك في العبد والأمة. رؤيته ﷺ في المنام عن عبد الله ﵁ عن النبي ﵌ قال: " من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي ". وقي رواية أبي هريرة لا يتصور أو لا يتشبه بي. وفي رواية ابن عباس لا يستطيع أن يتشبه بي، فمن رآني في النوم فقد رآني. وفي رواية أبي قتادة من رآني يعني في النوم، فقد رأى الحق.

стр. 48

وفي رواية أنس لا يتخيل بي، وقال ﵌: " رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة " انتهى ما لخصت من شمائله، مما رويناه في تصنيف الإمام الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي قلت ولما بلغ سماع هذا التاريخ علي إلى هذا المكان، اخبرني بعض الفقراء الصالحين المجردين الصادقين أنه رأى في المنام تاريخي هذا مكتوباً بالذهب في ورق أصفر بغدادي، ووصف من حسن ذلك ما لا يحضرني الآن ذكره، مما يستحسن ويجل قدره، وكان استماعه في الروضة الشريفة بازاء الحجرة المباركة المنيفة. وفي السنة الحادية عشرة أيضاً توفيت فاطمة بنت رسول الله ﵌، ورضي الله عنها، بعد وفاة أبيها بأشهر، وصحح بعضهم أنها ستة أشهر. ومن فضائلها قول النبي ﵌ فيها: " إن فاطمة وفي الرواية الأخرى إن ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما أذاها ". وقوله ﵌ لها: " أما ترضين أن تكوني سيدة نساء الجنة؟ " تزوجها علي ﵄، وعمرها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصف، وعمره إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر، ولم يتزوج عليها حتى ماتت، كأمها لم يتزوج عليها رسول الله ﵌ حتى ماتت، وكانت إذا دخلت على رسول الله ﵌ رحب بها، وكانت أشبه الناس بأبيها، ثلى الله عليه وآله وسلم في مشيتها وحديثها، ولما توفيت غسلتها أسماء بنت عميس وعلي ﵁ وعن الجميع، ودفنها ليلاً..وفي السنة المذكورة توفيت أم أيمن حاضنة النبي ﵌ ومولاته ﵂. ومن فضائلها: ان رسول الله صلى الله عه وآله وسلم كان يزورها، فلما توفي ﵌، قال أبو بكر لعمر: ﵄، انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ﵌ يزورها.

стр. 49

وفيها قتل عكاشة بن محصن الأسدي ﵁. ومن فضائله قوله ﵌: " أنت منهم " لما ذكر ﵌ أنه " يدخل الجنة من أمته سبعون ألفاً بغير حساب " فقال: ادع الله أن يجعلني منهم الحديث. وفيها قتل خالد مالك بن النويرة الحنظلي مع رهط من قومه، وكان ممن منع الزكاة وهو من الرجال المعدودين، وفيه يقول أخوه. لقد لامني عند القبور على البكا ... صحابي لتذارف الدموع السوافك فقالوا أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى والدكادك فقلت لهم إن الشجى يبعث الشجى ... دعوني فهذا كله قبرمالك قلت وبهذا البيت يستشهد أولو العرفان أن ذكر الشجى يهيج الأشجان ورؤية منازل الأحباب تورث الأحزان، عند تعطلها عن السكان، وفي ذلك يقول القائل. كفى حزناً بالواله الصب أن يرى ... منازل من يهوى معطلة قفرا قلت: يذكرهم عيشاً بنعمان ناعماً ... حمام الحمى تعزي نسيم العواصف ثير الصبا من كل صب صبابة ... فيصبو إلى عهد الصبا والمآلف فهم بين مشتاق وباك وضاحك ... سروراً وصراخ وراج وخائف لذكر اللقا والهجر والوصل والجفا ... وقرب وبعد ناشر جمع لاقف وفي ناشر جمع لأقف معنيان أحدهما الإشارة إلى اللف والنشر المودعين هذين البيتين والثاني أن البعد ينشر الاجتماع وتفرقة بعد القرب. السنة الثانية عشرة فيها غزوة اليمامة - وقتل مسيلمة الكذاب - وفتحت اليمامة صلحاً على يد خالد بعد أن استشهد من الصحابة نحو من أربع مائة وخمسين، وقيل ست مائة، وقتل منهم ومن غيرهم من المسلمين ألفاً ومائتان رجل، ومن الصحابة زيد بن الخطاب، وكان أسن من عمر، وأسلم قبله، وكانت معه راية المسلمين يومئذ، فلم يزل يتقدم بها في نحر العدو حتى

стр. 50

قتل، فوجد عليه عمر، وكان يقول: أسلم قبلي واستشهد قبلي، وما هبت الصبا إلا وانا أجدر ريح زيد، وأبو حذيفة بن عروة بن ربيعة. ومولاه سالم، وثابت بن قيس بن شماس وهو الخطيب الفصيح من الأنصار، كان يخطب عند ورود الوفود على النبي ﵌، وعليه أحال في الكلام النبي ﵌، لما أتى مسيلمة يطلب الملك بعد النبي ﵌، فقال له ﵌: " لن تعدو قدر الله فيك وإذا أدبرت عقرك الله " وذهب وتركه خاسئاً. وقال هذا ثابت بن قيس بن شماس. واستشهد أيضاً أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري الساعدي. ومن مناقبه أن رسول الله ﵌ أخذ سيفاً يوم أحد، فقال: من يأخذ هذا مني؟ فبسطوا أيديهم، كل إنسان منهم يقول أنا أنا قال فمن يأخذه بحقه؟ فأحجم القوم يعني تأخروا وكفوا، فقال سماك أبو دجانة: انا آخذه بحقه فأخذه فعلق به هام المشركين. قيل وإنه ممن شارك في قتل مسيلمة يوم اليمامة. ومن المقتولين بشر بن سعد الأنصاري. وعباد بن بشر. والطفيل بن عمرو الدوسي. قلت: وفي شهر ذي الحجة توفي صهر النبي ﵌ زوج ابنته زينب أبو العاص بن الربيع القرشي العبشمي ابن أخت خديجة هالة بن خويلد، كان النبي ﵌ يثني عليه، وكانت العرب قد ارتدت ومنعت الزكاة، حتى لم يبق خطبة يخطب بها سوى في ثلاث مساجد: مسجدي الحرمين ومسجد ثالث في البحرين، وإلى ذلك أشار شاعر بقوله: والمسجد الثالث الشرقي كان لنا ... والمنبران وفصل القول في الخطب أيام لا منبر في الناس نعرفه ... إلا بطيبة والمحجوج ذي الحجب فعزم أبو بكر ﵁ على جهادهم، ووافقه أصحابه ﵃ بعد أن كانوا خالفوا في ذلك محتجين بقوله ﵌: " من قال لا إله إلا الله فقد عصم دمه وماله " وكانوا قد متعوه الزكاة، فقال ﵁: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، وقد قال ﵌: الا بحق الإسلام وروى عصم دمه وماله إلا بحقه أي بحق المال. قال الشيخ الإمام أبو إسحاق الشيرازي: فانظر كيف منع من التعليق بعموم الخبر من طريقين أحدهما أنه بين أن الزكاة من حق المال فلم يدخل مانعها في عموم الخبر والثاني أنه بين أنه ينص الخبر في الزكاة كما خص في الصلاة فخص مرة بالخبر وأخرى بالنظر وهذه غاية ما ينتهي إليه المجتهد المحقق والعالم المدقق انتهى قلت ولم يزل بقاتلهم، ويجيش

стр. 51

الجيوش عليهم حتى ردهم إلى الإسلام. وقام في ذلك مقاماً لم يقمه إلا نبي وإلى ذلك أشرت في الأبيات في ترجمته ﵁. السنة الثالثة عشرة فيها وقعة اجنادين بالنون بعد الجيم بقرب الرملة واستشهد يومئذ جماعة من الصحابة، ثم كان النصر والحمد لله تعالى وكان قد بعث الصديق فيها البعوث إلى الشام، وأمرعلى الجيش جماعة منهم أبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمه وعمرو بن العاص ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل ابن حسنة، وبعث إلى العراق خالد بن الوليد فافتتح الأبلة، أغار على السواد، وحاصر عين التمر، وأرى الفرس ذلاً وهواناً ثم خرق البرية إلى الشام واجتمع بجيوش المسلمين هنالك. وفيا توفي ذو المجد والفخار علم المهاجرين والأنصار والسابق بالفضل والتصديق الخليفة المقدم أبو بكر الصديق عبد الله وقيلعتيق بن أني قحافة عثمان بن عامر التيمي القرشي رضوان الله تعالى عليهما في جمادى الآخرة عن ثلاث وستين سنة، وأوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس، أن يكفن في ثوبيه، وقال: انما هما للبلى، والحي أولى بالجديد. فصلى عليه عمر بن الخطاب ﵁، ودفن في حجرة ابنته عائشة مع رسول الله ﵌. وإلى قربه من رسول الله ﵌ ومصاحبته له حياً وميتاً. وإلى قوله ﵌: " لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلا ". وإلى رده المرتدين عن دين الإسلام وقيامه في ذلك أحسن القيام أشرت بقولي في بعض القصيدات هذه الأبيات. مقام نبي قام يوم ارتداد ... عن الإسلام والسيف أشهرا إلى أن أطاعوه والإسلام رده ... إلى طيه من بعد ما قد تنشرا فوالله لو كان النبي مخالبلاً ... خليلاً سوى الرب الذي خلقه برا لكان أبو بكر خليلاً وسالقاً ... بخلته كلاً يميناً بلا افترا

стр. 52

خليفته المرضي خير خليفة ... وصاحبه في الغار حياً وفي الثرى وأشرت إلى ذلك أيضا في أخرى بقولي. شيخ الوقار وثاني الغار شاهده ... في مجده القبة الحسناء والغار مقدم الفضل والعليا له شرف ... في ذكر كتب أعداء له عار وانجلى له مسفرات عن محاسنها ... بيض العلى عاليات الحسن أبكار على أبي بكر الصديق فائحة من ... نشر علياه آصال وأبكار وأشرت إلى ذلك أيضا في أخرى بقولي. له مفخر في الغارحياً ومفخر ... له في الثرى في مضجع خير مضجع أضاءت به ظلماً دياجي ارتدادهم ... رجوعاً إلى دين الهدى خير مرجع وكم مفخر كم من مناقب كم علا ... وكم سؤدد في فضله المتنوع فصديقهم ذو المجد سابقهم ... إلى علا كل فضل نافياً كل مبدع وقد اقتصرت فيه على أربعة أبيات من كل واحدة من هذه القصائد المذكورات، وفيه يقول حسان رضي الله تعالى عنه. إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها وأعدلها ... إلا النبي وأوفاها بما حملا الثاني الثاني المحمود مشهده ... وأول الناس حقاً صدق الرسلا ومناقبه مشهورة غير محصورة. ومن مناقبه رضي الله عه: قول النبي ﵌ " ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ " أي ثالثهما بالنظر والمعونة والتسديد والرعاية، وقول ﵌: " إن الله قد بعثني فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟ " فما أوذي بعدها الحديث. قلت هذا نهاية المدح لأبي بكر ﵁، في صدق إيمانه وكمال يقينه، فإنه ﵌ أخبر في هذا الحديث: انهم كذبوه في وجهه، وصدقه أبو بكر في غيبته، وهنا أبلغ ما يكون في التصديق والتكذيب، فإن الإنسان قد يصدق في الوجه ولا يصدق في الغيبة، ويكذب في الغيبة ولا يكذب في الوجه، وهذا واضح لمن تأمله، وهذا مما ظفرت إذ لا أعرف أحداً من العلماء ذكره. وقوله ﵌ لما قيل له: من أحب الناس إليك؟ قال: " عائشة ". قيل: ومن الرجال؟ قال: " أبوها ".

стр. 53

وقوله ﵌ له: " وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر "، لما ذكر أبواب الجنة الثمانية، من يدخل منها فقال أبو بكر هل يدعى منها كلها أحد؟. وقوله ﵌: " لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر ". وقوله ﵌: " يأبى الله ورسوله والمؤمنون إلا أبا بكر ". وقوله ﵌: " لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلأ ". وقول ابن عمر ﵄: نخير بين الناس في زمان رسول الله ﵌، فنخير أبا بكر ثم عمر ثم عثمان. كل هذه الأحاديث مروية في الصحاح. وفى صحيح مسلم قال رسول الله ﵌: " من أصبح منكم اليوم صائمأ؟ " قال أبو بكر: انا قال: " من تبع منكم اليوم جنازة؟ " قال أبو بكر: انا قال: " من أطعم اليوم منكم مسكيناً؟ " قال أبو بكر: انا قال: " من عاد منكم اليوم مريضاً؟ " قال أبو بكر: انا قال رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم: " ما اجتمعن في امرىء إلا دخل الجنة ". قال بعض العلماء: معناه دخل الجنة بلا محاسبة ولا مجازاة على قبيح الأعمال إلا فمجرد الإيمان يقتضي دخول الجنة بفضل الله تعالى. وقوله ﵌ فيما رواه الترمذي " أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وما لأحد عندنا يد إلا وقد كافيناه بها إلا أبا بكر، فإن له عندنا يدأ يكافيه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مال رجل ما نفعني مال أبي بكر، وما عرضت الإسلام على أحد إلا كان له كبوة إلا أبا بكر فإنه لم يتلعثم ". الحديث. ومن مناقبه أيضاً: مجيئه إلى النبي ﵌ بماله كله، وقوله الله ورسوله لما قال له رسول الله ﵌: " ما تركت لأهلك " وغير ذلك مما يطول ذكره بل تعذر حصره. وروينا في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول رسول الله ﵌ يقول: " بينما راع في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي، فالتفت الذئب إليه فقال: من لها يوم السبع يوم لبس لها راع غيري، وبينما رجل يسوق بقرة قد حمل عليها، فالتفت إليه فقالت: اني لم أخلق لهذا، لكنني إنما خلقت للحرث " فقال الناس: سبحان الله أبقرة تتكلم، قال النبي ﵌: " فإني أومن بذلك وأبو بكر وعمر " وروينا في صحيح مسلم بتقديم قصه البقرة على قصة الشاة. قلت: وناهيك بهذا فضلاً وشرفاً لهما شهادته بالإيمان الكامل. مع كونهما أنهما كانا غائبين

стр. 54

عن ذلك المجلس، كما في الحديث. قال العلماء: انما قال ﵌ ذلك لصدق إيمانهما: هما وقوة يقينهما، وفي ذلك لهما فضل ظاهر، وما ورد من قوله ﵌: " ما فضلكم أبو بكر بكثرة صلاة، ولا صوم ولكن بشيء وقر في صدره " وما جاء أنه كان إذا تنفس يشم منه رائحة الكبد المشوية. واختلف في تسميته عتيقاً، فقيل لقوله ﵌: " من سره أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى أبي بكر ". وقيل لجمال وجهه، وهو في نسبه يجتمع مع رسول الله ﵌ في مرة بن كعب، وهو في العدد مثله بين كل واحد منهما وبين مرة ستة أباء، لأنه أبو بكر بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة وأمه سلمى وهي أم الخير بنت صخر بن عامر بن عمرو التيمية. ولد ﵁ بعد عام الفيل بسنتين وأربعة أشهر إلا أياماً وهو أول من أسلم من الرجال ﵁، وكان خلافته سنتين وأشهراً، وولي الخلافة بعده عمر بن الخطاب باستخلافه له، فرضي المسلمون بذلك، ولم يختلف عليه اثنان. وفي السنة المذكورة توفي أمير مكة عتاب بن أسيد الأموي، واستعمله النبي ﵌ على مكة حين خروجه إلى حنين، فأقام للناس الحج تلك السنة. السنة الرابعة عشرة فتحت فيها دمشق في رجب صلحاً من أبي عبيدة وعنوة من خالد، ثم أمضيت صلحاً بعد أن حوصرت حصاراً طويلاً، وعزل عمر خالداً وجعل الأمر كله إلى أبي عبيدة بن الجراح، وخيف من فتنة تحدث من عزل خالد إذا بلغه الخبر، فلما بلغه ذلك قال: والله لو ولي علي عمر امرأة لسمعت وأطعت، فاستصوب ذلك منه واستحسن، وكان قد نفذه أبو بكر إلى العراق أميراً مقدماً لإقدامه وشجاعته، وعزله عمر لأنه كان يرد المهالك ويغدر بالمسلمين، ولأنه نازع أبا عبيدة وكان أميراً في الشام على المسلمين، وكان عمر يحب أبا عبيدة حباً شديداً، وكان يحفظ الغنائم مع قوله ﵌ واصفاً له أمين هذه الأمة. مع كون عمر قد أشار على أبي بكر ﵄: بتقديم خالد في حرب بني حنيفة، وإنما عزله بعد ذلك لرجحان مصلحة ظهرت له في أبي عبيدة، كان المسلمون

стр. 55

قد راجعوا عمر في أن يمضوا بالصلح. وفي السنة المذكورة كانت وقعة جسر أبي عبيد، واستشهد يومئذ طائفة منهم أبو عبيد بن مسعود الثقفي، هو والد المختار الكذاب، وكان من أجلة الصحابة، وهذه الوقعة في مكان على مرحلتين من الكوفة. وعن الشعبي قال: قتل أبو عبيد في ثمان مائة من المسلمين. وفيها مصر البصرة عتبة بن غزوان، وأمر ببناء مسجدها الأعظم. وفيها فتحت بعلبك وحمص صلحاً. وهرب هرقل عظيم الروم إلى القسطنطينية. السنة الخامسة عشرة فيها وقعة اليرموك، كان المسلمون ثلاثين ألفاً، والروم أزيد من مائة ألف قد سلسلوا أنفسهم الخمسة والستة في سلسلة لئلا يفروا فداستهم الخيل. وقيل كان المسلمون أربعين أو خمسين ألفاً، والروم ألف ألف مع أربعة من ملوكهم، والرماة منهم مائة ألف، وجبلة بن الأيهم ملك غسان معهم بعدما ارتد هو وقومه من العرب لحقوا بهم فصدروهم لقتال المسلمين، وقالوا أنتم تلتقون بني عمكم من العرب فإن كفيتموناهم وإلا لقيناهم نحن، فتقدموا نحو المسلمين وهم ستون ألفاً، فبرز لهم من المسلمين ستون رجلاً انتقاهم خالد من قبائل العرب، فقاتلوهم يوماً كاملاً، ثم نصر الله ستين من المسلمين فهزموهم، وهرب جبلة، وقتلوهم حتى لم ينج منهم إلا القليل، ثم التقى المسلمون مع الروم مرة بعد أخرى حتى أبادوهم بالقتل، وهرب البقية من تحت الليل. واستشهد في اليرموك طائفة من المسلمين، منهم عكرمة بن أبي جهل وعياش بن أبي ربيعة المخزوميان، وكان عكرمة قد حسن إسلامه وقوي إيمانه، حتى كان إذا نظر في المصحف يبكي. وعبد الرحمن بن العوام أخو الزبير، وعامر بن أبي وقاص أخو سعد، فظهرت هناك نجدة جماعة من الصحابة منهم الزبير والفضل بن عباس وخالد بن الوليد في آخرين وعبد الرحمن بن أبي بكر ﵃ أجمعين. وفي شوال وقعة القادسية بالعراق، وقيل كانت في سنة ست عشرة وأمير المؤمنين يومئذ سعد بن أبي وقاص ورأس المجوس رستم ومعه الجالينوس وذو الحاجب، وكان المسلمون نحواً من سبعة آلاف والمجوس ستين، وقيل أربعين ألفاً، وكان معهم سبعون فيلاً

стр. 56

فحصرهم المسلمون في المدائن وقتلوا رؤوسهم الثلاثة المذكورين، وغيرهم. وممن استشهد عمرو ابن أم مكتوم الأعمى المؤذن المذكور في قوله تعالى " أن جاءه الأعمى ". وفي قوله ﵌: " إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم " وأبو زيد الأنصاري، واسمه سعد بن عبيد. وفيها افتتحت الأردن عنوة إلا طبرية، فإنها افتتحت صلحاً. وفيها توفي سعد بن عبادة سيد الخزرج بحوران في جش فمات لوقته. فيقال إن الجن أصابته، وأنه سمع قائلاً في بعض آبار المدينة يقول: نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ... ورميناه بسهم فلم يخط فؤاده قلت قوله نحن من الخرم المعروف في علم العروض بالخاء المعجمة وهو ما يزاد في أول البيت زائداً على وزنه وأكثر ما يكون أربعة أحرف. السنة السادسة عشرة فيها افتتحت حلب وانطاكية صلحاً، وفيها مصر سعد بن أبي وقاص الكوفة، وأنشأها وفيها نزل عمر ﵁ على بيت المقدس، وكان المسلمون قد حاصروا تلك المدينة المباركة، وطال حصارهم، فقال لهم أهلها: لا تتعبوا فلن يفتحها إلا رجل نحن نعرفه، له علامة عندنا فإن كان إمامكم به تلك العلامة سلمناها له من غير قتال، فأرسل المسلمون إلى عمر يخبرونه بذلك، فركب رضي الله تعالى عنه راحلته، وتوجه إلى بيت المقدس، وكان معه غلام له يعاقبه في الركوب نوبة بنوبة، وقد تزود شعيرأ وتمراً وزيتاً، وعليه مرقعة، لم يزل يطوي القفار الليل والنهار إلى أن قرب من بيت المقدس، فتلقاه المسلمون، وقالوا له: ما ينبغي أن يرى المشركون أمير المؤمنين في هذه الهيئة، ولم يزالوا به حتى ألبسوه لباساً غيرها، وأركبوه فرساً، فلما ركب وهسل به الفرس، داخله شيء من العجب، فنزل عن الفرس، ونزع اللباس ولبس المرقعة، وقال أقيلوني، ثم سار في هذه الهيئة إلى أن وصل، فلما رآه المشركون من أهل الكتاب كبروا، وقالوا: هذا هو، وفتحوا له الباب. وفيها توفيت مارية القبطية أم ابراهيم ابن رسول الله ﵌. اهداها له المقوقس ملك الاسكندرية ومصر.

стр. 57

السنة السابعة عشرة فيها استسقى عمر بالعباس ﵄، وقال ما معناه: اللهم أنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا ﵌ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك اليوم بعم نبينا فاسقنا. فسقوا، ثم خرج عمر فيها إلى جهة الشام ورجع لما سمع بالطاعون، بعد ان اختلف المسلمون في ذلك، فأشار عليه بعضهم بالقدوم وأشار بعضهم بالرجوع، فلما عزم على الرجوع قال له أبو عبيدة: افراراً من قدر الله تعالى؟ فقال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة. نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله. ثم ضرب له مثلاً في ذلك معناه أن موضع الخصب يرعى وفي يرغب وموضع الجدب لا يقرب، ثم جاء عبد الرحمن بن عوف، روى لهم حديثاً موافقاً لرأي عمر، معناه أنه لما سمع بالوباء بأرض لا يقدم عليه، وإذا وقع بأرض هو فيها لا يخرج منها، ففرح عمر بذلك، وحمد الله تعالى إذ وافق رأيه الحديث المذكور، وهذا كله معنى الحديث الصحيح الوارد في ذلك. وفي السنة المذكورة زاد عمر في مسجد رسول الله ﵌ وفيها افتتح أمير البصرة أبو موسى الأشعري الأهواز، وفيها كانت وقعة جلولاء، وقتل فيها من المشركين مقتلة عظيمة، وبلغت الغنائم فيها ثمانية عشر ألف ألف، وقيل ثلاثين ألف ألف، وفيها تزوج عمر ﵁ بأم كلثوم بنت فاطمة الزهراء، ﵄. السنة الثامنة عشرة فيها طاعون عمواس بالعين والسين المهملتين وفتح الأحرف الثلاثة الأولى في ناحية الأردن فاستشهد فيها أبو عنيدة بن الجراح القرشي الفهري أمين هذه الأمة وأمير أمراء الشام، وهو ممن شهد بدراً وما بعدها من المشاهد، وهو الذي انتزع من وجه رسول الله ﵌ حلقتي الدرع، والمراد به المغفر ومن مناقبه العظيمة: قول رسول الله ﵌: " إن لكل أمة أميناً وإن أمينك أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح ". حديث صحيح. وكان من أجمل الناس وجهاً وأشجعهم قلباً، شهد مع النبي ﵌ بعض الغزوات، وحجة الوداع، وأردفه خلفه. وممن استشهد فيه أيضاً الفضل بن عباس، ومعاذ بن جبل الأنصاري الخزرجي.

стр. 58

وعمره ست وقيل ثمان وثلاثون سنه، وفضائله مشهوره. ومنها قوله ﵌ والله: " إني لأحبك يا معاذ " ومنها أنه بعثه ﵌ إلى اليمن قاضياً، وقال له " بم تقضي؟ " قال: بكتاب الله. قال: " فإن لم نجد؟ " قال: بسنة رسول الله. قال: " فإن لم نجد؟ " قال: اجتهد برأيي. فقال رسول الله ﵌: " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله " ومعلوم أنه لا يبعث ﵌ قاضياً إلا عالماً أميناً، ويكفيك في علمه أنه بين طرق الأحكام فأجاد. قلت فإن قيل: ومن طرق الأحكام أيضاً الإجماع ولم يذكره معاذ فالجواب إن حكم الإجماع متعذر مع بقائه ﵌ ومنها قوله ﵌ لأصحابه: " وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ " الحديث ومنها أنه من الأربعة الذين جمعوا القرآن من الخزرج، وذكر بعض المؤرخين أنه لا خلاف أنه الذي بنى مسجد الجند. وفي السنة المذكورة توفي يزيد بن أبي سفيان بن حرب الأموي. وأبو جندل بن سهيل. وأبوه سهيل بن عمر والقرشي العامري كان من رؤوس قريش وخطبائها البلغاء الفصحاء، موصوفاً بالحلم والعقل، قام بمكة يوم مات النبي ﵌ في تسكين الناس، مثل ما قام أبو بكر في المدينة بعدما خاف أمير مكة عتاب بن أسيد وتعب، ولعل هذا المقام الذي أشار إليه النبي ﵌ في قوله لعمر لعله يقوم مقاماً تحمده عليه، لما قال له عمر: دعني أكسر ثناياه حتى لا يقوم عليك خطيباً بعدها في قريش، بقوله في منصرفهم من بدر بأسرى قريش وهو فيهم. قلت ومن عقله وحلمه ما ذكر أهل السير أنه قدم المدينة في جماعة من شيوخ قريش، منهم أبو سفيان بن حرب. فاستأذنوا على عمر، فلم يأذن لهم، واستأذن عليه أناس من فقراء المسلمين وضعفائهم، فأذن لهم، فقال أبو سفيان، يا معشر قريش: ما رأيت كاليوم عجباً، انه ليؤذن لهؤلاء المساكين، او قال الموالي فيلجون، وكبار قريش في الباب تسقى في وجوههم الريح التراب، ولا يلتفت إليهم، فقام سهيل بن عمرو وقال: تالله إني لأرى ما في وجوهكم من الغضب، فإن كنتم ولا بد غاضبين فاغضبوا على أنفسكم، فإن الله تعالى دعا هؤلاء فأسرعوا، ودعاكم فأبطأ ثم، والله إن الذي سبقوكم فيه، من الخير خير من الذي تنافسون فيه في هذا الباب، ولا أرى لأحد منكم أن يلحق بهم إلا أن يخرج إلى هذا الوجه من الجهاد، لعل الله تعالى يرزقه الشهادة، ثم ركب وسافر إلى الشام ليجاهد مع من فيه من المسلمين، قال الحسن البصري: بعد كلامه في هذه القضية: لله دره ما أعقله!.

стр. 59

قلت ومن عقله أيضاً انه كان يقرأ القرآن على بعص الموالي بمكه، ويتردد إليه، فعاب عليه بعض المتكبرين من قريش، فقال سهيل ما معناه: هذا الكبر والله الذي حال بيننا وبين الخير. ولما رآه ﵌ يوم الحديبية مقبلاً رسولاً من قريش قال سهل لكم أمركم، م وقع الصلح على يده. وفي السنة المذكورة مات شرحبيل ابن حسنة. والحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، كلاهما من الرؤوس الجلة وقيل إن الحارث المذكور استشهد في اليرموك، وهو أخو أبي جهل بن هشام، وفيها افتتحت حران والموصل والسوس وتستر. السنة التاسعة عشرة فيها فتحت تكريت وقيساريه، وتوفي أبو المنذر أبي بن كعب الأنصاري الخزرجي سيد القراء، ﵁ على اختلاف في زمان موته في أي سنة هو وسيأتي ذكره بعد. ويزيد بن أبي سفيان على الخلاف المتقدم. سنة عشرين فيها افتتح عمرو بن العاص بعض ديار مصر، وتوفي بلال بن حمامة الحبشي مؤذن النبي ﵌ بداريا من بلاد الشام وفضائله مشهورة: منها تقدمه بالإسلام، وصبره على تعذيبه واذائه، وجد أن النبي ﵌ له تجاهه في الجنة. ولما حضرته الوفاة كانت امرأته تقول: واحزناه وهو يقول: واطرباه غداً نلقى الأحبة محمداً وحزبه. وفيها توفيت أم المؤمنين زينب بنت جحش القرشية الأسدية ﵂، ومن فضائلها: قوله تعالى " فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها " - الأحزاب: ٣٧ - وقوله ﵌ لنسائه: " اسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً " وكانت أطولهن يدا في الصدقة والجود وفعل الخير، فماتت أولهن، فعلموا أن المراد طول اليد في الصدقة والجود، وكانت سودة أطولهن يداً بالجارحة، وزينب هي التي كانت تسامي عائشة في المنزلة. وفيها توفي أبو الهيثم بن التيهان الأنصاري وهو الذي قصده النبي صلى الله عليه وآله

стр. 60

وسلم وأبو بكر وعمر فأكرمهم، وقال: من أكرم اليوم منا ضيفاً؟. وفيها توفي أسيد بن حضير الأنصاري، وهو الذي رأى السكينة عند قراءة القرآن، والذي قال: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، لما نزلت آية التيمم لما وقفوا في السفر على غير ماء عند فقد عائشة ﵂ العقد. وفيها توفي عياض بن غنم الفهري نائب أبي عبيدة على الشام، وفيها توفي أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، وسعيد بن عامر الجمحي، وهرقل ملك الروم، وقيل قتل مسلماً في الباطن. سنة إحدى وعشرين فيها فتح مصر وتوفي الأمير الكبير البطل الشهير ميمون النقيبة ذو الهمة النجيبة سيف الله أبو سليمان خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي ابن ستين سنة على فراشه بعد ارتكابه العظائم بين القتا والصوارم في كثير من المعارك، فسلمه الله من المهالك، وهو من بعثه ﵌: الى اليمن، ومناقبه مشهورة ويكفي فيها قوله ﵌: ثم " أخذها يعني الراية سيف من سيوف الله عن غير إمرة ففتح الله على يده ". وفيها وقعة نهاوند. دامت المصاف فيها ثلاثة أيام، ثم جاء النصرة، واستشهد أمير المؤمنين النعمان بن مقرن المزني، وكان من سادات الصحابة، فنعاه عمر للناس على المنبر، وأخذ حذيفة بن اليمان الراية من بعده، ففتح الله على يده، وولى عمار بن ياسر إمامة الصلاة بالكوفة، لما شكا أهلها سعد بن وقاص، وولى عبد الله بن مسعود بيت المال. وفيها توفي العلاء بن الحضرمي، استشهد فيها بنهاوند طليحة بن خويلد الأسدي، وكان قد ارتد وادعى النبوة، ثم أسلم وحسن إسلامه، وكان يعد بألف فارس. سنة اثنتين وعشرين فيها فتح آذربيجان على يد المغيرة بن شعبة، ومدينة نهاوند صلحاً والدينور مع همدان عنوة على يد حذيفة، وطرابلس المغرب على يد عمرو بن العاص. وفيها افتتحت جرجان، وتوفي أبي بن كعب مع خلاف تقدم فيه في التاسعة عشر. ومن مناقبه أنه من الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله

стр. 61

وسلم وكلهم من الأنصار: معاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبو زيد فييما رواه مسلم وروى غيره حفظ جماعات من الصحابة في عهد النبي ﵌ وذكر بعض العلماء منهم خمسة عشر صحابياً، وثبت في الصحيح قتل يوم اليمامة سبعون ممن جمع القرآن، وكانت اليمامة قريباً من وفاة النبي ﵌، فهؤلاء ممن جمعوه وقيل فكيف بالذين جمعوه ولم يقتلوا، وهذا يرد على بعض الملاحدة في ادعائه عدم تواتر القرآن. ومن مناقب أبي أيضاً قول النبي ﵌: " وأقرأكم أبي " وقوله ﵌: " إن الله أمرني أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا " قال: وسماني؟ قال: نعم. قال: فبكى، وفي رواية فجعل يبكي، وكان بكاؤه مسروراً واستصغاراً لنفسه عن تأهله لهذه النعمة العظيمة والمنزلة الكريمة. وقوله ﵌ " ليهنك العلم أبا المننر والأربعة المذكورون الذين حفظوا القرآن من الأنصار كلهم من الخزرج ". وفي الأوس أربعة لهم مناقب يقابل بهم هؤلاء الأربعة، وهم سعد بن معاذ الذي اهتز لموته عرش الرحمن، وحنظلة بن الراهب غسيل الملائكة، وقتادة بن النعمان الذي رد النبي ﵌ عينه بعدما سألت، وذو الشهادتين خزيمة بن ثابت رضي الله تعالى عنهم. سنة ثلاث وعشرين فيها توفي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب القرشي العدوي ﵁ شهيدأ، طعنه غلام المغيوة بن شعبة في صلاة الصبح لليالي بقين من ذي الحجة. ومن مناقبه: قول رسول الله ﵌: " بينما أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة إلى جانب قصر فقلت لمن هذا القصر قالوا لعمر " الحديث أخرجه البخاري. وقوله ﵌: " بينما أنا نائم إذ رأيت قدحاً أوتيت به وفيه لبن فشربت منه حتى انظر إلى الري يجري في ظفري ". او قال في أظفاري " ثم ناولت عمر " قالوا فما أولت؟ قال: " المعلم ". رواه مسلم. وفي رواية الترمذي قال رسول الله ﵌: " رأيت كأني أتيت بقدح لبن فشربت منه فأعطيت فضلي عمر بن الخطاب "

стр. 62

وقوله ﵌: " بينما أنا نائم رأيت الناس عرضوا علي وعليهم قميص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك وعرض علي عمر وعليه قميص اجتره " قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: " الدين ". رويناه في الصحيحين وفي رواية مسلم يجره. وقوله ﵌: " إيه يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك " رواه البخاري. وقوله ﵌ " لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر ". رويناه في الصحيحين واللفظ للبخاري. وقوله ﵌ وقد رجف بهم أحد ومعه أبو بكر وعمر وعثمان: " اثبت فما عليك إلا نبي أوصديق أو شهيد ". وفي حديث آخر " أو شهيدان " رواه البخاري. وقوله ﵌: " رأيت في المنام أني أنزع بدلو وبكرة على قليبة "، وذكر أبا بكر إلى أن قال: " ثم جاء عمر " فاستحالت غرباً فلم أرعبقرياً يفري فرية حتى روى الناس وضربوا بعطن. وقوله ﵌ في كلام السبع: " فإني أؤمن بذلك وأبو بكر وعمر " كما تقدم. وقول علي ﵁ لما توفي عمر: ما خلفت أحداً أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك وأيم الله إن كنت أظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وحسبت أني كنت كثيراً أسمع النبي ﵌ يقول: " ذهبت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر " رواه البخاري وفي الترمذي قال ﵌ لأبي بكر وعمر: " هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين ". وروى أبو داود والترمذي أن النبي ﵌ قال: " إن أهل الدرجات العلى ليتراءون من تحتهم كما تراؤون النجم الطالع في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما ". ومما جاء في فضل عمر أيضاً ما كشف له عند قوله يا سارية الجبل. والحديث المشهور أنه سراج أهل الجنة. وقول عمر ﵁ في الحديث الصحيح: وافقت ربي في ثلاث في مقام ابراهيم، وفي الحجاب، وفي أسرى بدر، قلت: وقد وافق القرآن أيضاً في ثلاث أخرى مذكورة بنصوص أخرى: وهي عسى ربه أن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً

стр. 63

منكن. وفي منع الصلاة على المنافقين، وفي تحريم الخمر، وبشره رسول الله ﵌ بالجنة، وكذا بشر أبا بكر وعثمان يوم بيراريس، شهد له النبي ﵌ أن الله تعالى جعل الحق على لسانه وقلبه. وروي أنه قال ﵌: " لو كان نبياً بعدي لكان عمر ". وقال في وصف أمته ﵌: " وأشدهم في الله عمر ". وكانت أيامه باهجة زاهرة وسيرته الحسناء محمودة فاخرة، والعناية مؤيدة له ناضرة، وتوفي وعمره ثلاث وستون سنة، وقيل خمس وخمسون، وخلافته عشر سنين وسبعة أشهر وخمس ليال، وقيل غير ذلك ودفن مع صاحبيه في حجرة عائشة ﵂، بعد أن استأذنها في حياته، وأوصى أن يستأذن أيضاً بعد موته، فأذنت وهو في نسبه يجتمع مع النبي ﵌ في كعب بن لؤي، بينه وبين النبي ﵌ سبعة آباء، وبينه وبين عمر ثماني آباء، لأنه عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي. وقد روي عن بعض السلف الأخيار وهو سليمان بن يسار ﵀ أنه قال: ناحت الجن على عمر ﵁. عليك سلام من أمير وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزق قضيت أموراً ثم غادرت بعدها ... بوائق في أكمامها لم تفتق فمن يسع أو يركب جناحي نعامة ... ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق أبعد قتيل بالمدينة أظلمت ... له الأرض يهتز العصاة بأسوق وفضائله أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر، وسيرته أحسن من أن تمدح وتشهر، وإلى شيء من فضائله أشرت بقولي: وفاروقهم ما في الطغا منه بالوغا ... لقيصر إرعاد وكسرى وتبع ومن عجب أن الملوك تهابه ... ويخشاه ناء في قميص مرقع أبى عن لذيذ العيش محدث منزل ... وعش، نداه مخصحب كل مرتع سراج جنان الخلد محمود سيرة ... نطوق بحق خائف متورع وقولي في أخرى. أقام شعار الدين أعلى منارة ... على همة فيه وجل وشمرا له سيرة محمودة فيه هيبة ... ومن مهجة الشيطان يبعد مدبرا إذا قال قولاً وافق هيبة ... نطوق بحق ليس في ذاك امترا

стр. 64

لسان هدى لا يخشى لومة لائم ... إدا لامه في الله أو فيه عيرا وقولي في أخرى. ومظهر الدين في أعزازه عمر ... مذلل الكفر قد هابته كفار سراج جنات عدن منه باهجة ... رياضها الغربا لأنوار زهار ولما حضرته الوفاة، قيل له: الا تستخلف؟ قال: لا أتحملها حياً وميتاً فروجع في ذلك، فقال: الخليفة بعدي أحد هؤلاء الستة. وذكر عثمان وعلياً وطلحة والزبير وسعداً وعبد الرحمن بن عوف، جعل الأمر شورى بينهم، فتشاوروا، ثم أمضى الأمر إلى عثمان ﵃ أجمعين. وفي السنة المذكورة توفي قتادة بن النعمان الظفري الذي وقعت عينه يوم أحد فردها النبي ﵌ إلى مكانها، فكانت أحسن عينيه، وفي ذلك يقول ابنه: لما سأله بعض الخلفاء من بني أمية من أنت. أنا ابن الذي سألت على الخد عينه ... فردت بكف المصطفى أحسن الرد وكان قتادة المذكور بدرياً نزل في قبره عمر ﵄. سنة أربع وعشرين في أولها بويع ذو النورين عثمان ﵁ بالخلافة، وقد أوضحت كيفية بيعته في كتاب: في علم الأصول، وتوفي فيها سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكان إسلامه حسناً. سنة خمس وعشرين فيها انتقض أهل الري فغزاهم أبو موسى الأشعري، أهل الاسكندرية فغزاهم عمرو بن العاص، فقتل وسبا، واستعمل عثمان على الكوفة أخاه لأمه الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فجهز سليمان بن ربيعة الباهلي في اثني عشر ألفاً إلى برذعة فقتل وسبا.

стр. 65

سنة ست وعشرين فتحت سابور على يد عثمان بن أبي العاص، صالحهم على ثلاثة آلاف ألف درهم، وزاد عثمان في المسجد الحرام. سنة سبع وعشرين فيها ركب معاوية بالجيش في البحر، وغزا قبرص، لت هذا ذكره بعض المؤرخين قبرس بالسين دون الصاد. وقيل كانت هذه الغزوة في سنة ثمان وعشرين ، وعزل عمرو بن العاص بعبيد الله بن سعد بن أبي سرح عن مصر، فغزا عبيد الله إقليم إفريقية وافتتحها، فأصاب كل إنسان ألف دينار، وقتل ملكهم جرجير، وكان في مائة ألف، وبلغ سهم الفارس وفرسه ثلاثة آلاف دينار. وفيها توفيت أم حرام بنت ملحان بقبرس، كانت مع زوجها عبادة بن الصامت ﵄. سنة ثمان وعشرين فيها انتقض أهل آذربيجان، غزاهم الوليد بن عقبة، ثم صالحوه. سنة تسع وعشرين فيها افتتح عبد الله بن عامر بن كريز بالمثناة من تحت بين الراء والزاي مدينة اصطخر عنوة بعد قتال عظيم. وفيها عزل عثمان أبا موسى عن البصرة، وعثمان بن أبي العاص عن فارس، وجمع لعبد الله بن عامر، وكان شهماً شجاعاً، فافتتح فتحاً كبيراً بلاد فارس، ثم بلاد خراسان جميعاً في سنة ثلاثين . سنة ثلاثين فيها توفي حاطب بن أبي بلتعة، وكان بدرياً، وفيه قال ﵌: لما

стр. 66

قال عمر: دعني أضرب عنقه لما كتب إلى قريش بعلمهم بعزم النبي ﵌ على قصد مكة بالعساكر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: " اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ". وفي حاطب المذكور نزل قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة " - الممتحنة: ١ -. ولما قيل لرسول الله ﵌: ليدخلن حاطب النار: قال ﵌: " كذبت لا يدخلها فإنه شهد بدر أو الحديبية ". وفيها افتتح ابن عامر سجستان مع فارس وخراسان، هرب ابن كسرى، واعتمر ابن عامر، فاستخلف الأحنف بن قيس على خراسان، اجتمعوا جمعاً لم يسمع بمثله، فالتقاهم الأحنف فهزمهم، ولما كثرت الفتوحات في العام المذكور، وأتى الخراج من كل جهة، اتخذ عثمان له الخزائن، وقسمه وكان يأمر للرجل بمائة ألف. سنة إحدى وثلاثين تكامل فيها فتح خراسان، وتوفي أبو سفيان بن حرب الأموي، وقيل في السنة الآتية ومما حصل له من المناقب من النبي ﵌ ما روينا في الصحيح أنه قال: يا نبي الله ثلاث أعطيكهن قال نعم قال عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها قال نعم، قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك، قال: نعم، وقال وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: نعم. قال: ابو زميل بضم الزاي وفتح الميم وسكون المثناه من تحت وهو راوي ذلك عن ابن عباس لولا أنه طلب ذلك من النبي ﵌ ما أعطاه، ذلك لأنه لم يكن يسأل شيئاً إلا قال نعم. قلت هذا الحديث مشكل عند المحدثين لأن أبا سفيان ما أسلم إلا يوم فتح مكة، وكان النبي ﵌ قد تزوج بأم حبيبة قبل ذلك بزمن طويل، تزوجها وهي في أرض الحبشة كانت مع الذين هاجروا من المسلمين إلى أرض الحبشة، وأبو سفيان المذكور هو المقدم رئيس قريش بعد رؤوسهم المقتولين في بدر، وذهبت كلتا عينيه في الجهاد، احداهما في تبوك، والأخرى في اليرموك. وفيها توفي الحكم بن أبي العاص الأموي والد مروان قرابة عثمان عفان ﵁، وكان يفشي سر النبي ﵌. قيل: كان يحاكيه في مشيه فطرده ﵌ إلى الطائف، فلم يزل طريداً إلى أن استخلف عثمان فأدخله المدينة، واعتذر لما طعن في ذلك بأنه كان قد شفع فيه إلى النبي ﵌ فوعده برده.

стр. 67

قلت هكذا رأيت أن أذكر عذر عثمان رضي الله تعالى عنه في ذلك. وأما قول الذهبي: طرده النبي ﵌، فلما استخلف عثمان أدخله المدينة وأعطاه مائة ألف من غير ذكر عذر لعثمان، فإطلاق قبيح يستشنعه كل ذي إيمان بفضل الصحابة أولي الحق والإحسان. سنة اثنتين وثلاثين فيها توفي العباس عم رسول الله ﵌ ابن ست وثمانين سنة ومن مناقبه من عقبه جميع الخلفاء المعروفين ببني العباس، وأن عمر رضي الله تعالى عنه استسقى به في خلافته بكونه عم النبي ﵌ فسقوا. وكان يوم حنين هو وابن أخيه أبو سفيان بن الحارث، احدهما آخذ بلجام بغلة النبي ﵌، والآخر آخذ بركابها لما انهزم المسلمون إلا جماعة منهم، فأمره النبي ﵌ أن يبادي بأصحاب الشجرة ثم بالأنصار، فردوا لما عرفوا صوته وكان صيتاً ينادي من جبل صلع غلمانه وهم في الغابة من آخر الليل، فيسمعهم، ومسافة ذلك قدر ثمانية أميال. وتوفي في السنة المذكورة عبد الرحمن بن عوف الزهري، احد العشرة المشهود لهم بالجنة، وصنائعه معروفة، وسعة غنائه بالمكارم محفوفة منها أنه باع مرة أرضاً بأربعين ألف دينار، فتصدق بها، ومنها ما ورد أنه تصدق بعير له كبيرة أقبلت من الشام، وبما عليها من أنواع البضائع. قلت وذكر الشيخ الحافظ أبو عبد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني في كتاب المقتبس قال: قتل عبيد الله بن معمر التيمي لأربعين سنة برستاق من رساتيق اصطخر في زمن عثمان بن عفان، ولم يبين في أي سنة، وقال اشترى عبيد الله بن معمر جارية فارهة بعشرين ألف دينار، كانت تسمى الكاملة في عمل الغناء وجودة الضرب ومعرفة الألحان والقرآن والشعر والكتابة وفنون الطبيخ والعطر، وكانت عند فتى قد أدبها لنفسه، وكان بها معجباً وواجداً بها وجداً شديداً، فلم يزل ينفق عليها حتى أتلف واحتاج، فحمل يسأل اخوانه. قلت ذلك حيناً، وهو في نكد وضيق شديد في معيشتهما، فقالت الجارية والله إني لأرى لك، وأشفق عليك، وأرغب بك، عن ما أنت فيه، ولو أنك بعتني، نلت غنى الدهر ولعل الله أن يصنع لنا جميلاً، فحملها إلى عبيدة الله بن معمر فأعجبته، فاشتراها بالثمن المذكور، فلما قبض الفتى المال، استشعر كل واحد منهما إلى صاحبه فأنشدت. هنيئاً لك المال الذي قد حويته ... ولم يبق في كفي إلا تفكري أقول لنفسي وهي في عين كربة ... أقلي فقد بان الحبيب أو اكثري

стр. 68

إذا لم يكن للمرء عندك حيلة ... ولم تجد شيئاً سوى الصبر فاصبر فقال الفتى: ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرقنا شيء سوى الموت فاعذري أبوء بحزن من فراقك موجع ... أناجي به قلباً طويل التفكر عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر فقال عبيد الله ورق لهما خذ بيدها، وانصرفا راشدين، والمال الذي نقدته في ثمنها أنفقه عليها، والله لا أخذت منه درهماً، او قال شيئاً قال ومات ابنه عمر بالشام في موضع يقال له ضمير بضم الضاد المعجمة، قيل الراء مثناة، رثاه الفرزدق بأبيات أولها. يا أيها الناس لا تبكوا على أحد ... بعد الذي بضمير وافق القدرا كانت يداه لكم سيفاً يعاذ به ... من العدو وغيثاً ينبت الشجرا أتى قريش أبو حفص فقد رزيت ... بالشام أو فارقتك الناس والظفرا وفي السنة المذكورة توفي مقر الفضائل والسعود عبد الله بن مسعود الهذلي ﵁ ومن مناقبه ﵁ قول النبي ﵌: " خذوا القرآن عن أربعة وذكر منهم ابن مسعود ". ومنها أنه كان هو وأمه من رآهما حسب أنهما من أهل بيت رسول الله ﵌ من كثرة دخولهما ولزومهما له، ومنها إنه كان عالماً بكتاب الله، قال ولقد علم أصحاب رسول الله ﵌ إني أعلمهم بكتاب الله، ولو أعلم أن أحداً أعلم مني لرحلت إليه. قال الراوي: فجلست في حلق أصحاب رسول الله ﵌ فما سمعت أحداً يرد ذلك عليه ولا يعيبه. قال العلماء وفي هذا دليل بجواز ذكر الإنسان بنفسه بالفضيلة والعلم ونحوه للحاجة، ومناقبه كثيرة شهيرة وهو الذي جز رأس أبي جهل يوم بدر بعد ما أثخنته الجراح من الأنصاريين، ولم يبق فيه إلا الرمق. وروي أن أبا جهل قال لما أراد أن يجز رأسه: لقد رقيت مرقى صعباً يا رويغى الغنم وكان ﵁ مفتياً مرجوعاً إليه في المشكلات، بالاتفاق بين علماء الحجاز والشام والعراق، وهو الذي أشار إليه بعض الصحابة: لا تسألوني عن شيء، ما دام هذا الحبر بين أظهركم. وفي السنة المذكورة توفي أبو الدرداء عويمر بن زيد وقيل ابن عبيد الله الأنصاري

стр. 69

الخزرجي، أسلم بعد بدر، وكان حكيم هذه الأمة، ولي قضاء دمشق، وفضائله معروفة ومحاسنه موصوفة، وكان سلمان مواخياً له، وكان يغذ له فيما هو فيه من شدة المجاهدة، وهو القائل لامرأته أم الدرداء لما قالت له ما عندنا شيء يعني من النفقة: يا هذه إن بين أيدينا عقبة كؤدا لا يجوزها إلا المحققون. ولما دخل بيتهم رآها متبذلة، قال لها: ما شأنك؟ قالت: ان أخاك ليس له حاجة في الدنيا. فوعظه وقال إن لربك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، واضيفك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، فاعط كل ذي حق حقه. وفيها توفي أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري الذي عند انتهاك المحارم لا تأخذه في الله لومة لائم وفضائله كثيرة، منها تقدم إسلامه وما تحمل فيه من الشدائد عند إعلانه بالصدق بين ظهراني في كل كفور من قريش معايذاً، ما لاقى في ضمن ذلك من المحن، وتغذيه بماء زمزم حتى ظهر فيه السمن. وتوفي أبو سفيان بن حرب على خلاف فيه تقدم، وعبد الله بن يزيد بن عبد ربه الأنصاري الذي أري الأذن وكان بدرياً. سنة ثلاث وثلاثين فيها توفي المقداد بن الأسود الكندي، وقد شهد بدراً، وهو القائل يومئذ: والله يا رسول الله ما نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى " اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون " ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك ومن أمامك ومن خلفك. فسر رسول الله ﵌ بذلك، حتى رؤي البشر في وجهه، وكان يومئذ فارساً قطعاً. وفي الزبير اختلاف دون غيرهما بلا اختلاف، وفضائله في الشجاعة والنجابة معروفة، وهو من الصحابة، وفيها غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح بلاد حبشة. سنة أربع وثلاثين فيها أخرج أهل الكوفة سعيد بن العاص، رضوا بأبي موسى، وكتبوا فيه إلى عثمان، فأمره عليهم، ثم رد عليهم سعيد، فخرجوا ومنعوه. وفيها توفي أبوطلحة الأنصاري أحد النقباء ليلة العقبة، الذي قال فيه ﵌: " صوت أبي طلحة في الجيش خير من فئية " وعبادة بن الصامت الخزرجي أحد النقباء ليلة العقبة مات بالرملة، قيل بالقدس، بعد أن ولى قضاءها. وفيها توفي أعلم أهل الكتاب به وبالآثار المشهور بكعب الأحبار، اسلم في زمان أبي

стр. 70

بكر وروى عن عمر، وفيها توفي مسطح بن أثاثة وكان بدرياً. سنة خمس وثلاثين فيها توفي عامر بن ربيعة وعبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وكان جليلاً نبيلاً من أحسن الناس وجهاً، ولاه رسول الله ﵌ الجند بفتح الجيم والنون ومخاليفها من بلاد اليمن. وفي أواخر السنة المذكورة حصر المصريون عثمان بن عفان القرشي الأموي ﵁ ليخلع نفسه من الخلافة، ولم يزالوا حاصرين له إلى أن آن الوقت الذي تصيبه فيه المصيبة التي أخبر عنها رسول الله ﵌ بقوله: " فتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه ". والتي أشار ﵌ إلى نيله الشهادة بها بقوله ﵌ لما تحرك جبل أحد: " أسكن أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان ". وكان عليه ﵌ ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فتجرأ عليه أراذل من رعاء القبائل، واقتحموا عليه داره، فقتلوه، قيل: وكان المتعصبون عليه حينئذ أربعة آلاف. وسبب قتلهم له على ما قيل إنهم طلبوا منه ما لهم من العادة التي يأخذه الجند من ولاة الأمر، فأمر من كتب لهم بذلك إلى عامله في مصر، فلما كانوا في أثناء الطريق، فتحوا الكتاب، فوجدوا فيه الأمر بقتلهم، فرجعوا إليه، وقالوا كيف تأمر بقتلنا؟ فقال: ما كتبت الكتاب وإنما كتبه غيري. فقالوا: ان كان خطك فقد أمرت بقتلنا، وإن كان خط غيرك فقد زور عليك، وتغلب على أمرك، فما تصلح للخلافة. قلت وليس في هذا حجة لهم. بل قولهم ظاهر البطلان، فإن الأخيار ليسوا بمعصومين من تزوير الأشرار. ويقال إن الذي زورعليه مروان. والله أعلم بذلك ممن كان. وروينا في جامع الترمذي أنه جاء عبد الله بن سلام إلى عثمان فقال له: ما جاء بك؟ فقال: جئت في نصرتك. قال: اخرج إلى الناس، فأخبرهم عني فإنك خارج خير لي من داخل، فخرج عبد الله بن سلام، فقال: ايها الناس إنه كان اسمي في الجاهلية فلان فسماني رسول الله ﵌ عبد الله. ونزلت عليه آيات من كتاب الله، ونزلت في قوله تعالى " وشهد شاهد من بني

стр. 71

إسرائيل على مثله " الأحقاف الآية ونزلت في " قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب " الرعد، ان لله سيفاً مغموداً عنكم، وإن الملائكة قد جاورتكم في بلدكم هذا الذي نزل فيه نبيكم، الله الله في هذا الرجل، ان تقتلوه فو الله إن قتلتموه لتطردن جيرانكم من الملائكة، وليسلن سيف الله المغمود عنكم، فلا يتغمد إلى يوم القيامة، فقالوا: اقتلوا اليهودي واقتلوا عثمان. قال الترمذي هذا حديث حسن غريب. قال علماء السير والتاريخ: وكان قتلهم له في يوم الجمعة ثاني عشر ذي الحجة والمصحف بين يديه، فانتضح الدم، ووقع على قوله تعالى: " فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم " البقرة وعمره يومئذ بضع وثمانون سنة، وقيل تسعون، وقيل غير ذلك والله أعلم. وقد اشتهر عنه ﵁ أنه ما أراد القتال، والدفع عن نفسه بل قال لارقائه: وكانوا مائة عبد، وقيل أربع مائة من أغمد سيفه فهو حر لله، فأغمدوا سيوفهم كلهم إلا واحد منهم، فإنه قاتل حتى قتل. وإن علياً كرم الله وجهه أرسل إليه ابنه الحسن بماء للشرب، وقال له إن اخترت أن آتيك للنصر أتيت، فقال ﵁: لا فإني رأيت النبي ﵌ يقول لي إن قاتلتهم نصرت عليهم، وإن لم تقاتل أفطرت الليل عندنا، وأنا أحب أن أفطر عند رسول الله ﵌ وكان ﵁ صائماً. ونقل عن علي ﵁ أيضاً أنه لما بلغه قتله قال: الله المستعان ما كنا نظن أن يبلغ الأمر إلى هذا الحد وصلى عليه جبير بن مطعم، وقيل غيره ودفن في البقيع، ﵁ وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة وأياماً وقيل الأشهر وكانت ولايته بجعل عمر الخلية بعده شورى بين الستة الجلة من الصحابة المشهورين في الحديث كما تقدم، فتشاورا، بينهم، ثم آل الأمر إليه، واتفق الصحابة كلهم عليه. ونسبه يجتمع مع النبي ﵌ في عبد مناف، وبين النبي ﵌ وبينه ثلاثة آباء، وبين عثمان وبينه أربعة، لأنه عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة وأم أروى أم حكيم بنت عبد المطلب، الملقبة بالبيضاء توأمة عبد الله بن عبد المطلب. فجدة عثمان من قبل أمه عمة النبي ﵌، وقد قال لي بعض من يبغضه على وجه الطعن فيه مع إظهار التبجيل له: ما بال عثمان وهو من سادات الصحابة ما دفن إلا بعد يومين أو ثلاثة أيام؟ فقلت له: ليس ذلك بأشنع ولا أفظع من تطواف الفجرة بالبلدان برأس الحسين ابن المصطفى من ولد عدنان فخشي وولى وسكت خجلاناً.

стр. 72

واتفق أهل الحق من جميع علماء أهل السنة أن عثمان ﵁ قتل مظلوماً شهيداً، وللقتل أسباب تقتضيه لم يأت عثمان شيئاً منها، وجميع ما أنكر عليه أجيب عنه رحمة ابثه تعالى عليه ومن أوجب قتله لم يكن ذلك إلى مثل هؤلاء السفلة أولي الشرور وإنما يكون إلى أهل الحل والعقد في الأمور. قلت وليس يحصى فضائل عثمان وما له من المحاسن والإحسان الشاهدة له بالشهادة الحسنة والسعادة بالجنة. منها قول النبي ﵌ لبوا به لماء جاء يستأذن: " إيذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه " أخرجه البخاري وأخرجه مسلم من طرق قال في إحداها: فقال اللهم صبراً والله المستعان. وقوله ﵌ وقد صعد أحداً ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف: " اسكن أحد فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيدان " قال الراوي وهو أنس أظنه ركضه برجله وقال اسكن أحد الحديث أخرجه البخاري وقد تقدم. وقوله ﵌: " لا أستحيي ممن يستحي منه الملائكة " وفي بعض النسخ: " من رجل يستحي منه الملائكة " لما قالت له عائشة: دخل أبو بكر فلم تهش له، ولم تباله، ثم دخل عمر، ولم تهش له، ولم تباله، ثم دخل عثمان، فجلست فسويت ثيابك. ورواية البخاري أنه كان ﵌ قاعداً في مكان فيه ماء قد انكشف عن ركبته أو ركبتيه فلما دخل عثمان غطاها. وفي رواية مسلم كان ﵌ مضطجعاً في بيته كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه فاستأذن أبو بكر الحديث. وفي حديث مسلم الآخر أن عثمان رجل حيي وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إلي في حاجته. وفي الحديث المتقدم عن ابن عمر ﵄ في تفضيلهم بعد النبي ﵌ أبا بكر ثم عمر ثم عثمان. ومن مناقبه أيضاً تزويج النبي ﵇ بابنتيه رقية وأم كلثوم، ولذلك لقب بذي النورين، يقال إنه ما تزوج من بني آدم ابنتي نبي سواه. ومنها تجهيزه جيش العسرة، وحفره بير رومة روينا في جامع الترمذي أيضاً عن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان إلى النبي ﵌ بألف دينار حين جهز جيش العمرة، فنشرها في حجره، فجعل النبي ﵌ يقلبها بيده

стр. 73

ويقول: " ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم ". وروينا في جامع الترمذي أيضاً عن عبد الرحمن بن خباب قال: شهدت رسول الله ﵌ يحض على تجهيز جيش العسرة، فقام عثمان بن عفان، فقال: يا رسول الله علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش، فقام عثمان وقال: يا رسول الله علي ثلاث مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، قال: فأنا رأيت رسول الله ﵌ ينزل عن المنبر، ويقول بأعلى صوت: " ما ضر عثمان ما فعل بعد هذه ". ومن مناقبه أيضاً قوله ﵌: " من جهز جيش العسرة فله الجنة ". ومنها قوله ﵌: " من حفر بير رومة فله الجنة ". ومنها قوله ﵌ في وصف أمته: " وأصدقهم حياء عثمان بن عفان ". ومبايعة النبي ﵌ نيابة عنه بضرب إحدى كفيه على الأخرى، وقوله ﵌: وهذه عن عثمان في بيعة الرضوان لما غاب بإرساله ﵌ له إلى مكة رسولاً إلى قريش إذ لم يكن في الصحابة من له منعة في قومه مثله. ومنها حفظه القرآن، وكثرة تلاوته، وقيامه به في صلواته، وكثرة نسكه وعبادته، وإلى شيء من فضائله الجليلات أشرت حيث أقول في بعض القصيدات هذه الأبيات. وذي النور والبرهان والحلم والندى ... خشوع وللقرآن بالك يجمع قنوت الدياجي والعيون هواجع ... بلذة عيش بالتهجد مولع لقدمته يستحيي ملائكة السماء ... فما ضرذا لحم شريف مبضع وقلت في أخرى: والصائم القائم المحمود مشهده ... عثمان ذي النورين في قتله جاروا شرار قوم من الأرذال في دمه ... في مصحف ظل للفجار فجار سنة ست وثلاثين فيها وقعة الجمل والكلام فيها طويل وها أنا أشير منه إلى شيء يسير مما ذكره أهل

стр. 74

السير وتلخيص ذلك أنه لما قتل عثمان صبرا توجع له المسلمون، وسقط في أيدي جماعة، وكم بكى عليه من محزون، وسالت من بعده دماء الفتن كما تسيل ماء العيون. وصدق قول حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵄ الذي لمجد الفضائل سما: والله لو كان قتل عثمان حقاً لأمطرتكم السماء رحمة ولكنها أمطرتكم دماً وسار طلحة والزبير وعائشة ﵂ وعنهم نحو البصرة. قال بعض علماء السنة طالبين الثأر بدم عثمان، وكانت عائشة قد اعتمرت وهي راجعة إلى المدينة، فلما بلغها قتل عثمان رجعت إلى مكة، وأرادوا من ابن عمران يخرج معهم إلى العراق، فامتنع فلما خرجوا من مكة، جاء مروان بن الحكم إلى طلحة والزبير، وقال على أيكما أسلم بالإمارة وأنادي بالصلاة؟ فسكتا فقال عبد الله بن الزبير: على أبي، وقال محمد بن طلحة: على أبي، فأرسلت عائشة إلى مروان أتريد أن ترمي الفتنة بيننا، او قالت بين أصحابنا مروا ابن أختي، فليصل بالناس. يعني عبد الله بن الزبير. وقال بعض المحققين من المتأخرين من أئمتنا خرجوا تغيباً عن الفتنة التي أبدت قرنيها من الشام ورجليها من العراق في ذلك الزمان. وذلك أن إمام الحق علياً كرم الله وجهه أرسل إلى أميري الشام والعراق معاوية وابن عامر يستدعيهما الطاعة والوصول إليه فلم يكن من معاوية إلا تجهيز جيوش الشام وجمع العساكر، وخرج أبو الحسن إلى جهة الكوفة وسارت جيوش العراق بين يديه، فالتقيا بعد وقعة الجمل، وكان من قدر الله في سفك دماء الفريقين ما كان. واعتذر عن ذلك أعلام أئمة السنة بأن معاوية كان طالباً أخذ الثأر من قتلة عثمان إذ كان له نسب في بني أمية وأن علياً لم يمكنه تسليمهم لأخذ الثأر منهم في أول خلافته قبل أن تقوى شوكة الهمة العلية. ثم وقعت وقعة الجمل بينه وبين طلحة والزبير ومن معهما، وذلك أنه رآهم خارجين عن طاعته، فاعترضهم من المدينة ليردهم من بعض الطرق، ففاتوه وسلموا من لزمه التعويق، فتقدموا حتى أتوا البصرة، واستعانوا منها ببيت المال ومن أهلها بالنصرة، وأرسل علي ﵁ إذ فاتوا إلى المدينة يستدعي بالعدد والعدد طالباً بذلك الاستعانة على الحرب والمدد. عالماً بأن ما فعلوا ذلك إلا والخلاف منهم وقد اشتد، وأرسل ابنه الحسن إلى الكوفة مع ناصر الحق عمار. يستنفران من فيها رجاء المعونة والانتصار، ثم لما وصل إلى العراق ليردهم إلى طاعته خرج معه أهل الكوفة، وخرج معهم أهل البصرة، وحاول الصلح والرجوع إلى مبايعته، فلما عزموا عليه ثار الأشرار، ورموا بين

стр. 75

الفريقين النار، حين خافوا أن يصطلحوا ما يسوء الفجار، من إقامة الحدود، والأخذ لدم عثمان بالثأر. فأشعلوا نار الحرب بالليل. حتى التقى الرجالة والخيل. وجرى دماء الفريقين كالسيل. فكل من مد يده إلى خطام الجمل الذي عليه أم المؤمنين عائشة ﵂ راكبة لم يرجع إليه يده بل هي بضرب السيوف الماضيات ذاهبة وتقاتل الأقران. وتناشدوا عند ذلك الاشعار. وقطع على خطام الجمل سبعون يداً من بني ضبة كلما قطعت يد أخذ الزمام آخر وهم ينشدون. نحن بنو ضبة أصحاب الجمل ... ننازل الموت إذ الموت نزل والموت أشهس عنط نط مش العسل وكانوا من حزب عائشة وطلحة والزبير، وبلغت القتلى يومئذ ثلاثة وثلاثين ألفاً على ما ذكر أهل التوإريخ، ل ذلك وعائشة ﵂ راكبة على الجمل، فأمر علي بعقر ذلك الجمل المسمى بعسكر، فخمل الشر عند ذلك وظهر علي ﵁ وانتصر، ثم جاء علي إلى عائشة فقال: غفر الله لك فقالت: ولك، ملكت فاسجح فما أردت إلا الإصلاح فبلغ من الأمر ما ترى، فقال: غفر الله لك، فقال: ولك، ثم إنه أمر معها عشرين امرأة من ذوات الشرف والدين من أهل البصرة يمضين معها إلى المدينة، وأنزلها في دار وأكرمها، ثم سفرها إلى المدينة الشريفة وشيعها بأولاده وودعها. وقتل ذلك اليوم طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي أحد العشرة الكرام المشكورين في الأنام قيل رماه مروان بن الحكم، والله تعالى أعلم، مع أنه كان معهم ومن حزبهم لا من حزب علي ﵁، لكن قيل رماه من أجل ضغن كان في قلبه منه. ومن مناقبه أنه وقى النبي ﵌ بيده يوم أحد، وقول الذي ﵌ " أوجب طلحة " أي وجبت له الجنة لما رفع النبي ﵌ إلى الصخرة، وكونه من العشرة المشهود لهم بالجنة. وممن قتل ذلك اليوم محمد بن طلحة، كان فضله مشهوراً، وإليه يشير قائل بقوله: وأشعث قوام بآيات ربه ... قليل الأذى فيما يرى العين مسلم يناشدني حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم الأبيات إلى قوله فخر صريعاً لليدين وللفم. وقتل الزبير بن العوام القرشي الأسدي حواري النبي ﵌ وابن عمته صفرة، وأول من سل سيفاً فى سبيل الله تعالى، الذي قال ﵌ في قاتله في بعض الأخبار: " وبشروا قاتل ابن صفرة بالنار ". قتله ابن جرموز بوادي السباع
следующие страницы →