Полный текст (1 334 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
جيشاً أميره مسلم بن عقبة، فالتقوا بظاهر المدينة لثلاث بقين من ذي الحجه، فقتل من أولاد المهاجرين والأنصار ما نيف على ثلاث مائة، وقتل من الصحابة معقل بن سنان الأشجعي وعبد الله بن خنظلة بن الغسيل الأنصاري وعبد الله بن زيد بن عاصم المازني الذي حكى وضوء النبي ﵌. وممن قتل يومئذ محمد بن ثابت بن قيس بن شماس، ومحمد بن عمرو بن حزم ومحمد بن أبي جهم بن حذيفة ومحمد بن أبي كعب ومعاذ بن الحارث أبو حليمة الأنصاري الذي أقامه عمر يصلي التراويح بين الناس ويعقوب من نسل طلحة بن عبيد الله التيمي وكثير بن أفلح أحد كتاب المصاحف الذي أرسلها عثمان وأبوه أفلح مولى أبي أيوب. وفي السنة المذكورة توفي مسروق بن الأجدع الهمداني الفقيه العابد المشهور المحمود صاحب عبد الله بن مسعود، وكان يصلي حتى تورم قدماه، وحج فما نام إلا ساجداً. وعن الشعبي قال ما رأيت أطلب للعلم منه، كان أعلم بالفتوى من شريح.
سنة أربع وستين
في أولها هلك مسلم بن عقبة الذي استباح المدينة، عجل الله قصمه، والعجب أنه شهد الوقعة وهو مريض في محفة كأنه مجاهد في سبيل الله، وكذلك عجل الله تعالى يزيد بن معاوية فمات بعد نيف وسبعين يوماً منها، وله ثمان وثلاثون سنة، بايع له أبوه الناس في حياته، ويقال إنه قال له: قد أسست لك الأمر ومهدته، وبايعت لك الناس، ولم يبق منهم إلا أربعة: الحسين بن علي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر. فأما الحسين فاستوص به خيراً المكانة من رسول الله ﵌. وأما عبد الله بن عمر فقد وقذته العبادة، فليس له في الملك حاجة. وأما عبد الرحمن بن أبي بكر فمغرم بالنساء، فأرغبه في المال. وأما الذي يكمن لك ويثب عليك وثبة الأسد فكذا وكذا، وذكروا كلاماً معناه التحذير منه والتحريض على قتاله، والله أعلم بصحة ذلك. وكانت مدة ولايته ثلاث سنين وثمانية أشهر، وعهد بالأمر من بعده إلى ابنه معاوية بن
стр. 107
يزيد، فبقي في الولاية شهرين آو أقل، ومات، وكان يذكر فيه الخير، عاش إحدى وعشرين سنة، ولما احتضر قالوا له ألا تستخلف؟ فامتنع وقال: لم أصب حلاوتها فلا أتحمل مرارتها، وقد تقدم أن عبد الله بن الزبير لم يبايع ليزيد، وكان قد آوى إلى مكة، فحاصره عسكر يزيد، فنصبوا المنجنيق على الكعبة ورموها بالأحجار وبالنار قيل ومما احترق بالنار فيها قرناً كبش إسماعيل ﵇. وقتل في الحصار بحجر المنجنيق المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري له صحبة ورواية وشرف، وجاء نعي يزيد، فترحل عسكره وبايع أهل الحرمين ابن الزبير، ثم أهل العراق وأهل اليمن وغيرهم، حتى كاد تجتمع الأمة عليه، وغلب على دمشق الضحاك بن قيس الفهري، في صحبته خلاف، فدعا إلى ابن الزبير، م تركه، ودعا إلى نفسه، وانحاز عنه مروان بن الحكم في بني أمية إلى أرض حوران، فوإفاهم عبيد الله بن زياد ابن أبيه من الكوفة منهزماً من أهلها، فوفى عزم مروان على طلب الملك الذي ذكره ﵌ بعد الثلاثين وسموهم خلافة، فالتقى هو والضحاك بعد أن جرت قصة طويلة، فقتل الضحاك وقتل معه نحو ثلاثة آلاف، وانتصر مروان، سار أمير حمص يومئذ النعمان بن بشير الأنصاري الصحابي لينصر الضحاك، فقتله أصحاب مروان. وفيها توفي بالطاعون الوليد بن عتبة بن أبي سفيان بن حرب، وقد كان جواداً حليماً، عين للخلافة بعد يزيد، وولي امرة المدينة غير مرة. وفيها توفي ربيعة الجرشي بضم الجيم وفتح الراء وكسر الشين المعجمة وكان فقيه الناس في زمن معاوية. وفيها نقض أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير الكعبة، وبناها على قواعد ابراهيم ﵌، وأدخل الحجر في البيت، وكان قد تشقق أيضاً من المنجنيق واحترق سقفه.
سنة خمس وستين
فيها توجه مروان إلى مصر فتملكها، واستعمل عليها ابنه عبد العزيز، ومهد قواعده،
стр. 108
ثم عاد إلى دمشق ومات في رمضان، فعهد إلى ابنه عبد المللك بن مروان، وكان مروان من الفقهاء، وكان كاتب السر لابن عمه عثمان، وفيها ولي خراسان المهلب بن أبي صفرة لابن الزبير. وفيها خرج سليمان بن صرد الخزاعي والمسيب الفزاري صاحب علي في أربعة آلاف يطلبون بدم الحسين، وكان مروان قد جهز ستين ألفاً مع عبيد الله بن زياد ليأخذ العراق، فالتقى مقدمة عبيد الله وعليهم شرحبيل بن ذي الكلاع هم وأولئك بالجزيرة، فانكسروا وقتل سليمان والمسيب وطائفة، وكان لسليمان صحبة ورواية ﵁. وفيها مات على الصحيح عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي، وكان أصغر من أبيه بإحدى عشرة سنة، وكان دينا صالحاً كبير القدر ذا عبادة واجتهاد وورع، يلوم أباه على القيام في الفتنة. وفيها توفي الحارث بن عبد الله الهمداني الكوفي الأعور الفقيه صاحب علي وابن مسعود ﵃ وحديثه في السنن الأربعة.
سنة ست وستين
فيها توفي جابر بن سمرة السوائي بالكوفة، وقيل بل في سنة أربع وسبعين وأبوه صحابي أيضاً وزيد بن أرقم الأنصاري. وقيل في سنة ثمان وقد غزا مع النبي ﵌ سبع عشرة غزوة، وقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص، والذين قتلوا الحسين بن علي قاتلهم الله، وجهز المختار بن أبي عبيد جيشاً ضخماً مع ابراهيم بن الأشتر النخعي، وكانوا ثمانية آلاف لحرب عبيد الله بن زياد، وكانت وقعة الجارز بأرض الموصل، وقيل كانت في سبع وستين وصححه بعض المعتمدين، وكان ملحمة عظيمة. وفي السنة المذكورة قويت شوكة الخوارج واستولى نجدة الحروري على اليمامة والبحرين.
سنة سبع وستين
قيل كانت وقعة الجارز في المحرم وفيه الخلاف المقدم. وفيها حصل الاصطلام لعسكر أهل الشام وكانوا أربعين ألفاً ظفر بهم ابراهيم بن الأشتر، فقتلت امراؤهم عبيد الله بن
стр. 109
زياد ابن أبيه وحصين بن نمير السكوني الذي حاصر ابن الزبير ﵄ وشرحبيل بن ذي الكلاع، وقيل قتلوا في السنة التي قبلها، وبعث برؤوسهم فنصبت بمكة والمدينة.
وفيها وقيل في التي قبلها توفي عدي بن حاتم الطائي رئيس طيىء وله مائة وعشرون سنة ﵁، ولما أسلم سنة سبع أكرمه النبي ﵌، وألقى إليه وسادة، وقال: " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه ". ولما تحقق عبد الله بن الزبير كذب المختار بن أبي عبيد الثقفي، بعث أخاه مصعب بن الزبير على العراق، فدخل البصرة وتاهب منها وسار على ميمنته المهلب بن أبي صفرة وعلى ميسرته عمرو بن عبد الله التيمي، فجهز المختار لحربهم جيشاً عليهم احمر بن شميط بالشين المعجمة والمثناة من تحت بين الميم والطاء المهملة وأبو عمرة كيسان، فهزمهم مصعب. وقتل احمر وكيسان، وقتل من عسكر مصعب محمد بن الأشعث بن قيس الكندي ابن أخت الصديق وعبيد الله بن علي بن أبي طالب، وقتل من جند المختار عمر الأكبر ابن علي بن أبي طالب، ثم ساق عسسكر مصعب بن الزبير فدخلوا الكوفة وحصروا المختار بقصر الإمارة أياماً إلى أن قتله الله تعالى في رمضان، وكان كذاباً يزعم أن جبرائيل ﵇ ينزل عليه، وصفت العراق لمصب رحمة الله عليه.
سنة ثمان وستين
توفي فيها بحر العلوم. حبر الأمة على العموم، الذي دعا له ﵌ بالفقه والدين وعلم التأويل: عبد الله بن العباس الهاشمي الفقيه المحدث المفسمر البارع في العلوم، وكان وفاته ﵁ بالطائف وله إحدى وسبعون سنة ﵁. ومن مناقبه دعاء النبي ﵌ له بالفقه وعلم التأويل، وادخال عمر له مع المشايخ الكبار الجلة، وما تميز به من العلوم والفضائل والقرابة من رسول الله ﵌، وكان قد ذهب بصره في آخر عمره، فقال فيما نقل بعضهم عنه.
إن يأخذ الله من عيني بنورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نور
قلبي زكي وذهني غير ذي دخل ... وفي فمي صارم كارم كالسيف مطرور
وفيها عزل ابن الزبير أخاه مصعباً، وولى ابنه حمزة، وفيها توفي أبو شريح الخزاعي وأبو واقد الليثي، وكان ممن شهد فتح مكة، وعاش بضعاً وسبعين سنة وفيها قتل عبد الله بن
стр. 110
عمر وزيد بن أرقم وزيد بن خالد الجهني ﵃.
سنة تسع وستين
فيها كان طاعون الجارف بالبصرة وكان ثلاثة أيام مات في كل يوم نحو من سبعين ألفاً على ما رواه المدائني عمن أدرك ذلك. وروى غيره قال مات لأنس بن مالك ﵁ في الجارف سبعون ابناً وقيل مات في طاعون الجارف عشرون ألف عروس، وأصبح الناس في اليوم الرابع، ولم يبق منهم إلا اليسير، وصعد ابن عامر يوم الجمعة وما في الجامع إلا سبعة ومن النساء امرأة فقال ما فعلت الوجوه؟ فقالت المرأة: تحت التراب أيها الأمير. وفيها قتل نجدة الحروري، تله أصحابه واختلفوا عليه، وقيل بل ظفروا به أصحاب ابن الزبير، قيل وفيها مات بطاعون الجارف قاضي البصرة أبو الأسود الديلي صاحب النحو انشاء وترتيباً بعد اشارة علي بن أبي طالب ﵁، وتأسيسه ﵁ على ما ذكر بعض أئمة النحو، وكان من سادات التابعين وأعيانهم، وقيل بل مات في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة تسع وتسعين، وهناك تبسط الكلام فيما يتعلق بترجمته مما هو من صفته. وفيها مات قبيصة بن جابر الأسدي، كان فصيحاً مفوهاً روى عبد الملك بن عمير عنه قال: قال لي عمر أراك شاباً فصيح اللسان فسيح الصدر وفيها أعاد ابن الزبير مصعباً على الفراق، وعزل ابنه حمزة بن عبد الله، فقصد هو وعبد الملك كل منهما الآخر، ثم فصل بينهما الشتاء فوثب على دمشق في غيبة عبد الملك عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق مريداً للغلافة، جاء عبد الملك وجرى بينهما قتال وحصار، ثم نزل إليه بالإيمان.
سنة سبعين
فيها قيل غدر عبد الملك بعمرو بن سعيد، وذبحه صبراً بعد أن آمنه وحلف له وجعله ولي عهده من بعده، وفيها توفي عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي وكان مولده في حياة النبي ﵌، وفيها مات ملك السكسك صاحب معاذ ﵁.
стр. 111
وقال ابن جرير: وفيها ثارت الروم وقووا على المسلمين، فصالح عبد الملك بن مروان ملك الروم على أن يؤدي إليه في كل جمعة ألف دينار خوفاً منه على المسلمين، قيل: وهذا أول وهن دخل على الإسلام، وما ذاك إلا لاختلاف الكلمة ولكون الوقت فيه خليفتان يتنازعان الأمر، وما شاء الله كان.
سنة إحدى وسبعين
فيها توفي عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي أحد من بايع تحت الشجرة وله روايات أحاديث في غير الكتب الستة.
سنة اثنتين وسبعين
فيها توفي البراء بن عازب أبو عمارة الأنصاري الحارثي، وكان من أقران ابن عمر استصغر يوم بدر، ومعبد بن خالد الجهني وكان صاحب لواء جهينة يوم الفتح، له حديث عن أبي بكررضي الله عنهم. وفيها على الصحيح عند الذهبي، وقال ابن خلكان في سبع وستين على الأشهر توفي أبو البحر الضحاك بن قيس التميمي المعروف بالأحنف أحد الأشراف ومن يضرب بحلمه المثل المتفق على جلالته بلا خلاف، كان من سادات التابعين، ادرك عهد النبي ﵌، ولم يصحبه وقال ابن قتيبة في كتاب المعارف: لما أتى النبي ﵌ بني تميم يدعوهم إلى الإسلام كان الأحنف فيهم، فلم يجيبوا إلى اتباعه، فقال الأحنف: انه ليدعوكم إلى مكارم الأخلاق، وينهاكم عن ملاءئمها، أسلموا وأسلم الأحنف ولم يفد إلى رسول الله ﵌ فلما كان زمان عمر وفد عليه، قلت ما ذكره من كون النبي ﵌ أتي بني تميم يدعوهم إلى الإسلام يوهم أنه ﵌ سافر إليهم، وهذا غير معروف، ومعروف أنه خرج إليهم بعد ما وفدوا عليه، وقالوا: يا محمد اخرج إلينا: فإن مدحنا زين وذمنا شين، فقال ﵌: " ذلكم الله " الحديث وفي ذلك نزل قوله تعالى " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون " - الحجرات: ٤ - وكان الأحنف المذكور من جلة التابعين وأكابرهم سيد قومه موصوفاً بالعقل والدهاء والحلم، روى عن عمر وعثمان وعلي ﵃. وروى عن الحسن البصري وأهل البصرة، وشهد مع علي ﵁ وقعة صفين ولم يشهد وقعة الجمل مع أحد من الفريقين، ولما استقر الأمر لمعاوية دخل عليه يوماً فقال
стр. 112
له معاوية: والله يا أحنف ما أذكر يوم صفين إلا كانت حزارة في قلبي إلى يوم القيامه. وقال له الأحنف: والله يا معاوية إن القلوب التي أبغضناك بها لفي صدورنا، وإن السيوف اك قاتلناك بها لفي أغمادنا، وإن تدن من الحرب فتدانونا منها شبراً، وإن تمش إليها نهرول نحوها، او قال إليها، ثم قام وخرج. وكانت أخت معاوية من وراء الحجاب تسمع كلامه، فقالت: يا أمير المؤمنين من هذا الذي يتهدد ويتوعد؟ فقال: هذا الذي إذا غضب غضب لغضبه مائة ألف فارس من بني تميم، لا يدرون فيهم غضب. وروي أن معاوية لما نصب ولده يزيد في ولاية العهد، اقعده في قبة حمراء، فجعل الناس يسلمون على معاوية: ثم يميلون إلى يزيد، حتى جاء رجل ففعل ذلك ثم رجع إلى معاوية، فقال: يا أمير المؤمنين لو لم تول هذا أمور المسلمين لأضعتها. والأحنف بن قيس جالس. فقال له معاوية: ما بالك لا تقول يا أبا بحر؟ فقال: اخاف الله إن كذبت، وأخافكم إن صدقت، فقال له معاوية: جزاك الله خيراً عن الطاعة وأمر له بألوف، فلما خرج لقيه ذلك الرجل، فقال: يا أبا بحر إني لأعلم كذا وكذا وذم يزيد ولكنهم قد استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والاقفال فليس يطمع في استخراجها إلا بما سمعت، فقال الأحنف: ان ذ الوجهين خليق أن لا يكون عند الله وجهياً، او قال: لا يكون له عند الله وجه. وقال الأحنف كثرة الضحك تذهب الهيبة، وكثرة المزاح تذهب المروة، من لزم شيئاً عرف به، قلت كلامه هذا من الحكمة الغريبة، وذمه كثرة الضحك مع تلقيه بالضحاك دليل على أنه لقب معروف يعرف به لا صفة متصف بها. وسئل عن الحلم ما هو؟ فقاك: العفو عن الذل مع الصبر، وكان يقول إذا عجب الناس من حلمه. اني لأجد ما تجدون ولكني صبور، وقال: ما تعلمت الحلم إلا من قيس بن عاصم المنقري. قيل: وما بلغ من حلمه؟ قال: قتل ابن أخ له بعض بنيه فأتي بالقاتل مكتوفاً يقاد إليه، قال: ذعرتم الفتى: ثم أقبل عليه، وقال: يا بني بئس ما صنعت نقصت عددك وأوهنت عضدك وأشمت عدوك وأسأت بقومك. خلوا سبيله، واحملوا إلى أم المقتول ديته فإنها غريبة. فانصرف القاتل، وما حل قيس حبوته ولا تغير وجهه، قلت وقيس هذا هو الذي قال الشاعر في مرثيته: شعراً.
فما كان قيسى هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما
وروي أنه دخل الأحنف بن قيس على أمير العراق في زمانه، وجلس معه على سريره، فغضب الأمير من ذلك، فقال الأحنف عجباً لمن يغسل القذرة بيده كل يوم مرتين، كيف
стр. 113
يتكبر؟! ومناقبه ﵀ كثيرة أشهر من أن تذكر وأكثر من أن تحصر. وررى الحسن البصري أنه قال: ما رأيت شريف قوم أفضل من الأحنف. وقد يتوهم بعض الناس أن الأحنف بن قيس أخ الأشعث بن قيس، وهو غلط، فإن الأحنف من تميم، والأشعث كندي كما هو مشهور في ترجمة كل واحد منهما، وكل منهما شريف رئيس في قومه، ولكن الأحنف متميز بفضل الحلم وغيره من المحاسن الدينية. وفي السنة المذكورة توفي عبيدة السلماني المرادي الفقيه المفتي فيها على الصحيح تفقه بعلي وابن مسعود. قال الشعبي: كان يوازي شريحأ في القضاء: وفيها وقعة دير الجاثليق بالجيم ثم المثلثة بين الألف واللام ثم المثناة من تحت ثم القاف تجهز عبد الملك ومصعب كل منهما يطلب صاحبه، فالتقى الجمعان هناك، فخان مصعباً بعض جيشه ولحقوا بعبد الملك، وكان عبد الملك قد كتب إليهم يمنيهم ويعدهم حتى أفسدهم، وجعل مصعب كلما قال لمقدم من امرأته: تقدم. لا يطيعه، فاستظهر عبد الملك، ثم أرسل إلى مصعب يبذل له الأمان، فقال إن مثلي لا ينصرف عن هذا الموطن إلا غالباً أو مغلوباً، ثم إنهم أثخنوه بالرمي، ثم شد عليه زياد بن عمرو - وكان من جيشه - فخانه وطعنه، وقال بالثارات المختار، وذهب إلى عبد الملك، وقتل مع مصعب ولداه عيسى وعروة، وإبراهيم بن الأشتر سيد النخع وفارسها ومسلمة بن عمر الباهلي، استولى عبد الملك على العراق وما يليها، فأقر أخاه بشراً على العراق، وبعث الأمراء على الأعمال، وجهز الحجاج بن يوسف الثقفي إلى مكة لحرب بن الزبير، قلت وفي ولاية بشر المذكور ينشد البيت المشهور:
تد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق
سنة ثلاث وسبعين
فيها توفي عوف بن مالك الأشجعي المشهور المشكور، وأبو سعيد بن العلاء الأنصاري، وله صحبة ورواية وربيعة بن عبد الله التميمي عم محمد بن المنكدر. وفيها نازل الحجاج ابن الزبير فحاصره، ونصب المنجنيق على أبي قبيس، ودام القتال أشهراً إلى أن قتل عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي أمير المؤمنين فارس قريش وابن حواري رسول الله صلى الله عليه وآله رسلم، وأول مولود ولد فى الإسلام بعد الهجرة،
стр. 114
وحنكه رسول الله ﵌، وكان اول ما دخل بطنه ريق رسول الله ﵌، وسماه عبد الله، وكان صواماً قواماً منطاقاً فصيحاً بطلاً شجاعاً.
قيل: كان حجر المنجنيق يصيب ثوبه وهو ساجد فلا يرفع رأسه، ويأكل أكلة واحدة ما بين مكة والمدينة، ولما طال الحصار على أصحابه وتفرقوا عنه، دخل على أمه أسماء بنت الصديق ﵃ فأخبرها أن أصحابه قد تفرقوا عنه وأن خصومه قالوا له: ان شئت سلم نفسك لعبد الملك بن مروان يرى فيك رأيه ولك الأمان، واستشارها في ذلك، فقالت له: يا ولدي إن كنت قاتلت لغير الله فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت قاتلت لله فلا تسلم نفسك لبني أمية يلعبون بك، فإن قلت: لم يبق معي معين على القتال، فلعمري إنك معذور، ولكن شأن الكرام أن يموتوا على ما عاشوا عليه، فخرج من عندها حينئذ إلى أن التقى جيوش عبد الملك في أعلى مكة فحمل عليهم. وقال رضوان الله تعالى عليه ولو كان قرني واحداً لكفيته فأجابه واحد منهم نعم وألفاً يا غلام، ولم يزل يقاتل إلى أن أصابه في رأسه رمية فراخ رأسه ووقع، فصاحت مولاة لآل الزبير واأميراه! فعرفوه، ولم يكونوا عرفوه في ذلك الحال لما عليه من لباس الحرب، فقصدوه في كل مكان، فقتلوه، قاتلهم الله ثم وقف عليه أميرهم الحجاج وأمير آخر معه، قال ذلك الأمير: ما ولدت بنات آدم أذكر من هذا الرجل يعني أفحل منه فقال له الحجاج: اتقول فيه هذا القول وقد خالف أمير المؤمنين وخرج عن طاعته؟ يعني عبد الملك بن مروان. فقال: ان هذا لا عذر لنا عند أمير المؤمنين، وإلا فما عذرنا في قتلنا له؟ اشهراً وهو يربي علينا فيها بالغلبة. قال الشيخ محيي الدين النواوي رحمة الله عليه في شرح مسلم فذهب لحل الحق: ان ابن الزبير كان مظلوماً، وإن الحجاج ورفقته كانوا خوارج عليه وروي أنه لما ولد كبر الصحابة، ولما قتل كبر أهل الشام، فقال ابن عمر: الذين كبروا على مولده خير من الذين كبروا على قتله، وكان قد ملك الحجاز واليمن والعراق. وقال الشيخ أبو إسحاق: بويع على الخلافة ولا يبايع على الخلافة إلا من كان فقيها " مجتهدا "، واستعمل ابن الزبير على اليمن الضحاك بن فيروز سنة ثم عزله، وولى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي على صنعاء، ثم استعمل جماعة واحداً بعد واحد. ولما قتله الحجاج صلبه بين القبور في موضع هناك معروف إلى الآن ببناء بني هناك علامة، ثم أرسل الحجاج إلى أمه أسماء بنت أبي بكر أعوانه، وقال لهم قبحه الله: هاتوها
стр. 115
فكلموها في أن تمشي معهم إليه، فأبت وقالت: ان كان أمركم أن تسحبوني فاسحبوني، فلما رجعوا إليه بغير مطلوبه لبس نعليه ومشى حتى جاءها، فقال لها: كيف رأيت ما صنعت با بنك؟ فقالت: يا مسكين أي شيء صنعت؟ افسدت عليه دنياه، وأفسد عليك أخرتك، وقد أخبرنا رسول الله ﵌: " أن في ثقيف كذاباً ومبيرأً " فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا أخالك إلا إياه، تعني بقولها: رأيناه المختار بن أبي عبيد. والمراد بالمبير المهلك. يقال أباه الله أي أهلكه ويقال أيضاً رجل جائر بائر. قال في الصحاح: البور بضم الباء الموحدة: الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه. قلت ومن هذا قوله تعالى " وكنتم قوماً بوراً " - الفتح: ١٢٠ - وقد اتفق العلماء على أن المراد بالكذاب هنا هو المختار بن أبي عبيد، والمبير هو الحجاج بن يوسف، وكان المختار المذكور شديد الكذب، يزعم أن جبرائيل ﵇ ينزل عليه كما تقدم ذكر ذلك. وقتل مع ابن الزبير عبد الله بن صفوان بن أمية الجمحي من رؤوس مكة، لما حج معاوية قدم له ابن صفوان المذكور ألفي شاة وقيل قتل معه بحجر المنجنيق عبد الله بن مطيع بن الأسد العدوي، وقتل معه أيضاً عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي ممن أسلم يوم الحديبية. وتوفيت أسماء بنت أبي بكر الصديق أم عبد الله بن الزبير بعد مصاب ابنها بيسير، وهي في عشر المائة وهي من المهاجرات الأول، وتلقبت بذات النطاقين، وسبب ذلك معروف في الحديث، وهو أنه لما هاجر النبي ﵌ شقت نطاقها نصفين، فربطت بأحدهما وعاء زاد رسول الله ﵌ وأبي بكر ﵁. وفي السنة المذكورة قوي سلطان عبد الملك بن مروان لقتل ابن الزبير وأنشد لسان حاله: خلا لك الجو فبيضي واصفري
وولي الحجاج إمرة الحجاز، فنقض من الكعبة جهة الحجر، وأعادها إلى ما كانت عليه من بناء قريش، فسد بابها الغربي ورفع الشرقي وصيرها على ما هي عليه الآن، مخرجاً من الحجر ما جاء في الحديث أنه من البيت، وهو ستة أذرع أو ستة ونصف أو جميعه على اختلاف روايات وردت في الحديث الصحيح.
стр. 116
قلت هذا هو الصواب الذي ذكره العلماء أنه إنما نقض الحجاج من جهة الحجر خاصة، وأما قول الذهبي: فنقض الكعبة وأعادها إلى بنائها في زمن النبي ﵌ فظاهره أنه نقض الكعبة كلها، وليس بصحيح. قلت وقد روي أن عبد الملك بن مروان لما حج طاف، وهو متكىء على كتف بعض من عنده معروف، جناء الكعبة حديث النبي ﵌ في ذلك فقال: ما أظن أبا خبيب: يعني ابن الزبير سمع من عائشة ما يزعم أنه سمع منها. فقال: انا سمعت ذلك منها، فقال سمعتها تقول ماذا قال، قالت: قال رسول الله ﵌ لي: " إن قومك استقصروا في النفقة، ولولا حدثان وروى حداثة عهد قومك بالكفر لأعدت البيت على ما كان عليه من زمن إبراهيم " قال فنكت عبد الملك بعود كان بيده في الأرض، وقال: وددت أني تركته وما تحمل، وكان قد كتب إليه الحجاج أن أبا خبيب قد أحدث في البيت، او قال في الكعبة ما لم يكن في عهد النبي ﵌، ثم استأذنه في ردها إلى ما كانت عليه في عهد رسول الله ﵌، فأذن له في ذلك، وكان ابن الزبير قد استشار أصحاب النبي ﵌ في بناء، لما توهن بناء قريش بما تقدم ذكره من الرمي بالمنجنيق، وقيل جمرت فطارت الشرور واحترق بعض خشبها فتوهنت، وأشار عليه أكثرهم أن لا يفعل ذلك ومنهم ابن عباس وغيره من كبارهم، وقالوا: تخشى أن يفعل ذلك كل من ولي الأمر فيما بعد، ويذهب حرمة هذا البيت من قلوبهم، ونحو ذلك من المقال، وأشار عليه القليل منهم بنقضها، فلما عزم على ذلك خرجوا من مكة خشية أن ينزل بهم عقوبة بسبب ذلك، بعضهم خرج إلى الطائف، وبعضهم إلى منى، وأنكر العمال عن نقضها، فعلاها ابن الزبير بنفسه وأخذ في هدمها. قيل واستعمل في ذلك عبداً حبشياً دقيق الساقين بأن يكون ذلك هو ما جاء في الحديث من كونها " يهدمها ذو السويقين من الحبشة "، ولم يرجع من خرج من مكة إليها حتى أخذ في بنائها، وبعضهم حتى أكمل بناؤها، وكان أراد أن يجعل طينها من الورس، قيل له: انه لا يقيم ولا يستمسك البناء كالجص، فأرسل في جص فبعث به إليه من صنعاء اليمن. فلما فرع من بنائها قال من لي عليه طاعة فليخرج يعتمر شكراً لله ، فخرج في السابع والعشرين من رجب ماشياً، وخرج الناس معه فلم يروا يوم أكثرعتقاً ونحراً وذبحاً وصدقة من ذلك اليوم، قيل نحرهو فيه مائة من الإبل كل ذلك في جهة التنعيم وطرف الحل الذي يحرم منه للحمرة، ومن هاهنا صار كثير من الناس يعتمرون في اليوم المذكور من كل
стр. 117
سنة ولا بأس بذلك إذا سلم من بدع قد أحدثوها في هذه الأزمان من الأجتماع هنالك على وجه التنزه وخروج النسوان متزينات باللباس والحلي واختلاف الألوان، وقد أوضحت ذلك في " الدررالمستحسنة في استحباب العمرة في سائر السنة ". وأما سبب اخراج الحجرمن البيت في بناء قريش فإنه قصر ما عندهم من الحلال عن اكمال بنائها بادخال الحجر فيها، وذلك إن بناءها كان قد توهن في زمانهم فزموا علىنقضها وبناءها، فمنعتهم الحية المشهورة، وهي حية كانت تحرس البيت خمس مائة سنة، رأسها مثل رأس الجدي، وسببها أن أربعة من جرهم تسلقوا جدار الكعبة ليأخذوا ما يهدى إليها من الجواهرولم يكن لها سقف يومئذ فأصابتهم عقوبة في ذلك الوقت، بعضهم سقط فاندقت عنقه فمات، فبعث الله من يومئذ تلك الحية تمنع الناس من دخول الكعبة، لا تزال على بابها، فلما منعت قريشاً من نقضها اجتمع عقلاؤهم وقالوا: اللهم إنا لا نريد ببيتك إلا خيراً فان كانت الخيرة في ذلك فاصرف هذه الحية عنا، فانقض في ذلك الوقت طائر من الجو، فاحتملها ورمى بها في أجياد، ويقال إنه الدابة التي تخرج عند اقتراب الساعة والله أعلم بذلك. ثم إن قريشاً اجتمعوا وقالوا: لا ينبغي أن يبنى بيت الله إلا بالحلال فجمعوا ما عندهم من الحلال فلم يف بإكمالها على ما كانت عليه من زمن ابراهيم ﵌، وأخرجوا الحجر منها كما أشار إليه في الحديث. واختلفوا في الكعبة كم بنيت من مرة؟ فقيل: سبعاً وقيل: خمساً ومنشأ الخلاف
هل بنيت قبل بناء ابراهيم أم هو أول من بنائها؟ واحتج للقول الأول بما روي أنه لما حج آدم ﵌ قالت الملائكة ﵈: حجك يا آدم قد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام وللقول الثاني بظاهرالقرآن وما ورد أن ابراهيم قال لإسماعيل ﵉: ان الله قد أمرني أن أبني له بيتاً فهل أنت معين لي على ذلك؟ فقال: نعم، او كما قال: وكان ابراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة. قلت قد أطلت الكلام في بيان ما يتعلق ببناء الكعبة لاستشراف كثير من الناس إلى معرفة ذلك، ولم أرالاقتصارعلى ما ذكروا في التاريخ من قولهم بناها ابن الزبير وهدمها الحجاج، ولم أرلهم زيادة على هذا وهذا الذي ذكرته اعتمادي في إملائه على ما في ذهني مما رويناه في كتاب الأزرقي وغيره عمن بالعلم تقدم، والله سبحانه بكل شيء عليم، رجعنا إلى ذكر أن الزبير قتل في جمادى الأولى نيف برأسه في مصر وغيرها. بنيت قبل بناء ابراهيم أم هو أول من بنائها؟ واحتج للقول الأول بما روي أنه لما حج آدم ﵌ قالت الملائكة ﵈: حجك يا آدم قد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام وللقول الثاني بظاهرالقرآن وما ورد أن ابراهيم قال لإسماعيل ﵉: ان الله قد أمرني أن أبني له بيتاً فهل أنت معين لي على ذلك؟ فقال: نعم، او كما قال: وكان ابراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة. قلت قد أطلت الكلام في بيان ما يتعلق ببناء الكعبة لاستشراف كثير من الناس إلى معرفة ذلك، ولم أرالاقتصارعلى ما ذكروا في التاريخ من قولهم بناها ابن الزبير وهدمها الحجاج، ولم أرلهم زيادة على هذا وهذا الذي ذكرته اعتمادي في إملائه على ما في ذهني مما رويناه في كتاب الأزرقي وغيره عمن بالعلم تقدم، والله سبحانه بكل شيء عليم، رجعنا إلى ذكر أن الزبير قتل في جمادى الأولى نيف برأسه في مصر وغيرها.
стр. 118
سنة أربع وسبعين
فيها توفي السيد الجليل، الفقيه المحدث، القدوة ذو الأوصاف الملاح، الذي شهد له النبي ﵌ بالصلاح، ابو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي ﵄، وكان قد عين للخلافة يوم الحكمين مع وجود علي وكبار من الصحابة ﵃. ومن مناقبه قول النبي ﵌: " أرى عبد الله رجلاً صالحاً والصالح هو القائم بحقوق الله تعالى وحقوق العباد " وقوله ﵌: " نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل " ثم لما سمع ذلك واظب على الصلاة بالليل ومنها محافظته على اتباع السنة وكثرة تعبده حتى روي أنه اعتمر أكثر من ألف عمرة ولما حضرته الوفاة أمرهم أن يدفنوه ليلاً، ولا يعلم الحجاج لئلا يصلي عليه قال الأزرقي في تاريخ مكة قبره في ذات اذخر يعني فوق القرية التي يقال لها المعايدة وبعض الناس يزعم أنه في الجبل الذي فوق البستان قريباً من السور على يمين الخارج من مكة، متوجهاً إلى المحصب، هو خلاف قول الأزرقي المذكور. قال الإمام المهذب سعيد بن المسيب يوم مات ابن عمر ﵄: ما في الأرض أحد أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منه.
وقوله ابن المسيب: هذا نحو ما قال علي في عمر يوم مات، وقال أبو داود مات ابن عمر بمكة أيام الموسم، يعني سنة ثلاث وسبعين. وتوفي بعده أبو سعيد الخدري وهو سعد بن مالك الأنصاري، وكان من فقهاء الصحابة وأعيانهم، شهد الخندق وبيعة الرضوان وغير ذلك. وسلمة بن الأكوع الأسلمي، كان بطلاً شجاعاً رامياً يسبق الفرس شدا، وله مشاهد محمودة، وهو ممن بايع رسول الله ﵌ على الموت يوم الحديبية وأبو جحيفة السوائي وقيل تأخر إلى بعد الثمانين. وتوفي محمد بن حاطب بن الحارث الجمحي وله صحبة ورواية، وهو أول من دعى
стр. 119
محمداً في الإسلام بعد النبي ﵌، وتوفي رافع بن حديج الأنصاري، اصابه يوم أحد سهم فنزعه، وبقي النصل في جسمه إلى أن مات، وعاصم بن حمزة السلولي، وفي مالك بن عامر الأصبحي جد الإمام مالك، وتوفي عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي بالمدينة، وكان كثير الحديث والفتيا، وتوفي عبد الله بن عمر الليثي ﵃.
سنة خمس وسبعين
فيها حج عبد الملك بن مروان، وخطب على منبر النبي ﵌، وعزل الحجاج عن الحجاز، وأمره على العراق. وفيها توفي العرباض بن سارية السلمي وأبو ثعلبة الخشني وعمرو بن ميمون الأودي قدم مع معاذ من اليمن فنزل الكوفة، وكان قانتاً صالحاً لله قال بعض الأئمة حج مائة حجة وعمرة وكان إذا رؤي ذكر الله، والأسود بن يزيد النخعي الكوفي الفقيه العابد، وورد أنه كان يصلي في اليوم والليلة سبع مائة ركعة، وهو الذي استسقى به معاوية بن أبي سفيان فقال: اللهم إنا نستسقي إليك بخيرنا وأفضلنا الأسود بن يزيد. ثم قال: ارفع يديك. فرفع يديه فدعا، فسقوا وتوفي بشر بن مروان الأموي أمير العراقين بعد مصعب، وسليم التجيبي قاضي مصر وناسكها.
سنة ست وسبعين
فيها وجه الحجاج زائدة بن قدامة الثقفي ابن عم المختار لحرب شبيب بن قيس الخارجي الشيباني، وكان خروجه في ولاية عبد الملك بن مروان، والحجاج بن يوسف يومئذ مولىعليها، فاستظهر شبيب وقتل زائدة، واستفحل أمره وهزم العساكر مرات.
سنة سبع وسبعين
فيها بعث الحجاج لحرب شببب عتاب بن ورقاء الرياحي بالموحدة والحاء المهملة، فالتقى شبيباً بسواد الكوفة، فقتل أيضا عتاباً وهزم جيشه، فجهز الحجاج لقتاله الحارث بن معاوية الثقفي فقتل أيضاً الحارث بن معاوية، فوجه الحجاج أبا الورد البصري فقتل أيضاً فوجه طهمان مولى عثمان فقتل أيضاً، ففرق الحجاج وسار بنفسه، فالتقوا واشتد القتال،
стр. 120
وتكاثروا على شبيب فانهزم فقتلت غزالة امرأة شبيب، ونجا هو بنفسه في فوارس من أصحابه، وكانت بحيث يضرب بشجاعتها المثل وكانت نذرت أن تدخل مسجد الكوفة فتصلي فيه ركعتين تقرأ فيها سورة البقرة وآل عمران، فأتوا الجامع في سبعين رجلاًِ، فصلت فيه وخرجت عن نذرها، وحجز بينهم الليل، وسار شبيب إلى ناحية الأهواز وبها محمد بن موسى بن علي التيمي، فخرج لقتال شبيب، ثم بارزه فقتله شبيب، وسار إلى كرمان فتقوى ورجع إلى الأهواز فبعث الحجاج لحربه سفيان بن الأبرد الكلبي وحبيب بن عبد الرحمن الحكمي، فالتقوا واشتد القتال حتى حجز بينهم الظلام. ثم ذهب شبيب وعبر على جسر دجيل، لما سار على الجسر قطع به فغرق، وقيل: بل نفر به فرسه، وعليه الحديد الثقيل، من درع ومغفر وغيرهما فألقاه في الماء، فقال له بعض أصحابه: اغرقاً يا أمير المؤمنين؟ قال: ذلك تقدير العزيز العليم. فألقاه دجيل ميتاً في ساحله، فحمل على البريد إلى الحجاج، فأمر بشق بطنه، فاستخرج قلبه فإذا هو كالحجر إذا ضرب به الأرض بناء عليها، فشق فإذا في داخله قلب صغير، كالكرة الصغيرة، فشق أيضاً فوجد في داخله علقة دم، ولما غرق أحضر إلى عبد الملك بن عتبان، فقال له: الست القائل يا عدو الله:
فإن يك منكم كان مروان وابنه ... وعمرو ومنكم هاشم وحبيب
فقال لم أقل هكذا يا أمير المؤمنين، وإنما قلت:
فمنا حصين والبطين وقنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب
فاستحسن قوله وأمر بتخلية سبيله، وكان إليه المنتهى في الشجاعة والبأس وأكثر ما يكون في مائتي نفس من الخوارج فيهزمون الألوف. وفيها غزا عبد الملك بنفسه، فدخل في الروم وافتتح مدينة هرقلة قلت وسيأتي أيضاً أنها فتحت في خلافة بني العباس، ويحتمل أن الكفار ملكوها بعد هذا ثم فتحت ثانية في الدولة العباسية. وفي السنة المذكورة توفي أبو تميم الجيشاني، قرأ القرآن على معاذ، وكان من عباد مصر وعلمائهم.
стр. 121
سنة ثمان وسبعين
فيها ولي خراسان المهلب بن أبي صفرة، وتوفي جابر بن عبد الله السلمي الأنصاري، وهو آخر من مات من أهل العقبة، وعاش أربعاً وتسعين سنة، وكان كثير العلم ومن أهل بيعة الرضوان، وبشره النبي ﵌ لما استشهد أبوه يوم أحد " مازلت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع ". وفيها على الأصح توفي زيد بن خالد الجهني من مشاهيرالصحابة، وعبد الرحمن بن غنم الأشعري، كان قد بعثه عمر يفقه الناس، وكان من رؤوس التابعين. وفيها وقيل في سنة ثمانين توفي أبو أمية شريح بن الحارث الكندي القاضي، ولي قضاء الكوفة لعمر فمن بعده وعاش أكثر من مائة سنة، وولي القضاء خمساً وسبعين سنة، واستعفى من القضاء قبل موته بعام فأعفاه الحجاج، وكان فقيهاً شاعراً محسناًَ صاحب مزاح، وكان أعلم الناس بالقضاء، ذا فطنة وذكاء، ومعرفة وعقل وإصابة، وهو أحد السادات الطلس، وهم أربعة: عبد الله بن الزبير - وقيسى بن سعد بن عبادة - والأحنف بن قيس الكندي الذي يضرب به المثل في الحلم والقاضي شريح المذكور والأطلس: الذي شعر في وجهه. وحكي عن بعض أصحاب قيس بن سعد أنه قال: لو كانت اللحى تشترى بالدراهم، او قال بالدنانير، او كما قال، لاشترينا لقيس بن سعد لحية. ومن مزاح شريح المذكور: انه دخل عليه عدي بن أرطأة، فقال له: اين أنت أصلحك الله؟ قال بينك وبين الحائط، قال اسمع مني، قال قل أسمع، قال: اني رجل من أهل الشام قال: مكان سحيق، قال: وتزوجت عندكم قال بالرفاء والبنين، قال وأردت أن أرحلها قال الرجل أحق بأهلها، قال وشرطت لها دارها قال: الشرط لها دارها، او قال: المؤمنون عند شروطهم، قال: فاحكم الآن بيننا قال قد فعلت، من حكمت قال فعلى ابن أمك، قال بشهادة من قال، بشهادة ابن أخت خالتك.
стр. 122
وحكي أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه دخل مع خصم ذمي الى القاضي شريح، فقام له فقال: هذا أول جورك، ثم أسند ظهره الى الجدار وقال لو أن خصمي كان مسلماً لجلست بجنبه. وروي عنه ايضاً كرم الله وجهه أنه قال: اجمعوا إلي القراء، فاجتمعوا في رحبة المسجد، فقال: اني أوشك أن أفارقكم، فجعل يسألهم ما تقولون في كذا؟ وشريح ساكت، ثم سأله، فلما فرغ منهم قال: اذهب فأنت من أفضل الناس أو قال: من أفضل العرب، وتزوج شريح امرأة من تميم تسمىزينب، فنقم عليها شيئاً فضربها ثم ندم وقال:
رأيت رجالاً يضربون نساءهم ... فشلت يميني لو أضرب زينبا
أأضربها من غير ذنب أتت به ... فما العدل في ضرب من ليس مذنبا
وزينب شمس والنساء كواكب ... اذا طلعت لم تبصر العين كوكبا
ذكر الحكاية صاحب العقد. ويحكى أن زياد ابن أبيه كتب إلى معاوية: يا أمير المؤمنين إني قد ضبطت العراق لشمالي، وفرغت يميني لطاعتك، فولني الحجاز، فبلغ ذلك عبد الله بن عمر وكان بمكة مقيماً فقال: اللهم اشغل يمين زياد، فأصابه الطاعون، او قال الآكلة في يمينه فجمع الأطباء واستشارهم فأشارواعليه بقطعها، فاستدعى القاضي شريحاً المذكور وعرض عليه ما أشار به الأطباء فقال له: لك أجل معلوم ورزق مقسوم وإني لأكره إن كان لك مدة أن تعيش في الدنيا بلا يمين، وان كان قد دنا أجلك أن تلقى ربك مقطوع اليد، فإذا سألك لم قطعتها قلت بغضاً في لقائكك وفراراً من قضائك. قلت يعني قال له لسان حالك، ويحتمل أنه لسان المقال اذا ختم على الأفواه يوم الخزي والنكال، نسأل الله الكريم العفو والسلامة ونعوذ به من الخزي والندامة. قالوا ومات زياد من يومه، فلام الناس شريحاً على منعه من القطع لبغضهم في زياد، فقال: انه استشارني والمستشار مؤتمن، ولولا الأمانة في المشورة لوددت أنه قطعت يده يوماً ورجله وما وسائر جسده يوماً وفي السنة المذكورة قتل أبو المقدام شريح، ابن هاني المدلجي صاحب علي وله مائة وعشرون سنة.
سنة تسع وسبعين
فيها وقيل في التي قبلها قتل رأس الخوارج قطري بن فجأة التميمي، ثر به فرسه فأهلك، وأتي الحجاج برأسه، وكان الحجاج يستنفر جيشاً بعد جيش وهو يستظهر عليهم،
стр. 123
وكان المباشرلقتله سوادة وقيل سودة بن أبجر الدارمي، وكان رجلاً شجاعاً مقداماً كثير الحروب والوقائع قوي النفس لا يهاب الموت، وفي ذلك يقول مخاطباً نفسه.
أقول لها وقد طارت شعاعاً ... من الأبطال ويحك لا تراعي
فانك لو سألت بقاء يوم ... على الأجل الذي لك لم تطاعي
فصبراً من مجال الموت صبراً ... فما نيل الخلود بمستطاع
سبيل الموت غاية كل حي ... وداعيه لأهل الأرض داعي
مع أبيات أخرى وهو معدود في جملة خطباء العرب المشهورين بالبلاغة والفصاحة. وتوفي عبيد الله بن أبي بكرة، وكان قد بعثه الحجاج أميراً على سجستان في العام الماضي، وكان جواد ممدوحاً يعتق في كل عيد مائة عبيد. وفيها مات عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي، رحمه الله تعالى.
سنة ثمانين
فيها بعث الحجاج على سجستان عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي، فلما استقربها خلع الحجاج وخرج، ثم كانت بينهما حروب يطول شرحها، وفيها مات عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي، وهو أحد من رأى النبي ﵌ صغره من بني هاشم، ولد بالحبشة، ويقال لم يكن أحد في الإسلام في جوده، وسخائه، وكان يسمى الجواد.
ومن فضائله ومكارمه قرابته من رسول الله ﵌ وما روي في الصحيح أنه قال لابن الزبير: اتذكر إذ تلقينا رسول الله ﵌ أنا وأنت وابن عباس؟ قال: نعم. فحملنا وتركك. وفيها مات أبو ادريس الخولاني عائذ الله بن عبد الله فقيه أهل الشام وقاضيهم، سمع من أبي الدرداء وطبقته، وقال عمر بن عبد البر سماع أبي إدريس عندنا من معاذ صحيح.
стр. 124
وفيها مات أسلم مولى عمرو كان فقيهاً نبيلاً، وفيها مات أبو عبد الرحمن جبير بن نفير الحضرمي، عبد الرحمن بن عبد القاري، وفيها صلب عبد الملك معبد الجهني في القدر، وقيل بل عذبه الحجاج بأنواع العذاب، وقتله. وفيها توفي ملك عرب الشام حسان بن النعمان بن المنذر الغاني غازياً للروم، وحاصر المهلب بن أبي صفرة بلاد العجم.
سنة إحدى وثمانين
فيها قام مع ابن الأشعث عامة أهل البصرة من العلماء والعباد، فاجتمع له جيش عظيم، والتقوا عسكر الحجاج يوم الأضحى فانكشف عسكر الحجاج وانهزم هو، وتمت بينهم عدة وقعات حتى قيل كان بينهما أربع وثمانون وقعة في مائة يوم، ثلاث وثمانون على الحجاج والآخرة كانت له. وفيها وقيل في التي بعدها توفي أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي المعروف بابن الحنفية وخولة بنت جعفر بن قيس، يقال كانت من بني حنيفة من سبي اليمامة، وصارت إلى علي ﵁، وقيل بل كانت سندية سوداء أمه لبني حنيفة، ولم تكن منهم، وإنما صالحهم خالد بن الوليد على الرقيق من الجواري والعبيد ولم يصالحهم على أنفسهم، وعاش سبعين سنة إلا وتكنيته بأبي القاسم، قيل رخصة من رسول الله ﵌ وأنه قال لعلي ﵁: " سيولد لك غلام وقد نحلته اسمي وكنيتي ولا يحل لأحد من أمتي بعده ". قلت وقد جمع بين الكنية والاسم المذكورين جماعة كثيرة من أهل الفضل، وفي ذلك مذاهب للعلماء مشهورة، واختار جماعة من العلماء أن النهي عن الجمع بين التسمي باسمه والتكني بكنيته كان مخصوصاً بزمانه ﵌، وعلله بأن اليهود كانوا يقولون يا أبا القاسم فإذا سمعهم ﵌ التفت إليهم، فيقولون ما عنينك، وكان يحصل منهم في ذلك ايذاء له ﵌، فنهى حينئذ عن التكني بأبي القاسم، وقد زالت هذه العلة بعده، فارتفع النهي.
стр. 125
وكان ابن الحنفية المذكور كثير العلم والورع، وقد ذكره أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء: وكان شديد القوة، وله في ذلك أخبار عجيبة، منها: ما حكاه المبرد في الكامل: ان أباه علياً ﵁ استطال درعاً كانت له فقال له: انقص منها كذا وكذا حلقه، فقبض محمد إحدى يديه على ذيلها والأخرى على فضلها، ثم جذبها فانقطع من الموضع الذي حده أبوه، قال: وكان عبد الله بن الزبير إذا حدث بها غضب واعترته الرعدة، قيل لأنه كان يحسده على قوته، وكان ابن الزبير أيضاً شديد القوة. ومن قوة ابن الحنفية أيضاً ما حكاه المبرد: ان ملك الروم وجه إلى معاوية أن الملوك قبلك كانت تراسل الملوك منا وتجهد بعضهم أن يغلب على بعض أفتأذن في ذلك؟ فأذن له، فوجه إليه برسولين أحدهما طويل جسيم والآخر أيد فقال معاوية لعمرو بن العاص: اما الطويل فقد أصبنا كفوه وهو قيس بن سعد بن عبادة، وأما الآخر فقد احتجا إلى رأيك. فقال عمرو: ها هنا رجلان كلاهما إليك بغيض؛ محمد ابن الحنفية وعبد الله بن الزبير. قال معاوية: من هو أقرب إلينا على حال أو قال على كل حال؟ فلما دخل الرجلان للذان بشهما ملك الروم وجه معاوية إلى قيس بن سعد يعلمه، فدخل قيس، فلما مثل بين يدي معاوية نزع سراويله، فرمى بها إلى العلج فلبسها فبلغت ثندوته فأطرق مغلوباً، قيل إن قيساً لاموه في ذلك وقيل له: لما تبذلت هذا التبذل بحضرة معاوية؟ هلا وجهت إليه غيرها؟ فقال:
أردت لكيما يعلم الناس أنها ... سراويل قيس والوفود شهود
وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه ... سراويل عاد ثمة وثمود
وأني من القوم اليمانين سيد ... وما الناس إلا سيد ومسود
وبد جميع الخلق أصلي ومنصبي ... وجسمي به أعلو الرجال سديد
ثم وجه معاوية إلى ابن الحنفية ﵁ فحضر، فخبر بما دعى إليه فقال: قولوا له إن شاء فليجلس وليعطني يده حتى أقيمه أو يقعدني، وإن شاء فليكن القاعد وأنا القائم، فاختار الرومي الجلوس فأقامه محمد وعجز هو من إقعاده، ثم اختار أن يكون محمد هو القاعد فجذبه محمد فأقعده، وعجز الرومي عن اقامته فانصرفا مغلوبين، وكان الراية يوم صفين بيده.
стр. 126
ويحكى أنه توقف أول يوم في حملهما لكونه قتال المسلمين، ولم يكن قبل ذلك شهد مثله، فقال له علي: وهل عندك شك في جيش مقدمه أبوك؟ فحملها قلت هكذا ذكر بعضهم. وذكر غيره أنه قال له أبوه يوم الجمل: تقدم بالراية وقد ازدحمت الأقران والرؤوس تقطع عن الأبدان، فقال: إلى أين أتقدم؟ والله إن هذه هي المصيبة العمياء. فقال له علي: ثكلتك أمك أتكون
مصيبة وأبوك قائدها؟ وقيل لمحمد كيف كان أبوك يقحمك المهالك، ويولجك المضائق، دون أخويك الحسن والحسين؟ فقال: لأنهما كانا عينيه، وكنت يديه، وكان يقي عينيه بيديه. ولما دعا ابن الزبير إلى نفسه، وبايعه أهل الحجاز بالخلافة، دعا عبد الله بن العباس ومحمد ابن الحنفية إلى البيعة، فأبيا وقال لانبايعك حتى يجتمع لك البلاد والعباد، فتهددهما وجرى ما يطول شرحه وكان الشيعة قد لقبته المهدي، وتزعم شيعته أنه لم يمت وأنه بجبل رضوى مختفيأ عنده عسل وماء، وإلى ذلك أشار كثير عزة وكان كيسانياً حيث قال:
ألا إن الأئمة من قريش ... ولاة الحق أربعة سواء
علي والثلاثة من بنيه ... هم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط إيمان وبر ... وسبط غيبته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتى ... يقود الخيل يقدمها اللواء
نراه مخيماً بجبال رضوى ... مقيماً عنده عسل وماء
وفيها توفي سويد بن غفلة الجعفي بالكوفة، ومولده عام الفيل فيما قيل، وكان فقيهاً إماماً عابداً قانعاً كبير القدر، رحمة الله عليه. وفيها حجت أم الدرداء الوصابية اليمنية الحميرية، وكان لها نصيب وافي من العلم والعمل، ولها حرمة زائدة بالشام، وقد خطبها معاوية بعد أبي الدرداء فامتنعت وقتل مع ابن الأشعث ليلة دجيل أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود الهذلي، وعبد الله بن شداد بن الهاد الليثي
стр. 127
ابن خالة خالد بن اللوليد، وكان فقيهاً كثير الحديث، لقي كبار الصحابة، وأدرك معاذ بن جبل ﵃.
سنة اثنتين وثمانين
كانت الحروب تشتعل بين الحجاج وابن الأشعث، وكاد ابن الأشعث أن يغلب على العراق، وبلغ جيشه ثلاثة وثلاثين ألف فارس ومائة وعشرين ألف راجل، ولم يختلف عنه كثير قاموا على الحجاج لله. وفيها توفي المهلب بن أبي صفرة الأزدي أمير خراسان صاحب الحروب والفتوحات قال وإسحاق السبيعي: لم أر أمير اليمن نقبة ولا أشجع لقاء، ولا أبعد مما يكره، ولا أقرب مما يحب من المهلب. وقال بعض المؤرخين: روي أنه قدم على عبد الله بن الزبير أيام خلافته بالحجازوالعراق وتلك النواحي، وهو يومئذ بمكة، فخلا به عبيد الله يشاوره، فدخل عليه عبد الله بن صفوان بن أمية الجمحي، فقال: من هذا الذي شغلك يا أمير المؤمنين يومك هذا؟ فقال: او ما تعرفه؟ قال: لا. قال: هذا سيد أهل العراق: قال: فهو المهلب بن أبي صفرة؟ قال: نعم. فقال المهلب: من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال هذا سيد قريش. قال فهو عبد الله بن صفوان؟ قال نعم وكان الذي استعمله على خراسان عبد الملك بن مروان، وكان له كلمات لطيفة واشارات مليحة تدل على مكارمه، وخلف المهلب عدة أولاد نجباء كرام أجواداً أمجاداً قال ابن قتيبة يقال إنه وقع إلى الأرض من صلب المهلب ثلاث مائة ولد، وله آثار حميدة وفضائل عديدة، ولما مات أكثر الشعراء فيه من المراثي من ذلك قول بعضهم:
ألا ذهب العز المقرب للفتى ... ومات الندى والجود بعد المهلب
أقاما بمرو الروذ لا يبرحانها ... وقد عدلا عن كل شرق ومغرب
وفيها توفي زر بن حبيش الأسدي القاري، وله مائة وعشرون سنة، وكان عبد الله بن مسعود يسأله عن العربية فيما قيل، وقتل الحجاج كميل بن زياد النخعي صاحب علي، وكان شريفاً مطاعاً. وفيها قتل أبو الشعثاء مع ابن الأشعث بظاهر البصرة، وفيها قتل الحجاج محمد بن سعد بن أبي وقاص لقيامه مع ابن الأشعث.
стр. 128
وفيها توفي جميل بن عبد الله بن معمر الشاعر المشهور من بني عذرة صاحب بثينة أحد عشاق العرب، تعلق قلبه بها وهو غلام فلما كبر خطبها، فرد عنها، فقال الشعر فيها. قال المؤرخون ومنهم الحافظ ابن عساكر، وكان يأتيها ومنزلها بوادي القرى وله ديوان شعر كثير ذكره لها فيه فقيل له: لو قرأت القرآن كان أعود عليك من الشعر؟ فقال: هذا أنس بن مالك أخبرني أن رسول الله ﵌ قال: " إن من الشعر لحكمة " وبثينة أيضاً من بني عذرة وكانت تكنى أم عبد الملك والجمال والعشق في بني عنرة، قيل لرجل منهم ممن أنت؟ قال: من قوم إذا أحبوا ماتوا، فقالت جارية سمعته: هذا عذري ورب الكعبة وقيل لآخر: ما بال قلوبكم كأنها قلوب طير ينماع كما ينماع الملح في الماء؟ اما تتجلدون؟ فقال: انا ننظر إلى محاجرعيون لا تنظرون إليها. وذكر صاحب كتاب الأغاني أن كثيرعزة راوية جميل، وجميل راوية هدبة، وهدبة راوية الحطيئة، والحطيئة راوية زهير بن أبي سلمى وابنه كعب بن زهير، ومن شعر جميل:
وجزعاني أن تبماء منزل ... لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا
فهذي شهور الصيف إن قد انقضت ... فما للنوى يرمي بليلى المراميا
قال ابن خلكان ومن الناس من يدخل هذه الأبيات في قصيدة مجنون ليلى، وليست له، وتيماء خاصةً منزل لبني عذرة، وفي هذه القصيدة يقول جميل:
وما زلتم تأبون حتى لو أنني ... من الشوق أستبكي الحمام بكى ليا
وما زادني الواشون إلا صبابة ... ولا كثرة الناهين إلا تماديا
ومن شعره أيضاً
يقضي الديون وليس ينجز موعدا ... هذا الغريم لنا وليس بمعسر
ما أنت بالوعد الذي تعدينني ... إلا كبرق سحابة لم تمطر
قلت والبيت الأول منهما وقول كثيرعزة، قضى كل في دين فوفى غريمه. وبيته المعروف، احدهما يستمد من الآخر، ومن شعر جميل:
وإني لأستحيي من الناس أن أرى ... رديفاً لوصل أوعلى رديف
وإني للماء المخالط للقذى ... إذا كثرت وراده لعيوف
قلت والبيت الثاني من هذين غير مناسب للأول منهما، فإنه في الأول كره لأن يكون
стр. 129
رديفا وأن يكون الذي قبله واحداً، اذ الرديف يصدق على ذلك وفي الثاني قيد العيوف بكثرالوارد. قلت ومما ذكره المؤرخون ما يكره المتدين ذكره، استغفر الله من ذكره واسأل العافية من مثله، قالوا: قال كثيرة عزة لفتى مرة جميل بثينة فقال من أين أقبلت؟ فقلت من عند الحبيبة يعني بثينة، قال: الى أين تمضي؟ فقلت إلى الحبيبة يعني عزة، فقال لابد أن ترجع عودك على بدنك فتتخذ لي موعداً من بثينة، فقلت: عهدي بها الساعة وأنا أستحي أن أرجع، فقال: لا بد من ذلك. فقلت: ومتى عهدك ببثينة؟ فقال من أول الصيف وقعت سحابة بأسفل واد الروم، فخرجت ومعها جارية لها تغسل ثياباً، فلما أبصرتني أنكرتني فضربت يدها إلى ثوب في الماء فالتحفت به، وعرفتني الجارية فأعادت الثوب إلى الماء، وتحدثنا ساعة حتى غابت الشمس، وسألتها الموعد فقالت: اهلي سائرون، وما لقيتها بعد ذلك، ولا وجدت أحداً منه فأرسله إليها. قال كثير فقلت هل لك أن آتي الحي فأتعرض بأبيات شعر أذكر فيها هذه العلامة إن لم أقدرعلىالخلوة بها؟ قال: ذلك هو الصواب، قال فخرجت حتى أنخت بهم. فقال أبوها: ما ردك يا ابن أخي؟ قال قلت أبيات عرضت فأحببت أن أعرضها عليك. قال: هات. قال: فأنشدته شعراً، وبثينة تستمع، فقلت لها:
يا عز أرسل صاحبي ... إليك رسولاً والرسول موكل
بأن تجعلي بيني وبينك موعداً ... وأن تأمريني ما الذي فيه أفعل
وآخرعهدي منك يوم لقيتني ... بأسفل واد الروم والثوب يغسل
قال فضربت بثينة خدرها، وقالت: اخسأ اخسأ. فقال لها أبوها: مهيم: يا بثينة قالت: كلب يأتينا إذا نوم الناس من وراء الرابية، ثم قالت للجارية: ابغينا من الدومات حطباً لنذبح لكثير شاةً ونشويها له، فقال كثير: انا أعجل من ذلك وراح إلى جميل فأخبره، فقال له جميل موعدنا الدومات، وخرجت بثينة وصواحبها إلى الدومات، وجاء جميل وكثير إليهن فما برحوا حتى برق الصبح، وكان كثير يقول ما رأيت مجلساً قط أحسن من ذلك المجلس ولا مثل علم أحدهما بضمير الآخر ما أدري أيهما كان أفهم. وقال الحافظ أبو عيسى ابن عسكرفي تاريخه الكبير قال ابن الأنباري أنشدني أبي هذه الأبيات لجميل:
ما زلت أبغي الحي أطلب أهلهم ... حتى دفعت إلى رؤيبة هودج
فدنوت مختفياً ألم ببيتها ... حتى ولجت إلى حفى المولج
стр. 130
فتناولت رأسي لتعرف سنه ... لمخضب الأطراف غير مشيخ
قالت وعيش أخي ونعمة والدي ... لأنبهن القوم إن لم تخرج
فخرجت خيفة قولها فتبسمت ... فسلمت أن يمينها لم تلحج
قلت وبعد هذا بيت حذفته كراهية ذكره. وقال هارون بن عبد الله القاضي قدم جميل بن معمر مصر على عبد العزيز بن مروان ممتدحاً له، فأذن له وسمع مدائحه وأحسن جائزته، وسأله عن حبيبته بثينة فذكر، وحمد كثيراً فوعده في أمرها وأمره بالمقام، وأمر له بمنزل وما يصلحه فأقام قليلاً حتى مات هناك. وذكر الزبير بن بكار عن عباس بن سهل الساعدي قال: بينا أنا بالشام إذ لقيني رجل من أصحابي، فقال هل لك في جميل؟ فإنه ثقيل نعوده، فدخلنا عليه وهو يجود بنفسه، فنظر إلي ثم قال: يا ابن سهل ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قط، ولم يزن ولم يقتل النفس ولم يسرق يشهد أن لا إله إلا الله؟ قلت: اظنه قد نجا، وأرجو له الجنة. فمن هذا الرجل؟ قال: انا قنت والله ما أحسبك سلمت وأنت تشبب منذ عشرين سنة ببثينة. فقال: لا نالتني شفاعة محمد ﵌، وإني في أول يوم من أيام الآخرة آمر يوم من أيام الدنيا إن كنت وضعت يدي عليها لريبة. قال: فما برحنا حتى مات. وذكر في الأغاني عن الأصمعي قال: حدثني رجل شهد جميلاً لما حضرته الوفاة بمصر أنه دعا به فقال: هل لك إن أعطيتك كل ما أخلفه على أن تفعل شيئاً أعهده إليك؟ قال فقلت نعم قال إذا نامت فخذ حلتي هذه وأعز لها جانباً وكل ما سواها، لك وادمل إلى رهط بثينة فإذا صرت إليها فارتحل ناقتي هذه واركبها، ثم البس حلتي هذه واشققها، ثم اعل على شرف وصح بهذين البيتين:
صرح البغي وما كنا بجميل ... وثوى بمصر ثوى بغير قفول
قومي بثينة فاندبي بعويل ... وابكي خليلاًدون كل خليل
قال فقلت ما أمرني به فما تممت الإنشاد حتى خرجت بثينة كأنها بدر في دجنة، وهي تنثني في مرطها حتى أتتني، فقالت: يا هذا والله إن كنت صادقاً لقد قتلتني، وإن كنت كاذباً فقد فضحتني، فقلت: والله ما أنا لا صادقاً وأخرجت حلته، فلما رأتها صاحت بأعلى صوتها وصكت وجهها، واجتمع نساء الحي يبكين معها ويندبنه حتى صعقت، فمكثت مغشياً عليها ساعة ثم قامت وهي تقول:
وإن سكتموني عن جميل لساعة ... من الدهر ما حانت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر ... إذا مت بأساء الحياة ولينها
стр. 131
سنة ثلاث وثمانين
فيها في قول غير واحد وقعة دير الجماجم وكان شعار الناس يادبارات الصلاة لأن الحجاج كان يميت الصلاة ويؤخرها حتى يخرج وقتها. وقتل مع ابن الأشعث البحتري والطائي مولاهم، كان من كبار فقهاء الكوفة، وغرق مع ابن الأشعث عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي الفقيه المقري. قال ابن سيرين رأيت أصحابهم يعظمونه كانه أمير. وتوفي فيها أبو الجوزاء الربعي البصري، وقاضي مصر عبد الرحمن الخولاني، وكان عبد العزيز بن مروان يرزقه في السنة ألف دينار فلا يدخرها.
سنة أربع وثمانين
فيها فتحث المصيصة على يد عبد الله بن عبد الملك بن مروان. وفيها قتل أيوب بن زيد الهلالي المعروف بابن القرية بكسر القاف وبالراء والمثناة من تحت وتشديدهما في آخرها اسم جدته، كان اعرابياً أمياً وهو معدود من جملة خطباء العرب المشهورين بالفصاحة والبلاغة، وكان عامل الحجاج يغدي كل يوم ويعشي، فوقف ابن القرية ببابه فرأى الناس يدخلون، فقال أين يدخل هؤلاء قالوا: الى طعام الأمير، فدخل فتغذى وقال: اكل يوم صنع الأمير ما أرى؟ فقيل: نعم، فكان كل يوم يأتيه للغداء والعشاء الى أن ورد كتاب من الحجاج على العامل، وهو عربي غريب لا يدري ما هو فأمر لذلك طعامه فجاء ابن القرية فلم ير العامل يتغذى، فقال ما بال الأمير اليوم لا يأكل ولا يطعم؟ فقالوا: غم لكتاب ورد عليه من الحجاج عربي غريب لا يدري ما هو، فقال: ليريني الأمير الكتاب وأنا أفسره إن شاء الله تعالى، وكان خطيباً لسناً بليغاً فذكر أن للوالي فدعي به، فلما قرىء عليه الكتاب عرف الكلام وفسره للوالي حتى عرف جميع ما فيه. فالتمس الوالي منه أن يكتب له الجواب، فقال: لست أقرأ ولا أكتب ولكن أقعد عندي كاتباً يكتب ما أمليه ففعل فكتب جواب الكتاب، فلما قرىء الكتاب على الحجاج رأى كلاماً غريباً فعلم أنه ليس من كلام كتاب الخراج فدعى برسائل عامل عين اليمن فنظر فيها فإذا هي ليست ككتاب ابن القرية فكتب الحجاج إلى العامل.
стр. 132
أما بعد فقد أتاني كتابك بعيداً من جوابك بمنطق غيرك، فإذا نظرت في كتابي هذا فلاتضعه من يدك حتى تبعث إلي بالرجل الذي سطر لك الكتاب والسلام. فقرأ العامل الكتاب على ابن القرية، فقال له تتوجه نحوه، وقال لا بأس عليك، وأمر له بكسوة، ونفقة وحمله إلى الحجاج، فلما دخل عليه قال ما اسمك؟ قال: ايوب. قال اسم نبي وأظنك أمياً تحاول البلاغة؟ ولا يستصعب عليك المقال وأمر له بنزل ومنزل، فلم يزل يزداد به عجباً حتى أوفده على عبد الملك بن مروان. فلما خلع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي الطاعة بسجستان وهي واقعة مشهورة، بعثه الحجاج إليه فلما دخل عليه قال لتقومن خطيباً ولتخلعن عبد الملك ولتشتمن الحجاج أو لأضربن عنقك. قال: ايها الأمير إنما أنا رسول. قال: هو ما أقول لك فقام وخطب، وخلع عبد الملك وشتم الحجاج، وقام هناك فلما انصرف ابن الأشعث منهزماً كتب الحجاج إلى عماله بالري وأصبهان وما يليها يأمرهم أن لا يمر بهم أحد من قيل أو قال من أصحاب ابن الأشعث إلا بعثوا به أسيراً إليه، وأخذ ابن القرية في من أخذ فلما دخل على الحجاج قال أخبرني عما أسألك عنه. قال: سلني عمن شئت. قال أخبرني عن أهل العراق؟ قال: اعلم الناس بحق وباطل. قال: فأهل الحجاز؟ قال: اصرع الناس إلى فتنة وأعجزهم فيها قال: فأهل الشام؟ قال أطوع الناس لخلفائهم. قال فأهل مصر؟ قال عبيد من خلب يعني من خدع. قال فأهل البحرين؟ قال: بسط استعربوا قال: فأهل عمان؟ قال: عرب استنبطوا قال: فأهل الموصل؟ قال: اشجع فرسان وأقبل للأقران، قال فأهل اليمن؟ قال أهل أهواء أو قال أهواء ونقاء، واصبر عند اللقاء. قال: فأهل اليمامة؟ قال: اهل جفاء واختلاف وريف كثير وقرى يسير. قال: اخبرني عن العرب قال: سلني. قال: قريش؟ قال: اعظمها أحلاماً واكرمها مقاماً. قال: فبنو عامر بن صعصعة؟ قال: اطولها رماحاً وأكرمها صباحاً. قال: فبنو سليم؟ قال: اعظمها مجالس وأكرمها محاسن. قال: فثقيف؟ قال أكرمها جدوداً وأكثرها وفوداً. قال: فبنو زيد؟ قال ألزمها للرايات وأدركها للثارات. قال: فقضاعة؟ قال: اعظمها أحطاراً رأكرمها نجاراً وأبعدها آثاراً يعني النجار بالنون والجيم والراء بعد الألف الأصل والحسب. قال فالأنصار؟ قال أثبتها مقاماً وأحسنها إسلاماً، وأكرمها أياماً. قال: فتميم؟ قال: اظهرها جلداً وأثراها عدداً. قال: فبكر بن وائل؟ قال أثبتها صفوفاً واحدها سيوفاً..قال فعبد القيس؟ قال أسبقها إلى الغايات وأصبرها تحت الرايات. قال فبنو أسد؟ قال أهل عدد وجلد وعز ونكد. قال فلخم؟ قال ملوك وفيهم نوك يعني بالنوك بفتح النون الحمق. قال فجذام؟ قال يسعرون الحرب ويوقدونها ويلحقونها ثم يمرونها. قال فبنو الحارث؟ قال رعاة للقديم حماة عن الحريم. قال فمك؟ قال ليوث جاهدة في قلوب
стр. 133
فاسدة قال فثعلب؟ قال يصدقون إذ ألقوا ضرباً ويسعرون الأعداء حرباً. قال فغسان؟ قال أكرم العرب أحساباً وأبينها أنساباً. قال فأي العرب في الجاهلية كانت أمنع من أن يضام؟ قال قريش أهل رهوة لا يستطاع ارتقاؤها
وهضبة لا يرام انتزاؤها في بلدة حمى الله دمارها ومنع جارها. قال فأخبرني عن مآثر العرب في الجاهلية؟ قال: كانت العرب تقول حمير أرباب الملك وكندة لباب الملوك، ومذحج أهل الطعان، وهمدان أحداس الخيل يعني يفتنونها ويلزمون ظهورها. والأزدآسات الناس. قال: فأخبرني عن الأرضين قال: سلني. قال: الهند قال بحر هادر، وجبلها ياقوت، وشجرها عود، وورقها عطر، وأهلها طعام يقطع الحمام، او قال للقطع الحمام. قال فخراسان قال ماؤها جامد وعدو هنيئاً جاحد. قال فعمان؟ قال حرها شديد وصيدها عتيد. قال فالبحرين؟ قال كماشة بين المصريين. قال فاليمن؟ قال أصل العرب وأهل البيوتات والحسب. قال فمكة؟ قال رجالها على علماء جفاة ونساؤها كساة عراة. قال والمدينة؟ قال رسخ العلم فيها وظهر منها. قال فالبصرة؟ قال شتاؤها جليد وحرها شديد وماؤها ملح وحربها صلح. قال فالكوفة؟ قال ارتفعت عن حرالبحر وسفلت عن برد الشام فطاب ليلها وكثر خيرها. قال فواسط؟ قال جنة بين حماة وكنة قال وما حماتها وكنتها. قال البصرة والكوفة يحسدانها، وما ضراها ودجلة يتجاريان بإفاضة الخير عليها، قال فالشام؟ قال عروس بين نسوة جلوس. قال: ثكلتك أمك يابن القرية، لولا اتباعك أهل العراق وكنت أنهاك عنهم أن تتبعهم فتأخذ من تفاقم. ثم دعا بالسيف وأومى إلى السياف أن أمسك، فقال ابن القرية ثلاث كلمات أصلح الله الأمير كأنهن ركب وقف تكن مثلاً بعدي، قال: هات قال لكل جواد كبوة ولكل صارم نبوة ولكل حليم هفوة. قال الحجاج ليس هذا وقت المزاح يا غلام رحب جرحه فضرب عنقه. قيل لما أراد قتله قال له العرب تزعم أن لكل شيء آفة، قال: صدقت العرب أصلح الله الأمير. قال فما آفة الحليم؟ قال الغضب. قال: فما آفة العقل؟ قال العجب. قال فما آفة العلم؟ قال النسيان. قال فما آفة السخاء؟ قال المن عند البلاء. قال فما آفة الحديث؟ قال الكذب. قال فما آفة الكرام؟ قال مجاورة اللئام قال فما آفة الشجاعة؟ قال البغي. قال فما آفة العبادة؟ قال العترة. قال فما آفة الذهن؟ قال حديث النفس. قال فما آفة المال؟ قال سوء التبذير. قال فما آفة الكامل من الرجال؟ قال العدم. قال فما آفة الحجاج بن يوسف؟ قال أصلح الأمير: الآفة لمن كرم حسبه وطاب نسبه وزكى فرعه، قال: امتلأت شقاقاً وأظهرت شقاق ثم قال اضربوا عنقه، فلما رآه قتيلاً ندم. ذكر هذا كله بعض المؤرخين في تاريخه ناقلاً له. وفي السنة المذكورة ظفر أصحاب الحجاج بعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي وقتلوه بسجستان وطيف برأسه في البلدان. وتوفي عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي حنكه النبي ﵌ عند ولادته والأسود بن هلال المحاربي. وتوفي عمران بن حطان السدوسي المصري أحد رؤوس الخوارج وشاعرهم البليغ. وتوفي عتبة بن النذر السلمي، روح الجذامي سيد جذام أمير فلسطين وكان منظماًعند عبد الملك لا يكاد يفارقه وكان عنده بمنزلة وزير وكان ذا علم وعقل ورأي ودين. هضبة لا يرام انتزاؤها في بلدة حمى الله دمارها ومنع جارها. قال فأخبرني عن مآثر العرب في الجاهلية؟ قال: كانت العرب تقول حمير أرباب الملك وكندة لباب الملوك، ومذحج أهل الطعان، وهمدان أحداس الخيل يعني يفتنونها ويلزمون ظهورها. والأزدآسات الناس. قال: فأخبرني عن الأرضين قال: سلني. قال: الهند قال بحر هادر، وجبلها ياقوت، وشجرها عود، وورقها عطر، وأهلها طعام يقطع الحمام، او قال للقطع الحمام. قال فخراسان قال ماؤها جامد وعدو هنيئاً جاحد. قال فعمان؟ قال حرها شديد وصيدها عتيد. قال فالبحرين؟ قال كماشة بين المصريين. قال فاليمن؟ قال أصل العرب وأهل البيوتات والحسب. قال فمكة؟ قال رجالها على علماء جفاة ونساؤها كساة عراة. قال والمدينة؟ قال رسخ العلم فيها وظهر منها. قال فالبصرة؟ قال شتاؤها جليد وحرها شديد وماؤها ملح وحربها صلح. قال فالكوفة؟ قال ارتفعت عن حرالبحر وسفلت عن برد الشام فطاب ليلها وكثر خيرها. قال فواسط؟ قال جنة بين حماة وكنة قال وما حماتها وكنتها. قال البصرة والكوفة يحسدانها، وما ضراها ودجلة يتجاريان بإفاضة الخير عليها، قال فالشام؟ قال عروس بين نسوة جلوس. قال: ثكلتك أمك يابن القرية، لولا اتباعك أهل العراق وكنت أنهاك عنهم أن تتبعهم فتأخذ من تفاقم. ثم دعا بالسيف وأومى إلى السياف أن أمسك، فقال ابن القرية ثلاث كلمات أصلح الله الأمير كأنهن ركب وقف تكن مثلاً بعدي، قال: هات قال لكل جواد كبوة ولكل صارم نبوة ولكل حليم هفوة. قال الحجاج ليس هذا وقت المزاح يا غلام رحب جرحه فضرب عنقه. قيل لما أراد قتله قال له العرب تزعم أن لكل شيء آفة، قال: صدقت العرب أصلح الله الأمير. قال فما آفة الحليم؟ قال الغضب. قال: فما آفة العقل؟ قال العجب. قال فما آفة العلم؟ قال النسيان. قال فما آفة السخاء؟ قال المن عند البلاء. قال فما آفة الحديث؟ قال الكذب. قال فما آفة الكرام؟ قال مجاورة اللئام قال فما آفة الشجاعة؟ قال البغي. قال فما آفة العبادة؟ قال العترة. قال فما آفة الذهن؟ قال حديث النفس. قال فما آفة المال؟ قال سوء التبذير. قال فما آفة الكامل من الرجال؟ قال العدم. قال فما آفة الحجاج بن يوسف؟ قال أصلح الأمير: الآفة لمن كرم حسبه وطاب نسبه وزكى فرعه، قال: امتلأت شقاقاً وأظهرت شقاق ثم قال اضربوا عنقه، فلما رآه قتيلاً ندم. ذكر هذا كله بعض المؤرخين في تاريخه ناقلاً له. وفي السنة المذكورة ظفر أصحاب الحجاج بعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي وقتلوه بسجستان وطيف برأسه في البلدان.
стр. 134
وتوفي عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي حنكه النبي ﵌ عند ولادته والأسود بن هلال المحاربي. وتوفي عمران بن حطان السدوسي المصري أحد رؤوس الخوارج وشاعرهم البليغ. وتوفي عتبة بن النذر السلمي، روح الجذامي سيد جذام أمير فلسطين وكان منظماًعند عبد الملك لا يكاد يفارقه وكان عنده بمنزلة وزير وكان ذا علم وعقل ورأي ودين.
سنة خمس وثمانين
فيها توفي عبد العزيز بن مروان بن الحكم أمير مصر والمغرب، عند جماعة وقال بعضهم في السنة التي قبلها، وولي مصر عشرين سنة وكان ولي العهد بعد عبد الملك عقد لهما أبوهما كذلك فلما مات عقد عبد الملك من بعده العهد لولده، وبعث لي عامله إلى المدينة، هشام بن إسماعيل المخزومي ليبايع له الناس بذلك، فامتنع عليه سعيد بن المسيب، وصمم، فضربه هشام بن إسماعيل بستين سوط، وطوف به. وفيها توفي واثلة بن الأسقع الليثي أحد فقراء الصفة، وله ثمان وتسعون سنة وكان فارساً شجاعاً ممدوحاً فاضلاً، شهد غزوة تبوك ﵁. وفيها توفي عمرو بن حريث المخزومي، هـ صحبة ورواية، ومولده في زمن الهجرة. وفيها توفي عمرو بن سلمة الجرمي البصري، في قول ويقال إن له صحبة، وهو الذي صلى بقومه في عهد النبي صلى الله وآله وسلم، وعمرو بن سلمة الهمداني، وعبد الله بن عامر بن ربيعة العنبري حليف آل عمر بن الخطاب ﵃، وروى عن النبي ﵌ حديثاً ليس بمتصل، خرجه أبو داود له رواية عن الصحابة.
стр. 135
وفيها توفي خالد بن يزيد بن معاوية بن أي سفيان الأموي، قيل كان له معرفة بفنون من العلم، منها علم الطب والكيمياء كان متقناً لهما: قال ابن خلكان: وله رسائل دالة على علمه ومعرفته وبراعته، اخذ الصناعة من رجل رومي من الرهبان، وله أشعار مطولات ومقاطع دالة على حسن تصرفه، ومن شعره:
تجول خلاخيل النساء ولا أرى ... لرملة خلخالاً تجول ولا قلبا
أحب بني العوام من أجل حبها ... ومن أجلها أحببت أخوالها
من قصيدة له طويلة في زوجته رملة بنت الزبيربن العوام، وشكا إلى عبد الملك بن مروان، فقال: يا أمير المؤمنين، ان الوليد بن عبد الملك قد احتقر ابن عمه عبد الله واستصغره، يعني أخاه، فقال عبد الملك: " إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون " - النمل: ٣٤ - فقال خالد: " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً " - الإسراء: ١٦ - فقال عبد الملك: أفي عبد الله تكلمني؟ والله لقد دخل علي فما أقام لسانه لحناً، فقال له خالد: افعلى الوليد تقول؟ فقال: عبد الملك: ان كان يلحن فإن أخاه سليمان، يعني أنه كان فصيحاً زكياً كما سيأتي ترجمته، فقال خالد: ان كان عبد الله يلحن فإن أخاه خالد، فقال له الوليد: اسكت يا خالد فوالله ما تدعي في العير ولا في النفير، فقال خالد: ويحك ومن للعير والنفير غيري؟ وجدي أبو سفيان صاحب العير، وجدي عتبة بن ربيعة صاحب النفير، ولكن لو قلت غنيمات والطائف رحم الله عثمان لقلنا صدقت، قلت وأشار بذلك إلى العير التي خرج لها النبي ﵌ وأصحابه ليأخذوها، وخرج المشركون من مكة ليقاتلوا دونها، وكان في العير أبو سفيان هو المقدم وهو جده من جهة أبيه، وفي النفير عتبة بن ربيعة مقدم على القوم وهو جده من جهة الأم، فإن ابنته هند أم معاوية.
وأما الغنيمات: فإن رسول الله ﵌ نفى الحكم جد الوليد إ لىالطائف وكان يرعى الغنم، ولم يزل كذلك إلى أن ولي عثمان بن عفان فرده. وروي أن عثمان كان قد شفع إلى النبي ﵌ في رده، فأنعم له بذلك، وأذن له في رده، وفي ذلك تبكيت للوليد لما صدر منه من الاحتقار له ولأخيه والله أعلم.
سنة ست وثمانين
فيها ولي قتيبة بن مسلم الباهلي خراسان، وافتتح بلاد صاغان من الترك صلحاً،
стр. 136
وتوفي أبو إمامة الباهلي ﵁ وله مائة وست وستون سنة. وفيها وقيل في سنة ثمان توفي عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي ﵁، وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة ﵃، وآخر من شهد بيعة الرضوان. وفيها توفي على الصحيح وقيل سنة ثمان عبد الله بن الحارث بن جزء بفتح الجيم وسكون الزاي مع الهمزة الزبيدي ﵁، اخر من مات بمصر من الصحابة، وتوفي قبيصة بن ذويب الخزاعي الفقيه بدمشق، روى عن أبي بكر وعمر ﵃، قال: مكحول: ما رأيت أعلم منه. وقال الزهري: كان من علماء الأمة. وفي شوال مات خليفتهم عبد الملك بن مروان وله ستون سنة، وكانت ولايته المجمع عليها بعد ابن الزبير ثلاث عشرة سنة وأشهراً، وقد عده أبو الزناد في طبقة ابن المسيب، وقال نافع رأيت أهل المدينة وما بها شاب أشد تشميراً ولا أفقه ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك، وولي بعده ابنه الوليد بن عبد الملك. ومن المشهور أن عبد الملك المذكور رأى في منامه كأنه بال في المحراب أربع مرات، فوجه إلى سعيد بن المسيب من يسأله عن ذلك، فقال: يملك من ولده لصلبه أربعة، وكان كما قال: فإنه ولي الوليد وسليمان وهشام ويزيد أولاد عبد الملك. وقيل رأى أنه بال في زوايا المسجد الأربع، فقال ابن المسيب يلد أربعة أولاد يملكون الأرض.
سنة سبع وثمانين
فيها استعمل الوليد على المدينة عمربن عبد العزيز، وفيها ابتدأ ببناء جامع دمشق، ودام العمل والجد والاجتهاد في بنائه وزخرفته أكثر من عشر سنين، وكان فيها اثنا عشر ألف صانع. وفيها توفي عتبة بن عبد السلمي صاحب رسول الله ﵌، وله أربع وتسعون سنة، والمقدام بن معد يكرب الكندي الصحابي، وهو ابن إحدى وتسعين سنة، ﵄.
стр. 137
سنة ثمان وثمانين
فيها زحفت الترك، وأهل فرغانة والصفد، عليهم ابن أخت ملك الصين في جمع عظيم، يقال كانوا مائتي ألف، فالتقاهم قتيبة بن مسلم وهزمهم، وفيها توفي عبد الله بن بسر المازني، وهو آخر من مات من الصحابة بحمص، قلت هكذا ينبغي أن يقال: وأما قول الذهبي أنه أخر من مات من الصحابة مقتصراً على هذا فغير صحيح، وكلامه بعد هذا ينقصه، توفي سهل بن سعد الساعدي في
سنة إحدى وتسعين ، وأنس بن مالك في سنة ثلاث وتسعين على القول الراجح الذي قطع به هو في مختصر، وذكر أيضا أن عبد الله بن بسر المذكور أرخه عبد الصمد بن سعيد في سنة تسع وتسعين. قلت وهذا يمكن أن يقال على هذا القول إنه آخر الصحابة موتاً، لكن ينبغي النظر في شيء آخر، وهو: ان الصحابي من هو؟ فعلى أحد الأقوال أنه من رأى النبي صلى اللهء وآله وسلم مسلماً، وكذا في حكم الإسلام متى يصح من الإنسان فإن محمود بن الربيع عقل في مجة مجها رسول الله ﵌ من بير في دارهم وهو ابن أربع سنين، وموته كان في سنة تسع وتسعين. وأبو الطفيل الكناني نقل العلماء أنه آخر من رأى النبي ﵌ في الدنيا يعنون آخرهم موتاً، وموته في سنة مائة، لكن لا أدري هل رآه مسلماً أم لم يسلم بعد؟ فليبحث عن ذلك. وقد علم أيضاً أن الصغيريحكم بإسلامه تبعاً كما هو معروف في كتب الفقه، هذا ما أردت من التنبيه على ذلك فليعلم، والله تعالى بكل شيء أعلم.
سنة تسع وثمانين
فيها توفي على القول الصحيح عبد الله بن ثعلبة العذري، مسح النبي ﵌ رأسه، ودعا له فوعى ذلك، وسمع من عمر ﵄.
سنة تسعين
فيها ولي امرة مصرقرة بن شريك، وكان جباراً ظالماً. وفيها ظفر قتيبة بأهل
стр. 138
الطالقان، قتل منهم صبرا مقتلة لم يسمع بمثلها، وطلب سماطين طول أربعين فراسخ في نظام واحد: يعني طلب تحصيل تسبحين مما يمد عليه السماط لأكل العساكر الممدود عليه. وفيها توفي أبو ظبيان جبير بن جندب الجهني الكوفي والد قابوس. وفيها توفي على الصحيح خالد بن يزيد بن معاوية، وكان موصوفاً بالعلم والدين والعقل، وهو الذي تقدم الكلام بينه وبين عبد الملك بن مروان خاله، وظهر عليه ببلاغة اللسان. وتوفي عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة الزهري الفقيه، وأبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني مفتي أهل مصر في وقته، تفقه على عقبة بن عامر.
سنة إحدى وتسعين
توفي فيها أبو العباس سهل بن سعد الساعدي الأنصاري، وقد قارب المائة، وهو آخرمن مات بالمدينة من الصحابة، ﵃. وفيها توفي وقيل في سنة ثمان وثمانين السائب بن يزيد الكندي، قال حج بي أبي مع النبي ﵌ حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين، ورأيت خاتم النبوة بين كتفيه.
سنة اثنتين وتسعين
فيها افتتح اقليم الأندلس على يد طارق مولى موسى بن نصير، تمم موسى فتحه في سنة ثلاث. وتوفي مالك بن أوس بن الحدثان، ادرك الجاهلية، ورأى أبا بكر ﵄. وفيها توفي ابراهيم بن يزيد التيمي الكوفي العابد المشهور، قتله الحجاج ولم يبلغ أربعين سنة، روى عن عمرو بن ميمون الأوثي وجماعة. وفيها توفي طويس المغني. قال ابن قتيبة في كتاب المعارف: طويس مولى أروى بنت
стр. 139
كريز، وهي أم عثمان بن عفان ﵁، واسمه عبد الملك. قال أبو الفرج في كتاب الأغاني: اسمه عيسى بن عبد الله، وقال الجوهري في الصحاح: اسمه طاوس فلما ثخنث أو قال خنث سمي طويس، وكان من المبرزين في الغناء المجيدين فيه، وممن يضرب به الأمثال، وإياه عنى الشاعر بقوله في مدح معبد المغني.
يغني طويس والشريحي بعده ... وما قصبات السبق إلآ لمعبد
وطويس المذكور هو الذي يضرب به المثل في الشوم، فيقال أشأم من طويس، لأنه ولد في اليوم النمي قبض فيه رسول الله ﵌، وفطم في اليوم الذي مات فيه الصديق رضي الله تعالى عنه، وختن في اليوم الذي قتل فيه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وقيل بل بلغ الحلم في ذلك اليوم، وتزوج في اليوم الذي قتل فيه عثمان رضي الله تعالى عنه، وولد مولود له في اليوم الذي قتل فيه علي رضي الله تعالى عنه، وقيل بل في يوم مات الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما، فلذلك تشاءموا به. قلت وهذا إن صح من عجائب الاتفاقات، وكان مفرطاً في طوله مضطرباً في خلقه أحول العين، سكن المدينة، ثم انتقل عنها إلى السويداء على مرحلتين من المدينة في طريق الشام، وبها توفي، وطويس تصغير طاوس بعد حذف الزيادات.
سنة ثلاث وتسعين
فيها افتتح قتيبة عدة فتوح، وهزم الترك، ونازل سمرقند في جيش عظيم، ونصب المجانيق، فجاءت نجدة الترك، فأكمن لهم كميناً، فالتقوا في نصف الليل فاقتتلوا قتالاً عظيماً، فلم يفلت من الترك إلا اليسير، وافتتح سمرقند صلحاً، وبنى بها الجامع والمنبر وقيل صالحهم على مائة ألف رأس وعلى بيوت النار وحلية الأصنام فسلبت ثم وضعت قدامه، وكانت كالقصر العظيم يعني الأصنام فأمر بتحريقها. ثم جمعوا من بقايا ما كان فيها من مسامير الذهب والفضة خمسين ألف مثقال. وفيها توفي من سادات الصحابة ذو الفضائل والإنابة خادم رسول الله ﵌ الموهل لذلك السيد الجليل أبو حمزة أنس بن مالك الأنصاري. وقيل توفي سنة تسعين، وقيل في سنة إحدى وتسعين، وقيل في سنة اثنتين وتسعين، قدم النبي صلى عليه وآله وسلم المدينة وهو ابن عشر سنين، ومن فضائله: دعاء النبي ﵌ له بالبركة فيما أعطي حتى أنه دفن من أولاده قبل مقدم الحجاج بن يوسف مائة
стр. 140
وعشرين، وكان نخله يثمر في السنة مرتين. وتوفي فيها بلال بن أبي الدرداء روى عن أبيه، وقد ولي امرة دمشق. وأبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي الفقيه بالبصرة. قال ابن عباس: لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول أبي الشعثاء لأوسعهم علماً عما في كتاب الله .
وفيها توفي أبو الخطاب عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة القرشي المخزومي الشاعر المشهور، قيل لم يكن في قريش أشعر منه، وهو كثير الغزل والنوادر والوقائع والمجون والخلاعة، وله في ذلك حكايات مشهورة، وكان يتغزل في شعره بالثريا ابنة علي بن عبد الله ابن الحارث بن أمية بن عبد شمس الأموية: قال السهيلي في الروض الأنق: وجدتها قتيلة بضم القاف وفتح المثناة من فوق وتسكين المثناة من تحت ابنة النضر بن الحارث التي أنشدت عقب وقعة بدر الأبيات التي من جملتها.
ظلت يهوف بني أمية يبسة ... لله أرحام هناك تمزق
أمحمد ولأنت نجل نجيبة ... من قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المخنق
فالنضر أقرب من تركت وصيلة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق
ويروى فالنضر أقرب أن أردت قرابة. فقال ﵌: " لو سمعت شعرها قبل أن أقتله لما قتلته ".
قلت وهذا مما احتج به للقول الصحيح أن النبي ﵌ كان له أن يجتهد في الأحكام، وكان النضر المذكور شديد العداوة لرسول الله ﵌، وكان من جملة أسارى بدر، فلما توجه النبي ﵌ وبلغ الصفراء أمرعلياً وقيل المقداد بن الأسود رضي الله تعالى عنه بقتله، فقتله صبراً بين يديه، وممن قتل معه عدو الله الآخرعتبة بن أبي معيط، فقال يا محمد من للصبية؟ فقال صلى عليه وآله وسلم: " النار ". وكانت الثريا المذكورة موصوفة بالجمال، فتزوجها سهل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، ونقلها إلى مصر، وكان عمر المذكور يضرب المثل في زواجه بالثريا وسهيل النجمين المعروفين في هذين البيتين المشهورين.
أيها المنكح الثريا سهيلاً ... عمرك الله كيف يلتقيان؟
هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يمان
стр. 141
ومن شعر عمر المذكور:
أي طيف من الأحبة زارا ... بعدما صرى الكرى السمارا؟
طارقاً في المنام تحت دجى الليل ... ضنيناً بأن يزور نهارا
قلت ما بالنا خفينا وكنا ... قبل ذاك الأسماع والأبصارا؟
قال ما كنا عهدنا ولكن ... شغل الحلي أهل أن يعارا
قلت ومن شعره أيضاً: ما ذكره الفقهاء في كتب الفقه في قتال المشركين مستشهدين به على كون المرأة لا تقتل، اعني قوله:
إن من أكبر الكبائرعندي ... قتل بيضاء جوده عيطول
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول
وكانت ولادته في الليلة التي قتل فيها عمر بن الخطاب ﵁ ليلة الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وكان الحسن البصري ﵀ يقول: اذا ذكرت الليلة التي قتل فيها عمر وولد فيها عمر أي حق رفع وأي باطل وضع، وكان جده أبو ربيعة يلقب ذا الرمحين، وكان أبوه عبد الله أخا أبي جهل بن هشام المخزومي.
قلت ومما يحكى من ذكائه وخلاعته والله أعلم بكذب ذلك وصحته أنه أتته امرأة وقالت له أن امرأة تريد مسامرتك، وكان ذلك بالليل، فقام معها، فغطت عينيه بشيء شدته عليهما حتى لا يعرف البيت الذي يدخل ولا المرأة التي أرادت أن تسمع كلامه، وكانت ذوات المناصب، فأخذ حناه وقيل زعفراناً وعجنه وحمله بيده، فلما وصلت به إلى باب الدار التي المرأة فيها لطخ خارج الباب بالحناء ثم دخل، فبات يتحدث معها وينشدها الأشعار إلى ما شاء الله من الليل، ثم خرج، فلما أصبح قال لغلامه: اذهب وطف بالشوارع وتصفح الأبواب وانظرأي باب فيه حناء أو قال زعفران، وطاف الغلام حتى وجد الباب المذكور فأعلمه بذلك الباب وذكروا لمن هو، ولكني أكره أن أعين ذلك، وكان موته بحرق، غزا في البحر فأحرقت السفينة فاحترق وعمره مقدار سبعين، وقيل ثمانين سنة وتوفي أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي مولاهم البصري المقري المفسر وقد دخل علىأبي بكروقرأ القرآن على أبي. قال أبو العالية: كان ابن عباس يرفعني على السرير وقريش أسفل، وقال أبو بكر بن أبي داود: ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن من أبي العالية وبعده سعيد بن جبير.
стр. 142
وفيها توفي زرارة بن أوفى العامري قرأ في الصبح: " فإذا نقر في الناقور " - المدثر: ٨ - فخر ميتاً. وفيها توفي عبد الرحمن بن يزيد بن جارية الأنصاري المدني، روى عن الصحابة، وولي قضاء المدينة، وعن الأعرج قال: ما رأيت بعد الصحابة أفضل منه.
سنة أربع وتسعين
فيها توفي السيد المجمع على جلالته وديانته وإمامته الذي سما كل سيد تابعي بعد السيد العارف بالله أويس القرني أبو محمد سعيد بن المسيب المخزومي المدني مفتي الأنام أحد الأئمة الأعلام، وقيل توفي في سنة ثلاث، قال مكحول وقتادة والزهري وغيرهم: ما رأينا أعلم من ابن المسيب. وقال ابن عمر لأصحابه: لو رأى رسول الله ﵌ لسره. وقال الزهري أخذ سعيد علمه عن زيد بن ثابت، وجالس ابن عباس وابن عمر وسعد بن أبي وقاص، ودخل على أزواج النبي ﵌ عائشة وأم سلمة، وسمع عثمان وعلياً وصهيباً ومحمد بن مسلمة، وجل روايته المسند عن أبي هريرة، وسمع من أصحاب عمر وعثمان، وكان يقال ليس أحد أعلم بكل ما قضى عمروعثمان منه، قال القاسم بن محمد: هو سيدنا وأعلمنا، وقال قتادة: ما جمعت علم الحسن إلى علم أحد من العلماء إلا وجدت له عليه فضلاًغيرأنه كان إذا أشكل عليه شيء كتب إلى سعيد بن المسيب يسأله. وقال زين العابدين علي بن الحسين: سعيد بن المسيب أعلم الناس بما تقدمه من الآثار، وأفضلهم في روايته، وسئل الزهري ومكحول من أفقه من أدركتما؟ فقالا: سعيد بن المسيب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما مات العبادلة عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ثار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي. ففقيه مكة عطاء، وفقيه اليمن طاوس، وفقيه اليمامة يحيى بن كثير، وفقيه البصرة الحسن، وفقيه الكوفة ابراهيم النخعي، وفقيه الشام مكحول، وفقيه خراسان عطاء الخراساني إلا المدينة فإن الله تعالى خصها بقرشي فيه غير مدفع سعيد بن المسيب رضي الله
стр. 143
عنهم، ذكر هذه النقولات الشيخ أبو إسحاق في الطبقات. قلت وهو المتقدم في فقهاء المدينة السبعة، جمع بين الحديث والفقه والورع والعبادة، وقال ابن عمر فيه: وقد أفتي في مسألة ألم أخبركم بأنه أحد العلماء، وروي أنه قال: حججت أربعين حجة، وعنه أيضاً أنه قال: ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة، وما نظرت إلى قفاء رجل في الصلاة منذ خمسين سنة يعني المحافظة على الصف الأول. قيل إنه صلى الصبح بوضوء العشاء خمسين سنة، وكان قد أخذ من أزواج الرسول ﵌، وأكثر روايته عن أبي هريرة، وكان زوج ابنته، والمسيب بفتح المثناة من تحت مشددة وروي عنه أنه كان يقول بكسرها ويقول إنه سيب الله من يسيب أبي وفضائله كثيرة معروفة شهيرة وقد أورد بعض العلماء في مناقبه مجلداً مستقلاً، ومن محاسنه وتواضعه وزهادته في الدنيا ومحبته للفقراء دون الأمراء ما اشتهر عنه أنه خطب ابنته بعض ملوك بني أمية فامتنع من تزويجه بها، وزوجها من بعض الفقراء المشتغلين عليه بالعلم، فذكر ذلك الفقير ذلك لأمه فقالت له البعيد مجنون سعيد بن المسيب يزوجك وبنته يخطبها الملوك، فسكت عنها، فلما كان الليل إذا بالباب يدق، فقال من هذا؟ قال سعيد فخرج اليه فإذا هو سعيد بن المسيب وبنته تحت ثوبه، فقال له: خذ إليك أهلك فإني كرهت أن ابنيك عزباً فأخذ زوجته وأدخلها البيت، فقالت أمه والله ما تقربها حتى تصلح من شأنها فأعلمت جارتها فاجتمعن وهيأن لها ما يصلح للعروس على حسب ما تيسر في ذلك الوقت: ثم زادها أبوها بعد ذلك، وبرهما بشيء من الدنيا ﵁.
قلت ومما يناسب هذه القصة: قصة أبي القواس شاه شجاع الكرماني فإنه لما زاد في الملك زهد في الملك، ودخل في طريق القوم خطبت ابنته بعض الملوك فلم يزوجها منه، وطاف في المساجد فوجد فقيراً يحسن صلاته، فقال له: الك زوجة؟ قال: لا. قال: فهل لك في زوجة جميلة تقرأ القرآن؟ فقال أنا رجل فقير ما يزوجني أحد. قال: اما تقدرعلى درهمين؟ قال: بلى. قال: فاشتر بدرهم خبزاً وبدرهم طيباً، فقد تم الأمر، ففعل فزوجه بابنته، فلما دخلت بنته بيت الفقير المذكور رأت قرصاً في البيت رجعت على ورائها، فسألها عن رجوعها فذكرت كلاماً معناه أني لا أرضى أبيت على معلوم، فأما أخرجه وإلا خرجت، فاخرج الرغيف فطابت نفسها، فاستقرت عنده. هذا مختصر القصة وقد أوضحتها في غير هذا الكتاب، ﵂ وعن أبيها وعن سائر الصالحين، ونفعنا الله ببركاتهم أجمعين آمين. وفي السنة المذكورة توفي أيضاً من الفقهاء السبعة السيد الجليل أبو محمد عروة بن الزبيرالجامع بين السيادة والعلم والعبادة، كان حافظاً للعم صواماً قواماً حتى روي أنه مات
стр. 144
وهوصائم، ومما اشتهر عنه أنه قطعت رجله وهو في الصلاة لآكلة وقعت بها ولم تشعر بذلك. وقال الإمام الزهري: رأيت عروة بحراً لا ينزف، ويروى بحراً لا تكدره الدلا، وهذه السنة تسمى سنة الفقهاء، لأنه مات فيها جماعة منهم، وإنما قيل الفقهاء السبعة لأنهم كانوا بالمدينة في عصر واحد. ومنهم انتشر العلم والفتيا. وقيل لأن الفتوى بعد الصحابة صارت إليهم وشهروا بها، وسيأتي ذكر كل واحد منهم في موضعه، وقد جمعهم لعض العلماء فى بيتين فقالى:
ألا كل من لا يقتدى بأئمة ... فقسمته ضيزى عن الحق خارجه
وخذهم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجه
وكان في عصرهم جماعة من العلماء التابعين مثل سالم بن عبد الله بن عمر وأمثاله، ولكن الفتوى لم يكن إلا لهؤلاء السبعة، هكذا قال الحافظ السلفي. ووالدا عروة كلاهما ذو الجلالة والقدر، فأبوه الزبير بن العوام الصحابي أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ﵃ ابن صفية عمة رسول الله ﵌، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ وعروة شقيق أخيه عبد الله الزبير بخلاف أخيهما مصعب فإن أمه أخرى سمع عروة من خالته عائشة ﵂. وروى عنه ابن شهاب الزهري وغيره، وكان عالماً صالحاً ولما قطعت رجله من الأكلة لم يشعر الوليد بن عبد الملك بقطعها، وهو حاضر عنده لعدم تحركه حتى كويت، فوجد رائحة الكي على ما ذكر ابن قتيبة. قال: ولم يترك ورده تلك الليلة، وعاش بعد قطع رجله ثماني سنين ولما قتل أخوه عبد الله قال لعبد الملك بن مروان: اريد أن تعطيني سيف أخي. فقال: هو بين السيوف ولا أميزه فقال عروة: اذا حضرت السيوف فأنا أميزه فأمر عبد الملك باحضارها، فلما حضرت أخذ عروة منها سيفاً مقلل الحد، وقال: هذا سيف أخي. فقال عبد الملك: كنت تعرفه قبل الآن؟ فقال: لا فقال: كيف عرفته؟ فقال: بقول النابغة الذبياني:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
وعروة هو الذي احتفر البير المسماة ببير عروة في المدينة الشريفة، وليس فيها بير
стр. 145
أعذب ماء منها، وكان ولادته سنة اثنتين، وقيل سنة ست وعشرين. قال ابن خلكان وتوفي في قرية له دون المدينة، يقال لها فرع بضم الفاء وسكون الراء من ناحية الربذة بينها وبين المدينة أربع ليال، وهي ذات نخل ومياه. وذكر العتبي أن المسجد الحرام جمع بين عبد الله بن الزبير وأخويه عروة ومصعب وعبد الملك بن مروان أيام تألفهم بعد موت معاوية، فقالوا: هلم فلنمنه، فقال عبد الله بن الزبير: منيتي أن أملك الحرمين ويقال الخلافة، وقال مصعب: منيتي أن أملك العراقين فأجمع بين جميلتي قريش سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة، وقال عبد الملك: منيتي أن أملك الأرض كلها وأخلف معاوية. فقال عروة: ليست في شيء مما أنتم فيه، منيتي الزهد في الدنيا والفوز بالجنة في الأخرى، وإن أكون ممن يروى عنه العلم، فقال: فما ماتوا حتى بلغ كل واحد منهم إلى أمله، وكان عبد الملك بن مروان لذلك يقول: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى عروة بن الزبير. وفيها توفي أيضاً من الفقهاء السبعة أبو بكرعبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي الملقب براهب قريش لعبادته وفضله، وكان مكفوفاً، وأبوه الحارث من جملة الصحابة، وهو أخو أبي جهل.
وفيها توفي زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃. روى عن جماعة من السلف إنهم قالوا: ما رأينا أورع وبعضهم قالوا أفضل منه منهم سعيد بن المسيب، وقال أيضاً: بلغني أن علي بن الحسين كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة إلى أن مات، قال: وسمي زين العابدين لعبادته، وقال بعضهم كان عبد الملك بن مروان يحبه ويحترمه، وكان الحسين يوم قتل والده مريضاً فلم يتعرض له، وأمه سلافة بنت يزدجرد آخر ملوك فارس. وذكر أبو القاسم الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار: ان الصحابة لما أتوا المدينة بسبي فارس في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ فيهم ثلاث بنات ليزدجرد، فأمر ببيعهن فقال له علي ﵁ إن بنات الملوك لا تعاملهن معاملات غيرهن، فقال: فكيف الطريق إلى بيعهن؟ فقال: تقومهن ومهما بلغ ثمنهن يقوم به من يختارهن، فقومهن وأخذهن علي بن أبي طالب، فدفع واحدة لعبد الله بن عمر، وأخرى لولده الحسين، وأخرى
следующие страницы →