← История

История · id 9091

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

اليافعي

Полный текст (1 334 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

إسرائيل على مثله " الأحقاف الآية ونزلت في " قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب " الرعد، ان لله سيفاً مغموداً عنكم، وإن الملائكة قد جاورتكم في بلدكم هذا الذي نزل فيه نبيكم، الله الله في هذا الرجل، ان تقتلوه فو الله إن قتلتموه لتطردن جيرانكم من الملائكة، وليسلن سيف الله المغمود عنكم، فلا يتغمد إلى يوم القيامة، فقالوا: اقتلوا اليهودي واقتلوا عثمان. قال الترمذي هذا حديث حسن غريب. قال علماء السير والتاريخ: وكان قتلهم له في يوم الجمعة ثاني عشر ذي الحجة والمصحف بين يديه، فانتضح الدم، ووقع على قوله تعالى: " فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم " البقرة وعمره يومئذ بضع وثمانون سنة، وقيل تسعون، وقيل غير ذلك والله أعلم. وقد اشتهر عنه ﵁ أنه ما أراد القتال، والدفع عن نفسه بل قال لارقائه: وكانوا مائة عبد، وقيل أربع مائة من أغمد سيفه فهو حر لله، فأغمدوا سيوفهم كلهم إلا واحد منهم، فإنه قاتل حتى قتل. وإن علياً كرم الله وجهه أرسل إليه ابنه الحسن بماء للشرب، وقال له إن اخترت أن آتيك للنصر أتيت، فقال ﵁: لا فإني رأيت النبي ﵌ يقول لي إن قاتلتهم نصرت عليهم، وإن لم تقاتل أفطرت الليل عندنا، وأنا أحب أن أفطر عند رسول الله ﵌ وكان ﵁ صائماً. ونقل عن علي ﵁ أيضاً أنه لما بلغه قتله قال: الله المستعان ما كنا نظن أن يبلغ الأمر إلى هذا الحد وصلى عليه جبير بن مطعم، وقيل غيره ودفن في البقيع، ﵁ وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة وأياماً وقيل الأشهر وكانت ولايته بجعل عمر الخلية بعده شورى بين الستة الجلة من الصحابة المشهورين في الحديث كما تقدم، فتشاورا، بينهم، ثم آل الأمر إليه، واتفق الصحابة كلهم عليه. ونسبه يجتمع مع النبي ﵌ في عبد مناف، وبين النبي ﵌ وبينه ثلاثة آباء، وبين عثمان وبينه أربعة، لأنه عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة وأم أروى أم حكيم بنت عبد المطلب، الملقبة بالبيضاء توأمة عبد الله بن عبد المطلب. فجدة عثمان من قبل أمه عمة النبي ﵌، وقد قال لي بعض من يبغضه على وجه الطعن فيه مع إظهار التبجيل له: ما بال عثمان وهو من سادات الصحابة ما دفن إلا بعد يومين أو ثلاثة أيام؟ فقلت له: ليس ذلك بأشنع ولا أفظع من تطواف الفجرة بالبلدان برأس الحسين ابن المصطفى من ولد عدنان فخشي وولى وسكت خجلاناً.

стр. 72

واتفق أهل الحق من جميع علماء أهل السنة أن عثمان ﵁ قتل مظلوماً شهيداً، وللقتل أسباب تقتضيه لم يأت عثمان شيئاً منها، وجميع ما أنكر عليه أجيب عنه رحمة ابثه تعالى عليه ومن أوجب قتله لم يكن ذلك إلى مثل هؤلاء السفلة أولي الشرور وإنما يكون إلى أهل الحل والعقد في الأمور. قلت وليس يحصى فضائل عثمان وما له من المحاسن والإحسان الشاهدة له بالشهادة الحسنة والسعادة بالجنة. منها قول النبي ﵌ لبوا به لماء جاء يستأذن: " إيذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه " أخرجه البخاري وأخرجه مسلم من طرق قال في إحداها: فقال اللهم صبراً والله المستعان. وقوله ﵌ وقد صعد أحداً ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف: " اسكن أحد فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيدان " قال الراوي وهو أنس أظنه ركضه برجله وقال اسكن أحد الحديث أخرجه البخاري وقد تقدم. وقوله ﵌: " لا أستحيي ممن يستحي منه الملائكة " وفي بعض النسخ: " من رجل يستحي منه الملائكة " لما قالت له عائشة: دخل أبو بكر فلم تهش له، ولم تباله، ثم دخل عمر، ولم تهش له، ولم تباله، ثم دخل عثمان، فجلست فسويت ثيابك. ورواية البخاري أنه كان ﵌ قاعداً في مكان فيه ماء قد انكشف عن ركبته أو ركبتيه فلما دخل عثمان غطاها. وفي رواية مسلم كان ﵌ مضطجعاً في بيته كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه فاستأذن أبو بكر الحديث. وفي حديث مسلم الآخر أن عثمان رجل حيي وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إلي في حاجته. وفي الحديث المتقدم عن ابن عمر ﵄ في تفضيلهم بعد النبي ﵌ أبا بكر ثم عمر ثم عثمان. ومن مناقبه أيضاً تزويج النبي ﵇ بابنتيه رقية وأم كلثوم، ولذلك لقب بذي النورين، يقال إنه ما تزوج من بني آدم ابنتي نبي سواه. ومنها تجهيزه جيش العسرة، وحفره بير رومة روينا في جامع الترمذي أيضاً عن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان إلى النبي ﵌ بألف دينار حين جهز جيش العمرة، فنشرها في حجره، فجعل النبي ﵌ يقلبها بيده

стр. 73

ويقول: " ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم ". وروينا في جامع الترمذي أيضاً عن عبد الرحمن بن خباب قال: شهدت رسول الله ﵌ يحض على تجهيز جيش العسرة، فقام عثمان بن عفان، فقال: يا رسول الله علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش، فقام عثمان وقال: يا رسول الله علي ثلاث مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، قال: فأنا رأيت رسول الله ﵌ ينزل عن المنبر، ويقول بأعلى صوت: " ما ضر عثمان ما فعل بعد هذه ". ومن مناقبه أيضاً قوله ﵌: " من جهز جيش العسرة فله الجنة ". ومنها قوله ﵌: " من حفر بير رومة فله الجنة ". ومنها قوله ﵌ في وصف أمته: " وأصدقهم حياء عثمان بن عفان ". ومبايعة النبي ﵌ نيابة عنه بضرب إحدى كفيه على الأخرى، وقوله ﵌: وهذه عن عثمان في بيعة الرضوان لما غاب بإرساله ﵌ له إلى مكة رسولاً إلى قريش إذ لم يكن في الصحابة من له منعة في قومه مثله. ومنها حفظه القرآن، وكثرة تلاوته، وقيامه به في صلواته، وكثرة نسكه وعبادته، وإلى شيء من فضائله الجليلات أشرت حيث أقول في بعض القصيدات هذه الأبيات. وذي النور والبرهان والحلم والندى ... خشوع وللقرآن بالك يجمع قنوت الدياجي والعيون هواجع ... بلذة عيش بالتهجد مولع لقدمته يستحيي ملائكة السماء ... فما ضرذا لحم شريف مبضع وقلت في أخرى: والصائم القائم المحمود مشهده ... عثمان ذي النورين في قتله جاروا شرار قوم من الأرذال في دمه ... في مصحف ظل للفجار فجار سنة ست وثلاثين فيها وقعة الجمل والكلام فيها طويل وها أنا أشير منه إلى شيء يسير مما ذكره أهل

стр. 74

السير وتلخيص ذلك أنه لما قتل عثمان صبرا توجع له المسلمون، وسقط في أيدي جماعة، وكم بكى عليه من محزون، وسالت من بعده دماء الفتن كما تسيل ماء العيون. وصدق قول حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵄ الذي لمجد الفضائل سما: والله لو كان قتل عثمان حقاً لأمطرتكم السماء رحمة ولكنها أمطرتكم دماً وسار طلحة والزبير وعائشة ﵂ وعنهم نحو البصرة. قال بعض علماء السنة طالبين الثأر بدم عثمان، وكانت عائشة قد اعتمرت وهي راجعة إلى المدينة، فلما بلغها قتل عثمان رجعت إلى مكة، وأرادوا من ابن عمران يخرج معهم إلى العراق، فامتنع فلما خرجوا من مكة، جاء مروان بن الحكم إلى طلحة والزبير، وقال على أيكما أسلم بالإمارة وأنادي بالصلاة؟ فسكتا فقال عبد الله بن الزبير: على أبي، وقال محمد بن طلحة: على أبي، فأرسلت عائشة إلى مروان أتريد أن ترمي الفتنة بيننا، او قالت بين أصحابنا مروا ابن أختي، فليصل بالناس. يعني عبد الله بن الزبير. وقال بعض المحققين من المتأخرين من أئمتنا خرجوا تغيباً عن الفتنة التي أبدت قرنيها من الشام ورجليها من العراق في ذلك الزمان. وذلك أن إمام الحق علياً كرم الله وجهه أرسل إلى أميري الشام والعراق معاوية وابن عامر يستدعيهما الطاعة والوصول إليه فلم يكن من معاوية إلا تجهيز جيوش الشام وجمع العساكر، وخرج أبو الحسن إلى جهة الكوفة وسارت جيوش العراق بين يديه، فالتقيا بعد وقعة الجمل، وكان من قدر الله في سفك دماء الفريقين ما كان. واعتذر عن ذلك أعلام أئمة السنة بأن معاوية كان طالباً أخذ الثأر من قتلة عثمان إذ كان له نسب في بني أمية وأن علياً لم يمكنه تسليمهم لأخذ الثأر منهم في أول خلافته قبل أن تقوى شوكة الهمة العلية. ثم وقعت وقعة الجمل بينه وبين طلحة والزبير ومن معهما، وذلك أنه رآهم خارجين عن طاعته، فاعترضهم من المدينة ليردهم من بعض الطرق، ففاتوه وسلموا من لزمه التعويق، فتقدموا حتى أتوا البصرة، واستعانوا منها ببيت المال ومن أهلها بالنصرة، وأرسل علي ﵁ إذ فاتوا إلى المدينة يستدعي بالعدد والعدد طالباً بذلك الاستعانة على الحرب والمدد. عالماً بأن ما فعلوا ذلك إلا والخلاف منهم وقد اشتد، وأرسل ابنه الحسن إلى الكوفة مع ناصر الحق عمار. يستنفران من فيها رجاء المعونة والانتصار، ثم لما وصل إلى العراق ليردهم إلى طاعته خرج معه أهل الكوفة، وخرج معهم أهل البصرة، وحاول الصلح والرجوع إلى مبايعته، فلما عزموا عليه ثار الأشرار، ورموا بين

стр. 75

الفريقين النار، حين خافوا أن يصطلحوا ما يسوء الفجار، من إقامة الحدود، والأخذ لدم عثمان بالثأر. فأشعلوا نار الحرب بالليل. حتى التقى الرجالة والخيل. وجرى دماء الفريقين كالسيل. فكل من مد يده إلى خطام الجمل الذي عليه أم المؤمنين عائشة ﵂ راكبة لم يرجع إليه يده بل هي بضرب السيوف الماضيات ذاهبة وتقاتل الأقران. وتناشدوا عند ذلك الاشعار. وقطع على خطام الجمل سبعون يداً من بني ضبة كلما قطعت يد أخذ الزمام آخر وهم ينشدون. نحن بنو ضبة أصحاب الجمل ... ننازل الموت إذ الموت نزل والموت أشهس عنط نط مش العسل وكانوا من حزب عائشة وطلحة والزبير، وبلغت القتلى يومئذ ثلاثة وثلاثين ألفاً على ما ذكر أهل التوإريخ، ل ذلك وعائشة ﵂ راكبة على الجمل، فأمر علي بعقر ذلك الجمل المسمى بعسكر، فخمل الشر عند ذلك وظهر علي ﵁ وانتصر، ثم جاء علي إلى عائشة فقال: غفر الله لك فقالت: ولك، ملكت فاسجح فما أردت إلا الإصلاح فبلغ من الأمر ما ترى، فقال: غفر الله لك، فقال: ولك، ثم إنه أمر معها عشرين امرأة من ذوات الشرف والدين من أهل البصرة يمضين معها إلى المدينة، وأنزلها في دار وأكرمها، ثم سفرها إلى المدينة الشريفة وشيعها بأولاده وودعها. وقتل ذلك اليوم طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي أحد العشرة الكرام المشكورين في الأنام قيل رماه مروان بن الحكم، والله تعالى أعلم، مع أنه كان معهم ومن حزبهم لا من حزب علي ﵁، لكن قيل رماه من أجل ضغن كان في قلبه منه. ومن مناقبه أنه وقى النبي ﵌ بيده يوم أحد، وقول الذي ﵌ " أوجب طلحة " أي وجبت له الجنة لما رفع النبي ﵌ إلى الصخرة، وكونه من العشرة المشهود لهم بالجنة. وممن قتل ذلك اليوم محمد بن طلحة، كان فضله مشهوراً، وإليه يشير قائل بقوله: وأشعث قوام بآيات ربه ... قليل الأذى فيما يرى العين مسلم يناشدني حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم الأبيات إلى قوله فخر صريعاً لليدين وللفم. وقتل الزبير بن العوام القرشي الأسدي حواري النبي ﵌ وابن عمته صفرة، وأول من سل سيفاً فى سبيل الله تعالى، الذي قال ﵌ في قاتله في بعض الأخبار: " وبشروا قاتل ابن صفرة بالنار ". قتله ابن جرموز بوادي السباع

стр. 76

بقرب البصرة منصرفاً تاركاً للقتال طالباً للسلامة من الفتن، وما يترتب عليها من الآقات والداء العضال، فلحقه الشيطان المذكور في الوادي المذكور، وأوهمه أنه له مسائر فأمنه، ولم يشعر أنه غادر، فاستغفل الهزبر الذي كانت يكسر العساكر فقتله، وحد أمنه وأخذ سيفه ذلك التعيس الفاجر. ثم جاء إلى علي بسيفه ليبشره بزعمه بذلك، فبشره علي بالنار التي يشربها النبي ﵌ قاتله الخاسر الشقي. فقال له التعيس عندها بطريق الحجاج لا التندم: يا ويلنا إن قاتلناكم ويا ويلنا إن قاتلناكم معكم فنحن في النار. وذكر بعضهم أنه لما نظر على سيف الزبير معه قال بعدما بشره بالنار: طالما فرج به الكرب عن رسول الله ﵌. فقال: انا لله وإنا إليه راجعون إن قاتلناكم فنحن في النار وإن قاتلنالكم أو قال معكم فنحن في النار. فقال له علي: ويلك ذلك شيء سبق لابن صفرة فقال والله ما قتلته إلا لهواك ثم ولى مغضباً. ومن مناقب الزبير قول النبي ﵌: " لكل نبي حواري وحوايي الزبير " والحواري: الناصر، وقيل: الخاصة. وقوله ﵌: " بشر قاتل ابن صفرة بالنار ". ومنها أنه ابن عمة النبي ﵌ وأول من سل سيفاً في سبيل الله . وكونه من العشرة المشهود لهم بالجنة. وله معارك مشهورة في اليرموك وغير مشهورة. وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه وقال والله إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من أهل هذه الآية: " ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرد متقابلين " - الحجر: ٤٧ - قلت وما ينكر سعادة الجميع منهم، وغفران الله لهم، ما جرى بينهم إلا باغض ذو ابتداع، او جاهل ليس لهم بفضائلهم سماع. ومن جملة تلك الفضائل والمنحة قوله ﵌ يوم أحد: " أوجب طلحة " أي وجبت له الجنة كما تقدم، وقصته في رفعه له في الحديث مشهورة، وفعلته في وقايته له بيده عن ضرب السيف مشكورة، ولم يزل الفخر في شلل يد طلحة من تلك الوقاية فاخراً. والشرف في فعله ذلك بين الخلائق ظاهراً. ومما يؤيد تلك السعادة التي يخص الله بها من يحب، والكرامة التي يشرح بها الصدور، والقلوب تطرب، ما روي بالإسناد عن بعض الصالحين: انه خرج يوماً إلى ظاهر البصرة مع الولي الكبير العارف بالله الشهيد الشيخ أبي محمد المعروف بابن عبد الله البصري ﵁، ثم أتى إلى تربة طلحة بن عبيد الله المذكور زائر، قال: فلما رأى الشيخ أبو

стр. 77

محمد القبر من بعيد رجع القهقرى، ثم بعد ذلك رجع، فأتى القبر وزار وهو مطرق متأدب. قال الراوي المذكور فلما خرج سألته عن ذلك فقال: لما أشرفت على قبره رأيته جالساً عليه حلة خضراء وتاج مكلل بالدرر والجواهر، وقال بالدر والياقوت الأحمر، وعنده حوريتان، فاستحييت، ورجعت لوجهي، فاقسم علي أن أرجع فرجعت إليه رحمة الله ورضوانه عليه. وممن قتل يوم الجمل زيد بن صوحان. وكان من سادة التابعين صواماً قواماً وجملة من قتل ذلك اليوم من الفريقين نحو من عشرة آلاف على ما نقله بعض العلماء الأعلام وهذا خلاف لما تقدم من الأعلام والله سبحانه الخبير العلام. وفي أول السنة المذكورة توفي حذيقة بن اليمان أحد الصحابة أهل النجدة والنجابة. الذي كان يعرف المؤمنين من المنافقين بالسر الذي خصه سيد المرسلين قال: كان الناس يتعلمون الخير من رسول الله ﵌، وكنت أتعلم منه الشر مخافة أن أقع فيه. وكذلك توفي فيها سلمان الفارسي وفضله مشهور مشكور، ومن ذلك الفضل الذي حكيت قوله ﵌: " سلمان منا أهل البيت " وسيرته مشهورة في خروجه من بلاده في طلب النبي ﵌، وما لاقى في ذلك، وقوة إيمانه وصدقه وحرصه على معرفة النبي ﵌ ومحبته له وغرسه له ﵌ بيده عوناً له في براءة ذمته، وما حصل في ذلك من يمنه ﵌ وظهور بركته. وتوفي أمير مصر عبد الله بن أبي سرح وهو من السابقين. سنة سبع وثلاثين وفيها وقعة صفين بين جيش على العراقيين، وجيش معاوية الشاميين، في شهر صفر. وقال الإمام أحمد في تاريخه في شهر ربيع الأول، ودامت أياماً وليالي، وقتل بين الفريقين على ما نقلوا ستون ألفاً. وروي عن ابن سيرين أنهم سبعون ألفاً منهم أبو اليقظان عمار بن ياسر العنسي رضي

стр. 78

الله عنه الذي قال له النبي ﷺ : " تقتلك الفئة الباغية " وقتلوه أصحاب معاوية. وفي رواية ويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية، وسمية أمه وويح كلمة معناها الترحم، وكان من أهل النجابة في سبيل الله، والصدق في دين الله، بمكانة حفيلة بعثه علي ﵁ ومعه ابنه الحسن ليستغفر أهل الكوفة في حرب يوم الجمل كما تقدم، فاستنفراهم، وقال في خطبته والله إني لأعلم أنها زوجة رسول الله ﵌ في الدنيا الآّخرة، يعني عائشة ﵂، ولكن الله تعالى ابتلاكم بها ليعلم أتطيعونه أم تطيعونها، وعاتبه رجلان جليلان ممن توقف عن القتال لما التقى الفريقان في كلام معناه ما رأينا منكم قط شيئاً نكرهه سوى سراعك في هذا الأمر، يعني فى القتال مع علي، او نحو ذلك من المقال. وهذا مما يدل على أن المسلمين اختلف علمهم في ذلك، فالموافقون منهم اتضح لهم الحق مع علي فبايعوه، ومنهم من توهم أن الحق مع معاوية فبايعه، ومنهم من أشكال عليه الحال فتوقف، ومن المتوقفين سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأسامة بن زيد ومحمد بن سلمة وآخرون ﵃، وكان عمار ﵁ من السابقين المهاجرين من اليمن إلى رسول الله ﵌، وممن عذب في الله فلم يصده ذلك عن دين الله ومناقبه كثيرة جليلة شهيرة. وقتل مع علي أيضاً ذو الشهادتين خزيمة بن ثابت الأنصاري ويقال إنه بدري. وأبو ليلى الأنصاري والد عبد الرحمن المعروف بابن أبي ليلى. ومن غير الصحابة عبيد الله بن عمر الخطاب ﵁ العدوي، قتل مع معاوية وكان على جيل الشام يومئذ، ولما طعن والده سل سيفه، ووثب على الهرمزان صاحب تستر فقتله. قلت ويحتمل أن ذلك بسبب كون قاتل عمر له به تعلق، والله أعلم. وذكر أهل التواريخ أشياء أخرى في قتال صفين ما لا ينبغي أن يذكر، وقتل مع علي أيضاً: هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المعروف بالمرقال والسيرحال راوية علي يومئذ، ويقال إنه من أصحابه. وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي وكان على رجالة علي وأبو حسناء قيس بن المكشوح المرادي. احد الأبطال وأحد من أعان على قتل الأسود العنسي. وجندب بن زهير الغامدي الكوفي، ويقال له صحبة. وقيل وجد في قتلى أصحاب علي ﵁ السيد الجليل العارف بالله الذي ملأ

стр. 79

فضله الآفاق، واشتهر دنوه ﵌ بفضله في البدو والحضر الولي الكبير المفضل على سائر التابعين من غير شك فيه ولأمراء بشهادة إمام المرسلين وسيد الورى ﵌: اويس بن عامر اليمني المرادي. ومناقبه أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تشهر ويكفيه من ذلك أخبار النبي ﵌ أنه خير التابعين في صحيح مسلم وقد ذكرت شيئاً من فضائله في كتاب روض الرياحين وفيه وفي سائر من سقى شراب المحبة من الساسات قلت هذه الأبيات. سقى الله قوماً من شراب وداده ... فهاموا به ما بين باد وحاضر يظنهم الجهال جنوا وما بهم ... جنون سوى حب على القوم ظاهر سكارى عن الأكوان غابوا فما يرى ... سوى واله فى حب مولاه ذاكر يناجونه في ظلمة الليل عندما ... به قد خلوا منهم أويس بن عامر شهير يماني حوى المجد والعلى ... لنا فيه عالي الفجرعند التفاخر وقتل أيضا مع معاوية: حابس الطائي قاضي حمص وكان على رجالة معاوية، وقتل من أمراء معاوية ذو الكلاع الحميري نزيل حمص وهو أحد من شهد اليرموك وكان على ميمنة معاوية وكان من أعظم أصحابه خطر الشرفة ودينه وطلب منه معاوية أن يخطب الناس ويحضهم على القتال. قال الجوهري في الصحاح: ذو الكلاع بالفتح اسم ملك من ملوك اليمن وقال يزيد بن هارون: سمعت الجراح بن المباهل يقول: كان عند ذي الكلاع اثنا عشر ألف بيت من المسلمين، يعني تحت ملكه، فبعث إليه عمر، فقال: نشتري ونستعين بهم على عدوهم، فقال: لا هم أحرار. فأعتقهم في ساعة واحدة. قال بعض من له اطلاع على علم الحد يث: الجراح متروك الحد يث وكان جيش معاوية سبعين ألفاً، وجيش علي قيل مائة ألف وقيل تسعين وقيل خمسين ألفاً وذكر الزبير بن بكار أن جيش معاوية كان خمسة وثلاثين ومائة ألف وكان جيش علي عشرين أو ثلاثين ومائة ألف وأنشد في ذلك بعض أصحاب معاوية. فلو شهدت حمل مقامي ومشهدي ... بصفين يوماً شاب منه الذوائب غداة أتى أهل العراق كأنهم ... من البحر لجج موجه متراكب

стр. 80

وجئناهم نمشي كأن صفوفنا ... شهاب حريق رفعتها الجنائب فقالوا لنا إنا نرى أن تبايعوا ... علياً فقلنا بل نرى أن تضاربوا فطارت إلينا بالرماح كماتهم ... وطرنا إليهم بالأكف قواضب إذانحن قلنا استهزموا عرضت لنا ... كتائب منهم وأزحجت كتائب فلاهم مولون الظهور فيدبروا ... فراراً كفعل الجاذرات الذرائب يعني بالذرايب الضواري: يقال ذرب على الشيء إذا تعوده. قال ابن شهاب فأنشدت عائشة رضي الله تعالى عنها أبياته هذه فقالت ما سمعت شاعراً أصدق شعراً منه. قال أهل التاريخ وصح عن أبي وائل عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أنه قال رأيت كأن قبابا في رياض، فقيل هذه لعمار بن ياسر وأصحابه، فقلت: وكيف وقد قتل بعضهم بعضأ؟ قال انهم وجدوا الله واسع المغفرة. وممن قتل يومئذ مع معاوية أيضاً كريب بن صباح الحميري أحد الأبطال المذكورين، قتل جماعة بارزة، ثم بازرعلياً، فقتله علي ﵁. وذكر أن علياً واجه في بعض تلك المعارك معاوية فقال له علي: هلك المسلمون بيني وبينك، ابنزلي، فإذا قتل أحدنا صاحبه استراحوا من القتل والقتال، او كما قال، فسكت معاوية، ثم ذكر ذلك لوزيره عمرو بن العاص، فقال: انصفك الرجل. فقال له معاوية: ما أظنك إلا طمعت فيها قلت يعني إنك تعلم أني ما أنا له بمقاتلة، فإذا قتلني أخذ الخلافة بعدي. وقال بعض أصحاب التواريخ: بلغنا أن الأشعث بن قيس الكندي برز في ألفين وبرز أبو الأعور السلمي في خمسة آلاف، ثم اقتتلوا، فغلب الأشعث على الماء، وأزالهم عنه. التقى أصحاب علي وأصحاب معاوية يوم الأربعاء سابع صفر ويوم الخميس ويوم الجمعة وليلة السبت، ثم لما خاف أهل الشام الكثرة رفعوا المصاحف بإشارة عمرو بن العاص، ودعوا إلى الحكم بما في كتاب الله، فأجاب علي ﵁ إلى تحكيم الحكمين، فاختلفت عليه جيشه، وخرجت الخوارج، وقالوا لا حكم إلا لله وكفروا علياً ثم حاربهم. فقتل منهم جمعاً كثيراً. ورجع إليه منهم جمع كثير وبقي منهم على الخلاف جمع. ولهم قصص طويلة في القتال والمقال. اوضحتها في كتاب المرهم ففيه لذكرها مجال. وسيأتي ذكر شيء منها في سنة أربعين في ترجمة علي ﵁. وفي تحكيم الحكمين هو ما روي أنه اجتمع في رمضان أبو موسى الأشعري ومن معه

стр. 81

من الوجوه وعمرو بن العاص ومن معه كذلك بدومة الجندل للتحكيم فخلى عمرو بأبى موسى وخدعه، وقال له: تكلم قبلي فأنت أفضل وأكبر سابقة، وأرى أن تخلع علياً ومعاوية، ويختار المسلمون لهم رجلاً يجتمعون عليه، فوافقه على هذا ولم يشعر يخدعه، فلما خرجا وتكلم أبو موسى وحكم بخلعهما قام عمرو بن العاص وقال: اما بعد فإن أبا موسى قد خلع علياً كما سمعتم، وقد وافقته على خلعه ووليت معاوية. وقيل إنهما اتفقا على أن يصعد أبو موسى على المنبر وينادي: يا معشر المسلمين اشهدوا علي أن قد خلعت علياً من الخلافة، كما خلعت خاتمي هذا. ففعل ذلك وأخرج خاتمه من اصبعه ورمى به إليهم، ثم صعد عمرو وأخرج خاتمه أولاً وقال أشهدوا علي أني قد أدخلت معاوية في الخلافة كما أدخلت خاتمي هذا في اصبعي، وأدخله في اصبعه. قالوا: ثم سار الشاميون، وقد بنوا على هذا الظاهر، ورجع أصحاب علي إلى الكوفة عارفين أن الذي فعله عمرو حيلة وخديعة لا يعبأ بها. سنة ثمان وثلائين في شعبان قتلت الخوارج عبد الله بن خباب، فيها كانت وقعة النهروان بين علي والخوارج، فقتل رأس الخوارج عبد الله بن وهب الشيباني، وقال بعضهم الراسبي، وقتل أكثر أصحابه، وقتل من أصحاب علي اثنا عشر رجلأ، ويقال كانت هذه الوقعة في العام القابل وتوفي صهيب بن سنان المعروف بالرومي في شوال بالمدينة الشريفة وكان من السابقين الأولين وسهل بن حنيف الأوسي في الكوفة وكان بدرياً ذا علم وعقل ورياسة وفضل صلى عليه علي ﵃. وفيها قتل محمد بن أبي بكر الصديق، وكان قد سار إلى مصر واليا عليها لعلي وبعث معاوية عسكراً وأمرعليهم معاوية بن خديج الكندي، فالتقى هو ومحمد فانهزم عسكرمحمد، واختفى هو في بيت امرأة، فدلت عليه، فقال: احفظوني في أبي بكر، فقال معاوية بن خديج قتلت ثمانين من قومي في دم عثمان، وأتركك وأنت صاحبه، فقتله وصيره في بطن حمار وأحرقه بالنار. يعني بقوله وأنت صاحبه: اي صاحب قتله اشارة إلى ما يقال

стр. 82

إن محمد بن أبي بكر من جملة قتلته، والله أعلم ولا ينبغي آن يعتقد السوء في السلف إلاما صح، والصحيح يلتمس له محامل ومخارج، مع القطع بأن عثمان قتل شهيداً مظلوماً، ولم يكن له قاتل إلا رعاء اجتمعوا عليه وأراذل. وقال شعبة عن عمرو بن دينار إن عمراً هو الذي قتل محمد بن أبي بكر، قلت هكذا أطلق: عمراً. والله أعلم من أراد به عمرو بن العاص أم عمرو بن عثمان أم غيرهما. وفيها مات الأشتر النخعي، وكان قد بعثه علي أميراً على مصر، وهلك في الطريق، فيقال إنه سم، وإن عبد العثمان لقيه فسقاه عسلاً مسموماً، وكان الأشتر من الأبطال وكان سيد قومه وخطيبهم وفارسهم. وقد ذكر بعض إنه شارك في قتل عثمان ﵁ قلت وقد قيل: ان دهاة العرب أربعة عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان وعروة بن مسعود الثقفي والأشتر النخعي اسمه مالك بن الحارث وكأنهم يعنون بالدهاء الكيد والرأي والمكر. وقال في الصحاح الداهية الأمر العظيم والدهى بسكون الهاء، الفكر وجودة الرأي، يقال رجل داهية بين الدهى بسكون الهاء والدهاء ممدود والهمزة فيه منقلبة من الياء لا من الواو وهما دهيا وإن وما دهاك أي ما أصابك. سنة تسع وثلاثين فيها توفيت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية بسرف في الموضع الذي بنى بها النبي ﵌ فيه وذلك من الاتفاقات العجيبة وقبرها هنالك معروف بين مكة وبطن مر وفيها تنازع أصحاب علي وأصحاب معاوية ﵄ في إقامة الحج فمشى في الصلح أبو سعيد الخدري على أن يقيم الموسم شيبة بن عثمان الحجبي أي من أهل حجابة الكعبة. سنة أربعين فيها توفي خوات بن جبير الأنصاري البدري أحد الشجعان المذكورين وأبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري. نزل بماء، وقيل على ماء بدر، فقيل له البدري، وهو ممن شهد العقبة. وأبو أسيد الساعدي مالك بن ربيعة بدري مشهور، وقيل بقي إلى سنة ستين ومعيقيب الدوسي هاجر إلى الحبشة وشهد بدراً على اختلاف. وفيها مات الأشعث بن قيس الكندي بالكوفة في ذي القعدة، وكان شريفاً مطاعاً جواداً شجاعاً وله صحبة، ثم إنه ارتد، ثم أسلم فحسن إسلامه، وكان من أجل أمراء علي ﵁، وتزوج أخت أبي بكر الصديق، وأمر غلمانه أن ينحروا ويذبحوا ما وجدوا من

стр. 83

البهائم في شوارع المدينة، ففعلوا ذلك، فصاح الناس، وقالوا: ارتد الآشعث، اشرف عليهم من الدار، فقال: يا أيها الناس إني قد تزوجت عندكم ولو كنت في بلادي لأولمت وليمة مثلي ولكن قلت: اقتلوا ما حضر من هذه البهائم وكل من له منها شيءفليأتني أسلم له قيمته. وكان في أول الإسلام ممن هاجر من أهل اليمن في ثمانين رجلاً من قومه إلى النبي ﵌ ومعه عمرو بن معد يكرب الزبيدي من زبيد، رتدا معا بعد موت النبي ﵌، ثم أسلما في أيام أبي بكر وحسن إسلامهما، وشهد المشاهد المشهورة بهما هكذا ذكر الإمام ابن سمرة في كتابه الموسوم بطبقات فقهاء اليمن وعيون من أخبار رؤساء الزمن. وفي السنة المذكورة استشهد أمير المؤمنين سامي المفاخر والمناقب أبو الحسن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، ولا زالت نفحات رحمته واصلة إليه، وثب عليه أشقى من أجرم عبد الرحمن بن ملجم الخارجي، فضربه في يافوخه بخنجر، فبقي يوما ثم قتل ابن ملجم وأحرق وما كان كفوءاً لشجاعة علي ﵁ ولا عليه من ذوي الاقتدار لولا مساعدة الأقدار ولقد صدق فيه الذي قال: وما كنت من أنداده يا ابن ملجم ... ولولا قضاء ما أطقت له عينا وليس في الخلفاء الأربعة ولا في غيرهم من الصحابة من هو أقرب نسباً إلى النبي ﵌ سواه، فإنه يجتمع رسول الله ﵌ في عبد المطلب، بين كل واحد منهما وبينه أب واحد. فهو ﵌ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وهو علي بن أبي طالب واسمه عبد مناف بن عبد المطلب القرشي الهاشمي ابن عم الرسول وزوج البتول، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف أول هاشمية ولدت الهاشمي، ويكنى أبا الحسن، وكناه النبي ﵌ أبا تراب لما وجده نائماً في المسجد وقد علق التراب بجسمه، فأيقظه ﵌ وقال: " قم أبا تراب " ويلقب أيضاً حيدرة، كانت أمه قد أسلمت وهاجرت وتوفيت بالمدينة، فخلع رسول الله ﵌ قميصه وألبسه إياها وتولى دفنها، وقال: " كانت أحسن خلق الله صنيعاً إلي بعد أبي طالب "، وكان قتله ﵁ صبيحة ليلة الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان وقد نيف على ستين. وقيل ابن ثلاث وستين. وقيل ثمان وخمسين، وصلى عليه ابنه الحسن، ودفن في قصر الإمارة عند الجامع وغيب قبره، وكانت خلافته أربع سنين وأربعة أشهر وأياماً، وكان إسلامه وهو ابن ثمان سنين. وقيل تسع، وقيل غير ذلك.

стр. 84

ومن مناقبه ﵁: قول النبي ﵌ يوم خيبر: " لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يجب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله " الحديث الصحيح. وقوله ﵌ له: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي " الحديث الصحيح، وفيه خلف رسوله الله ﵌ علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، قال يا رسول الله أتخلفني في النساء والصبيان؟ فقال: " أما ترضى " الحديث. وقوله ﵌: " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ". رواه الإمام أحمد. وروى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص ﵁ إن معاوية بن أبي سفيان ﵄ قال له: ما منعك إن تسب أبا تراب؟ فقال: اما ما ذكرت ثلاث قالهن له رسول الله ﵌ فلن أسبه، لأن يكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله عليه وآله وسلم يقول: وذكر ما تقدم من تخليف النبي ﵌ إلى قوله ﵌: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ". وقوله " يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ". ولما نزلت هذه الآية " فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم " - آل عمران: ٦١ - دعا رسول الله ﵌ علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: " اللهم هؤلاء أهلي ". وقوله ﵌: " وأقضاكم علي " ودعاؤه ﵌ له لما بعثه إلى اليمن قاضياً، ففي رواية عن علي أن النبي ﵌ دعا له فقال: " اللهم اهد قلبه ولسانه " فقال علي: فما شككت في قضاء قضيته بين اثنتين. وقوله ﵌ في دعائه له: " اللهم ادر الحق معه حيث دار " رواه الترمذي. قلت وناهيك بفضائله ما اشتهر به من براعته في الشجاعة والعلوم، واهتمامه بنصرة الحق، واظهار شعائر الإسلام على العموم، وفيه أقول في هذا المنظوم. ورابع السادة المولى أبو حسن ... سيف القضاء وبحر العلم زخار ومعدن الجود والدنيا مطلقها ... بتاً ثلاثاً فتى بالفضل مشهار قلت ومناقبه ﵁، وماله من المفاخر يخرج في التعداد عن حصر الحاضر، وإلى شيء من فضائله الشهيرات أشرت أيضاً في بعض القصيدات بهذه الأبيات.

стр. 85

ونائب وارث علم النبوة عن ... رسوله البدر ماحي الظلمة الجالي وحامل الراية البيضا لسنته ... الغراء والبدعة العوجا لها قالي وكاشف عن محيا كل غامضة ... خمارها المجتلي للحسن والحال وعاء مكنون أسرار مخدرة ... ذي المنهل المستطاب المشرب الحالي ان قيل من ذابلته قل أبوحسن ... عالي المعالي على الضيغم الكالي حازالثلاث التي سعد الرضي روى ... عن سيد الرسل لم يوصف بإرسال مع أنت مني يحب الله ثالثها ... أو لا في أهل ولا يؤتي بأمثال يكفيك في فضائله ما صح مسنده ... فنسجه العالي لم ينسج بأمثال من بعد تفضيلنا الشيخين معتقدي ... نفضله قبل في النورين في بال تفضيل صحب لعثمان عليه أتى ... حال البداية لا في طول آجال ففي النهاية كم حازت محاسنه ... فضائل كان عنها قبلها خال كالروض من بعد محل يانع خضر ... مذيح الوشى بسيفي ويل هطال هذا اعتقادي الذي ما شابه غرض ... ولا تعصب بدعات وإضلال والأكثرون من الأعلام مذهبهم ... تفضيل عثمان عن إطلاق إجمال ومال جمع كبار من أئمتنا ... إلى علي بترجيح وإجلال وفيها من التفاضل بعض قدوتنا ... توافقوا عن شكوك ذات اشكال فاروقهم مسند يروي توقفه ... في ستة في البخاري إسنادها عال والظاهر الآن عندي ما أقول به ... والله أعلم ما في باطن الحال إن الإمام شهيد الدار خاشعهم ... الناسك الجامع القرآن والتالي القانت المنفق الأموال حيث رضي ... مولاه مولى عفيفاً طاهر أذيال مجلل منه تستحيي ملائكة ... ذوحياء وحلم غير مذلال ليست فضائل ذي النورين مذكرة ... لكن كم قوم حاوى لفضل مفضال ليس الذي ينفق الأموال محتسباً ... في نصرة الدين سمحا فيه بالمال كباذل نفسه في الله محتسباً ... في كل هيجا جنود الكفر قتال كل حميد ولكن ليس جود فتى ... بالمال كالجود بالروح الزكي الغالي وليس تالي كتاب الله جامعه ... كناشر لمعالم دينه العالي وبعد هذه الأبيات قولي: ونائب وارث علم النبوة عن ... رسوله البدر ماحي الظلمة الجال الأبيات المتقدمة إلى قول بدعات وإضلال، لأني بديت من وسط أبيات القصيدة

стр. 86

الموسومة بحادي الأظغان في تفضيل علي على عثمان، رضي الله تعالى عنهما ومطلعها: يا سائق الظعن تحدوها بترحال ... ارفق بها أنت بين الشيخ والضال انزل بروض الحمى ما بين ذي سلم ... وبين سلع بقرب المنهل الحال واقرأ السلام على أهل الخيام وبح ... بحب سلما وباهي حسنها الغال وعم بالحب والمدح ولا تحب ... بعضاً وبعضاً مبغضاً قالي كل الصحابة سادات نجوم هدى ... من يخل عن حب كل عن هدى خال وأفضل الغر صديق سبوق عل ... وبعده المساجد الفاروق جاتال أما الإمامان رأس القوم بعدهما ... ففيهما من خلاف بعض أقوال وبعد هذه الأبيات ما تقدم من قولي، والأكثرون من الأعلام مذهبهم إلى آخر ما تقدم، ثم ختمت القصيدة بقوله: ثم الصلاة على أعلى الأنام علي ... المرتضى دون قاب المنصب العالي وآله الغر والصحب الكرام معاً ... ما غنت الورق أو ناحت بأطلال وقد أفهمت ترتيبها كل من أراد أن يكتبها كلها، جملتها خمسة وثلاثون بيتاً. وفي قتل علي رضي الله تعالى عنه قصة مشهورة، وذلك أن الخوارج اجتمعوا وقالوا: إن علياً ومعاوية وعمرو بن العاص قد أفسدوا أمر هذه الأمة، فلو قتلناهم لعاد الأمر إلى حقه، وزال كل فساد لاحقه، فالتمسوا حيلة يتوصلون بها إلى قتلهم، ودبروا أمرهم بأن يكون قتل الثلاثة في ليلة واحدة، ثم تراجعوا في ثلاثة رجال ينتدبون لقتل الثلاثة، فقال عبد الرحمن بن ملجم: انا أقتل علياً، قالوا: وكيف لك بذلك؟ قال: اغتاله. وقال الحجاج بن عبد الله الضميري: وأنا أقتل معاوية. وقال دادويه العنبري: انا أقتل عمراً واتفقوا على أن يكون ذلك في سبع عشرة من رمضان فدخل ابن ملجم الكوفة وعلي رضي الله تعالى عنه بها، فاشترى سيفاً بألف درهم، وسقاه السم، وكمن لعلي رضي الله تعالى عنه، فلما خرج علي ﵁ لصلاة الصبح ضربه على رأسه، وقيل كان ذلك في صلاة الجمعة. وأما الذي تكفل بقتل معاوية فدخل دمشق وضربه وهو في الصلاة فجرح إليته، ويقال إنه قطع عرق النسل فما أحبل بعدها. وأما رفيق عمرو بن العاص، فإنه دخل مصر وأراد قتله، وكان من قضاء الله في سلامة عمرو أنه استخلف خارجة بن حذافة في صلاة الصبح، وظن دادويه الخارجي أنه عمرو

стр. 87

فقتله، فأخذ وأدخل على عمرو بن العاص. فقال: من هذا الذي أدخلتموني عليه؟ فقالوا عمرو بن العاص. فقال: فمن قتلت؟ قالوا خارجة فقال: اردت عمراً وأراد الله خارجة. وقيل إن عمراً هو الذي قال ذا القول، فصار هذا مثلاً لمن أراد شيئاً ففعل غيره غلطاً، وذكر أهل النسب والأخبار أن عمرو بن العاص أرسل من مصر إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، يستمده بثلاثة آلاف فارس، فأمده بالزبير بن العوام والمقداد بن الأسود وخارجة بن حذافة المذكور، وذكر شجاعة الثلاثة مشهور، وهذا الذي قتل خارجة أعني دادويه على وزن خالويه، يل: هو من بني العنبر بن عمرو بن تميم وقيل مولى لهم. وقيل إن خارجة الذي قتله الخارجي على ظن أنه عمرو بن العاص، نه من بني سهم رهط عمرو بن العاص. وقيل ليس بصحيح، وقيل إن عمرو بن العاص إنما تخلف عن الصلاة واستنابه لأجل وجع أصابه في بطنه وكان عمرو يقول: ما نفعني وجع بطني قط إلا تلك الليلة، وإلى قتل خارجة وسلامة عمرو أشار عبد الحميد بن عبدون الأندلسي في قصيدة من جملتها هذا البيت: وليتها إذ فدت عمراً بخارجة ... فدت علياً بما شاءت من البشر وكان عمرو بن العاص من دهاة العرب وشجعانها. وأما شجاعة علي ﵁ فشائعة في كل مصر وريف، ولا يحتاج في شهرتها إلى تعريف، وكم له من مشاهد يستوجب فيها عظيم الثناء وجميل المحامد عند اضطرام الملاحم وانتهام المعالم، فهو هزبر غاياتها وحبر غامضاتها صارف عن وغاها نارها وكاشف عن حلاها خمارها. قلت: وقد أوضحت في كتاب المرهم في علم الأصول كيفية صفة بيعة أبي بكر واستخلافه عمر، وصفة قتل عمر بطعن الشيطان أبي لؤلؤة له وهو إمام في صلاة الصبح في مسجد رسول الله ﵌، وجعله الأمر بعده شورى بين ستة عثمان، وعلي وطلحة - والزبير - وسعد - وعبد الرحمن بن عوف، رجوع الأمر إلى تقديم عثمان وصفة والبيعة له، وكذلك صفة البيعة لعلي بعد قتل عثمان، وكذلك صفة خروج عائشة رضي تعالى الله تعالى عنها وطلحة والزبير إلى البصرة، وخروج علي بعدهم، ونباح كلاب الحوأب وهمها بالرجوع عند ذلك لذكرها ما قال لها رسول الله ﵌ في ذلك على ما هو معروف في الحديث. وكذلك صفة خروج الخوارج على علي رضي الله تعالى عنه، وقتاله وقتله لهم بعد إرساله ابن عباس إليهم، ومناظرته إياهم، ورجوع الخوارج

стр. 88

بعضهم، وذكر عددهم وها أنا أشير إلى شيء من ذلك. ذكر شيء من قصة الخوارج وما جرى بينهم وبين علي رضي الله تعالى عنه ذكر بعض أهل التواريخ أنهم لما استقروا في حروراء وهم في ستة آلاف مقاتل، وقيل ثمانية آلاف،، مضى إليهم علي بنفسه وخطبهم متوكئاً على قوسه، وقال هذا يوم من فلح فيه يعني من ظهرت حجته فلح يوم القيامة، انشدكم الله هل تعلمون أن لا أحد أكره مني للحكومة، قالوا: اللهم نعم: قال: فهل علمتم أنكم أكرهتموني عليها؟ قالوا: اللهم نعم: قال: فعلام خالفتموني ونابذتموني؟ قالوا: اتينا ذنباً عظيماً، فتبنا إلى الله تعالى منه، فتب أنت إليه منه واستغفر نعد إليك، قال: فإني أستغف الله من كل ذنب فرجعوا معه، فلما استقروا بالكوفة أشاعوا أن علياً رجع عن التحكيم، وتاب منه، ورآه ضلالاً، فأتاه الأشعث بن قيس، وقال له: يا أمير المؤمنين إن الناس قد تحدثوا أنك، قد رأيت الحكومة ضلالاً والإقامة عليها كفراً، وأنك قد بدا لك، ورجعت عنها، فخطب الناس وقال: من زعم أني رجعت عن الحكومة فقد كذب، ومن رآها ضلالاً فهو أضل منها، فلما سمعت الخوارج منه هذا خرجت من المسجد، فقيل إنهم خارجون، فقال: لا أقاتلهم حتى يقاتلوني، وسيفعلون، فوجه إليهم عبد الله بن عباس ﵄، فلما أتاهم رحبوا به وأكرموه، وقالوا ما جاء بك يا ابن عباس؟ قال: جئتكم من عند صهر رسول الله ﵌ وابن عمه، وأعلمنا بربه وسنة نبيه، ومن عند المهاجرين والأنصار. قالوا: يا ابن عباس إنا أتينا ذنباً عظيماً حين حكمنا الرجال في دين الله تعالى، فإن تاب كما تبنا ونهض لمجاهدة عدونا رجعنا إليه، فقال لهم ابن عباس: انشدكم الله إلا ما صدقتم، اما علمتم أن الله تعالى أمر بتحكيم الرجال في أرنب تساوي ربع درهم يصاد في الحرم؟ فقال عز من قائل: " يحكم به ذو عدل منكم هدياً بالغ الكعبة ". - المائدة: ٩٥ - وكذا في شقاق رجل امرأته بقوله تعالى: " فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما " - النساء: ٣٥ - فقالوا: اللهم نعم. قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله ﵌ أمسك عن القتال للهدنة بينه وبين قريش في الحديبية؟ قالوا اللهم نعم ولكن علياً سما نفسه عن الخلافة بالتحكيم. قال ابن عباس: ليس ذلك يزيلها عنه، فإن رسول الله ﵌ محا اسم النبوة يوم الصحيفة، فلم يزل ذلك عنه اسم النبوة، حيث قال لعلي: " اكتب الشرط بيننا بسم الله الرحمن الرحيم " هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ﵌، فقال المشركون: لو علمنا أنك رسول الله

стр. 89

لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فأمر علياً أن يمحوها، فقال غلي: والله لا أمحوها فقال رسول الله ﵌: " أرني مكانها "، فأراه مكانها، فمحاها، وكتب: ابن عبد الله فلما سمع الخوارج منه ذلك رجع منهم ألفان، وبقي أربعة آلاف أو ستة على الخلاف فأجمع رأيهم على البيعة لعبد الله بن وهب الراسبي، فبايعوه وخرج بهم إلى النهروان، فتبعهم علي ﵁، فأوقع بهم فقتل منهم ألفين وثمان مائة رجل. ومنهم ذو الثدية الذي ذكره رسول الله ﵌ علامة على الفرقة التي تمرق مروق السهم من الرمية بعد أن قال لهم علي ﵁: ارجعوا أو ادفعوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب قالوا: كلنا قتله وشرك في دمه: وذلك أنهم لما خرجوا إلى النهروان لقوا مسلماًونصرانياً فقتلوا المسلم وأطلقوا النصراني، وأوصوا به خيراً، وقالوا احفظوا وصية نبيكم ﵌، ثم لقوا بعده عبد الله بن خباب بن الأرت صاحب رسول ﵌ أعني خباباً وفي عنقه المصحف ومعه جاريته وهي حامل، قالوا: ان هذا الذي في عنقك يأمرنا بقتلك فقال: احيوا ما أحيا القرآن وأميتوا ما أمات القرآن. قلت. يعني أحيوا ما حكم القرآن بإحيائه وأميتوا ما حكم بإماتته فقالوا حدثنا عن أبيك قال لهم نعم حدثني أبي قال سمعت رسول الله ﵌ يقول تكون فتنة بموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه، يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، فكن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل، قالوا: فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى خيراً، قالوا: فما تقول في علي قبل التحكيم وفي عثمان قبل الحديث؟ فأثنى خيراً أيضاً قالوا: فما تقول في الحكومة والتحكيم؟ قال: اقول: ان علياً أعلم بالله منكم وأشد توقياً على دينه، قالوا: انك لست بمتبع الهدى، فأخذوه وقربوه إلى شاطىء النهر، فذبحوه فاندفق دمه على الماء يجري مستقيماً، وقتلوا جاريته رحمة الله عليهما، وكانت خلافة علي في الظاهر كلها خلاف وكدر، وخلافة عمر على عكس ذلك كلها اتفاق وصفاء، وأول خلافة أبي بكر كدر وآخرها صفاء، وعلى عكس ذلك خلافة عثمان أولها صفاء وآخرها كدر على ما جرى به القلم وسبق به القدر. ومن الأجوبة المعجبة المقحمة ما روي أنه قيل لعلي ﵁: ما بال خلافة أبي بكر وعمر كانت صافية وخلافتك أنت وعثمان منكدرة؟ فقال: ﵁ للسائل: لأني كنت أنا وعثمان من أعوان أبي بكر وعمر، وكنت أنت وأمثالك من أعوان عثمان وأعواني. ومنها أنه لما قال له بعض اليهود: ما أتي عليكم يا معشر المسلمين بعد موت نبيكم، إلا كذا وكذا من زمان ذكره، حتى علا بعضكم بالسيف رأس بعض. قال له علي رضي الله

стр. 90

عنه: فإنكم ما جفت أقدامكم من البحر حتى قلتم معشر اليهود يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. ثم بعد وفاة علي بويع لابنه الحسن ﵄، وتمت بخلافته ثلاثون سنة، وتحقق ما أشار إليه النبي ﵌: " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً " الحديث. سنة إحدى وأربعين في ربيع الآخر منها سار أمير المؤمنين الحسن بن علي في جيوشه، وسار معاوية في جيوشه، يقصد كل منهما صاحبه للقتال، فالتقوا في ناحية الأنبار فوفق الله تعالى الحسن لحقن الدماء. والتحقيق بما أشار إليه جده المطلع على الأنباء ﵌: " إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين ". فصالح معاوية، فأخرج نفسه عن أمر الخلافة بعد أن شرط عليه شروطاً، وبرز بين الصفين، وقال: اني قد اخترت ما عند الله وتركت هذا الأمر لك، فإن كان لي فقد تركته لله، وإن كان لك فما ينبغي لي أن أنازعك، فكبر الناس واختلطوا في تلك الساعة وسميت تلك السنة سنة الجماعة. فقيل له: يا مذل المؤمنين فقال: بل أنا معز المؤمنين. هكذا نقل بعض أهل العالم. وروينا في صحيح البخاري عن الحسن البصري قال: سمعت أبا موسى يقول: استقبل والله الحسن بن علي إلى معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: اني لأرى كتائب لا تتولى حتى تقتل أقرانها، فقال معاوية: وكان والله خير الرجلين، اي عمر وإن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور المسلمين من لي بنسائهم؟ من لي بضعفتهم؟ فبعث معاوية رجلين من قريش من بني عبد شمس عبد الله بن سمرة وعبد الله بن عامر، فقال: اذهبوا إلى هذا الرجل فاعرضوا عليه، وقولا له واطلبا إليه، فأتيا فدخلا عليه وتكلما، فقالا له وتطلبا إليه فقال الحسن بن علي: انا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها قالا فإنه يعرض كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك، قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به. فما سألهما شيئاً إلا قالا نحن لك به فصالحه. قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله ﵌ على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يقبل على الناس تارة وعليه أخرى، ويقول: " إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين ". قلت فهذا الحديث الصحيح كما نرى. ورووا في التواريخ: ان أهل العراق بايعوا الحسن، وسار بهم نحو الشام وجعل على مقدمته قيس بن

стр. 91

سعد، وأقبل معاوية حتى نزل منبج، فبينما الحسن بالمداين إذ نادى مناد في عسكره: قتل قيس بن سعد، فشد الناس على خيمة الحسن فنهبوها، وطعنه رجل بخنجر، فتحول إلقصر الأبيض وسبهم وقال: لا خير فيكم قتلتم أبي بالأمس واليوم تفعلون بي هذا. ثم ذكروا أمورأ أخرى في الصلح رأيت حذفها أصلح ومن إثباتها أملح. وفي السنة المذكورة توفيت أم المؤمنين حفصة بنت عمر. وقيل توفيت سنه خمس وأربعين. وصفوان بن أمية الجمحي، وكان قد شهد اليرموك أميراً وله رواية في صحيح مسلم. فهو من أشراف قريش وأعيانهم قيل ملك قنطاراً من الذهب. وقيل توفي فيها لبيد بن ربيعة العامري الشاعر المشهور الذي قال النبي ﵌ " أصلق كلمة قالتها العرب كلمة لبيد ألاكل شيء ما خلا الله باطل "، وفد على النبي ﵌ وحسن إسلامه. وقيل: مات في إمرة عثمان بالكوفة ابن مائة وخمسين سنة. سنة اثنتين وأربعين فيها توفي عثمان الحجبي، وغزا عبد الرحمن بن سمرة سجستان فافتتح بعضها، وسار راشد بن عمرو وشن الغارات وتوغل في بلاد السند. سنة ثلاث وأربعين فيها افتتح عقبة بن نافع بعض بلاد السودان، وسبي بسر بن أبي أرطأة بأرض الروم وتوفي عمرو بن العاص السهمي أمير مصر ليلة عيد الفطر، وكان من الدهاة أولي الحزم والرأي، وولي امرة جيش ذات السلاسل. وذكر أبو العباس المبرد في كتاب الكامل أن عمرو بن العاص لما حضرته الوفاة دخل عليه ابن عباس ﵃ فقال: يا أبا عبد الله كنت أسمعك كثيراً ما تقول: وددت لو رأيت رجلاً حضرته الوفاة حتى أسأله عن ما يجد. فكيف تجد؟ قال: اجد كأن السماء مطبقة على الأرض، وكأني بينهما، وكأنما وأتنفس من خرم ابنة ثم قال: اللهم خذ مني حتى ترضى، فدخل عليه ولده عبد الله فقال له: يا ولدي خذ ذلك الصندوق. فقال: لا حاجة لي به. فقال: انه مملوء مالاً. فقال: لا حاجة لي به، ليته مملوء بعراً، ثم رفع يده وقال: اللهم إنك أمرت فعصينا، ونهيت فارتكبنا فلا بري فاعتذر، ولا قوي فانتصر، ولكن لا إله إلا

стр. 92

أنت. ثم فاضت روحه. وتوفي عبد الله بن سلام الإسراتيلي ﵁ الذي شهد له النبي ﵌. والذي قالت فيه اليهود قبل أن تعلم إسلامه: خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا. والمرجوع إلى ما قال في أحكام التوراة. والمراد عند بعض المفسرين بقوله تعالى: " ومن عنده علم الكتاب " - الرعد: ٤٣ -. وتوفي محمد بن مسلمة الأنصاري بالمدينة في صفر، وكان بدرياً اعتزل الفتنة، واتخذ سيفاً من خشب. سنة أربع وأربعين في ذي الحجة منها توفي أبو موسى الأشعري اليمني المقري الأمير عبد الله بن قيس. استعمله النبي ﵌ على عدن، واستعمله عمر على الكوفة والبصرة، وفتحت على يديه عدة أمصار، وهو الذي استمع رسول الله ﵌ إلى قراءته وقال: " لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود " وقال ﵌ فيه وفي قومه الأشعريين: " هم مني وأنا منهم " بعد أن وصفهم بأوصاف جميلة وأبو موسى المذكور ممن هاجر من اليمن إلى النبي ﵌ مع اثنين وخمسين رجلاً من قومه من أهل زمع وزبيد فوافى النبي ﵌ حين افتتح خيبر، فقسم لهم ولم يقسم لأحد، لم يشهد الفتح غيرهم وغير أصحاب السفينة التي قدموا فيها مع جعفر بن أبي طالب، وكان أبو موسى قد ركب هو وأصحابه في البحر فألقتهم الريح إلى بلاد الحبشة، وكانوا مع جعفر بن أبي طالب ومن معه من المسلمين إلى أن جاءوا إلى النبي ﵌ جميعاً، فوجدوه قد افتتح خيبر، ووصف عمر أبا موسى فقال: كيس ووصفه علي فقال: صبغ بالعلم صبغة، وكان قد بعثه النبي ﵌ هو ومعاذاً إلى اليمن، ثم قال يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا. وفي السنة المذكورة افتتح عبد الرحمن بن سمرة مدينة كابل. وغزا المهلب في أرض الهند، والتقى العدو فهزمهم، وفيها توفيت أم حبيبة بنت أبي سفيان أم المؤمنين ﵂. سنة خمس وأربعين وفيها غزا معاوية بن خديج إفريقية، وتوفي أبو خارجة بن ثابت الأنصاري المقري الفرضي الكاتب ﵁، وله ست وخمسون سنة، وكان عمر ﵁ يستخلفه على المدينة إذا حج، وقيل بقي إلى سنة أربع وخمسين، ومن مناقبه قوله صلى الله عليه وآله

стр. 93

وسلم: " أفرضكم زيد " وكونه من الأربعة الذين حفظوا القرآن من الأنصار، وما اجتمع له من شرف العلم والصحبة لرسول الله ﵌. وروي أن ابن عباس ﵄ كان يأتي بابه وينتظره حتى يخرج ليسمع منه العلم، فإذا خرج قال: يا ابن عباس هلا كنت لتيك أنا فيقول: العلم يؤتى ولا يأتي فإذا ركب أخذ بركابه فيقول: ما هذا يا ابن عباس؟ فيقول: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا فأخذ زيد كفه ويقبلها ويقول: هكذا أمرنا وعلى الجملة فزيد بن ثابت غصن مجده في أعلى ذروة المعالي نابت. وفيها توفي عاصم بني عدي سيد بني العجلان، وكان قد رده النبي ﵌ من بدر في شغل، وضرب له بسهم، وقتل أخوه معن يوم اليمامة. سنة ست وأربعي فيها ولي الربيع بن زياد الحارثي سجستان، زحف كابل شاه في جمع من الترك وغيرهم، فالتقوا فهزمهم وفيها توفي عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وكان شريفاً جواداً محدوحاً مطاعاً، وعليه كان لواء معاوية يوم صفين. سنة سبع وأربعين فيها غزا رويفع بن ثابت الأنصاري أمراء طرابلس المغرب إفريقية، فدخلها ثم انصرف، وفيها حج بالناس عنبسة بن أبي سفيان. سنة ثمان وأربعين فيها استشهد عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، مات الحارث بن قيس الجعفي صاحب ابن مسعود ﵁. سنة تسع وأربعين في ربيع الأول منها توفي سيد شباب أهل الجنة وريحانة رسول الله ﵌ أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي، رضي الله تعالى عنهما، على ما ذكره الواقدي وغيره. والأكثرون قالوا في سنة خمسين . ومن مناقبه رضي الله تعالى عنه: قوله ﵌: " إن ابني هذا سيد

стр. 94

وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين " وحمل النبي ﵌ له على عاتقه وهو صغير. وإعلامه ﵌ بأنه وأخاه ريحانتاه وقطعه ﵌ الخطبة، ونزوله إليهما، ورفعه لهما ووضعه بين يديه قلت ومن أعظمهما قوله ﵌: " اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما ". سنة خمسين فيها توفي الحسن بن علي المذكور رضي الله تعالى عنهما على الخلاف المذكور في المدينة الشريفة، وعمره سبع وأربعون سنة، قلت ومناقبه بالأنساب والاكتساب والقرابة والنجابة والمحاسن في الظاهر والباطن معروفة مشهورة، وفي تعدادها غير محصورة، وكان مع نهاية الشرف والارتفاع، في غاية التلطف والاتضاع، ومن ذلك ما روي أنه حج ماشياً على رجليه، والنجائب تقاد بين يديه خمساً وعشرين عمرة وحجة. ومن زهده ما روي أنه خرج لله تعالى، عن ماله ثلاث مرات، وشاطره مرتين حتى في نبله. ومن جوده أنه سأله إنسان فأعطاه خمسين ألف درهم وخمس مائة دينار وقال: ابيت بجمال يحمل لك فأتي بجمال، فأعطاه طيلسانه، قال يكون كراء الجمال من قبلي. ومن جوده أيضاً وشدة تواضعه: ما ذكره جماعة من العلماء في تصانيفهم أنه مر بصبيان معهم كسر خبز فاستضافوه، فنزل من فرسه فأكل معهم، ثم حملهم إلى منزله وأطعمهم وكساهم، وقال اليد لهم لأنهم لم يجدوا غير ما أطعموني وأنا نجد أكثر منه. ومن توكله ما روي أنه بلغه أن أبا ذر يقول الفقر أحب إلي من الغنا والسقم أحب من الصحة، فقال: رحم الله أبا ذر أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله تعالى له لم يختر غير ما اختار الله له ويروى أيضاً أن هذا الكلام قول أخيه الحسين رضي الله تعالى عنهما. وفيها توفي عبد الرحمن بن سمرة بن جندب بن ربيعة العبسي، كعب بن مالك السلمي أحد الثلاثة الذين خلفوا، والمغيرة بن شعبة الثقفي، وكان من رجال العزم والحزم والرأي والدهاء، ويقال: انه أحصن ثلاث مائة امرأة وقيل ألف امرأة. وفيها توفيت أم المؤمنين صفرة بنت حيي ﵂.

стр. 95

سنة إحدى وخمسين فيها توفى سعيد بن زيد بالمدينة يعني سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل القرشي العدوي المجاب الدعوة في القصة المشهورة في المرأة التي ادعت عليه أنه غصب شيئاً من أرضها، احد العشرة الكرام المشهود لهم بالجنة على لسان سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام، اسلم قبل عمر وهو ابن عمه وتحته أخته فاطمة بنت الخطاب، وبسببها كان إسلام عمر ﵁ وعن الجميع، وضرب ﵌ له ولطلحة سهميهما يوم بدر، وكان قد أرسلهما إلى طريق الشام يتجسسان الأخبار ذكر ذلك الواقدي. وفي السنة المذكورة وقيل في التي تليها توفي أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد، كان عقبياً بدرياً، كثير المناقب ﵁. قلت ومن أعظمها قدراً وأشرفها فخراً، انه نزل النبي ﵌ في بيته أول قدومه المدينة، وناهيك بها مكرمة ومنقبة معظمة. وفي منزله المذكور بنيت المدرسة المعروفة بالشهابية، وفيها بيت يقال له المبروكة، وبه يتبرك ويذكر أنه موضع مبرك ناقة النبي ﵌، وبروك ناقته ﵌ في ذلك المكان من أعظم الدلائل على فضله وفضل من حوله من السكان: وفيها توفيت ميمونة، قلت هكذا قال بعضهم ميمونة وأطلق وقد تقدم وفاة ميمونة أم المؤمنين في، سنة سبع وثلاثين. وفيها قتل حجر بن عدي الكندي وأصحابه، يقال بأمر معاوية. وله صحبة ووفادة وجهاد، وعبادة وفيها توفي زيد بن ثابت بخلف. سنة اثنتين وخمسين فيها توفي عمران بن حصين الخزاعي، عثه عمر ﵄ يفقه أهل البصرة، وولي قضاءها، وكان الحسن البصري يحلف ما قدم البصرة خير لهم من عمران، وكان يسمع تسليم الملائكة عليه حتى يكتوي بالنار، فانحبس ذلك عنه عاماً ثم أكرم الله تعالى برد ذلك عليه، وهو الراوي لقوله ﵌ في وصف المتوكلين: " الذين لا

стр. 96

يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون ". وفيها توفي كعب بن عجرة الأنصاري من أهل بيعة الرضوان، ومعاوية بن خديج الكندي التجيبي الأمير، له صحبة ورواية وفيها توفي أبو بكرة الثقفي نفيع بن الحارث، وقيل: ابن مشروح تدلى من حصن الطائف ببكرة فأتى النبي ﵌ مسلماً، وفيها توفي سيد بجيلة جرير بن عبد الله البجلي على القول الأصح من كرام قومه. ومن مناقبه دعاء النبي ﵌ له: " اللهم اجعله هادياً مهدياً " وقوله ما حجبني رسول الله ﵌ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم وندبه النبي ﵌ لتخريب الكعبة اليمانية وهو بيت أصنام يقال له ذو الخلصة فخربها وحرقها حتى صارت كما قال: كأنها جمل أجرب يعني مطلياً بالقطران، وكان معه من جيل من أحمس مائة وخمسون، دعا لهم النبي ﵌ في انتدابهم لما أمرهم به ﵌ عما حكاه بقوله وبرك على جيل أحمس خمس مرات، وكان جرير جميلاً باهج الحسن سماه عمر يوسف هذه الأمة، وكان يخضب لحيته بالزعفران، وقد على النبي ﵌ في ستة عشر، وأسلم وسكن الكوفة إلى خلافة علي ﵁، وكان طويلاً ونعله ذراع. سنة ثلاث وخمسين توفي فيها عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وكان من الزهاد الشجعان قتل يوم اليمامة سبعة، وفيها توفي الأمير زياد ابن أبيه الذي استلحقه معاوية وزعم أنه ولد أبي سفيان، قالوا: وكان لبيباً فاضلاً يضرب المثل بدهائه جمع له معاوية إمرة العراقين. وفيها وقيل قبلها توفي عمرو بن حزم الأنصاري الخزرجي، لي العمل على نجران وله سبع عشرة سنة. وفيها توفي فيروز الديلمي قاتل الأسود العنسي، له صحبة ورواية وفيها عند بعضهم توفي فضالة بن عبيد الأنصاري قاضي دمشق لمعاوية وخليفته عليها، وقيل توفي سنة تسع. سنة أربع وخمسين توفي فيها أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي حب رسول الله ﵌ وابن حبه، ومن مناقبه أن النبي ﵌ قدمه أميراً على جيش، فيهم الأكابن والسادات من المهاجرين والأنصار، وثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

стр. 97

بحمص، وفيها توفي جبير بن مطعم بن عبد الله بن نوفل بن عبد مناف، وكان من سادة قريش وحلمائها، فيها توفي حسان بن ثابت الشاعر الأنصاري، وله مائة وعشرون سنة، نصفها في الجاهلية ونصفها في الإسلام، قيل: وكذا أبوه وجده عاش كل منهما هذا القدر. ومن مناقبه قوله ﵌: " اهجم وجبرائيل معك " وقوله ﵌: " إن الله يؤيد حسان ما نافح عن رسول الله ﵌ أو فاخر ". وكان ينصب المنبر له في المسجد، ومن شعره يخاطب أبا سفيان بن الحارث في قصيدة طويلة منها قوله شعراً: هجوت محمداً فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء اتهجوه ولست له بكفر ... فشر كما لخير كما فداء فإن أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء ومنها: عدمنا خيلنا إن لم نراها ... تثير النقع موردها كداء يبارين الأعنة مصعدات ... على أكتافها الأسل الظماء ولم يزل يقول إلى أن قال: وكان الفتح وانكشف الغطاء. وكان كما قال: وفيها توفي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد يخلف تقدم، وكان أحد الأشراف الأجواد، باع داراً بستين ألفاً من معاوية فتصدق بها، وأعتق مائة نسمة في الجاهلية ومائة في الإسلام، ثم دخل الكعبة المعظمة المباركة. وقال لابن الزبير: كم ترك أبوك من الدين؟ قال ألف ألف درهم قال علي. ثكلت بنيتي إن لم تروها ... تثيرالنقح من كنفي كداء صحيح مسلم نصفها وكانت والدته ولدته داخل الكعبة المعظمة المباركة وفيها توفي أبو قتادة الأنصاري السلمي الحارث بن ربيع فارس رسول الله ﵌، شهد أحداً والمشاهد وفيها توفي مخرمة بن نوفل الزهري. سنة خمس وخمسين فيها توفي أبو إسحاق سعد بن أبي وقاص الزهري القرشي أحد العشرة ومقدم جيوش الإسلام في فتح العراق، وأول من رمى بسهم في سبيل الله تعالى، ومناقبه كثيرة شهيرة.

стр. 98

ومن مناقبه أنه كان مجاب الدعوة من ذلك قول الذي دعا عليه: اصابني دعوة سعد في الحديث الصحيح. وقوله ﵌ " ليت رجلاً صالحاً يحرسني الليلة " فوفق الله تعالى سعداً لذلك، فجاء وبات يحرس رسول الله ﵌، وذلك قبل نزول قوله تعالى: " والله يعصمك من الناس " - المائدة: ٦٧ -. ومنها ما روي عن علي رضي الله تعالى عنه، قال: ما جمع رسول الله ﵌ أبويه لأحد غير سعد بن مالك، فإنه جعل يقول " ارم فداك أبي وأمي ". وتوفي أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري السلمي الذي أسر العباس يوم بدر، وتوفي الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي أحد السابقين، وقيل توفي في سنة ثلاث وخمسين. سنة ست وخمسين فيها استشهد قثم بن العباس بن عبد المطلب في جهة سمرقند مع سعيد بن عثمان بن عفان المولى على خراسان بتولية معاوية بن أبي سفيان، وكان قثم يشبه النبي ﵌ في خلق صورته، وهو آخر من طلع من لحد النبي ﵌، وفيها توفيت أم المؤمنين جويرية بنت الحارث المصطلقية، ﵂. سنة سبع وخمسين فيها عزل سعيد بن عثمان بن عفان عن خراسان، وأضيفت إلى عبد الله بن زياد، وتوفي عبد الله بن السعدي العمري، له صحبة وفيها وقيل في ثمان وخمسين وفي رمضان توفيت أم المؤمنين الصديقة ابنة الصديق الفقيهة المحدثة الفصيحة ذات التحقيق. ومن مناقبها نزول القرآن الكريم في براءتها، ونزول جبرائيل ﵇ على رسول الله ﵌ وهو في لحافها، وكونها أحب الناس إلى رسول الله ﵌، كما ورد في الحديث الصحيح. وقوله ﵌: " فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الأطعمة " وعرضها في الحرير على النبي ﵌ قبل أن يتزوجها. وقوله صلى الله عليه وآله لابنته فاطمة ﵂: " إن كنت تحبيني فأحبي هذه "

стр. 99

وقوله ﵌: " إنها ابنة أبي بكر " يعني في فهمها وحسن نظرها، وقولها قبضه الله بين سحري ونحري، تعني أن النبي ﵌، ومات ﵌ في يومها. وقوله ﷺ لها: " إن جبرائيل يقرىء عليك السلام " ونزول آية التيمم عند انحباس الناس عن السفر بسببها لالتماس، عقدها حين ضاع، ولم يتزوج النبي ﵌ بكراً غيرها. وفيها آيات الكتاب المبين تتلى إلى يوم الدين، وإلى ذلك أشرت بقولي في بعض القصائد مخصصاً لابنة الصديق عائشة رضي الله تعالى عنهما، من صورة النور تعلو تلك الأنوار، ذات المحاسن الحميدة والمناقب العديدة، عائشة بنت أبي بكر ﵄. وتوفي أبو هريرة الدوسي الحافظ عند بعضهم، وعند جماعة في سنة ثمان، وعند آخرين في سنة تسع وخمسين، وكان كثير الذكر والعبادة حسن الأخلاق، ولي امرة المدينة في أيام معاوية، وتحمل يوماً حزمة حطب على ظهره، وقال طرقوا للأمير. وروي عنه أنه كان يصلي خلف علي ﵁، ويأكل من سماط معاوية ويعتزل القتال، فسأل عن ذلك وقال: الصلاة خلف علي أفضل، وسماط معاوية إذ سم وترك القتال أسلم، هكذا حكي عنه ﵁. سنة ثمان وخمسين توفي جبير بن مطعم عند بعضهم، وشداد بن أوس الأنصاري نزيل بيت المقدس وعقبة بن عامر الجهني الأمير بمصر لمعاوية، وكان مقرئاً فصيحاً مفوهاً من فقههاء الصحابة وعبيد الله بن عباس بن عبد المطلب، وله صحبة ورواية، وكان أحد الأجواد، لي اليمن العلي ﵁. ومن جوده أنه كاده بعض الناس وأشاع عنه بأنه يدعو الناس إلى وليمة فحضر الناس وامتلأت داره فقال: ما الخبر؟ فأخبر أنه قيل إنك دعوتهم، فأمر غلمانه أن تهيؤوا طعاماً ويحضروه، فأحضروه، حتى تغدى جميع من حضر، ثم التفت إلى غلمانه وقال: ايمكن أن تهيؤوا لنا كل يوم مثل هذا؟ فقالوا: نعم فأمر أن ينادي في الناس أن يحضروا عنده كل يوم للغداء.

стр. 100

سنة تسع وخمسين توفي أبو محذورة الجمحي المؤذن، وله صحبة ورواية وفيها، وقيل في التي قبلها توفي شيبة بن عثمان الحجبي العبدري المتولي فتح الكعبة. وتوفي سعيد بن العاص التي ولي إمرة الكوفة لعثمان ﵁، وافتتح طبرستان، وكان ممدوحاً كريماً عاقلاً حليماً، اعتزل يوم الجمل وصفين. وتوفي أبو عبد الرحمن بن عامر بن كريز العبشمي أمير عثمان ﵄. سنة ستين توفي معاوية بن أبي سفيان في رجب منها بدمشق، وله ثمان وسبعون سنة، ولي الشام لعمر ولعثمان ﵁ عشرين سنة، وولي الملك بعد علي ﵁ عشرين سنة أخرى. وتوفي سمرة بن جندب الفزاري في أولها، وبلال بن الحارث المزني وعبد الله بن المغفل المزني من أهل بيعة الرضوان، وفيها أوفى ما قبلها أبو حميد الساعدي. سنة إحدى وستين استشهد فيها يوم عاشوراء ريحانة رسول الله ﵌ وسبطه وسلالة النبوة مقر المحاسن والمناقب والفتوة أبو عبد الله الحسين بن علي بكربلاء، عمره خمس وستون سنة، وكان قد أنف من إمرة يزيد بن معاوية، فلم يبايعه وكان قد بايعه المسلمون كلهم إلا أربعة: عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر وهو رابعهم ﵃، وجاءته كتب أهل الكوفة يحضونه على القدوم عليهم فاغتر، وسار في أهل بيته حتى بلغ كربلاء، فعرض له أعداء الله وقتلوه في قصة طويلة، وقتل معه ولداه علي الأكبر وعبد الله وإخوته جعفر ومحمد وعتيق والعباس الكبير. وابن أخيه قاسم بن الحسن. وأولاد عمه محمد وعون، وابنا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وابناه عبد الله وعبد الرحمن، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 101

قلت هذا ما نقل بعضهم على وجه الإجمال، وها أنا أذكر ما فصل بعضهم على وجه الاختصار، وحاصل ما ذكروا أن يزيد أرسل إلى الوليد بن عتبة أن يأخذ له البيعة على الناس، فأرسل إلى الحسين بن علي وإلى عبد الله بن الزبير ليلاً فأتى بهما، فقال: بايعا فقالا مثلنا لا يبايع سراً، ولكن نبايع على رؤوس الأشهاد إذا أصبحنا، فرجعا إلى بيوتهما وخرجا من ليلتهما إلى مكة، وذلك لليليتين بقيتا من رجب، فأقام الحسين بمكة شهر شعبان ورمضان وشوال وفي القعدة، وخرج يوم التروية يريد الكوفة، فبعث عبيد الله بن زياد ابن أبيه خيلاً وأمرعليهم أميراً سموه من أولاد بعض الصحابة أكره ذكره فأدركه بكربلاء، وما زال عبيد الله بن زياد يزيد العساكر إلى أن بلغوا اثنين وعشرين الفاً، ووعد الأمير المذكور أن يملكه مدينة الري، فباع الفاسق الرشد بالغي وفيه يقول: أأترك ملك الري والري بغيتي ... وارجع مأثوماً بقتل حسين قلت ولو قال: أأترك ملك الري بل هو بغيتي ... وإن عدت مأثوماً يقتل حسين لكان هذا الإنشاد أدل على المراد، فضيق عليه الفاسق أشد تضييق، وسد بين يديه واضح الطريق إلى أن قتله يوم الجمعة وقيل يوم السبت وقيل يوم الأحد، واتفقوا على أنه يوم عاشوراء بقرب الكوفة بموضع يقال له كربلاء، وعليه جبة خز بعد أن حموه عن الماء وفي ذلك يقول الشاعر. فدونك يا ماء العذيب تعرضت ... مياه رحيمات عن الوصل صدت حميت كما كان الحسين بكربلا ... عن الماء يحمي مثل حالته التي وقتل معه اثنان وثمانون من أصحابه مبارزة، ثم قتل جميع بنيه إلا علي بن الحسين المعروف بزين العابدين، فإنه كان مريضاً وأخذ أسيراً بعد قتل أبيه وقتل أكثر إخوة الحسين وأقاربه، وفيهم يقول القائل: عيني أبكي بعبرة وعويل ... أو اندبي إن ندبت آل رسول سبعة كلهم لصلب علي ... قد أصيبوا وستة لعقيل ورووا عن جعفر الصادق ﵁ أنه وجد بالحسين ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة واختلفوا في قاتله رضي الله تعالى عنه اختلافاً كثيراً وذكر بعضهم أنه قتل معه من أولاد فاطمة رضي الله تعالى عنها سبعة عشر رجلاً.

стр. 102

وذكر أبو عمر بن عبد البر عن الحسن البصري قال أصيب مع الحسين بن علي ستة عشر رجلاً من أهل بيته ما على وجه الأرض لهم شبيه، وقيل إنه قتل مع الحسين بن علي من ولده وإخوته وأهل بيته ثلاثة وعشرون رجلاً غير من قتل منهم من غيرهم كما تقدم، وقيل إن ابن زياد كان قد بعث على الجيش أميراً وهو الحارث بن يزيد التميمي، لما حقت له الحقائق ورأى الأمر يؤول إلى ما آل تاب، وانحاز إلى فئة الحسين، وقاتل معهم حتى قتل، وجز رأس الحسين بعض الفجرة الفاسقين، وحمله إلى ابن زياد، ودخل به عليه وهو يقول: أقر ركابي فضة وذهباً ... أنا قتلت الملك الحمجبا قتلت خير الناس أماً وأباً ... وخيرهم إذ يذكرون النسبا فغضب ابن زياد من قوله، وقال: اذا علمت أنه كذلك فلم قتلته، والله لا نلت مني خيرا أبداً، ولألحقنك به، ثم قدمه فضرب عنقه، وقيل إن يزيد بن معاوية هو الذي قتل القاتل. وروى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك قال: اتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين، فجعل في طست، فجعل ينكت فني فيه، وقال في حسنه شيئاً، قال أنس كان أشبههم برسول الله ﵌، وكان مخضوباً بالوسمة قلت وهذا الفعل يدل على عظيم الزندقة والفجور. وذكر الإمام القرطبي في كتاب التذكرة عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال حدثنا حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس ﵄ قال: رأيت النبي ﵌ نصف النهار أشعث أغبر ومعه قارورة فيها دم يلتقطه، قال: فقلت: يا رسول الله ما هذا؟ قال " دم الحسين وأصحابه لم أزل أتبعه منذ اليوم "، قال عمار: فحفظنا ذلك اليوم، فوجدناه قتل في ذلك اليوم. وأخرج الإمام أحمد أيضاً في مسنده بسنده إلى أنس ﵁ أن مالك المطر استأذن أن يأتي لرسول الله ﵌، فأذن له، فقال لأم سلمة املكي علينا الباب لا يدخل علينا أحد، قال: وجاءه الحسين ليدخل فمنعته، فوثب فدخل فجعل يقعد على ظهر النبي ﵌: وعلى منكبيه وعلى عاتقه قال فقال الملك للنبي ﷺ : اتحبه؟ قال: نعم قال أما أن أمتك ستقتله، وإن شئت لأريتك المكان الذي يقتل فيه، فضرب بيده فجاء بطينة حمراء فأخذتها أم سلمة، فصيرتها في خمارها. وقيل وضعتها في قارورة، فلما قرب وقت قتل الحسين نظرت في القارورة فإذا الطين قد

стр. 103

استحال دماً. ولما قتل الحسين وأصحابه سيقت حريمهم كما تساق الأسارى قاتل الله فاعل ذلك، وفيهن جمع من بنات الحسين، وبنات علي ﵄، وعن الجميع ومعهن زين العابدين مريضاً. روي أنه لما قتل السادة الأخيار، مال الفجرة الأشرار إلى خيام الحريم المصؤنة، وهكتوا الأستار، فقال بعض من حضر: ويلكم إن لم تكونوا أتقياء في دينكم، فكونوا إحراراً في دنياكم، وذكروا مع ذلك ما يعظم من الزندقة والفجور؛ وهو أن عبيد الله بن زياد أمر أن يقور الرأس المشرف المكرم حتى ينصب في الرمح، فتحامى الناس عن ذلك، فقام من بين الناس رجل يقال له طارق بن المبارك بل هو ابن المشؤم المذموم، فقوره ونصبه بباب المسجد الجامع، وخطب خطبة لا يحل ذكرها. ثم دعا بزياد بن حر بن قيس الجعفي فسلم إليه رأس الحسين، ورؤوس اخوته وبنيه وأصحابه، ودعا بعلي بن الحسين، فحمله وحمل عماته وأخواته إلى يزيد على محامل بغير وطاء، والناس يخرجون إلى لقائهم في كل بلد ومنزل حتى قدموا دمشق، ودخلوا من باب توما، وأقيموا على درج باب المسجد الجامع حيث يقام السبي، ثم وضع الرأس المكرم بين يدي يزيد، فأمر أن يجعل في طست من ذهب وجعل ينظر إليه ويقول مفتخراً بما إليه من الخزي نقل يؤول. صبرنا وكان الصبر منا عزيمة ... وأسيافنا يقطعن كفاً ومعصما يعلق هاماً من رجال أعزة ... علينا وهم كانوا أغر وأظلما وأمر بالرأس أن يصاب بالشام، واختلف الناس أين حمل الرأس المكرم من البلاد وأين دفن، فذكر الحافظ أبو العلاء الهمداني أن يزيد حين قدم عليه رأس الحسين بعث إلى المدينة فأقدم عليه عدة من موالي بني هاشم، وضم إليهم عدة من موالي أبي سفيان، ثم بعث ينتقل رأس الحسين ومن بقي من أهله، وجهزهم بكل شيء ولم يدع لهم حاجة إلا أمر لهم بها، وبعث برأس الحسين إلى عمرو بن سعيد بن العاص وهو إذ ذاك عامله على المدينة، فقال عمرو: وددت أنه لم يبعث به إلي ثم أمر عمرو بن سعيد برأس الحسين رضوان. الله عليه فكفن ودفن في البقيع عند قبر أمه فاطمة ﵂. قال: هذا أصح ما قيل فيه، وكذلك قال الزبير بن بكار وأن الرأس حمل إلى المدينة.

стр. 104

وما ذكر أنه نقل إلى عسقلان أو القاهرة لا يصح، وقد قتل الله تعالى قاتله صبرأ ولقي حزناً طويلاً وذعراً، ووضع رأس الخبيث المذمم حيث وضع رأس الحسين الطيب المكرم. وروى الترمذي بسنده إلى عمارة بن عمير قال: لما جيء برأس عبيد الله بن زياد وأصحابه نصبت في المسجد في الرحبة، فانتهيت إليه وهم يقولون قد جاءت قد جاءت فإذا حية يتخلل الرؤوس حتى دخلت في منخري عبيد الله، فمكثت هنية ثم خرجت، فذهبت حتى تغيبت، ثم قالوا قد جاءت قد جاءت فدخلت ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثاً. قال العلماء وذلك مكإفأة لفعله برأس الحسين ﵁، وهي من آيات العذاب الظاهرة عليه. قلت هذا تلخيص ما ذكروا في ذلك مختصرأ وأما حكم قاتل الحسين والأمر بقتله، فمن استحل منها قتله فهو كافر، وإن لم يستحل ففاسق فاجر، وكان الحسين رضي الله تعالى عنه يفرعن مبايعة معاوية فضلاً عن مبايعة يزيد. وقد ذكروا أنه لما حج معاوية، وأراد الرجوع إلى الشام، كلم الحسن أخاه الحسين ﵄ أن يذهبا إليه ويودعاه، فامتنع الحسين من ذلك، وذهب إليه الحسن وودعه، وأعطاه مالاً جزيلاً، وقد علم أنه صالحه على شروط وحقن دماء المسلمين، فتحقق بما أشار إليه سيد المرسلين بقوله ﵌: " إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين ". وفي السنة المذكورة توفي حمزة بن عمرو الأسلمي وله صحبة ورواية، وكذلك أم المؤمنين هند بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية المعروفة بأم سلمة ﵂. وقيل توفيت سنة تسع وخمسين ﵂، وهي آخر أمهات المؤمنين وفاة. ومن مناقبها أنه ﵌ خطبها فاعتذرت بأعذار كونها كبيرة السن وذلت أولاد وفيها الغيرة فذكر النبي ﵌ لها أنه أيضاً كبير وذو أولاد. وأما المغيرة فقال ﵌: " أنا أدعو الله أن يذهبها عنك " وكانت امرأة عاقلة جميلة، امرت النبي ﵌ يوم الحديبية أن ينحر ويحلق، وقالت له: اذا فعلت ذلك تابعك أصحابك. قالت له ذاك لما امتنعوا منه، ودخل عليها وهو

стр. 105

مغضب، لما فعل ما أشارت بادر الصحابة إلى فعل ذلك. ومن مناقبها أيضاً رؤيتها جبرائيل ﵇ في صورة دحية الكلبي، المذكورات من أزواج النبي ﵌ في هذه التواريخ سبع، ولم أرهم تعرضوا لتاريخ موت اثنين منهن، وهما أم حبيبة وسودة رضي الله تعالى عنهما. سنة اثنتين وستين فيها توفي بريدة بن الحصيب الأسلمي، وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، وله صحبة ورواية وكذلك على الأصح علقمة بن قيس النخعي الكوفي الفقيه صاحب ابن مسعود، وكان يشبهه في هدية ودله وسمته، وكان غير واحد من الصحابة يستفتونه. وتوفي أبو مسلم الخولاني بن مخلد السيد الجليل ذو المناقب والمحاسن في الظاهر واالباطن والكرامات العديدة والسيرة الحميدة اليمني من سادات التابعين لا يكاد يوجد له منهم نظير إلا نادراً جداً قليلاً، وقد اشتهر أن الأسود العنسي أمر بنار عظيمة، وألقى أبا مسلم فيها، فلم يضره، فنفاه لئلا يضطرب اتباعه ويحصل فيهم ارتياب، ويرجع بهم الشكل في أمره عن متابعته. وفد ﵁ على أبي بكر مسلماً فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني من أمة محمد ﵌ من فعل به مثل ما فعل بابراهيم الخليل ﵇، وله كرامات أخرى منها أنه لما استبطأ السرية في بعض الغزوات بينما هو يصلي راكز رمحه جاء طير فوقع على رأس الرمح، وخاطبه مبشراً له أن السرية سالمة غانمة، وهي تقدم في وقت كذا وكذا، وكان الأمر كذلك. سنة ثلاث وستين فيها كانت وقعة الحرة: وذلك أن أهل المدينة خرجوا على يزيد لقلة دينه لحربهم

стр. 106

جيشاً أميره مسلم بن عقبة، فالتقوا بظاهر المدينة لثلاث بقين من ذي الحجه، فقتل من أولاد المهاجرين والأنصار ما نيف على ثلاث مائة، وقتل من الصحابة معقل بن سنان الأشجعي وعبد الله بن خنظلة بن الغسيل الأنصاري وعبد الله بن زيد بن عاصم المازني الذي حكى وضوء النبي ﵌. وممن قتل يومئذ محمد بن ثابت بن قيس بن شماس، ومحمد بن عمرو بن حزم ومحمد بن أبي جهم بن حذيفة ومحمد بن أبي كعب ومعاذ بن الحارث أبو حليمة الأنصاري الذي أقامه عمر يصلي التراويح بين الناس ويعقوب من نسل طلحة بن عبيد الله التيمي وكثير بن أفلح أحد كتاب المصاحف الذي أرسلها عثمان وأبوه أفلح مولى أبي أيوب. وفي السنة المذكورة توفي مسروق بن الأجدع الهمداني الفقيه العابد المشهور المحمود صاحب عبد الله بن مسعود، وكان يصلي حتى تورم قدماه، وحج فما نام إلا ساجداً. وعن الشعبي قال ما رأيت أطلب للعلم منه، كان أعلم بالفتوى من شريح. سنة أربع وستين في أولها هلك مسلم بن عقبة الذي استباح المدينة، عجل الله قصمه، والعجب أنه شهد الوقعة وهو مريض في محفة كأنه مجاهد في سبيل الله، وكذلك عجل الله تعالى يزيد بن معاوية فمات بعد نيف وسبعين يوماً منها، وله ثمان وثلاثون سنة، بايع له أبوه الناس في حياته، ويقال إنه قال له: قد أسست لك الأمر ومهدته، وبايعت لك الناس، ولم يبق منهم إلا أربعة: الحسين بن علي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر. فأما الحسين فاستوص به خيراً المكانة من رسول الله ﵌. وأما عبد الله بن عمر فقد وقذته العبادة، فليس له في الملك حاجة. وأما عبد الرحمن بن أبي بكر فمغرم بالنساء، فأرغبه في المال. وأما الذي يكمن لك ويثب عليك وثبة الأسد فكذا وكذا، وذكروا كلاماً معناه التحذير منه والتحريض على قتاله، والله أعلم بصحة ذلك. وكانت مدة ولايته ثلاث سنين وثمانية أشهر، وعهد بالأمر من بعده إلى ابنه معاوية بن

стр. 107

يزيد، فبقي في الولاية شهرين آو أقل، ومات، وكان يذكر فيه الخير، عاش إحدى وعشرين سنة، ولما احتضر قالوا له ألا تستخلف؟ فامتنع وقال: لم أصب حلاوتها فلا أتحمل مرارتها، وقد تقدم أن عبد الله بن الزبير لم يبايع ليزيد، وكان قد آوى إلى مكة، فحاصره عسكر يزيد، فنصبوا المنجنيق على الكعبة ورموها بالأحجار وبالنار قيل ومما احترق بالنار فيها قرناً كبش إسماعيل ﵇. وقتل في الحصار بحجر المنجنيق المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري له صحبة ورواية وشرف، وجاء نعي يزيد، فترحل عسكره وبايع أهل الحرمين ابن الزبير، ثم أهل العراق وأهل اليمن وغيرهم، حتى كاد تجتمع الأمة عليه، وغلب على دمشق الضحاك بن قيس الفهري، في صحبته خلاف، فدعا إلى ابن الزبير، م تركه، ودعا إلى نفسه، وانحاز عنه مروان بن الحكم في بني أمية إلى أرض حوران، فوإفاهم عبيد الله بن زياد ابن أبيه من الكوفة منهزماً من أهلها، فوفى عزم مروان على طلب الملك الذي ذكره ﵌ بعد الثلاثين وسموهم خلافة، فالتقى هو والضحاك بعد أن جرت قصة طويلة، فقتل الضحاك وقتل معه نحو ثلاثة آلاف، وانتصر مروان، سار أمير حمص يومئذ النعمان بن بشير الأنصاري الصحابي لينصر الضحاك، فقتله أصحاب مروان. وفيها توفي بالطاعون الوليد بن عتبة بن أبي سفيان بن حرب، وقد كان جواداً حليماً، عين للخلافة بعد يزيد، وولي امرة المدينة غير مرة. وفيها توفي ربيعة الجرشي بضم الجيم وفتح الراء وكسر الشين المعجمة وكان فقيه الناس في زمن معاوية. وفيها نقض أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير الكعبة، وبناها على قواعد ابراهيم ﵌، وأدخل الحجر في البيت، وكان قد تشقق أيضاً من المنجنيق واحترق سقفه. سنة خمس وستين فيها توجه مروان إلى مصر فتملكها، واستعمل عليها ابنه عبد العزيز، ومهد قواعده،

стр. 108

ثم عاد إلى دمشق ومات في رمضان، فعهد إلى ابنه عبد المللك بن مروان، وكان مروان من الفقهاء، وكان كاتب السر لابن عمه عثمان، وفيها ولي خراسان المهلب بن أبي صفرة لابن الزبير. وفيها خرج سليمان بن صرد الخزاعي والمسيب الفزاري صاحب علي في أربعة آلاف يطلبون بدم الحسين، وكان مروان قد جهز ستين ألفاً مع عبيد الله بن زياد ليأخذ العراق، فالتقى مقدمة عبيد الله وعليهم شرحبيل بن ذي الكلاع هم وأولئك بالجزيرة، فانكسروا وقتل سليمان والمسيب وطائفة، وكان لسليمان صحبة ورواية ﵁. وفيها مات على الصحيح عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي، وكان أصغر من أبيه بإحدى عشرة سنة، وكان دينا صالحاً كبير القدر ذا عبادة واجتهاد وورع، يلوم أباه على القيام في الفتنة. وفيها توفي الحارث بن عبد الله الهمداني الكوفي الأعور الفقيه صاحب علي وابن مسعود ﵃ وحديثه في السنن الأربعة. سنة ست وستين فيها توفي جابر بن سمرة السوائي بالكوفة، وقيل بل في سنة أربع وسبعين وأبوه صحابي أيضاً وزيد بن أرقم الأنصاري. وقيل في سنة ثمان وقد غزا مع النبي ﵌ سبع عشرة غزوة، وقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص، والذين قتلوا الحسين بن علي قاتلهم الله، وجهز المختار بن أبي عبيد جيشاً ضخماً مع ابراهيم بن الأشتر النخعي، وكانوا ثمانية آلاف لحرب عبيد الله بن زياد، وكانت وقعة الجارز بأرض الموصل، وقيل كانت في سبع وستين وصححه بعض المعتمدين، وكان ملحمة عظيمة. وفي السنة المذكورة قويت شوكة الخوارج واستولى نجدة الحروري على اليمامة والبحرين. سنة سبع وستين قيل كانت وقعة الجارز في المحرم وفيه الخلاف المقدم. وفيها حصل الاصطلام لعسكر أهل الشام وكانوا أربعين ألفاً ظفر بهم ابراهيم بن الأشتر، فقتلت امراؤهم عبيد الله بن

стр. 109

زياد ابن أبيه وحصين بن نمير السكوني الذي حاصر ابن الزبير ﵄ وشرحبيل بن ذي الكلاع، وقيل قتلوا في السنة التي قبلها، وبعث برؤوسهم فنصبت بمكة والمدينة. وفيها وقيل في التي قبلها توفي عدي بن حاتم الطائي رئيس طيىء وله مائة وعشرون سنة ﵁، ولما أسلم سنة سبع أكرمه النبي ﵌، وألقى إليه وسادة، وقال: " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه ". ولما تحقق عبد الله بن الزبير كذب المختار بن أبي عبيد الثقفي، بعث أخاه مصعب بن الزبير على العراق، فدخل البصرة وتاهب منها وسار على ميمنته المهلب بن أبي صفرة وعلى ميسرته عمرو بن عبد الله التيمي، فجهز المختار لحربهم جيشاً عليهم احمر بن شميط بالشين المعجمة والمثناة من تحت بين الميم والطاء المهملة وأبو عمرة كيسان، فهزمهم مصعب. وقتل احمر وكيسان، وقتل من عسكر مصعب محمد بن الأشعث بن قيس الكندي ابن أخت الصديق وعبيد الله بن علي بن أبي طالب، وقتل من جند المختار عمر الأكبر ابن علي بن أبي طالب، ثم ساق عسسكر مصعب بن الزبير فدخلوا الكوفة وحصروا المختار بقصر الإمارة أياماً إلى أن قتله الله تعالى في رمضان، وكان كذاباً يزعم أن جبرائيل ﵇ ينزل عليه، وصفت العراق لمصب رحمة الله عليه. سنة ثمان وستين توفي فيها بحر العلوم. حبر الأمة على العموم، الذي دعا له ﵌ بالفقه والدين وعلم التأويل: عبد الله بن العباس الهاشمي الفقيه المحدث المفسمر البارع في العلوم، وكان وفاته ﵁ بالطائف وله إحدى وسبعون سنة ﵁. ومن مناقبه دعاء النبي ﵌ له بالفقه وعلم التأويل، وادخال عمر له مع المشايخ الكبار الجلة، وما تميز به من العلوم والفضائل والقرابة من رسول الله ﵌، وكان قد ذهب بصره في آخر عمره، فقال فيما نقل بعضهم عنه. إن يأخذ الله من عيني بنورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نور قلبي زكي وذهني غير ذي دخل ... وفي فمي صارم كارم كالسيف مطرور وفيها عزل ابن الزبير أخاه مصعباً، وولى ابنه حمزة، وفيها توفي أبو شريح الخزاعي وأبو واقد الليثي، وكان ممن شهد فتح مكة، وعاش بضعاً وسبعين سنة وفيها قتل عبد الله بن

стр. 110

عمر وزيد بن أرقم وزيد بن خالد الجهني ﵃. سنة تسع وستين فيها كان طاعون الجارف بالبصرة وكان ثلاثة أيام مات في كل يوم نحو من سبعين ألفاً على ما رواه المدائني عمن أدرك ذلك. وروى غيره قال مات لأنس بن مالك ﵁ في الجارف سبعون ابناً وقيل مات في طاعون الجارف عشرون ألف عروس، وأصبح الناس في اليوم الرابع، ولم يبق منهم إلا اليسير، وصعد ابن عامر يوم الجمعة وما في الجامع إلا سبعة ومن النساء امرأة فقال ما فعلت الوجوه؟ فقالت المرأة: تحت التراب أيها الأمير. وفيها قتل نجدة الحروري، تله أصحابه واختلفوا عليه، وقيل بل ظفروا به أصحاب ابن الزبير، قيل وفيها مات بطاعون الجارف قاضي البصرة أبو الأسود الديلي صاحب النحو انشاء وترتيباً بعد اشارة علي بن أبي طالب ﵁، وتأسيسه ﵁ على ما ذكر بعض أئمة النحو، وكان من سادات التابعين وأعيانهم، وقيل بل مات في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة تسع وتسعين، وهناك تبسط الكلام فيما يتعلق بترجمته مما هو من صفته. وفيها مات قبيصة بن جابر الأسدي، كان فصيحاً مفوهاً روى عبد الملك بن عمير عنه قال: قال لي عمر أراك شاباً فصيح اللسان فسيح الصدر وفيها أعاد ابن الزبير مصعباً على الفراق، وعزل ابنه حمزة بن عبد الله، فقصد هو وعبد الملك كل منهما الآخر، ثم فصل بينهما الشتاء فوثب على دمشق في غيبة عبد الملك عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق مريداً للغلافة، جاء عبد الملك وجرى بينهما قتال وحصار، ثم نزل إليه بالإيمان. سنة سبعين فيها قيل غدر عبد الملك بعمرو بن سعيد، وذبحه صبراً بعد أن آمنه وحلف له وجعله ولي عهده من بعده، وفيها توفي عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي وكان مولده في حياة النبي ﵌، وفيها مات ملك السكسك صاحب معاذ ﵁.
следующие страницы →