← История

История · id 9091

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

اليافعي

Полный текст (1 334 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

الخطيب، المعروف بابن الحميري سمع بدمشق من الحافظ ابن عساكر، وببغداد من شهدة وجماعة، وقرأ القراءات على أبي الحسن البطايحي، وقرأ كتاب المهذب على القاضي أبي سعد بن أبي عصرون، والقاضي أبو سعد علي القاضي أبي علي الفارقي عن مؤلفه الشيخ الإمام أبي إسحاق، وسمع بالاسكندرية من السلفي، وتفرد من زمانه، ورحل إليه الطلبة، ودرس وأفتى، وانتهت إليه مشيخة العلم بالديار المصرية والأمير الصاحب جمال الدين ابن مطروح أبو الحسن يحيى بن عيسى المقرىء اتصل بخدمة السلطان الملك الصالح ابن الملك الكامل ابن الملك العادل ابن أيوب، فلما اتسع ملكه ولاه نائبًا عنه، ولم يزل يقرب منه ويحظى عنده إلى أن ملك دمشق، فرتب لها نوابًا، وصار ابن مطروح في صورة وزيرها، ثم سيره مع عسكر وجهه إلى حمص لاستنقادها من ثواب الملك الناصر الملك العزيز، ثم بلغه أن الفرنج اجتمعوا بجزيرة قبرص على عزم الديار المصرية، فسير إلى العسكر المذكور يعودون لحفظ الديار المصرية، فعادوا وابن مطروح في خدمة الملك الصالح، والملك الصالح متغير عليه الأمور نقمها عليه، فواظب على الخدمة مع الإعراض عنه، ولما مات الملك الصالح وصل ابن مطروح إلى مصر، وأقام بها في داره، ولم يزل ابن مطروح مطروحًا من الولايات إلى أن مات، هذه نبذة مختصرة من أحواله على الإجمال وكانت أوقاته جميلة، وحالاته حميدة، جمع بين الفضل والمروءة والأخلاق الرضية، وله ديوان شعر من جملته قوله في بعض قصائده: يا صاحبي ولي بجرعاء الحمى ... قلب أسير ماله من فادي سلبته مني يوم باتوا مقلة ... مكحولة أجفانها بسواد وله بيتان ضمنهما بيت المتنبي، وأحسن فيهما، وهما: إذا ما سقاني ريقه، وهو باسم ... تذكرت ما بين العذيب وبارق ويذكرني من قده ومدامعي ... مجرى عوالينا ومجرى السوابق وهذا البيت للمتنبي في قصيدة له بديعة، وهو: تذكرت ما بين العذيب وبارق ... مجرى عوالينا ومجرى السوابق قال ابن خلكان: وبلغني أنه كتب رقعة يتضمن شفاعته في قضاء شغل بعض أصحابه إلى بعض الرؤساء، وكتب فيهم لولا المشقة فلما وقف عليها ذلك الرئيس قضى شغله وفهم قصده، وهو قول المتنبي:

стр. 1157

لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال هذا من لطيف الإشارات. سنة خمسين وست مائة فيها توفي الكمال إسحاق بن أحمد المعري الشافعي المفتي تلميذ ابن الصلاح، كان إماماً بارعًا زاهدًا عابدًا توفي بالروحانية. وفيها توفي العلامة أبو الفضائل رضي الدين الحسن بن محمد الصغاني العدوي العمري الهندي اللغوي نزيل بغداد، كان إليه المنتهى في معرفة اللغة، له مصنفات كبار في ذلك، وله تبصرة في الفقه والحديث مع الدين والأمانة. وفيها توفي سعد الدين بن حمويه محمد بن المؤيد الجويني الصوفي، كان صاحب أحوال ورياضات، وله أصحاب ومريدون وكلام، سكن سفح قاسيون مدة، ثم رجع إلى خراسان، فتوفي هناك. سنة إحدى وخمسين وست مائة وفيها توفي شيخ الشيوخ السيد الجليل العارف بالله أبو الغيث ابن جميل اليمني ذو المقامات العلية والأحوال السنية، والأنفاس الصادقة، والكرامات الخارقة، والفتح العظيم، والفضل الجسيم منبع الأسرار، ومطلع الأنوار شيخ الزمان والمشار إليه من بين الأقران صاحب المظهر الباهر العظيم الشأن الذي أشرت إليه فيما تضمنه هذان البيتان. أيا سيدكم ساد بالفضل سيدًا ... بكل زمان ثم كل مكان إذا أهل أرض، فاخروا بشيوخهم ... أبو الغيث فينا فخر كل يمان كان قدس الله روحه عبدا يقطع الطريق فبيناه وكامن للقافلة، فسمع هاتفًا يقول: ياصاحب العين عليك أعين، فوقع منه ذلك موقعا أزعجه عما كان عليه، وأقبل به إلى الإقبال على الله والإنابة إليه، وصحب في بدايته الشيخ الكبير الولي الشهير المعروف بابن أفلح اليمني حتى زكت نفسه، وتنور قلبه، وظهر عليه صدق الإدارة وسيماء السعادة، وبدت منه بعض الكرامات في الأوقات. من ذلك أنه خرج يحتطب في وقت، ومعه حمار يحمل عليه حطب، فبينا هو يجمع الحطب في بعض البراري وثب الأسد على حماره، فافترسه، فلما جاء بالحطب ليحمله وجده قد مات، وقال للأسد: تقتل حماري على أي شيء أحمل

стр. 1158

حطبي، وعزة المعبود ما أحمله إلا على ظهرك، فجمع الحطب، وحمله عليه وهو هين لين مطيع، وساقه إلى أن وصل به إلى طرف البلد، ثم حط عنه الحطب، وقال له: اذهب ومن ذلك أيضا أن زوجة شيخه المذكور طلبت شري عطر من السوق، فذهب ليشتري لها، فكلم بعض العطارين في ذلك، فقال العطار: ما عندي شيء فقال له أبو الغيث: ما عندك شيء؟ فانعدم في الحال جميع ما في دكان العطار، فجاء إلى الشيخ يشكو إليه ما جرى على حوائجه من أبي الغيث، فاستدعى به الشيخ وخاصمه بسبب اظهار ما ظهر له من الكرامة، وقال له: سيفان لا يصلحان في غمد واحد، اذهب عني، فدار له أبو الغيث وتضرع والتزم به فأبى أن يصحبه، فذهب يلتمس من يصحب من الشيوخ لينتفع به، فكل من التمس منه يقول: اكتفيت ما تحتاج إلى شيخ حتى جاء إلى الشيخ الكبير العارف بالله الخبير السيد المبجل المعروف بعلي الأهدل، فالتمس منه الصحبة، فأنعم له بذلك. قال أبو الغيث فلما صحبته كأني قطرة وقعت في بحر، وقال أيضاً: كنت عند ابن أفلح لؤلؤة بهما، فثقبها الأهدل، وعلقها في عنقي قلت: كأنه يشير إلى أن محاسن أحواله المشكورة كانت عند ابن أفلح مستورة، فلما صحب الأهدل أظهر محاسنه التي يجليها عليه لكل من يجتليها. ومن كراماته أيضا أن الفقراء قالوا له: نشتهي اللحم، فقال: في اليوم الفلاني إن شاء الله تعالى تكلون اللحم، وكان يوم سوق يجتمع فيه القوافل، فلما جاء ذلك اليوم جاء الخبر أن قطاع الطريق الحرامية نهبوا القافلة، فلما كان بعد ساعة جاء واحد من القطاع يثور إلى الشيخ، فقال الشيخ للفقراء: اذبحوه واطبخوه وخلوا رأسه على حاله، ثم جاء آخر أيضاً منهم يحمل حب، فقال لهم الشيخ: اطحنوه واخبزوه، ففعلوا جميع ذلك، ثم فتوا العيش وأدموه، فقال الشيخ للفقراء: كلوا، فدعا الفقراء الفقهاء إلى الأكل معهم، فامتنعوا، فقال الشيخ للفقراء: كلوا الفقهاء ما يكلون الحرام، فأكلوا حتى فرغوا، وإذا بإنسان قد جاء إلى الشيخ وقال: يا سيدي نذرت للفقراء بثور، فأخذه الحرامية، فقال له الشيخ: تعرف رأس ثورك إذا رأيته. قال: نعم أعرفه، فأمر الشيخ بإحضار ذلك الرأس، فأحضروه فلما رآه ذلك الإنسان قال: هذا رأس ثوري بعينه، ثم جاء إنسان آخر، وقال: يا سيدي نذرت للفقراء حمل حب، فنهب مني، فقال له الشيخ: قد وصل إلى الفقراء متاعهم، فلما رأى الفقهاء ذلك ندموا على ترك موافقة الفقراء، وبقوا يضربون يدا على يد وله أيضا رضي الله تعالى عنه ما يطول ذكره بل لا يستطاع حصره من الكرامات الظاهرات والآيات الباهرات. وله كلام عظيم في الحقيقة والتربية في سلوك الطريقة جمع بعضه في كتاب مستقل، من ذلك قوله: يجب على من نزلت به أخلاط أول ما يبدأ استخراج القيء بريشه خوف

стр. 1159

الفوت، ويغتسل بعد ذلك من ماء عين الندامة بقصد العزلة في كهف جبل الانقطاع أيسًا من الأنس بما دون الله تعالى، ويشرب من ماء شحوم حنظل الصبر، ويستنشق بدهن أشجار الحزن، ويطعم من صحيح غذاء التوكل، ثم يكتحل بقشر عود الغرام، ولا ينام بعد ذلك حتى ينظر أنوار أثمار أشجار التوفيق، ثم يجلس على بساط قدم الصدق والتصديق منتظرا لما يرد من عجائب إبريز التحقيق، وصحيح حلول الفقر والعجز والافتقار الذي أنعم به تعالى به النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ونعم الرقيق، فحينئذ يبرأ العليل، ويرجع إلى ما كان عليه خلقه أول مرة، فيكون حياته لله، وموته لله لا لنفسه بذلك جرى قلم الحكيم القديم المتفضل بالتأبيد في محل الحضرة على المنهج العبدي، والقانون الفقري الذي وجب أن لا يكون الفقر أزلاً وأبداً لنفسه، وجرى الآن لسان الفقر لوجوب ترك التدبير لصحة الإرادة، وتلقي ما يرد لصحة الرضاء، والتزام ما لا يلزم حبا لله وشوقا إليه كما قد وجب على من يعيده فإذا التزم ما لا يلزم صفات الحق للحق وأوصله إلى علم أنه يصل به، فيكون الحق أوصله لا هو وصل، وبعد وجود ما يجب أيضًا على المريد اتيانه علمًا ورسمًا يظهر علوم أزلية يتعلق بصفة القديم المتفضل القدوس لا يعرف العالم بها إن الله تعالى يعصى أو يتعدى أحد مراده، والله بكل شيء عليم. قلت وآخر كلامه هذا يشبه قوله أيضأ: كل خيال نقاب لوجه الأمر العزيزي، والأمر العزيزي نقاب لجلال الله، وجمال سبحات وجه الله الكريم فرضًا لأن لايبرز من ذلك الجلال ذرة، فلا يبقى أحد من الثقلين، ولا من سواهما يعرف لله تعالى طاعة ول اعصيانًا قلت: وقد أشرت إلى ما يظهر من معناه، والله أعلم في ترجمة الشيخ عبد القادر في سنة اثنتين وستين وخمس مائة. وقال أيضاً: أن الحس والمحسوس حجاب عن الله تعالى فإذا ظهر سلطان حب الله تعالى بنور حياة القلب بالله أحرق حراريق الهوى بنار سلطانه الذي لا يقدر أحد أن ينفيه. وقال أيضًا: إذا طلعت شمس من أفق قبلة الغيب إلى الأفق الأعلى أخذ كل من في الأفق الأدنى نصيبه من شعاعها، وليس كل مدرك بالحسن هو هي، فأما إذا طلعت من كل مكان، وانتفت روية التعاقب عنا يقينًا لم يبق ليل ولا نهار، ولم يبق كفر، ولم يبق اسلام، ووجب حينئذ ظهور الشيء الذي حالت بيننا وبين الأحوال، وكثرت المقالات، والأفعال كما يحول السحاب يقيناً، فإذا لم يبق حائل ظهر الشيء الذي لا يشبه شيئًا وغبناعنا، وصرنا كالنجوم عند طلوع الشمس لا غياب بشرط الفناء ولا حضور شرط البقاء، فإن كنت هاهنا رأيت ما رأينا وإن لم تر شيئا فكن حجراً صماً يدق بك النوى. وقال أيضاً: إذا اختلط ماء الأمطار بماء البحر، كان منه الدر واللؤلؤ والياقوت الأحمر

стр. 1160

قطعًا قلت: ويحتمل أنه يعني إذا اختلط ماء أمطار غيث الفضل المنهمل من سحاب الجود عند مشاهدة الجمال، وشرب كؤوس الوصل بماء بحر توحيد القلوب المنورة الطيبة الزكية المطهرة، يكون من ذلك المطرد والمعارف ولؤلؤ العلوم، وياقوت الحكم الأحمر، ويحتمل إذا اختلط ماء أمطار العلوم الباطنة بماء بحر العلوم الظاهرة في ظروف القلوب الطاهرة. وقال: إن عبيد الهوى حلالا ًوحرامًا عبيد لمن تملك الهوى يقينًا في صحيح الفقر قطعاً قلت: ومما يناسب قوله لجماعة من الفقهاء، أتوا إلى زيارته: مرحبا ًبعبيد عبدي، فرجعوا عنه منكرين ذلك أشد الإنكار، فصادفوا شيخ الطريقين وإمام الفريقين إسماعيل بن محمد الحضرمي المشهور، فذكروا له ذلك، فضحك وقال: صدق أنتم عبيد الهوى والهوى عبده وقال أيضًا: أفي وقت لا يحكم الهوى على المريد وصل إلى الله تعالى بالله تعالى وأي وقت يحكم الهوى على المريد يقينًا فصل عن الله تعالى بعلة، والعياذ بالله العظيم، ولا شك أن الله تعالى خلق كل دابة ماء مهين معلول بعلة وأما ما خلق الله تعالى مما ليس منا أحد يعرفه أول مرة، فهو من نور جلال جمال وجه الله الكثير الحمد لله رب العالمين. اعلة. وقال: إن لهيب نار قلوب المخلصين بالحق تحرق الشياطين وأتباعهم يقيناً كمثل ما تحرق النار الحطب قولاً واحدًا. وقال: أما بعد، فإنا نظرنا فيما يفسد عقول المريدين، فإذا هو من روية ثواب العمل، وفساد القلوب من حب الدنيا البتة والحرص والطمع واتباع الهوى وفساد الأرواح، من حب البقاء وطول الأمل، فلهذا يجب على المريد الزهد في نفسه لأنها هي محل العلل، ومنزل الغفلة عن الله تعالى، فإذا أراد المريد صلاح قلبه، وصفاء لبه قتل نفسه بسيف الصدق، وطرحها في قبر الانقطاع، ودفنها بترك التدبير، وتلقى ما يرد عليه من القضاء بالرضاء والتسليم والأنس بخيرة الله، والسكون إلى حكمة الله وبالله التوفيق. وقال أيضًا لما كاتبه الملك المنصور سلطان اليمن في وصفه الكيمياء متهمًا له بمعرفتها ومطالبًا له بتعليمها إذا طرح الإيمان والتوحيد واليقين والتوكل والرضاء في بوطة حب الله تعالى، وسخن بنار الشوق والتوحيد صار منه أكسير يستحيل الكون بطبعه ربوبية صرفاً الحمد لله رب العالمين. اعبودية والسلام.

стр. 1161

وقال أيضاً في جواب كتاب أتاه من الشريف الإمام أحمد بن الحسين أيام خرج، وقد دعاه إلى البيعة له: ورد كتاب السيد ففهمنا مضمونه، ولعمري إن هذا سلكه الأولون، وأقبل عليه الأكثرون غير أنا نفر مذ سمعنا قوله تعالى له دعوة الحق لم يبق لإجابة الخلق فينا متسع، وليس لأحد منا أن يشهر سيفه على غير نفسه، ولا أن يفرط في يومه بعد أمسه، فليعلم السيد فراغنا لمارام فيعذر المولى والسلام قلت: وله من الكلام في الحقائق الغامضات الدقائق ما لا يفهمه إلا الخواص من الخلائق من العطايا، ومن المواهب الجسيم ما لا ينال إلا من فيض فضل الله العظيم، وكنت قد رأيته في المنام هو والسيد المشكور إسماعيل بن محمد الحضرمي المشهور في ليلة واحدة، وقال لي أحدهما وأظنه الشيخ أبا الغيث: إنا ما فتح علي إلا بعد الخمسين فقلت له: يا سيدي هذه بداية الفتح أم نهايته؟ فقال لي: يا ولدي إذا جاء فضل الله جاء دفعة واحدة، ففهمت أنه يعني بذلك الجذبة من جذبات الحق يفنى العبد عن نفسه وعن الخلق، وإليه وإلى شيخه المذكورين أشرت في غزل هذين البيتين من قصيدة في مدح شيوخ اليمن: يبيت عطاء عيطبول خريدة ... غياثية في سابقات المحامل سقت تلك نهلا ًحورة أفلحية ... وعل احرود من ملاح إلا هادل خليلي في حب الملاح تغزلاً ... بسلمى، ومن في ربعها من حلائل وزور أملاح الحي من كل حورة ... يمانية يمنًا وحسنا كوامل وعوجًا على أحبانا بعواجه ... وبلا ربها بالدموع الهواطل وقلت: فيها بالتصريح بعد كناية الغزل والتلويح: ملوك البرايا ليس يشقى جليسهم ... لهم بيض رايات العلى في المحافل كساداتنا منهم شموس عواجة ... إلى الحكمي السامي انتساب الأفاضل ومثل أبي الغيث المقدم في العلى ... كبحر بعيد الغور نأي السواحل وشيخه ذي المجد النجيب ابن أفلح ... وأهد لهم صدر الكبار الأماثل قلت: وقد أنخت رواحل الأخبار عنه بساحة الاختصار في منازل هذا المقدار. وفي السنة المذكورة توفي الملك الصالح صلاح الدين ابن الملك الطاهر غازي ابن. الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب. وفيها توفي الإمام العلامة كمال الدين عبد الواحد ابن خطيب زملكان عبد الكريم بن

стр. 1162

خلف الأنصاري السماكي الشافعي، المعروف بابن الزملكاني صاحب علم المعاني والبيان، كان ذكيًا سريًا ذا فنون، ولي قضاء صرخد، ودرس ببعلبك، وتوفي بدمشق وله نظم رائق. وفيها توفي الشيخ محمد ابن الشيخ الكبير عبد الله الجويني. وفيها توفي صاحب الشيخ عبد الله المذكور الشيخ عثمان البعلبكي صاحب أحوال وكرامات ورياضات ومجاهدات. سنة اثنتين وخمسين وست مائة فيها تسلطن الملك المعز عز الدين. وفيها توفي الأمير فارس الدين الزكي الصالحي أقطاي، كان موصوفًا بالشجاعة والكرم اشتراه الصالح بألف دينار، فلما اتصلت السلطنة إلى الملك المعز بالغ أقطايا في الإدلال والتبختر، وبقي يركب ركبة ملك، وتزوج بابنة صاحب الحماة، وقال للمعز: أريد أن أعمل العرس في قلعة الجبل، فادخلها إلي، وكان يدخل الخزائن ويتصرف في الأموال، وأنفق المعز وزوجته شجر الدر عليه ورتبا من قتله، وغلقت أبواب القلعة، فركب مماليكه، وكانوا سبع مائة، وأحاطوا بالقلعة فألقى إليهم رأسه، فهربوا وتفرقوا. وفيها توفي مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن عبد الله الحراني الحنبلي. وفيها توفي الكمال محمد بن طلحة النصيبي المفتي الشافعي، وكان رئيساً محتشماً بارعاً في الفقه والخلاف، ولي الوزارة، ثم زهد وجمع نفسه، توفي بحلب في شهر رجب، وقد جاوز السبعين، وله دائرة الحروف، قلت: وابن طلحة المذكور لعله الذي روى السيد الجليل المقدار الشيخ المذكور، عبد الغفار صاحب الزاوية في مدينة قوص قال أخبرني الرضي ابن الأصمع، قال: طلعت جبل لبنان فوجدت فقيراً، فقال لي: رأيت البارحة في المنام قائلاً يقول. لله درك يا بن طلحة ما جدا ... ترك الوزارة عامداً فتسلطنا لا تعجبوا من زاهد في زهده ... في درهم لما أصاب المعدنا قال: فلما أصبحت ذهبت إلى الشيخ ابن طلحة، فوجدت السلطان الملك الأشرف على بابه، وهو يطلب الأذن عليه، فقعدت حتى خرج السلطان، فدخلت عليه، فعرفته بما قال الفقير، فقال: إن صدقت رؤياه فأنا أموت إلى أحد عشر يومًا وكان كذلك. قلت: وقد

стр. 1163

يتعجب من تعبيره ذلك لموته، وتأجيله بالأيام المذكورة والظاهر، والله أعلم. أنه أخذ ذلك من حروف بعض كلمات النظم المذكور، وأظنها، والله أعلم، قوله: أصاب المعدن فإنها أحد عشر حرفاً، وذلك مناسب من جهة المعنى، فإن المعدن الذي هو الغني المطلق والملك المحقق ما تلقونه من السعادة الكبرى، والنعمة العظمى بعد الموت. وفي السنة المذكورة توفي السديد المكي الدمشقي العدل آخر أصحاب الحافظ أبي القاسم بن عساكر. سنة ثلاث وخمسين وست مائة وفيها توفي الشهاب القوصي أبو المحامد إسماعيل بن حامد الأنصاري الشافعي. روى عن جماعة، وخرج لنفسه معجمًا في أربع مجلدات كبار. قال الذهبي: وفيه غلط كثير، وكان أديبًا إخباريًا فصيحًا مفوها ًبصيرًا بالفقه. وفيها توفي الإمام المفتي المعمر ضياء الذين الكلبي الشافعي وفيها توفي، النظام البلخي محمد بن محمد الحنفي نزيل حلب، كان فقيهًا مفسراً بصيرًا بالمذهب. وفيها توفي أبو الحجاج يوسف بن محمد الأنصاري أحد فضلاء الأندلس وحفاظها المتقنين، كان أديباً عارفاً فاضلاً، مطلعاً على أقسام كلام العالم من النظم والنثر، وراوياً لوقائعها وحروبها وأيامها. قال ابن خلكان: بلغني أنه كان يحفظ كتاب الحماسة تأليف أبي تمام الطائي، والأشعار الستة وديوان أبي تمام المذكور، وديوان المتنبي وديوان أبي العلاء المعري، وسقط الزند إلى غير ذلك من أشعار الجاهلية والإسلام، وجمع للأمير أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد صاحب افريقية، كتابا سماه كتاب الأعلام بالحروب الواقعة في صدر الإسلام، وابتدأ فيه بمقتل أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه، وختمه بخروج الوليد بن طريف على هارون الرشيد ببلاد الجزيرة الفراتية، وقد تقدم ذكر تلك الواقعة، ومقتل الوليد فيها. قال ابن خلكان: ورأيت هذا الكتاب المجموع، فطالعته، وهو في مجلدين، أجاد في تصنيفه وكلامه فيه كلام عارف بهذا الفن، قال: ورأيت له أيضاً كتاب الحماسة في مجلدين، وقد قرأت النسخة عليه وعليها خطه، وذكر فيه ولوعه الأدب، ومحبته لكلام العرب، وحملها له على جمع استحسنه من أشعارهم جاهليها ومخضرميها وإسلاميها

стр. 1164

ومولدها فلم أجد أقرب تبويب، ولا أحسن ترتيب، مما بويه، ورتبه أبو تمام حبيب بن أوس في كتابه المعروف بكتاب الحماسة، وحسن الإقتداء به والتوخي لمذهبه، لتقدمه في هذه الصناعة، وانفراده منها في أوفر حظ، وأنفس بضاعة، فاتبعت في ذلك مذهبه، ونزعت منزعه، وقرنت الشعر بما يجانسه، ووصلته بما يناسبه، ونقحت ذلك، واخترته على قدر استطاعتي، وبلوغ جهدي وطاقتي. ومما نقل في كتابه المذكور قول العباس بن الأحنف المشهور: تحمل عظيم الذنب ممن تحبه ... وإن كنت مظلومًا فقل: أنا ظالم فإنك إن لم تغفر الذنب في الهوى ... يفارقك من تهوى وأنفك راغم وقول الوافرالدمشقي هكذا. وقال ابن خلكان: وظني أنها لأبي فراس ابن حمدان: بالله ربكما عوجا على سكني ... وعاتباه لعل العتب يعطفه وعرضا لي وقولا في حديثكما ... ما بال عبدك بالهجران تتلفه فإن تبسم قولاً في ملاطفة ... ما ضر لو بوصال منك تسعفه وإن بدا لكما من سيدي غضب ... فغالطاه، وقولا: ليس نعرفه وقول المجنون: تعلقت ليلى وهي عني صغيرة ... ولم يبد للأتراب من ثديها عجم صغيرين ندعى البهم بالبيت أننا ... إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم البهم الصغار من أولاد الضأن، الواحد بهمة، بفتح الموحدة وسكون الهاء. وما تقدم في ترجمة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ومما ينسب إليه أنه قال حين كف بصره: إن يأخذ الله من عيني نورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نور قلبي ذكي وذهني غير في دخل ... وفي فمي صارم كالسيف مطرور سنة أربع وخمسين وست مائة فيها كان ظهور النار بظاهر المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وكانت

стр. 1165

من آيات الله العظام قيل: ولم يكن لها حر على عظمها وشدة ضوئها وهي التي أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى، فظهرت بظهورها معجزة والآية العظمى التي أخبر بها ﵌، بقوله في الحديث الصحيح: " لا تقوم الساعة حتى يظهر نار بالحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى " وكان نساء المدينة يغزلن على ضوءها بالليل على سطح البيوت، وبقيت أيامًا، وظن أهل المدينة أنها القيامة، وضجوا إلى الله، وتواتر أمر هذه الآية، وكان ظهورها في جمادى الآخرة من واد يقال له: وادي أحيليين بالحاء المهملة والياء المثناة من تحت المكررة ثلاث مرات، وضم الهمزة في أوله في الحرة الشرقية تدب دبيب النمل إلى جهة الشمال، وتأكل ما أتت عليه من أحجار أو جبال، ولا تأكل الشجر حتى أن بعض غلمان الشريف منيف بن سبحة صاحب المدينة الشريفة يومئذ أرسله الشريف المذكور مع آخر ليختبرا هل يقدر أحد على القرب منها لكون الناس هابوها لعظمها؟ فذهبا إليها وقربا منها، فلم يجد لها حراً فأدخل الغلام المذكور سهماً له فيها، فأكلت النصل دون العود، ثم قلبه فيها وأدخله من جهة الريش، فأكلت الريش حسب. وذكر بعض الناس أن علة عدم أكلها للشجري كونه ﵌ حرم شجر المدينة، وهذا الذي ذكره إنما يصح لو كان السهم المذكور متخذاً من شجر حرم المدينة الشريفة، ولكن ما عهد أن السهام تتخذ من الحرم المذكور. قلت: والذي ظهر، والله أعلم، أن هذه النار لما كانت آية في آيات الله العظام جاءت خارقة للعادة، مخالفة في تأثيرها للنار المعتادة، فإن النارالمعهود منها أكل الخشب دون الحجر، فجاءت هذه العكس من تلك تأكل الحجر دون الخشب، وهذا أبلغ في الغزو أقوى في الأثر، والله أعلم، فكانت تثير كل ما مرت عليه حتى يصير سداً لا مسلك فيه لإنسان، ولا عابة حتى أنها سدت وادي الشطاه مسد عظيم بالحجر المبسوك بالنار، حتى قال بعض المؤرخين في معرض التعظيم له: ولا كسد ذي؟؟؟ القرنين طولاً وعرضاً وارتفاعاً. قلت: وهذا تساهل منه في مبالغة لا ينبغي أن يتساهل بمثلها، فإن الله تعالى قد أخبر أن ياجوج. وماجوج مع كثرتهم. وقوتهم ما استطاعوا له صعوداً ولا نقبا، وانقطع بسبب ذلك سيل وادي الشطاه، وانحبس عون السد المذكور، وكان يجتمع الماء خلفه حتى يصير بحرًاله مد البصر عرضاًوطولاً، كأنه نيل مصر عند زيادته، ثم انخرق هذا السد من تحته في سنة تسعين وست مائة لتكاثر الماء خلفه، فجرى في الوادي المذكور سنة كاملة يملأ ما بين جنبي الوادي، وهذا الخرق المذكور ينقص ما ذكروا من تشبيهه بسدذي القرنين، ثم انخرق

стр. 1166

مرة أخرى في العشر الأول بعد السبع مائة، فجرى سنة كاملة، وأزيد، ثم انخرق في سنة أربع وثلاثين وسبع مائة، وكان ذلك بعد توتر أمطار عظيمة في الحجاز في تلك السنة، وكثر الماء وعلا من جانبي السد، ومن دونه مما يلي الجبل وغيره، فجاء سيل طام لا يوصف ومجراه ملاصق لقبة حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، وقيل: جبل عنيين بفتح العين المهملة وكسر النون بين المثناة من تحت الساكنين، وفي آخره نون. قلت: ولعله الجبل الن! ي أمر صلى الله عليه واله وسلم الرماة أن يقفوا عليه، وحفر السيل المذكور الدور، وأخر قتلى الجبل المذكور، وبقيت القبة والجبل المذكور أن في وسط السيل وتمادت مدة جريه قريباًمن سنة. قلت: وهذاالسيل المذكور قد شاهدته، وأقمت عنده أيامًا وليالي، وكشف عن عين قديمة قبل الوادي، فجددهاالأمرودي صاحب المدينة الشريفة. وفي السنة المذكورة أول ليلة من رمضان ليلة الجمعة احترق المسجد الشريف النبوي بعد صلاة التراويح على يد فراش في الحرم الشريف عرف بأبي بكر المراغي لسقوط ذبالةيده في المساق عن غير اختيار منه، حتى احترق هو أيضاً، واحترق جميع سقف المسجد الشريف، حتى لم يبق إلاالسواري قائمة، وحيطان المسجدالشريف، والحائط الذي بناه عمر بن عبد العزيز حول حائط الحجرة الشريفة المجعول على خمسةأركان لئلا يصل إلى الضريح الطاهر الشريف، ووقع ما ذكرنامن الحريق بعدأن عجزعن إطفائه كل فريق. ثم سقف المستعصم في سنة خمس من ذلك الحجرة الشريفة، وما حولها إلى الحائط القبلي، وإلى الحائط الشرقي إلى بات جبرائيل ﵇ المعروف قديمًا بباب عثمان، ومن جهة المغرب إلى المنبر الشريف، ثم قتل الخليفة المستعصم في أول السنة السادسة، فوصلت الآلات من مصر من صاحبها يومئذ الملك المنصورعلى ابن الملك المعز الصالحي، ووصل أيضًامن صاحب اليمن يومئذ الملك المظفر يوسف بن عمر بن علي بن رسول الآت وأخشاب، فعملوا إلى باب السلام المعروف قديمًابباب مروان، ثم عزل صاحب مصر، وتولى مكانه مملوك أبيه الملك المظفر سيف الدين قطر سنة ثمان وخمسين، فكان العمل في تلك السنة من باب السلام إلى باب الرحمة المعروف قديماًبباب عاتكة ابنة عبد الله بن زيد بن حارثة، كانت لها دار مقابل الباب، فنسب إليها ومن باب جبرائيل إلى باب النساء المعروف قديمًا بباب ريطة ابنة أبي العباس السفاح، وتولى مصر اخرتلك السنة

стр. 1167

الملك الظاهر ركن الدين الصالحي، فعمل في أيامه باقي المسجدالشريف، ولما احترق المنبر المذكور أرسل الملك المظفر صاحب اليمن في سنةست وخمسين بمنبر عمله، فوضع موضع منبر النبي صلى الله عليهوآله وسلم، ولم يزل إلى سنة ست وستين وست مائة يخطب عليه وزبنتاه من الصندل فأرسل الملك الظاهر هذا المنبر الموجود اليوم، فقلع منبر صاحب اليمن، وحمل إلى حامل الحرم، وهو باق إلى اليوم، ونصب هذا مكانه وطوله أربعة أذرع، ومن رأسه إلى عينيه سبعة أذرع يزيدقليلاً، وعدد درجاته سبع بالمقعد، وبين المنبر ومصلى رسول الله صلى الله عليهوآله وسلم أربع عشرة فراعاًوشبر، وبين القبر الشريف المحفوف بالنور، وبين المنبرالمشرف المذكورثلاثة وخمسون فراعًا، وبين المصلىالمبارك المذكور، وبين آخر مسجد رسول الله ﵌ القديم المشكور على ما ذكره الحافظ أبو الحسن رزين بن معاويةبن عمران العبدري الأندلسي في كتابه في ذكردارالهجرة، فإنه ذكر أن رسول الله ﵌ زاد في مسجده زيادتين، الزيادة الأخيرة بلغت فيها مساحته منها مائة ذراع، وجعل عرضه كطوله في الإتساع قلت: هذا ما اقتصرت عليه تنبيهًا على ما يحتاج إليه. وفي سنة أربع وخمسين التي وقع في الحريق المذكور، وظهور النار المذكورة، وكان غرق بغداد بزيادة دجلة زيادة ما سمع بمثلها، وغرق خلق كثير، ووقع شيء كثير من الدور على أهلها، وأشرف الناس على الهلاك، وغرقت المراكب في أزقة بغداد، وركب الخليفة في مركب، وابتهل الخلق إلى الله تعالى بالدعاء. وفيها ملكت التتار سائر الروم بالسيف. وفيهاتوفي شيخ الطريق العارف بالله ذوالتحقيق عبد الله بن محمد الرازي الصوفي، سمع الكثير من جماعة، وصحب الشيخ نجم الدين الكبري، وهومن شيوخ الدمياطي. وفيها توفي الشيخ الكبير الشأن أوالجد والاجتهاد والأحوال عيسى بن أحمد الجويني صاحب الشيخ عبد الله بن أحمد، المتقدم ذكره، كان صوامًا قوامًا متبتلاً قانتًا، منقطع القرين، حسن العيش في مطعمه وملبسه يقال له: سلاب الأحوال بجدة فيه مع ذلك. وفيها توفي الكمال أبو البركات المبارك بن حمدان الموصلي مؤلف عقود الجمان في شعراء الزمان. وفيها توفي العلامة الواعظ المؤرخ شمس الدين أبو المظفر يوسف التركي ثم البغدادي المعروف بابن الجوزي سبط الشيخ جمال الدين أبي الفرج بن الجوزي، أسمعه جده منه

стр. 1168

ومن جماعه وقدم دمشق سنةبضع وست مائة، فوعظ بهاوحصل له القبول العظيم للطف شمائله وعذوبةوعظه، وله تفسيرفي تسعةوعشرين مجلدًا، وشرح الجامع الكبير، وجمع مجلداًفي مناقب أبي حنيفةرضي الله عنه، ودرس وأفتى، وكان في شبيبته حنبليًا، ولم يزل وافر الحرمة عند الملوك، سنةخمس وخمسين وست مائة وفيها قتل صاحب مصر الملك المعزالتركماني، وكان ذاعقل ودين، ثم أقاموابعده ابنه الملك المنصورسلطانًا، وكان قتل الملك المعزفي الحمام. قتله أم خليل الآتي ذكرهاغيرة لماخطب ابنة صاحب الموصل فقتلوها. وفيهاتوفيت أم خليل المذكورة شجرةالدر كانت بارعة الحسن ذات عقل ودهاء، وأحبها الملك، الصالح، ولما توفي أخفت موته، وكانت تعلم بخطها علامته، ونالت من سعادة الدنيا أعلى الرتب بحيث أنه خطب لهاعلىالمنابر، وملكوهاعليهم أياماً، فلم يتم ذلك، وتملك المعزالمذكور، فتزوج بها، وكانت ربما تحكم، وكانت تركية ذات شهامةوإقدام وجرأة، وآل أمرهاإلىأن قتلت تحت قلعةمصرمصلوبة، ثم دفنت بتربتها. وفيهاتوفي العلامة القدوة نجم الدين أبوعبد الله محمدبن عبد الله بن، محمدبن أبي الشافعي الفرضي سمع من جماعةوبرع في المذهب ودرس بالنظامية، ثم ترسل عن الخلافة غيرمرة، وبنىبدمشق مدرسة كبيرةوولىفي آخرعمره قضاء العراق خمسة عشر يوماً، ثم مات، وكان متواضعًادمث الأخلاق سريًامحتشمًا. وفيهاتوفي الإمام العلامةشرف الدين أبوعبد الله محمدبن أبي الفضل السلمي الأندلسي المحدث المفسر النحوي، رحل إلى أقصى خراسان،. وسمع الكثير، ورأى الكبار، وكان جماعةلفنون العلم ذكياًثاقب الذهن صاحب تصانيف كثيرةمع زهد وورع وفقر وتعفف سنةست وخمسين وست مائة فيها دخلت التتار بغداد، ووضعواالسيف، واستمرالقتل والسبي نيفًاوثلاثين يومًا فقل من نجا، فيقال: إن في القتلىبلغواألف ألف وثمان مائةوكسراً، وسبب دخولهم أن الملك المؤيد ابن العلقمي كاتبهم وحرضهم على قصدبغدادلأجل ما جرى علىاخوانه الرافضةمن النهب والخزي، وظن النفيس أن الأمروأنه يبقى خليفةعلويًا، وكان

стр. 1169

يكاتبهم سرآ، ولا يسهل لهم الأمر، ولا يدع المكاتبات تصل إلى الخليفة ممن يرفع إليه الأعلام، فخاف فأشار الوزير ابن العلقمي على المعتصم بالله أني أخرج إليهم في تقرير الصلح، فخرج الخبيث، وتوثق لنفسه بالأمان، ورجع، فقال للخليفة: إن الملك قد رغب في أن يزوج ابنته بابنك الأمير أبي بكر، وأن يكون الطاعة له كما كان أجدادك مع الملوك السلجوقية، ثم ترحل، فخرج إليه المعتصم في أعيان الدولة، ثم استدعى الوزير العلماء والرؤساء ليحضروا العقد بزعمه وكيده، فخرجوا، فضربت رقاب الجميع، وصار كذلك يخرج طائفة بعد طائفة، فتضرب أعناقهم حتى بقيت الرعية بلا راع، وقتل من أهل الدولة وغيرهم ما قتل من العدد المذكور. وفيها توفي أبو الفضل زهير بن محمدالمهلبي الكاتب، كان من فضلاء عصره، وأحسنهم نظمًا ونثراًوخطًا، ومن أكثرهم مروءة، وكان قد اتصل بخدمة السلطان الملك الصالح ابن أيوب ابن الملك الكامل في خدمته إلى البلاد الشرقية، وأقام بها إلى ملك الملوك الصالح دمشق، فانتقل إليها في خدمته. قال ابن خلكان: وكنت أسمع به، حتى اجتمعت به قرابته فوق ما سمعت عنه من مكارم الأخلاق وكثرة الرياضة ودماثة السجايا، وكان الاجتماع في القاهرة لما رجع الملك الصالح إلى الديار المصرية، وكان لا يتوسط عنده إلاًبخير، فنفع خلقًاكثيرًابحسن وساطته، وجميل سفارته. وله شعر. قال ابن خلكان: وكل شعره لطيف، وذكر شيئًامنه في تاريخه، ولكن للاختصار والتخفيف لم أكتب شيئًامنه، ولا أعجبني ولا قوي عزمي الضعيف. وفيها توفي أبو العباس القرطبي أحمد بن عمر الأنصاري المالكي المحدث نزيل اسكندرية، كان من كبار الأئمة، سمع بالعرب من جماعة، واختصر للصحيحين وصنف كتاب المفهم في شرح مختصرصحيح مسلم. وفيها توفي الحافظ أبو علي الحسن بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد ببغداد هذا الاسم الشريف خمس مرات ابن عمروك التيمي البكري النيسابوري، ثم الدمشقي الصوفي، سمع بمكة، ودمشق، وخراسان، وأصفهان، وكتب الكثير، وجمع، وصنف، وشرع في مسودة ذيل على تاريخ ابن عساكر، وولي مشيخة الشيوخ، وحسبة دمشق، وعظم شأنه في دولة المعظم، ثم تضعضع شأنه وابتلى بالفالج في آخر عمره، ثم تحول إلى مصر، فتوفي بها. وفيها توفي الشرف الإربل العلامة الحسين بن إبراهيم الهمداني الشافعي اللغوي سمع

стр. 1170

من طائفة، وحفظ خطب ابن نباتة، وديوان المتنبي ومقامات الحريري. وفيها توفي الملك الناصر داود ابن المعظم ابن العادل صاحب الكرك صلاح الدين، أجاز له المؤيد الطوسي، وسمع ببغداد، وكان حنفيًا فاضلاً مناظرًا ذكيًا بصيرًا بالأدب بديع النظم ملك دمشق بعد أبيه، ثم أخذها منه عمه الأشرف فتحول إلى مدينة الكرك، فملكهااحدى وعشرين سنة، ثم عمل عليه ابنه وسلمها إلى صاحب مصر الملك الصالح، وزالت مملكته، وكان جوادًا ممدحًا. وفيها توفي المعتصم بالله عبد الملك بن المستنصر بالله العباسي أخو الخلفاء، العراقيين، وكانت دولتهم خمس مائة سنة، وأربعًاوعشرين سنة، وكان حليمًاكريمًاسليم الباطن، قليل الرأي، حسن الديانة، مبغضًاللبدعة، سمع وأجيز له، ثم رزق الشهادة في دخول التتار بغداد على ما تقدم. لما ظفر به ملكهم أمر به وبولده أبي بكر، فرفساحتىماتا، وبقي الوقت بلا خليفة ثلاث سنين. وفيها توفي الحافظ الكبير زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري الشامي ثم المصري الشافعي صاحب التصانيف، وله معجم كبير مروي، ولي مشيخة الكامليةمدة، وانقطع بها مدة نحوًامن عشرين سنة مكبًاعلى العلم والإفادة، وكان ثبتًاحجة، متبرعاًمتبحرًا في فنون الحديث، عارفًابالفقه والنحو مع الزهد والورع والصفات الحميدة. وفيها توفي الشيخ الكبير العارف بالله الخبير الفقيه الإمام، علم العلماء بالله الأعلام معدن الأسرار وبحر العلوم الجمةالمودع درر المعارف. وجواهر الحكمة الممنوع رفيع المقامات والأحوال السنية، المشهور بعظيم الكرامات والمناقب العلية. المعترف له بكثر العلوم. المشهود له بالقطبية جامع الفضائل والمفاخر والمحاسن، وعلوم الشريعة والحقيقة الظواهر والبواطن، الني نافت علومه على مائة علم وعشرة، ولم يدخل في الطريقة حتىكان بعد للمناظرة الناشر على الكون جلة كمال محاسن الطريقة، والناثر على الوجود يواقيت معارف أسرار الحقيقة المشرقات شموس معارفه غياهب الظلم الناطق لسان حاله بالعبر ولسان مقاله بالحكم. صاحب الفتح الجليل، والمنهج الجزيل والمنصب العالي، أستاذالعارفين، ودليل السالكين أبو الحسن الشاذلي علي بن عبد الله بن عبد الجبار الشريف الحسيب النسيب الحسني قئس الله تعالى روحه، وسقي بماء الرحمة ضريحه، وما نسبة القطرة من ماء البحر الزاخر، عند تعدادماجرىمن الفضائل والمفاخر.

стр. 1171

وقال الشيخ الامام العارف بالله تاج الدين بن عطاء الله: قيل للشيخ أبي الحسن من هو شيخك يا سيدي؟ في. فقال: كنت أنتسب إلىالشيخ عبد السلام بن مشيش. بالشين المعجمة المكررة وبينهمامثناةمن تحت، وفتح الميم في أوله، ثم قال: وأناالآن لاأنتسب لأحد بل أعوم في عشرة أبحر. خمسة من الأدميين النبي صلىالله عليه وآله وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وخمسة من الروحانيين جبرائيل وميكايل، وعزرائيل، وإسرافيل، والروح وقال تلميذه الشيخ الكبيرإمام العارفين، ودليل السالكين مظهر الأنوار ومقرالأسرار السامي إلىالجناب القدوسي عالي المقامات، وعالي الكرامات أبو العباس المرسي رضي الله تعالى عنه: جلت في ملكوت الله، فرأيت أبا مدين متعلقًا بساق العرش، وهورجل أشقر أزرق العينين، فقلت له: ما علومك ومامقامك؟ فقال: أماعلومي، فأحد وسبعون علمًا، وأما مقامي، فرابع الخلفاء، ورأس السبعة الأبدال قلت: فماتقول في شيخي أبي الحسن الشاذلي. فقال: زاد علي بأربعين علمًا، وهو الذي لايحاط به. ؤقال الشيخ أبو الحسن المذكور: رأيت رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم، وهو يقول: " يا علي طهر ثيابك من الدنس تحظ بمددالله في كل نفس " قلت: يارسول الله، وما ثيابي؟ فقال: اعلم أن الله تعالىقدخلع عليك خمس خلع، خلعة المحبة، وخلعة المعرفة وخلعة التوحيد، وخلغة الإيمان، وخلعة الإسلام، ومن أحب الله هان، عليه كل شيء، ومن عرف الله صغر في عينه كل شيء، ومن وحد الله لم يشرك به شيئاً، ومن آمن بالله آمن من كل شيء، ومن أسلم لله لم يعصه، وإن عصاه اعتذرإليه، وإن اعتذرإليه قبل عذره، ففهمت عند ذلك معنى. قوله : وثيابك فطهر. انتهىكل هذا مما رواه الشيخ تاج الدين بن عطاءالله المذكورفي مناقبه. وذكره الشيخ المشكورالعارف الشهورصفي الدين بن أبي منصورفي رسالته، وأثنى عليه الثناء العظيم، وذكره الشيخ الإمام السيد الجليل شيخ الحديث في زمانه قطب الدين ابن الشيخ الإمام العارف بالله أبي العباس. القشطلاني في مشيخته. وذكره الشيخ الإمام الكبير الشأن أبوعبد الله النعمان، وشهد له بالقطبية. وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله المذكور: أخبرني الشيخ العارف مكين الدين الأسمر، قال: حضرت. المنصورة في خيمةفيهاالشيخ الإمام مفتي الأنام عز الدين بن عبد السلام، والشيخ مجدد الدين علي بن وهب القشيري المدرس، والشيخ. محيي الدين بن سراقة، والشيخ مجد الدين الأخميمي، والشيخ أبو الحسن الشاذلي ﵃ أجمعين، ورسالة القشيري تقرأ عليهم، وهم يتكلمون، والشيخ أبوالحسن صامت إلى، أن

стр. 1172

فرغ كلامهم، فقالوا: يا سيدي نريدأن نسمع منك، فقال: أنتم سادات الوقت وكبراؤه، وقد تكلمتم، فقالوا: لا بد أن نسمع منك. قال: فسكت الشيخ ساعة، ثم تكلم بالأسرار العجيبة، والعلوم الجليلة، فقال الشيخ عز الدين وقد خرج من صدر الخيمة، وفارق موضعه: اسمعوا هذا الكلام الغريب القريب العهد من الله تعالى. انتهى. قلت: اسمع أنت أيها الواقف على هذا الكتاب كلام هذا الإمام الهمام علم العلماء الأعلام، العارف بالله رفيع المقام عز الدين بن عبد السلام وكلام السادة المذكورين الأولياء المشكورين، والعلماء المشهورين في تعظيمهم الشيخ أبا الحسن، ومدحهم له، وثنائهم عليه، واشاراتهم إليه، وكلام الحشوية في إنكارهم عليه وطعنهم فيه. وقول بعض أهل الشام في تاريخه: الشيخ أبو الحسن الشاذلي علي بن عبد الله بن عبد الجبار المغربي الزاهد، شيخ الطائفة الشاذلية، سكن الاسكندرية، وصحبه بها جماعة، وله عبارات في التصوف مشكلة يوهم ويتكلف له في الاعتذار عنها فهل ترجمته هذه مدح له؟ كلا، بل هي في الحقيقة قدح فيه، وغض من جميل صفاته، وخفض لعلومنزلته، ورفيع درجاته، وانتقاص لعظم شرف جلالة قدره، وانزال ما على الثريا من علا معالي فخره في تخوم ثرى أرض سماء عليا فضله. كم هي عادته في وضع أوصاف الأكابر مثله في الشيوخ الصوفية العارفين بالله أولى النور الزاهر؟ واجلال العلماء الأعلام من الأئمة الأشعرية المحققين أهل الحق الظاهر، ورفع أوصاف الأئمة الحشوية الحامدين على الظواهر، ولا يصح الاعتذار عنه يكون كتابه الذي ذكر في ترجمة الشيخ المذكور مختصر الوجهين. أحدهما أنه قد أطنب فيه بمدح كثيرين، ورفع أوصافهم ممن ذكرت والثاني أنه يمكن مع اختصار الكلام التفخيم في الوصف بذكر بعض المناقب العظام ألا ترى إلى وصفه الشيخ المذكور بقوله: الزاهد وكذلك يفعل في غيره من أكابر الصديقين والمقربين والأئمة الهداة العارفين ينابيع الأسرار ومطالع الأنوار كسيدي أحمد بن الرفاعي وغيره من أئمة العارفين السادة يقتصر في مدح الواحد منهم على الزهد الذي هو مبادىء سلوك أهل الإرادة فهلا أبدل لفظ الزاهد بالعارف، أو الإمام، أو المرشد، أو المربي، أو الرباني أو المقرب، أو الصفوة وما أشبه ذلك، وما المانع من زيادة ألفاظ يسيرة؟ مثل الشيخ العارف بحر المعارف، أو إمام الطريقة ولسان الحقيقة وأستاذالأكابر الجامع بين علمي الباطن والظاهر، أو نحو ذلك من الألفاظ اليسيرة المتضمنة لقطرة من بحر فضائلهم الشهيرة. وكذلك قوله في عباراته: إنها توهم وإنه يتكلف له في الاعتذار عنها أين قوله هذا من قول الإمام المتفق على الإجلال له، والاعظام وجلالة مناقبه العظام عز الدين بن عبد السلام المتقدم ذكره لما تكلم الشيخ أبو الحسن، وكشف الخمار عن محاسن المعارف والأسرار؟

стр. 1173

وكذلك أين قوله المذكور، وترجمته المذكورة عنه من قول الشيخ العارف الفقيه الإمام المشكور المشهور صاحب السر المودع، والفتح والمعارف والنوراني سليمان داود الاسكندراني تلميذ الشيخ الكبيرالإمام الشهير العارف بالله الخبير تاج الدين بن عطاء الله المتقدم ذكره في ترجمته عنه؟ حيث قال في ذكر بعض أوصافه: هو السيد الأجل، الكبير القطب، العارف الوارث، المحقق الرباني، صاحب الاشارات العلية، والعبارات السنية، والحقائق القدسية، والأنوار المحمدية والأسرار الربانيه، والهمم العرشية، والمنازلات الحقيقية. الحامل في زمانه لواء العارفين، والمقيم فيه دولة علوم المحققين كهف قلوب السالكين، وقبلة همم المريدين، وزمزم أسرار الواصلين، وجلاء قلوب الغافلين، منشىء معالم الطريقة بعد خفاء اثارها، ومبدىء علوم الحقيقة بعد خبوء أنوارها، ومظهرعوارف المعارف بعد خفائها واستتارها الدال على الله تعالى، وعلى سبيل جنته والداعي علىعلم وبصيرة إلى جنابه وحضرته. أوحد أهل زمانه علماً وحالاً ومعرفةً ومقالاً، الشريف الحبيب النسيب المحمدي العلوي الحسني الفاطمي الصحيح النسبين، والكريم الطرفين، فحل الفحول، إمام السالكين علي الشاذلي الذي يغنيك سمعته عن مديح ممتدح، أو قول منتحل جاء في طريق الله بالأسلوب العجيب، والمنهج الغريب، والمسلك العزيز القريب. قلت: هذا بعض وصفه الذي ذكرت فيه شيئًامن أوصافه اقتصرت عليه رغبة في الاختصار، وفي بعضه كفايةذوي الاستبصار. ومن كلامه رضي الله تعالى عنه قوله: إذا جالست العلماءفجالسهم بالعلوم المنقولات، والروايات الصحيحة. إماأن تفيدهم، أو تستفيد منهم، وذلك غاية الريح معهم، وإذا جالست العباد والزهاد، فاجلس معهم على بساط الزهد والعبادة، وحل لهم ما استمرروه، وسهل عليهم ما استوعروه، وذوقهم من المعرفة ما لم يذوقوه. وإذا جالست الصديقين، ففارق ما تعلم ولا تنتسب بما تعلم تظفر بالعلم المكنون، وبصائر أجرهاغيرممنون. وقوله: والمحبة أخذة من الله لقلب عبده عن كل شيء سواه، فترى النفس مائلة إلى طاعته، والعقل متحصناًبمعرفته، والروح مأخوذًا في حضرته،. والسرمعمورًافي مشاهدته والعبد يستزيد فيزاد ويفاتح بما هو أعذب من لذيذ مناجاته، فيكسي حلل التقريب على بساط القربة، ويمس أبكار الحقائق وثيبات العلوم، فمن أجل ذلك قالوا: أولياء الله عرائس، ولا يرى العرائس المجرمون. وقال: له قائل: قد علمت الحب، فما شراب الحب؟ وما كأس الحب؟ ومن الساقي؟ وما الذوق؟ وما الشرب؟ وما الري وما السكر وما الصحو؟ قال رضي الله تعالى عنه:

стр. 1174

الشراب هو النور الساطع عن جمال المحبوب، والكأس هو اللطف الموصل ذلك إلى أفواه القلوب، والساقي هو المتولي الخصوص الأكبر والصالحين من عباده، وهو الله العالم بالمقادير ومصالح أحبائه، فمن كشف له عن ذلك الجمال وحظي بشيء منه نفسًاأونفسين. ثم أرخى عليه الحجاب، فهو الذائق المشتاق ومن دام له ذلك ساعة أو ساعتين، فهو الشارب حقًا، ومن توالى عليه الأمر ودام له الشرب حتى امتلأت عروقه ومفاصله من أنوار الله المخزونة، فذلك هو الري، وربماغاب عن المحسوس والمعقول، فلايدري ما يقال ولا ما يقول فذلك هو السكر، وقد يدور عليهم الكاسات، وتختلف لديهم الحالات، ويرعون إلى الذكر والطاعات، ولا يحجبون عن الصفات، مع تزاحم المقدورات، فذلك وقت صحوهم، واتساع نظرهم ومزيد علمهم، فهو نجوم العلم، وقمر التوحيد يهتدون في ليلهم، وبشموس المعارف يستضيئون في نهارهم،) أولئك حزب الله ألاإن حزب الله هم المفلحون (وله من الكرامات من المكاشفات وغيرها ما لا يحتمل ذكره هذا الكتاب من ذلك ما ذكره تلميذ الشيخ أبو العباس المرسي المتقدم ذكره، قال: خرجت من المدينة الشريفة لزيارة قبر عم رسول الله ﵌ حمزة ﵁، فلما كنت في أثناء الطريق تبعني إنسان، فلما وصلنا لقينا باب القبة مغلقًا، ثم انفتح لنا ببركة رسول الله ﵌، فدخلنا فلقينا عنده رجل يدعو، فقلت لرفيقي، هذا من الإبدال، والدعاء في هذه الساعة مستجاب، فدعا إلى الله تعالى أن يرزقه ديناراً وسألت الله أن يعافيني من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة، فلما رجعنا وقربنا بالمدينة لقينا إنسانًا، فأعطى رفيقي ديناراً، فلما دخلنا المدينة. وقع نظر الشيخ أبي الحسن علينا، فقال لرفيقي: يا خسيس الهمة صادفت ساعة اجابة، ثم صرفتها إلى دينار هلا كنت مثل أبي العباس سأل الله تعالى أن يعافيه من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة وقد فعل له ذلك؟ قلت: هذا معنى ما روي عنه، وإن لم تكن جميع ألفاظها بعينها. ومن ذلك ما اشتهر أنه لما دفن بحميراًعذب ماؤها بعد أن كان ملحًا، وهي صحراء عيذاب، وتوفي فيها متوجهاًإلى بيت الله الحرام، وقبره هناك مشهور مزور على ممر الأيام، والشيخ أبو الحسن الشاذلي المذكور مبدأ ظهوره بشاذلة على القرب من تونس. قال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله: لم يدخل في طريق القوم، حتى كان يعد للمناظرة، وكان متضلعاً بالعلوم الظاهرة، جامعاً لفنونها عن تفسير وحديث ونحو وأصول وآداب، وكانت له السياحات الكثيرة، ثم جامحه بعد ذلك العطاء الكثير والفضل الغريز، واعترف بعلو منزلته من عاصره من أكابر العلماء والأولياء العارفين بالله تعالى، وهذا ما

стр. 1175

اقتصرت عليه من ترجمته. وفي السنة المذكورة توفي الشيخ الجليل صاحب الأحوال والكرامات الشيخ علي المعروف بالخباز أحد مشايخ العراق قتل شهيداً. وفيها توفي المقرىء العلامةمحمدبن أحمد الموصلي الحنبلي الذي اختصر الشاطبية، كان شابًا فاضلاً صالحًا محققًا، توفي بالموصل وعمره ثلاث وثلاثون سنة. وفيها توفي الإمام أبوعبد الله محمدبن الحسن المغربي المقرىء صنف شرح شاطبية قرأ على رجلين قرأ على الشاطبي، وكان فقيهًابارعاً عارفًا متفننًا متين الديانة جليل القدر تصدرللإقراء بحلب مدة. وفيها توفي الوزيرالرافضي ابن العلقمي المتقدم ذكره محمد بن محمدالملقب مؤيد الدين، ولي وزارة العراق أربع عشرة سنة، وكان ذا حقد وغل على أهل السنة، قرر مع التتاز أمورًا كانت سبب دخولهم بغداد، ثم انعكس حاله وأكل يده ندمًا، وبقي بعد تلك الرتبة الرفيعة في حالة وضيعة، وصاحت امرأة به وهو ماريا ابن العلقمي أهكذا كنت في أيام أمير المؤمنين. وولي مع غيره وزارة التتار على بغداد بطريق الشركة، ئم مرض بعد قليل، ومات غمأ وتعبًا. وفيها توفي الشيخ الصالح القدوة أبو زكريا يحيى بن يوسف الصرصري، الأصل البغدادي الضرير، وكان إليه المنتهى في معرفة اللغة وحسن الشعر، وديوانه مشهورومدائحه سائرة قيل، إنه قتل بعض التتار بعكازة، ثم استشهد. وفيها توفي سفير الخلافة محيىالدين يوسف ابن الشيخ أبي الفرج عبد الرحمن المعروف بابن الجوزي، كان أستاذ دار المعتصم، كثير المحافظة، قوي المشاركة في العلوم، وافر الحشمة ضربت عنقه هو وأولاوده. سنة سبع وخمسين وست مائة فيها قبض غلمان المعز على ابن أستاذه الملك المنصور، وتسلطن ولقب بالملك المظفر لحاجة الوقت إلى ملك كاف. وفيها توفي المحدث المعمر أبو العتاس أحمد بن محمد الفارسي نزيل القاهرة، وكان صالحاً عالمًاخيرًا، روى بالإجازة العامة عن أبي الوقت.

стр. 1176

وفيهاتوفي صاحب الموصل الملك الرحيم بدرالدين لؤلؤالأرمني مملوك نورالدين أرسلان شاه، كان مدير دولة أستاذه، ثم آل أمره إلى أن استقلىبالسلطنة، وكان حازما شجاعًا مدبرًا خبيرًا. سنة ثمان وخمسين وست مائة في ثاني صفرمنهانزل ملك التتارعلى حلب، فلم يصبح عليهم الصباح إلاوحفرواعليهم خندقاً عمق قامة، وعرض أربعة أذرع، وبنوا حائطًا ارتفاعه خمسة أذرع، ونصبواعشرين منجنيقاً، وألحوابالرمي، وشرعوافي نقب السور، وفي تاسع صفر ركبوا الأسوار، ووضعوا السيف يومهم، ومن الغد، فقتل أمم وأسرخلق، وبقي القتل والسسبي خمسة أيام، ثم نودي برفع السيف، وأذن مؤذن يوم الجمعةبالجامع، وأقيمت الجمعةبأناس، ثم حاطوا بالقلعة فحاصروها، ووصل الخبر يوم السبت إلى دمشق، فهرب أناس، ثم حملت مفاتيح الحماة إلى الطاغية المذكورة، واسمه هولا، وحاصرت التتار دمشق ورموا برج الطارمه بعشرين منجنيقًا، فتشقق، وطلب أهلها الأمان فلبوهم، وسكنهااليل كنيعًا، وتسلموابعلبك وقلعتها، وأخذوانابلس ونواحيهابالسيف، ثم ظفروا بالملك فأخذوه بالأمان، وصاروابه إلى ملكهم فرعى له محبته وبقي في خدمته أشهراً، ثم قطع العزلة راجعاً، وترك بالشام فرقة من التتار، وتأهب المصريون وشرعوا في المسير، ثارت النصارىبدمشق، ورفعت رؤوسها، ورفعوا الصليب ومروابه، وألزموا الناس القيام له حوانيتهم ووصل جيش الإسلام للملك المظفر، فالتقىالجمعان علىعين جالوت غربي بيسان، ونصرالله دينه الظاهر على سائرالأديان، والحمدلله للطيف المنان، وقتل المصاف مقدم التتار كنيعًا، وطائفة من أمراء المغل، ووقع بدمشق النهب والقتل النصارى، وأحرقت كنيسةمريم، وذلك في أواخر رمضان، وعيدالمسلمون علىعظيم، فلمارجع الملك المظفر بعد شهر إلى مصر أضمر شرًا لبعض أهل الدولة وآل الأمرإلى أن رماه بهادرالمغربي بسهم قضى عليه بقرب قطبة، وتسلطن ركن الدين الملك الظاهر، وكان قد ساق وراءالتتار إلى حلب، وطمع في أخذ حلب، وقال: وقدوعده بهاملك المظفرفلمارجع أضمرله الشر، وخلف الأمراءبدمشق لنائبهاعلم الدين الحلبي

стр. 1177

ولقب الملك المجاهد، وخطب له بدمشق مع الملك الظاهر، وفي آخر السنة كرت التتار على حلب فأخذوها. وفيها توفي قاضي القضاة صدرالدين أحمد بن يحيى بن هبة الله الدمشقي الثافعي، والملك المعظم ابن السلطان الكبير صلاح الدين، والملك السعيد حسن بن عبد العزيز، وعثمان ابن العادل صاحب صينيةوبانياس تملك بعد أخيه الملك الظاهر، فأخذ الصينية منه الملك الصالح، وأعطاه أمرة مصر، فلما قتل المعظم بن الصالح ساق إلى غزة، وأخذ ما فيها وأتى الصينية فتملكها، وكان بطلاً شجاعًا قاتل يوم عين جالوت، فلما انهزمت التتار جاء إليه الملك المظفر، فضرب عنقه، والملك المظفر سيف الدين قطر. بالقاف والطاء المهملة والزاي فالمربى، كان بطلاً شجاعًا دينًا مجا هدًا انكسرت التتارعلى يده، واستعاد منهم الشام، وكان أتابك الملك المنصور على ولد أستاذه، فلمارآه لا يغني شيئًاعزله، وقام في السلطنة. وفيها توفي الشيخ الفقيه الإمام الحافظ محمد بن أحمد الجويني، لبس الخرقة من الشيخ عبد الله البطائحي، عن الشيخ عبد القادر، ورثاه الشيخ عبد الله الجويني، وكان عالمًا زاهدًا خاشعاً قانتًا، عظيم الهيبة، مليح الصورة، حسن السمت والوقار. وفيها توفي الحافظ العلامة أبوعبد الله محمد بن عبد الله القضاعي الكاتب الأديب، أحد أئمة الحديث، قرأ القراءات، واطلع على الأثر، وبرع في البلاغة والنظم والنثر، وكان ذا جلالة ورياسة. قتله صاحب تونس ظلمًا. وفيها توفي الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر غازي ابن الملك العادل، كان عالماً فاضلاً شجاعًا عادلاً محسنًا إلى الرعية ذا عبادة وورع، لم يكن في بيته من يضاهيه حاصرته التتار عشرين شهرًاحتى فني أهل البلد بالوباء والقحط، ثم دخلواوأسروه، فضرب ملكهم عنقه، وطيف برأسه، ثم علق على باب الفراديس بعد أخذ حلب، ثم دفنه المسلمون بمسجد الرأس داخل الباب. وفيها توفي ابن قوام الشيخ الكبير أبو بكر ابن قوام البالسي، كان زاهداًعابداً قدوة صاحب حال، وكشف وكرامات، وله رواية. سنةتسع وخمسين وست مائة في أولها اجتمع خلق من التتار، فأغاروا على حلب، ثم ساقوا إلى حمص لما بلغهم

стр. 1178

مصرع الملك المظفر، فصادفوا على حمص الأشرف صاحب حمص والمنصورصاحب حماة، وحسام الدين في ألف وأربع مائة والتتار في ستة آلاف، فالتقوهم، وحمل المسلمون حملة صادقة، وكان النصر والحمد لله، ووضعوا السيف في الكفار قتلاًحتىأبادوا أكثرهم وهرب مقدمهم بأسوأ حال، ولم يقتل من المسلمين سوى رجل واحد، ودخل علم الدين الحلبي الملقب بالملك المجاهد قلعة دمشق، فنازله عسكر مصر، فبرز إليهم وقاتلهم، ثم رد فلما كان في الليل هرب، وقصد قلعة بعلبك، فقضى بها فقبض عليه علاء الدين الوزيري، وقيده، ثم حبسه الملك الظاهر مدة طويلة. وفي رجب منها بويع بمصر المستنصر بالله أحمد بن الظاهرمحمد بن الناصرلدين العباسي الأسود، وفوض الأمور إلى الملك الظاهر، ثم قدما دمشق، فعزل عن القضاءنجم الدين بن سني الدولة، وولي مكانه الإمام العلامة أبو العباس ابن خلكان، ثم سار المستنصر ليأخذ بغداد ويقيم بها، فوقعت بينه وبين التتار الذين في العراق مصاف، فعدم المستنصر في الوقعة. وفيها توفي الإمام القدوة الحافظ العارف سيف الدين أبو المعالي سعيد بن المظفرالباخرزي صاحب الشيخ نجم الدين الكبري، وكان إمامًافي السنةرأسًافي التصوف. وفيها توفي الملك الظاهر غازي شقيق السلطان الملك الناصر، يوسف وأمهما تركية كان شجاعاًجوادًا، قتل مع أخيه بين يدي الطاغية الكافر ملك التتار. وفيها توفي ابن سيدالناس الخطيب الحافظ محمدبن أحمد الإشبيلي، وعني بالحديث، فأكثر وحصل الأصول النفيسة، وختم به معرفة الحديث بالمغرب. توفي بتونس في رجب. وفيهاتوفي الملك الناصرصلاح الدين يوسف بن العزيز بن الظاهرابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين ابن أيوب سلطنوه بعد أبيه، وهو ابن سبع سنين، ودبر المملكةشمس الدين لؤلؤ، والأمر كله راجع إلى جدته الصاحبة صفية ابنة العادل أخت الملك الكامل لأجل هذا سكت عنها، فلما ماتت استقل واشتغل عنه بعمه الملك الصالح، وعمره إذ ذاك نحو أربع عشرة سنة، ثم أخذ عسكره له حمص، ثم سارهو، وتملك دمشق، ودخل بابنةالسلطان علاء الدين صاحب الروم، وكان حكيمًا جوادًا موطأ الأكناف، حسن الأخلاق فيه بعض عدل مع ملابسة الفواحش على ما قيل، وكان للشعراء دولة في أيامه لأنه كان يقول

стр. 1179

بالشعر، ويجيزعليه، ثم عمل عليه حتى وقع في قبضة التتار، وذهبوابه إلى ملكهم هولا فأكره، فلمابلغه كسرجيشه علىعين جالوت غضب، وتنمروأمربقتله فتذلل له، فأمسك عن قتله، فلما بلغه كسر جيشه مرة أخرى استشاط عدو الله، وأمر بقتله، وقتل أخيه الظاهر، وكان شابًا حسن الشكل، مليح الخلق. سنة ستين وست مائة فيها أخذت التتار الموصل بخديعة بعد حصار أشهر، وضعوا السيف في المسلمين تسعة أيام، وأسرواصاحبها الملك الصالح إسماعيل، ثم قتلو، بعد أيام، وقتلوا ولده علاء الملك. وفيها عدم المستنصر بالله أحمد بن الظاهر بأمر الله العباسي الأسودقدم مصر، وعقدوا له مجلس فائد يؤانسه، ثم بدأ الملك الظاهر بمبايعته، ثم الأعيان على مراتبهم، فلقب بلقب أخيه صاحب بغداد، ثم صلىبالناس يوم الجمعة، وخطب، ثم ألبسه السلطان خلعةبيده وطوقه، وأمر له بكتابة تقليد الأمر، وركب السلطان بتلك الخلعة، وزينت القاهرة، وهو الثامن والثلاثون من خلفاء بني العباس، وكان جسيمًاشجاعًاعالي الهمة، ورتب له السلطان أتابك أستاذ داروحاجب، وكاتب انشاء، وجعل له خزانةومائه فرس، وثلاثين بغلاً، وستين جملاً، وعدة مماليك فلما قدم دمشق وسار إلى العراق استماله الحاكم بأمر الله العباسي، أنزله معه في دهليزه، ثم دخل المستنصرهيت، ثم التقى المسلمون التتار، فانهزم التركمان والعرب، وأحاطت التتار بعسكر المستنصر، فحرقواوساقوا، فنجا طائفةمنهم الحاكم، وقتل المستنصر، وقيل: عدم ولم يعلم ما جرى له، وقيل: قتل ثلاثة من التتار، ثم تكاثروا عليه، واستشهدوا رحمه الله تعالى. وفيهاتوفي الشيخ الفقيه العلامةالإمام المفتي المدرس القاضي الخطيب سلطان العلماء، وفحل النجباء المقدم في عصره على سائر الأقران، بحر العلوم والمعارف والمعظم في البلدان، ذو التحقيق والاتقان والعرفان والإيقان. المشهود له بمصاحبة العلم والصلاح الجلالة والوجاهة والاحترام الذي أرسل النبي صلىالله عليه وآله وسلم إليه مع الولي الشاذلي بالسلام، مفتي الأنام وشيخ الإسلام، عز الدين عبد العزيزبن عبد السلام أبي القاسم السلمي الدمشقي الشافعي قال أهل الطبقات: سمع من عبد اللطيف بن أبي سعد، والقاسم ابن عساكر وجماعة، وتفقه على الإمام العلامة فخر الدين ابن عساكر، وبرع في،

стр. 1180

الفقه والأصول والعربية، ودرس وأفتىوصنف المصنفات المفيدة، وأفتىالفتاوى السديدة، وجمع من فنون العلم العجب العجاب من التفسير والحديث، والفقه، والعربية، والأصول، واختلاف المذاهب والعلماء، وأقوال الناس ومأخذهم، حتى قيل: بلغ رتبة الاجتهاد، ورحل إليه الطلبة من سائر البلاد، وعنه أخذ الشيخ الإمام شرف الدين الدمياطي، والقاضي الإمام المفيد تقي الدين بن دقيق العيد وخلق كثير، وبلغ رتبة الاجتهاد، وانتهت إليه معرفةالمذهب مع الزهدوالورع، وقمعة للضلالات والبدع، وقيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك مما عنه اشتهر، قالوا: وكان مع صلابته في الدين، وشدته فيه حسن المحاضرة بالنوادر والأشعار يحضر السماع ويرقص. قلت: وهذا مما شاع عنه، وكثرشهوده، وبلغ في الاستفاضة والشهرة مبلغاً لايمكن جحوده، وذلك من أقوى الحجج على من ينكر ذلك من الفقهاء على أهل السماع من الفقراء والمشائخ أهل المقامات الرفاع أعني صدور وذلك عن مثل الإمام الكبير الذي سبق أئمة زمانه بدمشق. بل سبق كثيرًامن السابقين المتقدمين على أوانه وأرى نسبة فعله هذامع انكار الفقهاء غالبًا في سائر البلاد كنسبة ذهاب الإمام الكبير المحدث الحافظ أبي القاسم ابن العساكرإلى مذهب الأشعرية في الاعتقاد مع مخالفة طائفة من المحدثين اعتقدوا علىالظواهر، وحادواعن منهج الحق الباهج الظاهر، فكل واحد منهما مع غزير علمه وجلالته وتقدمه على. أقرانه في فنه وإمامته حجة على المشارإليهم من أهل ذلك الفن المخالفين من خلائق منهم لا يحصون على ذلك موافقين من الأئمة الكبار السابقين واللاحقين، كالفقيه الإمام الجليل المحدث أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي، والفقيه الإمام الجليل المحدث محيي الدين النواوي، والفقيه الإمام الجليل المحدث أبي العباس أحمد بن أبي الخير اليمني وغيرهم من المحدثين أولى المناقب الحميدة الموافقين في العقيدة، وكالفقيه الإمام الكبير المتفنن الأستاذ أبي سهل الصعلوكي، والفقيه الإمام السعيد السيد الشهيرالعارف بالله: الخبير الأستاذ أبي القاسم الجنيد، والفقيه الإمام المشكور العارف بالله المشهورمحمدبن حسين البجلي اليمني وغيرهم من الفقهاء أولى النفع والانتفاع الواجدين الداخلين في السماع، ولكن ذلك بشروط عند علماءالباطن ذكرتها في كتاب الموسوم بنشر المحاسن مع موافقتهم أيضاًفي العقيدة المذكورة الصحيحة المشهورة. قلت: وكان عز الدين المذكوررضي الله تعالى عنه، يصدع بالحق، ويعمل به متشدداً في الدين لاتأخذه في الله لومة لائم، ولايخاف سطوة ملك ولا سلطان، بل يعمل بماأمرالله ورسوله، وما يقتضيه الشرع المطهر، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر كأنه رضي الله تعالىعنه جبل إيمان. يصادم السلطان، كائنًاماكان، بمشافهة الإنكار، تحت عظام

стр. 1181

الأخطار، فقيل له: في ذلك في وقت فقال: استحضرت عظمة الله، وكان السلطان في عيني أصغرأوقال: أحقرمن كذاوكذاوأنكر رضي الله تعالى عنه صلاة الرغائب، والنصف من شعبان. قلت: وقع بينه وبين شيخ دارالحديث الإمام أبي عمرو بن الصلاح ﵀ في ذلك منازعات ومحاربات شديدات، وصنف كل واحد منهما في الرد على الآخر، واستصوب المتشرعون المحققون مذهب الإمام ابن عبد السلام في ذلك، وشهدوا له بالبروز بالحق الصواب في تلك الحروب والضراب، وكأن ظهور ثوابه في ذلك جديرًابماأنشده في عقيدته في الاستشهاد على ظهور الحق: لقدظهرت فلاتخفىعلى أحد ... إلاعلىأكمه لايعرف القمر إذ لم يرو في ذلك عن جهة السنة ما يقتضي فعل ذلك، وإن كان قد ظهر لهما شعار في الأمصار، وصلاهماالعلماء الأحبار والأولياء الأخيار، وأدركت ذلك في الحرمين الشريفين حتى تكرر الإنكار في ذلك، واشتهر بين الناس مقال الإمام المؤيد الموفق للذب عن السنة، وتحرير الصواب، الحبر المحدث الخاشع الأواب محيي الدين النواوي رحمة الله عليه في صلاة الرغائب قاتل الله واضعهمامع أنهما إلى هذا الزمن يصليهما أهل اليمن، لعمري إنهما لو فعلا في عهد الرسول ﷺ وأصحابه لاستفاض ذلك، اشتهر كما اشتهر ما هو أخفى من ذلك في الخبر، وإذ لم يرد فعل ذلك، وما تضمنه من شعار كان ذلك بدعة ينبغي فيها الإنكار، وليس الحسن الظن مدخل في احداث شعار لم يكن في الإسلام مع قوله عليه أفضل الصلاة والسلام: " من حدث في أمرنا هنا ما ليس منه، فهورد " وقوله: " كل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة نعم لو صلاهما إنسان وحده مع اعتقاه أنهما ليستا بسنة لم أربذلك بأساً " والله أعلم. وأما ما احتج به بعض الناس من قوله تعالى: " أرأيت الني ينهى عبدًا إذا صلى " سورة العلق:، فهو احتجاج باطل فإن الآية الكريمة نزلت في قضية أبي جهل، ونهيه للنبي ﵇، عن الصلاة ومنعه له بزعمه منها، فمنعه الله عن ذلك المرام بما أراه مايهول من الآيات العظام. ولما سلم الملك الصالح إسماعيل ابن الملك العادل صفدقلعة في بلاد الشام. ساء ذلك المسلمين، ونال منه الشيخ الإمام عزالدين على المنبر، ولم يدع له في الخطبة

стр. 1182

وكان خطيبًا بدمشق، فغضب الملك المذكور، وعزله وسجنه، ثم أطلقه، فتوجه إلى الديار المصرية هو والإمام ذوالفهم الثاقب المعروف بابن الحاجب، بعد أن كان معه في الحبس، فتلقاه الملك الصالح نجم الدين أيوب صاحب مصر، وأكرمه وأجله واحترمه، وفوض إليه قضاء مصر، وخطابة الجامع، فقام بذلك أتم قيام، وتمكن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى اتفق أن بعض الأمراء بنىمكانًا على سطح مسجد، فأنكر ذلك، وقيل: هدمه، ثم علم أن ذلك شق على الوزير، فحكم بفسق الوزير وعزل نفسه عن القضاء، فلما بلغ ذلك حاشية الملك شق عليهم، وأشاروا على الملك أن يعزله من الخطابة لئلا يتعرض لسب الملك على المنبر، فعزله، فلزم بيته يشغل الناس ويدرس. وذكروا أنه لما مرض مرض الموت بعث إليه الملك الظاهر يقول من أولادك يصلح لوظائفك؟ فأرسل إليه، ليس فيهم من يصلح لشيء منها، فأعجب ذلك السلطان منه، ولما مات حضر جنازته بنفسه، والعالم من الخاص والعام. ومن مصنفاته الجليلة كتاب التفسير الكبير، وكتاب القواعد الكبرى ومختصر النهاية، وكتاب العقيدة، وكتاب شجرة الأخلاق الرضية والأفعال المرضية، ومختصر الرعاية، وكتاب الإمام في أدلة الأحكام وغير ذلك، وكانت له مشاركة يقوم به أحسن قيام، وكانت له يد طولى في تعبير الرؤيا وغير ذلك. دخل بغداد في سنة تسع وتسعين وخمس مائة، واتفق يوم دخوله موت الإمام أبي الفرج ابن الجوزي، فأقام بها أشهراً، ثم عاد إلى دمشق، وولاه الملك الصالح ابن الملك العادل خطابة الجامع الأموي بعد ولايته التدريس بزاوية الغزالي، وهو من الذين قيل فيهم علمهم كثر من تصانيفهم لا من الذين عبارتهم دون درايتهم، ومرتبته في العلوم الظاهرة مع السابقين في الرعيل الأول، وأما في علوم المعارف، والعلم بالله وحضور هيبته، واستيلاء جلالته وعظمته على قلوب أهل ولايته، ومعرفته وغير ذلك مما هو معروف عند أهله. وقد قسم الناس في المعرفة أقسامًاوعد نفسه رضي الله تعالى عنه من القسم الثالث بعد أن ذكر أن القسم الأول هم الذين تحضرهم المعارف من غير استحضار وتفكر واعتبار ولا تغيب عنهم في سائر الأحوال، والقسم الثاني هم الذين تحضرهم بغير استحضار أيضاً لكن تغيب عنهم في بعض الأحيان. والقسم الثالث هم الذين تحضرهم باستحضار من غيردوام واستمرار، ثم قال: كأمثالنا. هذا معنى كلامه في الأقسام المذكور وإن اختلفت العبارات في بعض الألفاظ. وقد ذكرت في غير هفا الكتاب قضية وقعت له مما يؤيد عظيم فضله وعلومحله وهو ما أخبرني به بعض أهل العلم أن الإمام عز الدين المذكور احتلم في ليلة بارعة فأتى إلى

стр. 1183

الماء، مؤجده جامداً، فكسره واغتسل، فغشي عليه فسمع يقال له: لأعوضنك بها عزالدنيا والآخرة، وكان مع هذه الجلالة التي حازها، والعلوم التي حواها ينظم الأشعار. السهلة. قال الشيخ تاج الدين ابن المحب: أنشدني صديقنا سديد الدين أبو محمد الحسن بن الوليد الطبي الفقيه الشافعي قال: أنشدني قاضي القضاة عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام لنفسه في قصيدةقوله: أوجه وجهي نحوهم مستشفعًا ... إليهم بهم منهم إذاالخطب أعياني فهم كاشفو ضري وكربي وشدتي ... وهم فارجوهمي وغمي وأحزاني وهم واهبو الأبصار والسمع والنهي ... وهم عالمو سري وجهري وإعلاني وإن مذنب يومًاأتىمتنضلاً ... ومعتذرًا حنواً عليه بغفران وإن سائل يومًاأتاهم بفاقة ... ومسكنةجادوا، عليه باحسان بروح رجائي فيك يبقى حشاشتي ... وخوف معادي منك قد هدأركاني فأصبحت ما إن لي إليك وسيلة ... سوى فاقتي والذل مني وإذعاني توفي رحمه الله تعالى بمصر سنة ستين وست مائة، وشيعه، الملك الظاهر، وكان قد ولي قضاءالقضاة، وعزل نفسه رضي الله تعالى عنه، وعمره اثنتان وثمانون سنة. وفيهاتوفي ابن العديم الصاحب العلامةالمعروف بكمال الدين عمربن أحمدالعقيلي الحلبي من بيت القضاء والحشمة. سمع بدمشق وبغدادوالقدس والنواحي، وأجاز له المؤيدوخلق، وكان قليل المثل عديم النظر فضلاً ونبلاً ورأيًا وحزمًا وذكاءً وبهاءً وكتابةً وبلاغةً، ودرس وأفتى، وصنف وجمع تاريخاًلحلب نحوثلاثين مجلدًا، وولي خمسةمن آبائه علىنسق القضاء، وقد ناب في سلطنة دمشق، وعمل من الناصروتوفي بمصر. سنة احدى وستين وست مائة عقد في أولها مجلس عظيم للبيعة. وجلس الحاكم بأمرالله أبوالعباس أحمدابن الأميرابن أبي علي حفيد المسترشد بالله العباسي، فأقبل عليه الملك الظاهرومديده إليه وبايعه بالخلافة، ثم بايعه الأعيان، وقلد حينئذ السلطنة للملك الظاهر. فلما كان من الغدخطب للناس خطبة حسنةأولها: الحمد لله الذي أقام لآل العباس ركنًاوظهيرًا، ثم كتب بدعوته وإمامته إلى الأقطار، وبقي فى الخلاقةأربعين سنةوأشهرًا. وفيها خرج الظاهرإلىالشام، وتحيل على صاحب الكرك الملك المغيث حتىنزل إليه، وكان آخر العهدبه، وأعطى ولده بمصر مائة فارس، ثم قبض على ثلاثة أنكروا عليه

стр. 1184

علامة المغيث، وكانوا له نظراء في الجلالةوالرتبة، وهم الرشيدي وأقوس التركي والدمياطي وفيها وصل مقدم التتار في طائفة كثيرةقدأسلموا، وأنعم عليهم الملك الظاهر. وفيها توفي الفقيه الإمام الجليل سليمان بن خليل العسقلاني الشافعي خطيب الحرم سبط عمر بن عبد العزيز الميانشي قلت: وهو الذي جمع المنسك الكبير المفيد المعروف بين فقهاء مكة بمناسك الفقيه سليمان. وفيها توفي المقرىء النحوي المتكلم شيخ القراء بالشام أبومحمدالقاسم بن أحمدالمرسي شيخ القراء صاحب الشاطبي، وتزوج ابنته أبو الحسن بن علي بن شجاع الهاشمي العباسي المصري الشافعي. سنة اثنتين وستين وست مائة فيها توفي شيخ الشيوخ شرف الدين عبد العزيز بن محمد الأنصاري الدمشقي، ثم الحموي الشافعي، الأديب، كان أبوه قاضي حماة، ويعرف بابن الرفا له محفوظات كثيرة وفضائل شهيرة، وحرمة وجلالة. وفيهاتوفي الملك المغيث عمر بن عبد العزيز بن الكامل ابن العادل، حبس بعد موت عمه الصالح بالكرك، فلماقتلواابن عمه المعظم أخرجه معتمد الكرك الطواشي، وسلطنه بالكرك كان كريمًامبذراً للأموال، فقل ما عنده حتى سلم الكرك إلى صاحب مصر، ونزل إليه، فخنقه ولذلك خنق عمه وأباه العادل. وفيها توفي ابن سراقة الإمام محيي الدين أبو بكر محمد الأنصاري الشاطبي شيخ الحديث الكاملية بالقاهرة، سمع من جماعة، وله مؤلفات. وفيها توفي الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن المنصور ابن المجاهد صاحب حمص، والرحبة. وفيها توفي القارىء أبو القاسم بن المنصور الاسكندراني، كان صالحًا قانتًا مخلصاً

стр. 1185

مع الزهد والورع البالغ، كان له بستان يعمله ويتبلغ منه، وله ترجمة منفردة جمعها ناصر الدين بن المنير. وفيها أو في التي بعدها توفي ناظم الوترية، الفقيه الشافعي، الواعظ أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن الرشيد البغدادي، كان فقيهاً واعظاً عارفاً بالفقه والخلاف. أعاد لأمية بغداد، وقدم مصر والإسكندرية، ووعظ بها، وسمع منه جماعة منهم الإمام العلامة شرف الذين أبو العباس أحمد بن عثمان السخاوي الشافعي إمام الأزهر، والإمام العلامة قاضي القضاة بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة، سمع منه قصائده الوتريات، ورافقه في الحج، ودخل الأفريقية، وجال في بلاد المغرب، وكان ظاهر التدين والصلاح. سنة ثلاث وستين وست مائة فيها كانت ملحمة عظيمة بالأندلس التقى فيها ملك الفرنج، وأبو عبد الله بن الأحمر سلطان المسلمين، ثم انهزم الملاعين، وأسر ملكهم، ثم أفلت، وحشد وجيش ونازل غرناطة، فخرج إليهم ابن الأحمر، وكسرهم أيضاً، وأسر منهم عشرة آلاف، وقتل مسلمون منهم فوق الأربعين ألفاً، وجمعوا كوماً هائلاً من رؤوس الفرنج، وأذن عليه مسلمون، واستعادوا عدة مداين من الفرنج. وفيها قدم السلطان، فحاصر قيسارية، وافتتحها عنوة، وغصب القلعة أياماً ثم أخذت مع غيرها بالسيف، ثم رجع فسلطن ولده الملك السعيد المغفور. وفيها جدد بديار مصر أربعة حكام من المذاهب لأجل توقف تاج الدين ابن بنت الأغر عن تنفيذ كثير من القضايا فتعطلت الأمور، فأشار بهذا جمال الدين أيد غدي العزيزي، فأعجب السلطان، وفعله في آخر السنة، ثم فعل ذلك بدمشق. وفيها ابتدئ لعمارة مسجد رسول الله ﵌، ففرغ في أربع سنسن. وفيها حجب الخليفة الحاكم بقلعة الجبل. وفيها توفي المعين المقرئ القرشي المحدث المتقن أبو إسحاق إبراهيم بن عمر، كتب فأكثر، وتوفي فجاءة. وفيها توفي الحافظ ابن السيد محمد بن يوسف الأزدي الغرناطي سمع من جماعة كثيرة وجمع وصنف.

стр. 1186

وفيها توفي بمكة بدر الدين السنجاري الشافعي قاضي القضاة أبو المحاسن يوسف بن الحسن الزرادي، كان صدراً معظما جواداً ممدحاً، ولي قضاء بعلبك وغيرها، ثم ولاه الملك الصالح عجم الدين أيوب مصر، والوجه القبلي، ثم ولي قضاء القضاة بعد شرف الدين ابن عين الدولة، وباشر الوزارة، وكان له من الخيل والمماليك ما ليس لوزير مثله، ولم يزل في الارتفاع إلى أوائل الدولة الظاهرية، فعزل ولزم بيته. ؟ سنة أربع وستين وست مائة فيها توفي عز الدين الملك الظاهر، ورتب جيوشه بالسواحل، فأغاروا على بلاد عكا، وصور، وطرابلس، وحصن الأكراد، ثم نزلوا على صفد، فأخذت في أربعين يوماً خديعة، ثم ضربت رقاب مائتين عن فرسانهم، وقد استشهد عليها خلق كثير، وفيها استباح المسلمون داره، وسبي منها ألف نفس، وجعلت كنيستها جامعاً. وفيها توفي الإمام جمال الدين أحمد بن عبد الله بن شعيب اليمني الصقلي ثم الدمشقي المقرئ الأديب وأيد غدي العزيزي الأمير الكبير جمال الدين. كان جليل القدر شجاعاً مقداماً عاقلاً محتشماً كثير الصدقات، حسن الديانة من جلة الأمراء ومتميزيهم حبسه المعز مدة، ثم أخرجه يوم عين جالوت، وكان الملك الظاهر يحترمه، ويتأدب معه. جهزه في هذه السنة، فأغار على بلادسيس، ثم خرج على صفد، فمرض وتوفي ليلة عرفة بدمشق. وفيها توفي الشيخ أحمد بن سالم المصري النحوي نزيل دمشق، كان فقيراً زاهداً مترحلاً محققاً للعربية. وفيها توفي ابن صصري بهاء الدين الحسن بن سالم الثعلبي الدمشقي وأخوه شرف الدين عبد الرحمن بن سالم. أولى مناصبهم الكبار، ونظر الديوان وهولاو ابن قاان المغل مقدم التتار، وقائد الكفار إلى عذاب النار الذي أباد البلاد والعباد. بعثه ابن عمه القاان الكبير على جيش المغل، فطوى الممالك، وأخذ حصون الإسماعيلية وأذربيجان والروم والعراق والجزيرة، والشام، وكان ذا سطوة ومهابة، وعقل وغور وحزم ودهاء وخبرة بالحروب، وشجاعة ظاهرة، وكرم مفرط، ومحبة لعلوم الأوائل من غير فهمه لها، وكان يصرع في اليوم مرة ومرتين منذ قتل الشهيد الملك الكامل محمد بن غازي، ومات على كفره في السنة المذكورة، وقيل: في التي قبلها، وخلف تسعة عشر ابناً تملك عليهم ابنه أبغا، وكان القاان قد استناب بهولاو على خراسان ما يفتتحه

стр. 1187

؟ سنة خمس وستين وست مائة في أولها كبا الفرس بالملك الظاهر، فانكسرت فخذه، وحدث له منها عرج. وفيها توفي خطيب القدس كمال الدين أحمد بن نعمة النابلسي؛ كان صالحاً متعبداً متزهداً. وفيها توفي الشيخ القدوة الكبير إسماعيل الكوراني صاحب صدق وتحقيق وورع دقيق. ملتفت إليه بالإشارة، والقصد بالزيارة. وفيها توفي الفاضل العلامة المعروف بأبي شامة لشامة كبيرة فوق حاجبه. عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي الإسكندرية، ثم الدمشقي الشافعي المقرئ النحوي المؤرخ، قرأ القراءات، وأتقنها على السخاوي، وسمع الحديث من جماعة، وأتقن الفقه وبرع فيه وفي النحو، وصنف كتباً جمة، فمن ذلك كتاب " البسملة " في مجلد كبير نصر فيه المذهب وكتاب " الروضتين في الدولتين النووية والصلاحية " واختصر تاريخ دمشق ابن عساكر في خمسة عشر مجلداً ضخاماً، ثم اختصره في خمس مجلدات، وكتاب " شرح الشاطبية "، وهو في غاية الجودة، ونظم مفصل الزمخشري، وكتب عديدة أخرى، وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية، وكان متواضعاً خيراً رحمه الله تعالى. وفيها توفي ابن بنت الأعز قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن خلف المصرفي الشافعي. صدر الديار المصرية ورئيسها، كان ذا ذهن ثاقب، وحدس صائب، ونزاهة متثبت في الأحكام، روى عن جعفر الهمداني، وتوفي في السابع والعشرين من رجب. وفيها توفي ابن القسطلاني الشيخ تاج الدين علي ابن الشيخ الزاهد القدوة أبي العباس أحمد بن علي القيسي المصرفي المالكي المفتي، سمع بمكة من طائفة كثيرة، ودرس بمصر، وولي مشيخة الكاملية إلى أن توفي في سابع شوال، وله سبع وسبعون سنة قلت: هذا الملقب بتاج الدين كما ترى، وليس هو قطب الدين بن القسطلاني، وقد يشتبه ذلك على من ليس عنده علم، فإنهما مشتركان في أوصاف متعددة، وكلاهما ابن القسطلاني، وكلا أبويهما اسمه أحمد وأبو العباس كنيته، وكلاهما زاهد وعالم ومصري ومالكي، وكلا الوالدين عالم ومدرس ومفتي وشيخ الحديث في الكاملية، ولكن قطب الدين متأخر يأتي في سنة ست وثمانين، فهو أجل الرجلين قدراً وأشهرهما ذكراً.

стр. 1188

وفيها توفي أبو الحسن الدهان علي بن موسى السعدي المصري المقرئ الزاهد، قرأ القراءات، وتصدر بالفاضلية، وكان ذا علم وعمل. وفيها توفي صاحب المغرب المرتضى أبو حفص عمر بن أبي إبراهيم القيسي المومني، ولي الملك بعد ابن عمه المعتضد، وامتدت أيامه، وكان مستضعفاً دخل ابن عمه أبو دبوس الملقب بالوراث بالله إدريس مراكش، فهرب المرتضى، فظفر به عامل الواثق، وقتله بأمره، وأقام بالواثق ثلاثة أعوام، ثم قامت دولة بني مريق وزالت دولة آل عبد المؤمن. سنة ست وستين وست مائة فيها افتتح السلطان بلداناً كثيرة في بلاد الشام، منها حصن الأكراد وأعمال طرابلس وأنطاكية، وأخذها في أربعة أيام وحصر أعني أنطاكية، وحصر من قتل بها، وكانوا أكثر من أربعين ألفاً. وفيها كانت الصعقة العظمى على غوطة يوم ثالث نيسان إثر حفظة السلطان عليها، ثم صالح أهلها على ست مائة ألف درهم فأضر بالناس، وباعوا بساتينهم بالهوان. وفيها توفي خطيب الجبل إبراهيم ابن الخطيب شرف الدين عبد الله المقدسي، كان فقيهاً إماماً بصيراً بالمذهب صالحاً عابداً مخلصاً منيباً صاحب أحوال وكرامات، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وقول بالحق، سمع من جماعة، وقد جمع ابن الخباز سيرتة في مجلد. وفيها توفي الحنش النصراني الكاتب، ثم الراهب أقام بمفازة الإسكندرية بجبل حلوان بقرب القاهرة، فقيل: إنه وقع بكنز للحاكم صاحب مصر، فواسى منه الفقراء والمستورين من كل ملة، واشتهر أمره، وشاع ذكره، وأنفق في ثلاث سنين أموالاً عظيمة، فأحضره السلطان، وتلطف به، فأبى عليه أن يعرفه حقيقة أمره، وأخذ يراوغه ويغالطه، فلما أعياه سلط عليه العذاب، فمات وقيل: إن مبلغ ما وصل إلى بيت المال من جهته في المصادرة في مدة سنتين ست مائة ألف دينار ضبط ذلك بقلم الصيارفة الدين كان يصبغ عندهم الذهب، وقد أفتى غير واحد بقتله خوفاً على ضعفاء الإيمان من المسلمين أن يضلهم ويغويهم. وفيها توفي صاحب الروم السلطان ركن الدين ابن السلطان غياث الدين السلجوقي، كان هو وأبوه مقهورين مع التتار له الاسم، ولهم التصرف، فقتلوه بسبب أنه وشى به، ونم عليه بأنه يكاتب الملك الظاهر، فقتلوه خنقاً، وأظهروا أنه رماه فرسه، ثم أجلسوا في الملك

стр. 1189

غياث الدين، وعمره عشر سنين. وفيها توفي الضياء الطوسي الإمام العلامة شارح الحاوي الصغير، والمختصر في الأصول الشيخ ضياء الدين عبد العزيز بن محمد الطوسي، وكان فاضلاً درس في دمشق في التجيبية، ثم توفي بها رحمه الله تعالى. ؟ سنة سبع وستين وست مائة فيها نزل السلطان على حربة اللصوص، ثم ركب وساق في البريد سراً إلى مصر، فأشرف على ولده السعيد، وكان قد استنابه بمصر، ثم رد إلى الحربة، وكانت الغيبة أحد عشر يوماً أوهم فيها أنه متمرض في المخيم. وفيها توفي الإمام العلامة مجد الذين طي بن وهب القشيري المالكي شيخ أهل الصعيد ونزيل قوص والد الإمام المشهور المشكور، تقي الدين ابن دقيق العيد، وكان جامعاً لفنون من العلم، موصوفاً بالصلاح والتأله معظماً في النفوس روى عن غير واحد. سنة ثمان وستين وست مائة فيها تسلم الملك الظاهر حصون الإسماعيلية، وقرر على زعيمهم حسن بن الشعراني أن يحمل كل سنة مائة ألف وعشرين ألفاً، وولاه على الإسماعيلية وفيها بطلت الخمور بدمشق، وقام في تبطيلها الشيخ خضر شيخ السلطان قياماً كلياً، وكبس دور النصارى واليهود، حتى كتبوا على أنفسهم بعد القسامة أنه لم يبق عندهم منها شيء. وفيها توفي وقيل: في سنة خمس وستين الفقيه الإمام العلامة البارع المجيد الذي ألين له الفقه كما ألين لداود الحديد الشيخ نجم الدين عبد الغفار القزويني الشافعي أحد الأئمة الأعلام، وفقهاء الإسلام، مصنف الحاوي المشتمل على الأسلوب الغريب، والنظم العجيب المطرب في صنعته كل لبيب الذي قلت فيه القصيدة الموسومة بالحلاب الحالي في مدح الحاوي، وهي: لله ماذا حوى الحاوي مع الصغر ... من الملاح العوالي الخرد الغرر ألفاظه ومعانيه جلت وعلت ... أحلى وأغلى من الحلاب والدرر كم من صغير كبير القدر مشتهر ... وكم كبير صغير غير مشتهر هو الصغير الكبير القدر كم كتب ... قد فاق من كل مبسوط ومختصر ما طاعن فيه يقوي أن يعارضه ... لو عاش ما عاش نوح فيه من عمر ما ينقم الخصم إلا أنه عسر ... وكل عالي المعاني شاع بالعسر

стр. 1190

هل يستطيع الذي يخفي فضيلته ... يخفي ظهور ضياء الشمس والقمر حوى نفائس علم الشرع مشتملاً ... لمذهب الشافعي النير الزهر صدر المذاهب مقداماً وأعدلها ... حكماً وأشهرها في البدو والحضم تاج الهدى معلماً بالنور مبتسماً ... در الأحاديث والإجماع والسور بدر الدجى منهج الحق المضيء ضياً ... شمس الضحى مدهبي فخري ومفتخري وقد نهضت لحاوي الدر منتصراً ... في ذم من ذمه من سائر البشر قدرت ضرب مثال رائق رشق ... للأخذ بالثأر كاف جاعلي قدر يقال فرد أتى كرماً به ثمر ... فلم ينل أخذ عنقود من الثمر فذمه قال: من يبغيك ياتفها ... يا حامض الطعم يا أدنى جنى الشجر قد قيل لا ينفع البادي قراءته ... والمنتهى لا بما فيه لمفتقر حتى غلا القائل المذكور مدعياً ... أن لا يباع لذي بدر، ولا حضر هذا غبي، ولو قد شم رائحة ... للفقه أو ذاق طعم الفقه بالنظر لما أتى مثل هذا القول مجترياً ... ولا تخطى بهذا المسلك الوعر فذاك حبي ومحفوظي ومعتمدي ... ومنه أفتى به سمعي به بصري وفيه عرسي وتدريسي ومورده ... إليه وردي وعنه صادر صدري كأنه السحر في تحسين صنعته ... والبحر فيما حوى من فاخر الدرر نعم لعمري يسير من مسائله ... مخالف للصحيح الراجح الشهر لكنه لا بذا التكدير منفرد ... كل التصانيف لا يصفو عن الكدر كذا صفات الورى تبدو لعمري في ... أسنا الكمال، ويبدو النقص في أخر سبحان من بالكمال اختص منفرداً ... منزهاً عن جميع النقص والغبر حتى إلهي إماماً ذاك صنفه ... للعلم والدين لا للهو والنظر ذاك النجيب الذي شاعت براعته ... عبد لغفار ذنب الخفائف الحذر حبر له الفقه في التصنيف لان كما ... لان الحديد لداؤد بلا عكر وبعد ذا فالأئمة كلهم ... تبع للشافعي هم نجوم، وهو كالقمر ولي فيه قصيدة أخرى دالية عددها كعدد هذه ثلاثون بيتاً، وقد سلك في صنعته رحمه الله تعالى مسلكاً لم يلحق شاؤه فيه أحد من الفضلاء، ولا قاربه وقد ذكر بضعهم أنه صنف كتاب الحاوي المذكور لولده جلال الدين، وله إجازة من عفيفة الأصبهانية، وكان والده فقيهاً إماماً أيضاً رحمهما الله. وفيها توفى قاضي القضاة أبو الفضل يحيى ابن قاضي القضاة أبي المعالي محمد ابن

стр. 1191

قاضي القضاة أبي الحسن أبي قاضي القضاة منتجب الدين القرشي الدمشقي الشافعي، تفقه على الفخر ابن عساكر، وولي قضاء دمشق مرتين، وكان صدراً معظماً معروفاً بالفضائل. وقال الذهبي: له في ابن العربي عقيدة تجاوز حد الوصف، قال: وكان يفصل علياً على عثمان، ثم نسبه إلى التشيع، وجعل التفضيل المذكور كالعلة لتشيعه. قلت: وهذا من الذهبي العجب العجاب أما علم أن جماعة من أكابر أئمتنا المحققين ذهبوا إلى تفضيل علي على عثمان. منهم الأئمة الجلة سفيان الثوري، ومحمد بن إسحاق، والحسين بن الفضل، بل هو منسوب إلى أهل الكوفة قاطبة، ولهذا قال الإمام سفيان الثوري لما سئل عن اعتقاده في ذلك: أنا رجل كوفي: وقد أوضحت رجحان الدليل على هذا في كتاب المرهم في الأصول، وأن علياً ﵁ اجتمع فيه من الفضائل في آخر عمره ما لم يكن في أوله، وقد قدمت قصيدة ذكرت فيها التفضيل المذكور، والإشارة إلى فضائل الكل منهم رضي الله تعالى عنهم في ترجمة علي كرم الله وجهه، ولكن لو نسب إلى التشيع بسبب ما ذكر عنه في تاريخه من أنه هو القائل البيتين اللذين ذكرهما في كتابه ونسبهما إليه، كان أنسب إذ في ذلك التصريح أن علياً رضي الله تعالى عنه هو الوصي حيث قال: أدين بما دان الوصي ولا أرى ... سواه، وإن كانت أمية محتدي ولو شهدت صفين خيلي لأعذرت ... وساء بني حرب هنالك مشهدي وأما ما ذكر من اعتقاده ابن العربي، فليس هو مختصاً بذلك دون غيره، فقد قدمت أن الناس في ذلك على ثلاثة مذاهب. بعضهم اعتقده وغلا في تفضيله، وبعضهم كفره وغلا في تكفيره، وبعضهم توقف فيه، ومن جملة الفقهاء الذين اعتقدوه الإمام الكبير الفاضل الشهير ابن الزملكاني، وشرح كتابه " الفصوص " الذي هو أشد كتبه إشكالاً، وقد تقدم أيضاً في ترجمة ابن العربي أنه شرحه، ثم ذكر بعد ذلك أن أبا الفضل المذكور سار إلى خدمة هولاو فكرمه وولاه قضاء الشام، وخلع عليه خلعة سوداء مذهبة، فلما تولى الملك الظاهر أبعده إلى مصر، وألزمه بالمقام بها وبها توفي. سنه تسع وستين وست مائة فيها افتتح السلطان حصن الأكراد السيف، ثم نازل حصن عكا، وأخفه بالأمان، فبذل له صاحب طرابلس، وبذله ما أراد، وعانه عشر سنين. وفيها جاء سيل عرم، فغلقت أبواب دمشق، وطفى الماء، وارتفع وأخذ البيوت

стр. 1192

والجمال والأموال، وارتفع عند باب الفرح ثمانية أفرع، حتى طلع الماء فوق أسطحة عديدة، وضب الخلق وابتهلوا إلى الله، وأشرف الخلق على التلف ولو ارتفع ذراعاً آخر لغرق نصف دمشق. وفيها توفي الإمام قاضي حماة شمس الدين إبراهيم بن المسلم بن هبة الله الحموي الشافعي، كان ذا علم ودين، تفقه بالفخر ابن عساكر، وأعاد له، ودرس بالرواحية، لم تحول إلى حماة، ودرس بها وأفتى وصنف. وفيها توفي إبراهيم بن يوسف الحموي المعروف بابن قرقول بضم القافين وسكون الراء بينهما، وبعد الواو لام صاحب كتاب مطالع الأنوار وصنفه على منوال كتاب " مشارق الأنوار " للقاضي عياض. كان من الأفاضل، صحب جماعة من علماء الأندلس، توفي يوم الجمعة أول وقت العصر، وكان قد صلى الجمعة في الجامع، فلما حضرته الوفاة تلا سورة الإخلاص، وجعل يكررها بسرعة، ثم تشهد ثلاث مرات، وسقط على وجهه ساجداً فوقع ميتاً، رحمه الله تعالى. وفيها توفي الشيخ صلاح المقرئ حسن بن عبد الله الأزدي الصقلي، قرأ القراءات على السخاوي، وسمع الكثير، وأجاز له المؤيد الطوسي، وكان ورعاً مخلصاً متقللاً من الدنيا. وفيها توفي ابن سبعين الشيخ الملقب بقطب الدين عبد الحق بن إبراهيم المرسي المتصوف. قال الذهبي: كان من زهاد الفلاسفة، ومن القائلين بوحدة الوجود له تصانيف وأتباع يقدمهم يوم القيامة، توفي بمكة كهلاً. انتهى كلامه. قلت: وكذلك سمعت كثيراً من أهل العلم ينسبونه إلى الفلسفة، وعلم السيمياء، ويحكون عن حكايات في ذلك، وأصحابه يعظمونه تعظيماً عظيماً، وكان له جاه كبير عند صاحب عكة، وبسبب ذلك وعداوته وخوف شره ونكايته. خرج الشيخ الإمام قطب الدين القسطلاني من مكة، وأقام بمصر.

стр. 1193

سنة سبعين وست مائة فيها توفي أبو الفضائل الكمال سلار بن الحسن الإربلي الشافعي المفتي صاحب ابن صلاح. وفيها توفي ابن يونس الإمام العلامة تاج الدين عبد الرحيم ابن الفقيه الإمام رضي الدين محمد ابن الإمام العلامة الكبير عماد الدين محمد بن يونس الموصلي الشافعي مصنف التعجيز في اختصار الوجيز، كان من بيت الفقه والعلم بالموصل، وتولى القضاء للجانب الغربي ببغداد. وفيها توفي ابن صصري القاضي الرئيس، عماد الدين محمد بن سالم ابن الحافظ أبي المواصب الثعلبي الدمشقي، سمع من جماعة، قال الذهبي: كان كامل السؤدد متين الليانة وافر الحرمة. سنة إحدى وسبعين وست مائة فيها توفي الحافظ أبو المظفر يوسف بن الحسن المعروف بالشرف ابن النابلسي، سمع وكتب الحديث الكثير، وكان فهماً يقظاً، حسن الحفظ مليح النظم، ولي مشيخة دار الحديث النورية. وفيها توفي ابن العامل المحدث العامل محمد بن عبد المنعم أحد من له اعتناء بالحديث. وفيها توفي عبد الهادي بن عبد الكريم القيسي المصري المقرئ الشافعي، قرأ القراءات السبعة، وسمع من جماعة؛ كان صالحاً كثير التلاوة. ؟ سنة اثنتين وسبعين وست مائة فيها توفي المؤيد ابن القلانسي أبو المعالي أسعد بن المظفر بن أسعد التميمي، حدث بمصر ودمشق. وفيها توفي الأتابك الأمير الكبير فارس الدين أقطايا الصالحي أمره أستاذ الملك الصالح، ولي نيابة السلطنة للمظفر قطر، فلما قتل قطر قام بع الملك الظاهر وسلطنه في الوقت، وكان من رجال العالم حزماً وعقلاً ورأياً ومهابةً، وناب مدة للملك الظاهر.

стр. 1194

وفيها توفي ابن مالك إمام العربية العلامة. ترجمان الأدب، وحجة لسان العرب أبو عبد الله محمد بن عبد الله الطائي الجياني الشافعي النحوي اللغوي، صاحب التصانيف، وواحد الزمان في علم اللسان، روى عن السخاوي وغيره، وأخذ النحو عن غير واحد، وتقدم وساد في علم النحو والقراءات، وربا على كثير ممن تقدمه في هذا الشأن مع الدين والصدق، وحسن السمت، وكثرة النوافل، وكمال العقل والوقار، والتودد وانتفع به الطلبة، وله من التصانيف تسهيل الفوايد والكافية الشافية وشرحها والألفية وأشياء كثيرة، وممن روى عنه ولده الإمام الملقب ببدر الدين محمد، والشيخ علاء الدين ابن العطار وجماعة، وتوفي بدمشق في عشر الثمانين. وفيها توفي النجيب عبد اللطيف بن عبد المنعم أبو الفرج الحراني مسند الديار المصرية. سنة ثلاث وسبعين وست مائة فيها توفي الحافظ المحدث وجيه الدين منصور بن سليم الهمداني الاسكندراني، سمع الكثير، وخرج تاريخاً للإسكندرية، وأربعين حديثاً بلدية، ودرس وولي حسبة بلده: وفيها توفي قاضي القضاة شمس الدين عبد الله بن محمد الأوزاعي الحنفي المشار إليه في مذهبه مع الدين والتواضع والصيانة والتعفف. سنة أربع وسبعين وست مائة فيها توفي شيخ الأدب محمود بن عايذ التميمي الشاعر المجيد، كان قانعاً زاهداً معمراً وفيها توفي شيخ الشيوخ سعد الدين الخضر ابن شيخ الشيوخ تاج الدين عبد الله ابن شيخ الشيوخ أبي الفتح عمر بن علي ابن القدوة الزاهد محمد بن حموية الحموي، ثم الدمشقي. وفيها توفي ظهير الدين أبو البنا محمود بن عبد الله الريحاني الشافعي المفتي أحد مشايخ الصوفية، صحب الشيخ شهاب الدين السهروردي، وروى عنه، وعن غيره، وتوفي في رمضان، وله سبع وسبعون سنة. سنة خمس وسبعين وست مائة فيها كاتب أمراء الروم الملك الظاهر وقووا عزمه على أخذ الروم، فسار وقطع البلاد،

стр. 1195

ثم وقع صاحب مقدمته سنقر الأشقر على ثلاثة آلاف من التتار، فهزمهم وأسر منهم، وأشرف الجيش من الجبال، فإذا بالتتار قد بعثوا أحد عشر طلباً والطلب ألف فارس، فلما التقى الجمعان حملت ميسرتهم، فصادموا صناجق السلطان يعني راياته، وعطفوا على ميمنة السلطان، فرد فيها بنفسه، وحمل بها حملة صادقة، فترحلت التتار، وقاتلوا أشد قتال، فأخذتهم السيوف، وأحاطت بهم العساكر المحمدية، حتى قتل أكثرهم، وقتل من أمراء المسلمين جماعة، ثم سار الملك الظاهر يحرق مملكة الروم، ونزل إليه ولاة القلاع، وقدم سنقر الأشقر لتطمئن الرعية، ثم وصل قيصرية الروم، فتلقاه أعيانها وترحلوا، ودخلها وجلس على سرير ملكها، وصلى الجمعة بجامعها، ثم بلغه أن أعداء الله عازمون على طلبه، فرحل عنها، فجرى بعده بالروم خبطة ومحنة عظيمة، فقصدهم أبغا فقال: أنتم باغون علينا، ووضع السيف فيهم، ولم يقبل لهم عذراً، فيقال: إنه قتل من الروم ما يزيد على مائتي ألف فهم مسلمون فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفيها توفي الشيخ أبو المعالي أحمد بن عبد السلام المعروف بابن أبي عصرون التميمي الشافعي صاحب تونس محمد بن يحيى بن عبد الواحد، وكان ملكاً صاحب سياسة، وعلو همة، شديد البأس، جواداً ممدوحاً تزف إليه كل ليلة جارية. تملك تونس بعد أبيه، ثم قتل عميه وجماعة من الخوارج عليه فتمهد له الملك. سنة ست وسبعين وست مائة في أولها قدم السلطان الملك الظاهر، فنزل نحو سفة الأبلق، ثم مرض يوم نصف المحرم، وتوفي بعد ثلاثة عشر يوماً، فأخفي موته، وسار ابنه وهو يوهم أن السلطان مريض إلى أن دخل مصر بالجيش، فأظهر موته، وعمل العزاء، وحلفت الأمراء للملك السعيد، والملك الظاهر هو ركن الدين أبو الفتوح شوس التركي الصالحي النجمي صاحب مصر والشام اشتراه الأمير علاء الدين الصالحي، فقبض الملك الصالح على علاء الدين المذكور، وأخذه، وكان من جملة مماليكه، ثم طلع شجاعاً فارساً إلى أن بهر أمره وبعد صيته، وشهد وقعة المنصورة بدمياط، ثم صار أميراً في الدولة المعزية، وتقلبت به الأحوال إلى أن ولي السلطنة في سابع عشر في القعدة سنة ثمان وخمسين وست مائة، وكان ملكاً سرياً غازياً مجاهداً مؤيداً عظيم الهيبة خليقاً للملك، يضرب بشجاعته المثل له أيام بيض في الإسلام، وفتوحات مشهورة، ومواقف مشهورة، ولولا ظلمه وجبروته في بعض الأحيان لعد من الملوك العادلين، والسلاطين الممدوحين بحسن السيرة المشكورين. انتقل إلى عفو
следующие страницы →