Полный текст (1 334 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
ومنها يشكو الغربة، وما قاساه فيها:
أشكو إليك نوىً تمادى عمرها ... حتى حسبت اليوم منها أشهرا
إلا عيشتي يصفو ولا رسم الهوى ... يعفو، ولا جفني يصافحه الكري
أضحي عن الأخرى المرتع ممحلاً ... وأبيت عن ورد النمير منفرا
ومن العجائب أن يقبل ظلكم ... كل الورى، ونبذت وحدي بالعرا
قوله: النمير قال في ديوان الأدب: هو الماء الجاري الزاكي في الماشية عذبا كان أو غير عذب، وهو بفتح النون وكسر الميم وسكون المثناة من تحت في آخره راء.
قال ابن خلكان: هذه القصيدة من أحسن الشعر. قال: فهي عندي خير من قصيدة ابن عمار الأندلسي، وهي على وزنها التي أولها أدب الزجاجة، فالنسيم قد انبرى، فلما وقف عليها الملك الأعدل أذن في الدخول إلى دمشق، فلما دخلها، قال:
هجوت الأكابر في جلق ... ورعت الوضيع بسب الرفيع
أخرجت منها، ولكنني ... رجعت على رغم أنف الجميع
ويعني بجلق بكسر الجيم واللام وتشديدها وبعدها قاف اسم مكان في الشام، وربما قيل: إنه لقب لدمشق، والله أعلم، قال: وكان له في عمل الألغاز وحلها اليد الطولى، ولم يكن له غرض في جمع شعره وتدوينه، وقد جمع له بعض أهل دمشق ديوانًا صغيراً لا يبلغ عشر نظمه، وفيه أشياء ليست له، وكان من أطرف الناس، وله بيت عجيب من قصيدة يذكر بها أسفاره وتوجهه إلى جهة الشرق وهو:
أشقق قلب الشرق حتى كأنني ... أفتش عن سودائه عن سنا الفجر
قال: وقد رأيته في المنام ينشد أبياتا. وأعجبني منها بيت، فرددته في النوم واستيقظت، وقد علق بخاطري وهو:
البيت لا يحسن إنشاده ... إلا إذا أحسن من شاده
وهذا البيت غير موجود في شعره، وكان وافر الحرمة عند الملوك، وتولى الوزارة بدمشق في آخر دولة الملك المعظم، وانفصل منها لما تملكها الملك الأشرف وأقام في بيته، ولم يباشر بعدها خدمة.
. وكانت ولادته بدمشق يوم الاثنين، ووفاته فيها يوم الاثنين، وعاش نحواً من ثمانين
стр. 1122
سنة إحدى وثلاثين وست مائة
فيها سار الملك الكامل. بجيوش عظيمة ليأخذ الروم وقدم بين يديه جيشًا فهزمهم صاحب الروم، وأسر صاحب حماة، ومقدم الجيش صواب الخادم فرد الكامل. وفيها تسلطن بدر الدين لؤلؤ بالموصل.
وفيها تكامل بناء المستنصرية ببغداد على المذاهب الأربعة. قال بعضهم ولا نظير لها في الدنيا فيما أعلم قلت لو تمت بعد نيف وسبع مائة وستين مدرسة السلطان حسن ابن السلطان ملك الناصر محمد بن قلاوان في الديار المصرية ما كان مثلها من الدنيا لا المستنصرية، ولا غيرها، فيما شاع عن الجم الغفير، والعلم عند الله العليم الخبير.
وفيها توفي الإمام العلامة الفقيه الأصولي أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد الملقب سيف الدين الأسدي الثعلبي الحنبلي، ثم الشافعي صاحب التصانيف البديعة النازلة في المنزلة الرفيعة المفيدة النافعة الصادرة عن القريحة البارعة، كان في أول اشتغاله حنبلي المذهب، ثم انتقل إلى مذهب الإمام الشافعي، وصحب الشيخ أبا القاسم بن فضلان، واشتغل عليه في الخلاف وتميز فيه، وحفظ طريقة الخلاف الشريف، وزوائد طريقة أسعد الميهني، ثم انتقل إلى الشام، واشتغل بفنون المعقول، وحفظ منه الكثير ومهر فيه، ولم يكن في زمانه أحفظ منه لهذه العلوم العقلية، ثم انتقل إلى الديار المصرية، وتولى الإعادة بالمدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي في القرافة الصغرى، وتصدر الجامع الظافري بالقاهرة مدة، واشتهر بها فضله، واشتغل عليه الناس وانتفعوا به.
قال ابن خلكان: ثم حسده جماعة من فقهاء البلاد وتعصبوا عليه ونسبوه في العقيدة إلى الفساد، وانحلال الطوية، والتعطيل ومذهب الفلاسفة والحكماء، أولى الكفر والتضليل، وكتبوا محضرًا يتضمن ذلك، ووضعوا فيه خطوطهم بما يستباح به الدم، قال: وبلغني عن رجل منهم فيه عقل ومعرفة أنه لما رأى التحامل عليه وإفراط التعصب كتب في المحضر، وقد حمل إليه ليكتب فيه مثل ما كتبوا، فكتب:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا فضله ... فالقوم أعداء له وخصوم
والله أعلم، وكتبه فلان ابن فلان، ولما رأى سيف الدين تعليهم عليه، وما اعتقدوه في حقه ترك البلاد وخرج منها مستخفيًا، وتوصل إلى الشام، واستوطن مدينة حماة.
стр. 1123
وصنف في أصول الفقه، والدين والمنطق، والحكمة، والخلاف، فكل تصانيفه مفيدة، فمن ذلك كتاب أبكار الأفكار في علم الكلام، واختصره في كتاب مناهج القرائح ورموز الكنوز، وله دقائق الحقائق، وكتاب الألباب، ومنتهى السؤل في علم الأصول، وله طريقة في الخلاف، ومختصر في الخلاف أيضًا، وشرح جدل الشريف، وغير ذلك وجملة تصانيفه مقدار عشرين تصنيفًا، وانتقل إلى دمشق، ودرس بالمدينة العزيزية، وأقام بها زمانًا، ثم عزل عنها بسبب، وأقام بطالاً في بيته، وتوفي على تلك الحال، ودفن بسفح جبل قاسيون، وعمره ثمانون سنة، والآمدي بالهمزة الممدودة والميم المكسورة وبعدها دال مهملة، نسبة إلى آمد وهي مدينة كبيرة في بلاد بكر مجاورة لبلاد الروم.
وفيها توفي الإمام أبو عبد الله القرطبي محمد بن عمر المقري المالكي، كان متفننًا في عدة علوم كالفقه والقراءات والعربية والتفسير زاهداً صالحًا، سمع من عبد المنعم بن الفراوي، وطائفة، وقرأ القراءات على الإمام الشاطبي وتوفي بالمدينة.
وفيها توفي الشيخ القدوة عبد الله بن يونس الأرموني صاحب الزاوية بجبل قاسيون، صالحًا متواضعًا مطرحًا للتكليف يمشي وحده، ويشتري الحاجة، وله أحوال مجاهدات، وقدم في الفقر.
وفيها توفي قاضي القضاة ابن فضلان أبو عبد الله محمد بن يحيى البغدادي الشافعي، ودرس المستنصرية تفقه على والده العلامة أبي القاسم، وبرع في المذهب والأصول والخلاف والنظر، ولاه الناصر، وعزله الظاهر بعد شهرين من خلافته.
سنة اثنتين وثلاثين وست مائة
فيها ضربت ببغداد دراهم، وفرقت في البلد، وتعاملوا بها وإنما كانوا يتعاملون بقراضة الذهب والقيراط والحبة، ونحو ذلك.
وفيها توفي الملك الزاهد داود بن صلاح الدين وصواب الخادم شمس الدين العادلي مقدم جيش الكامل، وكان يضرب به المثل في الشجاعة، وكان له من جملة المماليك مائة خادم فيهم جماعة أمراء.
وفيها توفي الشيخ العارف عمر بن علي، الحموي الأصل، المصري المولد، والدار والوفاة، شرف الدين المعروف بابن الفارض صاحب الديوان المشتمل على اللطائف،
стр. 1124
والسلوك، والمحبة، والمعارف، والشوق، والوصل، وغير ذلك من الاصلاحات في العلوم الحقيقة المعروفة في كتب المشائخ الصوفية، بلغني أنه دخل في أيام بدايته مدرسة في ديار مصر، فوجد فيها شيخاً بقالاً يتوضأ من بركة فيها بغير ترتيب، فقال له: يا شيخ أنت في هذا السن وفي هذا البلد، وما تعرف تتوضأ؟ فقال له: يا عمر أنت ما يفتح عليك بمصر، فجاء إليه وجلس بين يديه وقال له: يا سيدي، ففي أقي مكان يفتح علي. فقال: في مكة، فقال يا سيدي، وابن مكة مني، فقال: هذه مكة، وأشار بيده نحوها، وكشف له عنها، فأمره الشيخ الذهاب إليها في ذلك الوقت، فوصل إليها في الحال، وأقام بها اثنتي عشرة سنة، ففتح عليه، ونظم فيها ديوانه المشهور، ثم بعد المدة المذكورة سمع الشيخ المذكور ويقول له: يا عمر تعال أحضر موتي، فجاء إليه، فقال له الشيخ: خذ هذا الدينار، فجهز لي به ثم احملني، فضعني في هذا المكان، وانتظر ما يكون من أمري، وأشار إلى مكان في القرافة تحت الفارض، وهو الموضع الذي دفن فيه ابن الفارض، قال: فكشف لي عن ذلك المكان، فحملته ووضعت فيه، فنزل رجل من الهوى، فصلينا عليه، ثم وقفنا ننتظر ما يكون من أمره، فإذا الجو قد امتلأ بطيور خضر، فجاء طائر كبير، فابتلعه، ثم طار، قال: فتعجبت من ذلك، فقال لي ذلك الرجل: لا تعجب من هذا فإن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر ترعى في الجنة، كما جاء في الحديث أولئك شهداء السيوف، وأما شهداء المحبة، فأجسادهم أرواح رضي الله عن الجميع.
قلت: وإلى هذا المعنى أشرت في هذه الأبيات من قصيدتي الموسومة بلباب اللب في مدح شهيد الحب حيث قلت:
قتيل الهوى في مذهب الحب والفقر ... بلا عوض حاشاه من طلب الأجر
سوى روية المحبوب في حالة اللقا ... إذا ما قيتل السيف عوض في الحشر
فشتان ما بين المقامين في العلى ... وبين شهيد الحب والسيف في القدر
فما طالب المولى له طال شوقه ... وفي حبه قد مات خال عن الصبر
كطالب مطعوم الجنان وشربها ... وملبوسها والخيل والحور والقصر
إذا كنت حظي والأيام حظوظهم ... أياديك ما نالوا نعيمي، ولا فخر
كفى شرفًا موت المحب صبابة ... لمولى وفضلاً جل قدراً عن الحصر
ويكفيك خمس من فضائله بها ... بلوغ المنى عيشًا ومجدًا على الدهر
قتيل جمال قد ودوه بروية ... ووصل وقرب والتنادم والسرر
تميز عن غير بهذي وغيرها ... وشاركه فيما له نال من أجر
لئن كان روح من شهيد سيوفهم ... بجنات خلد جوف طير بها خضر
стр. 1125
فروح شهيد الحب أيضًا وجسمه ... باجوافها قد نعما ليس في القبر
كذاك روينا عن رجال له رأوا ... بأبصارهم جوف القرافة من مصر
وممن رأى ذاك الإمام الذي جلا ... لنا من مليحات المعارف من بكر
ونحو أخمارًا كاشفًا عن محاسن ... بها هام كم صب وكم حام من فكر
بحور معانيها جلا در نظمه ... سقى مشربًا بالشعر لم يسق في شعر
غريم الهوى حلف الغرام ابن فارض ... لدي عارض قد شاهد السابق الذكر
ومن المشهور أنه وقع للشيخ شهاب الدين السهروردي ﵁ قبض في بعض حجابة، فخطر بقلبه. ترى هل ذكرت في هذا الموسم؟ فسمع قائلاً يقول له من فوره في سوق الغزل، فأتى إليه الشيخ ابن الفارض المذكور، فأنشده قبل أن الشيخ شهاب الدين استنشده من قريضه، فأنشده قصيدة مفتتحها:
ما بين معترك الأحداق والمهج ... أنا القتيل بلا ذنب ولا حرج
ثم استمر في إنشادها إلى أن قال:
أهلا بما لم أكن أهلا لموقعه ... قول المبشر بعد اليأس بالفرج
لك البشارة فاخلع ما عليك فقد ... ذكرت ثم على ما فيك من عوج
فقام الشيخ شهاب الدين، فتواجدوا من عنده من شيوخ الوقت الحاضرين، وكان المجلس عامراً بشيوخ أجلاء، وسادة أولياء، فخلع عليه هو والحاضرون قيل: أربع مائة خلعة، ومن نظمه الفائق المعري كل عاشق:
فإن شئت أن تحيي سعيدًا فمت به ... شهيدًا وإلا، فالغرام له أهل
فمن لم يمت في حبه لم يعش به ... ودون اجتناء النخل ما جنت النخل
وما أحسن قوله:
نصحتك علمًا بالهوى والذي أرى ... مخالفتي، فاختر لنفسك ما يحلو
بعد قوله:
هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهل
وأما قول ابن خلكان في ترجمته: وله ديوان شعر لطيف، وأسلوبه فيه ظريف ينحو منحى طريقة الفقراء، فلم يوفه بعض ما يليق بمشربه وذوقه وارتياحه وشوقه لكنه قد أحسن
стр. 1126
في مخالفته للطاعنين فيه، لم ينزله بالمنزلة اللائقة به فى قوله وسمعت أنه كان رجلاً صالحاً كثير الخير، على قدم التجرد حسن الصجة، محمود العشيرة، وأنه ترنم يوماً في خلوته بقول الحريري صاحب المقامات:
من ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسنى فقط
فسمع قائلا يقول لا يرى شخصه:
محمد الهادي الذي ... عليه جبريل هبط
وكان يقول: علمت في النوم بيتين، وهما:
وحياة أشواقي إليك ... وحرمة الصبر الجميل
لا أبصرت عيني وسواك ... ولا صبوت إلى خليل
قلت: ولقد أحسن في وصفه راح المحبة في ديوانه المذكور، ومن ذلك وصفه لها في هذا البيت المشهور:
هنيئًا لأهل الدهر كم سكروا بها ... وما شربوا منها، ولكنهم هموا
على نفسه، فليبك من ضاع عمره ... وليس له منها نصيب ولا سهم
توفي رحمه الله تعالى في جمادى الأولى، ودفن في العارض بسفح جبل المعظم والفارض بالفاء والراء وبين الألف والضاد المعجمة راء، وهو الذي يكتب الفروض للنساء على الرجال.
وفيها توفي الشيخ الجليل، السيد الحفيل، أستاذ زمانة، وفريد أوانه، مطلع الأنوار، ومنبع الأسرار، دليل الطريقة، وترجمان الحقيقة، أستاذ الشيوخ الأكابر، الجامع بين علمي الباطن والظاهر، قدوة العارفين، وعمدة السالكين، العالم الرباني شهاب الدين أبو حفص عمر بن محمد التيمي البكري الصوفي السهروردي مصنف كتاب العوارف، المشتمل على مكنونات المعارف، ومصؤنات المحاسن، واللطائف، وغير ذلك من التصانيف الحسنة الجامعة، من بلاغة الملاحة، وبراعة الفصاحة، وحلاوة العبارة، المشتملة على درر المعارف، ويواقيت الحكم، وطلاوة الإشارة، المحتوية على حياة القلوب وشفائها مر السقم وعقيدته معروفة مشهورة، موصوفة مشكورة، رويتها عن غير واحد من شيوخنا بسندهم العالي الذي بينهم وبين مصنفه، وأخذ صنفها مكة المشرفة، وكان إذا أشكل عليه شيء منها يرجع فيه إلى الله ، ويستخيره حول بيته، وبتضرع إليه في التوفيق
стр. 1127
لإصابة الحق والتحقيق، وقد ذكرت بعض عقيدته في كتاب المحاسن، والمرهم، وكان فقيهاً شافعي المذهب، كثير الاجتهاد في العبادة والرياضة، وتخرج عليه خلق كثير من الصوفية في المجاهدة والخلوة، ولم يكن في آخر عمره مثله، صحب عمه الشيخ الإمام أبا النجيب، وعنه أخذ التصوف والوعظ.
وذكر بعضهم أنه صحب أيضاً قطب الأولياء، وقدوة الأصفياء الشيخ عبد القادر الجبيلي ﵄، ثم انحدر إلى البصرة إلى الشيخ أبي محمد بن عبد، ورأى غيره من الشيوخ، وحصل طرفًا صالحًا الفقه والخلاف، وقرأ الأدب، وعقد مجلس الوعظ سنين، وكان شيخ الشيوخ ببغداد، وكان له مجلس وعظ، عليه قبول كثير وله نفس مبارك. وذكر بعضهم أنه أنشد يومًا على الكرسي.
لا تسقني وحدي فما عودتني ... أني أشح بها على جلاسي
أنت الكريم وهل يليق تكرمًا ... أن تمنع الندماء دون الكاس
فتواجد الناس لذلك، وقطعت شعور كثيرة، وتاب جمع كثير.
قال ابن خلكان: ورأيت جماعة ممن حضروا مجلسه وقعدوا في خلوته، وكانوا يحكون غرائب مما يطرأ عليهم فيها من الأحوال الخارقة، قال: وكان قد وصل إلى إربل رسولاً من جهة الديوان العزيز، وعقد بها مجلس الوعظ، ولم يتفق لي رؤيته لصغر السن. وكان كثير الحج، وكان أرباب الطريق من مشائخ عصره يكتبون إليه من البلاد صورة فتاوى يسألونه عن شيء من أحوالهم.
سمعت أن بعضهم كتب إليه يا سيدي إن تركت العمل أخلدت إلى البطالة، وإن عملت داخلني العجب، فأيتهما أولى؟ فكتب جوابه: اعمل واستغفر الله من العجب. وقال ابن نقطة: كان شيخ العراق في وقته صاحب مجاهدة وإيثار وطريقة حميدة، ومروة تامة، وأوراد على كبر سنه.
وقال ابن النجار: كان شيخ وقته في علم الحقيقة، وانتهت إليه الرياسة في تربية المريدين، ودعا الخلق إلى الله تعالى، قرأ الفقه والخلاف والعربية، وسمع الحديث، ثم انقطع ولازم بيته، ودوام الصوم والذكر والعبادة إلى أن ظهر وعلا شأنه، وتكلم على الناس، وعقد مجلس الوعظ في مدرسة عمه على دجلة، فحضر عنده خلق عظيم، وظهر له قبول
стр. 1128
من الخاص والعام، واشتهر اسمه، وقصد من الأقطار، وظهرت بركات أنفاسه في توبة العصاة، ورأى من الجاه والحرمة عند الملوك ما لم يره أحد.
وقال غيره: نشأ في حجر عمه أبي النجيب عبد القاهر، وأخذ عنه التصوف، والوعظ وعلم الحديث، والفقه، وصحب أيضًا الشيخ عبد القادر، والشيخ أبا محمد بن عبد البصري كما تقدم، وسمع الحديث أيضًا من أبي زرعة وآخرين، وسماهم، وروى عنه جماعة ذكر منهم الحافظ ابن النجار وغيره، وبعث رسولاً إلى عدة جهات، يعني نفده الخليفة في عصره، ولم يخلف بعده مثله على ما نقل غير واحد.
قلت: ويؤيد ذلك ما ذكرت في مناقب الشيخ عبد القادر أنه قال له: أنت آخر المشهورين بالعراق، ففتح عليه بعلوم المعارف والأنوار الزاهرة، ووردت عليه الأحوال وحصلت له المواهب الوافرة، وفاق الأقران بعلو شأنه، وصار شيخ زمانه بلا منازع. قلت: وإليه يرجع بعض شيوخنا في لبس الخرقة، وبعضهم يرجع إلى الشيخ عبد القادر، وبيني وبينه اثنتان في كتابه العوارف كما تقدمت الاشارة في سند شيوخنا، وكذا في لبس الخرقة، ورأيته في المنام كأنه أعطاني سجادة في ليلة كنت فيها قريبًا من قبر سيدنا عم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أسفل جبل أحد المبارك المعظم، وله كلام نفيس فاخر مسطور عنه في الدفاتر ذكرت شيئًا منه في الشاش المعلم، قدس الله روحه. وفيها توفي الشيخ الجليل غانم بن علي المقدسي النابلسي أحد عباد الله الأصفياء والسادة الأولياء.
وفيها توفي قاضي القضاة ابن شداد أبو العز يوسف بن رافع الأسدي، الحلبي الشافعي، قرأ القراءات والعربية، وسمع الحديث، وبرع في الفقه والعلوم ساد أهل زمانه، ونال رياسة الدين والدنيا، وصنف التصانيف منها كتاب سماه ملجأ الحكام عن التباس الأحكام، ومنها دلائل الأحكام، وكتاب الموجز الباهر في الفروع، وكتاب سيرة صلاح الدين، ودخل دمشق بعد رجوعه من الحج، فاستدعى به السلطان صلاح الدين وقابله بالإكرام التام، وسأله عن مشائخ العلم والعمل، وقر أعليه جزءاً من الإذكار، كان قد جمعه، ثم ولاه قضاء العسكر والحكم بالقدس الشريف، وعرض عليه الملك الظاهر الحكم بحلب، فامتنع، ثم قبل بعد ذلك.
قال ابن خلكان: كان بين والدي، رحمة الله عليه، وبين القاضي أبي المحاسن
стр. 1129
المذكور ومؤانسة كثيرة، وصحبة صحيح المودة، فجئت إليه أنا وأخي، وكتب إلى سلطان بلدنا الملك المعظم كتابًا بليغًا في حقنا. يقول فيه: أنت تعلم ما يلزم من أمر هذين الولدين، فإنهما ولدا أخي، وولدا أخيك، ولا حاجة مع هذا إلى تأكيد وصية، وأطال القول في ذلك، فتفضل القاضي أبو المحاسن، وتلقانا بالقبول والإكرام، وعمل ما يليق لمثله، وأنزلنا في منزلة، ورتب لنا على الوظائف وألحقنا بالكبار مع صغر السن، والابتداء في الاشتغال، وكان أبو المحاسن المذكور بيده حل الأمور وعقدها، ليس لأحد معه كلام في الدولة، وكان للفقهاء في أيامه حرمة تامة.
ومما حكي عنه أنه قال: كان في المدرسة النظامية ببغداد أربعة أو خمسة من الفقهاء المشتغلين، فاتفقوا على استعمال حب البلاذر لأجل سرعة الحفظ والفهم، فاجتمعوا ببعض الأطباء، وسألوه عن مقدار ما يستعمل الإنسان منه، وكيف يستعمله، ثم اشتروا المقدار الذي قال لهم الطبيب الجاهل، فشربوه في موضع خارج المدينة، فحصل لهم الجنون، فتفرقوا وتشتتوا، ولم يعلم ما جرى عليهم، وبعد أيام جاء إلى المدرسة، وأحد منهم، وهو عريان ليس عليه شيء يستر عورته، وعلى رأسه عمامة كبيرة لها عذبة طويلة قد ألقاها وراءه، فوصلت إلى كعبه، وكان طويلاً، وهو ساكت عليه السكينة والوقار لا يتكلم بشيء، ولا يعبث بشيء، فقام إليه بعض الفقهاء، وسأله عن الحال، فأخبره باستعمال حب البلاذر، وقال: فأما أصحابي، فإنهم جنوا، وما سلم منهم إلا أنا وحدي، فصار يظهر العقل العظيم والسكون، والحاضرون يضحكون منه، وهو لا يشعر بهم، ويعتقد أنه سالم مما أصاب أصحابه، وهو على تلك الحال لا يفكر فيهم ولا يلتفت إليهم.
وفيها توفي أبو سليمان داود الملقب بالملك الزاهر ابن الملك العادل صلاح الدين يوسف بن أيوب، كان صاحب قلعة البيرة التي على شاطىء الفرات، وكان يحب العلماء وأهل الفضل، ويقصدونه من البلاد، وكان الثاني عشر من أولاد صلاح الدين، وكانت ولادته سنة ثلاث وسبعين وخمس مائة، فلما توفي توجه ابن أخيه الملك العزيز ابن الملك الظاهر إلى القلعة المذكورة وملكها والبيرة بكسر الموحدة وسكون المثناة من تحت وفتح الراء، وفي آخرها هاء، وهي قلعة من ثغور الروم على الفرات بقرب سميساط.
سنة ثلاث وثلاثين وست مائة
فيها أخذت الفرنج قرطبة واستباحوها، وجاءت فرقة من التتار، فكسرهم عسكر
стр. 1130
إربل، فما بالوا وساقوا إلى بلاد الموصل، فقتلوا أو سبوا، فاهتم المستنصر بالله وأنفق الأموال، فرجعوا.
وفيها غزا الكامل الفرات، واستعاد حران، وخرب قلعة الرها، وهرب منه نواب صاحب الروم، ثم كر إلى الشام خوفًا من التتار، فإنهم وصلوا إلى سنجار، ثم حسده صاحب الروم، ونازل حران، وتعب أهلها بين الملكين.
وفيها توفي الحافظ العلامة اللغوي أبو الخطاب عمر بن الحسن الكلبي الداني الأندلسي المعروف بابن دحية، سمع الحديث، وجال في مدن الأندلس، وحج ودخل العراق، وسمع مسند أحمد، وبأصبهان معجم الطبراني، وبنيسابور صحيح مسلم بعلو بعد أن كان قد حدث به في المغرب بالإسناد الأندلسي النازل، وكان يقول: إنه حفظه كله، وضعفه جماعة، وله تصانيف غرائب.
قلت: وتنقصه الذهبي، فقال: وقد أنفق على الملك الكامل، وجعله شيخ دار الحديث بالقاهرة، وقاضي القضاة بالقاهرة.
ومدحه ابن خلكان فقال: كان من أعيان العلماء، ومشاهير الفضلاء متقنًا لعلم الحديث وما يتعلق به، عارفًا بالنحو واللغة وأيام العرب وأشعارها، فانظر ما بين هذين الوصفين من المضادة ممن يذم السامع عقيدته، وممن يحمد اعتقاده مع كمال فضيلة المادح في العلوم، وتصويب العارف بانتقاده.
وفيها توفي نصر بن عبد الرزاق ابن الشيخ عبد القادر الجبلي، سمع من شهدة وطبقتها، ودرس وأفتى وناظر، وولي القضاء سنة ثلاث وعشرين، ثم عزل بعد أشهر، وكان لطيفاً ظريفًا، متين الديانة، كثير التواضع، متجربًا في القضاء، قوي النفس في الحق مع عدم التكلف والمحابات.
وفيها توفيت الشيخة الصالحة الصوفية زهرة بنت محمد بن أحمد بن حاضر، روت عن يحيى بن ثابت وغيره.
стр. 1131
سنة أربع وثلاثين وست مائة
وفيها نزلت التتار على إربل وحاصروها، وأخذوها بالسيف حتى حافت المدينة بالقتلى، وغصب القلعة بعد أن لم يبق بعد أخذها شيء من الموانع، وترحلت الملاعين. وفيها توفي الملك المحسن أحمد ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، سمع الحديث، وكتب الكثير، وكان متواضعًا متزهدًا كثير الإفضال على المحدثين، قال الذهبي وفيه تشييع قليل.
وفيها توفي الحافظ أبو الربيع الكلاعي سليمان بن موسى البلبيسي صاحب التصانيف، وبقية أعلام الأثر، توفي بالأندلس قال الأبار: وكان قد فاق أهل زمانه، وتقدم على أقرانه، عارفاً بالجرح والتعديل، ذاكراً للمواليد والوفيات، لا نظير له في الاتقان والضبط مع الأدب والبلاغة، وكان فرداًفي إنشاء الرسائل، مجيداًفي النظم، خطيباًمفوهاً مدركًا حسن السرد والمساق مع الإشارة اللائقة، متكلمًا عن الملوك في مجالسهم مبينًا لما يريدونه على المنابر والمحافل، ولي الخطابة، وله تصانيف في عدة فنون استشهد مقبلاً غير مدبر في ذي الحجة. وفيها توفي الناصح بن نجم بن عبد الوهاب الشيرازي الأنصاري الواعظ المفتي، انتهت إليه رياسة المذهب بعد الشيخ الموفق، وله خطب ومقامات وتاريخ الوعاظ.
وفيها توفي صاحب الروم السلطان علاء الدين السلجوقي، كان ملكًا جليلاً شهمًا شجاعًا، وافر العقل، متسع الممالك، تزوج بابنة الملك الكامل وامتدت أيامه.
وفيها توفي الملك العزيز غياث الدين محمد ابن الملك الظاهر غازي ابن صلاح الدين صاحب حلب، وسبط الملك العادل، ولوه السلطنة بعد أبيه وعمره أربع سنين لأجل والدته، وهي كانت من الأتابك، فنسوس الأمور.
وفيها توفي أبو الحسن محمد بن أحمد البغدادي المحدث المؤرخ سمع من ابن الزاغوني وطائفة، وأخذ الوعظ من ابن الجوزي، وهو أول شيخ ولد مشيخة المستنصرية، وآخر من حدث بالبخاري سماعًا من أبي الوقت وضعفه ابن النجار.
سنة خمس وثلاثين وست مائة
وفيها غرمت طائفة كثيرة من الخوارزمية، وكانوا قد خدموا مع الصالح أيوب ابن
стр. 1132
الملك الكامل على القبض عليه، فهرب إلى سنجار، فنهبوا خزائنه، فسار إليه لؤلؤ صاحب الموصل وحاصره، فحلق الصالح لحية وزيره، وقاضي بلده بدر الدين السنجاري طوعًا ودلاه من السور ليلاً، فذهب واجتمع بالخوارزمية، وشرط بهم كلما أرادوا، فساقوا من حران، وبيتوا لؤلؤاً، فنجا بنفسه على فرس النوبة، وانتهبوا عسكره واستغنوا.
وفيها توفي الملك الأشرف صاحب دمشق موسى ابن الملك العادل،، وتسلطن بعده أخوه الصالح إسماعيل فسار الملك، وقدم دمشق فأخذها بعد محاصرة وشدة، وذهب الصالح إسماعيل إلى بعلبك.
ولما دخل الملك الكامل دمشق، ونزل في قلعتها المعروفة بقن القلندرية والحيدرية وتمرض ومات بعد شهرين، فتملك بعده بدمشق ابن أخيه الملك الجواد وبمصر ابنه العادل وملك ملك الأشرف نصيبين وسنجار، ومعظم بلاد الجزيرة وغيرها، وأول شيء تملك من البلاد مدينة الرحا، ثم حران.
ولما توفي أخوه الملك الأوحد صاحب خلاط ونواحيها، أخذ الملك الأشرف مملكته مضافًا إلى مملكته، فاتسع ملكه، وبسط العدل على الناس، وأحسن إليه احساناً لم يعهدوه ممن قبله، وعظم وقعته في قلوب الناس، وبعد صيته، وكان قد ملك نصيبين، وأخذ سنجار، ومعظم بلاد الجزيرة.
ولما أخذت الفرنج دمياط في سنة عشر وست مائة، وتوجهت جماعة من ملوك الشام إلى الديار المصرية لاتحاد الملك الكامل، وتأخر عنه الملك الأشرف لمنافرة كانت بينهما، فجاءه أخوه الملك المعظم وأرضاه، ولم يزل يلاطفه حتى استصحبه معه، فانتصر المسلمون على الفرنج، وانتزعوا دمياط من أيديهم عقب وصوله إليها، وكانوا يرون ذلك بسبب يمن عزته.
ولما مات الملك المعظم، وتولى ولده الملك الناصر، قصده عمه الملك الكامل من الديار المصرية ليأخذ دمشق، فاستنجد عمه الملك، فحصل الاتفاق على تسليم دمشق إلى الملك الأشرف، ويكون للملك الكامل الناصر الكرك والشويك ونابلس ونيسان، وتلك النواحي، وينزل الملك الأشرف عن حران، والرحا، وسروج والرقة، ورأس عين، وتسلمها إلى الملك الكامل، فأقام الملك الأشرف بدمشق.
ثم جرت أمور يطول ذكرها، ووقعت وحشة بين الكامل والأشرف، ووافقت الملوك بأسرها الملك الأشرف، وتعاهد هو، وصاحب الروم، وصاحب حلب، وصاحب حماة.
стр. 1133
وصاحب حمص وأصحاب المشرق على الخروج على الملك الكامل، ولم يبق مع الملك الكامل سوى ابن أخيه الملك الناصر صاحب الكرك، فإنه توجه إلى خدمته بالديار المصرية، فلما اتفقوا وعزموا على الخروج على الملك الكامل مرض الملك الأشرف مرضاً شديداً، وتوفي بدمشق، ودفن بقلعتها، ثم نقل إلى القرية التي أنشئت له بالكلاسة في الجانب وتوفي بدمشق، ودفن بقلعتها، ثم نقل إلى القرية التي أنشئت له بالكلاسة في الجانب الشمالي من جامع دمشق، وكانت ولادته سنة ثمان وسبعين وخمس مائة، وكان سلطاناً كريماً حليماً، واسع الصدر، كريم الأخلاق كثير العطاء لا يوجد في خزانته شيء من المال مع اتساع مملكته، ولا يزال عليه الديون للتجار وغيرهم، وطرب ليلة في مجلس أنسه على بعض الملاهي، فقال لصاحب الملاهي، تمن علي، فقال: تمنيت مدينة خلاط، فأعطاه إياها، فتوجه لقبضها من النائب، فعوضه عنها النائب جملة كثيرة من المال، وله غرائب كثيرة، وكن يميل إلى أهل الخير والصلاح، ويحسن الاعتقاد فيهم، وبنى بدمشق دار حديث، وفوض تدريسها إلى الشيخ أبي عمرو بن صلاح، وله مآثر حسنة كثيرة وقد مدحه أعيان شعراء عصره، وخلدوا مدائحه في دواوينهم، وكان محبوباً إلى الناس، مسعوداً مؤيداً في الحروب، لقي أرسلان شاه صاحب الموصل، وكان من الملوك المشاهير، وتواقعاً، فكسره الملك الأشرف، واتسعت مملكته حين توفي أخوه الملك الأوحد، فأخذ مملكته، وبسط العدل على الناس، وأحسن إليهم إحساناً لم يعهده ممن كان قبله، وعظم وقعته في قلوب الناس، وبعد صيته وجرت له مع صاحب الروم وابن عمه الملك الأفضل وقائع مشهورة.
وفيها توفي أبو المحاسن يوسف بن إسماعيل المعروف بالشفا، كان أديباً فاضلاً متفنناً بعلم العروض والقوافي شاعراً، يقع له في النظم معان بديعة في البيتين والثلاثة، وله ديوان شعر كبير يدخل في أربع مجلدات.
قال ابن خلكان: وكان حسن المحاورة مليح الإيراد مع السكون جميل التأني.
وأنشدته يوماً في أثناء مناشدته لي قول شرف الدين أبي المحاسن المعروب بابن عنين:
مال ابن سارة دونه لعفاته ... خرط القتادة أو مثال الفرقد
كان لزوم الجمع يمنع صرفه ... في راحة مثل المنادى المفرد
стр. 1134
فقال: هذا ليس يجيد، فقلت: ولم؟ قال: ليس من شرط المنادي المفرد أن يكون مضموماً، فقد يكون المنادي مفرداً ولا يكون مضموماً بأن يكون نكرة معين كما تقول: يا رجلاً، ولكن أنا أعمل شيئاً في هذا. قال: ثم اجتمعنا بعد ذلك في الجامع، فقال: قد عملت في ذلك المعنى بيتاً فاسمعه، ثم أنشأ يقول:
لنا خليل له خلال ... تعرب عن أصله الأخس
أضحت له مثل حيث كف ... وددت لو أنها كأمس
قلت: يعني أن كفه مضمومة مثل حيث مضمومة بالبناء لأجل بخله فليتها مكسورة العظم كأمس المكسور بالبناء، والنظم الأول قد بالغ في وصفه بالبخل لتشبيهه وصول العفاة إلى ماله بخرط القتاد في الصعوبة، وكمثال الفرقد في البعد، والعفاة الطلاب جمع عاف، وشبه ماله في البيت الثاني في عدم صرفه إلى غيره بصيغة منتهى الجموع في عدم صرفه في لأعراب كمساجد ودراهم، وشبه راحته في كونها مضمومة لا يبسطها للبذل بالمنادى المفرد المبني على الضم مصل يا زيد ويا رجل لرجل بعينه.
واعترض عليه صاحب النظم الثاني بكون المفرد قد لا يكون مضموماً مثل قول لأعمى: يا رجلاً خذ بيدي لرجل لا بعينه، ثم اعترض ابن خلكان على المعترض بما سيأتي ذكره.
قال ابن خلكان: فقلت له وهذا أيضاً فيه كلام، فقال: وما هو؟ فقلت: حيث فيها لغات آخر، فمن العرب من بناها على الضم، ومنهم من بناها على الفتح، ومنهم من بناها على الكسر، وفيها لغات أخر غير هذه وأما أمس فمنهم من بناها على الكسر، ومنهم من يقول: إنها اسم معرب لكنه لا ينصرف، وأنشدوا على هذه اللغة.
لقد رأيت عجبًا مذ أمسا ... عجائزاًمثل السعالى خمسا
قلت: هذا إذا كانت أمس نكرة، فإن كانت معرفة أعربت قولاً واحدًا قال فسكت. وفيها توفي الملك الكامل أبو المعالي محمد ابن الملك العادل، كان سلطاناًمعظمًا، جليل القدر، محترماً، جميل الذكر، مكرمًا للعلماء، متمسكاًبالسنة، حسن
стр. 1135
الاعتقاد، معاشر الأرباب الفضائل، حازماً في أموره لا يضع الشيء إلآ في محله من غير إسراف ولا اقتتار، وكان يبيت عنده كل ليلة جمعة جماعة من الفضلاء ويشاركهم في مباحثات، ويسألهم عن المواضع المشكلات من كل فن، وهو معهم كواحد منهم وبنى بالقاهرة دار حديث، ورتب لها وقفًا جيدًا، وكان قد بنى على ضريح الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قبة عظيمة، ودفن أمه عنده، وأجرى إليها من ماء النيل، ومدده بعيد، وغرم على ذلك جملة عظيمة.
ولما مات أخوه الملك المعظم عيسى الملقب بشرف الدين صاحب الشام وأقام ولده الملك الناصر صلاح الدين داود مقامه، خرج الملك الكامل من الديار المصرية قاصدًا أخذ دمشق منه، وجاء أخوه الملك الأشرف مظفر الدين موسى، فاجتمعا على أخذ دمشق وقد تقدم ذكر ذلك وأنه دفعها إلى أخيه الملك الأشرف، وأخذ عوضها من بلد المشرق عدة بلدان تقدم ذكرها وتقدم أيضاً أنه لما مات الملك الأشرف جعل ولي عهده أخاه الملك الصالح إسماعيل فقصده الملك الكامل، وانتزع منه دمشق بعد مصالحة جرت بينهما.
ولما ملك الملك الكامل البلاد الشرقية، واستخلف بها ولده الملك الصالح أبا المظفر أيوب، واستخلف ولده الأصغر الملك العادل بالديار المصرية، وكان قد سير الملك العادل الملك المسعود إلى اليمن، وكان أكبر أولاد الملك الكامل، وقد تقدم ذلك وأنه ملك الحجاز مضافة إلى اليمن.
ولما وصل الخطيب إلى ذكر الكامل قال: صاحب مكة وعبيدها، واليمن وزبيدها، ومصر وصعيدها، والشام وصناديدها، والجزيرة ووليدها، سلطان القبلتين، ورب العا متين، وخادم الحرمين الشريفين، أبو المعالي محمد الملك الكامل ناصر الدين خليل أمير المؤمنين. قال ابن خلكان: ولد رأيته بدمشق في سنة ثلاث وثلاثين وست مائة عند رجوعه من بلاد الشرق، وفي خدمته يومئذ بضعة عشر ملكاًمنهم أخوه الملك الأشرف. ولم يزل في علوشأنه وعظم سلطانه إلى أن مرض بعد أخذ دمشق، ولم يزل مريضًا إلى أن توفي يوم الأربعاء بعد العصر، ودفن في القلعة بمدينة دمشق يوم الخميس الثاني والعشرين من رجب السنة المذكورة.
قال: وكانوا قد أخفوا موته إلى وقت صلاة الجمعة، فلما دنت الصلاة قام بعض الدعاة على العرش الذي بين يدي المنبر، فترحم علىالملك الكامل، ودعا لولده الملك العادل ابن الملك الكامل صاحب مصر، فضج الناس ضجة واحدة، وكانوا قد أحسوا
стр. 1136
وترتب ابن أخيه الملك الجواد مظفر الدين يونس في ثياب السلطنة بدمشق عن الملك العادل ابن الملك الكامل صاحب مصر، باتفاق الأمراء الذين كانوا حاضرين ذلك، ثم بنى له تربة مجاورة للجامع، ولها شباك إلى الجامع، ونقل إليها، وكان عمره نحواًمن أربعين سنة وأقام ولده الملك العادل في المملكة إلى سنة سبع وثلاثين، ثم قبض عليه أمراء دولته، وطلبوا أخاه الملك الصالح أيوب، فجاءهم ومعه الملك الناصر صاحب الكرك، ودخلا القاهرة، وأدخل الملك العادل في محفة، وحوله جماعة كثيرة من الأجناد يحفظونه، وحمله إلى القلعة، واعتقله بها وسط العدل في الرعية، وأحسن إلى الناس، وأخرج الصدقات، وأصلح ما تهدم من المساجد، وأقام في المملكة إلى أن توفي في سنة سبع وأربعين وست مائة، وكان قد أخذ دمشق من عمه الملك الصالح، وأبقى عليه بعلبك، فلما توفي أخفي موته مقدار ثلاثة أشهر، والخطبة باسمه إلى أن وصل ولده الملك المعظم من بلاد الشام، فعند ذلك أظهروا موته، وخطب لولده المذكور، وبنى له تربة بالقاهرة إلى جنب مدرسته، ونقل إليها سنة ثمان وأربعين وأمه جارية مولدة سمراء اسمها ورد الندى، وتوفي العادل في الاعتقال سنة خمس وأربعين وست مائة، وكان له ولد يقال له: الملك المغيث نقله الملك المعظم إلى الشويك، ثم بعد الملك المعظم استولى على الكرك والشويك وتلك النواحي، ولم يزل مالكها إلى زمن الملك الظاهر، فراسله وبذل له عن تسليم البلد أعواضًاكثيرة، وحلف له حتى إذا نزل إليه. إلى منزله في الغور قبض عليه، وجهزه إلى قلعة الجبل بمصر، واعتقله بها، وكان آخر العهد به، وكان للمغيث ولد يلقب بالقرين صغير السن، فنصبه الملك الظاهر أميرًا، ولم يزل في خدمته إلى أن فتح انطاكية، ثم قبض عليه، واعتقله في القلعة المذكورة، وكان الملك الظاهر يبالغ في تحصيل قلعة الكرك، ويملؤها بالذخائر والأموال، ولما جرى على ولده السعيد ما جرى، وتوجه إلى الكرك نفعته تلك الذخائر، وكانت عوناً له على زمانه، ولما. توفي الملك السعيد ابن الملك الظاهر ملكها بعده أخوه الملك المسعود باتفاق من كان بها من مماليك أبيه ومن أمرائه، وقال ابن خلكان: وهو الآن متملكها ومقيم بها.
سنة ست وثلاثين وست مائة
وفيها ضعفت سلطنة الملك الجواد بدمشق بعد أن محق الخزائن، وكاتب الملك الصالح أيوب بن الكامل، وقابضه فأعطاه دمشق بسنجار، وأعانه، وكانت صفقة خاسرة، فبادر الصالح، وتسلم دمشق من الجواد لأن المصريين. ألحوا على الجواد في أن ينزل عن
стр. 1137
دمشق ويعطي الاسكندرية، ثم ركب الملك الصالح في المدرسة، وحمل الجواد الغاشية بين يديه، ثم أكل يديه ندما وسافر وتوجه الصالح نحو الغور، وطلب عمه إسماعيل من بعلبك ليتفقا، فدبر إسماعيل أمره، واستعان بالمجاهد صاحب حمص، وهجم دمشق فأخذها، فسمعت الأمراء، فتوجهت إليه، وبقي الصالح في طائفة، فأخذه عسكر الناصر صاحب الكرك، واعتقله عنده.
وفيها توفي الشيخ العارف الصالح أبو العباس أحمد بن علي القسطلاني الفقيه المالكي الملقب بزاهد مصر، تلميذ الشيخ الكبير العارف بالله الشيهر أبي عبد الله القرشي، سمع الحديث، وتفقه ودرس بمصر، وأفتى وصحب الشيخ المذكور، وكان القاري في مواعيده، وتزوج بعد موته زوجته السيدة الجليلة الصالحة أم ولده الشيخ قطب الدين الإمام المحدث، ثم جاور أبو العباس المذكور بمكة وتوفي بها وقبره معروف يزار في الشعب الأيسر.
قلت: وبلغني أنهم احتاجوا في المدينة الشريفة إلى الاستسقاء، وهو بها مجاور، فاتفق رأيهم أن يستسقي أهل المدينة يومًا المجاورون يوماً، وبدأ أهل المدينة بالاستسقاء، فلم يسقوا، فعمل هو طعاماً كثيرًا للضعفاء والمساكين، واستسقى مع المجاورين، فسقوا، وله مؤلف جمع فيه كلام شيخه أبي عبد الله القرشي، وكلام بعض شيوخه، وبعض كراماته. وفيها توفي الحافظ الجوال محدث الشام ومفيده أبو عبد الله محمد بن يوسف الإشبيلي، الملقب بالزكي، سمع بالحجاز ومصر والشام والعراق وأصبهان وخراسان والجزيرة، فأكثر وتوفي في رمضان بحماة ﵀.
سنة سبع وثلائين وست مائة
قد تقدم أن إسماعيل هجم دمشق فملكها، وتسلم القلعة من الغد، واعتقل الصالح أيوب بالكرك أشهرًا وطلبه أخوه العادل من الناصر داؤد، وبذل فيه مائة ألف دينار، وكذا طلبه الصالح إسماعيل، فامتنع الناصر، ثم اتفق معه وحلفه، وسار به إلى الديار المصرية، فمالت إليه الكاملية، وقبضوا على العادل، وتملك الصالح أيوب ورجع الناصر.
وفيها توفي الحافظ المقرىء الحاذق أبو عبد الله محمد بن سعيد المعروف بابن الدبيثي الواسطي الشافعي، سمع الحديث، وقرأ القراءات، وكان إمامًا متفننًا واسع العلم، غريز الحفظ وفيها توفي الحافظ المقرىء الحاذق أبو عبد الله محمد بن أبي المعالي سعيد الفقيه
стр. 1138
الشافعي المؤرخ الواسطي، المعروف بابن الدبيثي بضم الدال المهملة، وفتح الموحدة وسكون المثناة من تحت، وبعدها مثلثة نسبة إلىدبيثا قرية من نواحي واسط، سمع الحديث كثيراً، وعلق تعاليق مفيدة، وكانت له محفوظات حسنة، يوردها ويستعملها في محاوراته وكان في الحديث وأسماء رجاله والتاريخ من الحفاظ المشهورين والنبلاء المذكورين وصنف كتابًاجعله ذيلاً على كتاب تاريخ الحافظ أبي سعيد ابن السمعاني المذيل علىتاريخ بغدادللخطيب، وذكر فيه ما أغفله السمعاني في ثلاث مجلدات وما أقصر فيه، وصنف تاريخاًللواسط، وغير ذلك وأنشد لنفسه:
خبرت بني الأيام طراً، فلم أجد ... صديقًا صدوقًا مسعداً في النوائب
وأصفيتهم مني الوداد، فقابلوا ... صفاء وداثي بالفداوالشوائب
وما اخترت منهم صاحبًاوارتضيته ... فأحمدته في فعله والعواقب
قلت: وهن الأبيات أخذت من أبيات الإمام الشافعي المذكورة في ترجمته وفيها توفي أبو البركات المبارك بن أبي الفتح أحمد بن المبارك، الملقب بابن المستوفي اللخمي الإربلي، كان رئيسًا جليل القمر كثير التواضع واسع الكرم، لم يصل إلى إربل أحدمن الفضلاءإلا وبادر إلى زيارته وحمل إليه ما يليق بحاله، وتقرب إلى قلبه بكل طريق وخصوصًاأرباب الأدب، فقد كانت سوقهم لديه نافقة وكان جم الفضائل عارفا بعدة فنون منها الحديث وعلومه وأسماء رجاله، وجميع ما يتعلق به، وكان إمامًا فيه، وكان ماهراًفي فنون الأدب من النحو واللغة والعروض والقوافي وعلم المعاني وأشعار العرب وأخبارها وأيامها ووقائعها وأمثالها، وكان بارعاًفي علم الديوان وضبطه وحسابه، وضبط قوانينه علىالأوضاع المعتبرة عندهم، وجمع لإربل تاريخاًفي أربع مجلدات، وله كتاب النظام في شرح شعر المتنبي وأبي تمام في عشر مجلدات، وكتاب إثبات المحصل في نسبة أبيات المفصل في مجلدين تكلم فيه على الأبيات التي استشهد بها الزمخشري في المفصل وكتاب سر الصنعة وكتاب سماه أبا حماش جمع فيه أدباً كثيرًا ونوادر وغيرها. وديوان شعر أجاد فيه، ومن شعره بيتان فضل فيهما البياض على السمرة، وهما:
لا تخدعنك سمرة غزاره ... ما الحسن إلا للبياض وجنسه
فالرمح يقتل بعضه من غيره ... والسيف يقتل كله من نفسه
قلت: ولي أبيات في تفصيل لون البياض على غيره منها قولي:
стр. 1139
إذا الغانيات البيض يومًاتفاخرت ... بألوانها، فاحكم فأنت خبير
فأبيضهاسلطانها، ثم أصفر ... لسلطانها يتلو علاه وزير
وإن رام تقليد الإمارة أهلها ... فأسمرها الميمون ذاك أمير
وأحمرها جندلها قل وسايس ... لها أسود دون الجميع حقير
فإن قيل: لم فضلت للبيض رافعًا ... ولم قلت ماللبيض قط نظير؟
فقل ذا لأن الحور بيض لها كسا ... بأحسن ألوان الجمال قدير
وأيضًافلون البيض باهج حسنة ... يحاكيه بدر في السماء منير
رجعنا إلى ذكر ابن المستوفي، وأرسل إلى شاعر وصل إلى إربل دنياراً مثلوماً مع إنسان يقال له: الكمال، فتوهم الشاعر أن الملك قد فرض قطعة من الدينار، فقصد استعلام الحال من أبي البركات المذكور، فكتب إليه:
ياأيها المولى الوزير ومن به ... في الجود حقًا يضرب الأمثال
أرسلت بدر التم عند كماله ... حسنًا فوافى العبد، وهو هلال
ما غاله النقصان إلا أنه ... بلغ الكمال، كذلك الآجال
فأعجبه هذا المعنى وحسن الاتفاق، فأجاز الشاعر، وأحسن إليه. وكان مستوفي الديوان، وهي منزلة عليه في تلك البلاد تتلو الوزارة، ثم تولى الوزارة بعد ذلك، وشكرت سيرته فيها، ولم يزل عليها إلى أن مات السلطان مظفر الدين، فقعد في بيته في تلك البلاد والناس يلازمون خدمته، وكان عنده من الكتب النفيسة شيء كثير، ثم توفي بالموصل.
قال ابن خلكان: وهو من بيت كبير، وأبوه تولى الاستيفاء بإربل، وعمه أبو الحسن، كان فاضلاً، وهو الذي نقل نصيحة الملوك تصنيف الإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي من اللغة الفارسية إلى اللغة العربية، فإن الغزالي لم يضعها إلا بالفارسية، وذلك مشهور بين الناس، ولما توفي رثاه يوسف بن القيس الإربلي بقوله:
أبو البركات لو درت المنايا ... بأنك فرد عصرك لم تصبكا
كفى الإسلام رزأ فقد شخص ... عليه بأعين الثقلين يبكى
وفيها توفي أبو الفتح نصر الله بن أبي الكرم، الملقب ضياء الدين محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني، المعروف بابن الأثير الجزري، العلامة الكاتب البليغ صاحب المثل السائر، انتهت إليه رياسة الإنشاء أتترسل، وكان مولده بجزيرة ابن عمر، ونشأ بها، وانتقل
стр. 1140
مع والده إلى الموصل، وبها اشتغل، وحصل العلوم، وحفظ كتاب الله الكريم، وكثيراً من الأحاديث النبوية، وطرفًا صالحًا من النحو واللغة وعلم البيان، وشيئًا كثيرًا من الأشعار وكان من جملة محفوظاته شعر أبي تمام والبحتري والمتنبي، قال: حفظت هذه الدواوين الثلاثة، وكنت أكرر عليها بالدرس مدة سنين، حتى تمكنت من صوغ المعاني، وصار الإدمان لي خلقًا وطبعاً وقد كنت حفظت من الأشعار القديمة والمحدثة ما لا أحصي، ثم اقتصرت عليه على أشعار الثلاثة المذكورين.
قال ابن خلكان: ولما كملت له الأدوات قصد جناب الملك الناصر صلاح الدين وكان يومئذ شاباً، فاستوزره ولده الملك الأفضل، وحسنت حاله عنده.
ولما توفي السلطان صلاح الدين، واستقل ولده المذكور بمملكة دمشق، اشتغل ابن الأثير بالوزارة وردت إليه أمور الناس، وصار الاعتماد في جميع الأحوال عليه، ولما أخذت دمشق من الملك الأفضل، وكان ابن الأثير قد أساء العشيرة مع أهلها، فهموا بقتله، فأخرجه الحاجب محاسن مستخفيًا في صندوق مقفل عليه، ثم صار إليه، وصحبه إلى مصر لما استدعي لنيابة أخيه الملك المنصور.
ولما أخذ الملك العادل الديار المصرية، خرج ابن الأثير منها مستترًا وله في كيفية خروجه رسالة طويلة، شرح فيها حاله، ولما استقر الملك الأفضل غاب عن مخدومه الملك الأفضل، ثم بعد ذلك اتصل بخدمة أخيه الملك الظاهر صاحب حلب، فلم يطل مقامه عنده، وخرج مغاضبًا، وعاد إلى الموصل، فلم يستقم حاله، فورد إربل، فلم يستقم حاله فسافر إلى سنجار، ثم عاد إلى الموصل، واتخذها دار إقامته إلى أن توفي، وله من التصانيف الدالة على غزارة فضله، كتابه المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، وهو في مجلدين، جمع فيه فأوعب، ولم يترك شيئًا يتعلق بفن الكتابة إلا ذكره، وكتاب الوشي المرقوم في حل المنظوم، وهو مع وجازته في غاية الحسن والإفادة وكتاب المعاني المخترعة في صناعة الإنشاء، وهو أيضاً نهاية في بابه، وله مجموع أخبار فيه شعر أبي تمام والبحتري وديك الجن والمتنبي في مجلد واحد كبير، وحفظه مفيد.
قال ابن المستوفي: نقلت من خطه، في آخر هذا الكتاب ما مثاله:.
تمتع به علقًا نفيسًا فإنه ... اختيار بصير بالأمور حكيم
أطاعته أنواع البلاغة فاعتدى ... إلى الشعر من نهج إليه قويم
وله ديوان شعر ترسل في عدة مجلدات، والمختار منه في مجلد واحد.
стр. 1141
قال: وذكر ابن خلكان له رسالة كتبها إلى محذومة بليغة البلاغة إلا أن في بعض ألفاظها ما بالغ فيه بما لا ينبغي أن يقال: وكم من قول أدى إلى تكفير صاحب المقال، ومن جلة ألفاظه، ما يملأ الوادي بمائة، ومايملأالنادي بنعمائه، فإنه وإن أراد المطر الذي نزل، فقد احتقر فيض الله ، وقد نظمت أبياتًا ردوا تبكيتا لقائل من قال هذا القول الآتي أو ما يجري مجراه نعوذ بالله من الخروج إلى ما لا يرضاه، وهو هذا:
فنوال كفك بدرة در ... ونوال الغمام قطرة ماء
وكذا قول بديع الزمان:
وكاد يحكيك صوب الغيث منسكبًا ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا
والدهرلو لم يخن، والشمس لونطقت ... والليث لو لم يصدو البحر لو عذبا
قال ابن خلكان: ولابن الأثير المذكور، كل معنى مليح في الترسل، وكان يعارض القاضي الفاضل في رسائله، فإذا أنشأ رسالة أنشأ مثلها، وكانت بينهما مكاتبات، ومجاوبات، ولم يكن له في النظم شيء حسن، ومن رسائله قوله في صفة نيل مصر وعذب رضائه يضاهي حتى النحل واحمر صفيحة فعلمت أنه قتل المحل، وهو معنى بديع غريب نهاية في الحسن، لم أقف لغيره على أسلوبه ثم إني وجدت هذا المعنى لبعض العرب، وقد أخذه ضياء الدين منه، وهو قوله:
لله قلب ما يزول يروعه ... برق الغمامة منجدًا ومغورا
ما احمر في الليل البهيم صفيحة ... متجردًا إلا وقد قتل الكرى
وقتل بالقاف، والمثناة من فوق قال: وكأن هو، وأخوه مجد الدين أبو السعادات المبارك، وأبو الحسن علي الملقب عز الدين، كلهم نجباء رؤساء لكل واحد منهم تصانيف نافعة.
وفيها توفي أبو الحسن علي بن أحمد التجيبي المرسي، كان متفننًا عارفًا بالنحو، والعلوم، والكلام، والمنطق سكن حماة قال الذهبي: وله تفسير عجيب.
سنة ثمان وثلاثين وست مائة
فيها سلم الملك الصالح إسماعيل قلعة السقيف للفرنج، لغرض في نفسه، فمقته
стр. 1142
المسلمون، وأنكر عليه الإمام عز الدين بن عبد السلام، وأبو عمر ابن الحاجب، فسجنهما وعزل ابن عبد السلام من خطابة دمشق، وفيها ولي القضاء الرفيع الجيلي.
وفيها توفي محيي الدين ابن العربي أبو بكر محمد بن علي الطائي الحاتمي المرسي الصوفي نزيل دمشق صاحب التصانيف قلت: هذه ترجمة الذهبي، ثم زاد قال: قدوة القائلين بوحدة الوجود ولد سنة ستين وخمس مائة، روىعن ابن بشكوال وطائفة، وتنقل إلى البلاد، وسكن الروم مدة ثم قال: وقد اتهم بأمر عظيم.
قلت: فترجمته هذه وكلامه فيها إشارة إلى ما يعتقد فيه كثير من الفقهاء من الطعن العظيم والقدح وبضد ذلك مدح طائفة من الصوفية له، وقليل من الفقهاء، فحموه تفخيماً عظيماً، ومدحوا كلامه مدحاً كريمًا، ووصفوه بعلو المقامات، وأخبروا عنه ما يطول ذكره من الكرامات، وله أشعار لطيفة غريبة، وأخبار ونوادر طريفة عجيبة، وأعظم ما يطعن الطاعنون فيه بسبب كتابه الموسوم بفصوص الحكم وبلغني أن الإمام العلامة ابن الزملكاني شرح كتابه المذكور، ووجهه توجيهًا نفى عنه ما يظن من المحظور، ويخشى من الوقوع في المحذور.
وأخبرني بعض العلماء الصالحين ممن له ذوق، وفهم حميدان كلام ابن العربي المذكور له تأويل بيعد، وقد قيل: إنه اجتمع هو والإمام شهاب الدين السهروردي، ونظر كل واحد إلى صاحبه، وافترقا من غير كلام، فسئل عن الشيخ شهاب الدين، فقال: مملوسنة من قرنه إلى قدمه، وسئل عنه شهاب الدين فقال: بحر الحقائق قلت: وقد ذكرت له في بعض كتبي أن كل من اختلف في تكفيره، فمذهبي فيه التوقف، ووكول أمره إلى الله تعالى.
سنة تسع وثلاثين وست مائة
وفيها توفي الإمام النحوي أحمد بن الحسين المعروف بابن الخباز الإربلي، ثم الموصلي الضرير صاحب التصانيف الأدبية.
وفيها توفي القاضي العلامة الملقب عماد الدين المكنى أبو المعالي عبد الرحمن بن مقبل الواسطي الشافعي وفيها توفي الإمام العلامة أبو الفتح الملقب بالكمال موسى بن
стр. 1143
يونس الموصلي الشافعي أحد الأعلام ولد سنة احدى وخمسين بالموصل، وتفقه على والده، وببغداد على معيد النظامية السديد السلماسي وبرع عليه في علم الأصول والخلاف، وقرأ النحو على ابن سعدون القرطبي، والكمال الأنباري، وأكب على الاشتغال بالعقليات، حتى بلغ فيها الغايات، وكان يتوقد ذكاء، ويموج بالحلوم حتى قيل: إنه كان يتفنن في العلوم فنونًا كثيرة اشتهر ذكره، وطار خبره ودخلت الطلبة إليه من الأقطار، وتفرد باتقان علم الرياضي، قيل: ولم يكن له في وقته نظير هذا ما ذكره الذهبي.
وقال غيره: كان الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح يبالغ في الثناء عليه، ويعظمه، فقيل له يومًا: من شيخه؟ فقال: هذا الرجل خلفه الله عالماً لا يقال على من اشتغل، وهو أكبر من هذا، وله عدة تصانيف.
وقال ابن خلكان: وكان الفقهاء يقولون: إنه يدري أربعة وعشرين فنًا دراية متقنة، فمن ذلك علم المذهب، وكان فيه أوحد زمانه، وكان جماعة من الحنفية يشتغلون عليه في مذهبهم، ويحل لهم مسائل الجامع الكبير أحسن حل مع ما هو عليه من الأشكال المشهور وكان يتقن فني الخلاف العراقي والبخاري، وأصول الفقه وأصول الدين.
ولما وصلت كتب الإمام فخر الدين الرازي إلى الموصل، وكان بها إذ ذاك جماعة من الفضلاء لم يفهم أحد منهم اصطلاحه فيها سواه، وكان يدري فن الحكمة والمنطق، والطبيعي، والإلهي وكذلك الطب، ويعرف فنون الرياضة من اقليدس، والهيئة، والمخروطات والمتوسطات، والمجسطي، وأنواع الحساب المفتوح منه والجبر والمقابلة والارثماطيقي بالمثناة من فوق قبل الألف، ومن تحت قبل القاف، وطريق الخطاءين، والموسيقى بكسر القاف والمساحة، معرفة لا يشاركه فيها أحد إلا في ظواهرها دون دقائقها والوقوف على حقائقها، واستخرج في علم الأوفاق طرفا لم يهتد إليها أحد، وكان يبحث في العربية، والتصريف بحثاً تاماً حتى إنه كان يقرئ مستوفي كتاب سيبويه، والإيضاح وتكملته للفارسي، ومفصل الزمخشري، وكان له في التفسير، والحديث، وأسماء الرجال وما يتعلق به يد جيدة، وكان يحفظ من التواريخ وأيام العرب ووقائعهم، والأشعار والمحاضرات شيئًا كثيرًا. وكان أهل الذمة يقرؤون عليه التوراة والإنجيل، ويشرح هذين الكتابين لهم شرحًا يعترفون أنهم لا يجدون من يوضحها لهم مثله.
قلت: هكذا ذكر عنه ومثل هذا معلوم أنه حرام وباطل، وذلك لوجوه أحدها إقراء كتب منسوخة ومبدلة باطل حكمها لا تصح، العمل بها والثاني مؤانسة لأعداء الله، ومجانسة
стр. 1144
لهم مع وجوب مقاطعتهم، والبغض لهم، والثالث إغراؤه لهم على الاشتغال، والعمل بما فيها، وقد نص أئمتنا على أنها تتلف قال: وكان في كل فن من الفنون المذكورات كأنه لم يعرف سواه لقوته فيه. قال: وبالجملة فإن مجموع ما كان يعلمه من العلوم لم يسمع من أحد ممن تقدمه أنه كان قد جمعه حتى حكي عن أثير الدين ابن الأبهري صاحب التعليقة في الخلاف والزيج والتصانيف المشهورة أنه قال: ما دخل إلى بغداد مثله.
قال ابن خلكان: وكان قد اشتغل عليه حينئذ بشيء من الخلاف، فقلت له: يا سيدي كيف تقول كذا؟ قال: يا ولدي ما دخل إلى بغداد مثل أبي حامد الغزالي، وما بينه وبينه نسبة وأقسم على ذلك. قال: وكان الأثير على جلالة قدره في العلوم يأخذ الكتاب، ويجلس بين يديه، ويقرأ عليه والناس إذ ذاك يشتغلون في تصانيف الأثير، قال: ولقد شاهدت هذا بعيني انتهى.
قلت: هيهات أن يلحق بحجة الإسلام، وعلم العلماء الأعلام، والذي باهى به نبينا موسى وعيسى عليه وعليهما أفضل الصلاة والسلام، والذي إقحام الفرق عنده أيسر من شرب الماء من الموحدين والملحدين والحكماء.
إمام الهدى المنبني على الفضل منشدا ... سبوقًا على المهر الأغر المحجل
غزلت لهم غزلاً دقيقًا، فلم أجد ... لغزلي نساجًا، فكسرت مغزلي
سنة أربعين وست مائة
فيها توفي صاحب المغرب الرشيد أبو محمد ابن المأمون صاحب مراكش والمستنصر بالله أبو جعفر منصور بن الظاهر بأمر الله محمد العباسي، كان محمود السيرة، فلما توفي بويع ولده المعتصم بالله.
وفيها توفيت جمال النساء بنت أحمد بن أبي سعيد الغراف بالغين المعجمة والراء والفاء البغدادية، سمعت من غير واحد من الشيوخ.
سنة إحدى وأربعين وست مائة
فيها حكمت التتار على بلد الروم، وألزم صاحبها ابن أخيه علاء الدين بأن يحمل لهم كل يوم ألف دينار، ومملوكاً وجاريةً وفرساً، وكلب صيد.
وفيها توفي السلطان ابن محمود البعلبكي صاحب الأحوال والكرامات، أحد أصحاب الشيخ عبد الله اليونينى بالمثناة من تحت مكررة قبل الواو، وبين النونين وياء للنسبة. وفيها توفيت أم الفضل كريمة بنت عبد الوهاب القرشية الزبيرية مسندة الشام، روت
стр. 1145
كثيراً عن جماعة، وأجاز لها خلق كثير منهم أبو الوقت السجزي وغيره.
وفيها توفيت أمة الحكيم عائشة بنت محمد الواعظة البغدادية، كانت صالحة تعظ النساء.
وفيها توفي الجواد الذي تسلطن بدمشق بعد الملك الكامل، وكان جوادًا من أمرائه.
سنة اثنتين وأربعين وست مائة
فيها طلب الملك الصالح أيوب الخوارزمية، وطلبهم من الجزيرة فعدوا الفرات، وندبهم لمحاصرة عمه إسماعيل بدمشق، واستنجد إسماعيل بالفرنج، وبصاحب حمص، فساقت الخوارزمية، واجتمعت بعسكر مصرفي غرة، وجاءتهم الخلع والنفقات والثياب، وبعث الناصر داؤد عسكره من الكرك نجدة لإسماعيل، ثم وقع المصاف بقرب عسقلان، فانتصر المصريون والخورزمية على الشاميين والفرنج، واستحر القتل في الفرنج، وأسرت ملوكهم، وخاف إسماعيل، وحصن دمشق واستعد.
وفيها توفي أبو البركات محمد بن الحسن الأنصاري الحموي، المعروف بالنفيس، سمع بمكة من عبد المنعم الغوراني.
وفيها توفي شيخ الشيوخ عبد الله، ويقال له: أيضًا عبد السلام الجويني الصوفي، المعروف بتاج الدين ابن حمويه، سمع من شهدة ﵂، والحافظ أبي القاسم ابن عساكر.
وفيها توفي حاطب بن عبد الكريم الحارثي، عاش خمسًا وتسعين سنة وروى عن الحافظ ابن عساكر المذكور.
سنة ثلاث وأربعين وست مائة
فيها وقيل: قبلها حاصرت الخوارزمية دمشق، وعليهم الصاحب معين الدين، واشتد الخطب، وأحرقت الحواصل، ورمى بالمجانيق من الفريقين، وبعث الدمشقيون بالصالح إسماعيل في ولايته، وضاقوا من القحط والخوف والوباء ما لا يعبر عنه، وأدام الحصار خمسة أشهر إلى أن أضعف إسماعيل وفارق دمشق، وتسفهما الصاحب معين الدين، فغضب الخوارزمية من الصالح ونهبوا داريا، وترحلوا أو أرسلوا الصالح إلى بعلبك، وصاروا معه، وردوا، فحاصروا دمشق، وتلك الأيام كان الغلاء المفرط، حتى بلغت
стр. 1146
الغرارة بدمشق بألف وست مائة درهم، وأكلت الجيف، وتفاقم الأمر مع الخمور، والفواحش.
وفيها توفي أبو البقاء موفق الدين بن يعيش بن علي الموصلي الأصل الحلبي المولد والمنشأ النحوي قرأ النحو على أبي السخاء الحلبي، وأبي العباس المغربي التبريزي وسمع الحديث على أبي الفضل عبد الله بن أحمد الخطيب الطوسي بالموصل، وعلي بن السويد التكريتي، ويحلب على أبي الفرج يحيى بن محمود الثقفي، والقاضي أبي الحسين الطوسي وغيرهم، وكان فاضلاً ماهرًا في النحو والتصريف، واجتمع في دمشق بالشيخ تاج الدين أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي الإمام المشهور، وسأله عن مواضع مشكلة في العربية وعن إعراب ما ذكره الحريري في المقامات العاشرة المعروفة بالرحبية، وهو قوله في آخرها: وحتى إذ لألأ الأفق ذنب السرحان وآن ابتلاج الفجر وحان فأستبهم جواب هذا المكان على الكندي: هل الأفق وذنب السرحان مرفوعان أو منصوبان، أو الأفق مرفوع وذنب السرحان منصوب، أو على العكس؟ وقال له: قد علمت قصدك، وأنك أردت إعلامي بمكانك من هذا العلم، وكتب له بخطه بمدحه والثناء عليه، ووصف تقدمه في الفن الأ د بي.
قال ابن خلكان: وهف! المسألة يجوز الأمور الأربعة فيها، والمختار منها نصب الأفق ورفع ذنب السرحان، قلت: يعني ابن خلكان أن الأفق مفعول، وفعله لألأ، وفاعله ذنب وأما السرحان مخفوض بالإضافة إليه، والمراد بذنب السرحان الفجر الأول الكاذب، فإنه مشبه به في طوله في السماء بخلاف الفجر الصادق، فإنه مشبه بجناحي الطائر لانتشاره يميناً وشمالاً، وهو الذي أشار إليه من الإعراب من كونه المختار، هو الذي ظهر لي وبادر إليه فهمي أول وقوفي على هذه المسألة قبل الوقوف على السؤال، وما يحتمله من الأقوال. قال ابن خلكان: ولما دخلت إلى حلب لأجل الاشتغال بالعلم الشريف، كان الشيخ موفق الدين شيخ الجماعة، وذلك في سنة ست وعشرين وست مائة، وهي مشحونة بالعلماء والمشتغلين، ولم يكن فيهم مثل الشيخ موفق الدين المذكور، فشرعت عليه في قراءة اللمع لابن جني مع سماعي اقراءه الجماعة كانوا قد تنبهوا وتميزوا، وكان حسن التفهيم لطيف الكلام طويل الروح على المبتدىء والمنتهي، وكان خفيف الروح لطيف الشمائل كثير المجون، مع سكينة ووقار. ولقد سأله يوما وأنا حاضر بعض الفقهاء عن قول ذي الرمة:
стр. 1147
أيا ظبية الوعساء بين خلاخل ... وبين النقاء أنت أم أم سالم
وكان السائل يقرأ عليه في باب النداء، فقال: أي شيء في المرأة الحسناء يشبه الظبية؟ بعد أن كان قد شرح الشيخ موفق الدين ذلك، وأوضح وجه التشبيه مع شدة محبة الشاعر وولهه لأم سالم المذكورة، وعظم وجده بها على عادة الشعراء في تشبيههم بالظباء، والمهاء المستحسنات من النساء، وأوضح ذلك ايضاحاً يفهمه البليد، فلما لم يستحسن السائل المذكور الجواب، ولم يتلقه بالقبول، ولم يضعه في مركز الصواب بل قال: أي شيء في المرأة الحسناء يشبه الظبي؟ قال له الشيخ على وجه الإنبساط: لشبهها في ذنبها أو قرونها، فضحك الحاضرون، فحجل السائل ولم يعد إلى مجلسه قلت: وقد شرح مجنون ليلى وجه الشبه في قوله.
فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... ولكن عظم الساق منك دقيق
مخاطبًا للظبية لها ولها كثير من الشواهد وفي ذلك قلت في بعض القصائد:
لها جيد ريم شبه إبريق فضة ... وعين المهاترمي بها داني الردى
إذا مارست لم تخط قط مقاتلاً ... ولاقودًا يعطي ولا قتلها يدا
وفيها توفي الحافظ القدوة أبو العباس أحمد بن عيسى بن الموفق المقدسي الصالحي.
وفيها توفي العلامة المفتي أبو العباس أحمد بن محمد ابن الحافظ عبد الغني المقدسي.
وفيها توفي القاضي الأشرف أبو العباس أحمد ابن القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني، ثم المصري.
وفيها توفيت الصاحبة ربيعة خاتون أخت صلاح الدين والعادل، ودفنت بمدرستها بالجبل.
وفيها توفي المنتجب ابن أبي العز ابن رشيد الهمداني نزيل دمشق، قرأ القراءات على غير واحد من الشيوخ، وصنف شرحًا كبيرًا للشاطبية وشرحًا لمفصل الزمخشري وتصدر للإقراء.
وفيها توفي شيخ الإسلام تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الكردي
стр. 1148
الشهرزوري المعروف بابن الصلاح كان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه، وأسماء الرجال، وما يتعلق بعلم الحديث، ونقل اللغة، وكانت له مشاركة في فنون عديدة. قال ابن خلكان: وهو أحد أشياخي الذين انتفعت بهم. قال: كانت فتاواه مسددة قال: بلغني أنه درس جميع كتاب المهذب قبل أن يطلع شاربه، قرأ على والده الصلاح، وكان من جلة مشائخ الأكراد المشار إليهم، ثم نقل والده إلى الموصل واشتغل بها مدة، وتولى فيها الإعادة عند الشيخ العلامة عماد الدين أبي حامد بن يونس، وأقام قليلاً، ثم سافر إلى خراسان وأقام بها زمانًا وحصل علم الحديث هناك، ثم رجع إلى الشام، وتولى بالتدريس المدرسة الناصرية المنسوبة إلى صلاح الدين بالقدس، وأقام بها مدة، واشتغل الناس عليه وانتفعوا به، ثم انتقل إلى دمشق وتولى تدريس الرواحية التي أنشأها الزكي أبو القاسم هبة الله ابن عبد الواحد بن رواحة الحموي، ولما بنى الملك الأشرف ابن الملك العادل دار الحديث بدمشق فوض تدريسها إليه. اشتغل الناس عليه بالحديث فيها ثلاث عشر سنة، وتولى تدريس مدرسة ست الشام زمرد خاتون ابنة أيوب، وهي شقيقة شمس الدولة، وهي التي بنت المدرسة الأخرى ظاهر دمشق، وبها قبرها وقبر أخيها المذكور، وزوجها ناصر الدين صاحب حمص، وكان ابن الصلاح يقوم بوظائف الجهات الثلاث من غير إخلال بشيء منها إلا لعذر ضروري لا بد منه، وكان من العلم والدين على قدم حسن.
قال ابن خلكان: وأقمت عنده بدمشق ملازم الاشتغال مدة سنة وصنف في علوم الحديث كتاباً نافعًا مبسوطاً، وكذلك في مناسك الحج جمع فيه أشياء حسنة يحتاج إليها وله اشكالات على كتاب الوسيط في الفقه، وله طبقات الشافعية اختصره الشيخ محيي الدين النواوي، واستدرك عليه جماعة، ومن مشاهير شيوخه الفخر ابن عساكر، وزير الأمناء، ومؤيد الطوسي، وابن سكينة وطبرزد وزينب الشعرية وغيرهم، وممن تفقه عليه وروى عنه الشيخ شهاب الدين أبو أسامة، والإمام تقي الدين ابن رزين قاضي الديار المصرية، والعلامة شمس الدين ابن خلكان قاضي البلاد الشامية، والكمال ارسلان والكمال إسحاق الشيرازي شيخ النواوي، وآخرون إلى أن توفي، فشهد جنازته جم غفير وعدد كثير في الجامع، وحمل على الرؤوس انتهى، وجمع بعض أصحابه فتاواه في مجلد فلم يزل أمره جاريًا على سداد وصلاح حال واجتهاد في الاشتغال بما ذكرنا وبالنحو إلى أن توفي بدمشق في ربيع الآخر من السنة المذكور، ودفن في مقابر الصوفية خارج باب االنصر ومولده سنة سبع وسبعين وخمس مائة.
وذكر غيره أنه بعد اقامته بالموصل دخل بغداد وطاف البلاد، وسمع من خلق كثير
стр. 1149
وجم غفير ببغداد، وهمدان، ونيسابور، ومرو، وحران، وغير ذلك، ودخل الشام مرتين، قال: وكان إمامأ بارعاً حجة متبحرًا في العلوم الدينية بصيرًا بالمذهب وأصوله وفروعه، له يد طولى في العربية والحديث، والتفسير مع عبادة، وتهجد، وورع، ونسك، وتعبد، وملازمة للخير على طريقة السلف في الاعتقاد، وله آراء رشيدة، وفتاوى سديدة، ماعدا فتياه الثانية في استحباب صلاة الرغائب، وله اشكالات على الوسيط ومؤاخذات حسنة، وفوائد جمة، وتعاليق حسنة، وعلوم الحديث الذي اقتنصه من علوم الحديث للحاكم وزاد عليه.
وفيها توفي الإمام العلامة علم الدين أبو الحسن علي بن محمد السخاوي الهمداني المقرىء، أتقن علم القراءات على الإمام المقرىء المحقق أبي محمد القاسم الشاطبي المشهور بمصر، ثم انتقل إلى دمشق، وتقدم بها على علماء فنونه، وكان للناس فيه اعتقاد عظيم، وشرح المفصل للزمخشري في أربع مجلدات، وشرح الشاطبية للإمام المذكور، وكان قد قرأها عليه، وله خطب وأشعار، وكان متعينًا في وقته.
قال ابن خلكان: ورأيته بدمشق والناس يزدحمون عليه في الجامع لأجل القراءة، ولا يصح لواحد منهم نوبة إلا بعد زمان، ورأيته مرارًا ما يركب بهيمة وهو يصعد إلى جبل الصالحين، وحوله اثنان أو ثلاثة، وكل واحد يقرأ وظيفته في موضع غير موضع الآخر، والكل في دفعة واحدة، وهو يرد على الجميع. ولم يزل مواظبًا على وظيفته إلى أن توفي بدمشق في السنة المذكورة، وقد نيف على التسعين ولما حضرته الوفاة أنشد لنفسه:
قالوا: غدًا يأتي ديار الحمى ... وينزل الركب بمغناهم
وكل من كان مطيعًا لهم ... أصبح مسروراً بلقياهم
قلت: فلي ذنبي فماحيلتي ... بأي وجه أتلقاهم
قالوا: أليس العفو من شأنهم ... لا سيما ممن يرجاهم
وفيها توفي الحافظ الكبير محب الدين أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن البغدادي المعروف بابن النجار صاحب تاريخ بغداد ولد سنة ثمان وسبعين وخمس مائة، ورحل إلى أصفهان، وخرسان، والشام، ومصر، وسمع من جماعة، وكتب شيئًا كثيرًا، وكان ثقة متقناً واسع الحفظ تام المعرفة.
وفيها توفي المنتجب بن أبي العز بن رشيد أهمداني المقرئ نزيل دمشق، قرأ
стр. 1150
القراءات، وصنف شرحاً كبيرًا للشاطبية، وشرحًا لمفصل الزمخشري.
سنة أربع وأربعين وست مائة
لما اتفق الصالح إسماعيل مع الخوارزمية استمال الصالح أيوب صاحب حمص وأفسده على إسماعيل، ثم كتب إلى عسكر حلب يحثهم على حرب الخوارزمية، وأنهم قد خربوا الشام، فبادر نائب حلب شمس الدين لؤلؤ، واجتمع معه صاحب حمص بالغرب والتركمان بعسكر دمشق، وأقبل الملك الصالح إسماعيل معه الخوارزمية وعسكر الكرك وصاحب صرخد، فالتقى الجمعان على بحيرة حمص، فتقل مقدم الخوارزمية، وانهزم الصالح ثم تسارت الخوارزمية إلى التلقي، واتفق معهم الناصر داؤد، فجهز الصالح صاحب مصر جيشاً، فكسروا الخوارزمية، وساقوا فنازلوا الكرك، وتسلموا بعلبك، وبصري وأخذوا أولاد إسماعيل إلى القاهرة، والتجأ إلى حلب، وانقضت دولته، وصفت الشام لنجم الدين أيوب، فقدمها ودخل دمشق ثم مر إلى بعلبك، ومر إلى صرخد وأخذها وأخذ الصينية الملك السعيد بن العزيز، وهو ابن عمه، ثم مر ببصرى وبالقدس فأمر بعمارة سورها وبصرف مغلها في سورها.
وفيها توفي الملك المنصور ابن المجاهد أسد الدين صاحب حمص وأن صاحبها واحد الموصوفين بالشجاعة والاقدام، مرض ببستان الملك الأشرف بدمشق ومات، فنقل إلى حمص، ودفن عند أبيه، وكان عازمًا على أخذ دمشق، ففجأه الموت، وقام بعده بحمص ابنه الملك الأشرف موسى.
وفيها توفي إسماعيل بن علي الكوراني، وكان زاهدًا عابدًا قانتًا صادقاً أمارًا بالمعوف نهاءًا عن المنكر ذا غلظة على الملوك ونصيحة لهم.
سنة خمس وأربعين وست مائة
فيها أخذ المسلمون عسقلان، وأخذوا طبرية قبلها بأيام، وفيها أخذ الملك الصالح نجم الدين الصينية من الملك السعيد، وعوضه أموالاً، وجهز مائة فارس بمصر، وفيها نازل عسكر حلب مدينة حمص، وأخذوها بعد أشهر.
стр. 1151
وفيها توفي الكاشغري إبراهيم بن عثمان الزركشي ببغداد، سمع من جماعة ورحل إليه الطلبة من الآفاق والجهات، وكان اخرمن بقي بينه وبين الإمام مالك خمسة أنفس ثقات، وتولى مشيخة المستنصرية.
وفيها توفي الشيخ أبو محمد بن أبي الحسن بن منصور الدمشقي الصوفي ولد بقرية تستر من حوران، ونشأ بدمشق، وتعلم بها نسج العتابي، ثم تصرف وعظم أمره، وكثر أتباعه، وأقبل على سماعات الصوفية، وبالغ فيما يتعاطونه من ذلك، فمن يحسن به الظن يقول: هو صادق صاحب حال. أو تمكين ووصال ومن يسيء به الظن يرميه بالزندقة الضلال.
قلت: هذا معنى ما أشار إليه الذهبي، وميله فيه إلى ما ذكرت من الوصف الأخير كما هو مذهب أكثر الفقهاء الطعن في كثير من المشائخ، فإنه قال: ومن خيرأمره نسبه إلى الفضل والكمال، ومن قبح أمره رماه بالكفر والضلال، ثم قال: وهو أحد من لا يقطع عليه بجنة ولا نار، فإنا لا نعلم بما ختم له. لكنه توفي في يوم شريف يوم الجمعة قبل العصر السادس والعشرين من شهر رمضان، وقد نيف على التسعين. مات فجأة انتهى كلامه، وفيه من التشكك ما فيه من تغليب التكفير، وأما عدم القطع المذكور، فليس يخرج منه أحد سوى الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، ومن شهد له بذلك، ولم يزل الفقراء يذكرون عن الشيخ المذكور عجائب من الكرامات والتجريبات.
وفيها توفي أبو علي عمر بن محمد الأزدي الأندلسي الاشبيلي النحوي أحد من انتهت إليه معرفة العربية في زمانه، وكان بحراً لا يجارى وحبرًا لا يبارى تصدر لإقراء النحو نحواً من ستين عاماً، وصنف التصانيف سمع من جماعة من الشيوخ وأجاز له السلفي، وأخذ النحو عن غير واحد من النحاة.
قال ابن خلكان: ولقد رأيت جماعة من أصحابه كلهم فضلاء، وكلهم يقول: ما تقاصر الشيخ أبو علي المذكور عن الشيخ أبي علي الفارسي، قالوا: وفيه مع هذه الفضيلة غفلة وصورة بله في الصورة الظاهرة، حتى قالوا: إنه كان يومًا على جانب نهر وبيده كراريس، فوقعت منه كراسة في الماء وبعدت عنه، فلم يصل يده إليها فأخذ كراسةأخرى وجذبها فتلفت أخرىبالماء، وكان له مثل هذه الأشياء.
стр. 1152
وشرح المقدمة الجزولية كبيرًا وصغيرًا. وله كتاب في النحو سماه التوطئة بالجملة على ما يقال: كان خاتمة أئمة النحو.
وفيها توفي الملك المظفر غازي ابن الملك العادل صاحب فارقين وخلاط وغير ذلك، وكان فارساً شجاعًا شهمًا مهيبًا، وملكًا جوادًا تملك بعده ابنه الشهيد الملك الكامل ناصر الدين.
سنة ست وأربعين وست مائة
فيها توفي الإمام العلامة الفقيه المالكي الأصولي النحوي المقرىء المعروف بابن الحاجب أبو عمرو عثمان بن عمرو الكردي الأسناوي بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وقبل الألف نون، ثم المصري صاحب التصانيف المجادة المشتملة على التحقيق والإفادة. كان والده حاجباً للأمير عز الدين الصلاحي، واشتغل هو في صغره بالقران الكريم، ثم بالفقه على مذهب الإمام مالك، ثم بالعربية والقراءات وبرع في علومه، وأتقنها غاية الإتقان، ثم انتقل إلى دمشق، ودرس بجامعها في زاوية المالكية، واكب الخلق على الاشتغال عليه وتبحر في العلوم. قيل: وكان الغالب عليه علم العربية، وصنف مختصرًا في مذهبه، ومقدمة وجيزة في النحو، وأخرى مثلها في التصريف وشرح المقدمتين، وصنف في أصول الفقه.
قال ابن خلكان: وكل تصانيفه في نهاية الحسن والإفادة، وخالف النحاة في مواضع، وأورد عليهم اشكالات والزامات يبعد الاجابة عنها، قال: وكان من أحسن خلق الله ذهنًا، ثم عاد إلى القاهرة، وأقام بها والناس ملازمون للاشتغال عليه، قال: وجاءني مرارًا بسبب أداء شهادات، وسألته عن مواضع في العربية مشكلة، فأجاب عنها أبلغ اجابة بسكون كثير وتثبت تام، ومن جملة ما سألته عنه مسألة اعتراض الشرط على الشرط في قولهم: إن أكلت إن شربت لم يتعين تقديم الشرب على الأكل بسبب وقوع الطلاق حتى لو أكلت ثم شربت لم تطلق؟ وسألته عن بيت المتنبي عن قوله:
لقد تصبرت حتى لات مصطبر ... فالآن أقحم حتى لات مقتحم
ما السبب الموجب لخفض مصطبر ومقتحم، ولات ليست من أدوات الجر. فأطال الكلام فيهما، وأحسن الجواب عنهما، قال: ولولا التطويل لذكرت ما قاله، ثم انتقل إلى الاسكندرية للإقامة، فلم تطل مدته هناك، وتوفي بها ودفن خارج باب البحر بتربة الشيخ
стр. 1153
الصالح ابن أبي شامة، وكان مولده في سنة تسعين وخمس مائة بأسنا ﵀ انتهى كلام ابن خلكان.
قلت: وبلغني أنه كان محباً للإمام شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام ومصاحبًا له، وأنه لما حبسه السلطان كما تقدم بسبب إنكاره عليه. دخل ابن الحاجب المذكور معه الحبس لموافقته ومراعاة صحبته، ولعل انتقاله إلى مصر كان بسبب انتقال الإمام عز الدين المذكور، والله أعلم، ولكن قد تقدم أن الملك الصالح حبس هذين الإمامين المذكورين معاً لإنكارهما عليه.
وفيها توفي أن البيطار الطبيب البارع عبد الله بن أحمد المالقي صاحب كتاب الأدوية المفردة انتهت إليه المعرفة بتحيق النبات وصفاته ومنافعه وأماكنه، وله خدمة عند الكامل، ثم ابنه الصالح توفي بدمشق.
وفيها توفي ابن صاحب المغرب المعتضد، ويقال أيضًا: السعيد أبو الحسن علي بن المأمون ادريس ولي الأمر بعد أخيه عبد الواحد، وقتل على ظهر جواده، وهو محاصر حصنًا بتلمسان، وولي بعده المرتضى، فامتدت دولته عشرين عامًا.
وفيها توفي الوزير أبو الحسين علي بن يوسف الشيباني وزير حلب، وصاحب التصانيف والتواريخ جمع من الكتب على اختلاف أنواعها ما لا يوصف، وكانت تساوي نحوًا من أربعين ألف دينار.
سنة سبع وأربعين وست مائة
فيها عمل الأمجد حصناً على أبيه، وراح إلى مصر، وسلم الكرخ أبي الصالح، ونازلت الفرنج دمياط برًا وبحراً، وكان بها فخر الدين ابن الشيخ وعسكره، فهربوا وملكها الفرنج بلا ضربة ولا طعنة، وكان السلطان على المنصورة، فغضب على أهلها كيف سيبوها، حتى أنه شنق ستين نفسا من أعيان أهلها، وقامت قيامته على العسكر بحيث أنهم خافوا منه، وهموا به، فقال فخر الدين: أمهلوه. فهو على شفا، فمات ليلة نصف من شعبان بالمنصورة، وكتم موته أياماً ثم أن مملوكه قطايا بالقاف والطاء المهملة وبين الألفين مثناة من تحت ساق على البريد إلى أن عبر الفرات، وساق إلى أن بلغ إلى الملك المعظم. ولد الصالح، فجاء معه حتى قدم به دمشق، فدخلها في دست السلطنة وجرت للمصريين
стр. 1154
مع الفرنج فصول وحروب إلى أن اتفقت وقعة المنصورة وذلك أن الفرنج حملوا ووصلوا إلى دهليز السلطان، فركب مقدم الجيش فخر الدين ابن الشيخ، وقاتلها إلى أن قتل، وانهزم المسلمون، ثم كروا على الفرنج، ونزل النصر ولله الحمد، فقتل من الفرنج مقتلة عظيمة، ثم قدم الملك المعظم بعد أيام.
وفيها توفي الملك الصالح ابن الملك الكامل ابن الملك العادل، كما تقدم، وكان وافر الحرمة، عظيم الهيبة، طاهر الذيل، حليفاً للملك ظاهر الجبروت.
وفيها توفي الأمير نائب السلطنة.
وفيها توفي فخر الدين كما تقدم.
وفيها توفي أبو الفضل يوسف ابن شيخ الشيوخ صدر الدين محمد بن عمر الجويني، ولد بدمشق، وسمع من غير واحد طعن يوم المنصورة، ووقع ضربتان في وجهه، فسقط، وكان رئيساً محتشماً سيداً معظمًا ذا عقل ورأي ودهاء وشجاعة وكرم سجنه السلطان سنة أربعين، وقاسى شديدًا، وبقي في الحبس ثلاث سنين ثم أخرجه، وأنعم عليه، وقدمه على الجيش.
سنة ثمان وأربعين وست مائة
استهلت والفرنج على المنصورة والمسلمون بإزائهم مستظهرين لانقطاع الميرة عن الفرنج، ووقوع المرض في خيلهم، وعزم ملكهم على السير في الليل إلى دمياط، ففهم المسلمون ذلك، وكان الفرنج قد عملوا جسرًا من صنوبر على النيل، ونسوا قطعه، فعبر عليها المسلمون وأحدقوا بهم، فتحصنوا بقربة يمينة أبي عبد الله، وأخذ أسطول المسلمين أسطولهم أجمع، وقتل منهم خلق، وطلب ملكهم الطواسي رشيد سيف الدين الضمري فأتوا وكلمهم في الأمان على نفسه وعلى من معه، فعقدا له الأمان، وانهزم جل الفرنج، فحمل عليهم المسلمون، ووضعوا فيهم السيف، وغنم الناس مالاً لا ينحصر، وركب ملك الفرن! في حراقة والمراكب الإسلامية محدقة به تخفق بالكووسات والطبول، وفي البر الشرقي الجيش سائر تحت ألوية النصر، وفي البر الغربي العربان والعوام، وكانت ساعة عجيبة. واعتقل ملك الفرنج بالمنصورة، وكانت الأسرى نيفا وعشرين ألفا فيهم ملوك وكبار الدولة وكانت القتلى سبعة آلاف، واستشهد من المسلمين نحو مائة أنفس، وخلع الملك المعظم على الكبار من الفرنج خمسين خلعة، فامتنع الكلب ملكهم من لبسها، وقال: أنا مملكتي بقدر مملكة صاحب مصر كيف ألبس خلعته؟ ثم بدت من الملك المعظم خفة وطيش
стр. 1155
أمور خرج عليه بسببها مماليك أبيه، فقتلوه وقدموا على عسكر عز الدين التركماني الصالحي، وساقوا إلى القاهرة بعد أن استردوا دمياط، وذلك أن حسام الدين بن أبي علي أطلق ملك الفرنج على أن يسلم دمياط وعلى بذل خمس مائة ألف دينار للمسلمين، فركب بغلة، وساق معه الجيش إلى دمياط، فما وصلوا إلا وأوابل المسلمين قد ركبوا أسوارها، فاصفر لون ملك الفرنج، فقال حسام الدين: هذه دمياط قد ملكناها، والرأي أن لا يطلق هذا لأنه قد اطلع على عوزتنا، فقال عز الدين التركماني: لا أرى الغدر فأطلقه.
وأما دمشق، فقصدها الملك الناصر صاحب حلب، واستولى عليها ثم بعد أشهر قصد الديار المصرية ليتملكها، فالتقى هو والمصريون بالعباسية، فانهزم المصريون، ودخل أوائل الشاميين القاهرة، وخطب بها الناصر فالتف على عز الدين والفارس قطايا نحو ثلاث مائة من الصالحية، وهربوا نحو الشام، فصادفوا فرقة من الشاميين، فحملوه عليهم وهزموهم وأسروا نائب الملك الناصر، وهو شمس الدين لؤلؤ، فذبحوه وحملوا على طبل الناصر، وكسروه ونهبوا خزائنه، وساقوا إلى غرة، ودخلت الناصرية الصالحية بأعلام الناصر منكسة، وبالأسارى، وهم ولد السلطان الكبير صلاح الدين ولذلك الأشرف موسى ابن صاحب حمص، والملك الصالح إسماعيل ابن العادل وطائفة، وقتل عدة أمراء.
وفيها توفي الملك الصالح عماد الدين أبوالحسن إسماعيل ابن العادل، كان من جملة أسارى الصالحية المذكورين، فأخذوه في الليل وأعدموه.
وفيها توفي الملك المعظم غياث الدين ابن الصالح، وتوفي أبوه، فحلف له الأمراء وتعدوا وراءه، وجرى من كسر الفرنج ما جرى، ثم صدرت منه أمور ضربه بسببها مملوك بسيف فتلقاه بيده، ثم هرب إلى برج خشب، فرموه بالسفط، فرمى بنفسه وهرب إلى النيل فأتلفوه، وبقي ملقى على الأرض ثلاثة أيام حتى انتفخ، ثم واروه، وخطب بعده على منابر الإسلام ليتخبر الدرام خليل خطبة والده وزوجته وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكرها.
سنة تسع وأربعين وست مائة
أقامت عساكر الشام على غرة نحوًا من سنتين خوفًا من المصريين، وترددت الرسل بين الناصر والمعز.
وفيها تملك المغيث ابن الملك العادل ابن الكامل الكرك والشويك سلمها إليه متوليها الطواشي صواب.
وفيها توفي العلامة أبو الحسن علي بن هبة الله اللخمي المصري الشافعي المقرىء
стр. 1156
الخطيب، المعروف بابن الحميري سمع بدمشق من الحافظ ابن عساكر، وببغداد من شهدة وجماعة، وقرأ القراءات على أبي الحسن البطايحي، وقرأ كتاب المهذب على القاضي أبي سعد بن أبي عصرون، والقاضي أبو سعد علي القاضي أبي علي الفارقي عن مؤلفه الشيخ الإمام أبي إسحاق، وسمع بالاسكندرية من السلفي، وتفرد من زمانه، ورحل إليه الطلبة، ودرس وأفتى، وانتهت إليه مشيخة العلم بالديار المصرية والأمير الصاحب جمال الدين ابن مطروح أبو الحسن يحيى بن عيسى المقرىء اتصل بخدمة السلطان الملك الصالح ابن الملك الكامل ابن الملك العادل ابن أيوب، فلما اتسع ملكه ولاه نائبًا عنه، ولم يزل يقرب منه ويحظى عنده إلى أن ملك دمشق، فرتب لها نوابًا، وصار ابن مطروح في صورة وزيرها، ثم سيره مع عسكر وجهه إلى حمص لاستنقادها من ثواب الملك الناصر الملك العزيز، ثم بلغه أن الفرنج اجتمعوا بجزيرة قبرص على عزم الديار المصرية، فسير إلى العسكر المذكور يعودون لحفظ الديار المصرية، فعادوا وابن مطروح في خدمة الملك الصالح، والملك الصالح متغير عليه الأمور نقمها عليه، فواظب على الخدمة مع الإعراض عنه، ولما مات الملك الصالح وصل ابن مطروح إلى مصر، وأقام بها في داره، ولم يزل ابن مطروح مطروحًا من الولايات إلى أن مات، هذه نبذة مختصرة من أحواله على الإجمال وكانت أوقاته جميلة، وحالاته حميدة، جمع بين الفضل والمروءة والأخلاق الرضية، وله ديوان شعر من جملته قوله في بعض قصائده:
يا صاحبي ولي بجرعاء الحمى ... قلب أسير ماله من فادي
سلبته مني يوم باتوا مقلة ... مكحولة أجفانها بسواد
وله بيتان ضمنهما بيت المتنبي، وأحسن فيهما، وهما:
إذا ما سقاني ريقه، وهو باسم ... تذكرت ما بين العذيب وبارق
ويذكرني من قده ومدامعي ... مجرى عوالينا ومجرى السوابق
وهذا البيت للمتنبي في قصيدة له بديعة، وهو:
تذكرت ما بين العذيب وبارق ... مجرى عوالينا ومجرى السوابق
قال ابن خلكان: وبلغني أنه كتب رقعة يتضمن شفاعته في قضاء شغل بعض أصحابه إلى بعض الرؤساء، وكتب فيهم لولا المشقة فلما وقف عليها ذلك الرئيس قضى شغله وفهم قصده، وهو قول المتنبي:
стр. 1157
لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال
هذا من لطيف الإشارات.
سنة خمسين وست مائة
فيها توفي الكمال إسحاق بن أحمد المعري الشافعي المفتي تلميذ ابن الصلاح، كان إماماً بارعًا زاهدًا عابدًا توفي بالروحانية.
وفيها توفي العلامة أبو الفضائل رضي الدين الحسن بن محمد الصغاني العدوي العمري الهندي اللغوي نزيل بغداد، كان إليه المنتهى في معرفة اللغة، له مصنفات كبار في ذلك، وله تبصرة في الفقه والحديث مع الدين والأمانة.
وفيها توفي سعد الدين بن حمويه محمد بن المؤيد الجويني الصوفي، كان صاحب أحوال ورياضات، وله أصحاب ومريدون وكلام، سكن سفح قاسيون مدة، ثم رجع إلى خراسان، فتوفي هناك.
سنة إحدى وخمسين وست مائة
وفيها توفي شيخ الشيوخ السيد الجليل العارف بالله أبو الغيث ابن جميل اليمني ذو المقامات العلية والأحوال السنية، والأنفاس الصادقة، والكرامات الخارقة، والفتح العظيم، والفضل الجسيم منبع الأسرار، ومطلع الأنوار شيخ الزمان والمشار إليه من بين الأقران صاحب المظهر الباهر العظيم الشأن الذي أشرت إليه فيما تضمنه هذان البيتان.
أيا سيدكم ساد بالفضل سيدًا ... بكل زمان ثم كل مكان
إذا أهل أرض، فاخروا بشيوخهم ... أبو الغيث فينا فخر كل يمان
كان قدس الله روحه عبدا يقطع الطريق فبيناه وكامن للقافلة، فسمع هاتفًا يقول: ياصاحب العين عليك أعين، فوقع منه ذلك موقعا أزعجه عما كان عليه، وأقبل به إلى الإقبال على الله والإنابة إليه، وصحب في بدايته الشيخ الكبير الولي الشهير المعروف بابن أفلح اليمني حتى زكت نفسه، وتنور قلبه، وظهر عليه صدق الإدارة وسيماء السعادة، وبدت منه بعض الكرامات في الأوقات. من ذلك أنه خرج يحتطب في وقت، ومعه حمار يحمل عليه حطب، فبينا هو يجمع الحطب في بعض البراري وثب الأسد على حماره، فافترسه، فلما جاء بالحطب ليحمله وجده قد مات، وقال للأسد: تقتل حماري على أي شيء أحمل
стр. 1158
حطبي، وعزة المعبود ما أحمله إلا على ظهرك، فجمع الحطب، وحمله عليه وهو هين لين مطيع، وساقه إلى أن وصل به إلى طرف البلد، ثم حط عنه الحطب، وقال له: اذهب ومن ذلك أيضا أن زوجة شيخه المذكور طلبت شري عطر من السوق، فذهب ليشتري لها، فكلم بعض العطارين في ذلك، فقال العطار: ما عندي شيء فقال له أبو الغيث: ما عندك شيء؟ فانعدم في الحال جميع ما في دكان العطار، فجاء إلى الشيخ يشكو إليه ما جرى على حوائجه من أبي الغيث، فاستدعى به الشيخ وخاصمه بسبب اظهار ما ظهر له من الكرامة، وقال له: سيفان لا يصلحان في غمد واحد، اذهب عني، فدار له أبو الغيث وتضرع والتزم به فأبى أن يصحبه، فذهب يلتمس من يصحب من الشيوخ لينتفع به، فكل من التمس منه يقول: اكتفيت ما تحتاج إلى شيخ حتى جاء إلى الشيخ الكبير العارف بالله الخبير السيد المبجل المعروف بعلي الأهدل، فالتمس منه الصحبة، فأنعم له بذلك.
قال أبو الغيث فلما صحبته كأني قطرة وقعت في بحر، وقال أيضاً: كنت عند ابن أفلح لؤلؤة بهما، فثقبها الأهدل، وعلقها في عنقي قلت: كأنه يشير إلى أن محاسن أحواله المشكورة كانت عند ابن أفلح مستورة، فلما صحب الأهدل أظهر محاسنه التي يجليها عليه لكل من يجتليها.
ومن كراماته أيضا أن الفقراء قالوا له: نشتهي اللحم، فقال: في اليوم الفلاني إن شاء
الله تعالى تكلون اللحم، وكان يوم سوق يجتمع فيه القوافل، فلما جاء ذلك اليوم جاء الخبر أن قطاع الطريق الحرامية نهبوا القافلة، فلما كان بعد ساعة جاء واحد من القطاع يثور إلى الشيخ، فقال الشيخ للفقراء: اذبحوه واطبخوه وخلوا رأسه على حاله، ثم جاء آخر أيضاً منهم يحمل حب، فقال لهم الشيخ: اطحنوه واخبزوه، ففعلوا جميع ذلك، ثم فتوا العيش وأدموه، فقال الشيخ للفقراء: كلوا، فدعا الفقراء الفقهاء إلى الأكل معهم، فامتنعوا، فقال الشيخ للفقراء: كلوا الفقهاء ما يكلون الحرام، فأكلوا حتى فرغوا، وإذا بإنسان قد جاء إلى الشيخ وقال: يا سيدي نذرت للفقراء بثور، فأخذه الحرامية، فقال له الشيخ: تعرف رأس ثورك إذا رأيته. قال: نعم أعرفه، فأمر الشيخ بإحضار ذلك الرأس، فأحضروه فلما رآه ذلك الإنسان قال: هذا رأس ثوري بعينه، ثم جاء إنسان آخر، وقال: يا سيدي نذرت للفقراء حمل حب، فنهب مني، فقال له الشيخ: قد وصل إلى الفقراء متاعهم، فلما رأى الفقهاء ذلك ندموا على ترك موافقة الفقراء، وبقوا يضربون يدا على يد وله أيضا رضي الله تعالى عنه ما يطول ذكره بل لا يستطاع حصره من الكرامات الظاهرات والآيات الباهرات.
وله كلام عظيم في الحقيقة والتربية في سلوك الطريقة جمع بعضه في كتاب مستقل، من ذلك قوله: يجب على من نزلت به أخلاط أول ما يبدأ استخراج القيء بريشه خوف
стр. 1159
الفوت، ويغتسل بعد ذلك من ماء عين الندامة بقصد العزلة في كهف جبل الانقطاع أيسًا من الأنس بما دون الله تعالى، ويشرب من ماء شحوم حنظل الصبر، ويستنشق بدهن أشجار الحزن، ويطعم من صحيح غذاء التوكل، ثم يكتحل بقشر عود الغرام، ولا ينام بعد ذلك حتى ينظر أنوار أثمار أشجار التوفيق، ثم يجلس على بساط قدم الصدق والتصديق منتظرا لما يرد من عجائب إبريز التحقيق، وصحيح حلول الفقر والعجز والافتقار الذي أنعم به تعالى به النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ونعم الرقيق، فحينئذ يبرأ العليل، ويرجع إلى ما كان عليه خلقه أول مرة، فيكون حياته لله، وموته لله لا لنفسه بذلك جرى قلم الحكيم القديم المتفضل بالتأبيد في محل الحضرة على المنهج العبدي، والقانون الفقري الذي وجب أن لا يكون الفقر أزلاً وأبداً لنفسه، وجرى الآن لسان الفقر لوجوب ترك التدبير لصحة الإرادة، وتلقي ما يرد لصحة الرضاء، والتزام ما لا يلزم حبا لله وشوقا إليه كما قد وجب على من يعيده فإذا التزم ما لا يلزم صفات الحق للحق وأوصله إلى علم أنه يصل به، فيكون الحق أوصله لا هو وصل، وبعد وجود ما يجب أيضًا على المريد اتيانه علمًا ورسمًا يظهر علوم أزلية يتعلق بصفة القديم المتفضل القدوس لا يعرف العالم بها إن الله تعالى يعصى أو يتعدى أحد مراده، والله بكل شيء عليم.
قلت وآخر كلامه هذا يشبه قوله أيضأ: كل خيال نقاب لوجه الأمر العزيزي، والأمر العزيزي نقاب لجلال الله، وجمال سبحات وجه الله الكريم فرضًا لأن لايبرز من ذلك الجلال ذرة، فلا يبقى أحد من الثقلين، ولا من سواهما يعرف لله تعالى طاعة ول اعصيانًا قلت: وقد أشرت إلى ما يظهر من معناه، والله أعلم في ترجمة الشيخ عبد القادر في سنة اثنتين وستين وخمس مائة.
وقال أيضاً: أن الحس والمحسوس حجاب عن الله تعالى فإذا ظهر سلطان حب الله تعالى بنور حياة القلب بالله أحرق حراريق الهوى بنار سلطانه الذي لا يقدر أحد أن ينفيه.
وقال أيضًا: إذا طلعت شمس من أفق قبلة الغيب إلى الأفق الأعلى أخذ كل من في الأفق الأدنى نصيبه من شعاعها، وليس كل مدرك بالحسن هو هي، فأما إذا طلعت من كل مكان، وانتفت روية التعاقب عنا يقينًا لم يبق ليل ولا نهار، ولم يبق كفر، ولم يبق اسلام، ووجب حينئذ ظهور الشيء الذي حالت بيننا وبين الأحوال، وكثرت المقالات، والأفعال كما يحول السحاب يقيناً، فإذا لم يبق حائل ظهر الشيء الذي لا يشبه شيئًا وغبناعنا، وصرنا كالنجوم عند طلوع الشمس لا غياب بشرط الفناء ولا حضور شرط البقاء، فإن كنت هاهنا رأيت ما رأينا وإن لم تر شيئا فكن حجراً صماً يدق بك النوى.
وقال أيضاً: إذا اختلط ماء الأمطار بماء البحر، كان منه الدر واللؤلؤ والياقوت الأحمر
стр. 1160
قطعًا قلت: ويحتمل أنه يعني إذا اختلط ماء أمطار غيث الفضل المنهمل من سحاب الجود عند مشاهدة الجمال، وشرب كؤوس الوصل بماء بحر توحيد القلوب المنورة الطيبة الزكية المطهرة، يكون من ذلك المطرد والمعارف ولؤلؤ العلوم، وياقوت الحكم الأحمر، ويحتمل إذا اختلط ماء أمطار العلوم الباطنة بماء بحر العلوم الظاهرة في ظروف القلوب الطاهرة.
وقال: إن عبيد الهوى حلالا ًوحرامًا عبيد لمن تملك الهوى يقينًا في صحيح الفقر قطعاً قلت: ومما يناسب قوله لجماعة من الفقهاء، أتوا إلى زيارته: مرحبا ًبعبيد عبدي، فرجعوا عنه منكرين ذلك أشد الإنكار، فصادفوا شيخ الطريقين وإمام الفريقين إسماعيل بن محمد الحضرمي المشهور، فذكروا له ذلك، فضحك وقال: صدق أنتم عبيد الهوى والهوى عبده وقال أيضًا: أفي وقت لا يحكم الهوى على المريد وصل إلى الله تعالى بالله تعالى وأي وقت يحكم الهوى على المريد يقينًا فصل عن الله تعالى بعلة، والعياذ بالله العظيم، ولا شك أن الله تعالى خلق كل دابة ماء مهين معلول بعلة وأما ما خلق الله تعالى مما ليس منا أحد يعرفه أول مرة، فهو من نور جلال جمال وجه الله الكثير الحمد لله رب العالمين.
اعلة.
وقال: إن لهيب نار قلوب المخلصين بالحق تحرق الشياطين وأتباعهم يقيناً كمثل ما تحرق النار الحطب قولاً واحدًا.
وقال: أما بعد، فإنا نظرنا فيما يفسد عقول المريدين، فإذا هو من روية ثواب العمل، وفساد القلوب من حب الدنيا البتة والحرص والطمع واتباع الهوى وفساد الأرواح، من حب البقاء وطول الأمل، فلهذا يجب على المريد الزهد في نفسه لأنها هي محل العلل، ومنزل الغفلة عن الله تعالى، فإذا أراد المريد صلاح قلبه، وصفاء لبه قتل نفسه بسيف الصدق، وطرحها في قبر الانقطاع، ودفنها بترك التدبير، وتلقى ما يرد عليه من القضاء بالرضاء والتسليم والأنس بخيرة الله، والسكون إلى حكمة الله وبالله التوفيق.
وقال أيضًا لما كاتبه الملك المنصور سلطان اليمن في وصفه الكيمياء متهمًا له بمعرفتها ومطالبًا له بتعليمها إذا طرح الإيمان والتوحيد واليقين والتوكل والرضاء في بوطة حب الله تعالى، وسخن بنار الشوق والتوحيد صار منه أكسير يستحيل الكون بطبعه ربوبية صرفاً الحمد لله رب العالمين.
اعبودية والسلام.
следующие страницы →