← История

История · id 9091

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

اليافعي

Полный текст (1 334 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

قال الذهبي: أحد زنادقة الصوفية، وقد قيل له مرة: أنت نصيري قال: النصيري بعض مني. قال: وأما شعره، ففي الذروة العليا من حيث البلاغة والبيان لا من حيث الإلحاد. قلت: وهذا أيضاً مع ما تقدم يدل على سوء عقيدة الذهبي في الصوفية، أما كان يكفيه إن كان كما ذكر زنديقاً أن يقول: أحد الزنادقة، ولا يضيف إلى الصوفية الصفوة أهل الصدق والتصديق، والحق والتحقيق كل فاجر زنديق. وهل كل من كان متصفاً بالوصف المذكور أو غيره من وصف غير مشكور ينسب إلى الصوفية أهل الصفا والنور؟ وكأنه ما يصدق متى يصادف رخصة يتخذها فرصة في الطعن في الساعة الأحباب العارفين أولى الألباب، وليت هذا إذ حزم التوفيق في حسن الظن، ومشابهة الولي الإمام محي الدين النواوي الجليل المقدار، حيث ذكر في كتابه الحفيل الموسوم بالإذكار، إن الصوفية من صفوة هذه الأمة نعوذ بالله من حرمان التوفيق والعصمة، فلم يكن لهم معتقداً أمسك عنهم، ولم يكن فيهم منتقداً لكنه سارع إلى القدح فيهم ترا، والطعن فيهم مرة بعد أخرى، كأنه قد شرب من ما جيرانه المعروف بالوخم الطاعنين في الصوفية أولى الأحوال السنية، ومحاسن الأوصاف والشيم، والجد والاجتهاد وعوالي العزائم والهمم، ورفض ما سوى الله، والإقبال على الله في الفضل والجود والكرم، وما أحسن التوفيق للسكوت فيما لا يدريه الإنسان، كما تقدم من جواب السيد الجليل الكبير الشأن، ابن العجيل لما سئل عن السماع حيث تورع فبم الجواب، ولم ينسبه إلى الزيغ والابتداع، وكيف وضع نفسه عن مشابهة من سمعه مع رخصه الله به ورفعه، فقال: إن أبحه، فلست من أهله، وإن أنكره، فقد سمعه من هوي مني. قلت: وقد نص الشيوخ العارفون بالله من الصوفية أولى المقامات العلية إن الفرق الخارجة عن سنن الهدى ليسوا من الصوفية، وإن ادعوا ذلك، ولبسوا في الرسوم والزخارف، وممن نص على ذلك شيخ عصره الإمام شهاب الدين في العوارف. وفيها توفي الإمام فقيه الشام، وشيخ الإسلام المشهور بالفضل والخير والاتباع أبو محمد عبد الرحمن بن إبراهيم الفزاري الشافعي المعروف ابن صباغ تاج الدين الملقب بالفركاح لحنف في رجليه العلامة شيخ المذهب على الإطلاق في زمانه والد الشيخ الإمام

стр. 1227

العلامة برهان الدين، سمع من طائفة منهم ابن الزبيدي، وتفقه على الإمامينابن عبد السلام، وابن الصلاح، واشتغل وأفتى، وكان مع فرط ذكائه، وتوقد ذهنه ملازماً للاشتغال، مقدماً في المناظرة، متبحراً في الفقه وأصوله، وانتهت إليه رياسة المذهب - رحمه الله تعالى - له عبارات حسنة جزلة فصيحة، وخطابة بليغة، له الفوائد الجمة والفنون المهمة، والمصنفات البديعة، محبباً إلى الناس لعفته، ودينه، وفضله، وعقله، وعلمه، ورياسته، وتواضعه، وكرمه، ونصحه للمسلمين، ومن مصنفاته كتاب الإقليد في درر التقليد علقه على أبواب التنبيه من نظر فيه علم محل الرجل من العلم، وكان - رحمه الله تعالى - لطيف الطبع يميل إلى استماع السماع، ويحضره ويرخص فيه، وله اختيارات في المذهب مشى على أكثرها ولده، وله فضائل كثيرة، ومحاسن عديدة، وشعر جيد، وخرج له الحافظ علم الدين البرزالي مشيخة على مائة شيخ في عشرة أجزاء، فسمعها عليه جماعة من الأعيان، منهم الشيخ العلامة ابنه برهان الدين، والشيخ الإمام العلامة تقي الدين ابن تيمية، والحافظ أبو الحجاج المزي، وقاضي القضاة نجم الدين ابن صصري، والشيخ علاء الدين ابن العطار وغيرهم. وتخرج به جماعة كثيرون، وخلائق لا يحصون، وكانت فنونه في العلوم الشرعية، وتأسف الناس على فراقه. قلت: وبلغني أن ولده الشيخ برهان الدين كان يرخص في السماع أيضاً بشروط كوالده، وإن والده ما حضره إلا بعد أن رأى كرامة من بعض المشائخ الصوفية. وفيها توفي ابن الزملكاني الإمام المفتي علاء الدين أبو الحسن ابن العلامة البارع كمال الدين عبد الواحد بن عبد الكريم الأنصاري الدمشقي الشافعي. سنة إحدى وتسعين وست مائة في جمادى الأولى منها قدم السلطان الملك الأشرف في دمشق، وقد فرغ الشجاعي من بناء الطارمية، والرواق، وقاعة الذهب، والقبة الزرقاء بقلعة دمشق، فرغ جميع ذلك في سبعة أشهر، قيل: وجاء في غاية الحسن، ثم سار السلطان ونازل قلعة الروم في جمادى الأخرى، فنصب عليها المجانيق، وجد في حصارها، وفتحت بعد خمسة وعشرين يوماً، وأهلها نصارى من تحت طاعة التتار، فلما رأوا أن التتار لا ينجدونهم ذلوا، وما أحسن ما قال الشهاب محمود في كتاب الفتح: فسطا جيش الإسلام يوم السبت على أهل الأحد، فبارك الله للأمة في سبتها وخميسها.

стр. 1228

وفيها توفي أبو حفص عمر بن مكي بن عبد الصمد الشافعي الأصولي المتكلم، خطيب دمشق، وولي بعده الخطابة الشيخ عز الدين الفاروثي. سنة اثنتين وتسعين وست مائة فيها أسلم صاحب شيس قلعة بهنسا للسلطان صفوا لم يلق ضرباً ولا طعناً فضربت البشائر في رجب. وفيها توفي الإمام أعلم العلماء الأعلام ذو التصانيف المفيدة المحققة، والمباحث الحميدة المدققة قاضي القضاة ناصر الدين عبد الله ابن الشيخ الإمام قاضي القضاة إمام الدين عمر ابن العلامة قاضي القضاة فخر الدين محمد ابن الإمام صدر الدين علي القدوة الشافعي البيضاوي، تفقه بأبيه، وتفقه والده بالعلامة مجير الدين محمود بن أبي المبارك البغدادي الشافعي، وتفقه مجير الدين بالإمام معين الدين أبي سعيد منصور بن عمر البغدادي وتفقه هو بالإمام زين الدين حجة الإسلام أبي حامد الغزالي رحمهم الله تعالى. قلت: ونسبة الغزالي في الفقه إلى الشافعي معروفة، وكذلك نسبته ونسبة أخيه الشيخ الإمام الغزالي في التصوف معروفتان، وقد ذكرت شيوخ الخرقة في كتاب نشر الريحان في فضل المتحابين في الله الاخوان، وللقاضي ناصر الدين المذكور مصنفات عديدة، ومؤلفات مفيدة، منها الغاية القصوى في الفقه على مذهب الشافعي، وله شرح المصابيح وتفسير القرآن والمنهاج في أصول الفقه، والطوالع في أصول الدين، وكذلك المصباح، وله المطالع في المنطق وغير ذلك مما شاع في البلدان، وسارت به الركبان، وتخرج به أئمة كبار - رحمه الله تعالى رحمة الأبرار -. وفيها توفي القاضي جمال الدين أبو إسحاق إبراهيم بن داود بن ظافر العسقلاني ثم الدمشقي المقرئ صاحب السخاوي، ولي مشيخة الإقراء بتربة أم الصالح مدة، وسمع من ابن الزبيدي جماعة، وكتب الكثير. وفيها توفي الشيخ الجليل القدوة إبراهيم ابن الشيخ القدوة عبد الله الأرموي روى عن الشيخ الموفق وغيره. توفي في المحرم، وحضره ملك الأمراء والقضاة، وحمل على الرؤوس، وكان صالحا قانتاً لله، منيباً عليه سيماء السعادة، متصفاً بالزهد والعبادة، معدوداً من الأولياء السادة.

стр. 1229

وفيها توفي ابن الواسطي العلامة الزاهد القدوة مسند الوقت أبو اسحاق إبراهيم بن علي الصالحي، سمع وتفقه وأتقن، ودرس بالمدرسة الصالحية، وكان فقيهاً زاهداً، عابداً، مخلصاً. صاحب جد وصدق، وقول بالحق، وهيبة في النفوس. وفيها توفي الشيخ الكبير السيد الشهير صاحب القلب المستنير، العارف بالله الخبير الذي شاع فضله واشتهر، المعروف بالمكين الأسمر عبد الله بن منصور الإسكندراني شيخ القراء بالإسكندرية. قلت: وممن أثنى عليه بالنور والاطلاع شيخ زمانه أبو الحسن الشيخ الشاذلي الذي اشتهر فضله وشاع، وكذلك الشيخ الإمام علي المقام تاج الدين ابن عطاء الله الشاذلي، وقال: كنت أنا وهو معتكفين في العشر الأواخر من رمضان، فلما كانت ليلة ست وعشرين قال: أرى الملائكة في تهيئة وتعبية كما تهيأ أهل العرس قبله بليلة، فلما كانت ليلة سبع وعشرين، وهي ليلة جمعة قال: رأيت الملائكة تنزل من السماء، ومعها أطباق من نور، فلما كانت ليلة ثماني وعشرين قال: رأيت هذه الليلة كالمتغيظة، وهي تقول: هب إن لليلية القمر حقا أمالي حق يرعى. أو كما قال انتهى كلامه. قلت: لعل تغيظها على الناس من أجل تركهم إحياءها، واهتمامهم بليلة القدر دونها كونها جارة لها، وحق الجار أن يكرم بشيء مما أكرم به جاره. وأما أطباق النور المذكور، فلعلها هدية إلى من أحيى ليلة القدر. المذكورة، ومن أناله الله تعالى شيئاً من بركتها والخيرات المقسومة فيها، والله أعلم. سنة ثلاث وتسعين وست مائة في سابع المحرم منها قتل السلطان ببروجه في الصيد، ثم قتل نائبه بيدراً وخلفوا للسلطان الملك الناصر محمد بن المنصور، وهو ابن تسع سنين، وجعل نائبه كتبغا، وبسط العذاب على الوزير ابن سلغوس حتى مات وأخذت أمواله ثم قتل الشجاعي. وفيها توفي الملك الأشرف صلاح الدين خليل ابن الملك المنصور سيف الدين قلاوون ولي السلطنة بعد والده في ذي القعدة سنة تسع وثمانين، وقتله في المحرم بيدراً

стр. 1230

ولاجين وجماعة، وتسلطن بيدراً، ولقب بالملك القاهر فأقبل كتبغا والجاشكير، وحملوا على بيدراً فقتلوه. وفيها توفي قاضي القضاة شهاب الدين ابن قاضي القضاة شمس الدين أحمد الخليل بن سعادة بن جعفر الشافعي روى عن ابن المقير وطائفة، وكان من أعلم أهل زمانه وأكثرهم تفنناً، وأحسنهم تصنيفاً، وأحلاهم مجالسة، ولي القضاء بحلب مدة، ثم ولي قضاء الشام هكذا قال بعضهم، ولم يقل قضاء دمشق، وتوفي في العشر الأخير من شهر رمضان. وفيها توفي الملك الحافظ غياث الدين محمد ابن شاهنشاه، وصاحب بعلبك الملك الأمجد، روى صحيح مسلم، ونسخ الكثير بخطه. وفيها توفي الدمياطي شمس الدين محمد بن عبد العزيز المقرئ أخذ القراءة من الصخاوي، وتصدر واحتيج إلى علو روايته، وقرأ عليه جماعة. وفيها توفي الوزير سلغوس المدعو بالوزير الكامل، مدبر الممالك شمس الدين محمد بن عثمان التنوخي الدمشقي التاجر الكاتب ولي حسبة دمشق، فاستصغره الناس عليها، فلم ينشب أن ولي الوزارة، ودخل دمشق في موكب عظيم لم يعهد مثله. مات بعد أن أنتن جسده من شدة الضرب، وقطع منه اللحم الميت نسأل الله الكريم العافية. سنة أربع وتسعين وست مائة في المحرم تسلطن الملك العادل كتبغا المنصوري، وزينت مصر والشام، وله نحو من خمسين سنة يومئذ سبي يوم وقعت حمص من التتار. وفيها توفي الفاروثي الإمام العالم الواعظ المقرئ المفسر الخطيب عز الدين أبى العباس أحمد بن إبراهيم الواسطي الشافعي الصوفي شيخ العراق، كان إماماً متفنناً متضلعاً من العلوم والآداب، حسن التربية للمريدين، لبر الخرقة من الشيخ العارف أستاذ زمانه شهاب الدين السهروري، وسمع منه ومن جماعة، وأسمع الكثير في الحرمين والعراق ودمشق، وجاور مدة، وعليه قرأ كتاب الحاوي الصغير شيخنا الفقيه الإمام العلامة

стр. 1231

نجم الدين قاضي الحرم الشريف وشيخه ومدرسه محمد بن محمد الطبري، والفاروثي يرويه عن مصنفه الشيخ عبد الغفار القزويني، ثم قدم بعد المجاورة إلى الشام في سنة إحدى وتسعين، فولي بها مشيخة دار الحديث الظاهرية، وإعادة الناصرية، وتدريس النجيبية، ثم ولي خطابة البلد بعد زين الدين بن المرجل، وكان خطيباً بليغاً، فإذا نزل وصلى ربما خرج بالخلعة السوداء وشيع الجنائز، وزار بعض أصحابه من الأكابر، وهو لابسها، وكان إماماً بارعاً فاضلاً فقيهاً مقرياً، حسن الاعتقاد، جيد الديانة، ظريفاً حلو المجالسة، لطيف الشكل، صغير العمامة يرتدي برداء، وكان كثير الاشتغال والعبادات، وعنده كتب كثيرة جداً نحو من ألفي مجلد أو أكثر، ذا كرم وسعة صدر ووجاهة عند الكبراء والأمراء، واتفق أنه عزل بعد سنة بالخطيب الموفق، فسافر مع الحجاج، ودخل العراق، وتوفي بواسط وقد نيف على الثمانين - رحمه الله تعالى -. وفيها توفي المحب الطبري شيخ الحرم الإمام العلامة الحافظ الرواية ذو التصانيف الكثيرة، والفضائل الشهيرة أبو العباس أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر المكي الشافعي، ولد سنة خمس عشرة وست مائة، وسمع من ابن المقري، وابن الحميري وجماعة، وصنف كتباً عديدة في الحديث، وله في الفقه مبسوطات ومختصرات، ومن المبسوطات كتاب في الأحكام في عدة مجلدات أجاد فيه وأفاد وأكثر وأطنب، وجمع الصحيح والحسن، ولكن ربما أورد فيه الأحاديث الضعيفة، ولم يبين ضعفها، وكان فقيهاً بارعاً محدثاً حافظاً درس وأفتى وأسمع، وروى، وكان محدث الحجاز في زمانه، وشيخ الشافعية هنالك. وتوفي قبله بأيام ولده النجيب الفاضل جمال الدين محمد قاضي مكة مؤلف كتاب التشويق إلى البيت العتيق، ومن تصانيف محب الدين شرح كبير مبسوط للتنبيه جيد إلا أنه ربما يختار الوجوه الضعيفة، وله مختصرات للتنبيه وغير ذلك، وكتاب " القرى " بكسر القاف، ومختصر السيرة وغير ذلك لكنها لم تشتهر ولم تنتشر في البلدان إلا كتاب " الأحكام " المذكور فإنه في البلدان مشهور، وكان له جاه عظيم؟ وحظ كريم عند الملك المظفر صاحب اليمن، وكان مشغولاً بالعلم مستفيداً ومفيداً، وعنه أخذ خلائق من الفضلاء من أكابر المحدثين والفقهاء، وكان له صحبة من الشيخ الكبير العارف بالله الخبير ذي المناقب والكرامات السنية، والأحوال والمقامات العلية أبي العباس أحمد المورقي الغربي المدفون في الطائف قدس الله روحه، وله معه حكايات عجيبة، منها أنه لما قدم الملك

стр. 1232

المظفر صاحب اليمن طلب منه قرابته وأصحابه أن يشفع لهم عنده وطمعوا أن يحصل لهم منه نفع، وكان عادة السلطان المذكور أن يطلب محب الدين في كل وقت، فلما قدم مكة لم يطلبه، ولم يجتمع به سوى عند قدومه فحصل لمحب الدين من ذلك قبض، ولم يزل كذلك إلى أن فرغ من أعمال الحج، ثم لقيه الشيخ أبو العباس المذكور، فسأله عن حاله، فأخبره إنما هو غير منشرح بسبب عدم ما كان يرتجي من النفع على يديه، واشتغال السلطان عنه، فقال له الشيخ أبو العباس عند ذلك: أنا الذي شغلته عنك خشية أن يشغلك عن أعمال الحج، ولكن الآن أطلقه حتى يلتفت إليك، ويطلبك كما كان. فعند ذلك أرسل السلطان يطلبه، وقضى له ما أراد من حوائجه وحوائج من تعلق به من الناس. وفيها توفي ابن المقدسي خطيب دمشق ومفتيها، وشيخ الشافعية بها الإمام العلامة شرف الدين أبو العباس أحمد بن نعمة الشافعي، سمع من السخاوي وابن الصلاح، وتفقه على ابن عبد السلام، وبرع في الفقه والأصول والعربية، وناب في الحكم مدة، ودرس بالشامية والغزالية، وكتب الخط المنسوب الفائق، وألف كتاباً في الأصول، وكان كيساً متواضعاً متنسكاً، ثاقب الذهن، مفرط الذكاء، طويل النفس في المناظرة. توفي في رمضان - رحمه الله تعالى -. وفيها توفي صاحب اليمن الملك المظفر ابن الملك المنصور عمر. توفي في رجب، وبقي في السلطنة نيفاً وأربعين سنة، وملك أبوه قبله نيفاً وعشرين سنة، وكان الملك المظفر المذكور له بعض مشاركة في بعض العلوم، وكان كيساً ظريفاً يحب مجالسة العلماء، ويعتقد الصالحين، وجاء إلى شيخ اليمن، وبركة الزمن، والبحر الزاخر الذي يغرق فيه كل ماهر السيد الجليل أبي الغيث بن جميل - قدس الله روحه - ونعله في حلقه، فقال الشيخ: ما تطلب؟ الملك قال: وليتك. وكان أبوه قد قتل خادم الشيخ أبي الغيث، فلما بلغه قتل خادمه قال: مالي ولمحراسه أنا أنزل عن أمشباب، وأترك أمزرع، فقتل عند ذلك الملك المنصور، واستعار في ذلك استعارة حسنة، وهي أنه جعل الخلق كالزرع، وهو كالحارس له، والمشباب بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة، وتكرير الموحدة قبل الألف وبعدها. خشبات تنصب في وسط الزرع، ويجعل عليها عريش يقعد الحارس عليه، فإذا نزل عنه ضاع الزرع يترك الحراسة، فنزل به التلف من سارق، أو آكل بهائم، أو صيد، أو وحش مبذلاً لام التعريف بالميم كما هي لغة بعض اليمانيين، وكما هو مشهور في كتب النحويين بل في كتب المحدثين أعني قولهم: يرمي ورائي بأمسهم وأمسلمة. وما روي من قوله ﵇: " ليس من أمير مصيام في أمسفر، مجيبا لقول السائل

стр. 1233

أمن أمير أمصيام في أمسفر "، سمع الملك المظفر المذكور على الشيخ محب الدين الطبري المذكور، وكان لمحب الدين تردد إلى اليمن، واجتماع كثير معه في اليمن، وفي مكة لما حج أعني الملك المظفر، وكان في صحبته إلى الحج خمس مائة فارس، أخبرني بذلك من حج معه من أهل الخير والصلاح، وكان محبباً إلى الناس. وله حكايات ظريفة منها: أنه كتب إليه بعض الناس كتاباً على وجه المزح والكياسة. قال فيه: قال الله تعالى: " إنما المؤمنون إخوة " " الحجرات: ١٠ "، وأخوك بالباب يطلب نصيبه من بيت المال، فرد عليه الجواب، وأرسل إليه بدرهم، فقال في جوابه: إخواني المؤمنون كثير في الدنيا، ولو قسمت عليهم بيت المال ما حصل لكل واحد منهم درهم. ومنها أنه أرسل إليه إنسان، وهو يقول: أنا كاتب أحسن الخط الظريف، والكشط اللطيف، أو كما قال، فقال في جوابه: ما ذكرته من حسن كشطك يدلى على كثرة غلطك. ومنها أن جماعة من الديوان، وأهل الدولة أرادوا أن يجتمعوا في عدن على اللعب والشراب، وملأوا أزياراً كثيرة خمراً، فأراقها الشيخ الكبير الولي الشهير الوافر الفضل، والنصيب عبد الله بن أبي بكر الخطيب المدفون في موزع، شيخ شيوخنا. - قدس الله روحه - فغضب أمير عدن وغيره من أهل الدولة، ولم يقدروا على الانتقام من الشيخ المذكور، فكتبوا إلى الملك المظفر بذلك، فرد عليهم الجواب، وهو يقول فيه: هذا لا يفعله إلا أحد رجلين، إما صالح، وإما مجنون، وكلاهما ما لنا معه كلام. وفيها توفي الشيخ الكبير الولي الشهير ذو البركات الشهيرة، والكرامات الكثيرة، والهمة العالية، والمحاسن الباهية أبو الرجال بن مري. توفي يوم عاشوراء منيفاً على الثمانين، كان صاحب كشف وأحوال له موقع في النفوس وإجلال. وفيها توفي الإمام مظفر الدين أحمد بن علي، المعروف بابن الساعاتي شيخ الحنفية. كان ممن يضرب به المثل في الذكاء، والفصاحة، وحسن الخط، وله مصنفات في الفقه وأصوله، وفي الأدب مجادة مفيدة، وكان مدرساً لطائفة الحنفية بالمستنصرية في بغداد. سنة خمس وتسعين وست مائة استهلت وأهل الديار المصرية في قحط شديد، ووباء مفرط، حتى أكلوا الجيف، وأما الموت، فيقال: أنه أخرج في يوم واحد ألف وخمس مائة جنازة، وكانوا يحفرون الحفائر الكبار، ويدفنون فيها الجماعة الكثيرة، وبلغ الخبز كل رطل، وثلث بالمصرية بدرهم، وبلغ

стр. 1234

في دمشق كل عشرة أواق بدرهم في جمادى الآخرة، وارتفع فيه الوباء والقحط عن مصر ونزل الأردن إلى خمسة وثلاثين. وفيها قدم الشام شيخ الشيوخ صدر الدين إبراهيم ابن الشيخ سعد الدين بن حمم الجويني، فسمع الحديث، روى عن أصحاب المؤيد الطوسي، وأخبر أن ملك التتار غازان ابن أرغون أسلم على يده بواسطة نائبه بوروز بالراء بين الواوين، والزاي في آخره، كان يوماً مشهوراً. وفيها توفيت بنت علي الواسطي أم محمد الزاهدة العابدة الصالحة، روت عن الشيخ الموفق، وقد قاربت التسعين. وفيها توفي ابن رزين الإمام صدر الدين قاضي القضاة. وفيها توفي ابن بنت الأعز قاضي الديار المصرية تقي الدين عبد الرحيم ابن قاض القضاة تاج الدين عبد الوهاب الشافعي، وولي بعده الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد. سنة ست وتسعين وست مائة فيها توجه الملك العادل إلى مصر، فلما بلغ بعض الطريق، وثب حسام الدين لاجين على اثنين من أمرائه كانا جناحيه، فقتلهما، فخاف العادل، وركب سراً، وهرب في أربعة مماليك، وساق إلى دمشق، فلم ينفعه ذلك، وزال ملكه، وخضع المصريون لحسام الدين ولم يختلف عليه اثنان، ولقب بالملك المنصور، وأخذ العادل، فأسكن بقلعة صرخد، وقنع بها غير مختار. وفيها توفي محي الدين يحيى بن محمد بن عبد الصمد الزيداني مدرس مدرسة جدة. سنة سبع وتسعين وست مائة فيها توفي مسند العراق عبد الرحمن بن عبد اللطيف البغدادي المقرئ شيخ المستنصرية. وفيها توفيت عائشة بنت المجد عيسى ابن الشيخ موفق الدين المقدسي، كانت مباركة صالحة عابدة، روت عن جدها، وابن راجح. وفيها توفي الإمام العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر الفارسي الشافعي الأصولي المتكلم، توفي في رمضان في مرة، وهو من أبناء السبعين، درس مدة بالغزالية، ثم تركها.

стр. 1235

سنة ثمان وتسعين وست مائة فيها قتل الملك المنصور صاحب مصر والشام حسام الدين لاجين المنصوري السيفي هجم عليه سبعة أنفس، وهو يلعب بعد العشاء بالشطرنج ما عنده إلا قاضي القضاة حسام الدين الحنفي، والأمير عبد الله ويزيد البدوي، وإمامة ابن العسال، قال القاضي حسام الدين الحنفي: رفعت رأسي، فإذا سبعة أسياف تنزل عليه، ثم قبضوا على نائبه، فذبحوه من الغد، ونودي للملك الناصر، وأحضروه من الكرك، فاستناب في المملكة سلار، ثم ركب بخلعة الخليفة وتقليده، وكانت سلطنة لاجين بسنتين، وكان فيه دين وعدل. وفيها توفي صاحب حماة الملك المظفر تقي الدين محمود ابن الملك الممنصور آخر ملوك حماة. وفيها توفي الملك الأوحد يوسف بن الناصر صاحب الكرك ابن المعظم توفي بالقدس، - وسمع وروى عنه الديماطي في معجمه. وفيها توفي ابن النحاس العلامة حجة العرب أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الحلبي، شيخ العربية بالديار المصرية. سنة تسع وتسعين وست مائة في أوائلها قصد التتار للشام، فوصل السلطان الملك الناصر إلى دمشق، وانحفل الناس من كل وجه، وهجموا على وجوههم، وسار الجيش، وتضرع الخلق إلى الله تعالى، والتقى الجمعان بين حمص وسلمية، فاستظهر المسلمون، وقتل من التتار نحو عشرة آلاف وثبت ملكهم غازان، ثم حصل تخاذل، وولت الميمنة بعد العصر، وقاتلت الحاصكية أشد قتال إلى الغروب، وكان السلطان آخر من انصرف بحاشيته نحو بعلبك، وتفرق الجيش، وقد ذهبت أمتعتهم ونهبت أموالهم، ولكن قل من قتل منهم، وجاء الخبر إلى دمشق من غد، فحار الناس وأبلسوا وأخذوا يتسلون بإسلام التتار، ويرجون اللطف، فتجمع أكابر البلد، وساروا إلى خدمة غازان، فرأى لهم ذلك، وفرح بهم، وقال: نحن قد بعثنا - بالأمان قبل أن تأتون. ثم انتشرت جيوش التتار بالشام طولاً وعرضاً، وذهب للناس من الأهل والمال والمواشي ما لا يحصى، وحمى الله دمشق من النهب والسبي والقتل، ولكن صودروا

стр. 1236

مصادرة عظيمة، ونهب ما حول القلعة لأجل حصارها، وثبت متوليها علم الدين ثباتاً كلياً لا مزيد عليه، حتى هابه التتار، ودام الحصار أياما عديدة، وأخذت الدواب جميعها، واشتد العذاب، في المصادرة مع الغلاء والجوع وأنواع الهم والفزع، لكنهم بالنسبة إلى ما جرى بجبل الصالحية من السبي والقتل أحسن حالاً، فقيل: إن الذي وصل إلى ديوان غازان من البلد ثلاثة آلاف ألف وست مائة سوى ما أخذ في الرسيم والبرطيل ولبس المسوح، وكان إذا ألزم التاجر بألف درهم ألزمه عليها فوق المائين ترسيماً يأخذه التتار، ثم أعان الله، فرحل غازان في ثاني عشر جمادى الأولى، وكان قدومه ومحاربته في أواخر ربيع الأول، ثم ترحل بقية التتار بعد ترحله بعشرة أيام، ودخلت جيوش المسلمين القاهرة في غاية الضعف، ففتحت بيوت المال، وأنفق عليهم نفقة لم يسمع بمثلها، ومدة انقطاع خطبة الناصر من خوف التتار مائة يوم. وفيها توفي من شيوخ الحديث بدمشق والجبل أكثر من مائة نفس، وقتل بالجبل، ومات برداً وجوعاً نحو أربع مائة نفس، وأسر نحو أربعة آلاف منهم سبعون من قرية الشيخ أبي عمرو. وفيها توفي الإمام المحدث الحافظ أحمد بن فرج الإشبيلي، تفقه على الإمام عز الدين بن عبد السلام، وحدث عن ابن عبد الدائم وطبقته، وكان ذا ورع وعبادة وصدق له حلقة اشتغال لجامع دمشق. وفيها توفي العلامة نجم الدين أحمد بن مكي، كان أحد أذكياء الرجال وفضلائهم في الفقه، والأصول، والطب، والفلسفة، والعربية، والمناظرة. وفيها توفيت خديجة بنت يوسف، وخديجة بنت المفتي محمد بن محمود أم محمد، روت عن ابن الزبيدي، وتكنى أمة العز روت عن طائفة، وقرأت غير مقدمة في النحو، وجودت الخط على جماعة، وحجت وتوفيت في رجب، وكانت عالمة فاضلة - رحمها الله تعالى -. وفيها توفيت صفية بنت عبد الرحمن بن عمرو الفرا المنادي، روت في الخامسة عن الشيخ الموفق، وعدمت بالجبل. وفيها توفي ابن الزكي قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز ابن قاضي القضاة محيي

стр. 1237

الدين بن محمد القرشي درس في العزيزية، وقد ولي نظر الجامع وغير ذلك، ومات كهلاً. وفيها توفي إمام الدين قاضي القضاة أبو القاسم عمر بن عبد الرحمن القزويني الشافعي كان مجموع الفضائل، تام الشكل توفي بالقاهرة. وفيها توفي ابن غانم الإمام شمس الدين محمد بن سليمان المقدسي الشافعي المواقع، سبط الشيخ غانم، وفيها حمل الأمير سيف الدين نائب السلطنة بطرابلس مرات، وقتل جماعة، ثم قتل، وكان ذا دين وخبرة وشجاعة. وفيها توفيت هدية بنت عبد الحميد المقدسية الصالحية، روت الصحيح عن ابن الزبيدي، وتوفيت بالجبل. وفيها توفي أبو محمد المرجاني الشيخ الكبير، الولي الشهير، القدوة العارف معدن الأسرار؛ والمعارف والمواهب واللطائف، علم الوعاظ، المعلم المنطق بالمعارف والحكم عبد الله بن محمد المرجاني المغربي أحد المشائخ الإسلام، وأكابر الصوفية السادات الكرام. توفي بتونس كان مفتوحاً عليه في العلوم الربانية والأسرار الإلهية. ومما بلغني عنه أنه قيل له: قال فلان: رأيت عمود نور ممتداً من السماء إلى فم الشيخ أبي محمد المرجاني في حال كلامه، فلما سكت ارتفع ذلك العمود، فتبسم الشيخ، وقال: ما عرف يعثر بل لما ارتفع العمود سكت. قلت يعني رضي الله تعالى عنه أنه كان يتكلم بالأسرار عن مدد من الأنوار، فلما انقطع المدد بالنور الممدود انقع النطق بالكلام المحمود. ومما بلغني من كراماته أنه حضر مجلسه بعض المنكرين بنية الاعتراض عليه في كلامه، وكان ذلك الشخص المنكر أعور، فقال الشيخ أبو محمد المذكور في أثناء كلامه: قبل أن يضيء النهار الله أكبر، حتى العوران جاؤوا للاعتراض والإنكار، أو كما قال من الكلام الصادر عن النور في وقت الظلام، وكان من عادته أنه لا يقوم من مجلسه حتى يرتفع النهار، فبقي ذلك الأعور في حياء وخجل وحزن ووجل خوفاً من أن يقوم ويخرج، فيعلم الحاضرون أنه المراد، ويقعد فيعرف إذا طلع النهار أنه المنكر السيئ الاعتقاد، فبينا هو متحير بين هاتين الفضيحتين إذ أطفأ الشيخ القنديل، وانقض المجلس، ولم يعلم الأعور من صاحب العينين الصحيحتين، وكان قصر المجلس في ذلك الوقت على خلاف العادة ستراً

стр. 1238

منه، وفتوة على جاري عادة الصفوة السادة، وإليه الإشارة في البيت العاشر من هذه الأبيات من قصيدتي المشتملة على ذكر مائة من كبار الشيوخ السادات، وعلى نيف وثلاث مائة من الأبيات، وأول العشرة المذكورات قولي في أثنائها: وكم قد حبا حالي حباها جنيدهم ... فسرى السري جند الجنيد المسود وكم رفعت لابن الرفاعي من علا ... له في نواحي الأرض كم من ممجد وأعلت مقام الدين للعارف الفتى ... أبي مدين بدربه القوم يقتدي وكم شم منها الشاذلي ذكي شذى ... ففي متهم الأتباع فاح ومنجد فارسي لدى المرسى مراكب سيرها ... فلم تمش في التصريف غير مقلدي بها الأصبهاني صار نجم سمائها ... وبدر هداها سيفها غوث مجحد وحلى الفتى ياقوت ياقوت نحرها ... بعقد على جيد السلوك منضد ولابن عطا أعطت لواء ولاية ... وترياق داء للضلالة مبعد فداوى به داود حتى الفتى شفي ... فصار شفاء المعضل المتمرد ومرجانياً من حلى مرجان بحرها ... حلت برد أحسن اللطائف مرتد جنيدية موروثة عن معارف ... زها حسنها في الدهر يجلو لمفرد وما نال إلا واحد بعد واحد ... حلا حسنها الغالي فطوبى لمسعد وله رضي الله تعالى عنه من المواهب، والمناقب، والمحاسن الغراب، ما يحتاج في ذكره إلى تصنيف كتاب. وأما قول الذهبي في ترجمته: وأبو محمد عبد الله المرجاني الواعظ المذكور أحد مشائخ الإسلام علماً وعملاً مقتصراً على هذه الألفاظ من غير زيادة، فغض من قدره كما هو عادته في مشائخ الصوفية السادة الصفوة أولى الأسرار والأنوار الذين في حقهم التفخيم والتنويه بعظم الجلالة والمقدار. سنة سبع مائة فيها حصلت أراجيف بالتتار، وجاء غازان بجيشه للفرات،. وقصد حلب، فتشوشت الخواطر، وهج الخلق على وجوههم في الوحل والأمطار، وأكريت المحارة إلى مصر بخمس مائة درهم، وبيع اللحم بتسعة دراهم، وبقي الخوف أياماً، ثم رجع غازان لما ناله من المشاق بكثرة الثلوج والأمطار كل هذا في أوائل السنة. وفي شعبان لبست اليهود والنصارى بمصر والشام العمائم الصفر والزرق والحمر، ومنعوا من ركوب الخيل بالسروج، وسائر الشروط العمرية.

стр. 1239

وفيها توفي أبو العلاء محمود بن أبي بكر البخاري الصوفي الحافظ، كان إماماً في الفرائض، مصنفاً فيها له حلقة اشتغال، وسمع الكثير بخراسان والعراق والشام ومصر، وكتب الكثير، ووقف أجزاءه، وراح مع التتار قيل: من خوف الغلا، فأقام بماردين أشهراً، وأدركه أجله بها. وفيها توفي الشيخ إسماعيل بن إبراهيم الصالحي شيخ البكرية، له أصحاب وفيه خير، وله سيرة محمودة. وفيها توفيت أم الخير زينب بنت قاضي القضاة محيي الدين يحيى بن محمد الزكي القرشي الدمشقي، روت عن ابن المقير وجماعة. سنة إحدى وسبع مائة وفيها توفي أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد العباسي، ودفن عند السيدة نفيسة ﵂، وكانت خلافته أربعين سنة وأشهراً، وعهد بالخلافة إلى ولده المستكفي بالله أمير المؤمنين، وقوي بتقليده بعد عزاء والده، وخطب له على المنابر. وفيها توفي المحدث الإمام أبو الحسين علي بن محمد التونسي ببعلبك شهيداً من جروح في دماغه من مجنون وثب عليه بسكين. وفيها خنق شيخ الحنفية العلامة ركن الدين عبد الله بن محمد السمرقندي مدرس الظاهرية، وألقي في بركتها، وأخذ ماله، ثم ظهر أن قاتله هو قيم الظاهرية، فشنق على ظاهرها. وفيها وقعت جراد لم يسمع بمثله إلى دمشق تركت غالب الغوطة غصناً مجردة، وأيبست أشجاراً خارجة عن الانحصار. سنة اثنتين وسبع مائة فيها طرق قازان الشام، فالتقى تركه، وترك الإسلام بعرض، ونصر الله المسلمين، وقتل في التتار خلق كثير، وأسر مقدمان، وكان العدو نحو أربعة آلاف، والمسلمون في ألف وخمس مائة فارس، وتأخر جند الأطراف إلى حمص، ثم جهز قازان جيوشه مع نائبه خطلوشاه، فساروا إلى مرج دمشق، وتأخر المسلمون، وبات أهل دمشق في بكاء، واستغاثة

стр. 1240

بالله، وخطب شديد، وقدم السلطان، وانضمت إليه جيوشه والحفال، وكان المصاف علم سفحت، فهزم العدو الميمنة، واستشهد رأس الميمنة الحسام أستاذ دار في جماعة أمراء وثبت السلطان كعوائده، ونزل النصر، وشرع التتار في الهزيمة، فتبعهم المسلمون قتلاً وأسراً، ومزقوا كل ممزق، وتخطفهم الناس إلى الفرات، وسلم شطرهم في ضعف شديد وجوع، وحفاء، ووقوف جبل، ثم دخل السلطان والخليفة راكبين، والحمد لله، ومن الشهداء الفقيه إبراهيم بن عبدان، والأمير صلاح الدين ابن الكامل، والأمير علاء الدير الحاكي، والأمير حسام الدين قرمان وغيرهم. وفي ذي القعدة تزلزلت مصر، وتساقطت الدور، ومات بالإسكندرية تحت الردم نحو المائتين، وكانت آية. وافتتحت جزيرة أرواد، وأسر من الفرنج نحو خمس مائة. وفيها توفي عبد الحميد بن أحمد بن حولان البنا. ومات في القاهرة شيخها وقاضيها شيخ الإسلام تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب ابن دقيق العيد القشيري الشافعي، صاحب كتاب " الإلمام "، وكتاب " الإمام ". " شرح العمدة " عن سبع وسبعين سنة. يروي عن ابن الحميري وغيره، وكان رأساً في العلم والعمل عديم النظير أجل علماء وقته، وأكبرهم قدراً، وأكثرهم ديناً وعلماً وورعاً واجتهاداً في تحصيل العلم ونشره، والمداومة عليه في ليله ونهاره مع كبر سنه، وشغله بالحكم. ولد بمدينة ينبع من أرض الحجاز في شعبان سنة خمس وعشرين وست مائة، ونشأ بديار مصر، واشتغل أولاً بمذهب مالك، ودرس فيه بمدينة قوص، ثم اختار مذهب الإمام الشافعي، ومال إليه، فاشتغل به وتبحر فيه حتى بلغ فيه الغاية دارية ورواية، وحفظاً، واستدلالاً، وتقليداً، واستقلالاً حتى قيل إنه آخر المجتهدين، وبرع في علوم كثيرة لا سيما في علم الحديث. فاق فيه على أقرانه، وبرز على أهل زمانه، ورحل إليه الطلبة من الآفاق، ووقع على علمه وزهده وورعه الاتفاق - رحمه الله تعالى -، وكان له اعتقاد حسن في المشائخ، وأهل الصلاح حتى بلغني أنه كان يزور بعض المشائخ، فإذا بلغ إلى بابه نزل عن البغلة، ونزع الطيلسان والعمامة، ودخل عليه بطاقية على رأسه، وإنه شكا إلى بعض الفقراء من أرباب القلوب، وسوسة يجدها في الصلاة، فقال له: أفٍ لقلب يكون فيه غير الله فقال ابن دقيق: العيد، وقد ذكر هذا الفقير المذكور هو عندي خير من ألف فقيه. ومن المشهور أنه ركبته ديون كثيرة، ولم يجد لها وفاء، فرحل إلى الشيخ الكبير ذي

стр. 1241

الكرامات والمجد والمفاخر، العارف بالله الشهير ابن عبد الظاهر - قدس الله روحه - فلما وصل إليه سلم عليه، فقدم له الشيخ مأكولاً، ومن جملته سميط. وكان من عادته لا يأكل السميط لأنه شوي وفيه أثر الدم، فلما وضع بين يديه قال له تلميذ له: يا سيدي هذا سميط، فقال له: ليس هذا موضع ذاك، يعني الموضع الذي ننكره ونترك أكله فيه. يريد أن هذا موضع موافقة الشيخ في كل ما يفعله واحترامه وإجلاله، فأكل من ذلك، فلما فرغ من الأكل إذا بالفقراء قد قدموا آلة السماع، وكان من عادته لا يحضر السماع، فقال له تلميذه: يا سيدي أراهم قد قدموا آلة السماع، فقال له: اسكت ما هذا موضع ذاك بل هذا موضع ما قدمنا ذكره من الاحترام والتسليم، فسمعالفقراء وهو حاضر ساكت، فلما انقضى سماعهم. قال الشيخ منشداً البيت المشهور للمتنبي: وفي النفس حاجات، وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب فقال له الشيخ رضي الله تعالى عنه: انقضت الحاجة، فخرج من عنده، ورجع إلى القاهرة، فوجد ديونه قد قضيت، وردت الدفاتر التي كتب فيها الدين، وذلك أن الوزير الكبير الشهير ذو المكارم الشهير المعروف بابن حناء سأل عنه، فقالوا: فصد الشيخ ابن عبد الظاهر لدين عليه، فاستدعى بأرباب الديون، فأعطاهم ديونهم، وأخذ منهم الأوراق المكتوبة بذلك. قلت: وقد جعله بعضهم مجدد الدين الأمة على رأس المائة السابعة، وقد قدمت ذكر الأئمة المجدد بهم دين الأمة على رأس المائين الست قبله، فيما تقدم من هذا التاريخ، وفي كتاب المرهم، والشاش المعلم وغير ذلك من كتبي. وفي السنة المذكورة أخذ من دمشق قاضيها ابن جماعة، وتولى مكانه ابن صصري. وفيها توفي المسند بدر الدين الحسن بن علي بن الجلال الدمشقي. حدث عن جماعة منهم مكرم، وابن الشيرازي، وابن المقير، وكريمة وغيرهم، وتفرد بالرواية رحمه الله تعالى. وفيها توفي كمال الدين ابن عطار، وفيها توفي متولي حماة الملك العادل كتبغا. تسلطن بمصر عامين وخلع. وفيها توفي المقرئ شمس الدين محمد بن قيماز، قرأ على السخاوي بالسبع، وسمع من ابن صباغ، وابن الزبيدي وكان خيراً متواضعاً.

стр. 1242

وفيها توفي مسند العرب الإمام الأديب أبو محمد عبد الله بن محمد بن هارون الطائي القرطبي عن مائة عام، سمع الموطأ وكامل المبرد في سنة عشرين، وعمر دهراً. ؟ سنة ثلاث وسبع مائة فيها توفي القدوة الزاهد العلامة بركة الوقت الشيخ إبراهيم بن أحمد الرقي الحنبلي، كان من أولياء الله تعالى، ومن كبار المذكورين، وله تصانيف محركة إلى الله حدث عن عبد الصمد بن أبي الحسن، وله نظم كثير، وخبرة بالطب، ومشاركات في العلوم. وفيها توفيت المعمرة أم أحمد ست أهل بيت علوان البعلبكية بدمشق مكثرة عن البهاء عبد الرحمن صالحة خيرة. وفيها توفي مفيد الطلبة نجم الدين إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن الخباز. وفيها توفي المفتي شيخ دار الحديث، وخطيب البلد زين الدين عبد الله بن مروان الفارقي روى عن السخاوي، وكريمة وابن رواحة، وابن خليل. سنة أربع وسبع مائة فيها تكلم ابن النقيب وغيره في فتاوى لابن العطار فيها تخبيط، وسموا إلى القضاة فحار ابن العطار، وأرعب وبادر إلى الحاكم ابن الحريري، فأسلم بدعوى صورت، فحقن دمه، ثم ندم ولامه أصحابه، وبلغ النائب، فغضب من الفتن، واعتقل ابن النقيب أربع ليالٍ فأنكروا. وفيها توفي المحدث المشهور ومفيد دمشق أبو الحسن علي بن مسعود بن نفيس الموصلي، ثم الحلبي بدمشق. وفيها مات بالمدينة الشريفة النبوية صاحبها حمار بن سبخة الحسيني. وفيها توفي الضياء عيسى بن أبي محمد شيخ المغارة.

стр. 1243

وفيها توفي المعمر ركن الدين أحمد بن عبد المنعم بن أبي الغنائم الطاووسي، كبير الصوفية بدمشق. وفيها توفي شيخ البطائحة تاج الدين ابن الرفاعي بقرية أم عبيدة عن سن كبيرة، وشهرة كثيرة. وفيها توفي الشيخ أبو عبد الله محمد بن يوسف الإربلي، ثم الدمشقي كبير الراهبين. وفيها توفي بالإسكندرية شيخها الإمام المحدث تاج الدين علي بن أحمد الحسيني العراقي. وفيه توفي بمصر عالمها المعلم العراقي عبد الكريم بن علي الأنصاري المصري الشافعي المفسر. سنة خمس وسبع مائة فيها وقعت فتنة شيخ الحنابلة ابن تيمية، وسؤالهم عن عقيدته، وعقدوا له ثلاث مجالس، وقرنت عقيدته الملقبة بالواسطية وضايقوه، وثارت غوغاء الفقهاء له وعليه، ثم إنه طلب على البريد إلى مصر، وأقيمت عليه دعوى عند قاضي المالكية، فاستخصمه ابن تيمية المذكور، وقاموا، فسجن هو وأخوه بضعة عشر يوماً، ثم أخرج، ثم حبس بحبس الحاكم، ثم أبعد إلى الإسكندرية، فلما تمكن السلطان سنة تسع طلبه، فاحترمه وصالح بينه وبين الحاكم، وكان الذي ادعى به عليه بمصر أنه يقول: إن الرحمن على العرش استوى حقيقة، يتكلم بحرف وصوت، ثم نودي بدمشق وغيرها من كان على عقيدة ابن تيمية حل ماله ودمه. وفيها جاء تقليد بالخطابة للشيخ برهان الدين بعد عمه، وباشر وخطب، ثم ترك واختار بقاءه بالنادرية بعد أن صلى خمسة أيام. وفيها مات بحلب قاضيها وخطيبها العلامة شمس الدين محمد بن محمد بن بهرام الدمشقي الشافعي، وهو الذي عزل بزين الدين ابن قاضي الخليل من الحكم، وكان مشهورا بدري المذهب. وفيها مات بمصر المعمر أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم بن شهاب. وفيها مات بالإسكندرية الإمام المعمر شرف الدين يحيى بن أحمد بن عبد العزيز الصواف الجذامي المالكي، عن ست وتسعين سنة، سمع منه قاضي القضاة السبكي وجماعة

стр. 1244

يروي عن ابن العماد والصفراوي، وتلا عليه بالسبع. وفيها توفي بدمشق خطيبها الإمام الكبير شرف الدين أحمد بن إبراهيم بن سماع الفزاري الشافعي، شهده ملك الأمراء والأعيان تلا بالسبع، وأحكم العربية، وقرأ الحديث، وكان فصيحاً، عديم اللحن، طيب الصوت، روى عن السخاوي والعز النسابة، والتاج القرطبي، وأقرأ زماناً مع الكيس والتواضع والتصوف. وفيها مات حافظ الوقت العلامة شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي الشافعي سمع من ابن المقير، وابن رواحة، وإبراهيم بن الخير، وابن مختار وغيرهم ممن في طبقتهم، وصنف التصانيف المهذبة قيل: ولم يخلف في معناه مثله - رحمه الله تعالى -. وفيها توفيت المعمرة زينب بنت سليمان بن رحمة الأشعري بمصر، عن بضع وثمانين سنة، سمعت ابن الزبيدى، والشيخين أحمد بن عبد الواحد البخاري، وعلي بن حجاج وجماعة، وتفردت بأشياء. وفيها توفي صاحب بلاد المغرب أبو يعقوب يوسف ابن السلطان يعقوب بن عبد الحق المريني. سنه ست وسبع مائة فيها قدم عن الشرق براق العجمي في جمع نحو المائة، وفي رؤوسهم قرون لتأييده، ولحاهم دون الشوارب محلقة، وعليهم أجراس، فدخلوا في هيئة محزون بشهامة، فنزلوا بالمتسع، ثم زاروا القدس، وشيخهم من أبناء الأربعين فيه إقدام، وقوة نفس، وصولة، فما مكنوا من المضي إلى مصر، وكان يدق له نوبة، ونفذ إليهم الكبار غنماً ودراهم. وفيها توفى الإمام العلامة ضياء الدين أبو محمد عبد العزيز بن محمد الطوسي شارح الحاوي الصغير، والمختصر في الأصول، وكان عالماً فاضلاً. درس وأعاد في عدة

стр. 1245

مدارس في دمشق، ومات بها - رحمه الله تعالى -. وفيها مات ببغداد الإمام العلامة المتفنن نصير الدين عبد الله بن عمر الفاروقي الشيرازي الشافعي مدرس المستنصرية. قدم دمشق، وظهرت فضائله في العقليات. سنة سبع وسبع مائة قال الذهبي فيها عقد مجلس بالقصر، فاستتيب النجم ابن خلكان من العبارات القبيحة، ودعا ومبيحة الدم، وادعاء نبوة، فاختلف فيه الأمراء، ومال إلى الرفق به الشيخ برهان الدين فتاب. وفيها مات بمكة في آخر العام الشيخ الكبير محمد بن أحمد بن أبي بكر الحراني القزاز، وكان كثير التلاوة، شهير الزهادة، وروى عن عبد الله ابن التجار وجماعة، وتفرد بالرواية، قال الذهبي: وكتبنا عنه. وفيها مات بمصر رئيسها الصاحب تاج الدين محمد ابن الصاحب فخر الدين محمد بن الوزير بهاء الدين علي بن محمد بن حنا، حدث عن سبط السلفي، وكان محتشماً وسيماً شاعراً متمولاً من رجال الكمال. وفيها مات بمكة شيخها الإمام القدوة الكبير العارف بالله، الشهير ذو المقامات العلية، والكرامات السنية، والأحوال الخارقة، والأنوار البارقة، والأنفاش الصادقة أبو عبد الله محمد بن حجاج بن إبراهيم الحضري الإشبيلي، المعروف بابن المطرف الأندلسي في رمضان عن نيف وتسعين سنة، وكان يطوف في اليوم والليلة خمسين أسبوعاً، وحمل نعشه صاحب مكة حميضة. قلت: ومن كراماته العظيمة ما أخبرني به بعض أصحاب الشيخ الكبير أبي محمد اليشكري المغربي الذي لما مات قال الشيخ الكبير نجم الدين الأصبهاني: مات الفقير من الحجاز أنه لما عزم الشيخ أبو محمد المذكور على السفر من مكة لزيارة النبي ﵌ جاء إلى الشيخ أبي عبد الله ابن مطرف المذكور مودعاً فقيل له: عزمت، قال: نعم قال: بلغني أن لفقير ما فيه ماء، وستلقون شدة، ثم تغاثون، قال الراوي فسافرت مع رابع أربعة، فلما بلغنا الفقير وجدناه كما ذكر يعني فقيراً من الماء. وذكر أنهم قدموا إلى طرف البرامين، واشتد عليهم الحر، ولم يكن معهم من الماء إلا شيء يسير، فذهب أحدهم ليشرب، فقال له الشيخ أبو محمد: إن شربته مت، ولكن بل حلقك. قال: ثم قاسينا شدة من شدة الحر، وشدة العطش، ولم نجد ظلاً نستظل له، فقال

стр. 1246

له الشيخ أبو محمد: ما قال لكم الشيخ أبو عبد الله ابن مطرف، قلنا: قال: ستلقون شدة فقال: وهل شدة أشد مما نحن فيه؟ ثم قال، وما كان آخر كلامه. قلنا: قال: ثم تغاثون فقال: أبشروا بالغوث وإذا بسحابة بدت لنا من بعض الآفاق، ولم تزل ترتفع حتى استوت فوق رؤوسنا، ثم صبت علينا حتى سال ما حولنا، فشربنا، ثم توضأنا، واغتسلنا، واستقينا، ثم مشينا خطوات فلم نجد للمطر شيئاً من الأثر قلت: وهذه الآية من أعظم العبر هذا معنى ما ذكر، وإن لم يكن لفظه بعينه هذا المتسطر. وفي السنة المذكورة مات ببغداد مسندها الإمام رشيد الدين محمد بن أبي القاسم المقرئ، شيخ المستنصرية، روى عن جماعة، وتفرد وشارك في الفضائل واشتهر. وفيها مات بتبريز عالمها شمس الدين عبد الكافي العبيدي، شيخ الشافعية، وقد أحسن، وخلف كتباً تساوي ستين ألفاً. وفيها توفي بدمشق مسندها شهاب الدين محمد بن عبد العزيز بن مشرف بن بيان الأنصاري شيخ الزاوية، بالدار الأشرفية عن ثمان وثمانين سنة، حدث عن ابن الزبيدي والناصح، وابن صباغ وغيرهم، وتفرد واشتهر. سنة ثمان وسبع مائة فيها أطلقت حماة لنائبها فيحق، فسار السلطان إلى الكرك ليحج، فدخلها، وبعث نائبها جمال الدين إلى مصر، وزهد في ملكه لحجر عليها فيها، ولوح بعزل نفسه بيبرس الجاشنكير، وتسلطن، ولقب بالمظفر، وأقر على نيابته الملك سلار، وحلف له أمر النواحي، وجاء كتاب الناصر من الكرك. أنه لم يول أحداً، وقد اختار الانقطاع، أو العزلة بالكرك، وإن له عليهم بيعة بالطاعة، وقد أمرهم بالطاعة لمن يتولى، وبشرط الاتفاق وما فيه تصريح بعزل نفسه. وفيها توفي الشيخ الكبير القدوة عثمان الحانوني، وكانمن الصعيد، وطلع النائب والقضاة إلى جنازته، وكان ذا كشف وتوجه وجذ برك الخبز سنين. وفيها توفي رئيس الطب بمصر العلم ابن أبي خليفة، قيل: تركته ثلاث مائة ألف دينار. وفيها ماتت المعمرة أم عبد الله فاطمة بنت سليمان بن عبد الكريم الأنصاري عن قريب التسعين بدمشق، لها إجازة من جماعة، وسمعت المسلم المازني، وكريمة، وابن

стр. 1247

رواحة، وكانت صالحة روت الكثير، ولم تتزوج. ومات في رجب الملك المسعود نجم الدين خضر بن الطاهر في أول الكهولة وفي فجاءة. وفيها مات بمكة شيخ الحرم ظهير الدين محمد بن عبد الله بن منعة البغدادي عن بضع وسبعين سنة. جاور أربعين سنة، وحدث عن الشرف المرسي توفي بناحية اليمن " بالمهجم ". وفيها توفي الحافظ مفيد مصر شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن شامة الطائي. وفيها توفي بدمشق مسند الشام أبو جعفر محمد بن علي السلمي العباسي الدمشقي، كان متزهداً، حج مراراً وجاور، تفرد عن أبي القاسم بن صصري، والبهاء عبد الرحمن، ورحل إليه، توفي عن أربع وتسعين سنة. وفيها ماتت بحماة الجليلة أم عمر خديجة بنت عمر بن أحمد في عشر التسعين. روت عن الركن إبراهيم الحنفي. وفيها مات بغرناطة عالمها الحافظ المقرئ النحوي، ذو العلوم أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي. سنة تسع وسبع مائة فيها بعث بابن تيمية مع مقدم الإسكندرية، فاعتقل ببرج، ومن أراد دخل عليه، وأبطلت الخمور والفواحش من السواحل. وفي وسط السنة سار أمراء، وهموا بقتل السلطان المظفر بيبرس فتجوز، فساقوا على حمينة إلى العريش، ثم دخلوا الكرك وحركوا همة السلطان، وكان رأسهم ثقبة المنصوري، وهم فوق المائة، فسار السلطان قاصداً دمشق، وأرسل الأفرام، فتوقف، وقال: كيف هذا وقد حلفنا للمظفر؟ ثم خذل وفر إلى السقيفة، ثم دخل السلطان إلى قصر الميدان، فأتاه مسرعاً نائب حلب قراسنقر، ونائب حماة فيحق، ونائب الساحل استعدو، والتقت إليه جميع عسكر الشام، ثم سار بهم بعد أيام في أهبه عظيمة نحو مصر، فبرز المظفر في جيوشه،

стр. 1248

فحام عليه جماعة من الأمراء، فخارت قوته، فانهزم نحو المغرب، ودخل السلطان إلى مقر ملكه يوم الفطر بلا ضربة ولا طعنة، ثم أمسك عدة أمراء عتاة، وخذل المظفر، فجاء إلى خدمة السلطان، فوبخه، ثم خنقه، وأباد جماعة من رؤوس الشر، وتمكن وهرب نائبه سلار نحو تبوك، ثم خدع، فجاء برجله إلى أجله، فأميت جوعاً، وأخذ من أمواله ما يضيق عنه الوصف من الجواهر، والعين، والملابس، والزركش، والخيل المسومة ما قيمته أزيد من ثلاثة آلاف ألف دينار قل: اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء، وتنتزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء. بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، وأظهر خربنده بمملكته الرفض، وغير الخطبة، وشمخت الشيعة، وجرت فتن كبار. وفيها توفي الشيخ الكبير العارف بالله الخبير إمام الفريقين، وموضح الطريقين، ودليل الطريقة، ولسان الحقيقة ركن الشريعة المظفرة الرفيعة تاج الدين بن عطاء الله الشاذلي الإسكندري، صاحب أبي العباس المرسي. كان فقيهاً عالماً ينكر على الصوفية، ثم جذبته العناية إلى إتباع طريقتهم الرضية، فصحب شيخ الشيوخ أبا العباس المرسي، وانتفع به وفتح له على يديه بعد أن كان من المنكرين عليه، وسيرته معه، وما جرى له هجراً ووصلاً وقولاً وفعلاً مذكورة في كتابه الموسوم بالطائف المنن في مناقب أبي العباس المرسي وشيخه أبي الحسن الشاذلي. وله عدة تصانيف مشتملة على أسرار ومعارف وحكم ولطائف نثراً ونظماً كلها في غاية من الجودة، ومن نظمه: وكنت قديماً أطلب الوصل منهم ... فلما أتاني الحلم وارتفع الجهل تبينت أن العبد لا طلب له ... فإن قربوا فضل وإن بعدوا عدل وإن أظهروا لم يظهروا غير وصفهم ... وإن ستروا فالستر من أجلهم يحلو وله في شيخة أبي العباس عدة قصائد، وما أحسن قوله في بعضها: فكم قلوب قد أميتت بالهوى ... أحيى بها من بعدما أحياها وكان شيخه المذكور يكثر من استنشاده هذا البيت مرة بعد أخرى، ومن أراد الاطلاع على فضائله وفضائل شيخه، وشيخ شيخه، وما لهم من المناقب، فليطالع كتبه، واشتملت عليه من المواهب. وقد اقتصرت من ترجمته على هذه الألفاظ تاركاً عن بحره الذاخر الذي لا يخاض، ولم أقتصر على قول الذهبي في ترجمته الخافض من رفيع مرتبته. أعني قوله: وفيها مات بمصر الشيخ العارف المذكور تاج الدين أحمد بن محمد بن عطاء الله الإسكندرني صاحب

стр. 1249

أبي العباس المرسي. انتهى كلامه. وقد قدمت في ترجمة أبي الحسن الشاذلي ما فيه كفاية من التنويه بمرتبته العلية، والرد على من غض من جلالة قدره من الطائفة الحشوية لسوء اعتقادهم بمشائخ الصوفية. وفي السنة المذكورة. مات بمكة مسندها المعمر الصالح أبو العباس أحمد بن أبي طالب الحمامي البغدادي الزاسكي، المجاور عن بضع وثمانين سنة. وفيها ماتت بحلب المعمرة شهدة بنت الصاحب كمال الدين عمر بن العديم العقيلي، ولدت يوم عاشوراء لها حضور وإجازة من جماعة من الشيوخ، وكانت تكتب وتحفظ أشياء، وتتزهد وتتعبد، وذكر الذهبي أنه ممن سمع منها. وفيها مات بدمشق المقرئ المعمر أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الحسن بن صدقة المخرمي. سنة عشر وسبع مائة دخلت وسلطان الوقت الملك الناصر محمد، ونائبه يكتمر أمير جندار والوزير فخر الدين عمر الخليلي، وناب بدمشق قراسنقر. وفيها عزل ابن جماعة من القضاء نيابة جمال الدين الزرعي، لكونه امتنع يوم عقد المجلس لسلطنة المظفر قراها له السلطان، ثم بعد عام أعيد ابن جماعة إلى المنصب، ثم جاء كتاب بعزل ابن الوكيل. وولي بدمشق الشهاب الكاشغري الشريف، وفي نيسان نزل مطر أحمر، وماتت ببغداد ست الملوك فاطمة بنت علي بن علي. وفيها توفي قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن إبراهيم السروجي الحنفي وعزل وطلب من دمشق ابن الحريري، فولي مكانه، وتوفي السروجي بعده بأيام في ربيع الآخر، وله ثلاث وسبعون سنة. صنف التصانيف، واشتهر وهلك جوعاً كما استفاض نائب الممالك سيف الدين سلار المغلي، وقد بلغ من الجاه والعز والمال ما لا مزيد عليه تمكن أحد عشر سنة، وكان من

стр. 1250

اقطاعه نحواً من أربعين طبلخاناة، وكان عاقلاً ذا هيبة، قليل الظلم. وفيها مات بحماه الأمير الكبير سيف الدين قجق المنصوري أحد الشجعان الأبطال، وكان تركياً، ثام الشكل، محبباً إلى الرعية، ويقال: سقي السم. ومات في رمضان المسند العالم كمال الدين إسحاق بن أبي بكر بن إبراهيم الأسدي الحلبي ابن النحاس الحنفي، عن بضع وسبعين سنة أو ثمان، سمع ابن يعيش، وابن قميرة، وابن رواحة. وفيها مات بتبريز عالم العجم العلامة قطب الدين محمد بن مسعود بن مصلح الشيرازي، عن ست وسبعين سنة، وله تصانيف، وتلامذة، وذكاء باهر، ومزاح ظاهر. وفيها توفي الإمام العلامة حامل لواء الشافعية في عصره نجم الدين أحمد بن محمد، المعروف بابن الرفعة، أحد الأئمة الجلة علماً وفقهاً ورياسة شرح التنبيه شرحاً حفيلاً لم يسبق على التنبيه نظيره جاء فيه بالغرائب المفيدة لكل طالب بل لكل عالم في فهم ثاقب، وكذلك شرح الوسيط، وأودعه علوماً جمة، ونقلاً كثيراً، ومناقشات حسنة بديعة، وهو شرح بسيط جداً، ولم يكمل. سمع الحديث من غير واحد، وحدث بشيء يسير من تصنيفه في أمر الكنائس وتخريبها، وولي حسبة الديار المصرية، ودرس بالمغربية بها، وكان مولده في سنة خمس وأربعين وست مائة، وكان في عرف بعض الفقهاء قد وقع الاصطلاح على تلقيبه بالفقيه حتى صار علماً عليه إذا أشير إليه قلت: وكذلك صار هذا اللفظ في بعض بلاد اليمن علماً على شمس الدين، والفقيه الكبير الولي الشهير أحمد بن موسى، المعروف بابن عجيل. وفيها توفي العالم المتفنن الشيخ علي بن أسمح اليعقوبي، كان له عدة محفوظات منها مصابيح البغوي، والمفصل، والمقامات، وركب البغلة، ثم تزهد وهاجر إلى دمشق، وائتذر بدلق وميزر صغير أسود، وتردد إلى المدارس، وأقرأ العربية. وفيها توفي الإمام العلامة القاضي بدر الدين، المعروف بابن رزين عبد اللطيف بن

стр. 1251

محمد الحموي، ثم المصري الشافعي ابن شيخ الشافعية. قاضي القضاة تقي الدين كان إماماً متقناً، عارفاً بالمذهب درس وأفتى وأعاد لأبيه، وولي قضاء العسكر، ودرس بالظاهرية وغيرها، وخطب بجامع الأزهر، وحدث عن جماعة. سنة إحدى عشرة وسبع مائة فيها عزل عن دمشق نائبها قراسنقر المنصوري، وأعيد إلى القضاء ابن جماعة، وجعل الزرعي قاضي العسكر. وفيها مات في الثغر الإمام الناظم الزاهد العابد أبو حفص عمر بن عبد البصير السهمي القرشي عن ست وتسعين سنة، حدث بدمشق عن ابن المقير، وابن الحميري، وحج مرات. وفيها مات بدمشق المسند الفاضل فخر الدين بن إسماعيل بن نصر الله بن تاج الأمنا أحمد ابن عساكر، وحدث عن جماعة، وتبعه الكبراء وشيوخه نحو التسعين، وكان مكثراً، وفيه خفة مع تدين، وتذاكر بأشياء. وفيها ماتت الصالحة المسندة أم محمد فاطمة بنت الشيخ إبراهيم بن محمود بن جوهر البطائحي، روت الصحيح عن ابن الزبيدي مرات، وسمعت صحيح مسلم من غيره، وكانت صالحة متعبدة. وفيها توفي الإمام القدوة الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد الدماهي الصوفي الحنبلي، وكان ذا تأله، وصدق وعلم. وفيها توفي الإمام العارف القدوة عماد الدين أحمد ابن شيخ الحرامية إبراهيم بن عبد الرحمن الواسطي، صاحب التواليف في التصوف عن أربع وخمسين سنة، وكان من سادات السالكين، وله مشاركة في العلوم، وعبارة عذبة، ونظم جيد. وفيها توفي الشيخ القدوة العارف بالبركة شعبان بن أبي بكر الإربلي، شيخ مقصورة الحلبيين عن سبع وثمانين سنة، وكانت جنازته مشهودة، وكان خيراً متواضعاً، وافر الحرمة.

стр. 1252

وفيها توفي القاضي المنشئ جمال الدين محمد بن مكرم الأنصاري الرويفعي يروي عن مرتضى، وابن المقير، ويوسف بن المحبلي، وابن الطفيل. وحدث بدمشق واختصر تاريخ ابن عساكر، وله نظم ونثر قيل: وفيه شائبة تشيع. وفيها توفي العلامة شيخ الأدباء رشيد الدين رشيد بني كامل الرقي، الشافعي، درس وأفتى، وبرع في الأدب، وحدث عن ابن مسلمة، وابن علان. وفيها توفي قاضي الحنابلة بمصر سعد الدين مسعود بن أحمد الحارثي حدث وكتب وصنف ودرس، وكان ديناً هيناً، وافر الجلالة، فصيحاً ذكياً. حكم سنين، وكان من أئمة الحديث ومفتياً. وفيها خر من فوق المنبر يوم الجمعة في هذه الحدود خطيب غرناطة، العلامة محمد عبد الله بن أبي حمزة المرسي، ومات فجاءة عن نيف وثمانين سنة - رحمه تعالى -. سنة اثنتي عشرة وسبع مائة فيها قطع خير الأمير مهنا لكونه ساق إليه جماعة من النواب والأمراء، فأجارهم ومسك خلائق من الأمراء وحبسوا، وحدث أحداث كثيرة من عزل وتولية. وفيها حج السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، قلت: ورأيته يطوف بالكعبة، وعليه ثياب أحرام من صوف، وهو يعرج في مشيته، وحوله جماعة من الأمراء، وبأيدي كثير منهم الطير من أمامه، ومن خلفه وجوانبه، فلما فرغ من طوافه ركع خلف المقام، ثم دخل الحجر، فصلى فيه، ثم جاءه قاضي مكة نجم الدين الطبري، ثم جاءه شيخنا إمام الصلاة والحديث فيها رضي الدين إبراهيم بن محمد الطبري، الشافعي، ولا أدري هل أتيا إليه باستدعاء منه أم بغير استدعاء، وكان دخوله مكة بعد دخول الركب المصري. ساق في أيام يسيرة، وحج وانصرف راجعاً قبل الركب. وفي تلك السنة كان أول حجي عقب بلوغي، ثم رجعت إلى اليمن وعدت إلى مكة سنة ثمان عشرة، ثم أقمت بها، وسمعت الحديث، وازددت من الاشتغال بأنواع من العلوم على جماعة من العلماء، وتأهلت فأولدت من بنات أكابر الحرمين وأئمتهم وقضاتهم.

стр. 1253

وفي السنة المذكورة مات شيخ بعلبك الإمام الفقيه الزاهد القدوة بركة الوقت أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الحنبلي كفا ذكره الذهبي، ومدحه قال: وكان قليل المثل خيراً منوراً أماراً بالمعروف نهاء عن الفكر، وذكر أنه حدث عن جماعة سماهم. وفيها توفي صاحب ماردين المنصور نجم الدين غازي ابن المظفر. وفيها توفي الملك المظفر شهاب الدين غازي ابن الناصر داود بن المعظم ابن العادل حدث عن الصبر البكري، وخطيب برداً، وكان عاقلاً ديناً. وفيها توفيت ست الأجناس بنت عبد الوهاب بن عتيق المصرية عن اثنتين وثمانين سنة، روت عن جماعة، وتفردت بأشياء. سنة ثلاث عشرة وسبع مائة وفيها وصل السلطان إلى دمشق من الحج حادي عشر المحرم لابساً عباءة وعمامة مدورة، وصلى جمعتين بالمقصورة. وفي ربيع الآخر منها مات بمكة المحدث الحافظ فخر الدين أبو عمرو عثمان بن محمد بن محمد بن عثمان التوزري المجاور، سمع السبط، وابن الحميري وعدة، وقرأ ما لا يوصف كثرة، وكان قد تلا بالسبع، قلت: ورأيته في السنة التي قبلها يحدث في المسجد الحرام، وحضرت في بعض مجالسه، وسمعت شيئاً من الأحاديث المقروءة عليه. سنة أربع عشرة وسبع مائة فيها توفي بمصر العلامة المعمر شيخ الحنفية رشيد الدين إسماعيل بن عثمان بن المعلم القرشي الدمشقي، عن إحدى وسبعين سنة، وسمع من ابن الزبيدي والسخاوي وجماعة، وتفرد وتلا بالسبع على السخاوي، وأفتى ودرس، ثم انجفل إلى القاهرة سنة سبع مائة، ومات قبله ابنه المفتي تقي الدين قبل موته بسنة أو أكثر. قال الذهبي: ومات بدمشق الشيخ سليمان التركماني المولد، وكان يجلس بسقاية باب البريد، وعليه عباءة نجسة ووسخ ونتن، وهو ساكت قليل الحديث، له كشف وحال من

стр. 1254

نوع أخبار الكهنة، هكذا قال الذهبي على عادته في اعتقاده في الفقراء المجربين، قال: وللناس فيه اعتقاد زائد، وكان شيخنا إبراهيم مع جلالته يخضع له، ويجلس عنده قلت: يكفي في مدحه ما ذكره عن شيخه المذكور، وذكر أنه كان يأكل في رمضان ولا يصلي. قلت: ومثل هذا قد شوهد من كثير من المجربين، ومن الجائز أنهم يصلون في أوقات لا يشاهدون فيها، وأنه لا يدخل إلى بطونهم، ولا إلى حلوقهم ما يرى الناس، إنهم يأكلونه بل يمضغون ذلك تجريباً وتستراً، أو غير ذلك من الأحوال المحتملة لفعل الصلاة في وقتها وترك الأكل في رمضان، فللقوم أحوال يحتجبون بها. وقد ذكرت في كتاب روض الرياحين وغيره ما يؤيد هذا عن قضيب البان، والشيخ ريحان، وغيرهما من المجربين أولى الاصطفاء والعرفان. وفيها ماتت العاملة الفقيهة الزاهدة القانتة سيدة نساء زمانها، الواعظة أم زينب فاطمة بنت عياش البغدادية الشيخة في ذي الحجة بمصر. عن نيف وثمانين سنة، وشيعها خلائق انتفع بها خلق من النساء، وكانت وافرة العلم، فائقة قانعة باليسير، حريصة على النفع والتذكير، ذات إخلاص وخشية، وأمر بالمعروف انصلح بها نساء دمشق، ثم نساء مصر، وكان لها قبول زائد، ووقع في النفوس. قال الذهبي: زرتها مرة. وفيها مات بالثغر جمال الدين العدل بن عطية اللخمي المتفرد بكرامات الأولياء عن مظفر الفوي بضم الفاء وتشديد الواو من أبناء الثمانين، قلت: يعني أنه تفرد برواية المذكورة عن الشيخ المذكور. سنة خمس عشرة وسبع مائة في أولها سار نائب دمشق بجيوش الشام إلى ملطية، فافتتحها، وسبيت ذراري النساء، وعمد من المسلمات، وعم النهب، وأحرقوا في نواحيها، وفارقوها بعد ثلاث وقتل بملطية عدة من النصارى، ودرس بالأتابكية قاضي القضاة، ابن صصري، وبالظاهرية ابن الزملكاني، وقتل أحمد الرويس الأقناعي، لاستحلاله المحارم، وتعرضه للنبوة، وقوله: أتاني النبي ﵌ وحدثني. وفيها مات سلطان الهند علاء الدين محمود، أو في السنة الماضية، وتسلطن بعده نائبه غياث الدين. وفيها مات بالموصل السيد ركن الدين الحسن بن محمد العلوي الحسيني، وكان صاحب التصانيف، وكان لا يحفظ القرآن، ولا بعضه، ومع هذا كانت

стр. 1255

جامكيته، في الشهر ألفاً وست مائة درهم. ؟ سنة ست عشرة وسبع مائة فيها ولي قضاء الحنابلة بدمشق شمس الدين ابن سلم بفتح السين واللام وتشديدها. وفيها مات العلامة نجم الدين سليمان بن عبد القوي الحنبلي النسفي الشاعر، صاحب شرح الروضة، كان على بدعته، كثير العلم، عاقلاً، متديناً، مات، ببلد الخليل كهلاً. وفيها ماتت مسندة الوقت، ست الوزراء، بنت عمر بن أسعد التنوخية، في شعبان، فجاءة عن اثنتين وتسعين سنة. روت عن أبيها القاضي شمس الدين وابن الزبيدي، وحدثت بالصحيح، ومسند الشافعي بدمشق، ومصر مرات، وكانت على خير. وفيها مات سلطان التتار غياث الدين خربنده، ابن أرغون، هلك بمراغة في آخر رمضان، ولم يتكهل، وكانت دولته ثلاث عشرة سنة، وتملك ابنه بعده أبو سعيد. وفيها توفي المعمر المقرئ السيد صدر الدين أبو الفداء إسماعيل بن يوسف بن مكتوم القيسي الدمشقي، سمع جماعة منهم مكرم، وابن الشيرازي، والسخاوي، وقرأ عليه بثلاث روايات، وكان فقيهاً مقرياً وتفرد بأجزاء. وفيها ماتت بحماة أم أحمد فاطمة بنت النفيس محمد بن الحسين بن رواحة. روت أجزاءاً عن عمها بطرابلس، ومصر. قال الذهبي: سمعنا منها. وفيها توفي الشيخ العلامة ذو الفنون صدر الدين محمد ابن الوكيل خطيب دمشق. وفيها توفي زين الدين عمر بن مكي بن المرحل الشافعي بمصر، عن إحدى وخمسين سنة، وأشهر، ولد بدمياط، ونشأ بدمشق، وسمع من ابن غيلان والقاسم الإربلي، وأفتى عن اثنتين وعشرين، وحفظ المقامات في خمسين يوماً، وتخرج به الأصحاب، وكان أحد الأذكياء النجاب، وله نظم رائق ومزاح عفا الله عنه.

стр. 1256

وفيها مات بسبتة عالمها النحوي ذو العلوم أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الغافقي، الإشبيلي، سمع التفسير، وبحث كتاب سيبويه، وتلا بالسبع، له تصانيف وجلالة وتلامذة. وفيها توفي الإمام العلامة المدرس المفتي الشافعي. أحمد بن أحمد بن مهدي المدلجي الكناني المعروف بعز الدين النسائي، كان من أورع أهل زمانه درس وأفتى بالمدرسة الفاضلية بالقاهرة، واشتغل للطلبة، وانتفعوا به، وتوفي بمكة - رحمه الله تعالى - في ذي القعدة، ودفن بالمعلى. سنة سبع عشرة وسبع مائة فيها حدثت الزياة العظمى ببعلبك، فغرق في البلد مائة وبضع وأربعون نسمة، وجرف السيل سورها الحجارة مساحة أربعين ذراعاً، ثم تزلزل بعد مكانه مسيرة خمس مائة ذراع، وكان ذلك آية بينة، وتهدم من البيوت والحوانيت نحو ست مائة موضع. وفيها قدم السلطان إلى غزة، وإلى الكرك، ثم رجع. وفيها ظهر جبلي، وادعى أنه المهدي بجبلة، وثار معه خلق من النصيرية والجهلة، وبلغوا ثلاثة آلاف، فقال: أنا محمد المصطفى، ومرة قال: أنا علي وتارة قال: أنا محمد بن الحسن المنتظر، فزعم أن الناس كفرة، وأن دين النصيرية هو الحق. وأن الناصر صاحب مصر قد مات، وعاثوا في السواحل، واستباحوا جبلة، ورفعوا أصواتهم يقولون: لا إله إلا علي، ولا حجاب إلا محمد، ولا باب إلا سلمان. ولعنوا الشيخين، وخربوا المساجد، وكانوا يحضرون المسلم إلى طاغيتهم، ويقولون: اسجد لإلهك، فسار إليهم عسكر طرابلس، وقتل الطاغية وجماعة ومزقوا. وفيها مات المحدث الإمام الشيخ علي بن محمد الحسيني الصوفي في المحرم عن سبع وأربعين سنة، روى عن الفخر علي، وتاج الدين الفزاري. كان تقياً ديناً مؤثراً، كثير المحاسن. وفيها مات بدمشق قاضي المالكية المعمر جمال الدين محمد بن سليمان

стр. 1257

الزواوي وبقي قاضيها ثلاثين سنة. سنة ثمان عشرة وسبع مائة فيها كان القحط المفرط بالجزيرة، وديار بكر كلت الميتة، وبيعت الأولاد، ومات بعض الناس من الجوع، وجرى ما لا يعبر عنه، وكان أهل بغداد في قحط أيضاً دون ذلك. وجاءت بأرض طرابلس زوبعة أهلكت جماعة، وحملت الجمال في الجو، وأمسك السلطان جماعة أمراء. وفيها مات بزاويته الإمام القدوة، بركة الوقت، الشيخ محمد بن عمر ابن الشيخ الكبير أبي بكر بن قوام النابلسي عن سبع وستين سنة، روى عن إسحاق ابن طبرزد، وكان محمود الطريقة، متين الديانة. وفيها مات بدمشق الإمام الكبير أبو الوليد محمد بن أبي القاسم القرطبي إمام محراب المالكية. وفيها مات مسند الوقت الصالح أبو بكر بن المنذر بن زين الدين أحمد بن عبد الدائم المقدسي. وفيها مات العلامة المفتي كمال الدين أحمد ابن الشيخ جمال الدين محمد بن أحمد الشريشي. وفيها مات شيخ القراء والنحاة مجد الدين أبو بكر محمد بن قاسم المرسي التونسي الشافعي، تخرج به الفضلاء، وكان ديناً صيناً ذكياً، قال الذهبي: حدثنا عن الفخر علي. وفيها ماتت بالصالحية زينب بنت عبد الله بن الرضي، عن نيف وثمانين سنة. روت عن الحافظ الضياء، وتفردت بأجزاء. وفيها مات العلامة قاضي المالكية بدمشق فخر الدين أحمد بن سلامة القضاعي. وكان حميد السيرة بصيراً بالعلم محتشماً. سنة تسع عشرة وسبع مائة فيها حج السلطان الملك الناصر من مصر، وفيها كانت الملحمة العظمى بالأندلس

стр. 1258

بظاهر غرناطة، فقتل فيها من الفرنج أزيد من ستين ألفاً، ولم يقتل من عرف من عسكر المسلمين سوى ثلاثة عشر نفساً، والحمد لله على نصر دين الإسلام، وعلى سائر أفضاله والأنعام. وفيها مات مسند الوقت الشرف عيسى بن عبد الرحمن الصالحي المعظم. وفيها مات بمالقة شيخها العلامة أبو عبد الله محمد بن يحيى القرطبي، عن ثلاث وتسعين سنة، تفرد بالسماع عن الكبار. سنة عشرين وسبع مائة فيها حج مع السلطان الأمير عماد الدين الأتوني سلطنة السلطان بحماة، ولقب بالملك المؤيد، وقتل بمصر إسماعيل المقرئ على الزندقة، وسب الأنبياء، وقتل بدمشق عبد الله الرومي الأزرق مملوك الناجي ادعى النبوة وأصر وعمل عقد السلطان على أخت إزبك التي قدمت في البحر، وخلع على الكريم وابن جماعة، وكاتب السر وغيرهم، وغضب السلطان على آل فضل، وأحيط على أقطاعهم بعد أن أعطاهم قناطير من الذهب بحيث أنه أعطاهم في عام أول ألف ألف، وخمس مائة ألف درهم، وغزا الجيش بلاد سيس لكن غرق في نهر خان منهم خلق كثير، وحبس بقلعة دمشق ابن تيمية لإفتائه في الطلاق مخالفاً لجماهير أهل السنة، وأمسك نائب غزة الحاوي، وجاء بالسلطانية برد كبار، ووزنت منه واحدة ثمانية عشر درهماً، فاستغاث الخلق وبكوا فأبطلت الفاحشة والخمور أجمع بمهمة عليشاه الوزير، وزوج من العواهر خمسة آلاف في نهار واحد، وشقق ألوف من الظروف، وابتنى الجامع الكبير الكريمي بالضبات، وسيق إليه مال كثير، وحج الرحبيون منهم القاضي فخر الدين المصري، وجماعة من العلماء، ووجوه الناس. وفيها مات المعمر المقرئ الرحلة أبو علي الحسن بن عمر بن عيسى الكردي. وفيها قتل صاحب مكة حميضة بن أبي نمي الحسني وكان قد نزع عن طاعة السلطان الملك الناصر، وتولى أخوه عطيفة، فقتله جندي التقى به بالبرية غيلة، وهو نائم، ثم قتله السلطان لغدره. قلت: ويقال: إن ذلك من تحت مكيدة السلطان جاء إليه الجندي في صورة هارب من السلطان.

стр. 1259

ورأيت قبيل قتله في المنام. كان القمر في السماء قد احترق بالنار، وأظن أني رأيته سقط إلى الأرض، وكان قبل ذلك بأيام قد جاء بجيش يريد أخذ مكة وقتل جماعة فيها من الفقهاء، والمجاورين على ما قيل، وقد كان مخرجاً منها. ومن جملة المذكورين، القاضي الجليل الإمام الحفيل نجم الدين الطبري، جاءني، وهو خائف يقول: أين أذهب، وعندي بنات. يعني لا أستطيع الذهاب عنهن، فرأيت في المنام، في ضحى ثاني ذلك اليوم الذي قال فيه: ذلك المقال كأني شاهدت النبي ﵌، وقبلت قدمه الشريفة، وقلت: يا رسول الله نجم الدين، فتبسم ﵌، وقال لي: " ما يصيبه شر " فقلت له: أهل مكة، فانقبض ﵇، ولم يجبني بجواب، فأعدت عليه ذلك، فلم يجبني، ثم أعدت عليه ثالثاً فقال: " ما عليهم إلا خير " يقول ذلك بغير بشاشة منه، ثم أقبل بالجيش عقب هذا المنام إلى أن بلغ بطن مر، فخرج إليه أخوته عطيفة، وعطاف، وآخر من أخوته مع عسكر ضعيف، فنصرهم الله عليه، وكسروه، فانهزم ولم يكن قبل ذلك يكسر، بل كانت العربان تهابه هيبة عظيمة، وكانت له سطوة، وإقبال، وسعادة عاجلة، وكان يقول: كان لأبي نمي خمس فضائل، الشجاعة، والكرم، والحلم والشعر، والسعادة، قال: فورثت هذه الخمس، خمسة من أولاده، فالشجاعة لعطيفة، والكرم لأبي الغيث، والحلم لرميثة، والشعر لسليمة، والسعادة لي حتى لو قصدت جبلاً لدهكته، ثم قتل بعد كسرته المذكورة، بعد أيام يسيرة. سنة إحدى وعشرين وسبع مائة فيها أطلق ابن تيمية بعد الحبس بخمسة أشهر، وأقبلت الحرامية في جمع كثير، فنهبوا في بغداد علانية سوق الثلاثاء، فانتدب لهم عسكر، فقتلوا فيهم مقتلة نحو المائة، وأسروا جماعة. ووقع الحريق الكثير بالقاهرة، ودام أياماً، وذهبت الأموال، ثم ظهر فاعلوه، وهم جماعة من النصارى، يعملون قوارير ينقدح ما فيها، ويحرق، فقتل جماعة وكان أمراً مزعجاً قيل: فعلوه، لإخراب كنيسة لهم، وأخرب ببغداد مواضع الفاحشة، وارتفعت الخمور، وأخربت كنيسة اليهود وحج تائب دمشق، وفي صحبته خطيب البلد القاضي جلال الدين القزويني، وجماعة من العلماء والأكابر. وفيها مات شيخ الشيعة، وفاضلهم الشمس محمد بن أبي بكر بن أبي القاسم

стр. 1260

الهمداني، ثم الدمشقي. وفيها مات بالفيوم خطيبها الرئيس، الأكمل، المحتشم، مجد الدين أحمد بن المعين الهمداني النويري المالكي، صهر الوزير ابن حنا، وكان يضرب به المثل في المكارم، والسؤدد. وفيها توفي بمكة الشيخ الكبير العالم بالله الشهير، بدر المعارف، ومعدن الكرامات، واللطائف، ذو المواهب السنية، والمقامات العلية، وأنفاس الصادقة، والأحوال الخارقة شيخ عصره، وعلم دهره، نجم الدين عبد الله بن محمد بن محمد الأصبهاني الشافعي، تلميذ الشيخ الكبير أبي العباس المرسي الشاذلي عن ثمان وسبعين سنة. جاور بمكة سنين كثيرة، ومناقبه كثيرة باهرة، وآياته شهيرة ظاهرة، وأيامه منيرة زاهرة، ولو ذهبت أعدد ما اشتهر عنه من الفضائل المشتملة، على العجب العجاب، لخرجت بذلك عن الاختصار المقصود بهذا الكتاب، ولكني أذكر شيئاً لطيفاً تلويحاً بفضله، وتعريفاً، فمن ذلك أنه رأى في صغره كأنه خلع عليه إحدى عشر علماً فعرض ذلك على عمه وكان من الأكابر، أولى البصائر، فقال: يتبعك أحد عشر ولياً. وقال له: الفقيه الإمام العارف بالله رفيع المقام علي بن إبراهيم اليمني البجلي، في بعض حجاته، تركت ولدي مريضاً لعلك تراه في بعض أحوالك، فتخبرني كيف هو فرمق الشيخ نجم الدين في الحال قال: ها هو قد تعافى، وهو الآن لستاك على سرير، وكتبه حوله، ومن صفته وخلقته كذا وكذا، وما كان رآه قبل ذلك، وطلع يوماً في جنازة بعض الأولياء، فلما جلس الملقن عند قبره يلقنه. ضحك الشيخ نجم الدين، فسأله تلميذ له عن ضحكه إذ لم يكن الضحك له عادة فزجره، ثم أخبره بعد ذلك أنه سمع صاحب القبر يقول ألا تعجبون من ميت يلقن حياً؟ وكان الملقن من كبار الفقهاء أكره أن أسميه. ومن كراماته أيضاً أني رأيته في منامي يكلم شيخاً من المجاورين الصالحين سراً مقبلاً عليه في وقت كنت مضروراً فيه لحاجة، فلما انتبهت من منامي أردت أن أبشر ذلك الشيخ بإقباله عليه، وإذا به قد جاءني، وقضى لي تلك الحاجة التي تعسرت علي، ففهمت أنه ما كان يكلمه إلا من شأني، وكنت قد أدركته في حجتي الأولى، وهو صحيح الجسم يعتمر في الجمعة مرتين، ويطوف بالبيت أسابيع كثيرة أظنها سبعة بعد الصبح، وأسبوعا بعد المغرب

стр. 1261

وأسبوعاً بعد العشاء. سمعته يقرأ فيه: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله " " الإسراء: ا " سورة بني إسرائيل، وأسبوعاً قبل الفجر، وسمعت شيئاً من كلامه خلف المقام، وأحرمت بالعمرة معه في وقت، وأدركته في الحجة الثانية، وهو متخلف في بيت لوجع في رجله، وكان ذا صورة جميلة، ولحية طويلة، وهيبة عظيمة، وكان قد اشتغل بعلوم كثيرة، وحصل منها محصولاً طائلاً، وكان كتابه في الفقه الوجيز، وقيل له: هل تزوجت امرأة قط؟ فقال: ولا كلت طعاما طبخته امرأة. وقال له شيخ في بلاد العجم: ستلقى القطب في الديار المصرية، فخرج في طلبه، فمر في طريقه بحرامية، فأمسكوه وكتفوه، وظنوه جاسوساً وقال بعضهم: نقتله قال: فبت مكتوفاً، فنظمت أبياتاً ضمنتها قول امرء القيس من ذلك: وقد أوطيت نعلي كل أرض ... وقد أتعبت نفسي باغتراب وقد طوفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب قال: فما استتمت الإنشاد حتى انقض علي شيخ كانقضاض البازي على الفريسة، وحل أكتافي، وقال: قم يا عبد الله، فأنا مطلوبك، فذهبت حتى وصلت إلى الديار المصرية، فما عرفت من مطلوبي، ولا أين هو، فلما كان ذات يوم قيل: قدم الشيخ أبو العباس المرسي، فقال الفقراء: اذهبوا بنا نسلم عليه، فلما رأيته تحققت أنه الشيخ الذي حل كتافي، ثم قال: في أثناء كلام له: الحقني يا عبد الله، فما جئت إلا بسببك، ثم خرج من المجلس، والحاضرون لا يدرون من يعني، فتبعته وصحبته إلى أن توفي. ووقع له عجائب يطول ذكرها، ثم توجه بعد وفاته للحج فمر في طريقه على قبر شيخ شيخه شيخ زمانه أبي الحسن الشاذلي، فكلمه من قبره وقال له: اذهب إلى مكة، وانحبس بها. قلت: وأخبرني بعض الشيوخ الكبار، وهو ذو الكرامات الشهيرة الخارجة عن الانحصار الذي بإرشاده الضال يهتدي الشيخ محمد المرشدي أن الشيخ نجم الدين لما سافر للحج لم يطعم شيئاً حتى بلغ قبر شيخ شيخه أبي الحسن المذكور الذي هو فيه مقبور، ولما بلغ طرف الحرم الشريف سمع هاتفاً يقول له: قدمت إلى خير بلد، وشر أهل، أو نحو ذلك من الكلام، ثم لم يزل بمكة ذا جد واجتهاد مواصلة بين الأوراد. مكثراً من الطواف والاعتماد. مشاراً إليه بالأنوار والأسرار، ويجتمع به من ورد من الشيوخ الكبار إلى أن توفى، فدفن قريباً من قبر السيد الجليل الذي بجواره بلوغ الأغراض أبي علي الفضيل بن

стр. 1262

عياض - قدس الله روحهما - ولم ير في الظاهر خارجاً من مكة إلى مكان أبعد من عرفة، وأما في الباطن، فالعلم بذلك راجع إلى علماء الباطن. قد أخبرني بعض الأولياء، وهو الشيخ محمد البغدادي الذي كان ساكناً في بلاد مراغة، قال: لما رجعت من زيارة النبي ﵇ متوجهاً إلى مكة. أفكرت في الشيخ نجم الدين المذكور، وعتبت عليه في قلبي في كونه لا يقصد المدينة الشريفة ويزور، قال: ثم رفعت رأسي، فإذا به في الهوى ماراً إلى جهة المدينة، وناداني: يا محمد كذا وكذا، وذكر كلاماً نسيته. وبلغني أنه قال له بعض أصحابه: يا سيدي الناس ينكرون عليك ترك زيارة النبي ﵇، فقال: لا ينكر ذلك إلا أحد رجلين، إما مشرع، وإما محقق. فأما المشرع. فقل له: هل يجوز للعبد أن يسافر بغير إذن سيده؟ وأما المحقق فقل له: من هو معك في كل حين حاضر هل لطلبه تسافر. وقال الشيخ عبد الملك ابن الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبو محمد المرجاني المغربي - قدس روحه - استأذنت الشيخ نجم الدين في زيارة قبر النبي ﵇ فقال: مالك طريق إلى ذلك في هذا الوقت، قال: فخالفته وسافرت مع جماعة، فلما صرنا بين الروضة والهمة مشينا ليلتنا فغوينا، فأصبحنا حيث أوينا، ثم مشينا فغوينا كذلك ثلاثة أيام، فعرفت أن سبب غوايتنا مخالفتي للشيخ نجم الدين، فقلت للجماعة: سافروا فما السبب المعوق لكم إلا أنا، ثم رجعت إلى مكة، وسافروا فلما كان بعد مدة استأذنت الشيخ نجم الدين في السفر، فقال لي: سافر، فتسهلت لي الطريق، وارتفع التعويق. هذا يعني كلامه وإن اختلفت العبارة، فلما وصل المدينة الشريفة وجد بعض المجاورين قد توفي، وأوصى له بثياب، فلبسها. قلت: وقد اقتصرت في ترجمة الشيخ نجم الدين الأصبهاني على هذه النبذة من فضائله، وهذه القطرة من بحر لا يوصل إلى ساحله. وأما ترجمة الذهبي فغاضة من قدره بل طامسة لنور بدره، حيث يقول في ترجمته: بهذه الألفاظ بعينها، ومات بمكة في جمادى الآخرة العارف الكبير نجم الدين عبد الله بن محمد الأصبهاني الشافعي تلميذ الشيخ أبي العباس المرسي عن ثمان وسبعين سنة. جاور بمكة مدة، وما زار النبي ﵇ فيها، وانتقد عليه الشيخ علي الزاهد رحمهما الله تعالى. هذه جميع ترجمته المقصرة في وصفه المنسوب إليه، المنكرة في ترك الزيارة عليه، وقد قدمت التنبيه على أعظم من هذا التمويه في إنكاره على شيخ شيخه أبي الحسن الشاذلي

стр. 1263

في ترجمته، وإنزاله إلى الحضيض النازل من رفيع مرتبته، فطالع ما تقدم في ترجمته المذكورة ترى العجب العجاب، فتوفق إن شاء الله تعالى في الاعتقاد للصواب. وفي السنة المذكورة توفي صاحب اليمن شيخ القراءات، ومعدن البركات مقرئ حرم الله تعالى، ومحقق قراءة كتاب الله . الشيخ الكبير السيد الشهير أبو محمد عبد الله لمعروف بالدلاوي - رضي الله تعالى عنه - ونفع به. كان من ذوي الكرامات العديدات، والمناقب الحميدات. يقال: إنه ممن سمع رد السلام من سيد الأنام عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، ورأيته يطوف في ضحى كل يوم أسبوعاً بعد فراغ الطلبة من القراءة عليه، وكان قد انحنى انحناء كثيراً، فإذا جاء إلى الحجر الأسود زال ذلك الإنحناء وقبله، وكان يعد ذلك من كراماته. ومنها أنه كان عنده طفل غابت أمه عنه، فبكى فدر ثديه باللبن، فأرضع ذلك الطفل حتى سكت، وله كرامات أخرى كثيرة شهيرة. وفي السنة المذكورة توفي صاحب اليمن الملك المؤيد عزيز الدين داود ابن الملك المظفر يوسف بن عمر، وكانت دولته بضعاً وعشرين سنة. قال بعض المؤرخين: وكان عالماً فاضلاً سائساً شجاعاً، وعنده كتب عظيمة نحو مائة ألف مجلد، وكان يحفظ التنبيه وغير ذلك. انتهى. قلت: وأبوه الملك المظفر، وابنه الملك المجاهد كلاهما في العلوم أكثر من مشاركة فرعاً وأصلاً، وأذكى قريحة، وأشهر فضلاً، وأحسن ملحاً، وأظرف وأحلى من ذلك أنه كتب بعض الناس إلى الملك المظفر، قال الله : " إنما المؤمنون أخوة " " الحجرات: ١٠ " وأنا أخوك فلان أطلب منك نصيبي من بيت مال المسلمين، فأرسل إليه الملك المظفر بدرهم، وقال للرسول قل له: " إذا فرقنا بيت مال المسلمين عليهم لم يحصل لك أكثر من هذا أو قال: لعله لا يحصل لك هذا. وله أربعون حديثاً خرجها منتقاة عوالي رويناها عن شيخنا رضي الدين الطبري يحق روايته لها عن الإمام محب الدين الطبري بروايته لها عن الملك المظفر المذكور. وأما الملك المجاهد، فله أشياء بديعة نظماً ونثراً، وديوان شعره، ومعرفة بعلم الفلك، والنجوم، والرمل، وبعض العلوم الشرعية من الفقه وغيره. وفيها مات بمصر المحدث الرحال تقي الدين محمد بن عبد المجيد الهمداني

стр. 1264

المصري، الصوفي، عن نيفٍ وسبعين سنة، سمع من جماعة منهم المري، وابن الخير. كذا ذكره الذهبي. وفيها مات حافظ المغرب الإمام العلامة أبو عبد الله بن رشيد الفهري بفاس. سنة اثنتين وعشرين وسبع مائة وفيها توفي شيخنا المحدث الإمام العلامة الراوية صاحب الأسانيد العالية، بركة الوقت، فريد العصر بقية المحدثين الصالحين رضي الدين إبراهيم بن محمد الطبري المالكي إمام المقام في الحرم الشريف، ذو الأوصاف الرضية، والمنصب المنيف، سمع رضي الله تعالى عنه ما يطول عقه من الكتب والأجزاء في الحديث والتفسير، والفقه، والسير، واللغة، والتصوف وغير ذلك من خلائق من الأئمة الكبار، وأجاز له أيضاً خلائق من جلة يطول عدهم، ويعلو مجدهم، وكل ذلك مثبت بخطه في بيت محفوظ في كتبه، وتفرد في آخر عمره خصوصاً برواية صحيح البخاري، واعترف له الجلة بالجلالة، حتى قال له محدث القدس المتفرد في وقته صلاح الدين العلاني ﵀: لي من الشيوخ قريب من ألف ما فيهم مثل شيخك، يعني رضي الدين المذكور. وبلغني أن إمام اليمن، وبركة الزمن، الفقيه الكبير الولي الشهير، السيد الجليل ذا المناقب الزاهرة، والكرامات الباهرة أحمد بن موسى بن عجيل سأله بعض أهل مكة الدعاء، فقال: عندكم إبراهيم. وله نظم جيد، وتواليف منها كتاب " الجنة في مختصر شرح السنة " للإمام البغوي، وغير ذلك، وكان رضي الله تعالى عنه مع اتساعه في رواية الحديث له معرفة بالفقه والعربية وغيرهما. وكانت قراءتي عليه في أول سنة إحدى وعشرين إلى أن اشتد مرض موته في شهر صفر من سنة اثنتين وعشرين وقال لي: يا ولدي لقد حصلت علي في هذه السنة ما لم أحصله في سنين كثيرة ومن مقروءاتي عليه صحيح البخاري، ومسلم، وسنن أبي داؤد والترمذي، والنسائي، والدرامي، وابن حبان، ومسند الإمام الشافعي، والشمائل للترمذي وعوارف المعارف للسهروردي، والسيرة لابن هشام، وعلوم الحديث لابن الصلاح، ومنسكه، وخلاصة السيرة، وصفة القراء، والمجالس الملكية، والعوالي من مسموعات الفراوي، والأربعين من سباعياته، والأنباء المنبئة عن فضل المدينة، والأربعون المختارة في

стр. 1265

صفات الحج والزيارة لابن مسدي، والسداسيات للحافظ السلفي، وخماسيات ابن النقور، وجزء من حديث ابن عرفة، ومقاصد الصوم لابن عبد السلام، والأربعون من أربعين كتاباً للهروي، وفضائل شهر شعبان لابن أبي الصيف، وسداسيات الميانسي، وكتاب أعلام الهدى، وعقيدة أرباب التقى للشيخ شهاب الدين السهروردي، ومسلسلات الديباجي، وتساعيات شيخنا رضي الدين المذكور، وكتاب محاسبة النفس لابن أبي الدنيا، وإجارة المجهول والمعموم للحافظ الخطيب، وثمانون للآجري، وأربعون للملك المظفر صاحب اليمن، والأربعون للنواوي، والأربعون الثقفيات، وغير ذلك. وقد أفردت لمعظم ذلك، أشياء كثيرة مثبتاً في أوراق عديدة، وأضفت ذلك مجازاتي منه ومقروءاتي على غيره، مالي من تصنيف وتأليف نظماً ونثراً في جزء كتبته وقرأه علي ناس كثيرون، وكان آخر ما قرأته على شيخنا المذكور الملخص للمغافري توفي وقراءتي في أثنائه رحمه الله تعالى ورحم سائر مشائخنا، وقد ذكرت كثرهم في الجزء المذكور. وجل اعتمادي منهم على ثلاثة شيوخ مشهورين بالعلم والصلاح بل بالولايات، والكرامات، وعوالي المناقب، والمكانات. أحدهم الشيخ رضي الدين المذكور، والثاني شيخنا وبركتنا الإمام الفريد ذو الوصف الحميد زين عدن وبركة اليمن مفيد الطلاب، وحليف المحراب، الخاشع الأواب، العالم العامل، الزاهد العابد المفضال جمال الدين محمد بن أحمد المعروف بالنضال الذهبي اليمني الشافعي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ورفع في الجنان قدره وأعلاه، وهو أول من انتفعت به. والثالث شيخنا، وبركتنا، وسيدنا، وقدرتنا الشيخ الكبير العارف بالله الشهير الخبير، ذو المقامات العلية، والكرامات السنية، والمواهب الجزيلة، والأوصاف الجميلة مطلع الأنوار، وخزانة الأسرار أبو الحسن علي بن عبد الله اليمني الشافعي الصوفي مذهباً المعروف بالطواشي نسباً - قدس الله روحه - ونور ضريحه، وقد ذكرت إلى من نسب في لبس الخرقة من الشيوخ في كتاب نشر الريحان في فضل المتحابين في الله من الأخوان، وذكرت هنالك شيئاً من كراماته العظيمة، وفضائله الكريمة، وكلا هذين الشيخين اليمنيين المذكورين توفيا في سنة ثمان وأربعين وسبع مائة، وصلينا عليهما في يوم واحد في المدينة الشريفة، وليس هذا موضع ذكر مناقبهما - رحمة الله تعالى عليهما - وسيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى في السنة المذكورة. وفيها ماتت بالقدس المعمرة الراحلة أم محمد زينب بنت أحمد بن عمر بن أبي بكر بن سكر المقدسي في ذي الحجة عن أربع وتسعين سنة، وسمعت من غير واحد، وتفردت بالأجزاء الثقفيات.
следующие страницы →