Полный текст (1 334 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
وأسبوعاً بعد العشاء. سمعته يقرأ فيه: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله " " الإسراء: ا " سورة بني إسرائيل، وأسبوعاً قبل الفجر، وسمعت شيئاً من كلامه خلف المقام، وأحرمت بالعمرة معه في وقت، وأدركته في الحجة الثانية، وهو متخلف في بيت لوجع في رجله، وكان ذا صورة جميلة، ولحية طويلة، وهيبة عظيمة، وكان قد اشتغل بعلوم كثيرة، وحصل منها محصولاً طائلاً، وكان كتابه في الفقه الوجيز، وقيل له: هل تزوجت امرأة قط؟ فقال: ولا كلت طعاما طبخته امرأة.
وقال له شيخ في بلاد العجم: ستلقى القطب في الديار المصرية، فخرج في طلبه، فمر في طريقه بحرامية، فأمسكوه وكتفوه، وظنوه جاسوساً وقال بعضهم: نقتله قال: فبت مكتوفاً، فنظمت أبياتاً ضمنتها قول امرء القيس من ذلك:
وقد أوطيت نعلي كل أرض ... وقد أتعبت نفسي باغتراب
وقد طوفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب
قال: فما استتمت الإنشاد حتى انقض علي شيخ كانقضاض البازي على الفريسة، وحل أكتافي، وقال: قم يا عبد الله، فأنا مطلوبك، فذهبت حتى وصلت إلى الديار المصرية، فما عرفت من مطلوبي، ولا أين هو، فلما كان ذات يوم قيل: قدم الشيخ أبو العباس المرسي، فقال الفقراء: اذهبوا بنا نسلم عليه، فلما رأيته تحققت أنه الشيخ الذي حل كتافي، ثم قال: في أثناء كلام له: الحقني يا عبد الله، فما جئت إلا بسببك، ثم خرج من المجلس، والحاضرون لا يدرون من يعني، فتبعته وصحبته إلى أن توفي.
ووقع له عجائب يطول ذكرها، ثم توجه بعد وفاته للحج فمر في طريقه على قبر شيخ شيخه شيخ زمانه أبي الحسن الشاذلي، فكلمه من قبره وقال له: اذهب إلى مكة، وانحبس بها.
قلت: وأخبرني بعض الشيوخ الكبار، وهو ذو الكرامات الشهيرة الخارجة عن الانحصار الذي بإرشاده الضال يهتدي الشيخ محمد المرشدي أن الشيخ نجم الدين لما سافر للحج لم يطعم شيئاً حتى بلغ قبر شيخ شيخه أبي الحسن المذكور الذي هو فيه مقبور، ولما بلغ طرف الحرم الشريف سمع هاتفاً يقول له: قدمت إلى خير بلد، وشر أهل، أو نحو ذلك من الكلام، ثم لم يزل بمكة ذا جد واجتهاد مواصلة بين الأوراد. مكثراً من الطواف والاعتماد. مشاراً إليه بالأنوار والأسرار، ويجتمع به من ورد من الشيوخ الكبار إلى أن توفى، فدفن قريباً من قبر السيد الجليل الذي بجواره بلوغ الأغراض أبي علي الفضيل بن
стр. 1262
عياض - قدس الله روحهما - ولم ير في الظاهر خارجاً من مكة إلى مكان أبعد من عرفة، وأما في الباطن، فالعلم بذلك راجع إلى علماء الباطن.
قد أخبرني بعض الأولياء، وهو الشيخ محمد البغدادي الذي كان ساكناً في بلاد مراغة، قال: لما رجعت من زيارة النبي ﵇ متوجهاً إلى مكة. أفكرت في الشيخ نجم الدين المذكور، وعتبت عليه في قلبي في كونه لا يقصد المدينة الشريفة ويزور، قال: ثم رفعت رأسي، فإذا به في الهوى ماراً إلى جهة المدينة، وناداني: يا محمد كذا وكذا، وذكر كلاماً نسيته.
وبلغني أنه قال له بعض أصحابه: يا سيدي الناس ينكرون عليك ترك زيارة النبي ﵇، فقال: لا ينكر ذلك إلا أحد رجلين، إما مشرع، وإما محقق. فأما المشرع. فقل له: هل يجوز للعبد أن يسافر بغير إذن سيده؟ وأما المحقق فقل له: من هو معك في كل حين حاضر هل لطلبه تسافر. وقال الشيخ عبد الملك ابن الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبو محمد المرجاني المغربي - قدس روحه - استأذنت الشيخ نجم الدين في زيارة قبر النبي ﵇ فقال: مالك طريق إلى ذلك في هذا الوقت، قال: فخالفته وسافرت مع جماعة، فلما صرنا بين الروضة والهمة مشينا ليلتنا فغوينا، فأصبحنا حيث أوينا، ثم مشينا فغوينا كذلك ثلاثة أيام، فعرفت أن سبب غوايتنا مخالفتي للشيخ نجم الدين، فقلت للجماعة: سافروا فما السبب المعوق لكم إلا أنا، ثم رجعت إلى مكة، وسافروا فلما كان بعد مدة استأذنت الشيخ نجم الدين في السفر، فقال لي: سافر، فتسهلت لي الطريق، وارتفع التعويق. هذا يعني كلامه وإن اختلفت العبارة، فلما وصل المدينة الشريفة وجد بعض المجاورين قد توفي، وأوصى له بثياب، فلبسها.
قلت: وقد اقتصرت في ترجمة الشيخ نجم الدين الأصبهاني على هذه النبذة من فضائله، وهذه القطرة من بحر لا يوصل إلى ساحله.
وأما ترجمة الذهبي فغاضة من قدره بل طامسة لنور بدره، حيث يقول في ترجمته: بهذه الألفاظ بعينها، ومات بمكة في جمادى الآخرة العارف الكبير نجم الدين عبد الله بن محمد الأصبهاني الشافعي تلميذ الشيخ أبي العباس المرسي عن ثمان وسبعين سنة. جاور بمكة مدة، وما زار النبي ﵇ فيها، وانتقد عليه الشيخ علي الزاهد رحمهما الله تعالى.
هذه جميع ترجمته المقصرة في وصفه المنسوب إليه، المنكرة في ترك الزيارة عليه، وقد قدمت التنبيه على أعظم من هذا التمويه في إنكاره على شيخ شيخه أبي الحسن الشاذلي
стр. 1263
في ترجمته، وإنزاله إلى الحضيض النازل من رفيع مرتبته، فطالع ما تقدم في ترجمته المذكورة ترى العجب العجاب، فتوفق إن شاء الله تعالى في الاعتقاد للصواب.
وفي السنة المذكورة توفي صاحب اليمن شيخ القراءات، ومعدن البركات مقرئ حرم الله تعالى، ومحقق قراءة كتاب الله . الشيخ الكبير السيد الشهير أبو محمد عبد الله لمعروف بالدلاوي - رضي الله تعالى عنه - ونفع به. كان من ذوي الكرامات العديدات، والمناقب الحميدات.
يقال: إنه ممن سمع رد السلام من سيد الأنام عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، ورأيته يطوف في ضحى كل يوم أسبوعاً بعد فراغ الطلبة من القراءة عليه، وكان قد انحنى انحناء كثيراً، فإذا جاء إلى الحجر الأسود زال ذلك الإنحناء وقبله، وكان يعد ذلك من كراماته.
ومنها أنه كان عنده طفل غابت أمه عنه، فبكى فدر ثديه باللبن، فأرضع ذلك الطفل حتى سكت، وله كرامات أخرى كثيرة شهيرة.
وفي السنة المذكورة توفي صاحب اليمن الملك المؤيد عزيز الدين داود ابن الملك المظفر يوسف بن عمر، وكانت دولته بضعاً وعشرين سنة. قال بعض المؤرخين: وكان عالماً فاضلاً سائساً شجاعاً، وعنده كتب عظيمة نحو مائة ألف مجلد، وكان يحفظ التنبيه وغير ذلك. انتهى.
قلت: وأبوه الملك المظفر، وابنه الملك المجاهد كلاهما في العلوم أكثر من مشاركة فرعاً وأصلاً، وأذكى قريحة، وأشهر فضلاً، وأحسن ملحاً، وأظرف وأحلى من ذلك أنه كتب بعض الناس إلى الملك المظفر، قال الله : " إنما المؤمنون أخوة " " الحجرات: ١٠ " وأنا أخوك فلان أطلب منك نصيبي من بيت مال المسلمين، فأرسل إليه الملك المظفر بدرهم، وقال للرسول قل له: " إذا فرقنا بيت مال المسلمين عليهم لم يحصل لك أكثر من هذا أو قال: لعله لا يحصل لك هذا.
وله أربعون حديثاً خرجها منتقاة عوالي رويناها عن شيخنا رضي الدين الطبري يحق روايته لها عن الإمام محب الدين الطبري بروايته لها عن الملك المظفر المذكور.
وأما الملك المجاهد، فله أشياء بديعة نظماً ونثراً، وديوان شعره، ومعرفة بعلم الفلك، والنجوم، والرمل، وبعض العلوم الشرعية من الفقه وغيره.
وفيها مات بمصر المحدث الرحال تقي الدين محمد بن عبد المجيد الهمداني
стр. 1264
المصري، الصوفي، عن نيفٍ وسبعين سنة، سمع من جماعة منهم المري، وابن الخير. كذا ذكره الذهبي.
وفيها مات حافظ المغرب الإمام العلامة أبو عبد الله بن رشيد الفهري بفاس.
سنة اثنتين وعشرين وسبع مائة
وفيها توفي شيخنا المحدث الإمام العلامة الراوية صاحب الأسانيد العالية، بركة الوقت، فريد العصر بقية المحدثين الصالحين رضي الدين إبراهيم بن محمد الطبري المالكي إمام المقام في الحرم الشريف، ذو الأوصاف الرضية، والمنصب المنيف، سمع رضي الله تعالى عنه ما يطول عقه من الكتب والأجزاء في الحديث والتفسير، والفقه، والسير، واللغة، والتصوف وغير ذلك من خلائق من الأئمة الكبار، وأجاز له أيضاً خلائق من جلة يطول عدهم، ويعلو مجدهم، وكل ذلك مثبت بخطه في بيت محفوظ في كتبه، وتفرد في آخر عمره خصوصاً برواية صحيح البخاري، واعترف له الجلة بالجلالة، حتى قال له محدث القدس المتفرد في وقته صلاح الدين العلاني ﵀: لي من الشيوخ قريب من ألف ما فيهم مثل شيخك، يعني رضي الدين المذكور.
وبلغني أن إمام اليمن، وبركة الزمن، الفقيه الكبير الولي الشهير، السيد الجليل ذا المناقب الزاهرة، والكرامات الباهرة أحمد بن موسى بن عجيل سأله بعض أهل مكة الدعاء، فقال: عندكم إبراهيم.
وله نظم جيد، وتواليف منها كتاب " الجنة في مختصر شرح السنة " للإمام البغوي، وغير ذلك، وكان رضي الله تعالى عنه مع اتساعه في رواية الحديث له معرفة بالفقه والعربية وغيرهما. وكانت قراءتي عليه في أول سنة إحدى وعشرين إلى أن اشتد مرض موته في شهر صفر من سنة اثنتين وعشرين وقال لي: يا ولدي لقد حصلت علي في هذه السنة ما لم أحصله في سنين كثيرة ومن مقروءاتي عليه صحيح البخاري، ومسلم، وسنن أبي داؤد والترمذي، والنسائي، والدرامي، وابن حبان، ومسند الإمام الشافعي، والشمائل للترمذي وعوارف المعارف للسهروردي، والسيرة لابن هشام، وعلوم الحديث لابن الصلاح، ومنسكه، وخلاصة السيرة، وصفة القراء، والمجالس الملكية، والعوالي من مسموعات الفراوي، والأربعين من سباعياته، والأنباء المنبئة عن فضل المدينة، والأربعون المختارة في
стр. 1265
صفات الحج والزيارة لابن مسدي، والسداسيات للحافظ السلفي، وخماسيات ابن النقور، وجزء من حديث ابن عرفة، ومقاصد الصوم لابن عبد السلام، والأربعون من أربعين كتاباً للهروي، وفضائل شهر شعبان لابن أبي الصيف، وسداسيات الميانسي، وكتاب أعلام الهدى، وعقيدة أرباب التقى للشيخ شهاب الدين السهروردي، ومسلسلات الديباجي، وتساعيات شيخنا رضي الدين المذكور، وكتاب محاسبة النفس لابن أبي الدنيا، وإجارة المجهول والمعموم للحافظ الخطيب، وثمانون للآجري، وأربعون للملك المظفر صاحب اليمن، والأربعون للنواوي، والأربعون الثقفيات، وغير ذلك. وقد أفردت لمعظم ذلك، أشياء كثيرة مثبتاً في أوراق عديدة، وأضفت ذلك مجازاتي منه ومقروءاتي على غيره، مالي من تصنيف وتأليف نظماً ونثراً في جزء كتبته وقرأه علي ناس كثيرون، وكان آخر ما قرأته على شيخنا المذكور الملخص للمغافري توفي وقراءتي في أثنائه رحمه الله تعالى ورحم سائر مشائخنا، وقد ذكرت كثرهم في الجزء المذكور.
وجل اعتمادي منهم على ثلاثة شيوخ مشهورين بالعلم والصلاح بل بالولايات، والكرامات، وعوالي المناقب، والمكانات. أحدهم الشيخ رضي الدين المذكور، والثاني شيخنا وبركتنا الإمام الفريد ذو الوصف الحميد زين عدن وبركة اليمن مفيد الطلاب، وحليف المحراب، الخاشع الأواب، العالم العامل، الزاهد العابد المفضال جمال الدين محمد بن أحمد المعروف بالنضال الذهبي اليمني الشافعي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ورفع في الجنان قدره وأعلاه، وهو أول من انتفعت به.
والثالث شيخنا، وبركتنا، وسيدنا، وقدرتنا الشيخ الكبير العارف بالله الشهير الخبير، ذو المقامات العلية، والكرامات السنية، والمواهب الجزيلة، والأوصاف الجميلة مطلع الأنوار، وخزانة الأسرار أبو الحسن علي بن عبد الله اليمني الشافعي الصوفي مذهباً المعروف بالطواشي نسباً - قدس الله روحه - ونور ضريحه، وقد ذكرت إلى من نسب في لبس الخرقة من الشيوخ في كتاب نشر الريحان في فضل المتحابين في الله من الأخوان، وذكرت هنالك شيئاً من كراماته العظيمة، وفضائله الكريمة، وكلا هذين الشيخين اليمنيين المذكورين توفيا في سنة ثمان وأربعين وسبع مائة، وصلينا عليهما في يوم واحد في المدينة الشريفة، وليس هذا موضع ذكر مناقبهما - رحمة الله تعالى عليهما - وسيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى في السنة المذكورة.
وفيها ماتت بالقدس المعمرة الراحلة أم محمد زينب بنت أحمد بن عمر بن أبي بكر بن سكر المقدسي في ذي الحجة عن أربع وتسعين سنة، وسمعت من غير واحد، وتفردت بالأجزاء الثقفيات.
стр. 1266
سنة ثلاث وعشرين وسبع مائة
فيها توفي الفقيه الإمام المدرس المفيد الشافعي، كان من أعيان الأئمة الشافعية، وخيار الفقهاء وكبارهم، درس وأعاد في مدارس، وانتفع به خلق كثير، وصنف في الفقه روايد التعجيز على التنبيه، وثاب في الحكم عن قاضي القضاة الزرعي، ثم عن قاضي القضاة بدر الدين، وتولى وكالة بيت المال، ولم يزل على ذلك إلى أن ليلة الجمعة رابع عشر ذي الحجة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
وفيها أمسك الكريم السلماني وكيل السلطان الملك الناصر، وزالت سعادته التي كانت يضرب به المثل.
وفيها مات بدمشق في ربيع الأول قاضي دمشق، ذو الفضائل ورئيسها الكامل نجم الدين أبو العباس أحمد بن محمد المعروف بابن صصري، الثعلبي، الشافعي، سمع من جماعة، وأفتى ودرس، وله النظم والترسل والخط المنسوب، والمروس الطويلة، والفصاحة وحسن العبارة، والمكارم مع دين، وحسن سريرة ولي القضاء إحدى وعشرين سنة.
وفيها مات مسند الشام بهاء الدين القاسم ابن المظفر ابن تاج الأمناء ابن عساكر.
وفيها مات بالمزة ليلة عرفة، مسند الوقت شمس الدين أبو نصر محمد بن محمد بن محمد بن هبة الله ابن الشيرازي، الدمشقي، سمع من جماعه، وله مشيخة وعوال، وكان ساكناً وقوراً منقبضاً عن الناس.
سنة أربع وعشرين وسبع مائة
فيها كان الغلاء بالشام، وبلغت الغرارة أزيد من مائتي درهم أياماً، ثم جلب القمح من مصر بإلزام السلطان لأمرائه، فنزل إلى مائة وعشرين درهماً، ثم بقي أشهراً، ونزل السعر بعد شدة، وأسقط مكس الأقوات بالشام بكتاب سلطاني، وكان على الغرارة ثلاثة ونصف.
стр. 1267
قلت هذا الغلاء المذكور في الشام هو عندنا في الحجاز رخص، ولقد بلغ ثمن الغرارة الشامية في مكة وقت كتابتي لذكر هذا الغلاء المذكور في هذا التاريخ فوق ألف وثلاث مائة درهم.
وفيها قدم حاجاً ملك التكرور موسى بن أبي بكر بن أبي الأسود في ألوف من عسكره للحج، فنزل سعر الذهب درهمين، ودخل إلى السلطان، فسلم ولم يجلس، ثم أركب حصاناً. وأهدى هو إلى السلطان أربعين ألف مثقال وإلى نائبه عشرة آلاف، وهو شاب عاقل، حسن الشكل، راغب في العلم، مالكي المذهب.
قلت: ومن عقله أني رأيته في منزله في الشباك المشرف على الكعبة بحي رباط الحوري، وهو يسكن أصحابه التالدة عند هيجان فتنة ثارت بينهم وبين الترك، وقد شهروا فيها السيوف في المسجد الحرام، وهو مشرف عليهم، فيشير عليهم بالرجوع عن القتال.
شديد الغضب عليهم في تلك الفتنة من رجحان عقله إذ لا ملجأ له، ولا ناصر في غير وطنه وأهله، وإن ضاق الفضاء بخيله ورجله.
وفيها مات بمصر المفتي الإمام الجليل القدر بين الأنام، الزاهد نور الدين علي بن يعقوب البكري الشافعي كهلاً، وهو الذي أذى ابن تيميه، وأقدم على الإنكار الغليظ الباهر على السلطان الملك الناصر، وتسلم من بطشه وفتكه القاهر، ولم يزد على الأمر بإبعاده، وإخرإجه من بلاده وقيل: إنه أمر بقطع لسانه، فتلجلج وظهر الخوف في جنانه، فقال السلطان لو ثبت لكان عندي عظيم الشأن.
وفيها مات مخنوقاً، الصاحب الكبير، كريم الدين عبد الكريم بن هبة الله القبطي السلماني بأسوان، وكان قد نفي إلى الشويك، ثم إلى القدس، ثم إلى الأسوان، ثم سبق سراً، وكان هو الكل وإليه الحل والعقد بلغ. من الرتبة ما لا مزيد عليه، وجمع أموالاً عظيمة، فأعاد أكثرها إلى السلطان. وكان عاقلاً ذا هيبة وسماحة، فمرض مرة، فزينت مصر لعافيته، وكان يعظم الدينين، ولم يرو ايثاره.
وفيها مات في ذي الحجة بدمشق، المفتي الزاهد، علاء الدين علي بن إبراهيم بن
стр. 1268
العطار الشافعي، يلفت بمختصر النووي، سمع من غير واحد، وأصابه فالج أزيد من عشرين سنة، وله فضائل وتأله واتباع، وكان شيخ النورية.
قلت: هكذا ذكر الذهبي، ولم يذكر ما قد عرف واشتهر وشاع، وتقرر عنه أنه من أصحاب الشيخ معتمد الفتاوى محمد محيي الدين النووي، وروى عنه بعض كتبه جامع جزء من مناقبه.
وفيها توفي الشيخ صفي الدين محمد بن عبد الرحيم، الفقيه الإمام العلاء الأصولي الشافعي نزيل دمشق، درس بالظاهرية، وتفقه بجده لأمه، وأخذ عن سراج الدين الأرموي العقليات، وسمع من الفخر علي، وصنف وأفتى ودرس، وكان فيه دين وتعبد ودرس في الجامع، وتخرج به أئمة وفضلاء.
سنة خمس وعشرين وسبع مائة
في جمادى الأولى كاد غرق بغداد المهول حتى بقيت كالسفينة، وساوى الماء الأسود، وغرق الأمم من الفلاحين، وعظمت الاستغاثة بالله، ودام خمس ليال، وعملت سكور فوق الأسوار، ولولا ذلك لغرق جميع البلد، وليس الخبر كالعيان، وقيل: تهد بالجانب الغربي نحو خمس آلاف بيت.
ومن الآيات أن مقبرة الإمام أحمد بن حنبل غرقت سوى البيت الذي فيه ضريحه، فإن الماء دخل في الدهليز علو ذراع، ووقف بإذن الله، وبقيت البواري عليها غبار حول القبر، صح هذا، وجر السيل أخشاباً كباراً وحيات غريبة الشكل صعد بعضها في النخل، وله نضب الماء نبت على الأرض شكل بطيخ كعظيم القثاء.
وفيها سار من مصر نحو ألفي فارس نجدة للمجاهد صاحب اليمن على من كان قد استولى على الملك من قرابته، وممن خالف عليه ابن عمه الملك الظاهر، وهو محصور في حسن تعز برمي بالمنجنيق، فيصيب ما حوله من الجدران، ورجع العسكر المذكور، وقد موتت خيلهم، ولم يقضوا حاجة لعسر جبال اليمن، وتحصن أهلها في الحصون العالية، ولكن لما أراد الله تأييد الملك المجاهد خرج من الحصن في نفر يسير، وانتصر، وسار إلى
стр. 1269
عدن، وأخذها بمساعدة يافع إذ كانوا هم الذين رتبوا في حصونها وجبالها يحرسونها، ولم يزل ذا نجدة وشجاعة يقاتل قدام الجيش، وملكه يزيد ويعلوا إلى أن لزموا أمر مصر في حجته، وساعدهم الشريف عجلان صاحب مكة، وانخذل عسكره، ولم يزل مخذولاً بعد ذلك، وملكه يضعف وينزل إلى أن لم يبق له من ملك اليمن شيء يعتد به، وكان قد عاهد الله بعدما لزم أنه يعدل، فلما تخلص من المحن، ورجع إلى اليمن لم يف بذلك، وانعطف بل زاد ظلمه، ولم يزل الظلم يقوى، والملك يضعف إلى أن تلاشى، وذهب بالكلية، ونسأل الله العفو والعافية من كل بلية.
وفيها ضرب بمصر الشهاب بن مري اليمني، وسجن لنهيه عن الاستغاثة والتوصل بأحد غير الله، ومقت لذلك، ثم فر إلى أرض الجزيرة، فأقام هناك سنين، ورجع ملك التكرور موسى، فخلع عليه السلطان خلعة الملك، وعمامة مدورة، وجبة سوداء، وسيفاً مذهباً.
وفيها مات بمصر الإمام شيخ القراء تقي الدين محمد بن أحمد بن عبد الخالق المصري الشافعي الخطيب ابن الصائغ عن ثمان وثمانين سنة، تلا بالسبع على الكمالين الضريري، وابن فارس، واشتهر وأخذ عنه خلق، ورحل إليه، وكان ذا دين وخير وفضيلة، ومشاركات قوية.
وفيها مات شيخ الحديث بالمنصررية نور الدين علي بن جابر الهاشمي اليمني الشافعي، حدث عن الزكي البيلقاني، وعرض عليه الوجيز للغزالي، وله مشاركات وشهرة. وفيها مات بالكرك قاضيها العلامة الورع عز الدين محمد بن أحمد بن إبراهيم ابن الأميوطي الشافعي، حكم بالكرك نحواً من ثلاثين سنة، وتفقه به الطلبة، وحدث عن قطب الدين القسطلاني وغيره، وهو والد شرف الدين قاضي بلبيس، ثم قاضي مدينة الرسول ﵌، وخطيبها وإمامها.
وفيها مات بدمشق الإمام شيخ الإسلام، بقية الفقهاء الزهاد، خطيب العقبية صدر الدين سليمان بن هلال الهاشمي الجعفري الحوراني الشافعي، عن ثلاث وثمانين سنة، تفقه بالشيخين محي الدين، وتاج الدين، وناب عن ابن صصري، وبينه وبين جعفر الطيار ثلاثة عشر أباً، وكان متزهداً في ثوبه، وعمامته الصغيرة، ومأكله. وفيه تواضع، وترك
стр. 1270
للرياسة والتصنع، وفراغ عن الرعونات، وسماحة ومروءة، ورفق وسعة الخلق، وحمل على الرؤوس، وكان لا يدخل حماماً، حدث عن أبي اليسر، والمقداد، وكان عارفاً بالفقه، وله حكايات في مشيه إلى شاهد يؤدي عنده، وإلى خصم فقير، وربما نزل في طريق داريا عن حمار له فحمل عليه حزمة حطب لمسكينة رحمه الله تعالى.
وفيها مات الإمام العلامة ذو الفهم الثاقب، والنظر الصائب، قاضي القضاة، الفقي الشافعي، اليمني أبو بكر بن أحمد بن عمر المعروف بابن الأديب، كان نجيباً بارعاً رأيته في عدن قاضياً فيها، ثم سكن تعز، وجعله السلطان قاضياً للقضاة، وكان عارفاً بالفقه والأصلين. تفقه على إمام الزمن، وبركة اليمن، الفقيه الكبير، الولي الشهير أحمد بن موسى بن عجيل، وعلى الفقيه الإمام العلامة البارع أبي العباس أحمد بن رنبول، بفتح الراء وسكون النون وضم الموحدة اليمنيين وغيرهما، وصار تلميذه الفقيه العلامة نائبه، وقاضي القضاة بعده سلالة البركة، والنور حسن بن أبي السرور اليمني. وكان يقرأ عليه في بعض الفنون، وفي بعضها على القاضي الإمام العلامة شيخنا شرف الدين قاضي عدن، ومفتيها، ومدرسها، ومقريها، وأنا حينئذٍ أكتب القرآن في اللوح نتسابق في الوقت لأجل القراءة على شيخنا المذكور.
سنة ست وعشرين وسبع مائة
فيها توفي سراج الدين عمر بن أحمد بن خضر الأنصاري الخزرجي، الشافعي المفتي، خطيب المدينة الشريفة وقاضيها، ولد سنة ست وثلاثين، ونشأ بالقاهرة، وتفقه بها على الشيخ سديد الدين، وعلى نصير الدين ابن الطباخ، وعلى الشيخ فخر الدين بن طلحة، وسمع الرشيد العطار، وحضر دروس. الإمام عز الدين بن عبد السلام، ودروس قاضي القضاة تقي الدين بن رزين، وله إجازة من المنفري والمرسي والقسطلاني قدم المدينة الشريفة سنة إحدى وثمانين وست مائة، وأقام بها أربعين عاماً قاضياً وخطيباً، ثم تعلل، وسار إلى مصر ليتداوى، فأدركه الموت بالسويس.
وفيها مات ببعلبك شيخها الصدر الكبير قطب الدين موسى ابن الفقيه الشيخ محمد البوسي، صاحب تاريخ سمع وأخبر عن جماعة.
وفيها ماتت المعمرة أمة الرحمن ست الفقهاء بنت الشيخ تقي الدين إبراهيم الواسطي بالصالحية عن ثلاث وتسعين سنة، سمعت وأخبرت عن جمع كثير، وكانت مباركة صالحة، وهي والدة فاطمة بنت الدباسي.
стр. 1271
وفيها مات بالحلة ابن المطهر الشيعي حسن، صاحب التصانيف عن ثمانين سنة وأزيد.
وفيها مات الشيخ الكبير حماد القطاني بالعقيبة، وكان يقرأ القرآن، ويحكي عجائب عن الفقراء، ويحضر السماع ويصيح، وله وقع في القلوب. عاش ستاً وتسعين سنة.
وفيها مات بالمدينة الشريفة الإمام الزاهد التقي قاضي الحنابلة شمس الدين محمد بن مسلم الصالحي، وكان من القضاة العدل، بصيراً بمذهبه، عارفاً بالعربية، كبير القدر، ولي القضاء إحدى عشر سنة، وحج ثلاثاً، وفي الرابعة أدركه أجله.
سنة سبع وعشرين وسبع مائة
فيها حاصر ودي بن حمار المدينة جمعة، وأحرق بابها ودخلها، وقتلوا القاضي هاشم بن علي، وعبدة الله بن الفايد علي بن يحيى، ودخل قوصون نائبه السلطان الملك الناصر.
وفيها كاتبه الإسكندرية، ووخم أهلها أميرها، وإحراقهم الباب، وإخراجهم المسجونين، وبعث السلطان إليهم أربعة أمراء، وأمر بإخرابها وأهانوا أهلها، وصادروهم حتى افتقر خلق كثير، ووسطوا ثلاثين نفساً.
وفيها طلب قاضي حلب ابن الزملكاني إلى مصر ليتولى قضاء دمشق بعد أن عرض قضاء دمشق على أبي اليسر ابن الصائغ، فجاءه الشريف، فصمم وامتنع وبكى، فأعفى تكرماً.
وفيها توفي القدوة الزاهد عبد الله بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، أخو الإمام الكبير تقي الدين بن تيمية.
وفيها مات الملك الكامل محمد ابن السعيد عبد الملك بن الصالح إسماعيل ابن العادل.
وفيها مات في بلبيس قاضي حلب الملقب بفخر المجتهدين كمال الدين محمد بن علي بن عبد الواحد الأنصاري، الدمشقي، الشافعي، كان سيال الذهن أفتى وصنف وتخرج به الأصحاب، وطلب ليشافهه السلطان لقضاء دمشق، فأدركه الأجل.
стр. 1272
سنة ثمان وعشرين وسبع مائة
فيها قدم صاحب الروم ابن حوبان بعسكر إلى السلطان الملك الناصر، ووصل الماء إلى القدس بعد عمل الضياع، ستة أشهر.
وفيها مات ببغداد مفتيها وشيخها جمال الدين عبد الله بن محمد العاقولي الواسطي.
وفيها توفي الإمام الواعظ مسند العراق شيخ المستنصرية عفيف الدين عبد الله بن محمد بن الحسن البغدادي.
وفيها مات بقلعة دمشق الشيخ الحافظ الكبير تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية معتقلاً، ومنع قبل وفاته بخمسة أشهر من الدواة الورق، ومولده في عاشر ربيع الأول يوم الاثنين سنة إحدى وستين وست مائة بحران، سمع من جماعة وبرع في حفظ الحديث والأصلين، وكان يتوقد ذكاء، ومصنفاته قيل: أكثر من مائتي مجلد، وله مسائل غريبة أنكر عليه فيها، وحبس بسببها مباينة لمذهب أهل السنة.
ومن أقبحها نهيه عن زيارة قبر النبي ﵊، وطعنه في مشائخ الصوفية العارفين، كحجة الإسلام أبي حامد الغزالي، والأستاذ الإمام أبي القاسم القشيري، والشيخ ابن العريف، والشيخ أبي الحسن الشاذلي، وخلائق من أولياء الله الكبار الصفوة الأخيار وكذلك ما قد عرف من مذهبه كمسألة الطلاق وغيرها، وكذلك عقيدته في الجهة، وما نقل عنه فيها من الأقوال الباطلة، وغير ذلك مما هو معروف في مذهبه ولقد رأيت مناماً طويلاً في وقت مبارك يتعلق بعضه بعقيدته، ويدل على خطابه فيها، وقد قدمت ذكره في سنة ثمان وخمسين مائة في ترجمة صاحب البيان، فمن أراد أن يطلع على ذلك، فليطالع هناك، فهو من المنامات التي تنشرح بها الصدور، ويطمئن به قلب من رآه، وينفتح لقبول الهدى والنور.
وفيها قتل نائب المشرق حوبان بهراة، ونقل تابوته، فدفن بالبقيع من المدينة الشريفة، ولم يدفن في مدرسته منعهم السلطان من دفنه فيها.
وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الواحد المعروف بابن نبهان الخزرجي الشافعي.
وفيها توفي الإمام العلامة الأوحد مفتي الشام شيخ الشافعية قاضي القضاة كمال الدين أبو المعالي، سمع من أبي الغنائم وجماعة من الكبار، وكان فصيحاً مفوهاً مسرعاً. له خبرة
стр. 1273
بالمتون، ومعرفة بالمذهب وأصوله والعربية ذكياً فطناً مدركاً فقيه النفس له اليد البيضاء في النظم والنثر، تفقه بتاج الدين، وأفتى وهو ابن نيف وعشرين سنة، فكان يضرب بذكائه ومناظرته المثل.
سنة تسع وعشرين وسبع مائة
فيها توفي مدرس البادرائية، ومفتي المسلمين. شيخ الإسلام برهان الدين إبراهيم ابن الإمام شيخ الشافعية تاج الدين عبد الرحمن ابن إمام الرواحية إبراهيم بن سباع بن فركاح الفزاري المصري الأصل وشيعه الخلق يوم الجمعة عند قبر أبيه بالباب الصغير، وله سبعون سنة، حضر على الزين خالد، وسمع من ابن عبد الكريم، وابن أبي اليسر وعدة، وله مشيخة يحدث بالصحيحين، وأعاد لوالده، وخلفه في تدريس البادرانية، وفي حلقته بالجامع، وتخرج له أئمة، وعلق على التنبيه شرحاً كبيراً، وكان رأساً في المذهب عارفاً بالأصول والنحو والمنطق مع الورع والتقوى والتعفف والكرم، وامتنع من القضاء، وباشر خطابة البلد أياماً، ثم ترك، وكان له وقع في القلوب وود.
قلت واجتمعت به عند مسجد الخيف، ورأيت له في المنام رؤيا حسنة فيها بشرى، وكان - رحمه الله تعالى - في حلقة جده، ولقد سأله بعض الناس وأنا عنده حاضر فيمن قال: أحرمت لله بحجة وعمرة مفردة ما حكمه؟ وكان السائل عامياً قد صدر عنه ذلك، فقال: ما قال من العلماء بهذا اللفظ أحد، فقلت له: فإذا كان قد وقع هذا اللفظ من صاحبه. كيف يكون الحكم؟ وما الجواب في ذلك؟ فانزعج انزعاجاً شديداً، ولم يجب في ذلك بشيء، والذي أراه أنا إذا سئلنا عن مثل ذلك أن نقول: يحتمل أن يكون محرماً بالحج والعمرة معاً، فيكون قوله مفردة لفظاً باطلاً ليس له معنى لحصول قصد الحج والعمرة معاً منه، وتعقيبه ذلك بلفظ يناقضه لا يعتبر لأنهما إذا وقعا لا يرتفعان.
ويحتمل أنه قصد الإحرام بحجة مفردة، فسبق لفظه إلى قوله: وعمرة مدخلاً لفظ العمرة بسبق لسانه من غير قصد بين الحجة، ووصفها بالإفراد، فيكون محرماً بالحج فقط، وإذا احتمل حكمنا بالأحوط، وهو صحة الإحرام بالمتيقن فقط. أعني الداخل في التقديرين معاً، وهو الحج، فينبغي له أن يحرم بالعمرة بعد الفراغ من أعمال الحج، ولا يجوز أن يحرم بها قبل ذلك لأنه لا يجوز إدخال العمرة على الحج هذا الذي ظهر لي في ذلك في حال الإملاء، والله أعلم.
стр. 1274
وفيها مات بدمشق قاضي القضاة شيخ الشيوخ علاء الدين علي بن إسماعيل بن يوسف التبريزي المعروف بالقونوي الفقيه الشافعي الأصولي الإمام العلامة، سمع من جماعة كثيرة، واشتغل بالعلوم في بلده على جماعة، وحفظ وفهم، ثم قدم دمشق في سنة ثلاث وتسعين وست مائة، وأخذ في الاشتغال والتحصيل أيضاً على الشيخ نجم الدين مكي والشيخ شمس الدين الآبجي، وتصدر للاشتغال بجامعها، وولي تدريس الإقبالية، ثم قدم القاهرة، وولي بها المدرسة الشريفية، ومشيخة الشيوخ بالخلفاء المعروف بسعيد السعداء، ومشيخة الميعاد بجامع ابن طولون، وتصدر للفتوى والاشتغال ونفع الطلبة، واشتهر صيته وعلا ذكره، وارتفع محله لفضيلته وعلومه وديانته ورياسته وكثرة تلامذته، وانتفع به خلق كثير، وتخرج به أئمة.
ثم إن الملك الناصر اختاره لقضاء القضاة بالديار الشامية فطلبه عنده وعرض عليه الولاية، فامتنع من ذلك فكرر عليه القول، والآن معه الحديث، وتلطف به حتى قبل الولاية وأضاف إليه مع قضاء القضاة مشيخة الشيوخ أيضاً، فتوجه إلى دمشق متولياً ذلك مع تدريس المدرسة العادلية والغزالية، فنظر في ذلك، وأحسن النظر، وتصدى للاشتغال بالعلوم من القيام بوظائفه، وكان للطلبة به نفع، وأقام بدمشق سنين مضبوط الأمر، محفوظ الباب، نزهاً عفيفاً، إلى أن أدركه الأجل بها عن بضع وسبعين سنة لأن مولده سنة ثمان وستين وست مائة، وله من المصنفات شرح الحاوي الصغير في الفقه في أربع مجلدات، ومختصر منهاج الحليمي، وكتاب شرح التعرف لمذهب التصوف وله شيء في الأصول، وحواشي، ونكت، وتعاليق رحمه الله تعالى.
قلت: ولم أر في شروح الحاوي أحسن من شرحه جامعاً بين الاقتصاد والتحقيق، وحسن المباحث والقواعد، مشعراً بالتحلي بحليتي العلم والتدقيق.
سنة ثلاثين وسبع مائة
فيها قدم على قضاء دمشق علم الدين الأخنائي، فاستناب مدرس الشامية ابن المرحل، وفيها نقل من طرابلس إلى قضاء حلب الشيخ شمس الدين ابن النقيب ﵀.
وفيها مات مسند الدنيا المعمر شهاب الدين أحمد بن أبي طالب بن نعمة الصالحي الحجازي المعروف بابن شحنة، وحدث يوم موته، وله مائة وبضع سنين، سمع ابن الزبيدي، وابن اللتي، وأجاز له ابن روزبه والقطيعي وعدة، ونزل الناس بموته درجة.
стр. 1275
وفيها مات بمكة قاضيها ومفتيها، ومدرسها وشيخ حرمها الصدر الكبير الفقيه العالم الشهير الإمام نجم الدين محمد ابن الإمام العالم القاضي جمال الدين ابن الشيخ الإمام الفقيه، المحدث العلامة محب الدين أحمد بن عبد الله الطبري. سمع من جماعة، وتفقه على جده الإمام محب الدين المذكور، وكان فقيهاً نجيباً بارعاً أديباً حليماً كريماً حسن الاعتقاد في الفقراء والعباد بحسن الأخلاق متصفاً متواضعاً، وفي البحث منصفاً.
ولقد كان مع جلالة قدره، وعلو محله، وجمعه المناصب الكثير، والمناقب الكبيرة، والمحاسن الشهيرة يقول في أثناء قراءتي عليه " كتاب الحاوي " الصغير الحرم الكثير العلم: لقد استفدت معك أكثر مما استفدت معي، ويقول لي: لقد قرأت هذا الكتاب مراراً ما فهمته مثل هذه المرة.
ولما فرغت من قراءته قال في جماعة حاضرين: اشهدوا علي إنه شيخي فيه، وجاءني إلى مكاني في ابتداء قراءته لأقرأه عليه كل ذلك من التواضع، وحسن الاعتقاد، والمحبة في الله والود، وكان قد قرأ الكتاب المذكور، وشرحه على الشيخ الإمام الكبير عز الدين الفاروقي بحق روايته له عن مصنفه الشيخ الإمام عبد الغفار القزويني، وكان القاضي نجم الدين المذكور محفوظه كتاب المحرر للإمام أبي القاسم الرافعي، ولكنه كان معجباً بالحاوي، ويقول: لو جاءنا الحاوي قبل أن أحفظ المحر لم أشتغل بالمحرر.
وله نظم حسن، وقد قدمت في ترجمته الشريف حميضة في سنة عشرين وسبع مائة أني سألت النبي ﵇ في المنام السلامة له، فتبسم ﵇، وقال: " ما يصيبه شر "، وكان له ﵀ عليه نصيب وافر من الصالحين، وبلغني أنه قال لبعض الكبار منهم: أريد أن أصحبك مع التخليط، فقال: اصحبني على أي حال كنت، وكانت والدته من الصالحات، وكان قد تمرض في شبابه، فافتجعت عليه فجعاً شديداً، فمر بها شيخ لا تعرفه، فقال لها: لا تخافي عليه ما يموت حتى يكون سنه سني سبعين سنة، فلما مرض مرض موته كان يرجو العافية، فدخل عليه صهره إمام المقام أحمد ابن شيخنا رضي الدين، فقال له: ما عليك شر إن شاء الله تعالى قد بشرت والدتك إنك تعيش سبعين سنة، وكان مرضه ذلك بعد كمال السبعين، ولكنه كان غافلاً من ذكر ما جرى لوالدته مع الشيخ المذكور، وكان الإمام أحمد جاهلاً بكونه قد بلغ السبعين، فلما قال له ذلك صاح القاضي نجم الدين، وأيقن بالموت، فمات في ذلك المرض.
وفيها توفي المعمر زين الدين أيوب بن نعمة النابلسي، ثم الدمشقي الكحال: حدث عن جماعة وتفرد بمصر ودمشق، ونيف على التسعين.
стр. 1276
سنة إحدى وثلاثين وسبع مائة
فيها وصل إلى بلاد حلب نهر الساجور وبعد غرامة كثيرة، وحفر زمن طويل في جريانه.
وفيها مات ببلاد المغرب السلطان أبو سعيد عثمان ابن السلطان يعقوب بن عبد الحق المديني، وكانت دولته اثنتين وعشرين سنة، وتملك بعده ابنه السلطان الفقيه الإمام أبو الحسن.
وفيها مات الأمير الكبير نائب السلطان أرغون.
وفيها توفي أقضى القضاة جمال الدين أحمد بن محمد بن القلانسي التميمي الشافعي قاضي العسكر، ووكيل بيت المال، ومدرس الأمينية والظاهرية، وكان عالماً محتشماً، مليح الشكل، لين الكلمة. حدث عن ابن البخاري.
سنة اثنتين وثلاثين وسبع مائة
فيها جاء بحمص سيل، فغرق خلق منهم في حمام النائب بظاهرها نحو المائتين من نساء وأولاد.
وفي ربيع الآخر تسلطن الملك الأفضل علي بن المؤيد إسماعيل الحموي، وركب بالقاهرة بالغاشية والعصائب، ثم كان عرس محمد ابن السلطان علي بنت الأمير الكبير بكتم. قيل: جهزت بألف ألف دينار، ؤاختلفوا للعرس بما لا يوصف، وأقيمت بالشامية جمعة.
وفيها مات صاحب حماة الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل بن الأفضل علي الأيوبي الحموي، صاحب التاريخ، وناظم الحاوي، وله كتاب تقويم البلدان وفضائل وفلسفة.
وفيها مات الولي الكبير الشيخ العارف بالله الشهير ياقوت الحبشي الشاذلي صاحب الأوصاف الحميدة، والكرامات العديدة، والأحوال السنية، والمقامات العلية، والأنفاس الصادقة، والأنوار البارقة تلميذ شيخ الشيوخ صاحب النور القدسي أبي العباس المرسي.
وفيها مات الشيخ قطب الدين السنباطي محمد بن عبد الصمد بن عبد القادر الأنصاري المصري، الفقيه الإمام الشافعي، وكان من أعيان الشافعية، وخيار الفقهاء وكبارهم. حسن الهيئة، بهي المنظر، قليل التكلف، كثير التواضع، حسن الأخلاق، محباً للطلبة. درس
стр. 1277
بالفاضلية، وأعاد بالصالحية والناصرية، وتصدر للاشتغال، وانتفع به خلق كثير، وصنف في الفقه زوائد التعجيز على التنبيه، وناب في الحكم عن قاضي القضاة جمال الدين الذرعي مدة، ثم عن قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة، وتولى وكالة بيت المال مستمراً على ذلك إلى موته.
وفيها مات صدر الأكابر والرياسة والمفاخر، فخر الدين محمد بن فضل الله كاتب المماليك، ناظر الجيش المصري، وله جلالة وشهرة وأوقاف وثروة، وأحيط على حواصله.
قلت: ولقد رأيته في المسجد الحرام يمشي معه القاضي الرئيس الكبير قاضي مكة نجم الدين الطبري، وهو يدور على أهل الخير والصلاح من المجاورين، ويفرق عليهم الدنانير، فلما رآني نجم الدين المذكور مال به إلى عندي.
وبلغني أنه حج مع السلطان الملك الناصر في بعض حجاته، وكان قريباً منه، فلما مر بوادي بني سالم السلطان بدا له جبل ورقان، فقال: يا فخر من في رأس هذا الجبل؟ قال: غلمان مولانا. قال: ليس النازلون في هذا الجبل لي بغلمان. يعني أن من كان ساكناً في هذا الجبل المنيع العالي، فليس لي في طاعة، ولا بي مبال، وفي هذا المعنى خطر لي هذان البيتان:
إذا ما كنت في حصن ... علا في رأس ورقان
فإني لا أبالي ... بوالٍ أو بسلطان
وهذا الجبل المذكور يؤتى منه بالعسل الفائق المشكور، وأخبرني من له به خبرة أن فيه أشجاراً ونباتاً وأزهاراً كثيرة يطول في ذكر أسمائها التعداد، ولا يوجد في غيره من البلاد.
وفيها توفي الشيخ الجليل الإمام العلامة المقرئ شيخ القراء برهان الدين إبراهيم بن عمر الجعبري الشافعي، صاحب الفضائل الحميدة، والمباحث المفيدة، والتصانيف العديدة، وجملتها نيف على مائة تصنيف، ومن نظمه:
وإن فسح الله الكريم بمدتي ... وأدركت عمراً ليس في أصله ضعف
سأنشر للطلاب علماً كعادتي ... عزيز المعاني فيه من حسنه لطف
стр. 1278
وإن صادفتني يا صاحبي منيتيفصبر جميل فالصبور له الوصف
إلهي فحقق لي رجائي تكرماً ... فشأنك فينا الصفح والعفو واللطف
وله أيضاً في عدة مؤلفاته وتاريخ مولده، وطلب المغفرة من ربه :
أيا سائلي عن عدما قد جمعته ... من الكتب في أثناء عمري من العلم
أصخ لي فقد عرفت ذاك بنيف ... على مائة ما بين نثر إلى نظم
ومن عجب زادت على العمر تسعة ... وعشر وما أدري متى منتهى يومي
فخذ منه ما يختار واسمح بنشره ... على طالبيه داعياً لي على رقمي
وخذ مولدي في أربعين مقرباً ... وست مئات أو مئين على الرسم
وكان وجودي في الوجود جميعه ... كطيف خيال زار في نوم ذي حلم
إلهي فاختم لي بخير وكفر من ... ذنوبي عسى ألقاك رب بلا إثم
بحق القرآن والنبي محمد ... تقبل دعائي رب شفعه في جرمي
فأنت غني عن عذابي وإنني ... فقير إلى رحماك يا واسع الحلم
وتوفي رحمه الله تعالى وله اثنتان وتسعون سنة. أجاز له ابن خليل، وعرض التعجير على مؤلفه وتلا على الوجوهي وغيره، ورحل القراء إليه رحمه الله تعالى.
وفيها توفي القاضي شمس الدين المعروف بابن القماح الحسن بن محمد بن عبد الرحمن السخاوي الشافعي، الفقيه العلامة النحوي، اللغوي البارع، الفاضل المتفنن ابن الإمام جمال الدين ابن الإمام تقي الدين، تولى القضاء، وكان فاضلاً عالماً ذكياً فقيهاً نبيلاً حافظاً لمقامات الحريري، وديوان المتنبي، وغير ذلك، وكان فيه مكارم، وحسن أخلاق.
ومما روي عنه أنه قال: أنشدني شيخنا زين الدين ابن الرعاد النحوي لما توفي القاضي كمال الدين النسائي، وولي بعده القاضي كمال الدين بن عيسى القليوبي بالعربية هذين البيتين، وكتب بهما إلى عيسى المذكور:
نقل الناس، وهو نقل غريب ... إن بعد الكمال يحدث نقص
وأتانا بعد الكمال كمال ... وأتانا بعد الأعم الأخص
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الجمعة الثامن من شهر شوال.
سنة ثلاث وثلاثين وسبع مائة
فيها توفي شيخ الإسلام الإمام بدر الدين محمد بن إبراهيم ابن جماعة الكناني الحموي
стр. 1279
الشافعي قاضي القضاة، المفتي العلامة، ذو الفنون والمناقب والرياسة والمناصب، عن أربع وتسعين سنة وشهر.
ولد بحماة سنة تسع وثلاثين وست مائة، وسمع سنة خمسين من شيخ الشيوخ الأنصاري، وبمصر من الرضي بن البرهان، وللرشيد العطار وعدة، وبدمشق من أبي اليسر وطائفة، وأجاز له خلائق، وحدث وتفرد في وقته، وكان قوي المشاركة في فنون الحديث، عارفاً بالتفسير والفقه وأصوله، ذكياً يقظاً مناظراً متفنناً مفسراً خطيباً مفوهاً ورعاً صيتاً، تام الشكل، وافر العقل، حسن الهدى، متين الديانة، ذا تعبد وأوراد، وحج اعتمار، وحسن اعتقاد في الأصول، والصالحين من العباد.
وله تصانيف سائرة، وأربعون تساعية درس وأفتى واشتغل، ثم نقل إلى خطابة القدس، ثم طلبه الوزير ابن سلغوس، فولاه قضاء مصر، وارتفع شأنه، ثم بعث على قضاء الشام، ثم ولي خطابة دمشق، وروى الكثير، ثم طلب لقضاء مصر بعد ابن دقيق العيد، وامتدت أيامه، وحمدت أحكامه، وكثرت أمواله، وحسنت أعماله، وترك الأخذ على القضاء عفة، وكان يخطب من إنشائه، ويتثبت في قضائه. ولي مناصب كباراً، وكان قد صرفه السلطان بالماضي جمال الدين الزرعي نحو السنة، ثم أعاده السلطان إلى منصبه، ثم شاخ، ونقل سمعه، ثم أضر وعزل، وأقبل على شأنه، وعلى أستاذه، وتفرد وصنف في علوم الحديث والأحكام وغير ذلك، وله وقع في القلوب، وجلالة في الصدور، وكان والده من كبار الصالحين.
قلت: هكذا ترجم عنه بعض المتأخرين بهذه الترجمة، وهو جدير بها ما خلا ألفاظاً يسيرة أدخلتها فيها، وكان حسن الاعتقاد في الصوفية، وبلغني أنه سئل عن ذلك، فقال كلاماً معناه أن سبب ذلك أنه كان إذا مر في صغره على فقير في بلاد الشام يقول: مرحباً بقاضي الديار المصرية، وكان من أمره ما كان من السيرة الرضية. رحمه الله تعالى.
وفيها توفي مفتي المسلمين الإمام الأجل شهاب الدين أحمد بن يحيى بن جميل الشافعي، مدرس البادرائية، سمع من الفخر علي، وابن الزين، والفاروثي. وتفقه على شرف الدين ابن المقدسي، وابن الوكيل، وابن النقيب، ولي تدريس الصلاحية في القدس مدة، واشتغل وأفتى، وبرع في الفقه، وولي مشيخة الظاهرية، ثم نقل إلى تدريس البادرائية، وله محاسن وفضائل ومكارم، وفيه خير وتعبد، وحج غير مرة.
стр. 1280
قلت: وحصل بيني وبينه اجتماع في حجة في المدرسة الشهابية من المدينة الشريفة لأنه نزل فيها، وكنت قبله نازلاً بها، ثم سألته عن مسألة خطرت لي، وهي أني قلت له: في الذكر الوارد في كفارة المجلس. لا يخلون إما أن يكون الشخص صادقاً في قوله، وأتوب إليك، أو كاذباً، فإن كان صادقاً، فالمغفرة تحصل بمجرد التوبة، ولا تفتقر إلى الذكر المذكور من قوله: سبحانك اللهم، وبحمدك إلى آخره، وإن كان كاذباً فكيف تحصل له مغفرة مع إخباره بتوبة هو كاذب فيها مصرفي نفسه على معاصيها؟ فأجابني بجواب في الحال ليس بشاف في هذا السؤال ليس هو الآن لي على بال.
وفيها مات في بدر الولي الكبير المشغول بالله الشهير، الشيخ علي بن الحسن الواسطي الشافعي محرماً متوجهاً إلى الحج، وكان ذا همة عالية حج مراراً كثيرة واعتمر على ما روى بعضهم أكثر من ألف عمرة، وتلا أزيد من أربعة آلاف ختمة، فطاف مرات في كل ليلة سبعين أسبوعاً ورأيته يسرع في طوافة مثل ما يرمل المحرم أو أسرع، وبلغني أن بعض الناس كان ينكر عليه في إسراعه ذلك، فرأى النبي ﵌، فذكر له ذلك المنكر عليه، فقال له النبي ﵌: قل له " إن قدر يزيد على ذلك الإسراع، فليفعل " والذي فهمت منه أنه كان في عدوه ذلك واجد، أو يدل عليه أني رأيته يطوف في شدة الحر، فسألته عن ذلك، فقال: ما أجد حراً، ولعمري إن كل صادق واجد لا ينبغي أن يعترض عليه فيما يفعله، ولهذا رأيت غيره من بعض الصالحين يطوف في حال وجده، وهو يعدو، فنهاه بعض الفقهاء، فلم يلتفت إليه، فأمر بإمساكه، فسلط الله على ذلك الفقيه من أمسكه من ظلمة السلطنة، وضربه على القرب من فعله ذلك، وكان الشيخ علي الواسطي المذكور، شديد المجاهدة، يغتسل لكل فريضة في البرد الشديد وغيره.
وكان قد بلغني أنه رأى النبي ﵌ في اليقظة، فسألته عن ذلك، فأقر به، وكان أول اجتماعي به في الليل في شهر رمضان في المسجد الحرام، فقال: " أجدني أحبك " وأطعمني كسرة من بقية عشائه، والناس يصلون التراويح، فقال لي: " ما تصلي بنا " فقلت له: تقدم بنا تصلي مع الجماعة، فذكر لي كلاماً معناه أنه ما يجد الجماع قلبه في مخالطة الناس، وكان في ذلك الوقت ثلاثة رجال واسطيون كلهم ملاح، مع تفاوت طريقتهم في أوصاف الصلاح.
أحدهم الشيخ علي المذكور، وكانت طريقته الانفراد والبعد من الناس كلاهم كأنه أسد، وكان مهنا ملك العرب يحبه ويعظمه، ويقسم برأسه على ما سمعت.
стр. 1281
والثاني الشيخ عز الدين الواسطي، وكانت طريقته القرب من كل أحد مطلقاً، حتى لو جاءه صغير فصب به حيث شاء، وكان سليم الصدر لا يدري ما عليه الناس، حتى أنه دخل العسكر المدينة مع الشريف روى، فلما رآهم قال: ما هؤلاء. وكانوا قد حاصروا المدينة أياماً كثيرة، وما عنده شعور بذلك، وهو في ذلك الوقت إمام الناس في مسجد النبي ﵌، وكان إذا عرف الإنسان في يومه أنكره من الغد، وكان أكثر مجاورته في المدينة الشريفة، وكان الصلاح ظاهراً عليه، وهو آخر من ألبسني الخرقة بينه وبين الشيخ شهاب الدين السهروردي، وإلباسها واحد، كان يعظم الكعبة المشرفة إذا ذكرها، ويقول قال لله تعالى: " وطهر بيتي " الحج: ٢٦.
والثالث من الواسطيين المذكورين ابن الشيخ أحمد الواسطي، كان مجاوراً بمكة، كانت طريقته متوسطة بين طريقتي المذكورين، يتقرب من الفقراء، ويتباعد من أهل الدنيا، وكان صاحب جد واجتهاد، وكان أيضاً كثير المودة لي حتى أخبرني الشيخ إبراهيم المقرئ - رحمة الله على الجميع عنه أنه قال: ما لي في الحرم صديق إلا فلان فلي والحمد لله من الثلاثة كلهم نصيب. بل من غيرهم من الصالحين أيضاً فقد قال لي الولي الكبير، الوافر النصيب، ذو الأحوال السنية، والهمة العلية الشيخ خالد بن شبيب: رأيت الأولياء كلهم يحبونك داعين مستبشرين.
وكان رضي الله تعالى عنه يجتمع برجال الغيب في البراري كثيراً، وله معهم حكايات عجيبة ليس هذا موضع ذكرها، وكان يبلغني السلام عنهم والإشارة بما أفعله، وما يكون في بعض الأحيان، والحمد لله الجواد المنان.
وفيها ماتت بدمشق المعمرة المسندة أم محمد أسماء بنت محمد بن سالم، سمعت من مكي بن غيلان، وتفردت وحجت مراراً، وتصدقت.
سنة أربع وثلاثين وسبع مائة
قال الذهبي: جاء بطيبة سيل عظيم أخذ الجمال، وعشرين فرساً، خرب أماكن.
هكذا قال في تاريخه، وقد رأيت سيلاً عظيماً يجري في وادي قناة، واستمر ذلك ستة أشهراً وأكثر، وكان قد طلع في قبة حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه أذرعاً، ودار بجبل الرماة من جهة القبة المذكورة المكرمة، ومن جهة المدينة الشريفة المعظمة، وأقمت أياماً وليالي كثيرة أتوضأ منه مع الولي المجرد الشيخ المودود ذي الأحوال الباهرة، والكرامات الظاهرة عبد الرحمن الحبشي.
وفي السنة المذكورة توفي الحافظ العلامة المتفنن فتح الدين أبو الفتح محمد بن
стр. 1282
محمد ابن سيد الناس روى عن جماعة، ورحل وحدث وجمع وصنف، وله النظم والنثر، ومعرفة الرجال، وبراعة الحفظ والخط.
وفيها توفي قاضي القضاة الإمام العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن الحسن بن عبد الرفيع الربعي التونسي، عن تسع وتسعين سنة وأشهر، روى عن جماعة.
سنة خمس وثلاثين وسبع مائة
فيها توفي ملك العرب حسام الدين مهنا ابن الملك عيسى بن مهنا الطائي، وأقاموا عليه المأتم، ولبسوا السواد كان فيه خير وتعبد.
وفيها ماتت المعمرة زينب بنت الخطيب يحيى ابن الشيخ عز الدين بن عبد السلام السلمية، عن سبع وثمانين سنة، روت عن جماعة وحدثت بالكثير وتفردت.
وفيها مات الحافظ قطب الدين عبد الكريم بن عبد النور الحلبي تلا بالسبع عن إسماعيل المليحي، وسمع من جماعة وصنف وخرج وأفاد مع الصيانة، والديانة، والأمانة، والتواضع، والعلم، ولزوم الاشتغال والتأليف حج مرات، وعمل تاريخاً كبيراً لمصر بيض بعضه، وشرح السيرة لعبد الغني في مجلدين، وعمل أربعين تساعيات، وأربعين متباينات، وأربعين بلديات، وعمل معظم شرح البخاري في عدة مجلدات.
سنة ست وثلاثين وسبع مائة
فيها توفي بدمشق الرحالة أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن محمد بن ممدود البغدادي الصوفي، عن اثنتين وتسعين سنة، سمع وأجازه جماعة وتفرد.
وفيها ماتت عائشة بنت محمد بن مسلم الحرانية عن تسعين سنة، روت حضوراً وسماعاً عن جماعة وتفردت.
وفيها توفي السلطان الذي ملك بعد أبي سعيد ضربت عنقه صبراً يوم الفطر، وكانت دولته نصف سنة.
стр. 1283
وفيها مات الوزير المعظم غياث الدين محمد بن فضل الله الهمداني، وكان وزيراً عادلاً عالماً محباً في العلم والخير وأهلهما. متصفاً بالإنصاف، له مآثر وصدقات ومعروف.
وفيها توفي الصاحب الأمجد عماد الدين إسماعيل بن محمد ابن الصاحب فتح الدين ابن القيسراني، وكان منشياً بليغاً رئيساً ديناً صيتاً نزهاً، روى عن غير واحد.
سنة سبع ثلاثين وسبع مائة
فيها توفي الشيخ الكبير الولي الشهير، ذو العجائب العظيمة، والكرامات الكريمة، والهمم العالية، والشمائل الرضية، والمكاشفات الجلية، والآيات الباهرة، والأنوار الزاهرة أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن المجد المرشدي في رمضان بقرية مرشد كهلان. كان له عجائب تحير العقول، وغرائب ذكرها يطول. كان لو اجتمع عنده أكثر عسكر في الورى لعجل إليه في الحال ما أحب من القرى يخرج ذلك من خزانة له صغيرة ليس فيها شيء يرى شاهد منه تلك الكرامات الباهرات خلائق لا يحصون.
قلت: حكي لي ذلك من الثقات، وسمعت ذلك عنه من خلائق أدركتهم أخياراً وفضلاء أعياناً، بل رأيت ذلك منه مشاهدة عياناً، وذلك أني لما وردت عليه زائراً، ولم أكن رأيته قبل ذلك دخلت زاويته، فلم أجده فيها، ثم بعد ساعة يسيرة جاءني، فتسالمنا وقال لي: ما أراها إلا غزالية، ثم أخذ بيدي، وأدخلني خلوة له، فكان يحدثني فيها ساعة، ثم يخرج ويتلقى من يزوره ساعة، وكنت صائماً، فلم يقرب لي طعاماً إلى أن كان بعد صلاة المغرب، وإذا به قد مد عندي سماطاً يكفي جماعة كثيرة من الأضياف، من الأطعمة ما يكثر عده من الأنواع والأصناف، وكان في نفسي شهوة طعام مخصوص ما كنت ذقته في جميع عمري أحضره في ذلك السماط، ثم أذن لي في تناول الطعام، فأكلت منه ما اشتهيت، وإذا به قد جاءني، واستأذنني في إدخال جماعة مخصوصين علي ليطعموا معي كأنهم التمسوا ذلك، وهم الفقيه الإمام شرف الدين ابن الصاحب، وأولاده من نسل الوزير الشهير المعروف بابن حنا، وإذا بهم قد أظهروا لي من حسن الاعتقاد، ما يقل مثله في المعتقدين من العباد حتى أخذوا الماء الذي غسلت به يلي فشربوه، ثم لما أصبحت عزمت على السفر هاربا من لقاء من يأتيه من سائر البلدان لما قد اعتادوا عنده ليلة النصف من شعبان، فمنعني
стр. 1284
عن السمر، وقال: تخرج معنا إلى كوم قرح مكان يجتمع فيه عنده خلائق لا يحصون! غ الليلة المذكورة، ويطعمهم جميعا من الأطعمة الطيبة المشكورة، فكرهت الإقامة الاجتماع بالخلق، واعتذرت إليه في ذلك، فقال: إذا كان لا بد من السفر، فأقم عندنا إلى العشاء فوافقته في ذلك، ثم حدثتني نفسي حينئذٍ، وقالت لي: إذا أقمت تصوم أو تفطر، فنازعتني في الإفطار، فقال لي: في الحال تصالحها، ثم قال لخادم عنده: هات الطعام، فتباطأ قليلاً فشد الشيخ وسطه وجاءني بمائدة عليها الطعام، فأكلت، ثم قال لي: هل لك في مجلس علم؟ اذهب إلى الموضع الفلاني، فذهبت إلى ذلك الموضع، فمكثت فيه يسيراً، وإذ بفتوى قد جاءت من بعض القرى، وحضر عندي حينئذٍ جماعة من الفقهاء، منهم ابن الصاحب المذكور وغيره فقالوا لي: اكتب عليها، فقلت لهم: أنا تركت ذلك في موضع إقامتي، فكيف أكتب ذلك في بلاد الغربة. فقالوا: لا بد من ذلك، فقلت: إن كان ولا بد. فليحضر صاحبها، فأذكر له ما عندي في ذلك من الجواب، ولا حاجة إلى رقم ذلك في كتاب، فجاء صاحبها، فذكرت له ما ظهر لي من الجواب، ثم وقالوا لي: تقيم عندنا مدة حتى نشتغل عليك في كتاب الحاوي، فاعتذرت من ذلك، وعجبت من إشارة الشيخ فيما وقع من البحث في العلم هنالك، وشاهدت منه هذه الكرامات المذكورات. أعني الطعام الذي اشتهيته، ومصالحة النفس في الفطر، والبحث في العلم.
وأما قوله: ما أراها إلا غزالية، فاسأل الله الكريم أن يمن علي بما كان عليه الإمام أبو حامد الغزالي من السيرة الحميدة في العلوم، والأعمال الصالحات والانعزال عن الخلق، والأنس في الخلوات.
وأخبرني أنه صحب سبعين من الشيوخ. ذكر منهم الشيخ الكبير العارف بالله أبو العباس المرسي، والولي الكبير الفقيه الإمام أحمد بن موسى بن عجيل، وكان قد حفظ القرآن عليه، وقرأ كتاب التنبيه، ثم انقطع في زاوية، ومع هذا، فالناس مختلفون فيه فأكثر الناس يعتقدونه لكثرة ما سمعوا ورأوا من كراماته في مد السماطات العظيمة من غير وجود لأسبابها في الظاهر، والمكاشفات الكثيرة، والتكلم على الباطن، ولا خادم يخدمه، ولا معاون حتى قيل: إنه أطعم في ثلاث ليال متوالية ما قيمته ألف دينار، ولم يزل يتوارد عليه الأمراء والوزراء، وأبناء الدنيا، وأهل المناصب الكبار.
ومع ذلك يقريهم في الحال بما يدهش عقولهم من الأطعمة التي ليس للسلطان على إحضارها في الحال اقتدار، بعض الناس لا يعتقدونه، ويحمل ما يسمعه منه على تأويلات باطلة كما نقل عن ابن تيمية أنه قال: هو مخدوم لما اشتهر عنده، واستفاض كثرة خوارقه للموائد لم يمكنه جحدها، فحملها على هذا الظن الكاذب، والتأويل الفاسد فيه، فإن الجان
стр. 1285
ليس له اطلاع على بواطن العباد، وما يخطر في بواطنهم، نعوذ بالله من سوء الاعتقاد ومنهم من تشكك فيه.
وبلغني عن الشيخ الكبير الولي الشهير الشيخ عبد الهادي المغربي أنه لما ذكر عنده قال: لا أشك أنه حصل له نصيب من أحوال الفقراء إلا أن الفقراء لا يرضون بشهرة هذه الكرامات التي تظهر منه.
وكذلك بلغني عن سيد الكبير الولي الشهير الشيخ حسين الحاكي أنه قال: لو كنت يظهر على يدي مثل هذا الذي يظهر على يديه لدخلت في سرب تحت الأرض.
وكذلك بلغني عن السيد الجليل الإمام الحفيل، الشيخ خليفة الشاذلي الإسكندراني أنه لما ذكر عنده قال كلاماً معناه ترى متى يتفرغ هذا الرجل لذكر الله لشغل أوقاته بمن يأتيه من الأمراء والوزراء وغيرهم من أهل الدنيا.
قال الراوي: فلما سمعنا منه هذا الكلام أتينا الشيخ محمداً نزوره، فقال لنا: قولوا للفقيه خليفة، والله ما شغلوني عن الله طرفة عين، أو قال: والله لو شغلوني عن الله طرفة عين ما سلمت عليهم، أو قال: ما قرأتهم السلام، أو كما قال من الكلام.
قلت: والذي أراه أنه لا ينبغي أن ينكر عليه شيء مما ينسب، فإنه إن كان يتعاطى ذلك بإذن فليس علي من إقامة الحق في مقام. وصرفه فيه تصريف الحكام لأحد معه كلام، ولا اعتراض ولا ملام، ولا يصح أن يكون صدور ذلك منه بغير إذن، فإن الأولياء لا يتعاطون الأشياء بهوى نفوسهم إذ لو فعلوا ذلك ما كانوا أولياء الله، وما كانت تواتيهم الأشياء، ولو أتاهم شيء في وقت بغير ولاية بل بكهانة، أو سحراً وغواية، لظهر ذلك عليهم، وافتضحوا في العواقب، والمرشدي المذكور لم يزل مستوراً مشكوراً، فظهر، والله أعلم. أن ذلك من تخصيص المواهب.
وفيها توفي الملك المعمر أسد الدين عبد القادر بن عبد العزيز بن السلطان الملك المعظم، روى السيرة، وأجزاء عن خطيب بردى، وتفرد وكان ممتعاً بحواسه، مليح الشكل، ما تزوج ولا يسرى.
وفيها قتل صاحب تلمسان أبو تاشفين عبد الرحمن بن موسى، وكان سني السيرة. قتل أباه، وكان قتله له رحمة للمسلمين لما انطوى عليه من خبث السريرة، وكان بطلاً شجاعاً تملك نيفاً وعشرين سنة. حاصره سلطان المغرب أبو الحسن المريني
стр. 1286
مدة، ثم برز عبد الرحمن ليكبس المريني، فلم يتم له ذلك، فطال عليه الحصار حتى دخلت البلد عليه عنوة، فقاتل على حصانه، حتى قتل في رمضان كهلاً.
سنة ثمان وثلاثين وسبع مائة
فيها توفي الصالح المسند أبو بكر بن محمد بن الرضي الصالحي القطان، عن تسع وثمانين سنة، سمع حضوراً من خطيب برداً، وعبد الحميد بن عبد الهادي، وسمع عبد الله بن الخشوعي، وابن خليل ابن البرهان، وتفرد، وأكثروا عنه كان له إجازة السبط وجماعة.
وفيها مات في حماة قاضيها صاحب السيرة السديدة، والمحاسن الحميدة، والفضائل العديدة، والتصانيف المفيدة شرف الدين هبة الله ابن القاضي نجم الدين عبد الرحيم القاضي شمس الدين إبراهيم ابن البارزي الجهني الشافعي عن ثلاث وتسعين سنة، روى عن جده وغيره، وله إجازة من جماعة منهم الكمال الضرير، وكان إماماً قدوة مصنفاً، صاحب فنون، وإكباب على العلم والصلاح، وتواضع حسن، وصحة ذهن تخرج الأصحاب، وانتفع به وأفاد. قال الذهبي: وبلغ رتبة الاجتهاد.
قلت: وكتب إلي في آخر عمره يستشيرني في المجاورة في الحرم الشريف إلى الموت، ثم أدركته المنية على القرب.
ومن تصانيفه شرح الحاوي في مجلدين، وكتاب آخر في حل الحاوي، وكتاب المغني جمع فيه مسائل التنبيه، وزيادات وغير ذلك، وله مسألة تفرد بها أعني ما أفتى به من جواز السفر للحائض قبل طواف الإفاضة مع نحر بدنة كمذهب الحنفية.
قلت: ولقد عجبت من ذهابه إلى الفتوى مع جلالة قدره، ورسوخه في العلم، وقد صح عن سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام أنه قال في زوجته صفية رضي الله تعالى عنها: أحابستنا هي يعني عن السفر حتى تطهر لما قيل له أنها حاضت، فإذا كانت حبيب الرحمن المنسوخ بدينه الأديان ينجس عن السفر بسبب حيض امرأته قبل طوف الإفاضة، كيف يطلق غيره من آحاد الناس هذا خارجاً عن الكتاب والسنة والإجماع والقياس. وهذا أقول لا طعناً في جلالة شرف الدين، وعلمه المعتبر، بل تحذيراً من فعل ذلك، فالجواد قد يعثر، وكان رضي الله تعالى عنه حسن الاعتقاد في الصوفية والزهاد العباد من سائر العباد ذا أصل أصيل ومجد أثيل، ووصف جميل يقر له بالفضل كل فضيل.
стр. 1287
وقد بلغني أن الشيخ الإمام محيي الدين النووي رحمه الله تعالى مدحه، وقال: ما في البلاد أفقه من هذا الشاب، أو نحو ذلك لما رآه، وبلغني أيضاً أن الشيخ محيي الدين المذكور كان يعرض عليه ما يكتبه في كتاب الروضة، حال اختصاره كتاب الإمام أبي القاسم الرافعي، أعني " العزيز " في شرح " الوجيز " للإمام أبي حامد الغزالي قدس الله تعالى أرواح الجميع.
وفي السنة المذكورة توفي قاضي القضاة جمال الدين بن حملة بن يوسف بن إبراهيم الأنصاري، تميز وباحث وأخذ الفقه عن عز الدين الفاروثي، وابن النقيب، وابن الوكيل، وابن الزملكاني، وقرأ النحو، وصار من أعيان الفقهاء، وولي قضاء دمشق وحكم فحمد، وكان ماضي الحكم، ذا هيبة وصولة وشدة وطأة، علي المرتبة، وجرت له أمور، وأوذي، وعزل فالله تعالى يوجره، ثم أعطي تدريس الشامية، وكان شديد البأس على ابن تيمية والمبتدعين، وكان متين الديانة، حسن المعتقد.
وفيها توفي العلامة زين الدين بن المرحل محمد بن عبد الله ابن خطيب دمشق عمر بن مكي القرشي العثماني العبدي الأموي الشافعي تفقه بمصر والشام على عمه الشيخ صدر الدين ابن الوكيل، وعلى الشيخ كمال الدين بن السريشي، وكمال الدين ابن الزملكاني، وتولى هو والشيخ العلامة شمس الدين بن اللبان التدريس في يوم واحد يوم توفي الشيخ صدر الدين المذكور في أواخر سنة ست عشرة وسبع مائة. درس في المجدية فأخذها شمس الدين المذكور، وانتقل هو إلى مشهد الحسين، فدرس فيه سبع سنين، ثم انتقل إلى الشام، ودرس في الشامية الكبرى والعذراوية، ومكث فيها مدرساً ثلاث عشرة سنة، وناب في الحكم عن ابن الأخناي بدمشق، وكان رحمه الله تعالى إماماً عالماً عاملاً بارعاً نظاراً ذكياً وفياً ورعاً زاهداً، لم ير بالشام مثله، ولا مثل عبارته مع طلاقة الوجه، وحسن المحيا رحمه الله تعالى وله مصنفات جليلة، منها كتاب الفوائد في الفرق بين المسائل، ومنها كتاب النظائر، ومنها مختصر الروضة، ومنها في أصول الفقه كتاب التلخيص، وكتاب المخلص، وكتاب الخلاصة، ولم يصنف مثلها فاقت على أصول ابن الحاجب وغيره كذا ذكر بعض أهل الطبقات من الشاميين.
وفيها وقيل: في التي بعدها مات بمصر شيخ الشافعية زين الدين عمر بن أبي الحزم الدمشقي ابن الكنتاني أبو حفص العلامة كبير الشافعية أوحد الأصوليين. تفقه وناظر، ونشأ بدمشق، ثم تحول إلى القاهرة، وكان تام الشكل، حسن الهيئة، جيد الذهن، كثير العلم،
стр. 1288
إماماً في المذهب، مائلاً إلى الحجة. خطب ودرس واشتهر اسمه، وسمع جزء الأنصاري، وامتنع من الرواية، وكان يوهن بعض المسائل لضعف دليلها، ويلقي دروساً مفيدة متقنة يدهش من يسمعها ويزجر من يعارضه، وكان متصوفاً متديناًً، مليح البزة، حسن الشكل، لا يخضع لقاضٍ ولا أمير، ولا تأهل قط. درس بالمنصورية وغيرها. تفقه على البرهان المراغي، فقرأ عليه التحصيل في الأصول وحفظه، وسمع من جماعة، وعين للقضاء لكن في خلقه زعارة وعنده قوة نفس، وقلة إنصاف، وله أخبار في نفوره وزعارته.
قلت: هكذا نقلوا عنه، وأخبرني بعض الفقهاء المصريين أنه كان يقرر المسألة حتى لا يخلي لأحد معه كلاماً، فإن جاء أحد يتكلم. فال: إيش تريد تفسر، ومن زعارته ما حكى لي بعض الفقهاء الفضلاء المصريين بعد أن جرى لي معه قضية، وهي أنه جاءني يطلب مني إعارة نسخة كتاب الحاوي، وكانت عندي عارية للقاضي نجم الدين الطبري، وذكر أنه أذن له في أخذها مني، فامتنعت من دفعها إليه، فخرج من عندي مغتاظاً، فلقي بعض الفقهاء المكيين، فشكا عليه ذلك، وقال: جئته، فلم يقم لي وامتنع من دفع الكتاب إلي فهون عليه ذلك، وكنت قد قلت له: لو جاء صاحبه ما أعطيته إياه، وقال له: إنه يدل على القاضي يعني له عند القاضي منزلة ومودة، فلما كان بعد ذلك بأيام جاءني وأنا في المسجد الحرام، وعندي جماعة يشرحون على الكتاب المذكور، فقال لي: أحب منك أن تعيرني الكتاب أنت، فأنا أعتقد أنك ما تحتاج إليه، فقلت له عند ذلك بعدما أنعمت له به: ما أنت إلا صبرت على جفائي بجلافة خلقي، فتبسم عند ذلك، وقال ما معناه المدح لي، وبقي ما ذكرت من الخلق المذكور، ثم بعد ذلك شرع يحكي حكاية جرت له مع الشيخ زين الدين المذكور، وقال: جئت مع والحي إليه، فلما قربنا من الباب قال لي والدي: لا تدخل معي بل قف قليلاً، ثم ادخل قال: فلما دخل والدي، فسلم سمعته يقول له البعيد: حمار قال: ثم وقفت قليلاً، ودخلت فقال لي: إيش أنت، فقلت: يا سيدي جحش ولد ذلك الحمار، فضحك هو، ومن عنده قلت: وبلغني أنه كان يستحضر.
سنة تسع وثلاثين وسبع مائة
هلك في شهر رجب منها ستون نفساً بالزلزلة في طرابلس الشام.
وفي الشهر المذكور قدم الإمام العلامة تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي متولياً قضاء القضاة في البلاد الشامية، وفرح العالم به لدينه وعفته وعلومه الباهرة، وأوصافه الجميلة.
وفيها توفي الإمام العلامة بدمشق، قاضي القضاة جلال الدين محمد بن عبد الرحمن
стр. 1289
القزويني الشافعي عن ثلاث وسبعين سنة، ذو الفنون، جامع المعقول والمنقول ابن قاضي القضاة سعد الدين ابن قاضي القضاة إمام الدين. أخذ المعقول عن الشيخ شمس الدين الألجي وغيره، وسمع من الفاروثي وطائفة، ثم ولي خطابة البلد مدة، ثم طلبه السلطان الملك الناصر، وشافهه بقضاء دمشق، ووصله بذهب كثير، فحكم مع الخطابة، ثم طلب سنة سبع وعشرين، فولاه قضاء الممالك، وعظم شأنه، وبلغ من الرتبة والعز ما لم يصل إليه غيره، وكان فصيحاً حلو العبارة يعرف العربي والعجمي والتركي، مليح الصورة، موطأ الأكناف، سمحاً جواداً حليماً. جم الفضائل، كثير التحمل. ثم نقل في سنة ثمان وثلاثين إلى قضاء الشام، فتعلل وحصل له طرف من الفالج، ثم حضره الأجل، وله من التصانيف المفيدة الكتابان المشهوران في علم المعاني والبيان.
وفيها توفي الإمام العلامة، الصالح الخاشع، جامع المحاسن العديدة، والسيرة الحميمة الورع المتواضع الخاضع أبو البشر محمد بن محمد الأنصاري الدمشقي، المعروف بابن الصائغ، ولد سنة ست وسبعين وست مائة، وسمع كثيراً من أبيه، وابن شيبان، والفخر علي وعدة وحدث بصحيح البخاري، وحفظ التنبيه، ولازم حلقة الشيخ برهان الدين، وولوه قضاء القضاة فاستعفى، وصمم على الامتناع، فاحترمه الناس وأحبوه لتواضعه ودينه وتعبده. حج غير مرة، وأعطي خطابة بيت المقدس مدة مديدة، ثم تركها.
وكان مقتصداً في لباسه وأموره، كبير القدر حصل في صغره، ودرس وهو أمرد، وزار بيت المقدس عند قرب أجله فتعلل، ثم انتقل إلى دمشق، وفيها انتقل إلى الله تعالى، وكان حسن الاعتقاد، بمن سمع به من أهل الخير، كثير الوداد، ولقد بلغني أنه لما وقف على بعض كتبي، وأظنه كتاب الإرشاد، وضعه على عينه حسن ظن منه. نفعه الله ونفع به، وكذا عادة أهل الخير في حسن الظن ومن ذلك أني لما حكيت للسيد الجليل الزاهد الواعظ المقرئ الشيخ أبي عبد الله المغربي، المعروف بالقصري حكاية الشيخ المشهور، المقرئ المشكور محمد بن زاكي التميمي مع بعض المبتدعين لما قرأ عليه، واجتمع له التحقيق، وحسن الصوت قال له أصحابه: ما أحسن هذا لو كان شيخك منا، فقال: وما على من ذلك أخذت العسيلة، وتركت الظرف، فلما بلغ ابن زاكي ذلك، قال للطلبة: نحب أن ترجع إلينا
стр. 1290
عسيلتنا، فأنسى ذلك الشخص جميع ما كان يحفظ، وكان قد قرأ السبع، فعرف من أين أتى، واستغفر الله تعالى، وتاب ودخل في مذهب الشيخ ابن الزاكي، وكان شافعياً، وصار يتعلم كما يتعلم المبتدئ إلى أن بلغ خمس روايات، ثم توفي.
وهذه الحكاية مستفيضة في بلاد اليمن، فلما حكيتها للشيخ أبي عبد الله القصري المذكور قال لي: إن كنت قرأت على هذا الشيخ قرأت عليك نقول ذلك من باب حسن الظن كما ذكرت، ولمناسبة أهل الخير والصلاح في حسن الظن ذكرت هذه الحكاية هنا مع كونها دخيلة، وكان - رحمه الله تعالى - يسألني عن مذهب الإمام الشافعي، ويقول: أنا ما أتقيد بمذهب مالك بل آخذ بما رجح فيه الدليل، وكان يسمع بقراءتي سنن أبي داود على شيخنا الإمام رضي الدين الطبري، فلما فرغت قراءة الكتاب، قال: اكتب لي الإجازة، فكتبت وذكرت فيها بعض أوصافه على سبيل المدح، فأخذ القلم، وضرب على ذلك سوى المقرئ الواعظ، فإنه لم يضرب على لفظهما، وقال: صحيح وذلك من شدة ورعه وزهده أعني ضربه على ما نسبت إليه رحمه الله تعالى.
وفيها توفي شيخ بلاد الجزيرة الإمام القدوة شمس الدين محمد المنتسب إلى شيخ الشيوخ، في المجد والمفاخر الذي خضعت لقدمه رقاب الأكابر، الشيخ أبي محمد محيي الدين عبد القادر الجيلي، جده الرابع، أعاد الله من بركاته علينا، وعلى المسلمين، وكان شمس الدين المذكور عالماً صالحاً وقوراً وافر الجلالة، روى عن الفخر علي بدمشق، وحج مرتين.
وفيها توفي صاحب التاريخ الكبير محمد بن إبراهيم ابن الجرزي الدمشقي عن إحدى وثمانين سنة.
وفيها مات بخليص محرماً في ذي الحجة الإمام الحافظ محدث الشام علم الدين القاسم بن محمد بن البرزالي الشافعي، صاحب التاريخ، والمعجم الكبير عن أربع وسبعين سنة وأشهر.
стр. 1291
قلت: وعليه أمنت الشاميون في الصلاة عليه في خليص بإشارة بعضهم، وكان روى عن خلق كثير، وقرأ وكتب، وتعب وأفاد مع الصدق والتواضع والإتقان، وكثرة المحاسن، ووقف جميع كتبه، وأوصى بثلثه، وحج خمس مرات ﵀.
سنة أربعين وسبع مائة
في صفر منها هبت بجبل طرابلس ريح فيها سموم وعواصف على جبل عكا وسقط نجم اتصل نوره بالأرض برعد عظيم، وعلقت منه نار في أراضي الجون أحرقت أشجاراً، ويبست أثماراً، وأحرقت منازل، وكان ذلك آية عظيمة ونزلت من السماء نار بقرية الفيحة على قبة خشب أحرقتها وأحرقت ثلاثة بيوت. كل هذا صح واشتهر.
وفيها توفي بمصر الإمام العلامة الصالح المشهور، الخاشع المشكور أبو بكر بن إسماعيل بن عبد العزيز مجد الدين السنكلومي من سنكلوم بالسين المهملة، والنون والكاف، واللام والواو، ثم الميم بلدة من أعمال الشرقية، وبعضهم يقول: السنكلوني بالنون قبل باء النسبة، الفقيه الشافعي، المفيد الورع. قدم القاهرة قريب بلوغه، أو بعد البلوغ، فأخذ الفقه عن الشيخ محيي الدين عبد الرحيم النشائي الفقيه، وكان أكثر اشتغاله واستفادته عليه، ثم اشتغل أيضاً على الإمام العلامة عز الدين بن عمر بن أحمد بن المدلجي وغيرهما، وكثر عن عز الدين المذكور، فأخذ عنه الفقه والنحو، وشيئاً من الأصول، وقرأ عليه الكافية لابن مالك في النحو، وقرأ الفصول لابن معطي على أبي البقاء خطيب القدس، وأخذ أصول الفقه، وشيئاً من علم البيان عن الشيخ علم الدين العراقي، وصنف عدة كتب في الفقه منها انتخابه لكافية النبيه، وشرح التنبيه للإمام نجم الدين بن الرفعة ست مجلدات، وسماه " تحفة النبيه في شرح التنبيه " في أربع مجلدات.
قلت وهذا الكتاب المذكور منتفع به مشكور متداول بين أهل العلم مشهور.
ومنها اللمح العارضة فيما وقع بين الرافعي والنووي من المعارضة في مجلد واحد.
ومنها شرح منهاج النووي في الفقه، ومنها شرح مختصر التبريزي في الفقه أيضاً، وابتدأ في شرح التعجيز مختصر الوجيز لابن يونس، وسماه الواضح الوجيز في شرح مختصر الوجيز، وبلغ نحواً من النصف، وسمع الحديث عن جماعة منهم الحافظ الدمياطي،
стр. 1292
وحدث بالقاهرة، وولي مشيخة الرباط الركني، ثم الخانقاه، ثم التدريس بالقبة من الخانقاه، والإعادة في الفاضلية والقطبية والظاهرية وغيرها من المدارس، وكان كريم النفس، حسن الأخلاق، كثير التواضع، طارحاً للتكلف يحمل عيش عياله بنفسه إلى الفرن، كثير الاشتغال للطلبة، متصدياً لاشتغالهم وإفادتهم في أكثر أوقاته قلت: وبلغني أن له بعض كرامات، وذكر أن عمره ينيف على الستين رحمه الله تعالى.
وفيها توفيت مسندة الشام أم محمد زينب بنت الكمال أحمد بن عبد الرحيم المقدسية المرأة الصالحة العذراء، عن أربع وتسعين سنة، روت عن جماعة سماعاً وإجازة، وتكاثروا عليها، وتفردت وروت كتباً كباراً.
قلت: وإلى هاهنا انتهى تاريخ الذهبي، وكذلك انتهى في نيف وستين وست مائة تاريخ ابن خلكان، ومنهما انتقيت تاريخي هذا وها أنا أذكر بعض من توفي من الأعيان في عشر سنين أخرى التقطتهم مما ذكره بعض المتأخرين.
سنة إحدى وأربعين وسبع مائة
وفيها توفي الإمام العلامة الأوحد شمس الدين أحمد بن يحيى بن محمد القرشي البكري السهروردي الشافعي الكاتب، سمع الحديث، وأخذ الإجازة من جماعة، وشارك في طرف من العلوم، وبرع في اللغة والأدب، وفاق في صناعة الخط، وحسن الكتابة، وتقدم في صناعة الموسيقى، وصار شيخ الكتاب، ورئيس أهل الآداب، حسن الأخلاق، جميل الأعراق، كثير الحياء والإطراق، سديد المقال، مليح الفعال، كريم الطباع، كثير الإطلاع، معمور الأوقات في الاشتغال والأشغال، صاحب رأي وفصاحة، وشرف نفس وبلاغة.
سنة اثنتين وأربعين وسبع مائة
فيها توفي الشيخ شهاب الدين أحمد بن منصور الدمياطي المعروف بابن الحباس الصوفي الأديب الشاعر، ومن شعره:
زاد وجدي فلست أملك صبراً ... أعظم الله لي في الصبر أجرا
راسل الوجد مهجتي فدموعي ... أرسلت رسلها على الخد تترى
صنت سر الهوى، فنم بي الدمع ... فلولا الدموع لم أبد سرا
стр. 1293
يا عذولي دع الملام فإني ... أرى موتي على الصبابة أحرى
لا تلمني على الغر أم، ولكن ... خذ من الوجد والصبابة حذراً
مع أبيات أخرى منها قوله:
يا عزيز الجمال رفقاً بقلب ... إن فيه ليوسف الحسن مصرا
سنة ثلاث وأربعين وسبع مائة
فيها توفي الإمام العلامة قاضي القضاة عبد الله بن محمد العبيدلي الفرغاني الحنفي البارع العلامة المناظر. يضرب بذكائه ومناظراته المثل. كان إماماً بارعاً متفنناً خرج به الأصحاب بعرف المذهبين الحنفي والشافعي أقرأهما، وصنف فيهما.
وأما الأصول والمعقول، فتفرد فيهما بالإمامة، وله تصانيف منها شرح الغاية في الفقه في مذهب الشافعي، وشرح الطوالع وشرح المصباح، وشرح المنهاج للبيضاوي وغير ذلك من التصانيف، والأمالي، والتعاليق، وولي تبيز وأعمالها إلى أن توفي، وكان الأستاذين في وقته.
سنة أربع وأربعين وسبع مائة
فيها توفي الإمام العلامة تقي الدين أبو الفتح محمد بن عبد اللطيف الأنصاري الشافعي السبكي المصري. نزيل دمشق برع في الفقه والأصلين، وصار علامة زمانه، ورئيس أقرانه مع حسن أخلاق، وكثرة تواضع، وديانة حسنة، وسمع بمصر والشام كثيراً، وله شعر رائق، ونثر فائق، وكتابة جيدة، وذهن ثاقب، وقريحة حسنة، وحسن قراءة الحديث، ودرس وأفتى وصنف.
سنة خمس وأربعين وسبع مائة
فيها توفي الإمام العلامة المفتي الشافعي القاضي شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن النقيب، بقية الشافعية بالديار الشامية، ولي القضاء بمدينة حلب وغيرها،
стр. 1294
ودرس بالشامية البرانية، وانتفع به المسلمون وأسند وعمر.
؟
سنة ست وأربعين وسبع مائة
فيها توفي العلامة الهمام أحد أئمة الأعلام، المقتدي بهم شيوخ الإسلام، المفيدين للطلبة، المفتين للأنام، البارعين في المعقول والمنقول، الجامعين لفنون العلم، الكثيم المحصول فخر الدين أبو المكارم أحمد بن حسن نزيل تبريز الفقيه الشافعي، صاحب المصنفات البديعة، والمؤلفات المفيدة.
منها الحواشي على الكشاف في عشر مجلدات، وشرح المنهاج للبيضاوي في أصول فقه الشافعية، وشرح البزدوي وشرح الهداية للحنفية، وشرح التصريف لابن الحاجب.
سنة سبع وأربعين وسبع مائة
فيها توفي الفقيه القدوة المدرس المفتي، شرف الدين أبو عبد الله محمد ابن الصاحب، الفقيه الزاهد زين الدين أحمد ابن الصاحب، الفقيه فخر الدين بن الصاحب الكبير الشهير الوزير في المحاسن المشكورة، والمكارم المشهورة، بهاء الدين علي ابن محمد المعروف بابن حنا. توفي شرف الدين المذكور ليلة الجمعة ثامن شهر رمضان من السنة المذكورة، وكان مع فضله في العلم صاحب محاسن. متواضعاً حسن الاعتقاد في أهل الخير، حريصاً على لقاء الصالحين ومجالستهم، وقد قدمت في ترجمة الشيخ محمد المرشدي سنة سبع وثلاثين اجتماعه هو وأولاده بي في زاويته، وما صدر منه من حسن الاعتقاد والتواضع والوداد، وكتابتهم عني قصيدتي الموسومة " بالحلاب الحالي في مدح الحاوي " والتماسهم مني الإقامة عندهم، وإقراء الكتاب المذكور لهم، وأن أكتب خطي في بعض الفتاوى، فأجبت لفظاً، واعتذرت عن الخط والإقامة، وما عاينت من الشيخ محمد في ذلك من الكرامة.
سنة ثمان وأربعين وسبع مائة
فيها توفي السيدان الجليلان الإمامان الحفيلان، بركتا الزمن، وزينا اليمن أحدهما شيخنا وسيدنا وبركتنا الشيخ الفقيه الإمام مفتي المسلمين، رفيع المقام، العالم العامل، الورع الزاهد، العابد ذو المحاسن والمحامد والمواهب الجزيلة، والمنزلة الجليلة، والأوصاف الجميلة، والدرجة الرفيعة العلية، والشمائل الحسنة الرضية. المدرس المفيد ذو
стр. 1295
الفضل العديد، والكرامات الكثيرة، والمناقب الشهيرة جمال الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهيبي بضم الذال المعجمة والموحدة بين المثناتين من تحت مجموع المحاسن المفضال المشهور بالبصال. صحب الشيخ الكبير الولي الشهير، صاحب السيرة الحميدة، والكرامات العديدة. مطلع الأنوار، منبع الأسرار الشيخ عمر المعروف بابن الصفار في مدينة عدن. وانتفع به، وحصل له نصيب وافر، وسكن في قلبه مذ صحبه، وأقرأ، وهذا الشيخ عمر المذكور رأيته في حياته، ودعا لي بعد وفاته في المنام بعد أن سألته، وقلت له: يا سيدي أما مت أنت؟ فقال: العجب أن يقال أني مت.
قلت: وهذا يؤيد ما ذكره بعض مشائخ الصوفية في قوله: الصوفي لا يموت، ثم دعا إلي الشيخ عمر المذكور المشكور في المنام المذكور بعد أن مسح على صدري، وقال: أصلحك الله صلاحاً لا فساد له نسأل الله الكريم أن يحقق ذلك.
وقد قدمت في ترجمة الشيخ محيي الدين النواوي أنه دعا لي في المنام أيضاً، فقال: وفقك الله، وزادك فضلاً، وثبتك بالقول الثابت في الحياة الدنيا، وفي الآخرة. اللهم اقبل ذلك لي، ولسائر أحبائي، والمحبين آمين.
وجالس ذا الأنفاس الصادقة، والكرامات الخارقة، والمواهب السنية، والمقامات العلية شيخنا المشكور الولي المشهور مسعود الجاوي أحد كبار أصحاب الشيخ الفقيه، في المناقب الشهيرة، والكرامات الكبيرة، صاحب موزع المتقدم ذكره في ترجمة الفقيه الإمام في الكرامات العظام العلي المقام محمد بن إسماعيل الحضرمي.
وانتفع الشيخ مسعود المذكور وهو والشيخ عمر بن الصفار بابن الخطيب المذكور انتفاعاً عظيماً، ونالا منه منالاً كريماً، والشيخ مسعود هو أول من ألبسني الخرقة. جاءني وأنا منعزل في مكان، وقال لي: وقع الليلة إشارة أني ألبسك الخرقة وألبسنيها، وكان يجتمع هو وشيخنا جمال اللين المذكور، ونحن وجماعة من أصحابهما معهما في أوقات مباركات في عدن، وفي ساحل البحر في بعض الساعات أعني ساحل ضراس بضم الضاد المعجمة، وفي آخره سين مهملة، وقبل الألف راء الذي خلف ساحل حقات، وحقات بضم الحاء المهملة وتشد يد القاف، وفي آخره مثناة من فوق.
وتفقه شيخنا جمال الدين المذكور بالفقيه الفاضل، في المحاسن، والفضائل، والتصوف، والصلاح، والأوصاف الجميلات الملاح، شيخنا في الفرائض في الذوق والوجدان، عبد الرحمن، المعروف بابن سفيان، من ذرية الشيخ الكبير، العارف بالله الشهير، ذي المقامات العالة، والكرامات الغالية، والمناقب الجميلة، والمواهب الجزيلة،
стр. 1296
الفقيه سفيان الحضرمي اليمني قرأ شيخنا جمال الدين المذكور على ابن سفيان المذكور كتاب التنبيه، وحقق وبحث ودقق، ثم جمع شيخنا جمال الدين المذكور كتاباً ينتفع به الفقيه بعضه. يتعلق بشرح النبيه، ذا فوائد عديدة، ونكت مفيدة، رأيته يطالعه وقت ما كنت إليه أتردد ولا يظهره في ذلك الوقت لأحد، وفاق في معرفته شيخه وغيره من الفقهاء النجباء، والفضلاء الأدباء، ودرس وكل من طلبته به انتفع، وعرض عليه قضاء عدن، فامتنع، وكان له صوت في قراءة القرآن يهيج من الخليين الأشجان، وألفاظ تعجب من وعاها، وتطرب من رآها، وعبارة تلين القلب القاسي، وخلوات ترغب في مجالسته الناسي، وزهد يسلي من الدنيا كل حريص، ويغلي به في الآخرة كل رخيص، قرأت عليه القرآن الكريم، وصليت به في رمضان إماماً خمس سنين، وقرأت عليه كتاب التنبيه فأولم عند ذلك وليمة كبيرة، وذبح كبشين، وأطعم جماعة كثيرة، وهو أول من انتفعت به، ورأيت بركته من الشيوخ الذين صحبتهم قدس الله أرواحهم، ونور ضريحهم، ورضي عنهم.
والثاني من للشيخين المذكورين شيخنا، وقدوتنا، وسيدنا، وبركتنا الشيخ الكبير، العارف بالله الخبير، خزانة الأسرار، ومطلع الأنوار، الفقيه الناسك، المجذوب السالك، ذو السيرة الجميلة، والمناقب الجليلة، والمحاسن الغالية والمقامات العالية، والأحوال الباهرة، والمكاشفات الظاهرة، والكرامات الخارقة، والأنفاس الصادقة، والمعارف والعلوم الملدتيات، والآداب والأخلاق الرضيات، والتربية في سلوك الطريقة، والجمع بين الشريعة والحقيقة، ذو التخصيص والتمكين، أبو الحسن نور الدين، علي بن عبد الله اليمني الطواشي، نسباً، الشافعي الصوفي مذهباً، قدس الله روحه ونور ضريحه اشتغل رضي الله تعالى عنه بفنون من العلوم حتى في علم الطب، وأكثر اشتغاله بالفقه، وكان الغالب عليه التنسك، وحب الخلوات والانعزال عن المخالطات، وكان يسافر مع أبيه وأخوته، فإذا دخلوا السوق للتجارات، دخل المسجد للعبادات، ملازماً للتلاوة والإذكار وزيارة الأولياء الأخيار، حتى حصل له من بعضهم تعليم الاسم الأعظم، الذي من عرفه يقرب ويكرم، وحصل له مع السلوك جذبة من جذبات الحق، وهيبة جلالية حتى هابته الملوك ذو أحوال عظيمة، وظهور كرامات كريمة، وأفاض عليه الحق من فيض فضله، وملأ قلبه من أنوار. قدسه، وهذبه، وزكاه، وطهره من صفات نفسه، وملأ قلبه وقالبه من أنوار قدسه، وهذبه وزكاه وقربه وأدناه، وبالحياة الطيبة أحياه، وكشف له حجاب الجمال والجلال، وأطلعه على مكنون المعارف والأسرار، وغير ذلك مما لا يعرفه الأعارف بالله مجذوب سالك هو بمكان من المقام العالي، والحال الخطير، والناس يبصرونه ضعيف الجسم متواضعاً في زي فقير، ويحسبونه من جملة الفقراء المشاركين، ولا يدرون ما عنده من جليل الولاية، وعلو المنزلة والتمكين، وفي هذا قلت:
стр. 1297
يرون جسماً براه الحب بالتلف ... وليس يدرون دراً داخل الصدف
حاكى شيوخاً أجلا سادة سلفوا ... أكرم بمن في المعالي لاحق السلف
كنت أعهده رضي الله تعالى عنه منذ سنين عديدة يأتي للحج والزيارة متحلياً بحلية حميدة، وكثيراً ما يأتي لذلك، ويسافر وفلاح الصلاح عليه قد لاح وهو ظاهر، وربما أتاني في بعض الأوقات تفضلاً منه في مكة شرفها الله تعالى يقال: عندما يأتي للحج، وهو حينئذ من الصالحين، ثم جاءه بعد ذلك نصيب وافر مما أشار إليه الحق سبحانه بقوله تعالى " أتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً " وبقوله : " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم " وبقوله تعالى " يجتبي إليه من يشاء " وغير ذلك، ثم لزم منزله، وصار لا يحدث شيئاً من الحركات ألا بأمر وإشارات كل هذا، وما عندي علم حتى سافرت إلى اليمن السفرة الأولى، فتلقاني إلى الساحل في جمع كثير من فقرائه وجيرانه، وإذا الرجل غير الرجل، والوصف غير الوصف ظاهره قد كسي بملابس الأنوار، وباطنه خزانة المعرف والأسرار، يفوح فيه طيب الوصف بالغدو والآصال. ويصدق فيه قول الذي قال:
إلا إن وادي الجزع أضحى ترابه ... من المس كافوراً وأعواده رندا
وما ذاك إلا أن هنداً عشية ... تمشت وجرت في وجوانبه بردا
وفي انتقاله من حالة البعد والعنا إلى حالة القرب والهنا قلت:
عهدتكم قدماً على غير حالة ... بها اليوم أنتم ساده وملوك
أتاكم من الرحمن جذب عناية ... فهان عليكم للوصول سلوك
وفي مشيه إلى عندي قلت مستعير البيت الثاني:
لقد حق لي يا هند أنشد في الهوى ... ولاق بحالي حين جاء سيدي عندي
خليلي هل أبصرتما أو سمعتما ... بأكرم من مولى تمشى إلى عبد
ثم سافرت السفرة الأخيرة، فرأيت ما أدهش عقلي، وحير فكري من الأحوال والمعارف والأسرار والمكاشفات، والأنوار والكرامات، وغير ذلك مما شاهدته منه في حال خلوته في أوقات كثيرة عند ورود أحوال عظيمة تجري على لسانه فيها من عجائب الغيوب ما يحيي القلوب، وفي ذلك قلت على جهة النيابة على لسان حاله:
وما قلت قولاً غير أني أعرتها ... لساني فأومت للهوى يتكلم
فأسرارها منها علمت، وعندما ... سكرت جليسي سرها منه يعلم
стр. 1298
أعني يعلم الجليس السر المودع في القول الجاري على لسان الغائب بواسطة الهوى المشار إليه بالكلام، فالضمير في منه يعود إلى الهوى، والمعنى أن الله تعالى يجري على لسانه كلاماً في حال غيبته بما يريده الله تعالى يسمعه الجليس ليس باختيار من الشخص المذكور.
ومن ذلك قول أبي القاسم الجنيد رضي الله تعالى عنه لما سئل أن يملي كلامه: لو كنت أجريه كنت أمليه، وأما في حال الصحو، فهو في نهاية المحو ينكر ذلك، ولا يظهر منه شيئاً أصلاً لا قولاً ولا فعلاً ولا علماً ولا حالاً. متحقق بقول القائل:
ومستخبر عن سر ليلى رددته ... فأصبح في ليلى بغير يقين
يقولون أخبرنا فأنت أمينها ... وما أنا إن أخبرتهم بأمين
اللهم ألا مجالس تكلم معي فيها في حال الصحو، فكشف الخمار عن وجه كثير من مليحات المعارف والأسرار، ولكن نادر، وأطال البسط معي في ثلاثة مجالس. المجلس الأول مجلس إيناس وتأليف، والمجلس الثاني مجلس تأديب وتخويف، والمجلس الثالث مجلس تبشير وتعريف على ما سبق به القضاء من التقدير والتصريف، وهذا المجلس الثالث هو الذي أشرت إليه في القصيدة بقولي:
ولا سيما يوماً أغر مباركاً ... به اليمن والبشرى بتبليغ منيتي
ولعل أكثر الناس أو كثيراً منهم له معه مجالسة كثيرة، ولا يظهر لهم منه صغيرة ولا كبيرة، ويعرض عليه أشياء كثيرة قبل أوقاتها. من ذلك قولي في قصيدة مدحته بها:
وطفت ببيت الرب قلب مطهر ... من الجس من كل الصفات الدنية
ومفتتح القصيدة المذكورة قولي:
تخلفت يوم البين عنه بجثتي ... وراحوا بقلبي يوم بانوا أحبتي
وناديت والركب اليماني راحل ... وعندي مقيم في الحشا حر لوعتي
خليلي سيرا بلغا لي تحيتي ... إلى عند سكان الربوع البهية
إذا جئتما حلي ابن يعقوب بمنا ... قليلاً إلى حيث العادات حلت
وبثا غرامي في الربوع وقبلا ... رباه وصبا دمعة بعد دمعة
ومنها عند ذكر شيخنا المذكور:
له أسفرت بيض الغلى عن محاسن ... وقالت له: بشراك بشرى برويتي
فمديت طرفي كي أراها فأسبلت ... خمار الهادوني، فمت بحسرتي
стр. 1299
فإن أسعدت يوماً برفع خمارها ... على الوجه أحيتني بأول نظرة
سقى الله أياماً خلوت بسيد ... بها هل تراها سامحات بعودة
فكنا بها في طيب جمع بها الهنا ... وعيش صفا من قبل تكدير فرقة
ولا سيما يوماً أغر مباركاً ... به اليمن والبشرى بتبليغ منيتي
فشاهدت من أحواله وعلومه وأنواره ... ما تحته كل تحفة
وألبسني عن أمر مولاه خرقة ... كسيت بها فخراً لأمر بيقظة
مولى من الموالي أجل ولاية ... يسل عليها سيف سطوة عزة
به كل جبار من الخلق خاضع ... إلى عزة يأتي مطيعاً بذلة
له في معالي المجد منزل سؤدد ... به طربت بيض المعالي وغنت
مع أبيات أخرى في بعضها استعارات، يطرق إليها إنكار من بعض من لا يفهم معاني الاستعارات والمجاز والإشارات، والعجب أن المنكرين هم من أهل السنة مع استحسان إمام الزيدية العلامة الفاضل يحيى بن حمزة للقصيدة المذكورة، فيما أخبرني به بعض حملة كتاب الله من المخبرين المباركين. قال: رأيته في حراز من بلاد اليمن، وقد أتي غازياً الإسماعيلية في جيش كثير قال: فلما - علم أني قاصد الحج: قال: لعلك تأتيني، أو قال: عسى أن تأتيني بشيء من كلام فلان، فقد وقفت له على قصيدتين أعجبتاني إحداهما في مدح شيخه قلت: والعجب كل العجب ممن ينكر ما تضمنته من ذكر الاستعارات، وعلو المقامات مما يستحسنه المخالفون المنكرون للمقامات، فنسأل الله الكريم الوهاب القادر أن يعافينا من عمي البصائر قد وعمني شيخنا المذكور بالجائزة للقصيدة المذكورة، وقال: هي تأتيك، ولو بعد حين، فلا تيئس منها، وإن طال الزمان، ونزل من مقامه العالي في التواضع وغيره، وأنزلني منزلة ليست لي بمكان، وفي ذلك قلت:
وأهلني المولى لما لست أهله ... وأنزلني منه الندا فوق منزلي
وأنزلته في مدحتي دون منزل ... له في العلى في كل ناد ومحفل
قلت: ومن تواضعه المذكور أني رجعت ذات يوم من صلاة الجمعة في حلى، فوافيته خارج القرية يريد الرجوع إلى منزله، وقد أتى بمركوب يركب عليه لحدوث ضعف فيه مع ضعف مزاجه، وضعفه برياضته وعلاجه، فلما راني قال: اركب فامتنعت من ذلك، فألح علي حتى ركبت، وصار هو يمشي بعدي.
ومن ذلك أيضاً أنه حصل لي تأديب في وقت هو فيه غائب لحال ورد عليه، فلما أفاق قال لي: قد يؤدب الفاضل على يد المفضول. يعني أنه حصل لموسى ﵇ أدب على يد الخضر ﵇.
стр. 1300
وله من المحاسن والسيرة الرضية، والكرامات والمناقب العلية، والتواضع والآداب. ما يضيق عن ذكره كتاب، فالله تعالى يزيده من فضله، ويجزل له الأجر والثواب، وينفعنا والمسلمين به وبالصالحين آمين.
وقد ذكرت في بعض كتبي شيئاً من كراماته المشتملة على بشاراته لي بما أرجو حصوله من فضل الله الكريم، وها أنا أذكر هنا بعض ذلك.
ذكر شيء من كرامات شيخنا نور الدين قدس الله روحه على وجه الاختصار.
فمنها ما أخبرني بعض أصحابه وأولاده، واستفاض في جهته وبلاده أنه قال لأمراء زمانه الطاغين في مكانه: إن لم تنتهوا عن كذا وكذا من المظالم والمعاصي جاءتكم النار، فقيل له في ذلك الحال: متى تجيء النار؟ قال: ليلة الجمعة، فلما كان سحر ليلة الجمعة طلع مؤذن الجامع المنارة ليذكر، فرأى ناراً مقبلة في الجو مثل المنارة تدنو منهم قليلاً قليلاً، فصاح ألا جاءكم ما أوعدكم به الشيخ علي، فخرج الأميران في ذلك الوقت قاصدين الشيخ، وكان خارج البلد نازلاً في بيت وحده، وأظهر له التوبة، وبكيا وتضرعا ومرغا خدودهما على الرماد بين يديه، وإذا بالنار قد انقسمت نصفين، فذهب أحدهما في جهة، والنصف الآخر في جهة راجعين عن البلد، والحمد لله الرحمن الجواد.
ومنها ما سمعته أيضاً غير مرة من غير واحد من تلامذته، واشتهر شهرة عظيمة في بلدته أن إنساناً يقال له: ثابت من بعض البلدان البعيدة ممن أعرفه، وأقام عندنا بمكة أشهراً عديدة، ثم سافر إلى بلاد حلي ابن يعقوب يحبسه العوام من الصالحين المنال. عندهم المطلوب، فأقام زماناً طويلاً في القرية، فلما كان يوم الجمعة من جميع ذلك الزمان جاء شيخنا المذكور إلى الجامع ليصلي الجمعة، وإذا بثابت المذكور جالس في طريقه، فلما مر عليه الشيخ أطلق ثابت لسانه فيه وسبه، وهم بعض من هو مع الشيخ بالبطش فيه، فقال الشيخ: دعوه معه ما يكفيه، فاشتغل في الحال ناراً فأخذ من حضر ماء، فجعلوا يصبونه على تلك النار لكي تنطفئ، فأحرقت ما شاء الله من جسمه ولحيته، والحمد لله على نعمه وإكرامه لأهل طاعته.
ومنها ما أخبرني بعض الصالحين ممن أعرفه وأعتقده، أن بعض ذرية الفقيه الكبير الولي الشهير، السيد الجليل، أحمد بن موسى بن عجيل - قدس الله روحه - أتى بقافلة اليمن، فلما وصل بلاد الشيخ أرسل بعض الفقهاء من أصحابه إلى الشيخ يسأله عن الأصلح في سفر البر أو البحر خوفاً من العربان القطاع أولي الفساد والأطماع، فلما أتاه الرسول وجد الشيخ مقبوضاً، فلما لم ير عنده شيئاً من البسط والإيناس. قال في نفسه: ليت الفقيه فلاناً
следующие страницы →