Полный текст (1 334 стр.). Показаны 1296–1334 · переход к 1301.
стр. 1296
الفقيه سفيان الحضرمي اليمني قرأ شيخنا جمال الدين المذكور على ابن سفيان المذكور كتاب التنبيه، وحقق وبحث ودقق، ثم جمع شيخنا جمال الدين المذكور كتاباً ينتفع به الفقيه بعضه. يتعلق بشرح النبيه، ذا فوائد عديدة، ونكت مفيدة، رأيته يطالعه وقت ما كنت إليه أتردد ولا يظهره في ذلك الوقت لأحد، وفاق في معرفته شيخه وغيره من الفقهاء النجباء، والفضلاء الأدباء، ودرس وكل من طلبته به انتفع، وعرض عليه قضاء عدن، فامتنع، وكان له صوت في قراءة القرآن يهيج من الخليين الأشجان، وألفاظ تعجب من وعاها، وتطرب من رآها، وعبارة تلين القلب القاسي، وخلوات ترغب في مجالسته الناسي، وزهد يسلي من الدنيا كل حريص، ويغلي به في الآخرة كل رخيص، قرأت عليه القرآن الكريم، وصليت به في رمضان إماماً خمس سنين، وقرأت عليه كتاب التنبيه فأولم عند ذلك وليمة كبيرة، وذبح كبشين، وأطعم جماعة كثيرة، وهو أول من انتفعت به، ورأيت بركته من الشيوخ الذين صحبتهم قدس الله أرواحهم، ونور ضريحهم، ورضي عنهم.
والثاني من للشيخين المذكورين شيخنا، وقدوتنا، وسيدنا، وبركتنا الشيخ الكبير، العارف بالله الخبير، خزانة الأسرار، ومطلع الأنوار، الفقيه الناسك، المجذوب السالك، ذو السيرة الجميلة، والمناقب الجليلة، والمحاسن الغالية والمقامات العالية، والأحوال الباهرة، والمكاشفات الظاهرة، والكرامات الخارقة، والأنفاس الصادقة، والمعارف والعلوم الملدتيات، والآداب والأخلاق الرضيات، والتربية في سلوك الطريقة، والجمع بين الشريعة والحقيقة، ذو التخصيص والتمكين، أبو الحسن نور الدين، علي بن عبد الله اليمني الطواشي، نسباً، الشافعي الصوفي مذهباً، قدس الله روحه ونور ضريحه اشتغل رضي الله تعالى عنه بفنون من العلوم حتى في علم الطب، وأكثر اشتغاله بالفقه، وكان الغالب عليه التنسك، وحب الخلوات والانعزال عن المخالطات، وكان يسافر مع أبيه وأخوته، فإذا دخلوا السوق للتجارات، دخل المسجد للعبادات، ملازماً للتلاوة والإذكار وزيارة الأولياء الأخيار، حتى حصل له من بعضهم تعليم الاسم الأعظم، الذي من عرفه يقرب ويكرم، وحصل له مع السلوك جذبة من جذبات الحق، وهيبة جلالية حتى هابته الملوك ذو أحوال عظيمة، وظهور كرامات كريمة، وأفاض عليه الحق من فيض فضله، وملأ قلبه من أنوار. قدسه، وهذبه، وزكاه، وطهره من صفات نفسه، وملأ قلبه وقالبه من أنوار قدسه، وهذبه وزكاه وقربه وأدناه، وبالحياة الطيبة أحياه، وكشف له حجاب الجمال والجلال، وأطلعه على مكنون المعارف والأسرار، وغير ذلك مما لا يعرفه الأعارف بالله مجذوب سالك هو بمكان من المقام العالي، والحال الخطير، والناس يبصرونه ضعيف الجسم متواضعاً في زي فقير، ويحسبونه من جملة الفقراء المشاركين، ولا يدرون ما عنده من جليل الولاية، وعلو المنزلة والتمكين، وفي هذا قلت:
стр. 1297
يرون جسماً براه الحب بالتلف ... وليس يدرون دراً داخل الصدف
حاكى شيوخاً أجلا سادة سلفوا ... أكرم بمن في المعالي لاحق السلف
كنت أعهده رضي الله تعالى عنه منذ سنين عديدة يأتي للحج والزيارة متحلياً بحلية حميدة، وكثيراً ما يأتي لذلك، ويسافر وفلاح الصلاح عليه قد لاح وهو ظاهر، وربما أتاني في بعض الأوقات تفضلاً منه في مكة شرفها الله تعالى يقال: عندما يأتي للحج، وهو حينئذ من الصالحين، ثم جاءه بعد ذلك نصيب وافر مما أشار إليه الحق سبحانه بقوله تعالى " أتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً " وبقوله : " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم " وبقوله تعالى " يجتبي إليه من يشاء " وغير ذلك، ثم لزم منزله، وصار لا يحدث شيئاً من الحركات ألا بأمر وإشارات كل هذا، وما عندي علم حتى سافرت إلى اليمن السفرة الأولى، فتلقاني إلى الساحل في جمع كثير من فقرائه وجيرانه، وإذا الرجل غير الرجل، والوصف غير الوصف ظاهره قد كسي بملابس الأنوار، وباطنه خزانة المعرف والأسرار، يفوح فيه طيب الوصف بالغدو والآصال. ويصدق فيه قول الذي قال:
إلا إن وادي الجزع أضحى ترابه ... من المس كافوراً وأعواده رندا
وما ذاك إلا أن هنداً عشية ... تمشت وجرت في وجوانبه بردا
وفي انتقاله من حالة البعد والعنا إلى حالة القرب والهنا قلت:
عهدتكم قدماً على غير حالة ... بها اليوم أنتم ساده وملوك
أتاكم من الرحمن جذب عناية ... فهان عليكم للوصول سلوك
وفي مشيه إلى عندي قلت مستعير البيت الثاني:
لقد حق لي يا هند أنشد في الهوى ... ولاق بحالي حين جاء سيدي عندي
خليلي هل أبصرتما أو سمعتما ... بأكرم من مولى تمشى إلى عبد
ثم سافرت السفرة الأخيرة، فرأيت ما أدهش عقلي، وحير فكري من الأحوال والمعارف والأسرار والمكاشفات، والأنوار والكرامات، وغير ذلك مما شاهدته منه في حال خلوته في أوقات كثيرة عند ورود أحوال عظيمة تجري على لسانه فيها من عجائب الغيوب ما يحيي القلوب، وفي ذلك قلت على جهة النيابة على لسان حاله:
وما قلت قولاً غير أني أعرتها ... لساني فأومت للهوى يتكلم
فأسرارها منها علمت، وعندما ... سكرت جليسي سرها منه يعلم
стр. 1298
أعني يعلم الجليس السر المودع في القول الجاري على لسان الغائب بواسطة الهوى المشار إليه بالكلام، فالضمير في منه يعود إلى الهوى، والمعنى أن الله تعالى يجري على لسانه كلاماً في حال غيبته بما يريده الله تعالى يسمعه الجليس ليس باختيار من الشخص المذكور.
ومن ذلك قول أبي القاسم الجنيد رضي الله تعالى عنه لما سئل أن يملي كلامه: لو كنت أجريه كنت أمليه، وأما في حال الصحو، فهو في نهاية المحو ينكر ذلك، ولا يظهر منه شيئاً أصلاً لا قولاً ولا فعلاً ولا علماً ولا حالاً. متحقق بقول القائل:
ومستخبر عن سر ليلى رددته ... فأصبح في ليلى بغير يقين
يقولون أخبرنا فأنت أمينها ... وما أنا إن أخبرتهم بأمين
اللهم ألا مجالس تكلم معي فيها في حال الصحو، فكشف الخمار عن وجه كثير من مليحات المعارف والأسرار، ولكن نادر، وأطال البسط معي في ثلاثة مجالس. المجلس الأول مجلس إيناس وتأليف، والمجلس الثاني مجلس تأديب وتخويف، والمجلس الثالث مجلس تبشير وتعريف على ما سبق به القضاء من التقدير والتصريف، وهذا المجلس الثالث هو الذي أشرت إليه في القصيدة بقولي:
ولا سيما يوماً أغر مباركاً ... به اليمن والبشرى بتبليغ منيتي
ولعل أكثر الناس أو كثيراً منهم له معه مجالسة كثيرة، ولا يظهر لهم منه صغيرة ولا كبيرة، ويعرض عليه أشياء كثيرة قبل أوقاتها. من ذلك قولي في قصيدة مدحته بها:
وطفت ببيت الرب قلب مطهر ... من الجس من كل الصفات الدنية
ومفتتح القصيدة المذكورة قولي:
تخلفت يوم البين عنه بجثتي ... وراحوا بقلبي يوم بانوا أحبتي
وناديت والركب اليماني راحل ... وعندي مقيم في الحشا حر لوعتي
خليلي سيرا بلغا لي تحيتي ... إلى عند سكان الربوع البهية
إذا جئتما حلي ابن يعقوب بمنا ... قليلاً إلى حيث العادات حلت
وبثا غرامي في الربوع وقبلا ... رباه وصبا دمعة بعد دمعة
ومنها عند ذكر شيخنا المذكور:
له أسفرت بيض الغلى عن محاسن ... وقالت له: بشراك بشرى برويتي
فمديت طرفي كي أراها فأسبلت ... خمار الهادوني، فمت بحسرتي
стр. 1299
فإن أسعدت يوماً برفع خمارها ... على الوجه أحيتني بأول نظرة
سقى الله أياماً خلوت بسيد ... بها هل تراها سامحات بعودة
فكنا بها في طيب جمع بها الهنا ... وعيش صفا من قبل تكدير فرقة
ولا سيما يوماً أغر مباركاً ... به اليمن والبشرى بتبليغ منيتي
فشاهدت من أحواله وعلومه وأنواره ... ما تحته كل تحفة
وألبسني عن أمر مولاه خرقة ... كسيت بها فخراً لأمر بيقظة
مولى من الموالي أجل ولاية ... يسل عليها سيف سطوة عزة
به كل جبار من الخلق خاضع ... إلى عزة يأتي مطيعاً بذلة
له في معالي المجد منزل سؤدد ... به طربت بيض المعالي وغنت
مع أبيات أخرى في بعضها استعارات، يطرق إليها إنكار من بعض من لا يفهم معاني الاستعارات والمجاز والإشارات، والعجب أن المنكرين هم من أهل السنة مع استحسان إمام الزيدية العلامة الفاضل يحيى بن حمزة للقصيدة المذكورة، فيما أخبرني به بعض حملة كتاب الله من المخبرين المباركين. قال: رأيته في حراز من بلاد اليمن، وقد أتي غازياً الإسماعيلية في جيش كثير قال: فلما - علم أني قاصد الحج: قال: لعلك تأتيني، أو قال: عسى أن تأتيني بشيء من كلام فلان، فقد وقفت له على قصيدتين أعجبتاني إحداهما في مدح شيخه قلت: والعجب كل العجب ممن ينكر ما تضمنته من ذكر الاستعارات، وعلو المقامات مما يستحسنه المخالفون المنكرون للمقامات، فنسأل الله الكريم الوهاب القادر أن يعافينا من عمي البصائر قد وعمني شيخنا المذكور بالجائزة للقصيدة المذكورة، وقال: هي تأتيك، ولو بعد حين، فلا تيئس منها، وإن طال الزمان، ونزل من مقامه العالي في التواضع وغيره، وأنزلني منزلة ليست لي بمكان، وفي ذلك قلت:
وأهلني المولى لما لست أهله ... وأنزلني منه الندا فوق منزلي
وأنزلته في مدحتي دون منزل ... له في العلى في كل ناد ومحفل
قلت: ومن تواضعه المذكور أني رجعت ذات يوم من صلاة الجمعة في حلى، فوافيته خارج القرية يريد الرجوع إلى منزله، وقد أتى بمركوب يركب عليه لحدوث ضعف فيه مع ضعف مزاجه، وضعفه برياضته وعلاجه، فلما راني قال: اركب فامتنعت من ذلك، فألح علي حتى ركبت، وصار هو يمشي بعدي.
ومن ذلك أيضاً أنه حصل لي تأديب في وقت هو فيه غائب لحال ورد عليه، فلما أفاق قال لي: قد يؤدب الفاضل على يد المفضول. يعني أنه حصل لموسى ﵇ أدب على يد الخضر ﵇.
стр. 1300
وله من المحاسن والسيرة الرضية، والكرامات والمناقب العلية، والتواضع والآداب. ما يضيق عن ذكره كتاب، فالله تعالى يزيده من فضله، ويجزل له الأجر والثواب، وينفعنا والمسلمين به وبالصالحين آمين.
وقد ذكرت في بعض كتبي شيئاً من كراماته المشتملة على بشاراته لي بما أرجو حصوله من فضل الله الكريم، وها أنا أذكر هنا بعض ذلك.
ذكر شيء من كرامات شيخنا نور الدين قدس الله روحه على وجه الاختصار.
فمنها ما أخبرني بعض أصحابه وأولاده، واستفاض في جهته وبلاده أنه قال لأمراء زمانه الطاغين في مكانه: إن لم تنتهوا عن كذا وكذا من المظالم والمعاصي جاءتكم النار، فقيل له في ذلك الحال: متى تجيء النار؟ قال: ليلة الجمعة، فلما كان سحر ليلة الجمعة طلع مؤذن الجامع المنارة ليذكر، فرأى ناراً مقبلة في الجو مثل المنارة تدنو منهم قليلاً قليلاً، فصاح ألا جاءكم ما أوعدكم به الشيخ علي، فخرج الأميران في ذلك الوقت قاصدين الشيخ، وكان خارج البلد نازلاً في بيت وحده، وأظهر له التوبة، وبكيا وتضرعا ومرغا خدودهما على الرماد بين يديه، وإذا بالنار قد انقسمت نصفين، فذهب أحدهما في جهة، والنصف الآخر في جهة راجعين عن البلد، والحمد لله الرحمن الجواد.
ومنها ما سمعته أيضاً غير مرة من غير واحد من تلامذته، واشتهر شهرة عظيمة في بلدته أن إنساناً يقال له: ثابت من بعض البلدان البعيدة ممن أعرفه، وأقام عندنا بمكة أشهراً عديدة، ثم سافر إلى بلاد حلي ابن يعقوب يحبسه العوام من الصالحين المنال. عندهم المطلوب، فأقام زماناً طويلاً في القرية، فلما كان يوم الجمعة من جميع ذلك الزمان جاء شيخنا المذكور إلى الجامع ليصلي الجمعة، وإذا بثابت المذكور جالس في طريقه، فلما مر عليه الشيخ أطلق ثابت لسانه فيه وسبه، وهم بعض من هو مع الشيخ بالبطش فيه، فقال الشيخ: دعوه معه ما يكفيه، فاشتغل في الحال ناراً فأخذ من حضر ماء، فجعلوا يصبونه على تلك النار لكي تنطفئ، فأحرقت ما شاء الله من جسمه ولحيته، والحمد لله على نعمه وإكرامه لأهل طاعته.
ومنها ما أخبرني بعض الصالحين ممن أعرفه وأعتقده، أن بعض ذرية الفقيه الكبير الولي الشهير، السيد الجليل، أحمد بن موسى بن عجيل - قدس الله روحه - أتى بقافلة اليمن، فلما وصل بلاد الشيخ أرسل بعض الفقهاء من أصحابه إلى الشيخ يسأله عن الأصلح في سفر البر أو البحر خوفاً من العربان القطاع أولي الفساد والأطماع، فلما أتاه الرسول وجد الشيخ مقبوضاً، فلما لم ير عنده شيئاً من البسط والإيناس. قال في نفسه: ليت الفقيه فلاناً
стр. 1301
استشار فلاناً رجلاً صالحاً في القافلة سماه. خطر له ذلك قبل أن يبلغ الرسالة، ولا ذكرها بعد ذلك، فلما خطر له هذا الخاطر قال له الشيخ في الوقت الحاضر: قل للفقيه إن شاء مسافر براً أو بحراً، فما عليهم إلا السلامة، واعلم أن المشهورين في بركة المستورين.
ومنها ما أخبرني بعض شيوخ اليمن المشهورين بالصلاح، والاتصاف بالأوصاف الملاح، في شهر رمضان المبارك في الحرم الشريف، وهو متوجه للإحرام بالعمرة. أنه رأى شيخاً المذكور بعد صلاة الصبح منصرفاً من حول الكعبة إلى جهة بلاده، وأنه مر عليه، وتبسم في وجهه، وأشار مع السلام بإصبعه إليه، وذكر أنه كان يتعبد معه في بعض السواحل في أيام البداية، وأنه كان يأتي إلى شيخنا كل ليلة ثلاثة أنفس أحدهم الخضر فيتحدثون معه ما شاء الله تعالى من الليل، وأنه كان يتنحى عنهم في ذلك الاجتماع، ويقول لشيخنا: ما جاؤوا إلا إليك اللهم أنفعنا بعبادك الصالحين بحرمتهم عليك.
ومنها ما أخبرني بعض الفقهاء المتقنين المباركين المتنسكين أنه أذن له شيخنا المذكور في الخلوة، فدخل فيها، وكان في بعض الأوقات يتصور له بعض الشياطين يوسوس عليه يراه بعينه ظاهراً، فشكا ذلك إلى الشيخ، فقال له: إذا رأيت شيئاً من ذلك ناد باسمي، قال: فلما كان فات ليلة تصور لي الشيطان، فقلت: يا سيدي الشيخ علي فما تم مقالتي إلا والشيخ واقف بباب الخلوة مع بعد منزله عن ذلك المكان، فسبحان الكريم المنان الذي طوى لهم المكان والزمان، وأطلعهم على ما شاء من الغيب حتى شاهدوه بالعيان.
ومنها أنا لما بلغنا في سفر البحر إلى مرسى حلي قال لي أصحابي: تنزل إلى الساحل. قلت: لا، فنزلوا وبقيت في المركب وحدي، ونويت أني إذا بلغت اليمن لزيارة جماعة من الصالحين، ورجعت زرت الشيخ نور الدين المذكور في حلي، فلما كان ضحوة اليوم الثاني من نزول أصحابي حدث عندي داعٍ إلى النزول إلى الساحل، وإذا بزورق، وهو المعروف بالسنبوق في اصطلاح بعض الناس فيه بعض البحارين جاء إلى بعض المراكب المرساة لقضاء حاجة، فأشرت إليه أن يدنو مني، فأتاني، فركبت معه في الزورق إلى الساحل، فلما صرت في البر تمشيت فيه قليلاً، وإذا بالشيخ علي المذكور مقبلاً إلي في جمع كثير ركبان ورجالة من أصحابه وجيرانه، فسلم علي، وألبسني الخرقة، فعلمت أن الداعي الذي أزعجني إلى النزول في ذلك الوقت بعد أن لم يكن لي فيه نية إنما هو بخاطر الشيخ إذ كان الاجتماع الذي وقع بيننا مقدوراً له النزول سبب، والحمد لله على ذلك السبب الذي قدر لي به أني أصحب، وعلى جميع ما أنعم ووهب.
ومنها أني خرجت في بعض الأيام إلى خارج البلد، واخترت موضعاً بعيداً عن الناس، فخلوت فيه تحت شجرة خفية بين أشجار البرية بحيث لا يهتدي مكاني أحد، فما شعرت إلا
стр. 1302
والشيخ معي، فجلس معي قليلاً، فسررت بذلك سروراً كثيراً، وحسبت أنه يطيل الجلوس عندي فأتملأ به، واسأله عن كل ما أريد، فورد عليه حال، فقام بعد أن ظهر فيه مبادي السكر، فحصل في باطني عند ذلك تألم واحتراق لعدم حصول ما أملت، فقلت له: عند ذلك ما كان لي بمجيئك حاجة، فقال: ولم قلت؟ لأني فرحت بمجيئك، ثم تألمت بقيامك، فأتى إلي ووضع إصبعه على قلبي، وقال: هذا موضع الألم، فسكن ذلك الألم، وبردت تلك الحرقة كما تبرد النار إذا صبت عليها الماء، وازددت عند ذلك في اعتقاد فضله علماً، والحمد لله على المعرفة لهم والصحبة، وعلى ما خلق بيننا وبينهم من المحبة.
ومن هذا الإسكار الذي يفارق به الأغيار، ولا يرضى فيه إلا بمجالسة الملك القهار أني مررت بجنبه في بعض الأحيان، وهو جالس على بعض الكثبان، فناداني إليه، فجلست معه قليلاً، وهو منشرح منبسط معي، ثم ورد عليه وارد أخرجه عن ذلك الحال إلى حال آخر ظهر عليه في مبادي السكر، فقبض نفسه فيه، وتنمر ونظر إلي نظرة النشاوي في سكرهم، وقال: من جالس الملوك لم يرض مجالسة غيرهم، فقمت عنه هارباً، ورجعت في طريقي التي كنت فيها ذاهباً، وكان هذا ضحوة النهار، ثم رجعت من وجهي الذي توجهت فيه بعد العصر، فإذا به قد تغير عن ذلك الأسلوب، ورجع إلى الأسلوب الانبساط المحبوب، وقد أتى بمركوب يركبه فأقسم علي أن أركب ذلك المركوب، فركبته، ومشى هو مع جلالته وضعفه، وتباين ما بين طرفي نهاره في هيبته ولطفه متحققاً بقول قائلهم:
إذا كنا به تهنا دلالاً ... على كل الموالي والعبيد
ولكنا إذا عدنا إلينا ... يعطل دلنا ذل اليهود
ومنها أني حكيت له مرة أني قصدت في أيام الحج رجلاً من الصالحين في منى، فطلبته في منزله، فلم أجده، فطلعت بعض جبال منى، وانعزلت بعيداً من الناس تحت بعض الأحجار، فبينا أنا كذلك، لماذا بذلك الرجل الصالح الذي كنت أطلبه معي، فوقف عندي ما شاء الله، فلما حكيت لشيخنا المذكور هذه الحكاية تعجيباً له بذلك في ظني قال لي: عسى كان اجتماعكم في المكان الفلاني، وأشار إلى ذلك المكان بعينه مع عدم تميزه عن غيره تميزاً يهتدي به إليه، فلما سمعت منه ذلك تعجبت، وقلت له: الفرسان يمرون علينا، ولا يسلمون، فقال: يسلمون بالقلوب، ثم جمعت بينه وبين الصالح المذكور، وهو الولي الحبيب خالد بن صالح بن شبيب في المسجد الحرام ليلاً، فحصل للشيخ خالد بذلك سرور، فلما افترقا قال لي الشيخ علي: هذا من غزة، ولم يكن لهما قبل ذلك اجتماع بل بمعرفة القلوب والكشف والاطلاع رضي الله تعالى عنهم، ونفعنا بهم.
ومنها أنه خطر لي في وقت خلوة من أفضل هو أو شخص آخر،
стр. 1303
فقال لي: عند خطور هذا الخاطر، ما الفرق بين الرسول والنبي؟ فأردت أن أذكر ما بينهما من الفرق بحسب ما يخطر لي من العبارة، فسبقني وعبر في الفرق بينهما بعبارة حسنة مشتملة على ألفاظ وجيزة جامعة، ومعانٍ حسنة، حاصلها أن الرسول هو الذي يوحي إليه، ويرسل إلى الخلق، ويؤيد بالمعجزات التي تدل على الحق، والنبي غير متصف بهذه الصفات، وكذلك الأولياء منهم من يؤمر بإرشاد المريدين، ويؤيد بالكرامات والبراهين. ومنهم من له فضل في نفسه، وليس له شيء من هذه المذكورات، ففهمت من ذلك أن الفرق بينه وبين ذلك الشخص نسبته نسبة الفرق بين الرسول والنبي على حسب ما بين النبوة والولاية من التفاوت، فهو في أعلى درجات الولاية كما أن الرسول في أعلى درجات النبوة، وذلك الشخص في أسفل درجات الولاية، كما أن النبي في أسفل درجات النبوة، ومفهوم كلامه أنه أفضل من ذلك الشخص، فقلت له في ذلك الحال: هل يتصور أن يصير النبي رسولاً. ومرادي أن ذلك الشخص، هل يصير في مرتبة التربية والتأييد بالكرامة، وإرشاد السالك؟ فأشار إلي أنه قد يتصور ذلك، نسأل الله الكريم من فضله العظيم لنا ولأحبابنا والمحبين.
ومنها أنه قال لي بعض الأولياء الكبار ممن له بكثرة الكرامات في بلاد اليمن اشتهار: سلم لي على الشيخ علي يعني شيخنا المذكور، وذلك عقيب صحبتي للشيخ، وكنت في ذلك الوقت زائراً عشرة من الأولياء، فلم يذكر لي أحد منهم بالسلام ولا غيره غير الشيخ علي، فقال: يأخذ كل واحد منكما عن صاحبه تأخذ عنه نوراً، ويأخذ عنك علماً، فقلت في نفسي متعجباً: كيف يأخذ عني العلم، وهو ممن يفيد العلم وغيره. وأما أخذي عنه النور، فهو أهل لذلك، وأنا مفتقر إليه، فاسأل الله تعالى أن يحقق ذلك، وكان هذا الكلام سراً بيني وبينه لم يطلع عليه أحد غير الله.
فلما قدمت على سيدي الشيخ أخرج لي كتاباً من كتب الإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، وقال: ما تقول في هذه المسألة؟ وأشار إلى كلام فيه لأبي حامد، فقلت: سبحان الله مثلك يسأل مثلي: فقال لي: إيش قال الشيخ فلان؟ مشيراً إلى ما ذكرت من قول ذلك الشيخ، ويأخذ عنك علماً، فلما قال لي ذلك تعجبت، وعلمت أن الرجل صاحب تمكين في الاطلاع على القلوب، وما شاء الله من علم الغيوب، وقوة التصرف النافذ فيما شاء الله من الوجود، بمن الملك المنان ذي الكرم والجود.
ومن قوة تصرفه أن بعض أصحابه كان قد منعه من الأسفار مع رغبته فيها، فقال صاحبه المذكور لشيخ من شيوخ اليمن الكبار: أشتهي منك، ومن فلان شيخ آخر من الكبار أيضاً أن تكفياني أمر الشيخ علي في منعه لي من السفر، وتضمنا لي ذلك، فقال له: لا والله
стр. 1304
يا فلان لا أقدر وأنا وفلان على منع الشيخ علي مما أراد، فإن جنده سفهاء يعني أنه صاحب حال قوي، وتصرف نافذ لا يستطيع رده، ولو اجتمعنا على ذلك. كما أن الجند السفهاء يستطيع أحد مدافعتهم وردهم عما طلبوا.
رجعنا إلى ما كنا فيه من ذكر المسألة، فأخذت الكتاب، ونظرت فيه فإذا هي على غير ظاهر ألفاظها، فقال لي: تقول. قلت: نعم، وإذا به قد ورد عليه وارد غيبه عن الإحساس من واردات الأحوال التي ترد عليه في كثير من الأوقات، وعلى غيره من أرباب القلوب والرجال، فخفق برأسه في حجري، وكان جالساً إلى جنبي، فمكث قليلاً، ثم أفاق منشرحاً. فقال لي: وفقك الله، فعرفت أنه قد حصل له إطلاع في تلك الغيبة على أن ما ذكرت له من الجواب هو عين الصواب، والحمد لله على ذلك، وعلى جميع الأئمة، وأسأله أن يتقبل ما ذكرت من دعائه، وأن يغفر لنا جميع الذنوب، ويبلغنا من الخيرات كل مطلوب بجاه نبيه المصطفى المكرم ﵌، فهذه عشر من كراماته الكبيرة يدل بعضها على فضله عنده من له بصيرة.
وأما ما له من الإشارات التي في ضمنها لي بشارات.
فمنها قوله رضي الله تعالى عنه لي: إني أرجو لك في آخر العمر بعد قولي له أرى فلاناً يبشرني، وأنت ما تبشرني.
ومنها قوله لي: لا تيئس من الجائزة فهي تأتيك، وإن طال الزمان يعني على القصيدة التي ذكرته فيها.
ومنها قوله لي: يا ما يخرج الله من هذا الصدر من الحكم مشيراً إلى صدري.
ومنها قوله لي: ما ظنك بعبد بن أشرف المولى عليهما أيردهما خائبين؟ وذلك بعد خلوتي معه في مجلس مبارك، ورد عليه فيه وارد شريف، فأضحكه بشراء بعدما أحزنه تخويفه وأبكاه.
ومنها قوله لي لما قدمت عليه زائراً: رأيتك منصرفاً من عندي، وعليك ثوب أبيض.
ومنها قوله لي: أشتهي لك سيفاً تضرب به، وفي قوله هذا إشارتان إحداهما أن ذلك الضرب كون فيه محقاً، والمضربون مبطلين، ولو لم يكن كذاك لما جاز أن يحب إلي السيف المذكور، والثانية أن تكون لي أعداء كثيرون، نسأل الله أن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين حرباً لأعدائه المعتدين، وسلما لأوليائه المهتدين آمين اللهم آمين.
ومنها قوله لي بعد ورود حال عليه مقامك عالٍ حقق الله تعالى ذلك بمنه وكرمه.
стр. 1305
ومنها قوله في حال سكره لواردة تواردت عليه الأحوال. في مسجد الخيف خاليا عن الخلق، وسائر الأشغال، في ساعة أؤمل من الله الكريم أن أنال فضلها إما جاء سيل الفضل غسل الأوساخ كلها، فنسأل الله الكريم أن يحقق لما ما ذكر من الغسل بسيل الفضل، وأن يحيي بغيث رحمته ما بقلوبنا من موات المحل، وإلى قوله المذكور أشرت في بعض القصائد حيث أقول:
أؤمل من ذي الفضل ما هو أهله ... وإن لم أكن أهلاً لما منه أطلب
عسى سيل فضل منه يغسل كل ما ... بأوساخه كم قد تلطخ مذنب
كما قال نور الدين شيخي وسيدي ... وقد مال من حال به الراح يشرب
إذا جاء سيل الفضل يغسل كل ما ... يلاقي من الأوساخ في الحال يذهب
إلهي بجاه المصطفى سيد الورى ... وملجأهم من كل ما منه يهرب
وتاج العلي بدر الهدى معدن الندى ... طراز جمال الكون أبهج مذهب
أنلني منائي منك يا غاية المنى ... لا ضحى ولي شغل بحبك مذهب
وحقق أرجائي يا جواعاً ومنعماً ... كريماً تعالى للرجال تخيب
ومنها ما في مكاتبته لي من دعوات صالحات، ووصف بصفات جميلات، أسأل الله الكريم المنان المالك، أن يحقق بمنه جميع ذلك، وهذه صورة ما ذكرت من مكاتبة شيخنا العارف بالله القدوة الدليل، مرشد السالكن السيد الجليل، ولفظه بحروفه، والله على ما نقول وكيل.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه أستعين، الفقير إلى عفو ربه، وإحسانه، خويدم الفقراء علي بن عبد الله سلام الله ورحمته وبركاته. وتحياته على المولى الشيخ الفقيه العالم، العامل الورع الزاهد عبد الله بن أسعد اليافعي زاده الله حكماً وعلماً ومعرفة وفهماً، ورفع في العلم لدرجته، وأظهر على الخصم حجته، ونشر أعلام ولايته، وكلأه بحسن كلايته، وجعله موفقاً للصواب، في كل سؤال وجواب، وتصنيف للكتاب، وجعله داعياً إليه، ودالاً للسالكين عليه، ثم أوصله به إليه، وبعد فقد ورد الكتاب الكريم، والخبر المبارك المحتوى على الدر النظيم، فنظر فيه المملوك، واستحسنه غاية الإستحسان، وأعجبه ما أودع فيه من الفوائد الإيضاح والبيان، وما طرزه به من الحكم والمعارف، ما يشهد له بصحته كل عارف، فزاده الله من كل فضيلة، وأحله لديه المنزلة الرفيعة الجليلة لكن لو أخلي الكتاب عن ذكر المملوك، وأطلق بعد ذكر المصطفى ﵌ ذكر أرباب السلوك لكان يتنم حسنه وجماله، ويبقى عليه
стр. 1306
رونقه وكماله، ولكن كان ذلك في الكتاب مسطوراً، وكان أمر الله قدراً مقدوراً، جزى الله المولى عن المملوك. وعن الإسلام والمسلمين خيراً، ودفع به عنهم في الدين ضيراً، وختم للجميع بخير، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وعنها قوله لي في مسجد الخيف في بعض ليالي التشريق: حصلت لي إشارة قصيدتك الفلانية، وقد أمرت ولدي أبا بكر أن يحفظها، وذلك أني رأيت كأني أقرأها في صلاة الصبح يوم الجمعة. قلت: في ذلك إشارة إلى ما اشتملت عليه من تحقيق التوحيد، وصحة العقائد، وغير ذلك مما تضمنته من جمل المقاصد ومدح جمال الوجود سيد ولد آدم ﵌ وهذه عشر أيضاً من البشارات، المشتملات على الإشارات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتنزل البركات، أعني إشارات شيخنا المذكور لي.
وأما ما بشرني به غيره من المشائخ والإخوان مما وقع لهم في اليقظة، أو في المنام، من جهة النبي عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، ومن جهة الأولياء الكرام، فليس هاهنا موضع لذلك الكلام، فلنثن العنان، ولنعد إلى ما نحن بصدده من البيان، لأوصاف شيخنا الجميلات الحسان، وما من علينا بصحبته الحنان المنان.
وله ﵁ تصنيف في الحقيقة محاه، لغرض قبل أن نقف عليه ونراه ليله خشية إني لا يفهم الناس معناه، وله نظم رائق، ونثر فائق، فمن نظمه رضي الله تعالى عنه قوله:
أسفي من هجر سكان الحمى ... تركوني من هواهم في عمي
كلما قدمت يوماً قدماً ... نحوهم أخرت عنهم قدماً
صرت مما فاتني من وصلهم ... أقرع السن عليهم ندماً
ليتهم إذ هجروا لم يتلفوا ... بالضنا صبا معنى مغرماً
فعسى الدهر يوصل منهم ... يسعف الصب ويشفى السقما
قد جعلت الدمع مني شافعاً ... ورجائي وإنكساري سلما
ومن نثره رحمه الله تعالى قوله: ينبغي للفقير الصادق أن يكون كثير الفضائل، الشمائل، ما في يده لا يرد عنه سائل، ولا يخيب منه آمل، أخلاقه ألطف من نسيم السحر، وأوصافه كالمسك إذا فاح وانتشر، طلق الوجه عند لقاء الأخوان، بسام الثغر عند وجود الحدثان، قلبه من الغش والحسد مكنوس، قد طهر ونقى من آفات النفوس، حرفته في الزهادة، وحانوته فيها العبادة، إذا جن عليه الليل فهو قائم، وإذا أصبح النار فهو كثير التلاوة للقرآن، بدمع منحدر كالجمان، دائم الفكرة متواصل الأحزان.
ومنه أيضاً: يا هذا لو أخذت كبريت الإخلاص وطبخته بماء الصدق، ثم أطفأته
стр. 1307
فتسق الصبر، ثم دهن لوز الزهد، ثم دهن بيض القناعة، ثم سحقته على صلابة التقوى بقهر طاعة الموالي، ثم ألقيت منه جزءاً على مائة جزء من نحاس نحو سك صار ذاهباً منفى، والله الموفق.
وأما ما ذكرته في لبس الخرقة المذكورة في القصيدة من اكتساء الفخر، فهو من أجل إنه أمر بذلك في اليقظة في حال حال ورد عليه على ساحل البحر، وهو قولي في القصيدة:
وألبسني عن أمر مولاه خرقة ... كسيت بها فخر الأمر بيقظة
وقد ألبسني إياها جماعة أيضاً من القوم بعضهم بإشارة أيضاً، ولكن ربما وقعت له في اليقظة، وربما وقعت في النوم، ولم أشاهد في أحد منهم من حسن سلوك الطريقة، والجمع بين الشريعة والحقيقة، والجد والاجتهاد، وعلو الهمة، ومواصلة الأوراد، والحرص على متابعة السنة والتورع، والمبالغة في المحو والأدب والتواضع، وكثرة المعارف والمكاشفات، والمحاسن والكرامات، ما شاهدته في الشيخ المذكور، وفى ذلك أنشد وأقول:
وكم عاذل في حب سلمى ومدحها ... يقولون قد أكثرت في الشعر وصفها
يلومونني يا أم عمر وما دروا ... بما أبصرت عيني من الحسن والبها
وأهوى سوا هارب خود خريدة ... ولكن ما شاهدت في الحسن مثلها
والجماعة المذكورون في إلباسهم لي الخرقة، بعضهم أدرك الشيخ أبا الغيث، وبعضهم ينتسب إلى الشيخ محمد بن أبي بكر الحكمي للنسبة من بعض ذريته وبعضهم ينتسب إلى الشيخين الإمامين الحضرميين أعني الفقيه إسماعيل، والشيخ أبا عباد، وبعضهم هو الشيخ محمد بن عمر النهاري، وبعضهم قال لي: هذه يدي عن رسول الله ﵌ إني أصحب بها عنه، فاصحب بها أنت عني. كل هؤلاء المذكورين يمانيون، ومهم من ينتسب إلى الشيخ أبي مدين شيخ بلاد المغرب رضي الله تعالى عنه، ومنهم من ينتسب إلى الشيخ شهاب الدين السهروردي رضي الله تعالى عنه وعنهم.
وأما شيوخي من جهة العلم، فقد تقدم ذكر بعضهم، وقد ذكرت طريق الخرقة وشروطها وإنها خرقتان خرقة بركة واحترام، وخرقة تحكم والتزام، في كتاب " نشر الريحان في فضل المتحابين في الله من الأخوان "، وذكرت أن غالب شيوخ اليمن يرجعون في لبسها إلى شيخ الشيوخ في المجد والفاخر، الذي خضعت لقدمه رقاب الأكابر، الشيخ محيي الدين أبي محمد عبد القادر الجيلاني قدس الله روحه، ونور ضريحه، وإلى ذلك أشرت في بعض القصيدات بقول هذه الأبيات:
стр. 1308
وفي منهج الأشياخ إلباس خرقة ... لهم سنة أصل روى ذلك عن أصل
ولبس اليمانيين يرجع غالباً ... إلى سيد سام فخاراً على الكل
إمام الورى قطب الملا قائل على ... رقاب جميع الأولياء قدمي أعلى
فطأطأ له كل بشرق ومغرب ... رقاباً سوى فرد فعوقب بالعزل
الأبيات المقدمات في ترجمته في سنة إحدى وستين وخمس مائه.
وفي شيخي المذكورين رفيعي القدر والمحل، قلت هذه الأبيات مفتتحاً لها بالمرثية والغزل:
دعا ذكر هامي دمع طرف مسهد ... بتذكار أطلال لمى ومعهد
وبثاغر أما من حشى مودع الشجى ... غريم الجوى من لوعة الحب موقد
لفرقة أحباب لنا قطعت بهم ... مطايا المنايا فدفداً بعد فدد
فأمسوا بدار لد نأت لا يزورها ... سوى راكب حدباً إلى قعر ملحد
به روضة خضر البر موحد ... وموقدة جمر الطاغ وملحد
ترى ساكنيه تحت أطباق مظلم ... قد استنزلوا عن كل قصر مشيد
وكثرة غلمان وعز ورفعة ... إلى ذي هوان في التراب الموسد
مقيمين حتى يرحل الركب كلهم ... لدار نعيم أو عذاب مؤيد
وقد فارقوا للأهل والمال والهنا ... وجاه وعيش والحبيب المودد
وقد لبسوا ثوب البلا بعد لبسهم ... لثوب البقا الزاهي الجمال المحدد
ترى الدود في تلك الخدد ومقلة ... تسيل على الخد الأسل المورد
وقد زال عنها ما زهاها وزانها ... وما طال فيها من تغزل منشد
تغزل ولكن لا بإفك وباطل ... وأنشد ولا تسمع ملام مفند
حمامة أيك في الحمى غردت ضحى ... مطوقه ورقاء مخضوبة اليد
وريم طويل الجيد أدعج أهيف ... أغن كحيل الطرف من غير إثمد
فتلك شجاني في الصبا طيب نغمها ... وحسن الحل لكن حمامة مسجد
أحلت هوى لما شدت وترنمت ... فؤاد خلي البال غير معود
فيا طيب عصر فيه طاب سماعها ... لدى عدن يا ليته لي بمسعد
تريع لوصال بواو معوضاً ... موحدة كم قد سبت ذا بعد
فأنشد حالي عندها متمثلاً ... بمصراع صب في المحبة مبتدي
وما كنت أعري قبل حبك ما الهوى ... كما لم من الغير الملاحة أشهد
وهذي سباني في الكهولة حسنها ... وبهجتها لكن غزالة معبد
стр. 1309
ترعت فيا في حي حلي وكم لها ... ترو بذاك الحي من عذاب مورد
تريع غواشي الملك للغين مبدلاً ... عن الطلبهاكم من فؤاد مقيد
تصيد ولا تصطاد في شرك الهوى ... فأعجب بمصطاد لها متصيد
شروداً بقلب الصب في فلواتها ... بوارد حال للغزال مشرد
ويا حبذا يوماً على الصب عطفه ... به بعد صد من وصال مودد
ويوماً به منها افتتاح زيارة ... وصحبتها من غير تقديم موعد
ويوماً على الهجران منها بشارة ... بتحصيل ما مول لقلب مبرد
فهاتان مع حبي حساناً سواهما ... ملاح الحلي كم فائق الحسن أغيد
هما سبياني في قديم وحادث ... بما لوراه عاذلي ومفندي
لبادر في عذري وخلع عذاره ... بحبهما مثلي ولم يتردد
إلى كم أوري غيره وتسترا ... ولوح الهوى كم فيه عهد مؤكد
خليلي ما ريم عدت وحمامة ... شدت ما به موهت ليس بمقصد
ولكن أكنى عن مليحي حماهما ... وعصرهما بدري دياج لمهتد
جمال الهدى البصال شيخي وسيدي ... إمام الأنام الزاهد المتعبد
مليح الحلي زاهي المحاسن ذي العلى ... وساني الورى نغماً كدر منضد
ونور الهدى بحر المعارف والندى ... خزانة أسرار وسيف مهند
دليل طريق السالكين إلى العلى ... على حضرة يحظى بها كل مسعد
علي بن عبد الله ذي السعد والعطا ... إمامي وأستاذي وشيخي وسيدي
مسقى بكأس الحب في قدس حضرة ... مداماً بها من سكرها كم معربد
قلت: وقد اقتصرت في هذه الأبيات الأحد والأربعين من قصيدة لي ثلاث مائة، وبضع عشر بيتاً ذكرت فيها مائة من أجلاء الشيوخ الأكابر، العارفين بالله أولي الأبصار والبصائر، والمقامات العاليات والمفاخر، صدرتهم بشيخي المذكورين البدرين، وأودعتها ديواني الموسوم بكتاب الدرر في مدح سيد البشر، ومدح الأولياء الغرر، وفي الوعظ والعبر، وعلوم فضلها اشتهر، وسميتها بلبل الإطراب، وحلاوة الحلاب، في ذكر الفراق والمدح للأولياء الأحباب، وترجى لقائهم في دار النعيم والثواب بفضل الله الكريم الوهاب.
سنه تسع وأربعين وسبع مائة منال
فيها توفي الإمام العلامة، البارع المتفنن، المفيد القرشي المصري الشافعي المدرس المفتي شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان المعروف بابن عدلان، سمع الحديث من جماعة منهم الحافظ أبو محمد الدمياطي، وأبو الحسن ابن الصواف الشاطبي وغيرهما،
стр. 1310
وتفقه على جماعة أيضاً، وعرض المفصل على حجة للعرب بهاء الدين ابن النحاس، وأخذ عنه النحو، وكان له منه حظ عظيم، وانتفع به انتفاعاً كلياً، وأخذ أصول الفقه عن العلامة شرف الدين الشافعي الفاسي الشهير بالكركي، وناب في الحكم عن قاضي القضاة تقي الدين ابن دقيق العبد القشيري بالقاهرة ومصر مدة، وتولى التدريس في عدة مدارس وتولى الإعادة بالمدرسة الصالحية والناصرية، والميعاد العلاي في جامع الأزهر، ونفذ رسولاً من سلطان الديار المصرية إلى اليمن بعد السبع مائة، وهو إمام مشار إليه في الفتيا والفقه في الديار المصرية حلو العبارة، كثير التودد للطلبة، مكرم لهم وولي قضاء العساكر للمنصورة بالديار المصرية، ومات أقرانه وعمر، وبقي طرفة في البلاد، ومولده سنة إحدى وستين وست مائة رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الإمام البارع المتفنن العلامة، الفقيه النحوي، الأصولي اللغوي، المنطقي المدرس، المصنف المفيد شمس الدين الأصبهاني، حفظ كتباً عديدة، وصنف تصانيف مفيدة، ودرس في بلاده، وفي تبريز، وفي الشام، وفي مصر واشتغل عليه العلماء المعقولات، واستفادوا خصوصاً في أصول الفقه، ومن محفوظاته بعد الكتاب العزيز كتاب السامي في الأسامي، وهو كتاب كبير الحجم في اللغة، وأدوات الميداني، والمصادر الثلاثة المجردة للزورني، والكافية في النحو، وبحثها على والده وغيره من الفضلاء، ثم حفظ الغابة القصوى في الفقه، والمنهاج في الأصول كلاهما من مصنفات العلامة القاضي ناصر الدين البيضاوي، وبحثهما على والده وغيره، وبحث الحاصل على والده أيضاً مؤلفات تاج الدين الأرموي، ثم قرأ الرسالة الشمسية في المنطق مع شرحها على أخيه الأوحد إمام الدين، وقرأ المطالع في المنطق أيضاً وحفظه، ثم قرأ الطوالع في أصول الدين من مؤلفات القاضي ناصر الدين المذكور، ثم حفظ الحاوي في الفقه، وبحثه على والده، وبحث أصول النسفي في الخلاف، وبحث كتاباً في علم الهيئة للجغمني، والتذكرة وإقليدس والكليات في الطب، ثم درس، وكان يلقي من الدروس ما بين السبعين والثمانين، يشتغل من الصبح إلى العشاء، ثم شرع في التصانيف، فمنها شرح المختصر لابن الحاجب، وعلقه عنه جماعة كثيرة من الفضلاء أولي النظر، واشتهر في البلاد وانتشر، وفرغ منه في سنة، وشرح المطالع، وصنف ناظرة العين في المنطق في يوم واحد، وشرح التجريد في أصول الدين، وعروض الساوي، وشرح الحاجبية، وسمع البخاري عن ابن الشحنة، وسمع خلائق في دمشق، ودرس في الرواحية، ثم سافر إلى الديار المصرية، ودرس في المعزية، ونزل في خانقاه سعيد السعداء، وولي مشيخة الخانقاه السيفية، وكانت اقامته بدمشق سبع سنين، وألف كتاباً في المنطق، وكتاباً مختصراً في أصول الدين مع شرحه، وشرح البيضاوي على طريق الإملاء، وبديع ابن الساعاتي الحنفي في أصول الفقه، وشرح الطوالع،
стр. 1311
وأصول النسفي وألف كتاباً في الفقه في مذهبي الإمامين الشافعي، وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى، وحج مرتين.
قلت: وذكر لي الشيخ جمال الدين الحويراي شيخ خانقاه، سعيد السعداء رحمه الله تعالى أن شمس الدين المذكور يحب الاجتماع بي مستدعياً بذلك إسعافاً مني بالإذن، فلم يصادف مني في ذلك الوقت انشراحاً للاجتماع، وقلت له: العلماء كثير، وأنا اليوم في طلب الاجتماع بالفقراء في الخرابات، فلما لم يجد مني إنعاماًً بذلك سكت عني، وبلغني أن شمس الدين المذكور كان أول قدومه الشام يحضر حلقة الشيخ برهان الدين، ويسمع بحثه، وهو ساكت كأنه ما يعرف شيئاً من العلوم، والجماعة ما يعرفون أنه من أهل العلم مدة من الزمان حتى نبههم بعض الناس عليه، فالتمسوا منه أن يبحث، فامتنع من الكلام حتى ألحوا عليه، فبحث حينئذ معهم، وظهرت لهم فضيلته، فاشتغلوا عليه حينئذ في العلوم، وهذا الذي فعله حسن عزيز جداً لا يكاد يصدر من الفقهاء مثله أعني سكوته موهماً عدم معرفته بالعلوم، وحسن اعتقاده في الشيخ برهان الدين رحمه الله تعالى على الجميع.
وفي السنة المذكورة توفي الإمام العلامة البارع الفقيه، المفتي الشافعي الأصولي النحوي، الخطيب المصقع الوحيد الفريد، الصوفي المتكلم، لسان الحقيقة، ودليل الطريقة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد المعروف بابن اللبان المصري المنزل ذو الإفادة الدمشقي المنشأ والولادة، ولد سنة تسع وسبعين وست مائة، وعاش سبعين سنة.
وأخذ الفقه عن جمال الدين السريشي، ونجم الدين ابن الرفعة، وكمال الدين ابن الزملكاني، وصدر الدين ابن الوكيل وأذنوا له جميعاً بالفتيا، وأخذ العربية عن شمس الدين أبي الفتح، وقرأ الشاطبية في القراءات على والده شهاب الدين، وسمع الحديث عن جماعة منهم ناصر الدين ابن الفراس، والخطيب شرف الدين الفزاري وغيرهما، وصحب الشيخ الكبير الولي الشهير أبا الدر ياقوت الشاذلي، وبورك في صحبته، وفتح عليه في كلامه، وسرعة عبارته.
وله مصنفات جليلة منها كتاب إزالة الشبهات عن الآيات والأحاديث المتشابهات. ومنها ترتيب الأم للإمام الشافعي على مسائل الروضة واختصرها في أربع مجلدات، ومنها مختصر الروضة والرافعي واستدرك عليهما.
ومنها ألفية في النحو ضمنها كثيراً من فوائد التسهيل والمعرب. قبل لم يصنف مثلها
стр. 1312
في العربية، ووضع لها شرحاً بين فيه مجملها، وفتح مقفلها، وله ديوان خطب جمعة وفي كل جمعة يضيف خطبه يخطب بها، وله في علم الحديث مصنف مفيد جمع فيه كتب ابن الصلاح والنووي، وتوفي وهو يصنف تفسير القرآن جاءت سورة البقرة في مجلدين منه قيل: لو كمل لم يوجد في التفاسير مثله لأنه كان ﵀ نهاية في علوم القرآن، وفي الأصلين والجدل، وإمامته في الفقه مشهورة، وبراعته في العلوم مذكورة، وله نظم رائق، وشعر فائق.
سنة خمسين وسبع مائة
فيها توفي الإمام العلامة، المدرس المفتي نجم الدين عبد الرحمن بن يوسف الأصفهاني الشافعي نزيل الحرم الشريف مولده سنة سبع وسبعين وست مائة، وفيها توفي آخر أيام التشريق في منى، ودفن بالمعلى سمع الحديث على جماعة، وتفقه وقرأ الأصول والعربية والفرائض والجبر والمقابلة، وقرأ القراءات السبعة، وله مصنفات منها مختصر الروضة في مجلدين اشتهر كثير من البلاد، وكان ﵀ حسن الأخلاق، سليم الباطن، مشهوراً بالصلاح، وكثرة المحاسن، حسن الاعتقاد رآني في وقت، وقال لي: كنت إذا رأيتك في المنام في بلادي، وأنا مريض تعافيت، وقال لي لما وقف على بعض كتبي هذا الكتاب ما يجيء تصنيفه إلا بعلوم كثيرة، ثم قال لي: ينبغي لك أن تصنف كتاباً في الرد على المبتدعين، فلما وضعت كتابي الموسوم بمرهم العلل المعضلة في الرد على فئة المعتزلة بالبراهين القاطعة المفصلة، وذكر عقيدة أهل السنة المفصلة والفرق الاثنتين والسبعين، والمخالفين المبتدعين ذكرت بعد ذلك أنه كان ﵀ قد حرضني على ذلك، نسأل الله تعالى حسن الخاتمة، والسلامة من المهالك.
ولما وضعت كتاب نشر المحاسن في العقيدة وغيرها، ولقبته بكفاية المعتقد ونكاية المنتقد في فضل سلوك الطريقة، والجمع بين الشريعة والحقيقة، ووقف عليه، وطالعه الفقيه الإمام مفتي الأنام البارع العلامة فخر الدين المصري، قال لي: لقد انتفعت بهذا الكتاب بعد أن سمع على أشياء رحمه الله تعالى من كتاب الإرشاد، نسأل الله تعالى الكريم التوفيق، وسلوك طريق الرشاد، والعفو والعافية، والفوز يوم المعاد، مع سائر الأحباب والمحبين آمين.
تنبيه
اعلم أيها الواقف على هذا الكتاب أني إنما لم أذكر تاريخ موت أحد من أعيان متأخري شيوخ اليمن الصالحين، وعلمائه العاملين مع كثرتهم سوى ستة مضى ذكرهم إلا
стр. 1313
لأني لم أظفر بتاريخ يكون لهم جامعاً لا واقفاً عليه ولا سامعاً.
وأما المتقدمون منهم فقد سمعت بتاريخ الإمام ابن سمرة اليمني، ولم أزل حريصاً على روايته، حتى وقفت عليه، فوجدته قد تتبعهم منذ زمن الصحابة إلى زمانه، فذكر من هاجر من أعيان أهل اليمن، ومن روى منهم الحديث، ومن بعثه النبي صلى الله عليه واله وسلم إلى اليمن من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، إما قاضياً وإما عاملاً، وقد تعرضت لذكر شيء من ذلك فيما مضى.
ثم ذكر من فقهاء التابعين إلى عصره من أهل اليمن مئيناً عديدة في تاريخه المذكور الموسوم بطبقات فقهاء اليمن، وعيون من أخبار رؤساء الزمن، وذكر أنه اجتمع عند واحد منهم من الطلاب أكثر من مائتي طالب في صنعاء، وهو الإمام زيد بن عبد الله اليفاعي أحد شيوخ صاحب البيان، أخذ عنه كثير ممن رحل إليه من البلدان، وكل ذلك قد قدمت ذكره في هذا التاريخ، وهؤلاء الذين ذكرهم كلهم من الفقهاء، ولم يتعرض لذكر الشيوخ من الصوفية العارفين، وقد أخلي كتابه عن كبار الشيوخ المذكورين، وعمن لم يطلع عليه من الفقهاء النائيين، وعن جميع المتأخرين، ولم أذكر أنا من الذين ذكرهم إلا أفراداً من أعيان أعيانهم مثل هؤلاء الأئمة طاوس، ووهب بن منبه، وعمرو بن دينار، والشيخ عبد الرزاق وآخرين ممن بعدهم، منهم الإمام ابن عبدويه، والإمام زيد اليفاعي، والإمام يحيى بن أبي الخير العمراني وغيرهم، وإنما لم أذكر تاريخ المتأخرين إلا لأنه لا يدل لمن تصدى لعلم من معرفة مواده، وحصول استمداده من مواد التاريخ، وتقدم فيه كتاب يعتمد، ومنه في المولد والوفاة والأنساب والأوصاف يستمد، ولعمري أنه قد كثر في اليمن من السادة الذين جل قدرهم، وشاع ذكرهم، ولم ينتدب لتاريخهم من أظله عصرهم، ولا من تأخر زمانه عنهم حتى اتبعه سالكاً في ذلك الأثر، ومقلداً له في ما ثبت عنده من الخبر، فذلك هو الذي منعني مما ذكرت، وحال بيني وبين ما أردت، بعد ما التمس مني ذلك غير واحد من أهل العلم والصلاح، وله عقيدة حسنة في الأولياء أولي الأوصاف الملاح، فاعتذرت بسبب ذلك إذ لا يكون التصنيف محموداً، إلا إذا كان جميع ما يتعلق به موجوداً، وذلك الذي منعني أيضاً من إكمال شرح قصيدتي الموسومة تباهية المحيا في مدح شيوخ اليمن الأصفيا التي مفتتحها:
نسيم الصباهي يحمل الرسائل ... ونشر الأحبا في الضحى والأصائل
فإني لما بلغت فيه إلى ذكر الشيوخ أولى الأوصاف المشكورة ثنيت العنان في أثناء الميدان من أجل العلة المذكورة، ولم أذكر فيه سوى أربعين شيخاً من السادة الأكابر أولى المقامات العالية، والكرامات الغالية، وشرف الفضائل والمفاخر ممن ذكر فضائلهم يطول،
стр. 1314
وكراماتهم تحير المقول، وسيأتي ذكرهم مع غيرهم إن شاء الله تعالى، ولا مطمع في حصرهم، ولا عشر معشار العشر في ذكرهم، فإن شيوخ اليمن عصائب لا يحصيهم كاتب ولا حاصب كما بلغني عن صفوة زمانه الجميل المناقب، وبركة أوانه، ذي المحاسن والمواهب، علم الأعلام، وقدوة الأولياء الكرام، سامي المجد الأثيل أحمد بن موسى المعروف بابن عجيل نفعنا الله تعالى ببركته إنه قيل له: يا سيدي أرى الأولياء في سائر البلدان يذكرون في الكتب، فيقال: فلان البلخي، وفلان البغدادي، وفلان الشامي وفلان المصري، ولا يذكر أهل اليمن، فقال: إنما لم يذكروا لكثرتهم، فإنهم عصائب، وكذلك منعني عام الاطلاع من ذكر تاريخ موت ناس كثير من أولي الفضل، والوصف الحسن ممن أدركت، وممن لم أدرك من غير أهل اليمن.
ذكر جماعةمن مشاهيراليمن
من كبار قدماء اليمن وأوليائهم ورؤسائهم وعلمائهم مجموعين، وإن كان قد مضى ذكرهم متفرقين.
فمنهم السادة الأجلاء، والنخبة الأصفياء أبو موسى الأشعري الصحابي رضي الله تعالى عنه، وأويس القرني وأبو مسلم الخولاني، وطؤس، وعمرو بن دينار، ووهب بن منبه، والإمام الحافظ عبد الرزاق الصنعاني، والإمام الشعبي رحمهم الله تعالى أصله من اليمن، وذو الكلاع الحميري والأشعث بن قيس الكندي، وعمرو بن معد يكرب، ومن بعد هؤلاء الجلة الكبار خلائق ليس لعددهم انحصار، وإلى ذلك أشرت بقولي في بعض الأشعار:
عصائب لا يحصى مدى الدهر عدها ... ومن ذاك يحصي للحصى والجنادل
فكم في التهايم والجبال وفي القرى ... من اليمن الميمون كم في السواحل
ذكر أول من أظهر مذهب الإمام الشافعي في اليمن من الفقهاء الجلة.
فمنهم الإمام العلامة موسى بن عمر ابن المعافري.
ومنهم الفقيه الإمام عبد الله بن علي المرادي، سمع من أبي زيد المروزي في ذمار بفتح الذال المعجمة، وفي آخره راء، ورحل إلى مكة، وسمع بها في سنة ثلاث وخمسين وثلاث مائة.
ومنهم الفقيه الإمام زيد بن عبد الله اليفاعي، والشيخ الإمام الجليل محمد بن عبدويه، المدفون في جزيرة كمران، وممن نشر المذهب المذكور أيضاً بنو عقامة في زبيد، وممن
стр. 1315
نشره أيضاً الإمام العلامة صاحب البيان يحيى بن أبي الخير في جبال اليمن، وقد تقدم ذكر جميع هؤلاء في مواضع متفرقة من هذا الكتاب.
ذكر آفات عظيمة ذات فتن واقعة في بلاد اليمن مما تقدم ذكره متفرقاً في مواضع ليسهل معرفته مجموعاً على السامع.
فمنها فتنة القرامطة واستيلائهم على معظم بلاد اليمن، ومدنه كصنعاء وزبيد، عدن، وتعز، وأبين وغيرها ممن قهر ولاتها؟ وقتل حماتها على يد داعيهم في الزندقة والطغيان علي بن الفضيل الخبيث الشيطان.
ومنها فتنة الشريف الهادي ودعوته.
ومنها ظهور ابن الصالحي، وما كان عليه من ضد اسمه من الإفساد للبلاد والعباد في الظلم والاعتقاد، ودعوته إلى مذهب العبيديين الباطنية أولى الزندقة الإلحاد.
ومنها ظهور بني مهدي، وما كانوا عليه من ضد الهداية في كثرة الغرابة عن عبد النبي، وأخاه قبله، وقتلهما الرجال، ونهبهما لأموال وتخريب الديار، وتحريق الأشجار، وكانت دولة بني مهدي تنيف على خمسة عشر سنة حتى زالت على يد شمس الدولة بن أيوب أخ السلطان صلاح الدين حسين، ولي بلاد اليمن، فدخلها بالبأس الشديد، فقتل عبد النبي، وصلبه في زبيد، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.
وتقدم أيضاً خروج الإمام أحمد بن الحسين في جبال اليمن بدعوته إلى أتباعه، وكتابه إلى الشيخ أبي الغيث بن جميل قدس الله تعالى روحه وجوابه له في ترجمته في سنة إحدى وخمسين وست مائة.
ذكر بعض الأكابر والأعيان والسادات من شيوخ اليمن المجهول موت بعضهم في أي زمن أولى المحاسن والمناقب العديدات، الذين ذكرتهم في بعض القصيدات، وهي قصيدتي الموسومة ببلبل الإطراب، وحلاوة الحلاب في ذكر الفراق والمدح للأولياء الأحباب، وترجي لقائهم في دار الثواب، بفضل الله الكريم الوهاب، وهي مشتملة على مائة شيخ من أعيان الشيوخ الأكابر، منهم اليمانيون ثلاثة وستون بعضهم مذكور في القصيدة المتقدم ذكرها. أعني باهية المحيا في مدح شيوخ اليمن الأصفياء، والباقون من بلاد شتى.
وقد تقدم ذكر جماعة منهم في هذا التاريخ، وها أنا أشير إلى مجموعهم في القصيدة المذكورة على حسب ترتيبهم فيها من غير ذكر فضائلهم وكراماتهم وأحوالهم، وما لهم من المناقب العديدة، والمحاسن الحميدة، وقد تقدم غزل القصيدة المذكورة في تاريخ شيخي
стр. 1316
المذكورين في سنة ثمان وأربعين، وسبع مائة، ثم عقبت ذلك بقولي:
خليلي ما ريم عدت، وحمامة ... شدت ما به موهت ليس بمقصد
ولكن أكنى عن مليحي حماهما ... وعصرهما بدري دياج لمهتد
جمال الهدى البصال شيخي وسيدي ... إمام الأنام الزاهد المتعبد
مليح الحلي زاهي المحاسن والعلى ... وسابي الورى نغماً كدر منضد
ونور الهدى بحر المعارف والندى ... خزانة أسرار، وسيف مهند
دليل طريق السالكين إلى البلا ... على حضرة يحظى بها كل مسعد
علي بن عبد الله ذي السعد والعطا ... إمامي وأستاذي وشيخي وسيدي
مسقى بكأس الحب في قدس حضرة ... مداما بها من سكرها كم معربد
وكم نصبت أحبولة لاصطيادهم ... فصاد لصياد حوى الفضل أحمد
له جليت بيض المعارف والعلى ... بعالي مقام في الثريا شيد
وجيء بخلعات الولاية واللوى ... ومركوب خيل في رواية مسند
فأضحى الفتى مستوفياً عند كشفه ... غيوب ذوي الإنكار وقت التجرد
فامسوا بعلم الولاية والعلا ... له قد أقر، وليس ذاك بمجحد
وصاحبه ألفان أو هم ثلاثة ... وآياته عدت لحصر معدد
وللحكمي قد حكمت في تصرف ... يولي ويعزل كل طاغ ومفسد
ووله ملكاً نافذاً فيه حكمه ... صريحاً على الإطلاق لا بمقيد
كذاك روينا من كبار وسادة ... وكم مكرمات كم كرامات مسعد
فأمسى له ينقاد من كان منكراً ... أديباً بقلب خاضع متعبد
وللبجلي إذ حكمت حكميهم ... سقاه هنا كأس عليه مردد
فأمسى إماماً للفريقين دالاً ... لكل الطريقين اقتداء بمرشد
له أنقذ الرحمن إذ كان منكراً ... على شيخه من قبل حتى به هدي
وبحر المعارف شيخه كان أمياً ... فسبحان منان لفضل معود
وأكرم ببدر رجاء من بدر داجر ... من البجلي من نسله متولد
له وارث سراً فأكرم بوارث ... وارث وموروث، وفرع ومحتد
علي بن إبراهيم زين زمانه ... مصاحب شيخ رب سعد مجدد
له الأصفهاني الكبير ملقب ... بنور اليمن أكرم به من ممجد
ومن نوره إبراهيم بدر كلاهما ... مع الجد فالمولود نور المولد
فيا حسن أيام رأيتهما بها ... إليها يحن المغرم الشجي الصدي
ويا شجنابي كامناً من شجينة ... ثوى بحوى بين الجوانح موقد
стр. 1317
ويا بركات قد حوتها عواجة ... آوى تربها كم سيد بعد سيد
فآهاً على رؤيا كرام ترحلوا ... وآهاً على سامي فخر مجدد
ومستتر فيها الهنار معلل ... براح معلى فوق رب مسود
عظيم كرامات كريم مناقب ... همام لدى نعي إمام لمبتدي
ولما أغاثت من قطيعة هجرها ... أبا الغيث أمسى غرث دهر لمجهد
وشمساً على مر الزمان منيرة ... بها يهتدي نهج الهدى كل مهتد
له بركات باقيات ومذهب ... زها مذهب في نهج قفر بمسجد
باهدلهم عالي المعالي معلل ... فأمسى كعقد جيد حسناً مقلد
وفي كأس ينبوع الفلاح ابن أفلح ... جميل المساعي منهل عندما هدي
فتى أسد للأسد حامل حزمة ... على ظهر ليث، وهو يحطب مبتدي
له نظمت بل قدمته أكابر ... كبحر خضم ذاخر عذب مورد
وكم حيرت حيرى علوم معارف ... وشرع هما بدراً دياج لمفتدي
أيا راسماً مدد المعالم والعلى ... وصار أهدى للحائر المتردد
وليان كل كم له من كرامة ... عليان كل في مقام مشيد
جليلان كل صادق في وداوده ... خليلان كل في رد المجب مرتدي
ردا مجداً كرام الولاية مثلما ... بنور الهدى وأنه كل مسعد
هما الحضرمي نجل الولي محمد ... إمام الهدى نجل الإمام الممجد
له كم خطت كم دللت ثم عللت ... عنايات فضل لبس تدرك ليد
مدل ومحبوب وفي كلفة العنا ... عظيم كرامات، وجاه وسؤدد
ومن جاهه أومى إلى الشمس أن قفى ... فلم تمش حتى أنزلوه بمقصد
ونجل عجيل كم مواهب عجلت ... له وسعادات ومجد مجدد
تحلي حلي بزهو الوجود بحسنها ... ويرفل في ثوب الجمال المنجد
كان حلاه حلة الحسن مثلما ... بهاها على كم الزمان بمسجد
مشى سيرة محمودة لا يسيرها ... سوى كل صديق يحفظ مؤيد
عظيم كرامات عزيز وجودها ... لها شهرة نالت لذكر معدد
هو القمر الثاني البهي ليت نظرة ... إلى بدر حسن في الدجى متهجد
وكم طبت لابن الخطيب وكم أتى ... به كشف طب في البلاد مشدد
مسقى حميا حضرة حضرمية ... وكم قد سقاها من ولي مسدد
إمام لأهل العلم بدر لسالك ... غريم غرام ناسك زين معبد
عزيز نظير زاهد متورع ... له سيرة حسناً وحلية مرشد
стр. 1318
على مقامات سني معارف ... شهير كرامات، كثير تعبد
مراد ومحمول بلطف عناية ... له مشرب صافي الهنا مورد
وللزيليين الشهيرين شهرة ... بفضل علي، والفتى عذب الليث أحمد
فذاك إلى سعدن الجرد والندى ... وذو مكرمات فوق عد معدد
وهذا مسقي الراح بدر طريقة ... شهر كرامات، ومجد وسؤدد
كذاك النهاريات كم نورت، وهل ... فتى غير بالنور النهاري مهتد
وكم غانم منها عذ نجل يغنم ... هدى سالك ضرغام غلب لمعتد
وكم قد زكى منها ابن زاكي فأثمرت ... قرائه نفعاً لمن فيه معتدي
وكم فاز بي حسن وإحسانها فتى ... يكنى أبا حسان للخير قد هدي
وكم سلمت من مرهف لابن سالم ... ومن ضر به كم من عدو مقدد
وقد قلدت لابن الكميت كميها ... بحربته حرب بها كم مدد
وكم أصرت منصورهم بجيوشها ... وبيض وبيض والحصان الممرد
وكم فاز إقبال بإقبالها وكم ... شفت بابن أحوص عين أحوص أرمد
وكم أذنت لابن المؤذن بالصبا ... غريم الغرام المسجن المتوجد
وكم فرجت كرباً بيمن مفرج ... كما بالدماميني المسمى المسود
ومهد هدى في ربع مهدي هدية ... ليوسف حتى صار نور المهتدي
ولابن كبريت تحلت وكبرت ... وكبر نعت مع كل وصف له ردي
وكم صفحت بابن الصفح وأصلحت ... به من فساد في البلاد ومفسد
وكم ما بجت ذبا وما حججت هدى ... عن ابن الحجاج لوش وحسد
وكم قد هدى بدر الدجى ماطر الندى ... بذي مطر بن نجل عيسى الممجد
وكم فاز مروزق برزق أتى له ... من الغيب من هادي العطيات مرغد
وكم حفر الحفار حتى أساسها ... بدا، فسقى من فوق أصل ممهد
وكم غربت لابن الغريب غرائب ... وأغرى الغرام الهائم الظامي الصدى
وكم لابن علوان على الدهر من علا ... فتى برد أمجد المعارف مرتدي
ولي على الأيام بعلو بمنصب ... إلى فرع علياء المفاخر مصعد
وأعداؤه تهوي مناصبهم إلى ... ثرى أرضهم من متهميها ومنجد
فما زال في جيش من النصر مسعد ... له تحت رايات العناية منجد
إلى أن لهم أمسى ملاذاً وملجأ ... وحصناً لدى طن وهجو منشد
وكم أسعدت في ذي عقيب بوصلها ... لجل سعيد حبذا وصل مسعد
стр. 1319
إمام لعلم ظاهر، ثم باطن ... ولي كبير فضله غير مجحد
فتى عارف ما ليس بدريه غير من ... سقى بكؤوس الحب من كل سيد
أتى بجواب مشرح الصدر عندما ... أبى بكر قدم بأنس متحمد
سماعاً الأصحاب التصوف والصفا ... رجال الوفا أهل الجوى والتوجد
سقوا مشرباً ما ذاقه الغير منهل ... لهم في على نهج العلى عذب مورد
وعنهم شروط في السماء ذكرتها ... بنشر المحاسن من حلي كل جيد
وكم سر من أسرار عرفاً بها أبو ... سرور كيف بالمسن محدد
مسن له حداحد من الذي ... يحد به أحد بذلك وأحدد
وكم جوهر غال حملت جواهراً ... شهادة طير للولاية مشهد
فسر أبي حمران أكرم بعارف ... لمن أسمه كالجوهر المتوقد
فاعجب بأمي عتيق وسوقي ... به دون عز مسعد بن مسعد
ولا عجب في حكم حكمة حاكم ... حكيم مقرب من يشاء ومبعد
بحق سما فوق السماك ابن باطل ... بأصحاب منهاج المبشر مقتد
كذاك علي بن قيدا رأوا تقي ... لمرتبة تعلو على فوق فرقد
وبالسعد سعد فائز عن عناية ... وذلك حداد به كم عمي هدي
وفي فاضل كم من فضائل أودعت ... ومراثي من مرشد بعد مرشد
وريحانهم ريحانها سمحت وكم ... تنفس مع التجويف، والظاهر الردي
وفي عودها الجاوي الذكي الرطب جمرت ... بجاويهم مسعود فضل معود
وفي عمركم عمر قلب منور ... وتعمير وقت بالتقى والتعبد
وحسن اجتماع كان في مسجد العطا ... لأخوان صدق كم بذلك مسعد
بعصريه يمن السعادات مقبل ... وعيش صفا من غير نغص منكد
وكم بأبي الخطاب خطب، وفي وكم ... ظهور اعوجاج بالعواجي مسدد
وكم بالذهبي أذهبت من مصائب ... وعلياؤه قدمت بالذكر مبتدي
وسفيان لما أن سقته سلافها ... له قلدت حيفاً سطا رق معتد
حسام لذي ظلم ربيع لمجدب ... شفاء لضر بدر داج لمهتد
وللعائدي كم عودت من وصالها ... وأسرارها أكرم بذا من معود
وفي البركاني الليث نسل مبارك ... بدت بركات تلك لا بمولد
تربي بلا شيخ مرب كبقلة ... لدى رملة تسقى بماء التفرد
بهذا مجيب حين ناقشه فتى ... مربي بشيخ بعد طول تعبد
стр. 1320
وموسى اجتلى لما سما للعلى سما ... لبيض المعالي والمعارف خرد
وأمسى ببخل المرعب من كان منكراً ... من الضد وإلا عدا محباً ومفند
وممن كذا كان الولي محمد ... دليل الطريق العارف السيد الهدى
ثوى مرشداً في ذي السفال لسالك ... طريق الهدى أكرم هناك بمرشد
وغنت لنجل جعد جعد ذوائب ... وبيض مفان كم بها من مسود
وفدته في الهيجا لدى أخذناه ... يرمي به تمريق قرن ممجد
ورقت أبا عيسى الفتى الليث قرنه ... لدى ضربة رجلي فتى منه مقعد
فيا عجباً من رقها وعتاقها ... لضدين حقاً لاتفاق التودد
رمى ذاك ذا في أسهم مرقت وذا ... لرجليه رام بالحسام المهند
ولا قود في ذا ولا أرش واجب ... ولا إثم لاحق بدنيا ولا غد
ومع ذاك كل منهما كان قاصداً ... إلى قرنه لا عن خطا بل تعمد
ولا صائب لو قيل لا بد واحد ... مع العمد في هذاك والعلم معند
فما قط في حكم الولاية قاطع ... سلاح ذوي العدوان بل سيف مهند
على مثل سيف من طريق استقامة ... إلى الله بالله استقام فتى هدي
فهل من جواب أيها الساعة فلا ... أفيدوا وإلا فاسألوا للتفود
كذا سالم سامي العلى سلمت له ... لواء الولاء في الرباط بمسجد
فأمسى به بدر أمضينا كسارى ... على النار ذانو ربه الركب يهتدي
مائة علم مع مقام ولاية ... وبعد عن الدنيا وكثر تعبد
ومن بعده أيضاً بدور منيرة ... هناك أقاموا سيداً بعد سيد
وأدركت منهم سيداً لي مؤاخياً ... كسيف به من هيبة كم مشرد
وأعني أبا الخطاب كرم بماجد ... وإلى حسيب الجانبين مسود
فتى طرفاه معلمان كلاهما ... أصيل كلا الأصلين مولى ممجد
أصلة دين ذي علا وولاية ... لها في ذرى العلياء منزل سؤدد
وكرم بضرغامين بدري دجنة ... وبحري علوم من ركوع وسجد
كرامات كلٍ منهما عظمت علي ... وأعني أبا عباد مولى ومعبد
كبيرا بن مشهورين نسلي أكابر ... رؤوس الملا من كل فحلو مولده
سلام على الغر الكرام أولى العلى ... غياث البرايا مرشدي كل مقتد
стр. 1321
قلت: فهؤلاء الثلاثة والستون المذكورون في القصيدة المذكورة لهم كرامات، يطول ذكرها، بل يتعذر حصرها. وها أنا أشير إلى شيء يسير من غرائب ما اشتهر من كرامات بعضهم من غير التزام ترتيبهم المتقدم.
فمنهم في عدن الشيخ الكبير جوهر، وكان عبداً عتيقاً أمياً متسبباً في السوق، يحضر عند الفقراء محبة لهم وحسن اعتقاد فيهم فحضرت وفاة الشيخ، الجليل، العارف بالله، الحفيل في النور، والبرهان المكنى أبا حمران، قالوا له: يا سيدي من يكون الشيخ بعدك؟ قال: الذي يقع على رأسه الطائر الأخضر في اليوم الثالث من موتي هو الشيخ، فلما كان اليوم الثالث اجتمع الخلق من الفقهاء والفقراء، والعوام في مسجده، وقعدوا ينتظرون ما يكون من الوعد الكريم. الواقع بتقدير العزيز العليم. وفيهم المصدق بذلك والمكذب، والمتشكك، وإذا بالطائر الموصوف قد طار ووقع في طاقة المسجد فعند ذلك تشرف للمشيخة كبار أصحاب الشيخ والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، فطار ذلك الطائر، ووقع على رأس جوهر المذكور، فقام إليه الفقراء ليزفوه، ويضعوه في منصب المشيخة، فبكى وقال أين أنا من هذا وأنا لا أصلح به بل جاهل لا أعرف الطريق فقالوا له: ما أقامك الحق في هذا إلا ويعلمك، ويوليك التوكيل فقال: وإن كان لا بد فامهلوني ثلاثة أيام لتبرأ ذمتي برد الحقوق التي علي للناس، والتخلص منهم، فأمهلوه، ثم بعد الثلاث جلس في مرتبة المشيخة، فكان كاسمه جوهراً معهما موقراً، فقدم بعض المشائخ إلى بعض البلاد التي بقرب عدن، فزاره المشائخ، ولم يزره الشيخ جوهر المذكور، فكتب إليه ذلك الشيخ كتاباً يشتمه فيه ويحتقره، فلما صلى الشيخ جوهر الصبح قال لأصحابه قبل أن يأتيه الكتاب: لا يخرج منكم أحد من المسجد، فقعدوا ينتظرون ما يحدث، لماذا بالرسول قد دخل ومعه الكتاب، فدفعه إلى الشيخ جوهر، فناوله الشيخ بعض الفقراء، وقال له: اقرأه علينا فلما فتحه وجد فيه ما يستحيي أن يذكره، فسكت، فقال له الشيخ: لم لا تقرأ فكره أن يقرأه، فقال له الشيخ: اقرأ هو فيك أو في، فقرأ، وكلما ذكر طعنا قال الشيخ: صدق إنما كما يقول، وهو يبكي، فلما فرغ من القراءة قال الشيخ: كتب جوابه، فقال: يا سيدي ما كتب. قال: كتب:
إذا سعدوا أحبابنا وشقينا ... صبرنا على حكم القضا ورضينا
ثم ناوله الرسول، فرجع به إلى الشيخ فلما وقف على هذا الجواب المذكور استغفر الله تعالى، وتاب وتهيأ للاجتماع معه والأمور، ورحل من بلاده إلى الشيخ جوهر، فلما اجتمع به كشف رأسه، واستغفروا لي ذلك أشرت بهذا البيت:
وقد طار أخضر طائر كان شاهداً ... بتقديم نصب عن إشارة كامل
стр. 1322
ومنهم شيخه الشيخ الكبير أبو حمران المذكور، ومنهم شيخنا وبركتنا، الشيخ الكبير مسعود الجاوي، وهو أول من ألبسني الخرقة بإشارة وقعت له، وكان ممن لقي شيخ زمانه الفقيه الإمام إسماعيل بن محمد الحضرمي، وحضرنا معه عند قبر بعض الصالحين، ففهمت منه أنه كلمه من قبره.
ومنهم في الحج بفتح اللام، وسكون الحاء المهملة والجيم، الشيخ الكبير الولي الشهير سفيان الحصري بفتح الحاء والصاد المهملتين، وإليه أشرت بقولي: وسفيانهم سيف القضاضنغم الوغا مشيراً إلى وقائع وقعت له في ضمنها كرامات له، وكثرت وشاعت واشتهرت.
منها قتله لليهودي الذي ولاه السلطان، ويمشي في خدمته تحت ركابه المسلمون أينما كان، وعجز الأمير وعسكر عند قتله عن الوصول إلى قاتله سفيان المذكور بسوء، وعن دخولهم إلى المسجد عليه فضلاً عن ايصالهم سوءاً إليه، وقد أوضحت هذه القضية، وكفيتها في كتاب روض الرياحين وغيره، وحنفتها هنا لطولها، وكان بالعلم مشتغلاً فقيل له في حال حال ورد عليه: إذا أردتنا فاترك القولين والوجهين.
وذكره الشيخ صفي الدين في رسالته، وأثنى عليه، وكان قد قتل بعضهم بالحال الشديد، وبعضهم بالضرب بالحديد، واليه أشرت بقولي في بعض القصائد:
وكم قد سقت سر سلافها ... فهام وخلي للأقارب والخل
وكم سطوة أولى الولاة من البلا ... يحد بحال أو حديد وكم قتل
ولم تغنهم أجنادهم عند قتله ... ومن ذلك ذبح لليهودي الذي ولي
ويمشي أولو الإسلام تحت ركابه ... له مجلس مع ذاك من فوقه علي
فحا بعد فبح للتقرب مسجداً ... فصلي وبالنيران قربانه مصلي
فأرسل إذ ذاك الأمير جماعة ... ليأتوا به سحباً على الرأس لا للرجل
فلم يدر أن الملك ملك غريمه ... له لا نجي لو جاء بالخل والرجل
فرامت دخول المسجد الرسل نحوه ... فلم يقدروا من بعد حرص على الدخل
فما راكباً في موكب وهو جاهل ... بموكب عز ليس يجمع بالطبل
وحامل رايات العلى من جماعة ... ليوث العلى لا يخلط لجد بالهزل
فرام به كبلاً وقتلاً بزعمه ... فما استطاع دخل الباب فضلاً عن الكبل
فكاتب سلطاناً، فقال، سلامة ... رضينا فقد من قبل ذا سامني عزلي
رجال إذا ما قام لله واحد ... بحرب البرايا فهو عال على الكل
стр. 1323
ومنهم في مسجد الرباط الشيخ العلي المقام، الحبر الإمام، ذو الفضائل والمكارم، المعروف بالفقيه سالم من أصحاب الشيخ فقيه أهل عواجة، إليه أشرت بقولي:
وتاج المعالي سالم في رباطهم ... جزيل العطا مع ساعة وأفاضل
أعني جماعة من السادة معه في المسجد المذكور على ساحل على البحر.
وله ولد من السادات الكبار العارفين بالله، مطالع الأنوار، لما ولد رأى بعض أصحاب والده في الليل عمود نور متصلاً من بيته إلى السماء، فمنا من البيت لينظر ما سبب ذلك، ولم يكن لعلم بولادته، فسمع قائلاً يقول: يهنيكم الولد المبارك أما السر فسر أبيه، وأما السيرة فسيرة جده.
ومما وقع لوالد المذكور محمد بن سالم بن غرائب الآيات، وعجائب الكرامات في ضمن الفعل الذي هو في الظاهر مستقبح، وفي الباطن مستملح، وذلك ما شاع في بلادهم عند الفقراء المباركين.
وأخبرني به غير واحد من الصالحين أنه جاء إنسان من العرب إلى الشيخ الفقيه محمد بن سالم المذكور، وذكر له أنه كان له زوجة جميلة يحبها، فوقع بينه وبينها مخاصمة ومغاضبة وطلقها، وبانت منه بدون الثلاث، ثم ندم ندماً شديداً، وطلب أن ترجع إليه بنكاح جديد فامتنع أهلها، وكانوا من عرب تلك البلاد، فدخل عليهم، وألح في ذلك، فلم يقبلوا، ثم كلمه أن يرسل إليهم ويستحضرهم عنده، ويتكلم معهم، ويشفع له في أن يزوجوها منه فقال: يكون خيراً إن شاء الله تعالى، فطمع في قضاء حاجته لعلمه أنهم لا يخالفون الشيخ المذكور، فلما كان بعد يومين أو ثلاثة أبصر مملوكه زوجته تمشي بين بيوت المكان الذي الشيخ نازل فيه، ففرح بذلك فرحاً شديداً ظناً منه أنها جاءت مع سيدتها وأوليائها باستحضار الشيخ لهم بسببه، فسألها ما جاء بك إلى هنا. فذكرت له أنها جاءت مع سيدتها، وأن الشيخ المذكور تزوجها، فلما سمع منها ذلك طار عقله، وازداد كرباً على كرب، ثم قصد الشيخ الكبير الولي الشهير أحمد بن الجعد قدس الله روحه - إلى القرية التي هو فيها فشكا إليه ذلك، فاستعظم الشيخ أحمد ما وقع من الشيخ محمد واستقبحه، واشتد إنكاره عليه فيه، فجمع جمعاً كثيراً من الفقراء، وقصده مطالباً له بالإنصاف، وهو تلميذ والده سالم المذكور، فلما وصل إلى موضعه أقام أياماً في المسجد هو ومن معه من الفقراء، والشيخ محمد يصلي بالناس فيه، ويخرج لا يكلم بعضهم بعضاً، ثم فاتحه الشيخ محمد بالكلام، وقال له: ارفع رأسك، وانظر في اللوح المحفوظ تبصر فيه أولادي فلاناً وفلاناً وفلانة وعددهم وأسماهم من المرأة المذكورة فرفع الشيخ أحمد رأسه، فرأى ذلك،
стр. 1324
فقام واستغفر الله ، وقام منصفاً بعدما جاء مطالباً مستنصفاً رضي الله تعالى الجميع، ونفعنا بهم.
ومنهم الشيخ الكبير المشهور أحمد بن الجعد المذكور في تلك الناحية سكن الطرية بالطاء المهملة، والراء والمثناة من تحت مشددة، قرية معروفة هنالك وهو القائل في قصيدة:
كافل للأنام بالشد مني ... من رآني، ومن رأى من آني
وقال في أخرى:
قد كان ذلك في الزجاجة باقياً ... وأنا الوحيد شربت ذاك الباقي
ومنهم في حضرموت الشيوخ الكبار المذكورون أولو الأنوار والأسرار المكنون عباد، وأبا معبد، وأبا عيسى.
من عجائب الآيات، وغرائب الكرامات، ما وقع بين الشيخين العارفين، السيفين القاطعين أعني أبا عيسى، واسمه سعيد وأحمد بن أبي الجعد المذكورين، وذلك أنه الشيخ أحمد المذكور في جمع من أصحابه على الشيح سعيد في وقت جاؤوا إلى زيارة بعض القبور الشريفة في حضرموت، فوافقه الشيخ سعيد وأصحابه على الزيارة ومشوا، فلما بلغوا بعض الطريق بد للشيخ سعيد أن يرجع في هذا الوقت، ويزور في وقت آخر، فرجع وأصحابه إلى موضعهم، واستمر الشيخ أحمد على عزمه حتى انتهى إلى مقصده، فزار ورجع، والشيخ سعيد مكث أياماً، ثم خرج هو وأصحابه إلى الزيارة المذكورة، فالتقى الشيخان وأصحابهما في الطريق، فقال الشيخ أحمد للشيخ سعيد: توجه عليك حق الفقراء في رجوعك، فقال: لا ما توجه علي حق، فقال له الشيخ أحمد بلى قد توجه عليك الحق، فقم وانصف، فقام الشيخ سعيد، وقال: من أقامنا أقعدناه، فقال الشيخ أحمد: ومن أقعدنا ابتليناه، وأصاب كل واحد منهما ما قاله صاحبه، فصار الشيخ أحمد مقعداً إلى أن لقي تعالى، وصار الشيخ سعيد مبتلى في جسمه ببلاء قطع جسمه حتى لقي الله تعالى رضي تعالى عنهما.
وهذه لعمري أحوال تكمل في جنب بعضها السيوف القماطية، وإنما يقطع الحالان معاً إذا كان صاحباهما متكافيين أو قريباً من التكافي فإن لم يكونا كذلك قطع القوي منهما الضعيف، وقد يقطع السابق دون المسبوق فيما يظهر، والله أعلم.
وإلى ما جرى لهما في هذه القضية مع ما لكل واحد منهما من الفضائل العديدة أشرت
стр. 1325
بقولي في قصيدة:
وعنت لنحل الجعد جعد ذوائب ... وبيض معال كم بها من مسود
وفدته في الهيجا لدي أخذ ثأره ... ويرمي به تمزيق قرن ممجد
ورقت أبا عيسى الفتى الليث قربه ... لدى ضربه رجلي فتى منه مقعد
فيا عجباً من رقها وعتاقها ... لضدين حقاً لاتفاق التودد
رمى ذاك هذا في أسهم مزقت وذا ... لرجليه رام بالحسام المهند
ولا قود في ذا ولا أرش واجب ... ولا إثم لاحق بدنيا ولا غد
ومع ذاك كل منهما كان قاصداً ... إلى قرنه لا عن خطابل تعمد
ولا صائب لو قيل لا بد واحد ... مع العمد في هذاك والعلم معتد
فما قط في حكم الولاية قاطع ... سلاح ذوي العدوان بل سيف مهند
على مثل سيف من طريق استقامة ... إلى الله بالله استقام فتى هدي
فهل من جواب أيها السادة الملا ... أفيدوا هالا فاسألوا للنفود
والجواب في ذلك، والله أعلم أنه يحتمل وجهين.
أحدهما أن يكون المولى ﵎ أذن لكل واحد منهما أن يؤدب الآخر بإشارة مفهومة عند ذوي الأحوال والمقامات العوالي ابتلاء منه بعد كما لو أمر بعض المخلوقين كل واحد من عبدين له أن يؤدب الآخر، كما جرى لبني إسرائيل في قتل بعضهم بعضاً حين أمروا بذلك.
والثاني أن يكون كل واحد منهما مفوضاً في الحكم، مصرفاً في المملكة كما ذلك واقع لكثير منهم مشهور عنهم يولي كل منهما، ويعزل ويقطع ويصل غادي اجتهاد كل واحد منهما أن صاحبه مخطئ يستحق التأديب، وأنه فيما فعله فيه مصيب هذا ما ظهر لي من الجواب، والله أعلم بالصواب، وإلى ذلك أشرت في بعض القصائد بقولي:
رماه وضراب ببيض حد يدها ... من الصدق والإخلاص في القول والفعل
كمثل الفتى ابن الجعد بالثأر أخذ ... يرمي فتى منهم له ضارب الرجل
فذا مقعد بالسيف في طول دهره ... وذاك جميع الدهر يشكو من النبل
وإليهما أيضاً أشرت في قصيدتي الأخرى، وهي باهية المحيا المتقدم ذكرها.
وكرم بضرغامين قدما تضارباً ... بسيفين كل منهما غيرنا كل
حميد الثنا ابن الجعد أعني وماجداً ... يكنى أبا عيسى وليس بخامل
стр. 1326
ومن غرائب كرامات ابن الجعد المذكور أيضاً، وكرامات شيخه الشيخ سالم المتقدم ذكره أنه استأذنه في زيارة الكثيب الأبيض، وهو كثيب يزوره أهل تلك البلاد وما حولها من البلدان في كل سنة في وقت معلوم في رجب، وكان استئذان ابن الجعد لشيخه في زيارته في غير الوقت المذكور، فلم يأذن له، وقال: أخشى أن تسيء الأدب هنالك، ويقال في ذلك المكان قبور بعض الصالحين، فخالف أبي الجعد شيخه، ومشى إلى الكثيب المذكور، فبات عليه، ورأى بعض الصالحين فيه يصلي، فلم يكلمه حتى صلى الصبح، فصلى معه مقتدياً به، فلما سلما مكث كل واحد منهما في مكانه، ثم رنق ذلك الشيخ، فانتظره ابن الجعد للسلام عليه، حتى ارتفعت الشمس، فلم يرفع رأسه، وهو لا يرى إلا دلقه، فمد يده، وحرك الدلق، فلم يجد فيه أحداً فلبسه ونزل به إلى أسفل الكثيب راجعاً إلى مكان شيخه، فوجد ديناراً، ثم صار في أول كل يوم يجد ديناراً ينفق ذلك على الفقراء أين ما كان، فبقي على ذلك سنة، ثم قال له شيخه: سافر للحج ورد الوديعة إلى صاحبها يعني بها ذلك الدلق، وقال له: ما قلت لك أني أخاف عليك أن تسيء الأدب في زيارة الكثيب، فخرج إلى الحج، فلما كان يوم الوقوف بعرفة ظهر له صاحب الدلق، وقال: هات الأمانة مع بقاء أجر ما تجده كل يوم عليك إلى أن ترجع إلى بلادك، فلم يزل يجد كل يوم ديناراً ينفقه على الفقراء إلى أن رجع إلى بلاده.
ومن كرامات الحضرميين الآخرين أعني أبا عباد، وأبا معبد أن الأول منهما أعني أبا عباد رأى بعضهم نهراً يجري من عند رسول الله ﵌ إلى زاويته في بلاد حضرموت، وفسر ذلك بأنه مدد منه ﵌، وهو ظاهر من حاله، فإنه ما زال من زمانه إلى الآن زاويته عامرة بتلاوة القرآن والإذكار والرزق عليهم من فضل الله تعالى مدراراً.
ومن كرامات الثاني أعني أبا معبد أنه كان ينزل في البرية، فيتفجر أنهاراً، فينتقل إليها الناس، ويغرسون فيها، ويزرعون، فإذا بهجت بالبساتين، واختلط أبناء الدنيا بالمساكين، وسارت بالخضرة والزينة زاهرة. انتقل إلى برية مجدبة دامرة، فإذا سكنها صار هو وأصحابه يسبحون الله تعالى ويذكرون، فانفجرت فيها بقدرة الله تعالى العيون، ثم كذلك إذا صارت كما تقدم يهرب منها إلى محل المحل والعدم، وكانت الدنيا تطلبه، وهو يهرب منها، ثم استقر بعد حيث شاء الله تعالى، ولم يمل عنها.
стр. 1327
ومنهم في الحصى بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، الشيخ الكبير الولي الشهير المعروف بالرعب بكسر الراء، وسكون العين المهملة، وبموحدة وهو الذي قطع بعض الرافضة لسانه لمدحه أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، فرأى النبي ﵌ في المنام رد لسانه إلى موضعه، فانتبه وقد عاد لسانه إليه صحيحاً في قصة يطول ذكرها، وقعت للشيخ عمر المذكور وذلك في اليمن والحجاز مستفيض مشهور.
ومما روى لولده موسى أنه بنى مسجداً، فلما أخذ الصناع في تسقيفه قصر بعض الخشب عن بلوغ الجدار، فلما رأى ذلك قال لهم: اقعدوا تغدوا، فلما فرغوا من الغداء رجعوا إلى التسقيف، فوجدوا تلك الخشبة قد طالت، ووصلت إلى موضعها من الجدار. ومنهم في خنفر بالخاء المعجمة والنون والفاء والراء، الشيخ المشهور الولي المشكور محمد بن مبارك البركاني.
ومما بلغني من كراماته أنه سافر جماعة من أصحابه مع قافلة، فنهبت تلك القافلة، فنهب أصحابه، معهم، فرجعوا إليه، فقال: ما خبركم؟ فقالوا: نهبنا قال: فما عرفوكم. قالوا: بلى، ولكن أنتم يا فقراء نتبارك بكم، فقال: أنا ابن مبارك كم من يظن أنه أخذنا، ونحن أخذناه، ثم رنت ساعة، وإذا بالحرامية قد جاؤوا، وردوا متاع الفقراء.
ومنهم في موزع بفتح الميم والزاي، وسكون الواو في آخره عين مهملة، الفقيه الكبير الولي الشهير، وافر العطاء والنصيب عبد الله بن أبي بكر الخطيب المشار إليه في بعض قصائدي بقولي أحسن الله أحوالي مشيراً إلى العناية:
وكم خطبت لابن الخطيب وخاطبت ... وكم كشفت خطباً وأولته من فضل؟
وولته ملكاً نافذاً فيه حكمه ... وبالحلة الحسنا الرضية قد حلي
شيخ شخينا الشيخ مسعود الجاوي، وغيره من الشيوخ.
ومن غرائب كرامات الشيخ عبد الله ابن الخطيب المذكور أنه كان في شبابه مجاوراً في المدينة الشريفة، وكان إذا حصلت له فاقة يذهب إلى السوق، ويقترض من إنسان يبيع الهريسة ما يسد به، فاقته، فإذا اجتمع له عليه دين يقول له ذلك المهرس: قد جاءني رسولك بالدراهم التي عليك، ولم يزل هكذا يقترض، ويقضي الله تعالى عنه على يد شخص من رجال الغيب ذكر الشيخ المذكور أن ذلك الشخص هو الخضر ﵇، وعلى سائر
стр. 1328
المصطفين الكرام.
ومنهم في جبال اليمن الشيخ الكبير الشأن أحمد بن علوان القائل:
جزت الصفوف إلى الحروف إلى الهجا ... حتى انتهيت مراتب الإبداع
لا باسم ليلى أستعين على السرى ... كلا ولا لبني ترد شراعي
ومن كراماته أن ذرية الفقهاء الذين كانوا ينكرون عليه صاروا يلوذون عند النوائب بقبره، ويستجيرون من خوف السلطان به، وإلى ذلك، وبعض مناقبه الحميدة أشرت في القصيدة:
وكم لابن علوان على الدهر من علا ... فتى برداً مجد المعارف مرتدي
ولي على الأيام يعلو بمنصب ... إلى فوق علياء المفاخر مصعد
وأعداؤه تهوى مناصبهم إلى ... ترى أرضهم من متهميها ومنجد
فما زال في جيش من النصر مسعد ... له تحت رايات العناية منجد
إلى أن لهم أمسى ملاذ أو ملجأ ... وحصناً لذي طعن وللهجو منشد
ومنهم في زبيد الشيح الكبير العارف، ذو الكرامات والمعارف، المشهور بالولاية، والكرامات الخارجات عن حصر التعداد أبو العباس أحمد بن أبي الخير المعروف بالصياد وإليه الإشارة بقولي: وصيادهم سامي العلا والفضائل، وأشرت إليه أيضاً في غزل القصيدة المذكورة. بقولي مشيراً إلى محاسنه وتقدم زمانه:
كحسناء زهت قدماً بعالي جمالها ... سبت كم فتى صادت بنصب حبائل
وكان أمياً، فحصل له من فضل الله تعالى ما اعترف به العلماء، وتأدب له به الأولياء، وهو من قدماء شيوخ اليمن. أدرك زمن ولاية الحبشة بها.
ومن عجائب كراماته أنه كان في وقت في مسجد الفازة على ساحل زبيد، وعنده شخص من تلامذته، فدخل عليه بعض الناس، وقال له: هذا تلميذك يا صياد، فسكت، فقال لصاحبه: هذا شيخك. قال: نعم، فقال: إن كان لك تلميذاً يا صياد، فمره فليمش على الماء، وليأتنا بحجر من الجبل الفلاني، وهو في موضع تصل إليه السفن في نصف يوم، فغضب الصياد، وقال لتلميذه: اذهب، فامش على البحر مسرعاً وآتنا بحجر من الجبل المذكور، فذهب المريد إلى البحر، ومشى عليه مسرعاً كأنه يجري على الأرض، فلحقه المنكر جارياً على الساحل، وسأله أن يرجع، فلم يرجع، فاستغفر الله تعالى إلى الشيخ، وسأله وتضرع إليه طالباً العفو، ورجوع التلميذ فناداه الشيخ أن أرجع فرجع.
стр. 1329
ومنهم في التريبة بضم المثناة من فوق، وفتح الراء والموحدة بينهما مثناة من تحت ساكنة، الشيخ الكبير الولي الشهير، ذو المقامات الفاضلة، والكرامات الهائلة، الشيخ عيسى المعروف بالهتار بكسر الهاء وقبل الألف مثناة من فوق وبعدها راء.
ومن كراماته العظيمة انقلاب الخمر سمناً في قصة طويلة مختصرها أنه تابت على يده بعض المعروفات بالفساد، فزوجها من بعض الفقراء، وقال: اعملوا الوليمة عصيدة، ولا تشتروا لها أدماً، ففعلوا ذلك، وأحضروها، فذهب إنسان إلى أمير كان رفيقاً لتلك المرأة، فأعلمه بتوبتها وزواجها وحديث الوليمة، فما هان عليه، وما قدر يفعل شيئاً غير أنه أراد مكراً ليفضح به الفقراء، ويستهزأ بهم، وهو أنه أعطاه قارورتين مملوءتين خمراً، وقال: اذهب به إلى الشيخ، وقل له: يسرني ما بلغني عنكم، وسمعت أن الوليمة ما لها آدام، فخذوا هذا تأدموا به، فلما جاء رسوله بهما وجد الشيخ عيسى قاعداً منتظراً ما يأتي، فقال له: أبطأت يا بارد، ثم تناول أحدهما فصب ما فيها على العصيدة، ثم كذلك الأخرى، ثم قال: للرسول: اجلس وكل، فجلس وأكل، فذاق سمناً لم يذق مثله، فتحير عقله. ثم رجع إلى الأمير، فأخبره بذلك، فجاء وكل معهم، ورأى من انقلاب الخمر ما أدهش عقله، فتاب أيضاً.
ومنهم في ذوال بفتح الذال المعجمة، السيد الجليل العلي المقام، الفقيه العلامة زين الزمن، وبركة اليمن، ذو المناقب والمجد الأثيل أحمد بن موسى المعروف بابن عجيل، وإليه أشرت بقولي: وزينهم ابن العجيل شهيرهم، وأشرت إليه أيضاً في الغزل بقولي:
وكم في ذوال من ملاح ذوائب ... إذا بت قلوباً للنفوس الذوابل
كذات البها الحسنا عجيلة زهت ... بها سارت الركبان من كل راحل
ومن عظيم كراماته، وحميد سيرته ما تقدم في ترجمته: ومنهم في عواجة السيدان الكبيران، الوليان الشهيران، مطلعا الأنوار، وخزانتا الأسرار، ذو الفضائل العظمات، والكرامات الكريمات، الشيخ محمد بن أبي بكر الحكمي، والشيخ الفقيه محمد بن الحسين البجلي.
ومن غرائب الكرامات المذكورات عنهما أنه أتى بدوي إلى البجلي منهما، فقال له:
стр. 1330
إنه سرق لي ثور، فخاطرك سعى في رجوعه إلي فقال له: أتريد أن يرجع ثورك قال: نعم قال: اذهب إلى المكان الفلاني نجد فيه شيخاً فألزمه، فعنده ثورك، فذهب إلى المكان الذي ذكر، فوجد فيه الشيخ الحكمي، فقال له: يا شيخ رد علي ثوري، فقال: من قال لك هذا محمد بن حسين؟ قال: رد علي ثوري، وخل عنك هفا الكلام، قال: وما صفة ثورك؟ قال: تسرق ثوري وما تعرف صفته: فضحك الشيخ، وقال له: اذهب إلى الشعب الفلاني في الجبل الفلاني تجد ثورك مربوطاً في شجرة، فحله وخذه، فذهب إلى الشعب المذكور، فوجد الثور مربوطاً كما ذكر فحله، وذهب به مسروراً، وجاء السارق، فلم يجده، فرجع محزوناً ومحسوراً، ورجع كل من الشيخين الدالين له مأجوراً ومبروراً.
ومنهم في شجينة بضم الشين المعجمة وفتح الجيم وسكون المثناة من تحت، وفتح النون الإمام الوليان الشهيران علي بن إبراهيم، وابنه إبراهيم الساكنان في شجينة، وفي عواجة مقبوران.
ومما حدثت من كرامات علي المذكور أن بعض الناس أودع عند امرأة وديعة سافر، فهلكت المرأة، ولم يعلم أين تركت الوديعة، فجاء صاحبها يطلبها، فلم يجد من يعلمه بمكانها، فذكر ذلك للفقيه علي المذكور، فقال: أرني قبرها، فلما وقف عليه خلابه ساعة، ثم استدعى بابن الهالكة، وقال له: هل في بيتكم شجرة حناء؟ قال: نعم، قال احفروا تحت أصلها، فالوديعة هنالك، فحفروا فوجدوها كما ذكر.
ومن كرامات ابنه ما أخبرني بعض أهل العلم أنه زار مع أبيه مساجد الفتح غربي المدينة الشريفة، فنبحهم كلب، فبصق عليه الابن المذكور، فمات الكلب، والتفت إليه أبوه، ولامه على ذلك.
ومنهم في الضحى بفتح الضاد المعجمة، وكسر الحاء المهملة الإمام الكبير الولي الشهير إسماعيل ابن السيد الجليل، الفقيه المحدث، الولي الوجيه محمد بن إسماعيل الحضرمي، وقد تقدم ذكر شيء من كراماته في ترجمته، وإليه الإشارة بقولي في غزل أخرى:
وخود في الضحى أضحت بحسن ... زها تختال فاقت للغواني
ومنهم في بيت عطا بحر الحقائق الذي سارت بفضله الركبان في المغارب والمشارق، الشيخ الجليل أبو الغيث بن جميل، وقد تقدم ذكر شيء من كريم مناقبه، وعظيم مواهبه وإليه الإشارة بقولي:
بيبت عطار عيطبول خربدة ... بجانبه في سابقات المحامل
стр. 1331
ومنهم في حلي ابن يعقوب شيخنا وبركتنا، الشيخ الكبير، صاحب القلب المنير نور الدين علي المعروف بالطواشي، وقد تقدم ذكر شيء من فضائله وكراماته ومحاسنه وبركاته، واليه الإشارة بقولي:
سقى الله أياماً خلت بعدما حلت ... ومرت فمرت بعد ذاك التواصل
وأيام وصل واجتماع به الهنا ... وعيش صفا لي بالحبيب المواصل
يحيى به حلي ابن يعقوب زاهراً ... لسلمى به باهي خيام منازل
فهؤلاء نيف وعشرون من بين الجمع الغفير أشرت من كراماتهم إلى شيء يسير في هذا التاريخ الذي على الخمسين بعد السبع مائة انتهاؤه، والحمد لله الذي بحمده وبذكره ختم الكلام وابتداؤه، وأفضل صلواته على أشرف المرسلين المختوم به أنبياؤه، وعلى آله السادة الكرام وأصحابه الذين هم نجوم الهدى الباهج بهاؤه، وسقم عليه وعليهم أجمعين، وعلى جميع النبيين والمرسلين، وآل كل والملائكة المقربين، وسائر عباد الله المخلصين.
تناهى تاريخي الذي انتقيت معظمه من تاريخ الذهبي وابن خلكان حاذفاًً التطويل الممل للإنسان وما يكره ذكره للمتدين، وهو الخلاعة والمجون المستقبحان، فجاء متوسطاً بين الاختصار والإطناب، كما أشرت إليه في خطبة الكتاب، ونسأل الله الكريم، بالآيات والذكر الحكيم، وبرسوله عليه أفضل الصلاة والتسليم، أن تجمع بيننا وبين أحبابنا في جنات النعيم، إنه الجواد المنان. ذو الفضل العظيم. آمين آمين آمين يا رب العالمين.
تم الكتاب الموسوم بمرآة الجنان وعبرة اليقظان في حوادث الزمان، وتقلب أحوال الإنسان، وتاريخ موت بعض المشهورين الأعيان، للإمام اليافعي - قدس الله تعالى أسراره - والحمد لله الذي بتيسيره نجاح الأمور وبنوره انشراح الصدور، وبتقديره تقلب الدهور.
وسبحانك اللهم رباً مقدساً ... لك الدهر كل الكائنات تسبح
بحمدك أشهد لا إله سواك قط ... تعاليت بل أنت الإله المسبح
وغفرانك اللهم تب ومجالسي ... فكفر كما جاء الحديث المصحح
عن الصادق المختار صل مسلماً ... على روحه ما غرد المترنح
ولله ربي الحمد قبلاً وآخراً ... به يختم القول الحميد ويفتح
من نظم المصنف، الشيخ العارف بالله، عفيف الدين عبد الله بن أسعد اليافعي نفع الله تعالى به آمين.
стр. 1332
بسم الله الرحمن الرحيم
يا خير داعٍ دعا في خيرة الأمم
يا سيد العرب العرباء قاطبة
إني بجاهك أدعو الله متثقاً
بصاحبيك أبي بكر وصاحبه
بحق صهريك عثمان وحيدرة
أئمة الحق يالله أربعة
بحق سبطيك من قد شاع فضلهما
بطلحة بزبير بابن عوفهم
بابن زيد بعباس بحمزتهم
بجعفر ببنية بل بباقرهم
بالكاظمي بالرضا بالقاطمي فلهم
واستشفع الله بالهادي وعترته
بآدم ثم شيث ثم نوحهم
بحق عيسى بيحيى بل بوراثهم
بفتية الكهف بالكهف الذي نزلوا
بمريم ابنة عمران بآسية
بعائش ثم أزواج النبي ومن
واذكر نفيسة واستشفع برابعة
ببيت لحم ببيت القدس بل بقبا
بمكة بل ببطحاها بغار حرا
بالحجر بالحجر الأسود ثم بمن
بموقف الناس يوم الحج بل بهم
بليلة القدر مع شهر الصيام
وبالضحى مع تزاويح فضلهما
بحق صبح وظهر ثم عصرهما
بحق عرش وأملاك ثمانية
بجبريل وميكال وثالثهم
بحق فرقان الذكر الحكيم وبالسبع
بنافع بأبي عمر وبحمزتهم
стр. 1333
بحق فضل الكسائي بابن عامرهم
بالشافعي بنعمان لمالكهم
بالتابعين فلا تمهل أويس فما
بحق قطب وإبدال هم أملي
بالترمذي بأبي داؤد بالنسائي
بالبيهقي بأصحاب الحديث معاً
بابن دينار بالبصري بفرقدهم
أبي يزيد بمعروف بعتبتهم
وبالسرى ببشر بابن أدهمهم
بحق نساجهم والخشبي وبا
بحق سهل بسهل بابن خضرويه
بحق ذي النون بالدقاق إن لهم
بابن أسباط بل شاه وشيعته
ذاك الذي اعتاض في العليا بدايته
واذكر أبا الغيث والصياد أحمدهم
بابن العجيل بإسماعيل بالبجلي
بجوهر بهتار بابن يضمهم
وبالمريدين بالأشياخ في يمن
فإن في الجيلي منهم عبد قادرهم
ابن الرسول الذي ناداه مرسله
في ليلة قد رقى حجبا وارتفعا
بذي عقيب وما فيها وفي جند
بالزيلعي بفيروز بأحمدهم
بابن المسن بسفيان بسالمهم
بحرمة العارف ابن الرعب زاهدهم
وبابنه الشيخ موسى، ثم أخوته
بواد عمد بسادات بها، وبمن
بني أبا حفص الأخيار، ثم بني
واهتف بيوسف مهما كنت منتظراً
وحضرموت بها قوم بفضلهم
стр. 1334
بنو أبا علوي والكرام بنوا
وعصبة في نواخي الشحر بل يبني
وفي ظفار رجال يستغاث بهم
بحق شيخي وأشياخ له. فهم
بذي سفال حماها الله من بلد
حوائجي أقضها وأقض الديون ولا
واغفر ذنوبي، وإن جلت كبائرها
وعافني وأعف للوالدين كذا
وأسبل الشتر يا ربي علي إذا
ومن نكير ومن قبر ومنكره
يسر حسابي وإن جزت الصراط فلا
إذا فتحت لأبواب الجنان خذوا
واغفر لأهلي وأولادي وما ولدوا
وواسع الفضل للجيران إن لهم
جيران بيتي وجيراني بمقبرتي
بمن ذكرت، وبالماحي وعترته
وأصل الله موصول الصلاة له
وأوصل الله أزكاها وأفضلها