← История

История · id 9091

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

اليافعي

Полный текст (1 334 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الطبقات كان جامعاً عالماً رفيعاً فقيهاً حجة مأموناً عابداً ناسكاً كثير العلم فصيحاً جميلاً وسيماً، رحمة الله عليه. وقال غيره: كان من سادات التابعين وكبرائهم، وجمع من كل من علم وزهد وورع وعبادة، وأبوه مولى زيد بن ثابت الأنصاري، وأمه مولاة أم سلمة، زوج النبي ﵌، وربما غابت أمه في حاجة، فيبكي، فتعطيه أم سلمة ثديها تعلله به إلى أن تجيء أمه، فتدر عليه فيروى، ان تلك الحكمة والفصاحة من بركة ذلك. قال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أفصح من الحسن البصري ومن الحجاج بن يوسف الثقفي. فقيل له: فأيهما كان أفصح؟ قال: الحسن. وكان من أجمل أهل البصرة، ولما ولي عمرو بن هبيرة الفزاري العراق، وأضيفت إليه خراسان في أيام يزيد بن عبد الملك، استدعى الحسن البصري ومحمد بن سيرين والشعبي، وذلك في سنة ثلاث ومائة، فقال لهم: ان يزيد خليفة الله استخلفه على عباده، وأخذ عليه الميثاق بطاعته، وأخذ عهودنا بالسمع والطاعة، وقد ولاني ما ترون، فيكتب إلي بالأمر من أموره فأقلده ما يقلده من ذلك الأمر، فقال ابن سيرين والشعبي: قولاً فيه تقية. فقال ابن هبيرة: ما تقول يا حسن؟ فقال: يا ابن هبيرة خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله، فإن الله يمنعك من يزيد، ولا يمنعك يزيد من الله، ويوشك أن يبعث إليك ملكاً فيزيلك عن سريرك، ويخرجك من سعة قصر إلى مضيق قبر، ثم لا ينجيك إلا عملك. يا ابن هبيرة، اياك أن تعصي الله، فإنما جعل الله هذا السلطان ناصر الدين الله وعباده، فلا تتركن دين الله وعباده بهذا السلطان، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فأجازهم ابن هبيرة، وأضعف جائزة الحسن، فقال محمد بن سيرين والشعبي: سفسفنا فسفسف لنا. قلت: السفاف الردي من العطية. وروي أنه كتب عمربن عبد العزيز إلى الحسن ﵄ يقول له: اني قد ابتليت بهذا الأمر، فانظر لي أعواناً يعينوني عليه، فكتب إليه الحسن كتاباً يقول في أثنائه: اما أبناء الدنيا فلا تريدهم، وأما أبناء الآخرة فلا يريدونك، فاستعن بالله والسلام. ورأى الحسن يوماً رجلاً وسيماً حسن الهيئة، فسأل عنه، فقيل: انه يتمسخر للملوك ويحبونه، فقال: لله أبوه أو قال: لله دره ما رأيت أحداً يطلب الدنيا بما يشبهها إلا هذا، قلت يعني أن الدنيا رذيلة، فأخذها بالرذائل أنسب من أخذها بالفضائل، وكان أكثر كلامه حكماً وبلاغة. ولما حضرته الوفاة أغمي عليه قبل موته، ثم أفاق فقال: لقد نبهتموني من جنات وعيون ومقام كريم، وقال رجل كريم قبل موته لابن سيرين: رأيت كأن طائراً أخذ حصاة بالمسجد، فقال: ان صدقت رؤياك مات الحسن، فلم يكن إلا قليلاً حتى مات الحسن، فتبع الناس جنازته، فلم تقم صلاة العصر بالجامع، وما علم أنها تركت فيه مذ كان الإسلام

стр. 177

إلا يومئذ، لأنهم تبعوا الجنازة حتى لم يبق من يصلي في المسجد، قلت وله مع الحجاج وقعات عظيمة واجهه فيها بكلام صادع، وسلمه الله من شره، ومما روي من تفحيم الحجاج أنه جاء ذات يوم راكباً على برذون أصفر، فأم الجامع، فلما دخله رأى فيه حلقات متعددة فأم حلقة الحسن، فلم يقم له بل وسع في المجلس، فجلس إلى جنبه. قال الراوي: فقلنا: اليوم ننظر إلى الحسن، هل يتغير من عادته في كلامه وهيئته؟ فلم يغير شيئاً من ذلك بل أخذ على نسق وأخذ عادته من غير زيادة ولانقص. فلما كان في آخر المجلس قال الحجاج: صدق الشيخ عليكم بهذه المجلس، فقد قال رسول الله ﵌: " إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا ". ولولا ما ابتلينا من هذا الأمر لم تغلبونا عليها، او قال لم تسبقونا إليها، ثم افترعن لفظ أعجب به الحاضرون، ثم نهض فمشى طريقه. وذكر أهل علم التعبير أن الحسن رأى كأنه لابس صوف وفي وسطه كستيج بضم الكاف وسكون السين المهملة وكسر المثناة من فوق وسكون المثناة من تحت وفي آخره جيم، وفي رجله قيد وعليه طيلسان عسلي، وهو قائم على مزبلة وفي يده طنبورة يضربه، وهو مستند إلى الكعبة، فقصت رؤياه على ابن سيرين، فقال: اما لبسه الصوف فزهده، وأما كستيجه فقوته في دين الله، وأما عسيلته فحبه للقرآن وتفسيره للناس، وأما قيده فثباته في ورعه، وأما قيامه على المزبلة فدنياه جعله تحت قدميه، اما ضرب طنبوره فنشره حكمته بين الناس، وأما استناده إلى الكعبة فالتجاؤه إلى الله تعالى. وأرى أيضاً في المنام كأنه عريان جرد لا يستحي من الناس، وبيده سيف له بريق يضربه على أحجار وهو يشقها، فأرسل من يقص رؤياه على ابن سيرين، فقال أما تجرده فقلة ذنوبه واخلاصه بين الناس، وأما سيفه فلسانه وكلمته، وأما الأحجار فقلوب الناس، وأما شقها فدخول موعظته وحكمته في قلوبهم والحسن البصري منسوب إلى البصرة، والبصرة في الأصل بفتح الموحدة وكسرها وسكون الصاد المهملة حجارة رخوة ترجع إلى البياض، وبها سميت البصرة بصرة فإذا أسقطت الهاء قيل بصر بالكسر، وإنما قالوا بالنسب بصري كذلك قاله ابن قتيبة وغيره. والبصرتان: البصرة والكوفة، والكوفة قديمة جاهلية والبصرة حادثة إسلامية بناها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في سنة أربع عشرة من الهجرة على يد عتبه بن غزوان. وفيها توفي يوم الجمعة في شوال شيخ البصرة مع الحسن في أوانه وإمام المعبرين في زمانه أحد الجلة الورعين محمد بن سيربن، كان إماماً يقتدى به، سمع من أبي هريرة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعمران بن حصين وأنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم. وروى عنه جماعة من الأئمة، منهم قتادة وخالد الحذاء وأيوب السختياني وغيرهم من الأئمة، قال أيوب: اريد على القضاء، ففر إلى الشام وإلى اليمامة. وقال بعض السلف: ما رأيت أفقه في ورعه من محمد بن سيرين، وقال هشام بن حسان: حدثني أصدق من رأيت من البشر، او قال من العالمين محمد بن سيرين وقال ابن عون: لم أر مثل محمد بن سيرين. وكان الشعبي يقول عليكم بذاك الأصم، يعني ابن سيرين، فإنه كان في إذنه صمم، كان أبوه عبد أنس بن مالك ﵁، كاتبه على أربعين ألف درهم وقيل عشرين ألفاً فأدى ما كوتب عليه، وكانت أمه مولاة لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، طيبها ثلاث من أزواج رسول الله ﵌ ودعون لها، وحضر أملاكها ثمانية عشر بدرياً فيهم أبي بن كعب، وكان ولادته لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ﵁، وتوفي بعد الحسن بمائة يوم، وكان قد حبس بدين كان عليه، ذكر المعبرون أنه جاءه رجل يقال رأيت على ساقي رجل شعراً كثيراً فقال: يركبه دين ويموت في السجن، فقال له الرجل: لك رأيت هذه الرؤيا، فاسترجع. قيل: ومات في السجن وعليه أربعون ألف درهم قضى عنه ذلك بعض الصالحين، وقيل كان عليه ثلاثون ألف درهم فقضاها ولده عبد الله، فما مات عبد الله حتى قوم ماله ثلاث مائة ألف درهم، وولد لابن سيرين ثلاثون ولداً من امرأة واحدة عربية، ولم يبق منهم إلا عبد الله. وحكي إن امرأة جاءت إلى ابن سيرين وهو يتغدى، فقالت: يا أبا بكر رأيت رؤيا، فقال لها: تقصين أو تتركين حتى آكل؟ فقالت: بلى أتركك، فلما فرغ، قال لها: قصي رؤياك. فقالت: رأيت القمر قد دخل في الثريا، فناداني مناد أن أمضي إلى ابن سيرين، فقصى عليه هذا، قال: فقبض ابن سيرين يده، وقال: ويلك كيف رأيت؟ فأعادت عليه، فاصفر وجهه، وقام وهو آخذ ببطنه، فقالت له أخته: ما لك؟ قال: قد زعمت هذه المرأة أني أموت إلى سبعة أيام، قال فعدوا من ذلك اليوم سبعة أيام فدفن في اليوم السابع. وحكي أنه جاء رجل فقال له: اني رأيت طائراً سميناً، ما أعرف ما هو، وقد تدلى من السماء، فوقع على شجرة، وجعل يلتقط الزهر، ثم طار، فتغير وجه ابن سيرين، وقال: هذا، اموت العلماء، فمات في ذلك العام الحسن البصري ومحمد بن سيرين رحمة الله علبهما. اه جعله تحت قدميه، اما ضرب طنبوره فنشره حكمته بين الناس، وأما استناده إلى الكعبة فالتجاؤه إلى الله تعالى. وأرى أيضاً في المنام كأنه عريان جرد لا يستحي من الناس، وبيده سيف له بريق يضربه على أحجار وهو يشقها، فأرسل من يقص رؤياه على ابن سيرين، فقال أما تجرده فقلة ذنوبه واخلاصه بين الناس، وأما سيفه فلسانه وكلمته، وأما الأحجار فقلوب الناس، وأما شقها فدخول موعظته وحكمته في قلوبهم والحسن البصري منسوب إلى البصرة، والبصرة في الأصل بفتح الموحدة وكسرها وسكون الصاد المهملة حجارة رخوة ترجع إلى البياض، وبها سميت البصرة بصرة فإذا أسقطت الهاء قيل بصر بالكسر، وإنما قالوا بالنسب بصري كذلك قاله ابن قتيبة وغيره. والبصرتان: البصرة والكوفة، والكوفة قديمة جاهلية والبصرة حادثة إسلامية بناها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في سنة أربع عشرة من الهجرة على يد عتبه بن غزوان. وفيها توفي يوم الجمعة في شوال شيخ البصرة مع الحسن في أوانه وإمام المعبرين في زمانه أحد الجلة الورعين محمد بن سيربن، كان إماماً يقتدى به، سمع من أبي هريرة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعمران بن حصين وأنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم.

стр. 178

وروى عنه جماعة من الأئمة، منهم قتادة وخالد الحذاء وأيوب السختياني وغيرهم من الأئمة، قال أيوب: اريد على القضاء، ففر إلى الشام وإلى اليمامة. وقال بعض السلف: ما رأيت أفقه في ورعه من محمد بن سيرين، وقال هشام بن حسان: حدثني أصدق من رأيت من البشر، او قال من العالمين محمد بن سيرين وقال ابن عون: لم أر مثل محمد بن سيرين. وكان الشعبي يقول عليكم بذاك الأصم، يعني ابن سيرين، فإنه كان في إذنه صمم، كان أبوه عبد أنس بن مالك ﵁، كاتبه على أربعين ألف درهم وقيل عشرين ألفاً فأدى ما كوتب عليه، وكانت أمه مولاة لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، طيبها ثلاث من أزواج رسول الله ﵌ ودعون لها، وحضر أملاكها ثمانية عشر بدرياً فيهم أبي بن كعب، وكان ولادته لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ﵁، وتوفي بعد الحسن بمائة يوم، وكان قد حبس بدين كان عليه، ذكر المعبرون أنه جاءه رجل يقال رأيت على ساقي رجل شعراً كثيراً فقال: يركبه دين ويموت في السجن، فقال له الرجل: لك رأيت هذه الرؤيا، فاسترجع. قيل: ومات في السجن وعليه أربعون ألف درهم قضى عنه ذلك بعض الصالحين، وقيل كان عليه ثلاثون ألف درهم فقضاها ولده عبد الله، فما مات عبد الله حتى قوم ماله ثلاث مائة ألف درهم، وولد لابن سيرين ثلاثون ولداً من امرأة واحدة عربية، ولم يبق منهم إلا عبد الله. وحكي إن امرأة جاءت إلى ابن سيرين وهو يتغدى، فقالت: يا أبا بكر رأيت رؤيا، فقال لها: تقصين أو تتركين حتى آكل؟ فقالت: بلى أتركك، فلما فرغ، قال لها: قصي رؤياك. فقالت: رأيت القمر قد دخل في الثريا، فناداني مناد أن أمضي إلى ابن سيرين، فقصى عليه هذا، قال: فقبض ابن سيرين يده، وقال: ويلك كيف رأيت؟ فأعادت عليه، فاصفر وجهه، وقام وهو آخذ ببطنه، فقالت له أخته: ما لك؟ قال: قد زعمت هذه المرأة أني أموت إلى سبعة أيام، قال فعدوا من ذلك اليوم سبعة أيام فدفن في اليوم السابع. وحكي أنه جاء رجل فقال له: اني رأيت طائراً سميناً، ما أعرف ما هو، وقد تدلى من السماء، فوقع على شجرة، وجعل يلتقط الزهر، ثم طار، فتغير وجه ابن سيرين، وقال: هذا، اموت العلماء، فمات في ذلك العام الحسن البصري ومحمد بن سيرين رحمة الله علبهما. وفيها توفيت فاطمة بنت الحسين بن علي ﵃، التي أصدقها الديباج عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان ألف ألف درهم، قلت وقد تقدم أن أختها سكينة تزوجها

стр. 179

مصعب بن الزبير هي وعائشة بنت طلحة، وأنه أصدق عائشة المذكورة مائة ألف دينار. وفيها توفي جرير والفرزدق الشاعران الشهيران، قال ابن خلكان: كان جرير من فحول شعراء الإسلام، وكانت بينه وبين الفرزدق مهاجاة، قال وهو أشعر من الفرزدق عند أكثرأهل العلم بهذا الشأن. وقال أجمعت العلماء أنه ليس في شعراء الإسلام أشعر من ثلاثة: جرير والفرزدق والأخطل. قال: ويقال: ان بيوت الشعر أربعة فخر ومديح وهجاء وتشبيب، وفي الأربعة فاق جرير غيره، في الفخر قوله: إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا ويروى وجدت الناس. وفي المديح قوله: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح وفي الهجاء قوله: فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا وفي التشبيب قوله: إن العيون التي في طرفها حور ... يقتلننا ثم لا يحيين قتلابا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك له ... وهن أضعف خلق الله أركانا قلت قوله: قد أجمعت العلماء على أنه ليس في شعر الإسلام مثل ثلاثة جرير والفرزدق والأخطل، ليس بصحيح، بل الخلاف بينهم واقع، وقد رجح كثير من المتآخرين بل أكدرهم قول ثلاثة آخر على الثلاثة المذكورين، وهم أبو تمام والبحتري - والمتنبي -، ثم اختلفوا أيضاً اختلافاً كثيراً في الثلاث المتآخرين، ايهم أرجح؟ وفصل بعضهم في التفضيل بينهم في أشياء يطول ذكرها، وقد أوضحت ذلك في الشرح الموسوم بمنهل المفهوم المروي من صداء الجهل المذموم في شرح ألسنة العلوم، وسيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمة المتنبي إيضاح ذلك مشبعاً موصولاً ومفرعاً. ومن أخبار جرير ما حكى صاحب الجليس والأنيس في كتابه أنه قيل لجرير: ما كان أبوك صائغاً؟ حيث يقول: لو كنت أعلم أن آخرعهدهم ... يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل

стр. 180

قال: كان يقلع عينيه، ولا يرى مظعن أحبابه. وذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغانى في ترجمة جرير أنه قال مسعود بن بشر لابن مناذر بمكة: من أشعر الناس؟ قال: من إذا شبب لعب، وإذا طلب جد، فإذا لعب أطمعك لعبه، وإذا رميته أو قال رمته بعد عنك وإذا جد فيما قصدته آيسك من نفسه، قال: مثل من. قال: مثل جرير حيث قال: إن الذين غد وابليلي غادروا ... وشدا بعينك ما يزال معينا غيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا ثم قال حين جد شعراً: إن الذي حرم المكارم تغلبا ... جعل النبوة والخلافة فينا مضر أبي وأبو الملوك فهل لكم ... يا خزر تغلب من أب كأبينا هذا ابن عمي في دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إلي قطينا قال: فلما بلغ عبد الملك بن مروان قوله، قال: ما زادا ابن كذا وكذا على أن جعلني شرطياً له، اما أنه لو قال: لو شاء ساقكم إلي قطينا لسقتهم إليه كما قال. قلت وهنا الانكار الذي أنكره عليه عبد الملك ظاهر حتى لقد أدركه ولدي عبد الرحمن وهو صغير حين أمليته على الكاتب ووصلت إلى قوله لو شئت أنكره وقال لو شاء، ثم قال أرى أنه يحب أنه عنده عزيز يفعل له ما يشاء، فأعجبني ذلك من نباهته بارك الله تعالى فيه، ووفقنا جميعاً لما يرضيه. وأبيات جرير المذكورات في مهاجاة الشاعر المذكور المشهور المعروف بالأخطل التغلبي وقوله: جعل النبوة والخلافة فينا لأنه تميمي النسب وتميم ترجع إلى مضر بن نزار بن معد بن عدنان جد رسول الله ﵌ وقوله يا خزر تغلب خزر بضم الخاء المعجمة وسكون الزاي وبعدها راء هو جمع أخزر مثل أحمر وحمر والأخزر الذي في عينه ضيق وصغر، وهذا الوصف موجود في العجم أو في بعضهم كما هو معروف في الترك، وكأنه نسبه إلى غير العرب. قالوا: وهذا عند العرب من النقائص الشنيعة وقوله: هذا ابن عمي في دمشق يريد بذلك عبد الملك بن مروان والقطين بفتح القاف الخدم والاتباع. ومن أخبار جرير أيضاً أنه دخل على عبد الملك بن مروان فأنشده قصيدة أولها: أتصحو أم فؤادك غير صاح ... عشية هم صحبك بالرواح تقول العاذلات علاك شيب ... لهذا الشيب يمنعني مزاحي

стр. 181

تغرب أم حزرة ثم قالت ... رأيت الموردين ذوي اللقاح ثقي بالله ليسى له شريك ... ومن عند الخليفة يا لنجاح سأشكر إن رددت إلي رئيتي ... وأثبت القوادم من جناح ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح قال جرير: فلما انتهيت إلى هذا البيت كان عبد الملك متكئاً فاستوى جالساً، وقال من مدحنا منكم فليمدحنا بمثل هذا أو فليسكت، ثم التفت إلي وقال يا جرير أترى أم حزرة ترويها مائة ناقة من نعم بني كلب؟ فقلت يا أمير المؤمنين: ان لم تروها فلا أرواها الله. قال: فأمر بها لي كلها سود الحدق. قلت: يا أمير المؤمنين نحن مشايخ وليس بأحدنا فضل عن راحلته، والإبل أباق فلو أمرت لي بالرعاء، فأمر لي بثمانية، وكان بين يديه صحاف من الذهب وبيده قضيب، فقلت: يا أمير المؤمنين، والمحلب وأشرت إلى أحد الصحاف، فنبذها إلي بالقضيب، وقال: خذها لنفسك. قالوا ولما مات الفرزدق بكى. وقال أما والله إني لأعلم أني قليل البقاء بعده، ولقد كان نجمنا واحداً وكل واحد منا مشغول بصاحبه، وقال ما مات ضد أو صديق إلا وتبعه صاحبه، وكذلك كان، وتوفي في سنة عشر ومائة التي فيها مات الفرزدق، وكانت وفاته باليمامة ونيف في عمره على ثمانين سنة، وهو جرير بن عطية ويكنى أبا حزرة بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي وفتح الراء وبعدها هاء. وعن أبي عمرو قال: حضرت الفرزدق وهو يجود بنفسه فما رأيت أحسن ثقة بالله منه. فلم أنشب أن قدم جرير من اليمامة فاجتمع إليه الناس فما أنشدهم ولا وجدوه كما عهدوه، فقلت له في ذلك، فقال: اطفأ موت الفرزرق والله جمرتي، وأسأل عبرتي، وقرب مني منيتي، ثم شخص إلى اليمامة فنعى لنا في شهر رمضان من تلك السنة، وقيل كان عمر بن عبد العزيز لا يأذن لأحد من الشعراء أن يدخلوا عليه إلا لجرير. وذكروا أنه أدينهم وأن أبا عمرو بن العلاء رأى في يده سبحة فقل له: ويحك يا جرير أليس هذا خير لك من المهاجاة؟ فقال: والله ما هجوت أحداً ابتداء. وأما الفرزدق فهو أبو الأخطل همام بن غالب من جلة قومه وسراتهم يرجع في نسبه إلى مجاشع بن دارم وأمه ليلى بنت حابس أخت الأقرع بن حابس. قيل له ولأبيه مناقب مشهورة ومحامد مأثورة. من ذلك أنه أصاب أهل الكوفة مجاعة وهو بها فخرج أكثر الناس إلى البوادي، وكان هو رئيس قومه، وكان آخر يقال له سحيم بن وثيل بعد المثلثة مثناة من تحت الرياحي بالياء المثناة من تحت من بعد الراء رئيس قومه أيضاً، فخرجوا إلى مكان على

стр. 182

مسيرة يوم من الكوفة، فعقر غالب لأهله ناقة وصنع منها طعاماً، وأهوى إلى قوم من بني تميم لهم جلالة جفانا من ثريد، ووجه إلى سحيم جفنة، فكفأها، وضرب الذي أتاه بها، وقال: انا مفتقر إلى طعام غالب؟ اذا نحر ناقة نحرت أنا آخرى، فعقر ناقة لأهله. فلما كان من الغد عقر لهم غالب ناقتين، فعقر سحيم لأهله ناقتين، فلما كان اليوم الثالث عقر غالب ثلاثة، فعقر سحيم ثلاثاً، فلما كان اليوم الرابع عقر غالب مائة ناقة ولم يكن عند سحيم هذا القدر فلم يعقر شيئاً. وأسرها في نفسه. فلما انقضت المجاعة ودخل الناس الكوفة، قال بنو رياح لسحيم: جررت علينا عار الدهر هلا نحرت مثل ما نحروا كنا نعطيك مكان كل ناقة ناقتين، فاعتذر أن ابله كانت غائبة وعقر ثلاث مائة، وقال للناس: شأنكم ولا أكل كان ذلك على خلافة علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فاستفتى في حل الأكل منها فقضى بحرمتها، وقال: هذي ذبحت لغير مأكلة، ولم يكن المقصود منها إلا المفآخرة والمباهاة، فألقيت لحومها على كناسة الكوفة فأكلتها الكلاب والعقبان والرخم. وهي قصة مشهورة عمل فيه الشعراء أشعاراً كثيرة من ذلك قول جرير يهجو الفرزدق في قصيدة منها مذا البيت: تعدون عقر الذيب أفضل مجدكم ... بني ضعطر هلا الكمى المقنعا يقول تفتخرون بالكرم هلا افتخرتم بالشجاعة؟ وبينهما من المهاجاة والتجاوب ما شاع في المشرق والمغرب. وينسب إلى الفرزدق مكرمة يرتجي له بها الرحمة في دار الآخرة؛ وهي أنه لما حج هشام بن عبد الملك في أيام أبيه طاف وجهد أن يصل إلى الحجر الأسود ليستلمه، فلم يقدر عليه لكثرة الزحام، فنصب له منبر، فجلس عليه ينظر إلى الناس ومعه جماعة من أعيان أهل الشام، فبينهما هو كذلك إذا أقبل زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين وكان من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم ريحاً، قلت بل أطيبهم وأشرفهم ذاتاً وطبعاً وأصلاً وفرعاً، وطاف بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر تنحى له الناس حتى استلم، فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه مخافة أن يرغب فيه أهل الشام وكان الفرزدق حاضراً فقال: انا أعرفه فقال الشامي من هذا يا أبا فراس؟ فقال: هذا الذي يعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا النقي التقي الطاهر العلم إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم

стр. 183

ينمي إلى ذروة العز الذي قصرت ... عن نيلها عرب الإسلام والعجم يكاد يمسكه عرفان راحته ... عند الحطيم إذا ما جاء يستلم في كفة خيزران ريحه عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم يغضي حياء ويغضي من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم يبين نور الهدى عن بدر غرته ... كالشمس ينجاب عن إشراقها القتم منشقة عن رسول الله نبعته ... طابت عناصره والخيم والشيم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجده أنبياء الله قد ختموا الله شرفه قد ما وعظمه ... جرى بذاك له في لوحه القلم فليس قولك من هذا بضايره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم كلتا يديه غياث عم نفعهما ... تستوكفان ولا يعروهما عدم سهل الخليقة لا تخشى بوادره ... يزينه اثنان حسن الخلق والشيم حمال أثقال أقوام إذا قد حوا ... حلو الشمائل يحلو عنده نعم لا يخلف الوعد ميمون نقيبته ... رحب الفناء أريب حين يعترم عم البرية بالإحسان فانقشعت ... عنه العناية والإملاق والعدم من معشر حبهم دين وبغضهم ... كفر وقربهم منجأ ومعتصم إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم لا يستطيع جواد يعد غايتهم ... ولا يداينهم قوم وإن كرموا هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت ... والأسد أسد الشرى الباس محتدم مقدم بعد ذكر الله ذكرهم ... في كل بدء مختوم به الكلم يأبى لهم أن ينحل الذم ساحتهم ... خيم كريم وأيد بالندى هضم من يعرف الله يعرف أولية ذا ... والدين من بيت هذا ناله الأمم ما قال لاقط إلا في تشهده ... لولا التشهد كانت لاؤه نعم فلما سمع هشام هذه القصيدة غضب وحبس الفرزدق، فأنفذ له زين العابدين اثني عشر ألف درهم فردها، وقال: ما مدحته إلا لله تعالى لا للعطاء، فقال زين العابدين: " إنا أهل البيت إذا وهبنا شيئاً لا نستعيده " فقبلها الفرزدق. وقوله في الأبيات ميمونة النقيبة أي مظفر بالمطلوب. قالوا: وصعد الوليد بن عبد الملك فسمع صوت ناقوس، فقال: ما هذا؟ فقيل: البيعة، فأمر بهدمها وتولى نقض ذلك بيده، فتتابع الناس يهدمون، فكتب إليه الأخرم ملك الروم: ان هذه البيعة قد أقرها من كان قبلك، فإن يكونوا أصابوا فقد أخطأت، وإن تكن أصبت فقد أخطأوا، فقال: من يجيبه؟ فقال الفرزدق: يكتب إليه " وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا

стр. 184

آتينا حكماً وعلماً " - الأنبياء: ٧٨و٧٩ -. قلت وحكي أنه سأل بعض أهل العلم عن السبايا المزوجات من الكفار هل يحل لمن سباها وطيبها؟ فأبطأ المسؤول في الجواب فأجاب الفرزدق بقوله: وذات خليل أنكحتها رماحنا ... حلالاً لمن يبني بها لم يطلق وأخبار الفرزدق كثيرة ذات اشتهار، والأولى عند خوف الإملال الاختصار وتوفي بالبصرة قبل جرير بأربعين وقيل ثمانين يوماً، قال قتيبة: وقد قارب المائة. وقال المبرد: التقى الحسن البصري والفرزدق في جنازة، فقال الفرزدق للحسن أتدري ما يقول الناس يا أبا سعيد؟ يقولون اجتمع في هذه الجنازة خير الناس وشر الناس، فقال الحسن: كلا لست بخيرهم ولست بشرهم، ولكن ما أعددت لهذا اليوم؟ قال شهادة أن لا إله إلا الله مذ ستين سنة. وقيل إن الفرزدق لقي علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، والله أعلم بحقائق الأمور أوائلها وعواقبها وفي السنة المذكورة توفي سليم بن عامر الكلاعي الحمصي، وقد أدرك النبي ﵌، روى عن أبي الدرداء وغيره، وتوفي فيها عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أخو الفقيه عبد الله، امام زاهد قانت واعظ كثير العلم، لقي ابن عباس والكبار. سنة إحدى عشرة ومائة فيها توفي عطية بن سعد العوفي الكوفي، روى عن أبي هريرة وطائفة، وضربه الحجاج أربع مائة سوط على أن يشتم علياً رضي الله تعالى عنه فلم يشتم. وتوفي القاسم بن مخيمرة الهمداني الكوفي، روى عن أبي سعيد وعلقمة، وكان عالماً نبيلاً زاهداً نجيباً. سنة اثنتي عشرة ومائة فيها توفي أبو المقدام رجاء بن حيوة الكندي الشامي الفقيه، كان شريفاً نبيلاً كامل السؤدد، قال مطر الوراق: ما رأيت شامياً أفقه منه: وقال مكحول: هو سيد أهل الشام. وقال مسلمة: الأمير في كندة رجاء بن حيوة وعبادة بن نسي وعدي بن عدي، ان الله لينزل بهم الغيث، وينصر بهم على الأعداء انتهى وكان رجاء بن حيوة يجالس عمر بن عبد العزيز، وكان يوماً عند عبد الملك بن مروان، وقد ذكر عنده شخص بسوء، فقال عبد الملك: والله

стр. 185

إن أمكنني الله منه لأفعلن به ولأصنعن، فلما أمكنه الله منه هم بإيقاع الفعل به، فقام إليه رجاء بن حيوة المذكور، وقال: يا أمير المؤمنين، قد صنع الله لك ما أحببت، فاصنع ما يحب الله من العفو، فعفا عنه وأحسن إليه، وقد تقدم أنه هو الذي أشار على سليمان بن عبد الملك في مرض موته أن يجعل ولي العهد بعده عمر بن عبد العزيز، ففعل، وكتب ذلك في كتاب ثم ختمه، وجمع الناس وأمرهم أن يبايعوا المذكور في باطن الكتاب فبايعوا وهم لا يدرون من فيه، ثم كذلك لما مات سليمان جمع الناس قبل أن يعلموا بموته فقال لهم أمير المؤمنين يأمركم أن تبايعوا لمن في هذا الكتاب فبايعوا، ثم قال لهم أعظم الله أجركم في أمير المؤمنين، ثم فتحوا الكتاب فعرفوا أن المبايع فيه عمر بن عبد العزيز ﵁، كل ذلك بإشارة رجاء بن حيوة ونصيحته وتوفيقه للصواب وهدايته، رحمة الله تعالى. وفيها توفي القاسم بن عبد الرحمن الدمشقي الفقيه. قال أبو إسحاق الحواني: كان خياراً فاضلاً، ادرك أربعين من المهاجرين والأنصار. وفيها توفي طلحة بن مصرف الهمداني الكوفي، وكان يسمى سيد القراء. وقال فيها أبو معشر: ما يرى بعده مثله. سنة ثلاث عشرة ومائة فيها توفي فقيه الشام أبو عبد الله مكحول مولى بني هذيل، سمع من طائفة من الصحابة، وأرسل عن طائفة منهم، قال أبو حاتم: ما أعلم بالشام أفقه من مكحول. وقال سعيد بن عبد العزيز: اعطوا مكحولاً عشرة آلاف دينار، وكان يعطي الرجل خمسين وقال الزهري: العلماء أربعة سعيد بن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن بالبصرة، ومكحول بالشام. ولم يكن في زمنه أبصر منه بالفتيا، وكان لا يفتي حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا رأي والرأي يخطىء ويصيب. وفيها وقيل في العام القابل توفي أبو إياس معاوية بن قرة المزني المصري، وفيها توفي في شهر بن حوشب. سنة أربع عشرة ومائة فيها توفي فقيه الحجاز ذو الأوصاف الملاح الإمام أبو محمد عطاء بن أبي رباح

стр. 186

المكي مولى قريش، سمع من عائشة وأبي هريره وابن عباس وجابر بن عبد الله وابن الزبير وخلق كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وروى عنه عمرو بن دينار والزهري وقتادة ومالك بن دينار والأعمش والأوزاعي وخلق كثير، وإليه والي مجاهد انتهت فتوى مكة في زمانهما. وقال إبراهيم بن كيسان: وكان في زمان بني أمية يأمرون في الحاج صائحاً يصيح: لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح. وقال أبو حنيفة ﵀: ما رأيت أفقه منه. وقال ابن جريج: كان المسجد فراش عطاء عشرين سنة، وكان من أحسن الناس صلاة. وقال الأوزاعي: مات عطاء يوم مات وهو أرضى أهل الأرض عند الناس، وقال إسماعيل بن أمية: كان عطاء يطيل الصمت فإذا تكلم يخيل إلينا أنه يؤيد، وقال غيره: كان لا يفتر من الذكر. قلت وأما ما نقل في بعض كتب الفقه أنه كان يرى إباحة وطي الجواري بإذن أربابهن، وما نقل بعضهم أنه كان يبعث جواريه إلى ضيفانه، فقد قال بعض أهل العلم الذي أعتقد أن هذا بعيد، فإنه لو رأى الحل كانت المروة والغيرة تأبى ذلك، فكيف يظن هذا بمثل ذلك السيد الإمام والله. سبحانه العلام. قلت وينبغي أن يحمل ذلك على بعث الجواري لسماع القول منهن على تقدير صحة ذلك عنه، فنحو من هذا ما نقل المشايخ في كتب التصوف في باب السماع أنه كان يأمر جواريه يسمعن أصحابه عند اجتماعهم، وفي ذا ما فيه أيضاً، فإن صح فينبغي أن يحمل على ما إذا لم يخش فتنة بحضورهن وسماع أصواتهن، وإذا قلنا إن صوت المرأة ليس بعورة. وفي السنة المذكورة وقيل في سنة تسع عشرة وقيل في ثماني عشرة وهو الذي إليه مال جماعة من المؤرخين - توفي أبو محمد علي بن عبد الله بن عباس جد السفاح والمنصور. كان سيداً شريفاً بليغاً، وكان أصغر أولاد أبيه وأجمل قرشي على وجه الأرض وأوسمه وأكثره صلاة، وكان يدعى السجاد لذلك له خمس مائة أصل، وكان يصلي كل يوم إلى كل أصل ركعتين، فيجتمع من الجميع ألف ركعة.

стр. 187

وروي أنه لما ولد أتى، علي بن أبي طالب إلى أبيه ﵄ فهنأه وقال شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب ما سميته؟ قال: او يجوز لي أن أسميه حتى تسميه؟ فأمر به وأخرج إليه فحنكه ودعا له، ثم رده إليه، وقال خذ إليك أبا الأملاك، ويروى أبا الخلائف، قد سميته علياً، وكنيته أبا الحسن، فلما كان زمن ولاية معاوية قال: ليس لكم اسمه وكنيته، وقد كنيته أبا محمد فجرى عليه، هكذا قال المبرد في الكامل. وقال الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء لما قدم على عبد الملك بن مروان قال له: غير اسمك وكنيتك فلا صبر لي عليهما، فقال أما الاسم فلا وأما الكنية فأكنى بأبي محمد، فغير كنيته انتهى. قيل وإنما قال عبد الملك هذه المقالة لبغضه في علي بن أبي طالب ﵁. إذ اسمه وكنيته كذلك. وذكر الطبري في تاريخه أنه دخل على عبد الملك بن مروان فأكرمه وأجلسه على سريره، وسأله عن كنيته فأخبره، فقال لا يجمع في عسكري هذا الاسم وهذه الكنية لأحد، وسأله هل له من ولد فأخبره بولده محمد، وكناه أبا محمد. وقال الواقدي ولد أبو محمد يعني علي بن عبد الله المذكور في الليلة التي قتل فيها علي بن أبي طالب ﵁، والله أعلم بالصواب. قلت هذا يناقض ما تقدم من أن علي بن أبي طالب ﵁ حنكه ودعا له، ولا يصح أن يقال فعل ذلك، ثم قتل من ليلته، اذ ورد أنه حنكه بعد صلاة الظهر. وقال المبرد: ضرب علي المذكور بالسياط مرتين كلتاهما ضربه الوليد بن عبد الملك. إحداهما في تزويجه لبابة بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وكانت عند عبد الملك، فعض تفاحة ثم رمى بها إليها وكان أبخر، فدعت بسكين فقال: ما تصنعين بها؟ فقالت أميط عنها الأذى، فطلقها، وتزوجها علي بن عبد الله المذكور، فضربه الوليد، وقال: انما يتزوج بأمهات الخلفاء ليضع منهم، ان مروان بن الحكم إنما تزوج بأم خالد بن يزيد بن معاوية ليضع منه، فقال علي بن عبد الله: انما أرادت الخروج من هذا البلد وأنا ابن عمها فتزوجتها لأكون لها محرماً. وأما ضربه إياه في المرة الثانية: فقد حدث محمد بن شجاع بإسناد متصل. قال: رأيت علي بن عبد الله مضروباً بالسوط، يدار به على بعير، ووجهه مما يلي ذنب البعير، وصائح يصيح هذا علي بن عبد الله الكذاب، فأتيته. وقلت: ما هذا الذي نسبوا إليك من الكذب؟ قال: بلغهم أني قلت إن هذا الأمر سيكون في ولدي، والله ليكونن فيهم حتى يملكهم عبيدهم الصغار العيون العراض الوجوه، واختلفوا في الذي تولى ضرب علي، وذكر بعضهم أنه مات مقتولاً.

стр. 188

وروي أن علي بن عبد الله دخل على هشام بن عبد الملك ومعه ابنا ابنه الخليفتان السفاح والمنصور، فأوسع له على سريره، وسأله عن حاجته، فقال: ثلاثون ألف درهم علي دين، فأمر بقضائها. قال ويستوصي بابني هذين خيراً، ففعل فشكره، وقال وصلتك رحم فلما ولي قال هشام لأصحابه إن هذا الشيخ قد اختل وخلط فصار يقول إن هذا الأمر سينقل إلى ولده، فسمعه علي وقال: والله ليكونن ذلك وليملكن هذان وكان عظيم المحل عند أهل المحجاز، حتى روي أنه كان إذا قدم مكة حاجاً أو معتمراً عطلت قريش مجالسها في المسجد الحرام، وهجرت مواضع حلقها، ولزمت مجلسه إعظاماً وإجلالاً وتبجيلاً، فإن قعد قعدوا وإن نهض نهضوا وإن مشى مشوا جميعاً حوله حتى يخرج من الحرم، وكان طويلاً جسيماً ذا لحية طويلة وقدم عظيم جداً لا يوجد له نعل ولا خف حتى يستعمله مفرطاً في طوله، اذا طاف كأنما الناس حوله مشاة وهو راكب، وكان مع هذا الطول إلى منكب أبيه عبد الله، وكان عبد الله إلى منكب أبيه العباس، وكان العباس إلى منكب أبيه عبد المطلب ذكر هذا كله المبرد. وذكر أيضاً أن العباس كان عظيم الصوت، جاءته مرة غارة وقت الصبح، فصاح بأعلى صوته. واصباحاه فلم تسمعه حامل في الحي إلا وضعت. وذكر الحازمي ما تقدم وأن العباس كان يقف على سلع وهو جبل عند المدينة فينادي غلمانه وهم بالغابة فيسمعهم، وذلك من آخر الليل وبين الغابة وسلع ثمانية أميال. وفيها توفي علي بن عبد الله ﵀ ابن ثمانين سنة، وكانت ولادته ليلة الجمعة سابع عشر رمضان سنة أربعين، وقيل غير ذلك. وذكر الطبري في تاريخه أن الوليد بن عبد الملك أخرج علي بن عبد الله من دمشق، وأسكنه الميمة ولم يزل ولده بها إلى أن زالت دولة بني أمية، وولد له بها نيف وعشرون ولداً ذكراً. وفيها توفي أبو جعفر الباقر محمد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم، احد الأئمة الاثني عشر في اعتقاد الإمامية، وهو والد جعفر الصادق، لقب بالباقر لأنه بقر العلم أي شقه وتوسع فيه، ومنه سمي الأسد باقر البقرة بطن فريسة وفيه يقول الشاعر: بعين، وقيل غير ذلك. وذكر الطبري في تاريخه أن الوليد بن عبد الملك أخرج علي بن عبد الله من دمشق، وأسكنه الميمة ولم يزل ولده بها إلى أن زالت دولة بني أمية، وولد له بها نيف وعشرون ولداً ذكراً. وفيها توفي أبو جعفر الباقر محمد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم، احد الأئمة الاثني عشر في اعتقاد الإمامية، وهو والد جعفر الصادق، لقب بالباقر لأنه بقر العلم أي شقه وتوسع فيه، ومنه سمي الأسد باقر البقرة بطن فريسة وفيه يقول الشاعر:

стр. 189

يا باقر العلم لأهل التقى ... وخير من ركب على الأجبل وقال عبد الله بن عطاء ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علماً منهم عند محمد بن علي ومن كلامه ﵁: من دخل قلبه صافي خالص دين الله شغله عما سواه، وما عسى أن تكولن الدنيا؟ هل هو إلا مركب ركبته، او ثوب لبسته، او امرأة أصبتها، او أكلة أكلتها. وقال إن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤنة وأكدرهم معونة، ان نسيت ذكروك، وإن ذكرت أعانوك، قوالين بحق الله تعالى قوامين بأمر الله ، فأنزل الدنيا كمنزل نزلت به وارتحلت عنه، او كما أصبته في منامك فاستيقظت وليس معك منه شيء، وقال الغناء والعز يجولان في قلب المؤمن فإذا وصل إلى مكان فيه التوكل استوطنا. قلت يعني وإن لم يجدا فيه توكلا رحلاً عنه، وفي معنى ذلك قلت: يجول الغنا والعز في قلب مؤمن ... فإن الذيا جوف القلوب توكلا أقاما فأمسى العبد بالله ذاعناً ... عزيز وإن لم يلقياه ترحلا وقال ﵁: كان لي أخ في عيني عظيماً، وكان الذي عظمه في عيني صغر الدنيا في عينيه، عاش رضي الله تعالى عنه ستاً وخمسين سنة، ودفن في البقيع مع أبيه وعم أبيه الحسن بن علي والعباس رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وفي السنة المذكورة توفي أبو عبد الله وهب بن منبه اليماني الصنعاني الإمام العلامة، وله ثمانون سنة. روي عن ابن عباس، وقيل عن أبي هريرة وغيره من الصحابة، وولي القضاء لعمر بن عبد العزيز، وكان شديد الاعتناء بكتب الأولين وأخبار الأمم وقصص الماضيين بحيث كان يشبه بكعب الأحبار في زمانه. وحكى عنه ابن قتيبة قال: قرأت من كتب الله اثنتين وسبعين كتاباً وله تصنيف ترجمة بذكر الملوك المتوجه من حمير وأخبارهم وقصصهم وقبورهم وأشعارهم في مجلد واحد وهو من الكتب المفيدة. وكان له إخوة منهم همام بن منبه كان أكبر من وهب. وروى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهو معدود من جملة الأبناء، ومعنى قولهم فلان من جملة الأبناء: ان أبا مرة سيف بن ذي يزن الحميري صاحب اليمن لما استولت الحبشة على ملكه توجه إلى كسرى أنوشروان ملك الفرس يستنجده عليهم، وقصته في ذلك مشهورة وخبره طويل وخلاصة الأمر أنه سير معه سبعة آلاف وخمس مائة فارس من الفرس وجعل مقدمهم وهوز، هكذا قاله ابن قتيبة. وقال محمد بن إسحاق: لم يسر معه سوى ثمان مائة فارس فغرق منهم في

стр. 190

البحر مائتان وسلم ست مائة. قال أبو القاسم السهيلي: والقول الأول أشبه بالصواب إذ يبعد مقاومة الحبشة بست مائة فارس، فلما وصل الجيش إلى اليمن جرت الوقعة بينهم وبين الحبشة فاستظهرت الفرس عليهم وأخرجوهم من البلاد، وملك سيف بن ذي يزن ووهوز وأقاموا أربع سنين، وكان سيف بن ذي يزن قد اتخذ من أولئك الحبشة خدماً، فخلوا به يوماً وهو في مصيد له فرموه بحرابهم فقتلوه، وهربوا في رؤوس الجبال، وطلبهم أصحابه فقتلوهم جميعاً، وانتشر الأمر باليمن، ولم يملكوا عليهم أحداً غير أن كل ناحية ملكوا عليهم رجلاً من حمير، فكانوا ملوك الطوائف حتى أتى الله بالإسلام، ويقال إنها بقيت في أيدي الفرس ونواب كسرى فيها، وبعث رسول الله ﵌ وباليمن من قواد ملكهم عاملان، احدهما فيروز الديلمي والآخر دادويه، فأسلما، وهما اللذان دخلا على الأسود العنسي مع قيس بن المكشوح لما دعى الأسود النبوة باليمن وقتلوه، والمقصود من هذا كله إن جيش الفرس لما استوطنوا اليمن تأهلوا ورزقوا الأولاد، فصار أولادهم وأولاد أولادهم يدعون الأبناء لأنهم من أبناء أولئك الفرس، وكان طاوس العالم المقدم ذكره في سنة ست ومائة منهم، وتوفي وهب المذكور بصنعاء اليمن وعمره تسعون سنة، رحمة الله عليه. سنة خمس عشرة ومائة فيها وقيل في التي قبلها توفي الفقيه أبو محمد الحكم بن عتيبة الكوفي مولى كندة، كان إذا قدم المدينة أخلوا سارية النبي ﵌ يصلي إليها، قال الأوزاعي: قال لي عبدة بن أبي لبابة ألقيت الحكم؟ قلت: لا قال: فألقه فما بين لابتيها أفقه منه. وفيها توفي القاضي أبو سهل عبد الله بن بريدة الأسلمي، روى عن عائشة وطائفة، وفيها توفي الضحاك بن فيروز الديلمي من أبناء الفرس الذين سكنوا اليمن، صحب ابن الزبير وعمل له على بعض بلاد اليمن، وروى عن أبي هريرة وابن عباس ﵃. سنة ست عشرة ومائة فيها توفي عدي بن ثابت الأنصاري الكوفي وعمرو بن مرة المرادي، وكان حجة حافظاً. قال معمر: ما أدركت أحداً أفضل منه، وفيها توفي محارب بن دثار الدوسي قاضي الكوفة، سمع ابن عمر وجابر أو طائفة ﵃.

стр. 191

سنة سبع عشرة ومائة فيها توفي أبو الجناب سعيد بن يسار المدني مولى ميمونة، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وعبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة التيمي المدني، ولى القضاء لابن الزبير، وكان مؤذناً في الحرم. وفيها توفي فقيه أهل دمشق عبد الله بن أبي زكريا الخزاعي، وكان عمر بن عبد العزيز يجلسه معه على السرير، وقال أبو مسهر: كان سيد أهل المسجد أو قال أهل دمشق قيل: بم سادهم؟ قال بحسن الخلق. وفيها وقيل في سنة ثمان عشرة توفي الحافظ أبو الخطاب قتادة بن دعامة الدوسي عالم أهل البصرة، قال أقمت عند سعيد بن المسيب ثمانية أيام، فقال في اليوم الثالث: ارتحل أعمى فقد أبرمتني. وقال قتادة: ما قلت لمحدث قط أعده على ما سمعت شيئاً إلا وعاه قلبي. وفيها توفي قاضي الجزيرة ميمون بن مهران، وكان من العلماء العاملين، روى عن عائشة وأبي هريرة ﵄. وفيها توفي فقيه المدينة أبو عبد الله نافع مولى عبد الله بن عمر، كان نبيلا من كبار التابعين، سمع مولاه وأبا سعيد الخمري. وروى عنه الزهري وأيوب السختياني ومالك بن أنس، وهو من المشهورين بالحديث، ومن الثقات الذين يؤخذ عنهم الضابطين الإثبات وكان قد بعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصريعلمهم السنن، ومعظم حديث ابن عمر عليه دار، قال مالك: كنت إذا سمعت حديث نافع عن ابن عمر لا أبالي أن لا أسمعه من أحد، وأهل الحديث يقولون رواية الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر سلسلة الذهب بجلالة كل واحد من هؤلاء الرواة. وفيها توفيت السيدة سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، وقيل اسمها أمينة وقيل أميمة وهو الراجح، وسكينة لقب لها، وأمها الرباب ابنة امرئ

стр. 192

القيس بن عدي، وكانت سكينة المذكورة من أجمل النساء وأظرفهن وأحسهن أخلاقا، تزوجها مصعب بن الزبير فهلك عنها ثم تزوجها عبد الله بن عثمان بن عفان ثم عبد الله بن حكيم بن حزام ثم تزوجها زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان، فأمره سليمان بن عبد الملك طلاقها ففعل، وقيل في ترتيب أزواجها غير هذا. ولها نوادر وحكايات ظريفة: من ذلك أنها سمعت بعض أشعار عروة بن أذينة، وكان من اعيان العلماء وكبار الصالحين وله أشعار رائقة، فانكرت عليه أشياء بلطافة وظرافة، لا أطول الكتاب بذكرها وكان لعروة المذكور أخ اسمه بكر فرثاه عروة بقوله: سرى همي وهم المرء يسري ... وغاب النجم إلا قيد فتر أراقب في المجرة كل نجم ... تعرض أو على المجارة تجري لهم ما أزال له قريناً ... كأن القلب أبطن حر جمر على بكر أخي فارقت بكراً ... وأي العيش يصلح بعد بكر فلما سمعت سكينة هذا الشعر قالت: ومن هو بكر هذا؟ فوصف لها، فقالت: اهو ذاك الأسيود الذي كان يمر بنا؟ قالوا: نعم قالت: لقد طاب بعده كل شيء حتى الخبز والزيت. ويحكى أن بعض المغنين غنى بهذه الأبيات عند الوليدبن يزيد الأموي وهو في مجلس أنسه، فقال للمغني: من يقول هذا الشعر؟ قال: عروة بن أذينة، فقال الوليد: اي العيش يصلح بعد بكر؟ هذا العيش الذي نحن فيه. والله لقد تحجر واسما. وكان عروة المذكور كثير القناعة وله في ذلك أشعار سائرة، وكان قد وفد من الحجاز على هشام بن عبد الملك بالشام في جماعة من الشعراء، فلما دخلوا عليه عرف عروة، فقال: الست القائل: ولقد علمت وما الإسلاف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى له فيمييني تطلبه ... ولوقعدت أتاني لايعنيني وما أراك فعلت كما قلت، فإنك أتيت من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق. فقال: لقد وعظت يا أمير المؤمنين فما بلغت في الوعظ، وأذكرت ما أنسانيه للدهر، وخرج من فوره إلى راحلته فركبها وتوجه راجعاً إلى الحجاز، فمكث هشام يومه غافلا عنه، فلما كان فى الليل استيقظ من منامه وذكره، وقال: هذا رجل من قريش قال حكمة، ووفد إلي فجبهته

стр. 193

ورددته عن حاجته، وهو مع هذا شاعر لا اّمن لسانه، فلما أصبح سأل عنه، فأخبر بانصرافه. فقال: لا جرم ليعلم أن الرزق يأتيه ثم دعا بمولى له وأعطاه الذي دينار، وقال له: الحق بهذا عروة بن أذينة فأعطه إياها. قال: فلم أدركه إلا وقد دخل في بيته، فقرعت عليه الباب فخرج فأعطيته المال، فقال أبلغ أمير المؤمنين السلام وقل له: كيف رأيت قولي؟ سعيت فاكذبت ورجعت إلى بيتي فأتاني فيه الرزق، وهذه الحكاية وإن كانت دخيلة ليست مما نحن فيه لكن حديث عروة ساقها. ولبعض الشعراء وهو محمد بن ادريس الأندلسي في معنى هذين البيتين وأحسن فيه. مثل الرزق الذي تطلبه ... مثل الظل الذي يمشي معك أنت لاتدركه متبعاً ... فإذا وليت عنه تبعك وتوفيت سكينة بالمدينة الشريفة رحمها الله تعالى. قلت: هكذا ذكر موتها بالمدينة في كل تاريخ، وقفت عليه خلاف ما يقوله العامة من أنها مدفونة خارج مكة في القبة التي في الزاهر في طريق العمرة. وفي السنة المذكورة توفي ذو الرمة أبو الحارث غيلان بن عقبة الشاعر المشهور أحد فحول الشعراء، ويقال إنه كان ينشد شعره في سوق الإبل، فجاء الفرزدق فوقف عليه وسمعه، فقال ذو الرمة: كيف ترى ما تسمع يا أبا فراس؟ فقال: ما أحسن ما تقول: قال: فما لي لا أذكر مع الفحول؟ قال قصرتك عن غايتهم بكاؤك في الدمن ووصفك للأباعر والعطن. وهو أحد عشاق العرب المشهورين بذلك ومعشوقته مية ابنة مقاتل بن طلبة بن قيس بن عاصم المنقري الذي قال فيه الشاعر يرثيه: وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما والذي مدحه الأحنف بن قيس بالحلم كما تقدم، وهو الذي قال فيه رسول الله ﵌: " هذا سيد أهل الوبر " لما قدم عليه في وفد بني تميم، وهو أول من وأد البنات غيرة وانفة، وكان ذو الرمة كثير التشبيب بمية المذكورة في شعره وإياها عني أبو تمام الطائي بقوله في قصيدة له: ما ربع مية معمورا يطوف به ... غيلان أبهى ربى من ربعها الخرب وقال ابن قتيبة في طبقات الشعراء: قال أبو ضرار الغنوي، رأيت مية وإذا معها بنون

стр. 194

لها، فقلت: صفها لي، فقال: مستوية الوجه طويلة الخد شماء الأنف عليها وسم جمال. قلت: اكانت تنشدك شيئا مما قال فيها ذو الرمة؟ قال نعم. ومن شعره السائر: إذا هبت الأرواح من نحو جانب ... فقد هاج في قلبي تشوق هبوبها هوى تذرف العينان منه وإنما ... هوى كل نفس حيث حل حبيبها وكان ذو الرمة يشبب أيضا بخرقاء، وهي من بني عامر بن صعصعة، وسبب تشبيبه بها أنه مر في سفر ببعض البوادي فإذا خرقاء خارجة من خباء، فنظر إليها فوقعت في قلبه، فخرق أدواته ودنا منها يستطعم كلامها، فقال: اني رجل على ظهر سفر وقد تخرقت أداوتي فأصلحها لي. فقالت: اني والله لا أحسن العمل، وأني لخرقاء، والخرقاء التي لا تعمل شغلا لكرامتها على أهلها، فشبب بها ذو الرمة وسماها خرقاء. قلت الخرق في اللغة ضد الرفق، ومنه قول الإمام الشافعي في الطهارة بالماء قد يرفق بالقليل فيكفي ويخرق بالكثير لا يكفي، ومن شعره المشار به إلى خرقاء بطريق المبالغة المفرطة قوله: وما شبنا خرقاء واهبة الكلا ... سقى بهما ساق ولم يتبلل باضيع من عينيك للدمع كلما ... تذكرت ربعا أو توهمت منزل اوقال أبو الفضل العتبي كنت أنزل على بعض الأعراب إذا حججت، فقال لي يوما هل لك أن أريك خرقاء صاحبة ذي الرمة؟ فقلت: ان فعلت فقد بررتني فتوجهنا جميعا نريدها، فعدل بي عن الطريق بقدر ميل، ثم أتينا أبيات شعر واستفتح بيتا ففتح له فخرجت علينا امرأة طويلة حسناء بها قوة، وسلمت وجلست تحدثنا ساعة، ثم قالت لي: هل حججت قط؟ قلت غير مرة فقالت أما سمعت قول ذي الرمة: تمام الحج أن تقف المطايا ... على خرقاء كاشفة اللثام أما علمت أني من مناسك الحج؟ مع كلام آخر حذفت ذكره. وإنما قيل لها ذو الرمة لقوله في الوتد أشعث باقي رمة التقليد والرمة بضم الراء الحبل وبكسرها العظم البالي. ومن قول ذي الرمة يمدح بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه مخاطبا ناقته: إذا ابن أبي موسى بلالاً بلغته ... فقام بفأس بين وصليك حارز وهذا المعنى أخذه من قول الشماخ في عرابة الأوسي يخاطب ناقته:

стр. 195

إذا بلغتني وحملن رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين وجاء بعدهما أبو نواس فأوضح هذا المعنى بقوله في الأمير محمد بن هارون الرشيد: وإذا المطي بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرجال حرام فأحسن في هذا المعنى لأنهما أوعدا ناقتيهما بالذبح، وأبو نواس وعدهما بتحريم الركوب على ظهرها وأراحها من الكد في الأسفار، وقابلها بالاحسان لكونها بلغته إلى احسان استغنى به عن الأسفار، وإن كان هذا الاستغناء مفهوماً من قولهما قبله لكن هما جازاها بالذبح والانعطاب، وهو بالاستراحة من الأسفار وما فيها من العذاب. سنة ثمان عشرة ومائة فيها توفي علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب جد الخلفاء العباسية بأرض البلقاء. ولد ليلة قتل علي بن أبي طالب ﵁، وكان من أجمل قريش وأجلها، قال الأوزاعي وغيره: كان يسجد كل يوم ألف سجدة ولذلك يقال له السجاد قلت وقد تقدم هذا مع غيره. وفيها توفي عمرو بن شعيب، وأبو عشانة بالعين المهملة والشين المعجمة والنون. سنة تسع عشرة ومائة فيها توفي إياس بن سلمة بن الأكوع، وحبيب بن أبي ثابت فقيه الكوفة ومفتيها، وقيس بن سعد المكي صاحب عطاء وكان المفتي بمكة في وقته. سنة عشرين ومائة فيها توفي أنس بن سيرين، وفقيه الكوفة أبو إسماعيل حماد بن أبي سليمان صاحب إبراهيم النخعي، روى عن أنس بن مالك وسعيد بن المسيب وطائفة، وكان سريا محتشما يفطر كل ليلة في رمضان خمس مائة إنسان، وقال شعبة: كان صدوق اللسان، وعاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري شيخ محمد بن إسحاق، وكان اخبارياً علامة بالمغازي، وأبو معبد عبد الله بن كثير الكناني مولاهم الفارسي الأصل قارىء أهل مكة وقاضي الجماعة فيها، وهو من الطبقة الثانية من التابعين، قرأ على عبد الله بن السائب المخزومي وعلى مجاهد، وحدث عن أبي الزبير وغيره.

стр. 196

وفيها توفي علقمة بن مرثد الحضرمي الكوفي، كان نبيلاً في الحديث، وقيس بن مسلم، ومحمد بن إبراهيم التيمي المدني الفقيه. سنة احدى وعشرين ومائة فيها توفي مسلمة بن عبد الملك بن مروان، وكان موصوفاً بالشجاعة والاقدام والرأي والدهاء، قتل زيد بن علي بن الحسين بن علي بالكوفة، وكان قد بايعه خلق كثير، وحارب متولي العراق يومئذ الأمير يوسف بن عمر الثقفي فقتله يوسف المذكور وصلبه، قلت وقد يتوهم بعض الناس أن يوسف بن عمر الثقفي هذا أبو الحجاج، وليس كذلك بل الحجاج بن يوسف عم أبيه، فإنه يوسف بن عمر بن محمد بن يوسف، هكذا ذكر بعض المؤرخين نسبه، ولما خرج زيد أتته طائفة كثيرة وقالوا له تبرأ من أبي بكر وعمر حتى نبايعك، فقال: بل أتبرأ ممن يتبرأ منهما. فقالوا: اذن نرفضك فمن ذلك الوقت سموا الرافضة وسميت شيعة زيد زيدية. سنة اثنتين وعشرين ومائة فيها توفي قاضي البصرة إياس بن معاوية بن قرة المزني اللسن البليغ والألمعي المطيب والمعدوم مثلاً في الذكاء والفطنة ورأساً لأهل البيان والفصاحة، كان صادق الظن لطيفاً في الأمور مشهوراً بفرط الذكاء، وإياه عنى الحريري بقوله في المقامة السابعة: فإذا ألمعيتي ألمعية ابن عباس، وفراستي فراسة إياس أحد من يضرب به المثل في الذكاء، وهو المشار إليه في قول أبي تمام: إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس ولي قضاء البصرة في خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، وقيل لوالده معاوية بن قرة: كيف ابنك لك؟ قال: نعم. الابن كفاني أمر دنياي، وفرغني لآخرتي، وكان إياس المذكور أحد العقلاء الفضلاء الدهاة. ويحكى من فطنته أنه كان في موضع، فحدث فيه ما يقتضي الخوف، وهناك ثلاث نسوة لا يعرفهن، فقال: ينبغي أن يكون هذه حاملاً وهذه مرضعاً وهذه عذراء، فكشف عن ذلك فكان كما تفرس، فقيل له من أين لك هذا؟ فقال: عند الخوف لا يضع الإنسان يده إلا على أعز ما له ويخاف عليه، فرأيت الحامل وضعت يدها على جوفها فاستدللت بذلك على

стр. 197

حملها، والمرضع وضعت يديها على ثديها فعلمت أنها مرضع، والعذراء وضعت يدها بين رجليها أوكما قال فعلمت أنها بكر. وسمع يهودياً يقول: ما أحمق المسلمين يزعمون أن أهل الجنة يأكلون ولا يحدثون، فقال له: افكلما تأكله تحدثه؟ قال: لا لأن الله تعالى يجعله غذاء، قال: فلم تنكر أن تعالى يجعل كل ما يأكله أهل الجنة غذاء. ونظر يوماً إلى آجرة بالرحبة وهو بمدينة واسط، فقال: تحت هذه الآجرة دابة. فرفعوا الآجرة فإذا تحتها حية منطوية، فسألوه عن ذلك فقال: اني رأيت ما بين الآجرتين ندياً من بين تلك الرحبة، فعلمت أن تحتها شيئاً يتنفس. وقال رأيت في المنام كأني وأبي على فرسين، فجريا معاً فلم أسبقه ولم يسبقني، وعاش أبي ستاً وسبعين سنة وها أنا فيها، فلما كانت آخر لياليه قال: هذه ليلة استكمل فيها عمر أبي، ونام، فأصبح ميتاً رحمه الله تعالى. وله من ذا غرائب وعجائب يعجز عن حصرها الكاتب. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى نائبه بالعراق عدي بن أرطأة أن أجمع بين إياس بن معاوية والقاسم بن ربيعة الجرشي قبول قضاء البصرة أنفذهما، فجمع بينهما، فقال إياس: ايها الأمير سل عني وعنه فقيهي المصر الحسن وابن سيرين، وكان القاسم يأتيهما وإياس لا يأتيهما، فعلم القاسم أنه إن سألهما أشارا به، فقال: لا تسأل عنه ولا عني، فوالله الذي لا إله إلا هو إنه أفقه وأعلم بالقضاء مني. فإن كنت كاذباً فما يحل لك أن توليني وأنا كاذب، وإن كنت صادقاً فينبغي لك أن تقبل قولي، فقال له إياس إنك جئت برجل أوقفته على شفير جهنم فنحى نفسه عنها بيمين كاذبة يستغفر الله تعالى منها وينجو مما يخاف فقال عدي بن أرطأة: اما إذ فهمتنا فأنت لها فاستقضاه. وروي عن إياس إنه قال ما غلبني أحد قط سوى رجل واحد، وذلك أني كنت في مجلس القضاء فدخل علي رجل شهد عندي أن البستان الفلاني وذكر حدوده هو ملك فلان، فقلت له كم عدد شجره فسكت، ثم قال: لي منذ كم يحكم سيدنا القاضي في هذا المجلس؟ فقلت: منذ كذا. فقال: كم عدد خشب سقفه؟ فقلت: الحق معك، وأجزت شهادته. وكان يوماً في برية فأعوزهم الماء وسمع نباح كلب، فقال: هذا على رأس بير فاستقرؤوا النباح فوجدوه كما قال، فقيل له في ذلك فقال: لأني سمعت الصوت كالذي يخرج من بير أو قال كأنه يخرج من بير.

стр. 198

سنة ثلاث وعشرين ومائة فيها توفي بالبصرة السيد الجليل الولي الكبير الفاضل الشهير ثابت البناني من سادات التابعين علماً وشغلاً وعبادة وزهداً، وفيها توفي سماك بن حرب الهذلي الكوفي أحد الكبار، قال أدركت ثمانين من الصحابة وذهب بصري فدعوت الله فرده علي. وفيها توفي السيد الجليل الولي الحفيل محمد بن واسع الأزدي الملقب زين القراء ذو الفضائل المشهورة والسيرة المشكورة الذي قال فيه بعضهم: كنت إذا وجدت فترة أو قال قسوة نظرت في وجه محمد بن واسع فاعمل على ذلك جمعة وقال شهراً، والذي قال له مالك بن دينار: ما أحوج مثلي بمعلم مثلك لما نبهه على بعض دقائق الورع في قضية ذكرتها في غير هذا الكتاب. سنة أربع وعشرين ومائة فيها توفي في رمضان الإمام أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري أحد الفقهاء والمحدثين والأعلام التابعين، حفظ علم الفقهاء السبعة، ورأى عشرة من الصحابة ﵃، سمع من سهل بن سعد وأنس بن مالك وخلائق، وروى عنه جماعة من الأئمة منهم مالك بن أنس وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة. قال ابن المديني: له نحو الذي حديث، وكان قد حفظ علم الفقهاء السبعة، وقال عمر بن عبد العزيز: لم يبق اعلم بسنة ماضية من الزهري، وكذا قال مكحول. وقال الليث. قال ابن شهاب: ما استودعت قبي علماً فنسيته. وقال غيره: من أهل العلم كان معظماً وافر الحرمة عند هشام بن عبد الملك أعطاه مرة سبعة آلاف دينار. وقال عمرو بن دينار ما رأيت الدينار والدرهم عند أحد أهون منه عند الزهري، كأنها عنده بمنزلة البعر، وكان إذا جلس في بيته وضع كتبه حوله فيشتغل بها عن كل شيء من أمور الدنيا، فقالت له امرأته: والله لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر، ولم يزل مع عبد الملك، ثم مع هشام بن عبد الملك، واستقضاه يزيد بن عبد الملك. وحضر يوماً مجلس هشام وعنده أبو الزناد عبد الله بن ذكوان، فقال هشام: اي شهر كان يخرج العطاء فيه لأهل المدينة؟ فقال الزهري: لا أدري. فسأل أبا الزناد فقال: في المحرم. فقال هشام للزهري: يا أبا بكر هذا علم استفدته اليوم، فقال: مجلس المؤمنين

стр. 199

أهل أن يستفاد منه العلم وقيل له الزهري بضم الزاي نسبة إلى زهرة ين كلاب بن مرة: فخذ من أفخاذ قريش. ومنهم آمنة بنت وهب أم رسول الله ﵌، وعبد الرحمن بن عوف كما تقدم وخلق كثير من الصحابة ﵃ أجمعين. سنة خمس وعشرين ومائة فيها توفي أبو الوليد هشام بن عبد الملك الأموي خليفتهم، وكانت ولايته عشرين سنة إلا شهراً، وكانت داره عند الحوامر بدمشق، فعمل منها السلطان نور الدين مدرسة، وكان ذا رأي وحزم وحلم وجمع للمال، عاش أربعاً وخمسين سنة، وكان أبيض جميلاً يخضب بالسواد. ومما يحكى عن هشام بن عبد الملك أنه خرج ذات يوم إلى الصيد، فنظر إلى ظبي فتبعه، فأحالته الكلاب إلى أن وصل به إلى صبي يرعى غنماً، فقال له: يا صبي دونك الظبي أيتني به. فقال له الصبي: فقدت الحياة لو نظرت إلي باستصغار وعاشرتني باحتقار وكلامك كلام جبار وفعلك فعل حمار. قال: يا غلام أو لم تعرفني قال بلى قد عرفني بك سوء أدبك إذ بدأتني بكلامك قبل سلامك. قال له: وأنا هشام بن عبد الملك. قال: لا قرب الله دارك ولا حيا قرارك. قال: فوألله ما استتم كلامه حتى أحدقت به الخيول والجيوش من كل جانب ومكان، كل له يقول السلام عليك يا أمير المؤمنين، السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: اقصروا من السلام واحفظوا بالغلام، والحقوني به، قال: ثم ركب مغضباً إلى داره، فلما وصل إلى داره وركب على سرير ملكه أقبلت إليه الحرفاء والوزراء والأمراء والكتاب، كل يقول السلام عليك يا أمير المؤمنين السلام عليك يا أمير المؤمنين، وذلك الصبي ساكت، قد أرسل ذقنه على صدره، وقرن عينيه وسكت عن الكلام وامتنع عن السلام. فقال له بعض الوزراء: يا كلب العرب ما منعك أن تسلم على أمير المؤمنين؟ قال: يا بردعة الحمار منعني من ذلك طول الطريق ونهر الدرجة. فقال له بعض الحرفاء: يا جحش العرب بلغ من فضولك أن تخاطب أمير المؤمنين كلمة بكلمة. فقال: رمتك الجندل ولامك الهبل أو ما سمعت قول الله في كتابة المنزل على نبيه المرسل " يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها " - النحل: ١١١ - فإذا كان الله تعالى يجادل جدالاً، فمن هشام حتى لا يخاطب خطاباً فعند ذلك اغتاظ الملك من كلامه، وقال: علي برأس الغلام فقد أكثر الكلام، فوضع ذلك

стр. 200

الصبي في نطع الدم، وخرد سيف النقمة ليضرب عنقه، فقال له الضراب: يا سيدي عبدك المذل بنفسه المنقلب إلى رمسه أضرب عنقه وأنا بريء من دمه. قال: اضرب عنقه: فاستأذنه ثانية فأذن له، ثم استأذنه ثالثة فأذن له، فضحك ذلك الصبي وهو في نطع الدم، فقال أقيموه، ثم قال له: يا غلام أنت تضحك في الممات، وتجادل في الحياة، اتستهزىء بنا أم بنفسك؟ قال: يا أمير المؤمنين اسمع مني كلمتين وأفعل ما بدا لك قال: قل قال: فوالله إن هذا أول أوقاتي من الآخرة وآخر أوقاتي من الدنيا، فوالله لئن كان من المدة تقصير وفي الأجل تأخير لا يضرني من كلامك هذا لا قليل ولا كثير، ولكن يا أمير المؤمنين أبيات من الشعر حضرتني اسمعها مني قل: قال: فقال: نبئت أن الباز خلف مرة ... عصفور برساقه المقدور فتكلم العصفور في أظفاره ... والباز منهمك عليه يطير ما في ما يغني لمثلك شبعة ... ولئن أكلت فأنني لحقير فتعجب الباز المدل بنفسه ... عجباً وأفلت ذلك العصفور قال فخر هشام بن عبد الملك على وجهه ضاحكاً، وقال: والله لو تلفظ بهذا الكلام في وقت من أول أوقاته وطلب ما دون الخلافة لأعطيته إياه، يا غلام احش فاه دراً وجوهراً، قال: فحشى فاه دراً وجوهراً وأعطاه الجائزة والكسوة وراح إلى أهله مسروراً. وفي السنة المذكورة توفي أبو سعيد بن أبي سعيد المقبري، روى عن سعد بن أبي وقاص، وأكثر عن أبي هريرة ﵁. وفيها توفي أشعث بن أبي الشعثاء المحاربي الكوفي. وتوفي أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي والد السفاح والمنصور، عاش ستين سنة، وكان وسيماً جميلاً مهيباً نبيلاً، وكانت دعاة بني العباس يكاتبونه يلقبونه بالإمام، وكان سبب انتقال الخلافة إلى بني العباس أن محمد ابن الحنفية كانت الشيعة تعتقد إمامته بعد أخيه الحسين، فلما توفي محمد ابن الحنفية انتقل الأمر إلى ولده أبي هاشم، وكان عظيم القدر وكانت الشيعة تتولاه، فحضرته الوفاة بالشام ولا عقب له، فأوصى إلى محمد بن علي المذكور وقال له أنت صاحب هذا الأمر وهو في ولدك، ودفع إليه كتبه وصرف الشيعة نحوه، ولما حضر محمد الوفاة أوصى إلى ولده إبراهيم

стр. 201

المعروف بالإمام، فلما حبسه مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية وتحقق أن مروان يقتله أوصى أخيه السفاح، وهو أول من ولي الخلافة من أولاد العباس. هذه خلاصة الأمر والشرح فيه طويل. وفيها وقيل في سنة أربع توفي يزيد بن أبي أنيسة الجزري الرهاوي بضم الراء الحافظ أحد علماء الجزيرة، عاش أربعين سنة، روى عن جماعة من التابعين. وفيها أو بعدها توفي زيادة بن علاقة الثعلبي الكوفي، روى عن طائفة وكان معمراً، ادرك ابن مسعود وسمع من جرير بن عبد الله وصالح مولى التوأمة المدني. سنة ست وعشرين ومائة فيها في جمادى الآخرة قتل خليفتهم الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وكانت ولايته سنة وثلاثة أشهر، وكان من أجمل الناس وأقواهم وأجودهم نظماً، ولكن ذكروا عنه أشياء قبيحة في الدين والعرض أكره ذكرها، والله أعلم بذلك، قالوا: ولذلك قاموا عليه مع ابن عمه يزيد بن الوليد الملقب بالناقص لكونه نقص الجند عطياتهم، وبويع ليزيد بن المذكور، فمات في العشرين من ذي الحجة في السنة المذكورة وله ست وثلاثون سنة، وكان فيه زهد وعدل وخير ولكن كان قدرياً. قال الإمام الشافعي رضي الله: ولي يزيد بن الوليد فدعا الناس إلى القدر، وحملهم عليه. وفيها وقيل في سنة تسع، وقيل في سنة خمس وعشرين ومائة، توفي عمرو بن ديناراليمني الصنعاني عن ثمانين سنة، من أبناء الفرس الذين أرسلوا مع سيف بن ذي يزن وتوالدوا في اليمن، تفقه عمرو بن دينار عن ابن عباس وابن عمر وجابر بن عبد الله زيد وطاوس والزهري وسعيد بن جبير، وسكن مكة، وعده الشيخ أبو إسحاق هو وعطاء في فقهاء التابعين بمكة، اخذ عنه سفيان بن عيينة الهلالي المكي أحد شيوخ الشافعي، وأبو الوليد بن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، قال سفيان بن عيينة: قيل لعطاء: بمن تأمر قال بعمرو بن دينار، وقال طاوس لابنه: يا بني إذا قدمت مكة فجالس عمرو بن دينار فإن أذن قمع العلماء، يعني القمع بكسر القاف وسكون الميم وبعدها عين مهملة، إناء واسع الأعلى ضيق الأسفل يصب فيه الدهن ونحوه فينزل في إناء تحته لئلا يتبدد. وفيها توفي عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر المدني الفقيه، كان إماماً

стр. 202

ورعاً كثير العلم، وفيها توفي سعيد بن مسروق والد سفيان الثوري ﵀. وفيها هلك تحت العذاب الشاق خالد بن عبد الله القسري الدمشقي أمير العراق، تولى من قبل هشام بن عبد الملك، وولي قبل ذلك مكة، وكان معدوداً من خطباء العرب المشهورين بالفصاحة والبلاغة، وكان جواداً كثير العطاء، خل فيه عليه شاعر يوم جلوسه للشعراء، وكان قد أراد مدحه ببيتين، فلما رأى اتساع الشعراء في القول، استصغر قوله فسكت حتى انصرفوا، فقال له خالد: ما حاجتك؟ قال: مدحت الأمير فلما سمعت قول الشعراء احتقرت بيتي، فقال: وما هما؟ فأنشدته: تبرعت لي بالجود حتى تعيشني ... وأعطيتني حتى حسبتك تلعب فأنت الندى وابن الندى وأبو الندى ... حليف الندى، ما للندى عنك مذهب فقال: ما حاجتك؟ فقال علي دين. فأمر بقضائه وأعطاه مثله. وكتب إليه هشام بن عبد الملك: بلغني أن رجلاً قام إليك فقال: ان الله جواد وأنت جواد، وإن الله كريم وأنت كريم، حتى عد عشر خصال، والله لئن لم تخرج من هذا لأستحلن دمك. فكتب إليه خالد: نعم يا أمير المؤمنين، قام إلي فلان فقال: ان الله كريم يحب الكريم فأنا أحبك بحب الله إياك ولكن أشد من هذا مقام ابن سقي البجلي إلى أمير المؤمنين، فقال خليفتك أحب إليك أم رسولك؟ فقال: بل خليفتي. فقال: انت خليفة الله ومحمد رسول الله، والله لقتل رجل من بجيلة أهون على العامة والخاصة من كفر أمير المؤمنين، هكذا ذكره الطبري في تاريخه، ان هشاماً عزل خالداً عن العراقين وولي يوسف بن عمر الثقفي ابن عمر الحجاج مكانه، وأمر بمحاسبة خالد وعماله، فأخذ خالداً وعماله وحبسه، وعذبه بأن وضع قدميه بين خشبين وعصرهما حتى انقصفا، ثم إلى وركيه ثم إلى صلبه فلما انقصفت صلبه ومات وهو في ذلك لا يتأوه ولا ينطق، وكان ذلك في الحيرة منزل نعمان بن المنذر أحد ملوك العرب على فرسخ من الكوفة، ولما كان خالد في السجن مدحه أبو الأشعث العبسي بهذه الأبيات: ألا أن خير الناس حياً وميتاً ... أسير ثقيف عندهم في السلاسل لعمري لقد عمرتم السجن خالداً ... وأوطأتموه وطأة المتثاقل لقد كان نهاضاً بكل ملمة ... ومعطي اللها غمراً كثير النوافل وقد كان يبني المكرمات لقومه ... ومعطي اللها في كل حق وباطل يعني باللها العطية. يقال فلان يعطي اللها: اذا كان جواداً يعطي الشيء الكثير. وكان يوسف قد جعل على خالد في كل يوم حمل مال معلوم أن لم يقم به من يومه

стр. 203

عذبه، فلما مدحه العبسي بهده الأبيات كان قد حصل من قسط يومه سبعين ألف درهم، فأنفذها إليه، فقال اعذرني فقد ترى ما أنا فيه فردها، وقال لم أمدحك لمال وأنت على هذه الحالة ولكن لمعروفك وافضالك، فأنفذها إليه ثانياً، فاقسم عليه لتأخذنها فأخذها، وبلغ ذلك يوسف، فدعاه وقال ما جرأك على فعلك ألم تخش العذاب؟ فقال لئن أموت عذاباً أسهل علي من كفي، لاسيما على من مدحني. وذكر أبو الفرج الأصفهاني أن خالداً كان من ولد شق الكاهن، وذكروا أنه كان شق ابن خالة سطيح الكاهن، وكان شق وسطيح من أعاجيب الدنيا. أما سطيح فكان جسداً ملقى لا جوارح له، وكان وجهه في صدره، ولم يكن له رأس ولا عنق، وكان لا يقدر على الجلوس إلا إذا غضب انتفخ فجلس، وقيل كان يطوى مثل الأديم وينقل من مكان إلى مكان إذا أراد الانتقال، وكان شق نصف إنسان، وكانت له يد واحدة ورجل واحدة، وفتح عليهما في الكهانة ما هو مشهور عنهما، وكان ولادتهما في يوم واحد. وفي ذلك اليوم توفيت ظريفة الكاهنة الحميرية زوجة عمر، ومزيقيا بن عامر ماء السماء. ولما ولد ادعت لكل واحد منهما وتفلت في فيه، وزعمت أنه سيخلفها في كهانتها، ثم ماتت لساعتها ودفتت في الجحفة، وعاش كل واحد من شق وسطيح. وسطيح هو الذي بشر بالنبي ﵌، وقصته في تأويل الرويا مشهورة وذكرها مستوفي في السيرة. وفي السنة المذكورة توفي الكميت الأسدي الشاعر. سنة سبع وعشرين ومائة فيها سار مروان بن محمد بن مروان من أرمينية إلى دمشق يطلب الأمر لنفسه لما بلغه وفاة يزيد الناقص، فجهز إبراهيم الخليفة أخويه بشراً ومسروراً بالجيش فكسرهما مروان وحبسهما، ثم نزل بمرج دمشق فحاربه سليمان بن هشام بن عبد الملك، ثم انهزم سليمان فعسكر خليفتهم ابن الوليد بظاهر دمشق وبذل الخزائن فخذلوه، فهرب وبايع الناس مروان، فأتاه إبراهيم فخلع نفسه وبايع مروان.

стр. 204

وفي السنة المذكورة قتل يوسف بن عمر الثقفي الذي كان أمير العراق في السجن بدمشق، ذكر بعض المؤرخين أنه ولى هشام بن عبد الملك يوسف بن عمر اليمن، فلم يزل والياً بها حتى كتب له هشام أن سر إلى العراق فقد وليتك إياه، وإياك أن يعلم بك، واشفني من ابن النصرانية يعني خالد بن عبد الله القسري، وكان والياً عل العراق فاستخلف يوسف ابنه الصلت على اليمن، وسار إلى العراق في سبعة عشر يوماً، ودخل المسجد مع الفجر، فأمر المؤذن بالإقامة، فقال: حتى يأتي الإمام، فانتهره فأقام وتقدم يوسف فصلى وقرأ إذا وقعت الواقعة وسأل سائل، ثم أرسل إلى خالد وخليفته طارق وأصحابهما، وكان طارق قد ختن ابنه فأهدي إليه ألف عتيق وألف وصيف وألف وصيفة سوى المال والثياب، فحبس يوسف خالداً، فصالحه أبان بن الوليد عنه وعن أصحابه بتسعة آلاف ألف درهم، ثم ندم يوسف وقيل له لو لم تقبل هذا المال لأخذت منه مائة ألف ألف درهم، وقيل غير ذلك مع قصص يطول ذكرها، وعاقبة ذلك أنه مات خالد المذكور تحت العذاب الشاق وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمته في سنة ست وعشرين. ثم آل الأمر بعد أمور يطول ذكرها إلى أن تولى يزيد بن الوليد بن عبد الملك، واطاعة أهل الشام وانبرم له الأمر، فولى منصور بن جمهور العراق، فبلغ خبره يوسف بن عمر، فهرب وسلك طريق السماوة حتى أتى إلى البلقاء فاستخفى بها، وكان أهله مقيمين فيها، فلبس زي النساء وجلس بينهن، فبلغ يزيد بن الوليد خبره، فأرسل إليه من يحضره، فوصل إليه وأخذه بعد أن فتش عليه كثيراً فوجده جالساً على تلك الهيئة بين نسائه وبناته، فجاءوا به في وثاق، فحبسه يزيد عند الحكم وعثمان ابني الوليد بن يزيد، وكان يزيد بن الوليد قد حبسهما عند قتله أباهما في الحضراء وهي دار بدمشق مشهورة قبل جامعها. قال ابن خلكان وقد خربت ومكانها معروف عندهم فأقام يوسف بن عمر في السجن إلى أن مات يزيد بن الوليد، وتولى بعده أخوه إبراهيم بن الوليد، ومن بعده عبد العزيز بن الحجاج، ثم تولى بعد الكل مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية، وغلب على الأمر، خافت جماعة إبراهيم بن الوليد أن يدخل مروان دمشق فيخرج الحكم وعثمان ابني الوليد من السجن ويجعل لهما الأمر فيفتكان فيهم، فأجمع رأيهم على قتلهما، فأرسلوا يزيد بن خالد القسري ليتولى ذلك، فانتدب في جماعة من أصحابه لذلك، فدخلوا السجن، وشدخوا

стр. 205

الغلامين بالعمد وأخرجوا يوسف بن عمر، فضربوا عنقه لكونه قتل خالد بن عبد الله القسري والد يزيد المذكور. ولما قتلوه أخذوا رأسه عن جسده وشدوا أرجله، وقتل في مذاكيره حبل وهو يجر في ذلك الموضع نعوذ بالله من جميع الشرور ونسأله حسن عاقبة الأمور. وفيها توفي الحكم وعثمان ولدا الوليد بن عبد الملك المذكوران. وفيها توفي عبد الله بن دينار. مولى ابن عمر، وعمير بن هاني العنسي بالنون بعد العين المهملة الداراني، روى عن أبي هريرة وعن معاوية قال له عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: اراك لا تفتر من الذكر فكم تسبح؟ قال: مائة ألف إلا أن يخطي الأصابع رحمه الله تعالى. وفيها توفي عبد الرحمن بن مالك الحراني الحافظ، ووهب بن كيسان، وقاضي المدينة سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري. قال شعبة: كان يصوم الدهر ويختم كل يوم، وقيل مات في سنة ست والإمام السدي المفسر الكوفي المشهور. وفيها وقيل في سنة ثمان توفي أبو إسحاق السبيعي شيخ الكوفة وعالمها، عاش نحو المائة. وفيها توفي السيد الكبير الولي الشهير ذو الإيمان الوثيق والورع الدقيق والمناقب العديدة والسيرة الجميلة الجليل الفضل والمقدار: ابو يحيى مالك بن دينار صاحب الهمة العلية والفضائل السنية، روي أنه أقام أربعين سنة لم يأكل من رطب البصرة ولا من تمرها. وروي أنه قد وقع حريق في البصرة، فقال شباب الحي بيت أبي يحيى مالك بن دينار، فخرج متزراً ببارية وبيده مصحف وقال: فاز المخففون أو قال: نجا المخففون، وكان عالماً زاهداً ورعاً لا يأكل إلا من كسبه، وكان يكتب المصاحف بالأجرة. وحكى أبو القاسم بن خلف الأندلسي في كتابه قال: بينا مالك بن دينار يوماً جالساً إذ جاءه رجل، فقال: يا أبا يحيى ادع الله لامرأة حبلى منذ أربع سنين قد أصبحت في كرب شديد، فغضب المالك وأطبق المصحف ثم قال: ما يرى هؤلاء القوم إلا أننا أنبياء، ثم قرأ ثم دعا فقال: اللهم هذه المرأة إن كان في بطنها جارية فأبدلها بها غلاماً فإنك تمحو ما يشاء وتثبت وعندك أم الكتاب، ثم رفع مالك يده فما حطها حتى طلع الرجل من باب المسجد

стр. 206

وعلى رقبته غلام ابن أربع سنين، قد استوت أسنانه وما قطعت جراره. وقال مالك: لو قيل ليخرج شر من في المسجد ما سبقني إلى الباب أحد وقيل له: الا تستسقي له؟ فقال: انتم تنتظرون المطر وأنا أنتظر الحجارة قلت وقد اقتصرت من ذكر فضائله الكثيرة على هذه الألفاظ اليسيرة. سنة ثمان وعشرين ومائة فيها ظهر الضحاك بن قيس الخارجي وقتل متولي الموصل واستولى عليها، وكثرت جموعه وأغار على البلاد، فخافه مروان فسار بنفسه فالتقى الجيشان بنصيبين، وكان قد أشار على الضحاك أمراؤه أن يتقهقر، فقال: ما لي في ديناكم من حاجة، وقد جعلت لله علي إن رأيت هذا الطاغية أن أحمل عليه حتى يحكم الله بيننا وعلي دين سبعة دراهم معي منها ثلاثة دراهم، فدار الحرب إلى آخر النهار وقتل الضحاك في المعركة في نحو ستة آلاف من الفريقين، اكدرهم من الخوارج، وانهزم مروان ولكن ثبت أمير الميمنة وجاء بعض الخوارج فملك مخيم مروان وقعد على سريره، فنظف، نحو ثلاثة آلاف فأحاطت بذلك الخارجي فقتل، وقام بأمر الخوارج شيبان فتحيز بهم فخندقوا على نفوسهم وجاء مروان فنازلهم وقاتلهم عشرة أشهر كل يوم راية مروان مكسورة، وكانت فتنة هائلة تشبه فتنة الأشعث من الحجاج، ثم رحل شيبان نحو شهرزور، ثم توجه إلى كرمان، ثم كر إلى ناحية البحرين، فقتل هناك، وفيها ولي العراقين يزيد بن عمر بن هبيرة. وفيها توفي عاصم بن أبي النجود الأزدي مولاهم قارىء الكوفة في زمانه وأحد القراء السبعة، وكان صالحاً حجة للقرآن صدوقاً في الحديث، قرأ على عبد الرحمن السلمي وزر بن حبيش رضي " الله عنهم. وفيها توفي يحيى بن يعمر العدواني البصري كان تابعياً، لقي عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس. وغيرهما من الصحابة، وروى عنه قتادة السدوسي وإسحاق العدوي، وهو أحد القراء بالبصرة، وانتقل إلى خراسان وتولى القضاء بمرو، وكان عالماً بالقرآن

стр. 207

الكريم والنحو ولغات العرب، اخذ النحو عن أبي الاسود الديلي، وكان يحيى المذكور من الذين يقولون بتفضيل أهل البيت على غيرهم من غير تنقيض لذي فضل من غيرهم. وحكى عاصم بن أبي النجود المقري إن الحجاج بن يوسف الثقفي كتب إلى قتيبة بن مسلم وإلى خراسان أن أبعث إلي يحيى بن يعمر، فبعث به إليه، فلما قام بين يديه قال: انت الذي تزعم أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله والله لآلقين الأكثر منك شعراً أو لتخرجن من ذلك. فقال: فهو أماني إن خرجت؟ قال: نعم قال فإن الله جل ثناؤه يقول " ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين " - الأنعام: ٨٤ - وزكريا ويحيى وعيسى الآية وما بين عيسى وإبراهيم أكثر مما بين الحسن والحسين ومحمد ﵌. فقال له الحجاج ما أراك إلا قد خرجت، والله لقد قرأتها وما عملت بها قط، وهذا من الاستنباطات البديعة الغريبة المجيبة، فلله دره ما أحسن ما استنبط مع شدة التهديد من ما في وعيده أفرط، قال عاصم: ثم إن الحجاج قال له: اين ولدت؟ قال: بالبصرة قال: ايزننشأت؟ قال: بخراسان قال: فهذه العربية إني مع ذلك قال: رزق قال: خبرني عني هل ألحن؟ فسكت. فقال: اقسمت عليك. قال: اما إذا سألتني أيها الأمير فإنك ترفع ما يوضع وتضع ما يرفع. قال: ذلك والله اللحن السيىء، وقال ثم كتب إلى قتيبة إذا جاءك كتابي هذا فاجعل يحيى بن يعمرعلى قضاءك والسلام. وعن يونس بن حبيب قال: قال الحجاج ليحيى بن يعمر: اتسمعني ألحن؟ قال في حرف واحد، قال في أي؟ قال في القرآن، قال ذلك أشنع ما هو؟ قال تقول: قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم إلى قوله أحب إليكم، فتقرأها بالرفع، قال الراوي: كأنه لما طال الكلام نسي ما ابتدأ به، قال الحجاج: لا جرم لا تسمع لحناً أبداً، وقال: خالد الحذاء: كان لابن سيرين مصحف منقوط، نقطه يحيى بن يعمر، وكان ينطق بالعربية المحضة واللغة الفصحاء، طبعه فيه غير متكلف، وأخباره ونوادره كثيرة. وفيها توفي أبو عمران الجوني البصري، وأبو الزبير المكي محمد بن مسلم أحد العقلاء والعلماء، وفيها فقيه مصر وشيخها أبو رجاء بن أبي حبيب الأزدي مولاهم، قال لليث: هو مولانا وسيدنا.

стр. 208

سنة تسع وعشرين ومائة في رمضان منها كان ظهور أبي مسلم الخراساني صاحب الدعوة لبني العباس بمرو. وفيها توفي عالم المغرب وعابدها خالدبن أبي عمران التجيبي التونسي قاضى إفريقية. وفيها توفي على الصحيح يحيى بن أبي كثير أبو نصر أحد الأعلام في الحديث، وفيها توفي قاري المدينة الزاهد العابد أبو جعفر يزيد بن القعقاع، اخذ عن أبى هريرة وابن عباس، وقرأ عليه نافع، وله ذكر في سنين أبي داود. سنة ثلاثين ومائة فيها وقيل فى السنه الآتية توفي السيد الفقيه القدوة الحافظ القانت الزاهد محمد بن المنكدر، وسمع من عائشة وأبي هريرة، وكان بيته مأوى الصالحين ومجتمع المفلحين من الزاهدين والعابدين. وتوفي فيها يزيد بن رومان المدني، احد شيوخ نافع في القراءة، ﵀. سنه إحدى وئلاثين ومائه فيها استولى أبو مسلم صاحب الدعوة على ممالك خراسان، وهزم الجوش، وأقبلت دولة بني العباس، وولت دولة بني أمية. وفيها توفي فقيه أهل البصرة أيوب السختياني أحد الأعلام قال شعبة: كان سيد الفقهاء، وقال ابن عيينة: لم ألق مثله، وقال حماد بن زيد: كان أفضل من جالسته وأشد اتباعاً للسنة، وقال ابن المديني: له نحو ثمان مائة حديث. وفيها توفي أبو الزناد الفقيه أحد علماء المدينة، وهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن ذكوان، لقي عبد الله بن جعفر وأنساً. قال الليث: رأيت أبا الزناد حلقه ثلاث مائة تابع من

стр. 209

طالب فقه وعلم وشعر وصوف، تم لم يلبث أن بقي وحده، وأقبلوا على ربيعه، وكذا ربيعة أقبلوا على مالك وتركوه، صدق الله العظيم: " وتلك الأيام نداولها بين الناس " - آل عمران: ١٤٠ - قال أبو حنيفة: وكان أبو الزناد أفقه من ربيعة. وفيها توفي واصل بن عطاء المعتزلي المعروف بالغزال أحد أئمة المعتزلة، كان من البلغاء المتكلمين في العلوم، وكان ألثغ يبدل الراء غيناً. قال المبرد: كان أحد الأعاجيب، وذلك أنه كان قبيح اللثغة في الراء وكان يخلص كلامه من الراء، ولا يلقن لذلك لقتداره على الكلام وسهولة ألفاظه، وفي ذلك يقول بعض الشعراء: عليهم بإبدال الحروف وقامع ... لكل خطيب يغلب الحق باطله وقال آخر: ويجعل البر قمحاً في تصرفه ... وخالف الراء حتى احتال للشعر ولم يطق مطراً والقول يجعله ... فعاد بالغيث إشفاقاً من المطر وذكر السمعاني في كتاب الأنساب: ان واصل بن عطاء كان يجلس إلى الحسن البصري، فلما ظهر الاختلاف: وقالت الخوارج بتكفير مرتكب الكبائر، وقالت الجماعة بأنهم مؤمنون وإن فسقوا بالكبائر، خرج واصل بن عطاء من الفريقين وقال: ان الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر منزلة بين منزلتين، فطرده الحسن عن مجلسه، واعتزل عنه، وجلس إليه عمرو بن عبيد، فقيل لهم المعتزلة. قال وكان واصل بن عطاء يضرب به المثل في اسقاطه حرف الراء من كلامه، واستعمل الشعراء ذلك في شعرهم كثيراً، فمنهم قول أبي محمد الخازن في قصيدة يمدح بها الصاحب بن عباد. نعم تجنبت لايوم العطاء كما ... تجنب ابن عطاء لفظة الراء وقال آخر: أعد لثغة لو أن واصل حاضر ... يسمعها ما أسقط الراء واصل وقال آخر: أجعلت وصل الراء لم ينطق به ... وقطعتني حتى كأنك واصل ولقد أحسن في قوله: وقطعتني حتى كأنك واصل، حسبنا بالغاً عند من يفهم المعاني

стр. 210

الحسان، وقد عمل الشعراء في هذه اللثغة كثيراً، ففي ابدال ااثاء من السين ما يعزى إلى أبي نواس من قوله: وشادن سألته عن اسمه ... فقال لي: اثمي مرداث بات يعاطبني سخامية ... فقال لي: قد هجع الناث أما ترى حيشاً كليلتنا ... زينها الذيران والآث فعدت من لثغة الثغا ... فقلت: اين الطاث والكاث قوله سخامية هو بضم السين المهملة والخاء المعجمة وبعد الميم مثناة من تحت وهي: الحمر اللينة السلسلة. قلت وما سمعت من بعض شيوخنا في هذا المعنى: والثغ سألته عن اسمه ... فقال لي إثمي عباث فعدت من لثغة الثغا ... فقلت: اين الطاث والكاث وقال المبرد في كتاب الكامل: لم يكن واصل بن عطاء غزالاً ولكن كان يلقب بذلك، لأنه كان يلزم الغزالين ليعرف المنقطعات من النساء فيجعل صدقته لهن، قال: وكان طويل العنق وله عدة تصانيف في علم الكلام وغيره، وأقواله في الا! عتقاد في كتب الأصول. وفي السنة المذكورة توفي عبد الله بن يحيى بن أبي يحيى المكي المقري صاحب مجاهد. وفيها توفي السيد الكبير الوالي الشهير أحد زهاد البصرة العابدين الشيوخ المباركين من السلف الصالح فرقد السبخي، كان هو ومحمد بن واسع ومالك بن دينار وحبيب العجمي وثابت البناني وصالح المري متصاحبين، ﵏، حدث عن أنس ﵁. وفيها توفي متصور بن زاذان شيخ البصرة وزاهدها وعابدها، روى عن أنس وجماعة، وكان يصلي من بكرة إلى العصر، ثم يسبح إلى الغروب. وفيها توفي همام بن منبه اليماني صاحب أبي هريرة، قال أحمد: كان يعرف بمجالس أبي هريرة، وكان يشتري الكتب لأخيه وهب. ؟؟؟؟؟؟؟؟ سنة اثنتين وثلاثين ومائة فيها، ابتداء دولة بني العباس حتى بويع السفاح أبو العباس عبد الله بن محمد بالكوفة

стр. 211

، وجهز عمه عبد الله بن علي لمحاربة مروان فزحف إليه مروان إلى أن نزل بقرب الموصل، فالتقوا في جمادى الآخرة، فانكسر مروان، واستولى عبد الله بن علي على الجزيرة، وطلب الشام فهرب مروان إلى مصر، وخذل وانقضت أيامه. فنزل عبد الله على دمشق وحاصرها وبها ابن عم مروان الوليد بن معاوية بن مروان، فأخذت بالسيف وقتل بها من الأمويين عدة ألوف منهم أميرها الوليد وسليمان بن هشام بن عبد الملك وسليمان بن يزيد بن عبد الملك. وفيها توفي عبد الله بن طاوس اليماني النحوي، روى عن أبيه قال معمر: كان من أعلم الناس بالعربية وأحسنهم خلقاً، ما رأيت ابن فقيه مثله. وروي أن أمير المؤمنين أبا جعفر المنصور استدعى عبد الله بن طاوس ومالك بن أنس، فلما دخل عليه أطرق ساعة ثم التفت إلى ابن طاوس، فقال له: حدثني عن أبيك، فقال حدثني أبي أن أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل أشركه الله في سلطانه فأدخل عليه الجور في حكمه، فأمسك أبو جعفر ساعة قال مالك قصرت ثيابي خوفاً أن يصيبني دمه، ثم قال له المنصور: ناولني تلك الدواة. ثلاث مرات فلم يفعل، فقال: لم لا تناولني؟ فقال: اخاف أن تكتب بها معصية فأكون قد شاركتك بها، فلما سمع ذلك قال: قوما عني، قال: ذلك ما كنا نبغي، قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاوس فضيلة من ذلك اليوم. وفيها توفي الإمام الحافظ أبو عتاب منصور بن المعتمر السلمي الكوفي أحد العلماء، أخذ من أبي وائل وكبار التابعين، وقال ما كتبت حديثاً قط، وقال عبد الرحمن بن مهدي: لم يكن بالكوفة أحفظ منه. وقال زائدة: صام منصور أربعين سنة، وقام ليلها. وكان يبكي الليل كله، وقيل كان قد عمش من البكاء، وأكره على قضاء الكوفة فقضى شهرين، ومناقبه كثيرة شهيرة. وتوفي بالمدينة إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري الفقيه، وكان مالك لا يقدم عليه أحداً. وفيها توفي أبو عبيد الله صفوان بن سليم المدني الفقيه القدوة، روى عن ابن عمرو جابر وجماعة، قال أحمد بن خنبل: ثقة من خيار عباد الله يستنزل بذكره القطر. وفيها توفي يونس بن ميسرة المقري الأعمى، عاش مائة وعشرين سنة روى عن الكبار، وكان موصوفاً بالفضل والزهد كبير القدر، وقتل الأمير محمد بن عبد الملك بن مروان، والأمير أبو خالد يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين لمروان، وله خمس وأربعون سنة، وكان شهماً شجاعاً خطيباً مفوهاً مفرط الأكل، واقع بني العباس فهزموه،

стр. 212

وتحصن بواسط فحاصره أبو جعفر المنصور أخو السفاح مدة ثم أمنه وغدر به، وقال لا يغير ملك وهذا فيه، فقتله، وهو معدود من جملة من جمع له العراقان، فكان أولهم زياد ابن أبيه، استخلفه معاوية، وآخرهم يزيد المذكور، ولم يجمعا لأحد بعده. وقيل بل أن أبا مسلم الخراساني وصل إلى السفاح، يحضه على قتله، ويقول: طريق السهل لا يصلح أن يكون فيها حجر، وكان يركب في موكب كبير وعسكر كثر إذا جاء إلى أبي جعفر المنصور، فمنع من ذلك، فصار يأتي في نفر يسير، ثم صار يأتي في ثلاثة، ولما قتل رثاه أبو عطاء السندي بقوله: ألا إن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك يجاري دمعها بجمود عشية قام النائحات وشققت ... جيوبها بأيدي مأتم وخدود وكان قد قاتل دونه ولده داود، فقتل مع جماعة من أصحابه، ثم قتل هو ساجد لله تعالى. وذكر بعض المؤرخين أنه لما طال حصار ابن هبيرة ثبت معن بن زايدة معه، وكان أبو جعفر المنصور يقول: ابن هبيرة يخندق على نفسه مثل النساء، وبلغ ابن هبيرة ذلك، فأرسل أليه المنصور: انت القائل كذا؟ ابرز إلي لترى فأرسل إليه ما أجد لي ولك مثلاً إلا كالأسد لقي خنزيراً فقال له الخنزير بارزني: فقال الأسد ما أنت بكفؤ لي، فإن بارزتك فنالذي منك سوء كان عاراً علي، وإن قتلتك قتلت خنزيراً فلم أحصل على حمد ولا في قتلك فخر، فقال الخنزير: لئن لم تبارزني لأعرفن السباع أنك جبنت عني، فقال الأسد: احتمالي لذلك أيسر من تلطيخ براثني بدمك. ثم إن المنصور كاتب القواد، وفهم ابن هبيرة، فطلب الصلح، فأجابه. وقال له ابن هبيرة يوماً إن دولتكم بكر فأذيقوا الناس حلاوتها وجنبوهم مرارتها تصل محبتكم إلى قلوبهم، ويعذب ذكركم على ألسنتهم، وما زلنا منتظرين لدعوتكم. وكان بينهما ستر فرفعه المنصور وقال في نفسه: عجباً لمن يأمرني بقتل هذا، فصار ابن هبيرة يتردد إليه ويتغذى ويتعشى عنده، وبالغ السفاح في حث أبي جعفر في قتله وعنف عليه إن لم يفعل، وهو يمتنع من ذلك، فلم يزل به إلى أن أمر بقتله كما تقدم بإشارة أبي مسلم الخراساني صاحب الدعوة العباسية. قال ابن عساكر: كان ابن هبيرة إذا أصبح أتي بقدح كبير من لبن قد حلب على عسل أحياناً بسكر، فيشربه بعد طلوع الشمس، ويدعوا بالغداء فيأكل دجاجتين وفرخي حمام ونصف جدي وألواناً من اللحم، ثم يخرج فينظر في أمور الناس إلى نصف النهار، ثم يدخل

стр. 213

فيدعوا بالغداء فيأكل ويعظم اللقم ويتابعها ومعه جماعة من الأعيان، فإذا فرغوا من الأكل تفرقوا، ثم دخل إلى نسائه ثم يخرج إلى صلاة الظهر، وينظر في أمور الناس، فإذا صلى العصر وضع له سرير ووضعت للناس كراسي، فإذا أخذوا مجالسهم أتوهم بأقداح اللبن والعسل وأنواع الأشربة، ثم يوضع الأطعمة والسفرة للعامة، ويوضع له ولأصحابه خوان مرتفع، فيأكل معه الوجوه إلى المغرب، ويسامره سماره حتى يذهب عامة الليل، وكان يسأل كل ليلة عشر حوائج، فإذا أصجح قضيت، وكان رزقه ست مائة ألف، وكان يقسم في كل شهر في أصحابه ووجوه الناس وأهل البيوتات. وفيها قتل مروان بن محمد بن مروان الخليفة، وهو الملقب بالجعد، عبر الذيل طالباً الحبشة، فلحقه صالح بن علي عم السفاح وبيته ببوصير، فقاتل حتى قتل وكان بطلاً شجاعاً ظالما أشهل العينين كثير اللحية أبيض ربعة، عاش بضعاً وخمسين سنة، ذكره بعضهم فقال: لله دره ما كان أحزمه وأسوسه وأعفه عن الغي. وقتل معه أخ لعمر بن عبد العزيز كان أحد الفرسان، ولكن تقنطر به فرسه فقتله. وفيها توفي الأمير سليمان بن كثير الخزاعي المروزي أحد نقباء بني العباس، قتله أبو مسلم الخراساني، وقتل بمصر عبد الله بن أبي جعفر الليثي مولاهم البصري الفقيه أحد العلماء وا لزهاد. وفيها وقيل في سنة ثمان وعشرين، وقيل ثلاثين ومائة، توفي أبو جعفر يزيد ابن القعقاع القارىء مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، اخذ القراءة عرضاً عن ابن عباس، وعن مولاه عبد الله بن عياش، وعن أبي هريرة وسمع عبد الله بن عمر، ويقال قرأ على زيد بن ثابت، وروى القراءة عنه عرضاً نافع بن عبد الرحمن وسليمان بن مسلم وغيرهما، وكان يقرأ بالمدينة الشريفة، وقيل هو مولى أم سلمة زوج النبي ﵌، وكان من أفضل الناس، وكان بياض بين نحره وفؤاده قيل هو نور القرآن، ورؤي بعد موته في المنام وهو على ظهر الكعبة بخبر أنه من الشهداء الكرام رحمة الله عليهم.

стр. 214

سنة ثلاث وثلاثين ومائة فيها بعث أبو مسلم الخراساني مرار الضبي فقتل الوزير أبا مسلمة السبيعي مولاهم الكوفي وفيه قيل هذا البيت: إن الوزير وزير آل محمد ... أودى فمن يسأل كان وزيرا وفيها توفي أبو أيوب بن موسى الأموي المكي الفقيه، روى عن عطاء ومكحول. وفيها مات بمكة الأمير داود بن علي بن عبد الله بن عباس، وكان فصيحاً مفوهاً. وفيها أو في الماضية توفي يحيى بن يحيى بن قيس الغساني سيد أهل دمشق في وقته. وفيها توفي مغيرة بن مقسم الضبي مولاهم الكوفي الفقيه الأعمى أحد الأئمة وعمر بن أبي سلمة على ما ذكر بعضهم. سنة أربع وثلاثين ومائة فيها تحول الخليفة السفاح عن الكوفة ونزل الأنبار، وفيها توفي الفقيه يزيد بن يزيد بن جابر الأزدي الدمشقي، روى عن مكحول وطائفة، وقال أبو داود: اجازه الوليد بن يزيد مرة بخمسين ألف دينار، وذكر القضاء فإذا هو أكبر من القضاء، وفيها توجه من العراق موسى بن كعب إلى حرب منصور بن جمهور الكلبي الدمشقي، فالتقى منصوراً في اثني عشر ألفاً فهزم منصور ومات في البرية عطشاً وكان قدرياً. سنة خمس وثلاثين ومائة فيها توفي أبو العلاء برد بن سنان الدمشقي نزيل البصرة، وأبو عقيل زهرة بن معبد التيمي بالاسكندرية، قال الدارمي زعموا أنه من الأبدال. وفيها توفي عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني شيخ مالك والسفيانين. روى عن أنس وجماعة، وكان كثير العلم. وفيها توفي عطاء الخراساني نزيل بيت المقدس، وهو كثير الارسال عن الصحابة، قال ابن جابر كنا نغزو معه، وكان يحيي الليل صلاة إلا نومة السحر، وكان يعظنا ويحضنا على التهجد.

стр. 215

وفيها توفيت السيدة الولية ذات المقامات العلية والأحوال السنية رابعة ابنة إسماعيل العدوية الشهيرة الفضل البصرية، على ما ذكره ابن الجوزي في شذور العقود وقال غيره: توفيت في سنة خمس وثمانين يعني ومائة، قلت وليس صحيحاً قول من ذكر لها حكاية مع السري السقطي، فإنه عاش حتى نيف على خمسين ومائتين من الهجرة. قال الأستاذ أبو القاسم القشيري في رسالته كانت تقول في مناجاتها: الهي تحرق بالنار قلباً يحبك فهتف بها هاتف مرة: ما كنا نفعل هذا، فلا تظنني بنا ظن السوء. وقال عندها يوماً سفيان الثوري: واحزناه، فقالت: لا تكذب بل قل: واقلة حزناه. لو كنت محزوناً لم يتهيأ لك أن تتنفس. وروي أنها سمعته مرة يقول: اللهم إنا نسألك رضاك. فقالت: اما تستحي أن تسأل رضا من لست عنه براض؟. قلت ومثل هذا ما أخبرني بعض أهل العلم قال: سمعني الشيخ عمر الهوري وأنا أقول في الملتزم: الهي إني أسألك رضاك، فقال لي: يا فقيه، لقد تجرأت، انا منذ ثلاثين سنة ما جسرت أدعو الله تعالى بهذا الدعاء. وقالت رابعة: استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار وقال بعضهم كنت أعود الرابعة العدوية، فرأيتها في المنام تقول: هداياك تأتينا على أطباق من نور مخمر بمناديل من نور، وكانت تقول: ما ظهر من أعمالي لا أعده شيئاً. ومن وصاياها اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيآتكم، وأورد لها الشيخ شهاب الدين السهروردي في عوارف المعارف. إني جعلتك في الفؤاد محمدي ... وأبحت جسمي من أراد جلوسي فالجسم مني للجليس مؤانس ... وتجيب قلبي في الفؤاد أنيسي قال ابن خلكان قبرها على رأس جبل يسمى الطور بظاهر القدس. قلت وسمعت من بعض أهل بيت المقدس يذكر أن المدفونة في الجبل المذكور رابعة أخرى غير العدوية، والله أعلم. وروى ابن الجوزي بسند له متصل إلى عبدة خادمة رابعة العدوية، قالت: كانت رابعة تصلي الليل كله، فإذا طلع الفجر هجعت في مصلاها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر، فكنت
следующие страницы →