← История

История · id 9091

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

اليافعي

Полный текст (1 334 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

، وجهز عمه عبد الله بن علي لمحاربة مروان فزحف إليه مروان إلى أن نزل بقرب الموصل، فالتقوا في جمادى الآخرة، فانكسر مروان، واستولى عبد الله بن علي على الجزيرة، وطلب الشام فهرب مروان إلى مصر، وخذل وانقضت أيامه. فنزل عبد الله على دمشق وحاصرها وبها ابن عم مروان الوليد بن معاوية بن مروان، فأخذت بالسيف وقتل بها من الأمويين عدة ألوف منهم أميرها الوليد وسليمان بن هشام بن عبد الملك وسليمان بن يزيد بن عبد الملك. وفيها توفي عبد الله بن طاوس اليماني النحوي، روى عن أبيه قال معمر: كان من أعلم الناس بالعربية وأحسنهم خلقاً، ما رأيت ابن فقيه مثله. وروي أن أمير المؤمنين أبا جعفر المنصور استدعى عبد الله بن طاوس ومالك بن أنس، فلما دخل عليه أطرق ساعة ثم التفت إلى ابن طاوس، فقال له: حدثني عن أبيك، فقال حدثني أبي أن أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل أشركه الله في سلطانه فأدخل عليه الجور في حكمه، فأمسك أبو جعفر ساعة قال مالك قصرت ثيابي خوفاً أن يصيبني دمه، ثم قال له المنصور: ناولني تلك الدواة. ثلاث مرات فلم يفعل، فقال: لم لا تناولني؟ فقال: اخاف أن تكتب بها معصية فأكون قد شاركتك بها، فلما سمع ذلك قال: قوما عني، قال: ذلك ما كنا نبغي، قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاوس فضيلة من ذلك اليوم. وفيها توفي الإمام الحافظ أبو عتاب منصور بن المعتمر السلمي الكوفي أحد العلماء، أخذ من أبي وائل وكبار التابعين، وقال ما كتبت حديثاً قط، وقال عبد الرحمن بن مهدي: لم يكن بالكوفة أحفظ منه. وقال زائدة: صام منصور أربعين سنة، وقام ليلها. وكان يبكي الليل كله، وقيل كان قد عمش من البكاء، وأكره على قضاء الكوفة فقضى شهرين، ومناقبه كثيرة شهيرة. وتوفي بالمدينة إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري الفقيه، وكان مالك لا يقدم عليه أحداً. وفيها توفي أبو عبيد الله صفوان بن سليم المدني الفقيه القدوة، روى عن ابن عمرو جابر وجماعة، قال أحمد بن خنبل: ثقة من خيار عباد الله يستنزل بذكره القطر. وفيها توفي يونس بن ميسرة المقري الأعمى، عاش مائة وعشرين سنة روى عن الكبار، وكان موصوفاً بالفضل والزهد كبير القدر، وقتل الأمير محمد بن عبد الملك بن مروان، والأمير أبو خالد يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين لمروان، وله خمس وأربعون سنة، وكان شهماً شجاعاً خطيباً مفوهاً مفرط الأكل، واقع بني العباس فهزموه،

стр. 212

وتحصن بواسط فحاصره أبو جعفر المنصور أخو السفاح مدة ثم أمنه وغدر به، وقال لا يغير ملك وهذا فيه، فقتله، وهو معدود من جملة من جمع له العراقان، فكان أولهم زياد ابن أبيه، استخلفه معاوية، وآخرهم يزيد المذكور، ولم يجمعا لأحد بعده. وقيل بل أن أبا مسلم الخراساني وصل إلى السفاح، يحضه على قتله، ويقول: طريق السهل لا يصلح أن يكون فيها حجر، وكان يركب في موكب كبير وعسكر كثر إذا جاء إلى أبي جعفر المنصور، فمنع من ذلك، فصار يأتي في نفر يسير، ثم صار يأتي في ثلاثة، ولما قتل رثاه أبو عطاء السندي بقوله: ألا إن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك يجاري دمعها بجمود عشية قام النائحات وشققت ... جيوبها بأيدي مأتم وخدود وكان قد قاتل دونه ولده داود، فقتل مع جماعة من أصحابه، ثم قتل هو ساجد لله تعالى. وذكر بعض المؤرخين أنه لما طال حصار ابن هبيرة ثبت معن بن زايدة معه، وكان أبو جعفر المنصور يقول: ابن هبيرة يخندق على نفسه مثل النساء، وبلغ ابن هبيرة ذلك، فأرسل أليه المنصور: انت القائل كذا؟ ابرز إلي لترى فأرسل إليه ما أجد لي ولك مثلاً إلا كالأسد لقي خنزيراً فقال له الخنزير بارزني: فقال الأسد ما أنت بكفؤ لي، فإن بارزتك فنالذي منك سوء كان عاراً علي، وإن قتلتك قتلت خنزيراً فلم أحصل على حمد ولا في قتلك فخر، فقال الخنزير: لئن لم تبارزني لأعرفن السباع أنك جبنت عني، فقال الأسد: احتمالي لذلك أيسر من تلطيخ براثني بدمك. ثم إن المنصور كاتب القواد، وفهم ابن هبيرة، فطلب الصلح، فأجابه. وقال له ابن هبيرة يوماً إن دولتكم بكر فأذيقوا الناس حلاوتها وجنبوهم مرارتها تصل محبتكم إلى قلوبهم، ويعذب ذكركم على ألسنتهم، وما زلنا منتظرين لدعوتكم. وكان بينهما ستر فرفعه المنصور وقال في نفسه: عجباً لمن يأمرني بقتل هذا، فصار ابن هبيرة يتردد إليه ويتغذى ويتعشى عنده، وبالغ السفاح في حث أبي جعفر في قتله وعنف عليه إن لم يفعل، وهو يمتنع من ذلك، فلم يزل به إلى أن أمر بقتله كما تقدم بإشارة أبي مسلم الخراساني صاحب الدعوة العباسية. قال ابن عساكر: كان ابن هبيرة إذا أصبح أتي بقدح كبير من لبن قد حلب على عسل أحياناً بسكر، فيشربه بعد طلوع الشمس، ويدعوا بالغداء فيأكل دجاجتين وفرخي حمام ونصف جدي وألواناً من اللحم، ثم يخرج فينظر في أمور الناس إلى نصف النهار، ثم يدخل

стр. 213

فيدعوا بالغداء فيأكل ويعظم اللقم ويتابعها ومعه جماعة من الأعيان، فإذا فرغوا من الأكل تفرقوا، ثم دخل إلى نسائه ثم يخرج إلى صلاة الظهر، وينظر في أمور الناس، فإذا صلى العصر وضع له سرير ووضعت للناس كراسي، فإذا أخذوا مجالسهم أتوهم بأقداح اللبن والعسل وأنواع الأشربة، ثم يوضع الأطعمة والسفرة للعامة، ويوضع له ولأصحابه خوان مرتفع، فيأكل معه الوجوه إلى المغرب، ويسامره سماره حتى يذهب عامة الليل، وكان يسأل كل ليلة عشر حوائج، فإذا أصجح قضيت، وكان رزقه ست مائة ألف، وكان يقسم في كل شهر في أصحابه ووجوه الناس وأهل البيوتات. وفيها قتل مروان بن محمد بن مروان الخليفة، وهو الملقب بالجعد، عبر الذيل طالباً الحبشة، فلحقه صالح بن علي عم السفاح وبيته ببوصير، فقاتل حتى قتل وكان بطلاً شجاعاً ظالما أشهل العينين كثير اللحية أبيض ربعة، عاش بضعاً وخمسين سنة، ذكره بعضهم فقال: لله دره ما كان أحزمه وأسوسه وأعفه عن الغي. وقتل معه أخ لعمر بن عبد العزيز كان أحد الفرسان، ولكن تقنطر به فرسه فقتله. وفيها توفي الأمير سليمان بن كثير الخزاعي المروزي أحد نقباء بني العباس، قتله أبو مسلم الخراساني، وقتل بمصر عبد الله بن أبي جعفر الليثي مولاهم البصري الفقيه أحد العلماء وا لزهاد. وفيها وقيل في سنة ثمان وعشرين، وقيل ثلاثين ومائة، توفي أبو جعفر يزيد ابن القعقاع القارىء مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، اخذ القراءة عرضاً عن ابن عباس، وعن مولاه عبد الله بن عياش، وعن أبي هريرة وسمع عبد الله بن عمر، ويقال قرأ على زيد بن ثابت، وروى القراءة عنه عرضاً نافع بن عبد الرحمن وسليمان بن مسلم وغيرهما، وكان يقرأ بالمدينة الشريفة، وقيل هو مولى أم سلمة زوج النبي ﵌، وكان من أفضل الناس، وكان بياض بين نحره وفؤاده قيل هو نور القرآن، ورؤي بعد موته في المنام وهو على ظهر الكعبة بخبر أنه من الشهداء الكرام رحمة الله عليهم.

стр. 214

سنة ثلاث وثلاثين ومائة فيها بعث أبو مسلم الخراساني مرار الضبي فقتل الوزير أبا مسلمة السبيعي مولاهم الكوفي وفيه قيل هذا البيت: إن الوزير وزير آل محمد ... أودى فمن يسأل كان وزيرا وفيها توفي أبو أيوب بن موسى الأموي المكي الفقيه، روى عن عطاء ومكحول. وفيها مات بمكة الأمير داود بن علي بن عبد الله بن عباس، وكان فصيحاً مفوهاً. وفيها أو في الماضية توفي يحيى بن يحيى بن قيس الغساني سيد أهل دمشق في وقته. وفيها توفي مغيرة بن مقسم الضبي مولاهم الكوفي الفقيه الأعمى أحد الأئمة وعمر بن أبي سلمة على ما ذكر بعضهم. سنة أربع وثلاثين ومائة فيها تحول الخليفة السفاح عن الكوفة ونزل الأنبار، وفيها توفي الفقيه يزيد بن يزيد بن جابر الأزدي الدمشقي، روى عن مكحول وطائفة، وقال أبو داود: اجازه الوليد بن يزيد مرة بخمسين ألف دينار، وذكر القضاء فإذا هو أكبر من القضاء، وفيها توجه من العراق موسى بن كعب إلى حرب منصور بن جمهور الكلبي الدمشقي، فالتقى منصوراً في اثني عشر ألفاً فهزم منصور ومات في البرية عطشاً وكان قدرياً. سنة خمس وثلاثين ومائة فيها توفي أبو العلاء برد بن سنان الدمشقي نزيل البصرة، وأبو عقيل زهرة بن معبد التيمي بالاسكندرية، قال الدارمي زعموا أنه من الأبدال. وفيها توفي عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني شيخ مالك والسفيانين. روى عن أنس وجماعة، وكان كثير العلم. وفيها توفي عطاء الخراساني نزيل بيت المقدس، وهو كثير الارسال عن الصحابة، قال ابن جابر كنا نغزو معه، وكان يحيي الليل صلاة إلا نومة السحر، وكان يعظنا ويحضنا على التهجد.

стр. 215

وفيها توفيت السيدة الولية ذات المقامات العلية والأحوال السنية رابعة ابنة إسماعيل العدوية الشهيرة الفضل البصرية، على ما ذكره ابن الجوزي في شذور العقود وقال غيره: توفيت في سنة خمس وثمانين يعني ومائة، قلت وليس صحيحاً قول من ذكر لها حكاية مع السري السقطي، فإنه عاش حتى نيف على خمسين ومائتين من الهجرة. قال الأستاذ أبو القاسم القشيري في رسالته كانت تقول في مناجاتها: الهي تحرق بالنار قلباً يحبك فهتف بها هاتف مرة: ما كنا نفعل هذا، فلا تظنني بنا ظن السوء. وقال عندها يوماً سفيان الثوري: واحزناه، فقالت: لا تكذب بل قل: واقلة حزناه. لو كنت محزوناً لم يتهيأ لك أن تتنفس. وروي أنها سمعته مرة يقول: اللهم إنا نسألك رضاك. فقالت: اما تستحي أن تسأل رضا من لست عنه براض؟. قلت ومثل هذا ما أخبرني بعض أهل العلم قال: سمعني الشيخ عمر الهوري وأنا أقول في الملتزم: الهي إني أسألك رضاك، فقال لي: يا فقيه، لقد تجرأت، انا منذ ثلاثين سنة ما جسرت أدعو الله تعالى بهذا الدعاء. وقالت رابعة: استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار وقال بعضهم كنت أعود الرابعة العدوية، فرأيتها في المنام تقول: هداياك تأتينا على أطباق من نور مخمر بمناديل من نور، وكانت تقول: ما ظهر من أعمالي لا أعده شيئاً. ومن وصاياها اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيآتكم، وأورد لها الشيخ شهاب الدين السهروردي في عوارف المعارف. إني جعلتك في الفؤاد محمدي ... وأبحت جسمي من أراد جلوسي فالجسم مني للجليس مؤانس ... وتجيب قلبي في الفؤاد أنيسي قال ابن خلكان قبرها على رأس جبل يسمى الطور بظاهر القدس. قلت وسمعت من بعض أهل بيت المقدس يذكر أن المدفونة في الجبل المذكور رابعة أخرى غير العدوية، والله أعلم. وروى ابن الجوزي بسند له متصل إلى عبدة خادمة رابعة العدوية، قالت: كانت رابعة تصلي الليل كله، فإذا طلع الفجر هجعت في مصلاها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر، فكنت

стр. 216

أسمعها تقول إذا وثبت من مرقدها ذلك وهي فزعة يا نفس إلى كم تنامين؟ وإلى كم تقومين؟ يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلا لصرخة يوم النشور، وكان هذا دأبها دهرها حتى ماتت. ولما حضرتها الوفا دعتني وقالت: يا عبدة لا تؤذني بموتي أحداً، وكفني في جبتي هذه جبة من شعر كانت تقوم فيها إذا هدأت العيون، قالت: فكفناها في تلك الجبة وفي خمار صوف كانت تلبسه، ثم رأيتها بعد ذلك بسنة أو نحوها في منامي عليها حلة استبرق وخمار من سندس أخضر لم أر قط شيئاً أحسن منه، فقلت: يا رابعة ما فعلت الجبة التي كفناك فيها وخمار الصوف؟ قالت: انه والله نزع عني وأبدلت به ما ترينه علي، وطويت أكفاني وختم عليها، ورفعت في عليين يكمل لي بها ثوابها يوم القيامة، فقلت لها: لهذا كنت تحملين أيام الدنيا؟ فقالت وما هذا عند ما رأيت من كرامة الله لأوليائه فقلت لها: وما فعلت عبيدة بنت أبي كلاب؟ فقالت: هيهات هيهات. والله سبقتنا إلى الدرجات العلى. فقلت: وبم وقد كنت عند الناس أكبر منها؟ قالت: انها لم تكن تبالي على أي حال أصبحت على الدنيا أو أمست، فقلت لها ما فعل أبو مالك أعني ضيغما؟ قالت: يزور الله متى شاء. فقلت فما فعل بشربن منصور؟ قالت: بخ بخ أعطي والله فوق ما كان يؤمل. قلت فمريني بأمر أتقرب به إلى الله قالت: عليك بكثرة ذكره، يوشك أن يعطي بذلك في قبرك. سنة ست وثلاثين ومائة فيها توفي حصين بن عبد الرحمن السلمي الكوفي الحافظ عن ثلاث وتسعين سنة، وربيعة بن أبي عبد الرحمن الفقيه أبو عثمان عالم المدينة، ويقال له ربيعة الرأي، سمع أنساً وابن المسيب، وكانت حلقة الفتوى أخذ عنه مالك. قال عبيد الله بن عمر العمري: هو صاحب معضلاتنا وعالمنا وأفضلنا، وذكروا أنه أدرك جماعة من الصحابة. وقال بكر بن عبد الله الصنعاني أتيت مالك بن أنس فجعل يحدثنا عن ربيعة، فكنا نستزيده من حديث ربيعة، فقال لنا يوماً: ما تصنعون بربيعة؟ وهو، او قال: ها هو نائم في ذلك الطاق، فأتينا ربيعة وقلنا له: انت ربيعة؟ قال: نعم قلنا: انت الذي يحدث عنك مالك بن أنس؟ قال: نعم قلنا، كيف حظي بك مالك وأنت لم تحظ بنفسك؟ قال أما علمتم أن مثقالاً من دولة خير من حمل علم. وكان يوماً يتكلم في مجلسه، فوقف عليه أعرابي، فأطال الوقوف والإنصات إلى

стр. 217

كلامه فظن ربيعة أنه قد أعجبه كلامه فقال: يا أعرابي عندكم؟ قال: الإيجاز مع اصابة المعنى، فقال: وما المعنى؟ قال ما أنت فيه منذ اليوم، فخجل ربيعة. وتوفي في الهاشمية مدينة بناها السفاح بأرض الأنبار وكان يسكنها ثم ينتقل إلى الأنبار. قال مالك بن أنس في ما حكى ابن خلكان: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة الرأي، رحمة الله عليه. وفيها توفي زيد بن أسلم العدوي مولاهم الفقيه العابد، لقي ابن عمر وجماعة وكانت له حلقة الفتوى والعلم بالمدينة. قال أبو حازم: لقد رأينا في حلقة زيد بن أسلم أربعين فقيهاً، ادنى خصلة فينا التواسي بما في أيدينا ونقل البخاري: ان زين العابدين علي بن حسين بن علي كان يجلس إلى زيد بن أسلم. وفيها توفي أبو العباس السفاح عبد الله بن محمد الخليفة العباسي أول خلفاء بني العباس، كانت دولته خمس سنين، وكان طويلاً أبيض جميلاً حسن اللحية مات بالجدري في الأنبار. وفيها توفي العلاء بن الحارث الحضرمي الفقيه الشامي صاحب مكحول، روى عن عبد الله بن بسر بضم الموحدة وسكون المهملة وطائفة، وكان ثقة نبيلاً مفتياً جليلاً. وفيها توفي عطاء بن السائب الثقفي الكوفي الصالح، روى عن عبد الله بن أبي أوفى الصحابي وطائفة، قال أحمد بن حنبل: هو رجل صالح، كان يختم كل ليلة من سمع منه قديماً كان صحيحاً. سنة سبع وثلاثين ومائة في أولها بلغ عبد الله بن علي موت ابن أخيه السفاح، فدعا إلى نفسه بالإسلام وعسكر، وزعم أن السفاح عهد إليه بالأمر وأقام شهوداً بذلك، فجهز أبو جعفر المنصور لحربه أبا مسلم الخراساني، فالتقى الجمعان بنصيبين في جمادى الآخرة، فاشتد القتال، ثم انهزم جيش عبد الله، وهرب هو إلى البصرة وبها أخوه، وحاز أبو مسلم خزائنه، وكانت خزائن عظيمة، لأنه كان قد استولى على جميع أموال بني أمية، فبعث المنصور إلى أبي مسلم أن احتفظ بما في يدك، فصعب ذلك على أبي مسلم وعزم على خلع المنصور، وسار نحو خراسان فأرسل إليه المنصور يستعظمه ويمنيه، وما زال به حتى ظفر به فقتل في

стр. 218

شعبان، ولما حج أبو مسلم المذكور أمر منادياً في طريق مكة: برئت الذمة من رجل أوقد ناراً في عسكر الأمير. فلم يزل يغديهم ويعشيهم حتى بلغ مكة، وأوقف في المسعى خمس مائة وصيف على رقابهم المناديل، يسقون الأشربة من سعى من الحاج بين الصفا والمروة، ولما وصل الحرم نزل وخلع نعليه ومشى حافياً تعظيماً للحرم، وهو أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم صاحب دعوة بني العباس منشىء دولتهم، خل خراسان وهو شاب فما زال يتحيل بإعانة وجوه شيعة بني العباس ونقبائهم حتى وثب على مرو فملكها. وحاصل الأمر أنه خرج من خراسان بعد أن حكم عليها وضبطها، فقاد جيشاً هائلاً، ومهد لبني العباس بعد أن قتل خلقاً لا يحصون محاربة وصبراً قيل كان حجاج زمانه. وذكروا أن أباه رأى في المنام أنه جلس للبول فخرج من إحليله نار، وارتفعت في السماء وسدت الآفاق وأضاءت الأرض ووقعت بناحية المشرق، فقص رؤياه على عيسى بن معقل فقال: ان في بطن جاريتك غلاماً يكون له شأن أو كما قال، ثم فارقه ومات، فوضعت الجارية أبا مسلم، ونشأ عند عيسى فلما ترعرع اختلف مع ولده إلى المكتب، فخرج أديباً لبيباً يشار إليه في صغره، ثم إنه اجتمع على عيسى بن معقل وأخيه ادريس جد أبي دلف العجلي بقايا من الخراج تقاعدا من أجلها من حضور مؤدي الخراج بأصفهان، فأنهى عامل أصفهان خبرهما إلى خالد بن عبد الله القسري وإلى العراقين، فأنقذ من الكوفة من حملهما إليه، فتركهما في السجن، فصادفا فيه عاصم بن يونس العجلي محبوساً ببعض الأسباب، وقد كان عيسى بن معقل أرسل أبا مسلم إلى قرية من رستاق. فابق لاحتمال غلتها، فلما بلغه أن عيسى حبس باع ما كان احتمله من الغلة وأخذ ما اجتمع عنده من ثمنها ولحق بعيسى، فأنزله عيسى في بني عجل، وكان يختلف إلى السجن، ويتعهد عيسى وإدريس ابني معقل، وكان قد قدم الكوفة جماعة من نقباء الإمام محمدبن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب مع عدة من شيعته، فدخلوا على العجليين السجن مسلمين، فصادفوا أبا مسلم عندهم، فأعجبهم عقله ومعرفته وأدبه وكلامه، ومال هو إليهم، ثم إنه عرف أمرهم وأنهم دعاة، واتفق مع ذلك هرب عيسى وادريس من السجن، فعدل أبو مسلم من دور بني عجل إلى هؤلاء النقباء، ثم خرج معهم إلى مكة حرسها الله تعالى، فأورد النقباء على إبراهيم بن محمد بن علي، وقد تولى الإمامة بعد وفاة أبيه عشرين دينار ومائتي ألف درهم، وأهدوا إليه أبا مسلم، فأعجب به وبمنطقه وعقله وأدبه فأقام أبو مسلم عنده يخدمه حضراً أو سفراً.

стр. 219

ثم إن النقباء عادوا إلى إبراهيم الإمام وسألوه رجلاً يقوم بأمر خراسان فقال: إني قد جربت هذا الأصفهاني وعرفت ظاهره وباطنه، فوجدته حجر الأرض. ثم دعا أبا مسلم وقلده الأمر وأرسله إلى خراسان، وكان من أمره ما كان، وكان أبو مسلم يدعو الناس إلى رجل من بني هاشم، وأقام على ذلك سنين وفعل في خراسان وتلك البلاد ما هو مشهور، فلا حاجة للإطالة بذكره. وكان مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية يحتال على الوقوف على حقيقة الأمر، وإن أبا مسلم إلى من يدعو، فلم يزل على ذلك حتى ظهر له أن الدعاء لإبراهيم الإمام، وكان مقيماً عند أهله وإخوته، فأرسل إليه وقبض عليه وأحضر مالي حران، فأوصى إبراهيم بالأمر بعده لأخيه السفاح، ولما وصل إبراهيم إلى حران حبسه مروان بها، ثم غمه بجراب طرح فيه نؤرة، وجعل فيه رأسه، وسد عليه إلى أن مات. ثم سار أبو مسلم يدعو الناس إلى أبي العباس السفاح، وكان بنو أمية يمنعون بني هاشم من نكاح الحارثيات لما رأوا في ذلك عن سلفهم أن هذا الأمر يتم لابن الحارثيه، فلما قام عمر بن عبد العزيز بالأمر أتاه محمد وقال: اني أردت أن أتزوج ابنة خالي من بني الحارث بن كعب، افتأذن لي؟ قال تزوج من شئت فتزوج ريطة بنت عبد الله منهم فأولدها السفاح فتولى الخلافة. وذكر الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار أن أبا مسلم نهض بالدعوة وهو ابن ثمان عشرة سنة، وقيل هو ابن ثلاث وثلاثين، فإنه كان عظيم القدر يلقاه القاضي ابن أبي ليلى المشهور فقبل يده، فقيل له في ذلك فقال: قد لقي أبو عبيدة بن الجراح عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما وقبل يده، فقيل له: اتشبه أبا مسلم بعمر؟ فقال: اتشبهونني بأبي عبيدة. وكان أول ظهور أبي مسلم بمرو من خراسان في سنة تسع وعشرين ومائة والوالي بها يومئذ من جهة مروان نصر بن سيار الليثي وكتب إليه قول ابن هريم البجلي الكوفي. أرى خلل الرماد وبيص نار ... ويوثسك أن يكون لها ضرام فإن النار بالزندين توري ... وإن الحرب أولها كلام

стр. 220

لئن لم يطفها عقلاء قوم ... يكون وقودها جثث وهام أقول من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام فإن كانوا لحينهم نياماً ... فقل قوموا فقد حان القيام فهذا مثل ما يحكى من قول بعضهم لما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن وأخوه إبراهيم علي أبي جعفر المنصور. أرى ناراً أنست على يفاع ... لها في كل ناحية شعاع وقد رقدت والعباس عنها ... وباتت وهي آمنة رتاع كمارقدت أمية ثم هبت ... تدافع حين لا يغنى الدفاع وفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة وثب أبو مسلم على مقدم خراسان فقتله، وقعدا في الدست، وسلم عليه بالأمرة وخطب ودعا للسفاح، وانقطعت ولاية بني أمية عن خر اسان. ولما مات السفاح وتولى أخوه أبو جعفر المنصور صدرت عن أبي مسلم إساءات وقضايا غيرت قلب المنصور عليه فعزم على قتله وقتله كما تقدم. وقيل إن منصوراً قال لسالم بن قتيبة بن مسلم الباهلي: ما ترى أبي مسلم؟ فقال: " لوكان فيهما الهة إلا الله لفسدتا " - الأنبياء: ٢٢ - فقال: حسبك يا بن قتيبة لقد أودعتها أذناً واعية. وكان أبو مسلم ينظر في كتب الملاحم ويجد خبره فيها، وأنه مميت دولة ومحيي دولة، وأنه يقتل ببلاد الروم، كان المنصور يومئذ برومية المدائن التي بناها كسرى ولم يخطر لأبي مسلم أنها موضع قتله، بل راح وهمه إلى بلاد الروم، وكانت رومية المذكورة قد بناها الإسكندر ذو القرنين لما أقام بالمدائن، وكان قد طاف الأرض شرقاً وغرباً ولم يختر منها منزلاً سوى المدائن، فنزلها وبنى رومية المذكورة على ما ذكروا والله أعلم. فلما عاد أبو مسلم من سفر حجه المتقدم ذكره دخل على المنصور، فرحب به ثم إمره بالانصراف إلى مخيمه، وانتظر المنصور فيه الغرض والغوائل، ثم إن أبا مسلم ركب إليه مراراً فأظهر له التحني، ثم جاءه يوماً فقيل له أنه يتوضأ للصلاة، فقعد تحت الرواق، ورتب له المنصور جماعة يقفون وراء السرير فإذا عاتبه وضرب يداً على يد ظهروا وضربوا عنقه، ثم جلس المنصور وأذن له فدخل وسلم فرد، وأمره بالجلوس وحادثه ثم عاتبه، وقال: فعلت وفعلت فقال أبو مسلم: ما يقال هذا بعد بيعتي واجتهادي، وما كان مني، فقال له: يا ابن الخبيثة إنما فعلت ذلك تحرياً وحفظاً ولو كان مكانك أمة سوداء لعملت عملك. ألست

стр. 221

الكاتب إلي تبدأ بنفسك قبلي؟ ألست الكاتب يخطب عني آسية وتزعم أنك من ولد سليط بن عبد الله بن عباس، لقد ارتقيت لا أم لك مرتقى صعباً، فأخذ أبو مسلم بيده يعركها ويقبلها ويعتذر إليه، فقال له المنصور: وهو آخر كلامه قتلني الله إن لم أقتلك، ثم صفق بإحدى يديه على الأخرى فخرج إليه القوم وخبطوه بسيوفهم، والمنصور يصيح اضربوا قطع الله أيديكم، وكان أبو مسلم قد قال عند أول ضربة استبقني يا أمير المؤمنين لعدوك، فقال لا أبقاني الله أبداً وأي عدو أعدى منك؟ ولما قتله أدرجه في بساط، فدخل عليه جعفر بن حنظلة، فقال له المنصور: ما تقول في أمر أبي مسلم؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن كنت أخذت من رأسه شعرة فاقتل ثم اقتل ثم اقتل، فقال له المنصور وفقك الله ها هو في البساط، فلما نظر إليه قتيلاً قالى: يا أمير المؤمنين عد هذا اليوم أول خلافتك، ثم أقبل المنصور على من حضره وأبو مسلم طريح بين يديه وأنشد. زعمت أن الدين لا يقتضى ... فاستوف بالكيل أبا مخرم اشرب بكأس كنت تسقي ... بها أمر في الحلق من العلقم وكان المنصور بعد قتله كثيراً ما ينشد جلساؤه نظماً لبعضهم من جملته. وأقدم لما لم يجد عنه مذهباً ... ومن لم يجد بداً من الأمر أقدما قيل ومن ها هنا أخذ البحتري قوله في مدح الفتح بن خاقان صاحب المتوكل على الله، ولقد لقي أسداً على طريقه فلم يقدم عليه، ثم أقدم عليه فقتله الفتح، والمقصود منها قوله: فأحجم لما لم يجد فيك مطمعاً ... وأقدم لما لم يجد منك مهربا واختلف في نسب أبي مسلم: فقيل من العرب، وقيل من العجم، وقيل من الأكراد، وفي ذلك يقول أبو دلامة: أبا مخرم ما غير الله نعمة ... على عبده حتى يغيرها العبد أفي دولة المنصور حاولت غدرة ... ألا إن أهل الغدر أباؤك الكرد أبا مخرم خوفت بالقتل فاتحاً ... عليك بما خوفتني الأسد الورد ووصف المدائني أبا مسلم فقال كان قصير السمر جميلاً حلواً أنقى البشرة أحور العين عريض الجبهة حسن اللحية وافرها طويل الشعر قصير الساق والفخذ خافض الصوت فصيحاً بالعربية والفارسية حلو المنطق راوية للشعر عالماً بالأمور، ولم يرى ضاحكاً ولا مازحاً إلا في وقته، ولا يكاد يقطب في شيء من أحواله، تأتيه الفتوحات العظام فلا يظهر عليه أثر

стр. 222

السرور، وتنزل به الحوادت القادحة فلا يرى مكتئباً، وإذا غضب لم يستقره الغضب، ولا يأتي النساء في السنة إلا مرة، وكان من أشد الناس غيرة، وقيل له: بم بلغت ما بلغت؟ فقال: ما أخرت أمر يومي إلى غد قط. وفيها قتل أحد الأشراف بدمشق وهو عثمان بن سراقة الأزدي، وكان قد وثب عند موت السفاح وسب بني العباس على منبر دمشق، وأقام قي الخلافة هاشم بن يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية، فبعثهم يحيى بن صالح عم السفاح، فلم يقووا لحربه، واختفى هاشم، وضرب عنق ابن سراقة. سنة ثمان وثلاثين ومائة فيها أقبل طاغية الروم قسطنطين في مائة ألف حتى نزل بدابق بكسر الموحدة بعد الألف، فالتقاه صالح بن علي عم المنصور، فهزمه والحمد لله على ظهور دين الإسلام على كل دين. وفيها توفي العلاء بن عبد الرحمن، وليث بن أبي سليم يخلف فيه، وزيد بن واقد. سنة تسع وثلاثين ومائة فيها توفي يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني الفقيه الأعرج يروي عن شرحبيل بن سعد وطبقته من التابعين، ويونس بن عبيد شيخ البصرة، رأى أنساً وأخذ عن الحسن وطبقته، قال سعيد بن عامر: ما رأيت رجلاً قط أفضل منه، وأهل البصرة على ذا. قال أبو حاتم: هو أكبر من سليمان التيمي، ولا يبلغ سليمان منزلته، وقال يونس: ما كتبت شيئاً قط يعني لحفظه وذكائه. وفيها توفي خالد بن يزيد المصري الفقيه، يروي عن عطاء والزهري وطبقتهما. سنة أربعين ومائة فيها نزل جبريل بن يحيى الأمير من جهة صالح بن علي بالمصيصة مرابطاً فأقام بها سنة حتى بناها وحصنها. وفيها توفي أبو حازم سلمة بن دينار الفارسي المدني الأعرج عالم أهل المدينة

стр. 223

وزاهدهم وواعظهم، قال ابن خزيمة: لم يكن في زمانه مثله، له حكم ومواعظ. وفيها توفي داود بن أبي هند البصري الفقيه الحافظ المفتي النبيل السيد الجليل، وففيه واسط أبو العلاء أيوب بن أبي مسكين، وسهل بن أبي صالح السمان، روى عن أبيه وطبقته وأخذ عنه مالك والكبار. وفيها توفي عمرو بن قيس الكندي السكوني، عاش مائة تامة، وروى عن عبد الله بن عمر والكبار، وقيل إنه أدرك سبعين صحابياً. سنة إحدى وأربعين ومائة قال بعضهم فيها ظهر قوم خراسانيون، يقولون بتناسخ الأرواح وإن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم المنصور، وإن الهيثم بن معاوية جبرائيل، فأتوا قصر المنصور وطافوا به، فقبض على مائتين من كبارهم وحبسهم، فغضب الباقون وحفوا بنعش وحملوا هيئة جنازة ثم مروا بالسجن، فشدوا على الناس وفتحوا السجن، وأخرجوا أصحابهم، وقصدوا المنصور في ست مائة مقاتل، فأغلقوا باب البلدة وحاربهم العسكر مع معن بن زائدة، ثم وضعوا السيف فيهم وأصيب عثمان بن نهيك الأمير، فاستعمل المنصور مكانه على الحرمين أخاه عيسى وكان ذلك بالهاشمية قال المدائني: فحدثني أبو بكر الهذلي قال: اطلع المنصور فقال رجل إلى جانبي: هذا رب العزة الذي يطعمنا ويرزقنا، تعالى الله الملك الحق المبين عن مقالة أهل الضلالة الملحدين. وفي السنة المذكورة توفي موسى بن عقبة المدني صاحب المغازي، قال الواقدي: كان موسى فقيهاً يفتي ﵀. وفيها توفي أبان بن تغلب الكوفي القارىء المشهور، ﵀. وفيها توفي موسى بن كعب التميمي المروزي أحد نقباء بني العباس. وفيها أو في التي يليها توفي أبو إسحاق الشيباني الكوفي سليمان بن فيروز، وقيل ابن خاقان. سنة اثنتين وأربعين ومائة وفيها توفي خالد الحذاء البصري الحافظ، يروي عن كبار التابعين، وقد رأى أنساً،

стр. 224

وكان يجلس بالحذائين فلقب بالحذاء، وفيها توفي عاصم بن سليمان، احد حفاظ البصرة، رحمة الله عليهم. وفيها أو في التي بعدها توفي عمرو بن عبيد البصري الزاهد العابد المعتزلي القدري، صحب الحسن ثم خالفه واعتزل خلقته، فلذا قيل المعتزلة. وفيها توفي محمد بن أبي إسماعيل الكوفي، روى عن أنس وجماعة قال شريك: رأيت أولاد أبي إسماعيل أربعة، ولدوا في بطن واحد، وعاشوا. وفيها توفي أبو هانىء حميد بن هانىء الخولاني المصري، روى عن علي بن رباح وعدة، وأدركه ابن وهب. سنة ثلاث وأربعين ومائة وفيها ثارت الديلم وقتلوا خلائق من المسلمين، فانتدب أهل الإسلام لغزوهم. وفيها سار الأمير محمد بن الأشعث إلى المغرب، فالتقى الاباضية فهزمهم، وقتل زعيمهم أبو الخطاب في المصاف، وفيها توفي حجاج بن أبي عثمان أحد حفاظ البصرة المعروف بالصواف، روى عن الحسن وغيره. وفيها على الصحيح توفي حميد الطويل أحد ثقات التابعين البصريين، كان فيها قائماً يصلي فسقط ميتاً سمع أنساً وطائفة. وكنيته أبو عبيدة. وفي ذي القعدة توفي سليمان بن طرخان أبو المعتمر التيمي أحد علماء البصرة وعبادها سمع أنساً وطائفة. قال شعبة: كان إذا حدث عن رسول الله ﵌ تغير لونه، وما رأيت أصدق منه، وقال المعتمر: مكث أبي أربعين سنة يصوم يوماً ويفطر يوماً ويصلي الفجر بوضوء العشاء، وعاش سبعاً وتسعين سنة. وفيها توفي مطرف بن طريف الكوفي الزاهد، وفيها توفي يحيى بن سعيد الأنصاري المدني الفقيه أحد الأعلام، ولي قضاء المنصور، ومات بالرصافة قبل أن يبني بغداد. قال ايوب السختياني: ما رأيت بالمدينة أفقه منه، وكان يحيى القطان يقدمه على الزهري، وقال الثوري: كان من الحفاظ.

стр. 225

وفيها توفي على الأصح ليث بن أبي سليم الكوفي أحد الفقهاء. قال الفضيل بن عياض: كان أعلم أهل زمانه في المناسك. سنة أربع وأربعين ومائة فيها حج بالناس المنصور، وأهمه شان محمد بن عبد الله بن الحسن وأخيه إبراهيم لتخلفهما عن الحضور عنده، فوضع عليها العيون وبذل الأموال وبالغ في طلبهما لأنه عرف مرامهما، وجرت أمور يطول شرحها، وقبض على أبيهما فسجنه، وجهز جيش العراق والجزيرة لغزو الديلم وعلى الناس محمد بن السفاح. وفيها توفي سعيد بن إياس محدث البصرة، وعبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بالمدينة في حبس المنصور. قال الواقدي: كان من العباد، وله شرف وهيبة ولسان شديد بالشين المعجمة على ما ضبط في الأصل المنقول منه. وفيها توفي عمرو بن عبيد المعتزلي المتكلم الزاهد المشهور ومولى بني عقيل، كان أبو يختلف إلى أصحاب الشرط بالبصرة، فكان الناس إذ رأوا عمراً مع أبيه قالوا: هذا خير الناس من شر الناس فيقول أبوه صدقتم هذا إبراهيم وأنا آزر. وإذا قيل لأبيه عبيد إن ابنك يختلف إلى الحسن البصري ولعله أن يكون منه خير، فقال: وأي خير يكون من ابني وأمه؟ اصبتها من غلول وأنا أبوه، ثم صار عمرو شيخ المعتزلة في وقته. وسئل الحسن البصري عنه فقال للسائل: سألت عن رجل كأن الملائكة أدبته، وكأن الأنبياء ربته، ان قام بأمر قعد به، وإن قعد بأمر قام به، وإن أمر بشيء كان ألزم الناس له، وإن نهى عن شيء كان أترك الناس له، ما رأيت ظاهراً أشبه بباطن ولا باطناً أشبه بظاهر منه. ودخل يوماً على الخليفة أبي جعفر المنصور وكان صديقاً له قبل الخلافة، فقربه وقال عظني، فقال: ان هذا الأمر الذي في يدك لو بقي في يد أحد ممن كان قبلك لم يصل إليك، فاحذر من ليلة تمحض بيوم لا ليلة بعده، وغير ذلك من المواعظ فلما أراد النهوض قال: قد أمرنا لك بعشرة آلاف درهم قال: لا حاجة لي فيها. قال: والله تأخذها. قال: والله لا آخذها، وكان المهدي حاضراً فقال يحلف أمير المؤمنين وتحلف أنت؟ فالتفت عمرو إلى المنصور وقال: من هذا الفتى؟ قال: هذا المهدي ولدي وولي عهدي. فقال: اما فقد ألبسته

стр. 226

لباساً ما هو لباس الأبرار وسميته باسم ما استحقه ومهدت له أمراً أمنع ما يكون به أشغل ما يكون عنه، ثم التفت إلى المهدي وقال: نعم يا ابن أخي إذا حلف أبوك اخشه، لأن أباك أقوى على الكفارات من عمك، فقال له المنصور: هل من حاجة؟ قال: لا تبعث إلي حتى آتيك، فقال المنصور: اذن لا نلتقي. قال عمرو: هي حاجتي فاتبعه المنصور نظره، وقال: كلكم يمشي رويدا ... كلكم يطلب صيدا غير عمرو بن عبيد ولما حضرته الوفاة قال لصاحبه: نزل بي الموت ولم أتأهب، ثم قال: اللهم إنك تعلم أنه لم يسنح لي أمران في أحدهما رضى لك، وفي الآخر هوى لي إلا اخترت رضاك على هوائي فاغفر لي، وتوفي وهو راجع من مكة بموضع يقال له مران بفتح الميم وبعدها راء مشددة، وفيه دفن أيضاً تميم بن مر الذي ينسب إليه بنو تميم القبيلة المشهورة، ورثا المنصور عمراً المذكور بقوله: صلى الإله عليك من متوسد ... قبراً به قبرعلى مران قبراً تضمن مؤمناً متحنفاً ... صدق الإله ودان بالعرفان لو أن هذا الدهر أبقى صالحاً ... أنقى لنا عمراً أبا عثمان قالوا ولم يسمع بخليفة رثى من هو دونه سواه، ولعمرو المذكور رسائل وخطبات، وكتاب التفسير عن الحسن البصري، وكتاب الرد على القدرية، قلت هكذا قال بعض المؤرخين، والذي حكى أصحابنا عنه في كتب الأصول: قول شنيع وكفر فظيع في نفيه المقدر، وهو ما روى الإمام الطبري أنه قال: ان كان تبت يدا أبي لهب في اللوح المحفوظ، فما على أبي لهب من لوم. وذكر الإمام الطرسوسي المالكي في كتابه، في الخلاف عنه، أنه لما ذكر حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه الذي رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن حبان، المشتمل على قوله ﵌ في الجنين: " ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد ". قال: لو سمعته من الأعمش لكذبته، ولو سمعته من أن مسعود لما صدقته، ولو سمعته من رسول الله ﵌ لقلت: ما بهذا بعثت الرسل، ولو سمعته من الله ما على هذا أخذت مواثيقنا، قال أئمتنا: وليس يزيد على كفره كفر.

стр. 227

وفيها توفي فقيه الكوفة أبو شبرمة عبد الله بن شبرمة الضبي القاضي، روى عن أنس والتابعين، وكان عفيفاً عارفاً عاقلاً، يشبه النساك، شاعراً جواداً. وفيها توفي عقيل بضم العين المهملة مولى بني أمية، وكان حافظاً حجة، ومجالد بالجيم ابن سعيد الهمداني الكوفي صاحب الشعبي. سنة خمس وأربعين ومائة قالوا فيها ظهر محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن الحسني، وخرج في مائتين وخمسين نفساً بالمدينة، وهو راكب على حمار وذلك في أول رجب، فوثب على متولي المدينة فسجنه، وتتبع أصحابه، ثم خطب الناس، وبايعه بالخلافة أهل المدينة قاطبة طوعا وكرهاً، وأظهر أنه قد خرج غضباً لله ، وما تخلف عنه من الوجوه إلا نفر يسير، واستعمل على مكة عاملاً وعلى اليمن وعلى الشام، فلم يتمكن عماله وندب المنصور لحربه ابن عمه عيسى بن موسى، وقال: لا أبالي أيهما قتل صاحبه، وإنما قال ذلك لأن عيسى المذكور كان ولي العهد بعد المنصور على ما عهد في ذلك السفاح. قيل: وكان المنصو يود هلاكه ليولي ولده المهدي مكانه، فسار عيسى في أربعة آلاف، وكتب إلى الاشراف يستميلهم ويمنيهنم، فتفرق عن محمد ناس كثير، وأشير عليه بالمسير إلى مصر ليتقوى منها، فأبى وتحصن في المدينة وعمق خندقها، فلما وصل عيسى تفرق عن محمد أصحابه حف بقي في طائفة قليلة، فراسله عيسى يدعوه إلى الإنابة ويبذل له الأمان فلم يسمع، ثم أنذر عيسى أهل المدينة ورغبهم ورهبهم أياماً، ثم زحف على المدينة فظهر عليها، ونادى محمداً وناشده الله ومحمد لا يرعوي. قال عثمان بن محمد بن خالد أني لأحسب محمداً قتل بيده يومئذ سبعين رجلاً وكان معه ثلاث مائة مقاتل، ثم قتل في المعركة، وبعث عيسى برأسه إلى المنصور. وفي السنة المذكورة خرج أخوه إبراهيم بن عبد الله إلى البصرة، وكان قد سار إليها من الحجاز فدخلها سراً في عشرة أنفس، فجرت له أمور غريبة في اختفائه، ربما يقع به بعض الأعوان فيصطنعه، ثم دعى إلى نفسه سراً بالبصرة حتى تابعه نحو أربعة آلاف، وجاء خير أخيه وما جرى له بالمدينة فوجم واغتم. ولما بلغ المنصور خروجه تحول فنزل الكوفة حتى يأمن غايلة أهلها، وألزم الناس

стр. 228

لبس السواد، وجعل يقتل كل من اتهمه أو يحبسه، وكان بالكوفة ابن عامر يبايع لإبراهيم سراً وتهاون متولي البصرة في أمر إبراهيم حتى اتسع الخرق وخرج أول ليلة من رمضان، وتحصن منه متولي البصرة، وأقبل الخلق إلى إبراهيم ما بين ناصر وناظر، ونزل متوليها بالأمان، ووجد إبراهيم في الحواصل ست مائة ألف ففرقها بين أصحابه خمسين خمسين، وبعث عاملاً إلى الأهواز ليفتحها، وبعث آخر إلى فارس، وآخر إلى واسط، فجهز المنصور لحربه خمسة آلاف، ثم التقوا فكان بين الفريقين عدة وقعات، وقتل خلق من أهل البصرة وواسط، وبقي إبراهيم سائر رمضان يفرق العمال على البلدان ليخرج على المنصور من كل جهة، فأتاه مصرع أخيه بالمدينة قبل الفطر بثلاث، فعيد الناس وهم يرون فيه الانكسار، وكان المنصور في جمع يسير وعامة جيوشه في النواحي، فالتزم بعد ذلك أن لا يفارقه ثلاثون ألفاً، فلم يبرح إلى أن رد من المدينة عيسى بن موسى، فوجهه إلى إبراهيم، ومكث المنصور لا يقر له قرار، وجهز العساكر ولم يأو إلى فراش خمسين ليلة، وكان كل يوم يأتيه فتق من ناحية هذا ومائة ألف سيف كامنة له بالكوفة، قالوا: ولولا السعادة لسل عرشه بدون ذلك إلى أن هدم عزه وذهث وهو بالمثلثة، وكان مع ذلك صقراً أحوذياً مشمراً ذا عزم ودهاء. وعن داود بن جعفر قال: احصى ديوان إبراهيم بالبصرة فبلغوا مائة ألف، وقال غيره: بل قام معه عشرة آلاف، فلو هجم الكوفة لظفر بالمنصور، ولكنه كان فيه دين، قال: اخاف إن هجمتها أن يستباح الصغير والكبير، فقيل له: فخرجت على مثل المنصور، وتتوقى قتل الصغير والكبير، وكان أصحابه مع قلة رأيه يختلفون عليه، وكل يشير برأي، إلى أن التقى الجمعان على يومين من الكوفة، فاشتد الحرب وظهر أصحاب إبراهيم، وكان على مقدمة جيوش المنصور حميد بن قحطبة فانهزم، وجعل عيسى بن موسى يثبت الناس، وقد بقي في مائة من حاشية، فأشاروا عليه بالفرار، فقال: لا أزول حتى أظفر أو أقتل، وكان يضرب المثل بشجاعته، ثم دار أبناء سليمان بن علي في طائفة، وجاءوا من وراء إبراهيم، وحملوا على عسكره، قال عيسى لولا أبناء سليمان لافتضحنا، ومن صنع الله أن أصحابنا انهزموا فاعترض لهم نهر ولم يجدوا مخاضة، فرجعوا، فوقعت الهزيمة على أصحاب إبرأهيم حتى بقي في سبعين، وأقبل حميد بن قحطبة فحمل بأصحابه واشتد القتال حتى تفانى خلق تحت السيف طول النهار، وجاء سهم غرب لا يدرى من رمى به في حلق إبراهيم، فأنزلوه وهو يقول وكان أمر الله قدراً مقدوراً أردنا أمراً وأراد الله غيره، واجتمع

стр. 229

اصحابه يحمونه، فأنكر حميد اجتماعهم، فحمل عليهم فتفرقوا عن إبراهيم، فنزل جماعة واحتزوا رأسه وبعث به إلى المنصور في الخامس والعشرين من ذي القعدة وعمره ثمان وأربعون سنة، وكان قد أذاه يومئذ الحرب وحرارة الزردية فحسروها عن صدره فأصيب في ليته، ووصل إلى المنصور خلق كثير منهزمين، وهيىء النجائب ليهرب إلى الري، وكان يتمثل. ونصبت نفسي للرماح درية ... إن الرئيس لمثل ذاك فعول قال: الأصمعي الدرية غير مهموز وهي دابة يستتر بها الصائد فإذا أمكنه الصيد رمى، وقال أبو زيد هو مهموز لأنها تدرأ نحو الصيد أي تدفع قال الأخطل: فإن كنت قد أقصدتني إذ رميتني ... بسهمك فالرامي يصيب ولا يدرا أي لا يستتر ولا يختل يقال: اقصد السهم: اي أصاب فقتل، فلما أسرعوا إليه بالبشارة وبالرأس تمثل بقول البارقي: فألقت عصاها واستقرت لها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر قال خليفة: خرج مع إبراهيم هيثم وأبو خالد الأحمر وعيسى بن يونس وعباد بن العوام ويزيد بن هارون، وكان أبو حنيفة يجاهر في أمره ويأمر بالخروج معه، قال أبو نعيم: فلما وصل قتل إبراهيم، هرب أهل البصرة براً وبحراً واستخفى الناس. وفي السنة المذكورة أمر المنصور فأسست بغداد وابتدأ بإنشائها ورسم هيئتها وكيفيتها أولاً بالرماد، وفرغت في أربعة أعوام بالجانب الغربي، قيل وبغداد في وقتنا اكثرها من الجانب الشرقي. وفي السنة المذكورة وقيل في سنة ست توفي إسماعيل بن أبي خالد البجلي مولاهم الكوفي الحافظ، احد أعلام الحديث، وكان صالحاً ثبتاً حجة. وفيها توفي عمرو بن ميمون بن مهران الجزري الفقيه، وكان يقول: لو علمت أنه بقي علي حرف من السنة باليمن لأتيتها. وفيها توفي عبد الملك بن أبي سليمان الكوفي الحافظ أحد المحدثين الكبار، كان شعبة مع جلالته يتعجب من حفظ عبد الملك.

стр. 230

وفيها توفي محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، كان حسن الحديث كثير العلم مشهوراً، اخرج له البخاري، وفيها توفي أبو حيان يحيى بن سعيد التيمي الكوفي، وكان ثقة إماماً صاحب سنة. سنة ست وأربعين ومائة في صفر منها تحول المنصورإلى بغداد قبل تمام بنائها، وكان لا يدخلها أحد راكباً، حتى إن عمه عيسى اشتكى إليه المشي فلم يأذن له. وفيها توفي الأشعث بن عبد الملك الحمراني مولى الحمران مولى عثمان بن عفان ﵁، وكان ثقة ثبتاً حاقظاً. وفيها توفي محمد بن السائب الكلبي، الكوفي صاحب التفسير والأخبار والأنساب، قال: انما سميت العرب شعوباً لأنهم قيل لهم ذلك حين تفرقوا من ولد إسماعيل صلى الله على نبينا وعليه وآله وسلم ومن ولد قحطان وتشعبوا، وقال: العرب كلهم بنو إسماعيل إلا اربع قبائل السلف والأوزاع وحضرموت وثقيف، وأول من تكلم العربية يعرب بن الهميسع ابن بنت ابن إسماعيل، قال: وكل نبي ذكر في القرآن فهو من ولد إبراهيم غير ادريس ونوح ولوط وهود وصالح، قلت وكأنه لم يستثن آدم صلى الله على نبينا وعليه وآله وسلم لشهرة كونه أباً للكل، وقال: لم يكن في العرب في الأنبياء إلا هود وصالح وإسماعيل ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وروي عن ابن عباس أن أصحاب سفينة نوح كانوا ثمانين رجلاً، نزلوا فمكثوا حتى كثروا، وملكهم نمرود بن كنعان بن حازم بن نوح، فلما كفروا ابدل الله ألسنتهم وتفرقوا على الاثنين وسبعين لساناً، وفهم الله العربية عمليق واميم وطسم بني لاوذ بن سام، وعاد وعبيل بن عوص بن آرم بن سام، وثمود وجديش ابني جابر بن أرم بن سام، وبني قنطور بن عامر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، صلى الله على نبينا وعليه وآله وسلم، قلت وقع في كلام الكلبي تناقض، فإنه ذكر أن اللغة العربية فمها الله تعالى عمليقاً، وذكر من بعده من ذرية نوح، بعدما ذكر أن أول من تكلم بالعربية يعرب من ذرية إسماعيل، وهذا أيضاً مخالف لما جاء إن إسماعيل ﵇ تعلم العربية من جرهم لما نشأ بينهم. والكلبي المذكور فيه مطاعن من جهة المذهب وغيره. وقد قيل إنه لما نزل نوح صلى الله على نبينا وعليه وآله وسلم ومن معه من السفينة،

стр. 231

وكانوا ثمانين، خلق الله تعالى في قلوبهم لغات مختلفة فأصبح كل واحد منهم يتكلم بلغة، والله تعالى أعلم. وفيها توفي هشام بن عروة بن الزبير الفقيه أبو المنذر أحد أثمة الحديث، ادرك عمه عبد الله بن الزبير، وقال: مسح ابن عمر برأسي ودعا لي، قال وهيب: قدم علينا هشام بن عروة وكان مثل الحسن، وابن سيرين وكان من المكثرين من الحديث المعدودين في أكابر العلماء وجلة التابعين، ورأى جابر بن عبد الله الأنصاري وأنس بن مالك وسهل بن سعد، وقيل إنه سمع من عمه عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر، روى عنه جماعة من جلة المحدثين منهم يحيى بن سعيد القطان ووكيع، وقدم الكوفة في أيام أبي جعفر المنصور فسمع منه الكوفيون، وقيل ولد عمر بن عبد العزيز وهشام بن عروة والزهري وقتادة والأعمش ليالي قتل الحسين بن علي، وكان قتله يوم عاشوراء سنة إحدى وستين من الهجرة، وقدم هشام بغداد على المنصور، وتوفي بها، فصلى عليه المنصور، ودفن بمقبرة الخيزران، رحمه الله تعالى. سنة سبع وأربعين ومائة فيها ألح المنصور وأكثر وتحيل بكل ممكن على ولي العهد عيسى بن موسى بالرغبة والرهبة حتى خلع نفسه كرهاً، وقيل بل عوضه عشرة آلاف درهم على أن يكون ولي العهد بعده المهدي بن منصور. وفيها توفي رؤبة بن العجاج البصري التميمي السعدي، هو وأبوه راجزان مشهوران، كل منهما له ديوان رجز ليس فيه شعر. قلت هكذا قال بعضهم مع أن الصحيح أن الرجز شعر وهو مذهب سيبويه والصحيح عند المحققين خلافاً للأخفش وتابعيه، وهما مجيدان في رجزهما، وكان رؤبة بصيراً باللغة عارفاً بوحشيها وعريبها. حكى يونس بن حبيب النحوي، قال: كنت عند أبي عمرو بن العلاء فجاءه شبيل بن عزرة الضبعي، فقام إليه أبو عمرو وألقى إليه لبد بغلته فجلس عليه، ثم أقبل عليه يحدثه، فقال: يا أبا عمر، وسألت رؤبتكم عن اشتقاق اسمه فأعرفه يعني رؤبة. قال يونس: فلم أملك نفس عند ذكره فقلت له لعلك تظن أن معد بن عدنان أفصح منه ومن أبيه؟ افتعرف ما الرؤبة والرؤبة والرؤية والرؤبة والرؤبة غلام رؤبة؟ فلم يخرج جواباً، فقام مغضباً وأقبل على أبي عمرو، وقال: هذا رجل شريف يزور مجالسنا ويقضي حقوقنا، وقد أسأت فما فعلت

стр. 232

مما واجهته به، فقلت: لم املك نفسي عند ذكر رؤبة، فقال: او قد سلطت على تقويم الناس ثم فسر يونس ما قاله فقال الرؤبة خميرة اللبن والرؤبة قطعة من الليل والرؤبة الحاجة، يقال فلان لا يقوم برؤبة أهله أي بما أسند إليه من خوائجهم، والرؤبة حمام ماء الفحل، والرؤبة بالهمز القطعة التي يشعث بها الإناء والجميع بسكون الواو وضم الراء التي قبلها إلا رؤبة فإنه بالهمز، وكان رؤبة مقيماً بالبصرة. فلما ظهر إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، وخرج على أبي جعفر المنصور، وجرت الواقعة المشهورة، خاف رؤبة على نفسه فخرج إلى البادية ليجتنب الفتنة، فلما وصل إلى الناحية التي قصدها أدركه أجله بها، فتوفى هناك وكان قد اسن، ورؤبة بضم الراء وسكون الهمزة وفتح الموحدة في آخرها هاء وهي في الأصل قطعة من الخشب يشعث بها الإناء وجمعها رياب وباسمها سمي الراجز المذكور. وفيها توفي عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي، كان فقيهاً عالماً، وفيها انهزم الجيش على الأمير عبد الله ابن عم المنصور الذي هزم مروان وافتتح دمشق، وكان من رجال الدهر رأياً ودهاء وشجاعة وحزماً. وفيها توفي الإمام أبو عثمان عبيد الله بن عمربن حفمص بن عاصم بن عمربن الخطاب، وكان أفضل إخوته وأكثرهم علماً وصلاحاً وعبادة، وروى عن القاسم وسالم ونافع. وفيها توفي هشام بن حسان الأزدي الحافظ محدث البصرة. سنة ثمان وأربعين ومائة فيها توفي الإمام السيد الجليل سلالة النبوة ومعدن الفتوة أبوعبد الله جعفر الصادق ابن أبي جعفر محمد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين الهاشمي العلوي، وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، فهو علوي الأب بكري الأم، ولد سنة ثمانين في المدينة الشريفة، وفيها توفي ودفن بالبقيع في قبر فيه أبوه محمد الباقر وجده زين العابدين وعم جده الحسن بن علي رضوان الله عليهم أجمعين، وأكرم بذلك القبر وما جمع من الأشراف الكرام أولي المناقب، وإنما لقب بالصادق لصدقه في مقالته، وله كلام نفيس في علوم التوحيد وغيرها، وقد ألف تلميذه جابر بن حيان الصوفي كتاباً يشتمل على ألف ورقة يتضمن رسائله وهي خمس مائة رسالة. وذكر بعض المؤرخين أنه سأل أبا حنيفة فقال: ما تقول في محرم كسر رباعية ظبي؟ فقال يا ابن رسول الله ما أعلم ما فيه فقال له: انت ابتداء ولا تعلم أن الظبي لا يكون له

стр. 233

رباعية وهو ثني أبداً، يعني من الدهاء في قوة الفهم وجوعة النظر، وجعفر المذكور معدود عند الإمامية الاثني عشرية من أئمتهم الاثني عشر، وكل واحد منهم مذكور في موضعه. وفيها توفي الإمام محدث الكوفة وعالمها أبو محمد سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي مولاهم الأعمش. روي عن ابن ابي أوفى وأبي وائل والكبار، قال يحيى القطان: هو علامة الإسلام، وقال وكيع: بقي الأعمش قريباً من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى. وقال غيره: الأعمش الكوفي الإمام المشهور كان ثقة عالماً فاضلاً، وقال السمعاني كان يقارب بالزهري في الحجاز، ورأى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وكلمه لكنه لم يسمع عليه وما يرويه عنه فهو ارسال أخذه عن أصحابه ولقي كبار التابعين. وروى عنه سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وحفص بن غياث وخلق كثير من جلة العلماء، وكان لطيف الخلق مزاحاً، جاءه أصحاب الحديث يوماً ليسمعوا عليه فخرج إليهم وقال لولا أن في منزلي من هو أبغض إلي منكم ما خرجت إليكم. وجرى بينه وبين زوجته كلام يوماً فدعا رجلاً ليصلح بينهما، فقال لها الرجل: لا تنظرين إلى عموشة عينيه وخموشة ساقيه فإنه إمام وله قدر، فقال له ما أردت إلا أن تعرفها عيوبي، وقال له داود بن عمر الحايك ما تقول في شهادة الحائك؟ فقال تقبل مع عدلين، وعاده جماعة في مرضه، فأطالوا الجلوس عنده، فأخذ وسادته وقام وقال: شفى الله مريضكم بالعافية. وقيل عنده يوماً: قال ﵌: " من نام عن قيام الليل بال الشيطان في أذنه " فقال: ما عمشت عيني إلا من بول الشيطان في أذني. وقال أبو معاوية الضرير بعث إليه هشام بن عبد الملك أن أكتب إلي مناقب عثمان ومساوىء علي، فأخذ الأعمش القرطاس وأدخله في فم شاة فلاكته، وقال للرسول: قل له هذا جوابك، فقال له الرسول: انه قد آلى أن يقتلني إن لم آته بجوابك، وتحمل عليه باخوانه، وقالوا له: يا أبا محمد نجه من القتل، فلما ألحوا عليه كتب: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فلو كانت لعثمان مناقب أهل الأرض ما نفعتك، ولو كانت لعلي مساوىء أهل الأرض ما ضرتك، فعليك بخويصة نفسك والسلام، وقيل إنه ولد يوم قتل الحسن ﵁ يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، رحمة الله عليه

стр. 234

وفيها توفي شبل بن عباد قارىء أهل مكة وتلميذ ابن كثير، وفيها توفي أبو حاتم الرازي، احفظ الناس في زمانه. وفيها توفي أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصارية الفقيه قال أحمد بن أبي يونس: كان أفقه أهل الدنيا، تولى القضاء بالكوفة، وأقام حاكماً ثلاثاً وثلاثين سنة، ولي لبني أمية ثم لبني العباس، وكان فقيهاً مفتياً، تفقه بالشعبي وأخذ عنه الثوري، وقال دخلت على عطاء فجعل يسالذي فأنكر بعض من عنده وكلمه في ذلك، فقال: هو أعلم مني، وفيها توفي محمد بن عجلان المدني، وكان عابداً ناسكاً صادقاً له حلقة بمسجد النبي ﵌ للفتوى. ؟ سنة تسع وأربعين ومائة فيها توفي المثنى بن الصباح اليماني بمكة، يروي عن مجاهد وعمرو بن شعيب وطائقة، وكان من أعبد الناس. وفيها توفي كهمس بن الحسين البصري يروي عن أبي الطفيل وجماعة. وفيها توفي زكريا بن أبي زائدة، وفيها توفي أبو عمر عيسى بن عمر الثقفي النحوي البصري، قيل كان مولى خالد بن الوليد ونزل في ثقيف، فنسب إليهم وكان صاحب تقعير في كلامه استعمال للغريب فيه وفي قراءته، وكانت بينه وبين أبي عمرو بن العلاء صحبة، ولهما مسائل ومجالس، وأخذ سيبويه عنه النحو، وله الكتاب الذي سماه الجامع في النحو، ويقال إن سيبويه أخذ هذا الكتاب وبسطه وحشى عليه من كلام الخليل وغيره، ولما كمل بالبحث والتحشية نسب إليه وهو كتاب سيبويه المشهور. والذي يدل على صحة هذا القول: ان سيبويه لما فارق عيسى بن عمر المذكور ولازم الخليل بن أحمد سأله الخليل عن مصنفات عيسى فقال صنف نيفاً وسبعين مصنفاً في النحو، وأن بعض أهل اليسار جمعها وأتت عنده عليها آفة فذهبت، ولم يبق منها في الوجود سوى كتابين، احدهما اسمه الإكمال وهو بأرض فارس عند فلان، والآخر الجامع وهو هذا الكتاب الذي استعمل فيه وأسألك عن غوامضه، فأطرق الخليل ساعة، ثم رفع رأسه. وقال رحم الله عيسى وأنشد: ذهب النحو جميعاً كله ... غير ما أحدث عيسى بن عمر

стр. 235

ذاك إكمال وهذا جامع ... وهما للناس شمس وقمر أشار بالإكمال إلى الغائب، وبالجامع إلى الحاضر الكتابين المذكورين، وكان الخليل قد أخذ عنه أيضاً، ويقال إن أبا الأسود الديلي لم يضع في النحو إلا باب الفاعل والمفعول فقط، وإن عيسى بن عمر وضع كتاباً على الأكثر، وبوبه وهذبه وسمي ما شذ على الأكثر لغات، وكان يطعن على العرب، ويخطىء المشاهير منهم مثل النابغة في بعفر أشعاره وغيره، روى الأصمعي قال: قال عيسى بن عمر لأبي عمرو بن العلاء: انا أفصح من معد بن عدنان، فقال له أبو عمر: ولقد تعديت فكيف تنشد هذا البيت: قد كن يخبئن الوجوه تسترا ... فاليوم حين بدأن للنظار أو بدين للنظار فقال عيسى بدأن، فقال له أبو عمرو: اخطأت يقال بدأ يبدوا إذا ظهر، وبدأ يبدأ إذا أسرع في المشي. ومن جملة تقعيره في الكلام: ما حكاه الجوهري في الصحاح، انه سقط عن حمار له فاجتمع عليه الناس، فقال: ما لكم تكأكأتم علي تكأكؤكم على ذي جنة أفرنقعوا عني معناه ما لكم تجمعتم علي كتجمعكم على مجنون انكشفوا عني ويروى أن عمر بن هبيرة الفزاري والي العراقين كان قد ضربه بالسياط وهو يقول وقد أخذه الجزع: والله إن كانت إلا اثباتاً في اسقاط فنصبها عشاروك وقيل إن الذي ضربه كان يوسف بن عمر أمير العراقين. وكان سبب ضربه إياه أنه لما تولى العراقين بعد خالد بن عبد الله القسري تتبع أصحابه، وكان بعض جلسائه قد أودع عند عيسى المذكور وديعة، فتنهى الخبر إلى يوسف فكتب إلى نائبه بالبصرة يأمره أن يحمل إليه عيسى بن عمر مقيداً، فدعا حداداً أو أمر بتقييده، فلما قيده قال له الوالي لا بأس عليك إنما أرادك الأمير لتأديب ولده، قال فما بال القيد اذن؟ فبقيت هذه الكلمة مثلاً بالبصرة. قلت يعني مثلاً لمن توهم أنه يراد به خير ويفعل به ما يدل على الشر كالقيد المذكور، ووصل إلى يوسف فسأله عن الوديعة فأنكر، فأمر به فضرب، فقيلت المقالة المذكورة. ؟ سنة خمسين ومائة فيها توفي أبو الحسن مقاتل بن سليمان الأزدي بالزاي الخراساني، كان مشهوراً بتفسير كتاب الله العزيز، وله التفسير المشهور، اخذ الحديث عن مجاهد بن جبر

стр. 236

وعطاء بن أبي رباح وأبي إسحاق السبيعي والضحاك بن مزاحم ومحمد بن مسلم الزهري وغيرهم، وروى عنه بقية وعبد الرزاق الصنعاني وحرمي بن عصارة وعلي بن الجعد، وكان من العلماء الأجلاء. حكي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال: الناس كلهم عيال على ثلاثة: على مقاتل بن سليمان في التفسير، وعلى زهير بن أبي سلمى في الشعر، وعلى أبي حنيفة في الكلام. وروي أن أبا جعفر كان جالساً فسقط عليه الذباب فطيره، فعاد إليه فألح عليه وجعل يقع على وجهه وأكثر من السقوط عليه مراراً حتى أضجره، فقال المنصور: انظروا من بالباب، فقيل له مقاتل بن سليمان، فقال علي به، فأذن له فلما دخل عليه، قال هل تعلم لماذا خلق الله الذباب؟ قال: نعم ليذل الله به الجبابرة فسكت المنصور. وقال مرة مقاتل سلوني عن ما دون العرش، فقيل له من حلق رأس آدم عندما حج، فقال ليس هذا من علمكم، ولكن الله تعالى أراد أن يبتليني لما أعجبتني نفسي. وقال له آخر الذرة أو النملة معاؤها في مقدمها أو مؤخرها؟ فبقي لا يدري ما يقول له. قال الراوي: فظننت أنها عقوبة عوقب بها. وقد اختلف العلماء في أمره، فمنهم من وثقه في الرواية، وطعن فيه خلق كثير من الأئمة، ونسبوه إلى الكذب. وفيها توفي فقيه العراق الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، مولى بني تيم الله بن ثعلبة، ومولده سنة ثمانين، رأى أنساً، وروى عن عطاء بن أبي رباح وطبقته، وتفقه على حماد بن أبي سليمان، وكان من الأذكياء جامعاً بين الفقه والعبادة والورع والسخاء، وكان لا يقبل جوائز الولاة، بل ينفق ويؤثر من كسبه، له دار كبيرة لعمل الخز وعنده صناع الخز. قال الثمافعي: كل الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة، وقال يزيد بن هارون: ما رأيت أورع ولا أعقل من أبي حنيفة، ﵁. وعن أبي يوسف قال: بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة إذ سمعت رجلاً يقول لآخر: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل، فقال والله لا يتحدث عني بما لم أفعل، فكان يحيي الليل صلاة ودعاء وتضرعاً. وقيل إن المنصور سقاه سما فمات شهيداً ﵀، سمه لقيامه مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وكان قد أدرك أربعة من الصحابة، هم أنس بن مالك بالبصرة وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكه ﵃.

стр. 237

قال بعض أصحاب التواريخ: ولم يلق أحداً منهم ولا اخذ عنه، واصحابه يقولون لقي جماعة من الصحابة وروى عنهم، قال: ولم يثبت ذلك عند النقاد. وذكر الخطيب في تاريخ بغداد: انه رأى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه كما تقدم، وأخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان، وسمع عطاء بن أبي رباح وأبا إسحاق السبيعي ومحارب بن دثار والهيثم بن حبيب الصواف ومحمد بن المنكدر ونافعاً مولى عبد الله بن عمرو وهشام بن عروة وسماك بن حرب، روى عنه عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح والقاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وغيرهم، وكان عالماً عاملاً زاهداً ورعاً تقياً كثير الخشوع دائم التضرع إلى الله تعالى. ونقله أبو جعفر المنصور من الكوفة إلى بغداد على أن يوليه القضاء فأبى، فحلف لتفعلن وحلف أبو حنيفة أنه لا يفعل، فقال الربيع بن يونس الحاجب: الا ترى أمير المؤمنين يحلف؟ فقال أبو حنيفة أمير المؤمنين على كفارة أيمانه قد رمني على كفارة أيماني، وأبى أن يبلى فأمر به إلى الحبس في الوقت، والعوام يدعون أنه تولى أياماً ولم يصح هذا من جهة النقل. وقال الربيع رأيت المنصور يكلم أبا حنيفة في أمر القضاء وهو يقول اتق الله ولا تدع في أمانتك إلا من يخاف الله، والله ما أنا مأمون الرضى، فكيف أكون مأمون الغضب؟ ولو اتجه الحكم علي ثم تهددتني أن تغرقني في الفرات أو إلى الحكم لاخترت أن أغرق، ولك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم، ولا أصلح لذلك، فقال له: كذبت أنت تصلح، فقال قد حكمت لي على نفسك، فكيف يحل لك أن تولي قاضياً على أمانتك وهو كذاب؟. قال الخطيب أيضاً في بعضى الروايات: ان المنصور لما بنى مدينة ونزلها، ونزل المهدي في الجانب الشرقي وبنى مسجد الرصافة، ارسل إلى أبي حنيفة فجيء به، فعرض عليه قضاء الرصافة فأبى، فقال له: ان لم تفعل ضربتك بالسياط. قال: او تفعل؟ نعم، فقعد في القضاء يومين فلم يأته أحد، فلما كان في اليوم الثالث أتاه رجل صفار ومعه آخر، فقال الصفار: لي على هذا درهمان وأربعة دوانق ثمن تور صفر. فقال أبو حنيفة: اتق الله وانظر فيما يقول الصفار، فقال ليس علي شيء، فقال أبو حنيفة للصفار: ما تقول؟ فقال: استحلفه لي فقال أبو حنيفة: قل والله الذي لا إله إلا هو، فجعل يقول، فلما رآه أبو حنيفة مقداماً على اليمين قطع عليه وأخرج من صرة في كمه درهمين ثقيلتين، وقال للصفار خذ هذا عوض ما لك عليه، فلما كان بعد يومين اشتكى أبو حنيفة فمرض ستة أيام ثم مات. وكان يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين أرده للقضاء بالكوفة أيام مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية، فأبى عليه، وضربه مائة سوط وعشرة سواط، كل يوم عشرة أسواط. وهو على الامتناع، فلما رأى ذلك خلى سبيله، وكان الإمام أحمد بن حنبل إذا ذكر ذلك بكى وترحم على أبي حنيفة، وذلك بعد إن ضرب الإمام أحمد على ترك القول بخلق القرآن، يعني البكاء والترحم. وذكر الخطيب في تاريخه أيضاً أن أبا حنيفة ﵁ رأى في المنام أنه ينبش قبر رسول الله ﵌. فبعث من سأل محمد بن سيرين، فقال ابن سيرين: صاحب هذه الرؤيا يثور علماً لم يسبقه إليه أحد. وقال الإمام الشافعي ﵁ قيل لمالك هل رأيت أبا حنيفة؟ قال نعم رأيت رجلاً لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجته وروى حرملة ين يحيى عن الشافعي، قال: الناس عيال على هؤلاء الخمسة من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة، ومن أراد أن يتبحر في التفسير فهو عيال على مقاتل ين سليمان، ومن أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي ومن أراد أن يتبحر في الشعر فهو عيال على زهير بن أبي سلمى، ومن أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على بن محمد بن إسحاق. وفيها توفي وقيل في التي قبلها وقل في التي بعدها أبو الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح القرشي مولاهم المكي، كان أحد العلماء المشهورين، ويقال إنه أول من صنف الكتب في الإسلام، قال ﵀: كنت مع معن بن زائدة باليمن فحضر وقت الحج، فلم يخطر لي نية، فخطر ببالي قول عمرو بن ربيعة: اليوم الثالث أتاه رجل صفار ومعه آخر، فقال الصفار: لي على هذا درهمان وأربعة دوانق ثمن تور صفر. فقال أبو حنيفة: اتق الله وانظر فيما يقول الصفار، فقال ليس علي شيء، فقال أبو حنيفة للصفار: ما تقول؟ فقال: استحلفه لي فقال أبو حنيفة: قل والله الذي لا إله إلا هو، فجعل يقول، فلما رآه أبو حنيفة مقداماً على اليمين قطع عليه وأخرج من صرة في كمه درهمين ثقيلتين، وقال

стр. 238

للصفار خذ هذا عوض ما لك عليه، فلما كان بعد يومين اشتكى أبو حنيفة فمرض ستة أيام ثم مات. وكان يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين أرده للقضاء بالكوفة أيام مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية، فأبى عليه، وضربه مائة سوط وعشرة سواط، كل يوم عشرة أسواط. وهو على الامتناع، فلما رأى ذلك خلى سبيله، وكان الإمام أحمد بن حنبل إذا ذكر ذلك بكى وترحم على أبي حنيفة، وذلك بعد إن ضرب الإمام أحمد على ترك القول بخلق القرآن، يعني البكاء والترحم. وذكر الخطيب في تاريخه أيضاً أن أبا حنيفة ﵁ رأى في المنام أنه ينبش قبر رسول الله ﵌. فبعث من سأل محمد بن سيرين، فقال ابن سيرين: صاحب هذه الرؤيا يثور علماً لم يسبقه إليه أحد. وقال الإمام الشافعي ﵁ قيل لمالك هل رأيت أبا حنيفة؟ قال نعم رأيت رجلاً لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجته وروى حرملة ين يحيى عن الشافعي، قال: الناس عيال على هؤلاء الخمسة من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة، ومن أراد أن يتبحر في التفسير فهو عيال على مقاتل ين سليمان، ومن أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي ومن أراد أن يتبحر في الشعر فهو عيال على زهير بن أبي سلمى، ومن أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على بن محمد بن إسحاق. وفيها توفي وقيل في التي قبلها وقل في التي بعدها أبو الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح القرشي مولاهم المكي، كان أحد العلماء المشهورين، ويقال إنه أول من صنف الكتب في الإسلام، قال ﵀: كنت مع معن بن زائدة باليمن فحضر وقت الحج، فلم يخطر لي نية، فخطر ببالي قول عمرو بن ربيعة: بالله قولي له من غيرمعتبة ... ماذا أردت بطول المكث في اليمن إن كنت حاولت ذنباً أونعمت بها ... فما أخذت بترك الحج من ثمن قال فدخلت على معن فأخبرته أتي قد عزمت على الحج، فقال لي: ما يدعوك إليه؟ ولم تكن تذكره، فقلت: وذكرت بيتين لعمرو بن أبي ربيعة، وأنشدته إياهما فجهزني وانطلقت. سنة إحدى وخمسين ومائة فيها توفي شيخ البصرة وعالمها الإمام عبد الله بن عون، والإمام محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي مولاهم المدني صاحب السيرة، وكان بحراً من بحور الحلم ذكياً حافظاً طلابة للعلم اخبارياً نسابة ثبتاً في الحديث عند أكثر العلماء، وأما في المغازي والسير فلا يجهل إمامته.

стр. 239

قال ابن شهاب الزهري: من أراد المغازي فعليه بابن إسحاق وذكره البخاري في تاريخه. وروي عن الشافعي أنه قال: من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على ابن إسحاق. وقال سفيان بن عيينة ما أدركت أحداً يتهم ابن إسحاق في حديثه. وقال شعبة بن الحجاج محمد بن إسحاق أمير المؤمنين يعني في الحديث. وحكي عن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد القطان أنهم وثقوا محمد بن إسحاق واحتجوا بحديثه، وإنما لم يخرج البخاري عنه وقد وثقه وكذلك مسلم بن الحجاج لم يخرج عنه إلا حديثاً واحداً في الزجر من أجل طعن مالك بن أنس فيه وإنما طعن فيه مالك لأنه بلغه عنه أنه قال هاتوا حديث مالك فأنا طبيب لعلله. وتوفي ببغداد رحمه الله تعالى، ودفن في مقبره الخيزران بالجانب الشرقي، وهي منسوبة إلى الخيزران أم هارون الرشيد وأخيه الهادي، وإنما نسبت إليها لأنها مدفونة فيها، وهي أقدم المقابر التي في الجانب الشرقي، ومن كتب ابن إسحاق المذكورأخذ عبد الملك بن هشام سيرة رسول الله ﵌، وكذلك كل من تكلم في هذا الباب فعليه اعتماده وإليه استناده. وفيها قتلت الخوارج غيلة الأمير معن بن زائدةالشيباني أمير سجستان أحد الأبطال والأجوا د. ومن أخباره ما حكى عنه مروان بن أبي حفصة قال: اخبرني معن بن زائدة وهو يومئذ متولي بلاد اليمن أن المنصورجد في طلبه وجعل لمن يحمله إليه مالاً قال: فاضطررت لشدة الطلب إلى أن تعرضت للشمس حتى لوحت وجهي، وخفعت أوقال وخففت عارضي، ولبست جبة صوف وركبت جملاً متوجهاً إلى البادية لأقيم بها، فلما خرجت من باب حرب، وهو أحد أبواب بغدادتبعني أسود متقلداً بسيف، حتى إذا غبت عن الحرس قبض على خطام الجمل فأناخه، وقبض على يدي، فقلت ما لك؟ فقال: أنت طلبة - أميرالمؤمنين، فقلت ومن أنا حتى أطلب؟ قال: انت معن بن زائدة، فقلت: يا هذا اتق الله عز

стр. 240

وجل أين أنا من معن، فقال: دع هذا فو الله اني لأعرف منك بك، قال: فلمارأيت منه الجد قلت له: هذا عقد جواهرقد حملته معي بأضعاف ما جعله المنصور لمن يأتيه بي فخذه ولا تكن سبباً في سفك دمي، قال: هاته فأخرجته إليه، فنظر إليه ساعة وقال: صدقت في قيمته، ولست قابله حتى أسألك عن شيء فإن صدقتني أطلقتك، فقلت قل قال: إن الناس قد وصفوك بالجود فأخبرني هل وهبت مالك كله قط؟ قلت: لا قال: فنصفه؟ قلت لا. قال: فثلثه؟ قلت: لا حتى بلغ العشر فاستحييت وقلت أظن أني قد فعلت هذا، فقال ما ذاك بعظيم أنا والله رجل ورزقي من المنصور كل شهر عشرون درهماً، وهذا الجوهر قيمته ألوف دنانير، وقد وهبته لك، ووهبتك لنفسك ولجودك المأثوربين الناس، ولتعلم أن في الدنيا أجود منك فلا تعجبك نفسك، ولتحتقر بعد ذلك كل شيء تفعله ولا تتوقف عن مكرمة، ثم رمى العقد في حجري وترك خطام البعير وولى منصرفاً، فقلت له: يا هذا قد والله نصحتني، ولسفك دمي أهون علي مما فعلت، فخذ ما دفعته لك فأني عنه غني، فضحك وقال أردت أن تكذبني في مقالتي هذه فو الله لا آخذ به ولا آخذ بمعروف ثمناً أبداً ومضى لسبيله. قال: فوالله لقد طلبت بعد أن أمنت، وبذلت لمن يجيء به ما شاء، فما عرفت له خبراً وكأن الأرض ابتلعته، وإنما كان معن خائفاً من المنصور لأنه كان في أيام بني أمية منتقلاً في ولايتهم موالياً لابن هبيرة، فلما انتقلت الدولة إلى بني العباس قاتل معن مع ابن هبيرة المنصور، فلما قتل ابن هبيرة خاف معن من المنصور فاستتر عنه، قال الراوي ولم يزل معن مستتراً حتى كان يوم الهاشمية، وهو يوم مشهور ثار فيه جماعة من أهل خراسان على المنصور، ووثبوا عليه وجرت مقتلة بينهم وبين أصحاب المنصور بالهاشمية التي بناها السفاح بالقرب من الكوفة، وقد تقدم ذلك في سنة احدى وأربعين وكان معن متوارياً بالقرب منهم، فخرج متنكراً معتماً ملثماً، وتقدم إلى القوم وقاتل قتالأ بان فيه عن نجدة وشهامة، وفرقهم، فلما أفرج عن المنصور قال له من أنت ويحك فكشف لثامه وقال: أنا طلبتك يا أمير المؤمنين معن بن زائدة، فأمنه المنصور وأكرمه وحباه وكساه وزينه، أو قال: ورتبه وصار من خواصه. ثم دخل بعد ذلك عليه في بعض الأيام، فلما نظر إليه قال: هيه يا معن تعطي مروان ابن أبي حفصة مائة ألف درهم على قوله: معن بن زائدة الذي زيدت به ... شرفاً على شرف بنو شيبان فقلت: كلا يا أمير المؤمنين إنما أعطيته على قوله في هذه القصيدة: مازلت يوم الهاشمية معلناً ... بالسيف دون خليفة الرحمن

стр. 241

فمنعت حوزته وكنت وقايةً ... من وقع كل مناهل وسنان فقال أحسنت يا معن، وقال له يوماً يا معن ما أكثر وقوع الناس في قومك؟ فقال أمير المؤمنين: إن العراقين تلقاها محسدة ... ولا ترى للئام الناس حسادا ودخل عليه يوماً قد اسن، فقال له: لقد كبرت يا معن، فقال: في طاعتك يا أميرالمؤمنين. فقال: انك المجلد. فقال: على أعدائك يا أمير المؤمنين. فقال: وفيك تقية. فقال: هي لك يا أمير المؤمنين. وعرض هذا الكلام على عبد الرحمن بن زيد زاهد أهل البصرة، فقال: ويح هذا ما ترك لربه شيئاً. وحكى الأصمعي قال وفد اعرابي على معن بن زائدة فمدحه وطال مقامه على بابه ولم تحصل له جائزة، فعزم على الرحيل، فخرج معن راكباً إليه فقام وأمسك عنان دابته فقال: وما في يديك الخيريا معن كله ... وفي الناس معروف وعنك مذاهب ستدرين بنات العم ما قد أتيته ... إذا فتشت عند الإياب الحقائب فأمر معن باحضار خمس نوق من كرام ابله وأوقرهن له ميرة وبراً وثياباً، وقال انصرف يا ابن أخي في حفظ الله إلى بنات عمك فلئن فتشن الحقائب لتجدن فيها ما يسترهن، فقال: صدقت وبيت الله. ومما يحكى عن معن بن زائدة أنه كان ذات يوم من الأيام جالساً على سرير مملكته، وحوله الوزراء والأمراء والحرفاء والكتاب والمذاكرون في النوادر والغرائب، إذ أقبل أعرابي يتخطى الصفوف صفاًصفاً حتى وقف بين يديه، وقال: أتعرف إذ قميصك جلد كبش ... وإذ نعلاك من جلد البعير قال نعم اعرف ذلك. قال: فسبحان الذي أعطاك ملكاً ... وعلمك الجلوس على السرير قال ذاك بحمد الله لا بحمدك قال: فلست مسلماً لوعشت دهراً ... على معن بتسليم الأمير قال إذن والله لا أبالي بك قال: ولا آتي بلاداً أنت فيها ... ولو جار الزمان على الفقير

стр. 242

قال أفتعلم لك موضعاً تختفي فيه؟ قال: فمرلي يا بن زائدة بمال ... وزاد إذ عزمت على المسير قال يا غلام أعطه ألف درهم قال: قليل ما أمرت به وأني ... لأطمع منك بالشيء الكثير قال: يا غلام زيادة ألف درهم. كأنك إذ ملكت الملك زرنا ... بلا عقل ولا جاه خطير قال يا غلام زيادة ألف درهم قال: ملكت الجود والأفضال جميعاً ... فبذل يديك كالبحر الغزير قال ضاعف له الحسنات، فضاعف له الحسنات بستة آلاف، ولمعن تروى أشعار جيدة، فمن ذلك قوله في خطاب ابن أخي عبد الجبار وقد رآه يتبختر بين السماطين بعدما لقي الخوارج وفر منهم: هلا مشيت كذا غداة لقيتهم ... وصبرت عند الموت يا خطاب نجاك خوار العنان كأنه ... تحت العجاج إذ كان تحت عقاب وتركت صحبك والرماح تنوشهم ... وكذاك من قعدت به الأحساب ومما روى الخطيب في تاريخه عن أبي عثمان المازني النحوي قال: حدثني صاحب شرطة معن قال: بينما أنا على رأس معن إذا هو براكب يوضع، فقال معن ما أحسب الرجل يريد غيري، ثم قال لحاجبه لا تحجبه، قال فجاء حتى مثل بين يديه وأنشد. أصلحك الله قل ما بيدي ... فما أطيق العيال إن كثروا ألح دهر ألقى بكلكلة ... فأرسلوني إليك وانتظروا فقال معن وأخذته أريحية: لا جرم والله لأعجلن أوبتك. ثم قال: يا غلام الناقة الفلانية وألف دينار، فدفعها إليه وهو لا يعرفه، قلت وهذا كله مما يدل على عظم جود معن وشجاعته. ومما يدل على حلمه وشماحته: ما حكي أنه لما طلب أبو جعفر المنصور الإمام سفيان الثوري لينتقم منه بزعمه لما كان سفيان ينكر عليه ويغلظ له القول، سافر إلى أرض اليمن متغيباً عن شره، فلم يزل ينتقل في اليمن من بلد إلى بلد ومن قرية إلى قرية، وكان يقرأ عليهم حديث الضيافة ليضيفوه ويسلم من سوء الهم، فلما أوى بعض القرى ذات ليلة

стр. 243

سرق فيها لبعض الناس شيء، فاتهموا سفيان لكونه غريباً عندهم، وأتوا به إلى معن بن زائدة وقالوا له: اصلح الله الأمير، هذا سرق متاعنا وأنكر، فقال له معن: ما تقول؟ قال ما أخذت لهم شيئاً. فقال لمن حوله: فقوموا فلي معه كلام، فلما بعدوا عنه قال ما اسمك؟ قال: أنا عبد الله، قال ابن من؟ قال: ابن عبد الله، قال: قد علمت أن الناس كلهم عبد الله وأبناء عبيد الله، قال ما اسمك الذي سمتك به أمك؟ قال سفيان، قال: ابن من؟ قال ابن سعيد، قال الثوري قال: أبغية أمير المؤمنين؟ قال: فنكت بعود بيده في الأرض ساعة، ثم رفع رأسه لي وقال: اذهب حيث شئت فلو كنت تحت قدمي هذه ما حركتك هذا معنى ما حكي في ذلك إن لم يكن لفظه بعينه، والله تعالى أعلم. وأخبار معن ومحاسنه كثيرة، وكان قد ولي سجستان في آخر أمره، وله آثار وقصده الشعراء بها، فلما كان سنة إحدى وخمسين وقيل سنة اثنتين وخمسين وقيل ثمان وخمسين ومائة بينما هو في داره والصناع يعملون له شغلاً، اندس بينهم قوم من الخوارج فقتلوه وهو يحتجم، ثم تبعهم ابن أخيه يزيد بن مرثد بن زائدة فقتلهم بأسرهم. ولما قتل معن رثاه الشعراء بأحسن المراثي، فمن ذلك قول مروان بن أبي حفصة: مضى لسبيله معن وأبقى ... مكارم لن تبيد ولن تنالا كأن الشمسس يوم أصيب معن ... من الإظلام ملبسة جلالا هوالجيل الذي كانت نزار ... تهد من العدو به الجبالا فعطلت الثغور لفقد معن ... وقد يروى بها الأسل النهالا وأظلمت العراق وأوترتنا ... مصيبه المخللة اختلالا وظل الشام يرجف جانباه ... ويركن العز حين وهي فمالا وكانت من تهامة كل أرض ... ومن نجد تزول غداة زالا فإن تعل البلاد له خشوع ... فقد كانت تطول به اختيالا أصاب الموت يوم أصاب معناً ... من الأحياء أكرمهم فعالا وكان الناس كلهم لمعن ... إلى أن زار حفرته عيالا إلى آخر ما قاله من قصيدة فيه طويلة من أولها هذه العشرة الأبيات. وقال عبد الله بن المعتز في كتاب طبقات الشعراء: ادخل مروان بن أبي حفصة على جعفر البرمكي، فقال له: ويحك أنشدتي مرثيتك في معن بن زائدة. فقال: بل أنشدك

стр. 244

مدحي فيك، فقال جعفر: أنشدني مرثيتك في معن، فانشأ يقول القصيدة المشهورة الى أن قال: وكان الناس كلهم لمعن ... إلى أن زار حفرته عيال واستمر حتى فرغ منها، وجعفر يرسل دموعه على خده، فلما فرغ قال له جعفر: هل أثابك على هذه المرثية أحد من ولده وأهله شيئاً؟ قال: لا. قال: فلو كان معن حياً، ثم سمعها كم كان يثيبك عليها؟ قال: أصلح الله الوزير ربع مائة دينار. قال جعفر: فإنا نظن أنه كان لا يرضى لك بذلك، قد أمرنا لك عن معن ﵀ الضعف بما ظننت، وزدناك مثل ذلك، فاقبض من الحارث ألفاً وست مائة دينار قبل أن تنصرف إلى رحلك، فقال مروان يذكر جعفراً وما سمع به عن معن: نفخت مكافياًعن قبرمعن ... لنامما تجود به سجالا فعجلت العطية يا بن يحيى ... لراثيه ولم ترد المطال فكأني عن صداء معن جواد ... بأجود راحة بذل النوال بنى لك خالد وأبوك يحيى ... بناء في المكارم لن تنال كأن البرمكي بكل مال ... يجود به نداه يفيد مال ثم قبض المال وانصرف. وحكى أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني عن محمد البيذق النديم: أنه دخل على هارون الرشيد قال له: أنشدني مرثية مروان بن أبي حفصة في معن بن زائدة، فأنشده بعضها فبكى الرشيد. ويقال إن مروان بعد هذه المرثية لم ينتفع بشعره، فإنه كان إذا مدح خليفة أو من دونه قال له أنت قلت مرثيتك: وقلنا أين نرحل بعد معن ... وقد ذهب النوال فلا نوالا فلا يعطيه الممدوح شيئاً ولا يسمع ما يقوله فيه من المدح. وحكى الفضل بن الربيع قال: رأيت مروان بن أبي حفصة وقد دخل على المهدي بعد موت معن بن زائدة في جماعة من الشعراء، فأنشده مديحاً، فقال له: من أنت؟ فقال شاعرك مروان بن أبي حفصة. فقال: ألست القائل: فقلنا أين نرحل بعد معن البيت المذكور؟ وقد جئت تطلب نوالنا وقد ذهب النوال لا شيء عندنا جروه برجله. قال فجروه برجله حتى آخرجوه.

стр. 245

فلما كان من العام المقبل، تلطف حتى دخل مع الشعراء، وإنما كانت الشعراء تدخل على الخلفاء كل عام مرة، فمثل بين يديه وأنشد قصيدته التي أولها: طرقتك زائرة فجاء خيالها فأنصت لها المهدي، ولم يزل يرجف كلما سمع شيئاً منها حتى زال عن البساط اعجاباً بما سمع، ثم قال له: كم بيتاً هي فقال: مائة ألف، فأمر له بمائة ألف درهم. ويقال إنها أول مائة ألف أعطيها شاعر في خلافة بني العباس. قال الفضل بن الربيع: فلم يلبث من الأيام إلى أن أفضت الخلافة إلى هارون الرشيد، فأنشده شعراً، فقال له: من أنت؟ فقال: شاعرك مروان بن أبي حفصة. فقال: ألست القائل كذا؟ وأنشده البيت، ثم قال خذوه بيده فأخرجوه فإنه لا شيء له عندنا، ثم تلطف حتى دخل بعد ذلك، فأنشده وأحسن جائزته. ومن المراثي النادرة أيضاً أبيات الحسين بن مطير بن الأشيم الأسدي في معن بن زائدة أيضاً وهي من أبيات الحماسة: ألما على معن وقولاً لقبره ... سقتك الغوادي مربعاً ثم مربعا فيا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا مع أبيات أخرى. وقال الصاحب بن عباد: قرأت في أخبار معن بن زائدة أن رجلاً قال له: احملني أيها الأمير، فأمر له بناقة وفرس وبغل وحمار وجارية، ثم قال: لوعلمت أن الله سبحانه خلق مركوباً غير هذه لحملتك عليه، وقد أمرنا لك من الخز بجبة وقميص وعمامة ودراعة وسراويل ومنديل ومطرف ورداء وكساء وجورب، ولو علمنا لباساً آخر يتخذ من الخز لأعطيناكه. قال بعض المؤرخين: ولولا خوف الإطالة لا تبت من محاسنه بكل نادرة بديعة. سنة اثنتين وخمسين ومائة فيها توفي عباد بن منصور. روى عن عكرمة وجماعة، وفيها توفي يونس بن يزيد صاحب الزهري، روى عن القاسم وسالم وجماعة. وفيها توفي واصل بن عبد الرحمن البصري، روى عن الحسن وطبقته. سنة ثلاث وخمسين ومائة فيها غلبت الخوارج الإباضية على إفريقية، وهزموا عسكرها، وقتلوا متوليها عمر بن

стр. 246

حفص الأزدي، وكانت الإباضية في مائة وعشرين ألف فارس وأمم لا يحصون من رجالة. وفي السنة المذكورة ألزم المنصور الناس لبس القلانس المفرطة الطول، وكانت تعمل من كاغذ ونحوه على قصب، ويعمل عليها السواد. وفيها توفي أبو خالد ثور بن يزيد الكلاعي الحافظ محدث حمص. قال يحيى القطان: ما رأيت شامياً أوثق منه، قال أحمد: كان يرى القدر ولذلك نفاه أهل حمص. وفي رمضان منها توفي معمر بن راشد الأزدي مولاهم البصري الحافظ قال أحمد ليس يضم معمر إلى أحد إلا وجدته فوقه، وقاك غيره كان صالحاً خيراً، وهو أول من ارتحل في طلب الحديث إلى اليمن، فلقي بها همام بن منبه اليمني، فسمع منه ومن الزهري وهشام بن عروة، وارتحل إليه الثوري وابن عيينة وابن المبارك وغندر وهشام بن يوسف قاضي صنعاء، وأخذ عنه عبد الرزاق فقيه اليمن ومحدث صنعاء، وله الجامع المشهور والمنسوب إليه في السنن، وهو أقدم من الموطأ. وفيها توفي هشام بن عبد الله الدستوائي البصري الحافظ، قال أبو داود الطيالسي كان أمير المؤمنين في الحديث، وقال غيره بكى هشام حتى فسدت عينه. وفيها توفي وهيب بن الورد المكي الولي الكبير السيد الشهير صاحب المواعظ والرقائق والمعارف والحقائق: قلت وكان يحكى عنه في الورع أمر عظيم، وكان لا يأكل مما في الحجاز شيئاً، فسأل عن سبب ذلك فقال: فيه المصافي. يعني أن ولاة الأمر اصطفوا منه مواضع لا تفهم ولمن شاء من حاشيتهم فقيل له: ومن الشام ومصر أيضاً كذلك؟ فوجم من ذلك حتى غشي عليه، فلما أفاق قال الفضيل لو درينا أنه يبلغ بك هذا المبلغ ما حركناك، أو كما قيل رضي الله تعالى عنهم أجمعين. سنة أربع وخمسين ومائة فيها أهم المنصور أمر الخوارج واستيلاؤهم على بلاد المغرب، فسار إلى الشام وزار القدس، وجهز يزيد بن حاتم في خمسين ألف فارس وعقد له على المغرب فقيل إنه أنفق على ذلك الجيش ثلاثة وستين ألف ألف درهم. وفيها توفي وزير المنصور سليمان بن مخلد، وقيل ابن داود المورياني، كان وزير

стр. 247

أبي جعفر المذكور، تولى وزارته بعد خالد بن برمك جد البرامكة، وتمكن منه تمكناً بالغاً، وسبب ذلك أنه كان في ابتداء أمره يكتب لسليمان بن حبيب بن المهلب الأزدي وكان المنصور قبل الخلافة ينوب عن سليمان المذكور في بعض كور فارس، فاتهمه أنه أخذ المال لنفسه، فضربه بالسياط ضرباً شديداً، وغرمه المال، فلما ولي الخلافة ضرب عنقه، وكان سيمان قد عزم على قتله عقب ضربه، فخلصه منه كاتبه أبو أيوب المذكور، فاعتدها المنصور له واستوزره، ثم إنه فسدت نيته فيه ونسبه إلى أخذ الأموال، وهم أن يوقع به، فتطاول ذلك فكان كلما دخل عليه ظن أنه سيوقع به، ثم يخرج سالماً، فقيل إنه كان معه شيء من الدهن قد عمل فيه سحراً وكان يدهن به حاجبيه إذا دخل على المنصور فصار في العامة دهن أبي أيوب وصار مثلاً. ومن ملح أمثاله ما ذكر خالد بن يزيد بن الأرقط قال: بينا أبو أيوب المذكور جالس في أمره ونهيه، اتاه رسول منصور فتغير لونه، فلما رجع تعجبنا من حالته، فضرب مثلا لذلك، وقال: زعموا أن البازي قال للديك: ما في الأرض حيوان أقل وفاء منك. قال وكيف ذلك؟ قال أخذك أهلك بيضة فحضنوك، ثم خرجت على أيديهم، وأطعموك في أكفهم، ونشأت بينهم حتى إذا كبرت صرت لا يدنو منك أحد إلا طرت هاهنا وهاهنا وصدت، وأخذت أنا مسيباً من الجبال فعلموني وألقوني ثم تخلى عني فأخذ صيداً في الهواء وأجيء به إلى صاحبي. فقال له الديك: انكم لو رأيتم من البزاة في سفافيد هم المعدة للشيء مثل الذي رأيت من الديوك لكنتم أنفر مني، يعني أيها البزاة ولكنكم أنتم لو علمتم أعلم لم يتعجبوا من خوفي مع ما ترون من تمكن حالي ثم إنه وقع به في سنة ثلاث وخمسين ومائة وعذبه وأخذ أمواله. ثم مات في السنة التي تليها والمورياني بضم الميم وسكون الواو وكسر الراء وبالمثناة من تحت وبعد الألف نون ثم ياء النسبة إلى موريان وهي قرية من قرى الأهواز. وفيها توفي الحكم بن أبان العدني، روى عن طاوس وجماعة، وكان شيخ أهل اليمن وعالمهم بعد معمر، وكان إذا هدأت العيون وقف في البحر إلى ركبتيه يذكر الله حتى يصبح. وفيها توفي مقرىء البصرة أبو عمرو بن العلاء بن عمار التميمي المازني البصري أحد السبعة القراء وعمره أربع وثمانون سنة، قرأ على أبي العالية وجماعة وروى عن أنس وغيره. قال أبو عمرو كنت رأساً والحسن حي ونظرت في العلم قبل أن أختن. وقال أبو عبيدة: كان أبو عمرو أعلم الناس بالقرآن والعربية، والشعر وأيام العرب. قال: وكانت دفاتره ملء بيت

стр. 248

إلى السقف، ثم تنسك فأحرقها، وهو في النحو من الطبقة الرابعة من علي بن ابي طالب ﵁. قال الأصمعي سألت أبا عمرو عن ألف مسألة فأجابري فيها بألف حجة. وكان أبو عمرو رأساً في حياة الحسن البصري مقدماً في عصره، وكانت كتبه التي كتب عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتاً له إلى قريب من السقف كما تقدم. ثم ذكر إحراقه لها. قال: فلما رجع إلى علمه الأول لم يكن عنده إلا ما حفظه يقلبه، وكانت عامة أخباره عن إعراب قد أدركوا الجاهلية. قال الأصمعي جلست إلى أبي عمرو بن العلاء عشر حجج، فلم أسمعه يحتج ببيت إسلامي قال وفيه يقول الفرزدق: ما زلت أغلق أبواباً وأفتحها ... حتى أتيت أبا عمرو بن عمار والصحيح أن كنيته اسمه وكان رحمه الله تعالى إذا دخل شهر رمضان لم ينشد بيت شعر حتى ينقضي. وعنه أنه قال ما زدت في شعر العرب قط إلا بيتاً واحداً وهو أنكرتني وما كان الذي أنكرت من الحوادث إلا الشيب والصلعا. وهذا البيت يوجد في جملة أبيات للأعشى مشهورة. قال أبو عبيدة دخل أبو عمرو بن العلاء على سليمان بن علي وهو عم السفاح، فسأله عن شيء، فصدقه، فلم يعجبه ما قال، فوجد أبو عمرو في نفسه فخرج وهو يقول: أنفت من الذل عند الملوك ... وإن أكرموني وإن قربوا إذا ما صدقتم خفتهم ... ويرضون مني بأن أكذب قلت وهذا يعرفك بجواز الإقواء المعروف في علم القافية لوقوعه من هذا الإمام الذي هو للاحتجاج من أقوى دليل أعني رفعه للباء من: اكذب لموافقة القافية المتقدمة، مع دخول أن الناصبة للفعل المضارع، وقد اعتذر عنه بعضهم ذاهباً إلى ألن أن هاهنا وقعت مخففة من الثقيلة، او أنها ملغاة من العمل. وفي قوله هذا نظر، فإن كونها مخففة من الثقيلة يحتاج إلى شروطه: منها أن يكون الفعل بمعنى العلم أو الظن على أحد الوجهين، وشرط بعضهم السين في الفعل كقوله تعالى علم أن سيكون. وحكي عن ابن محمد النوفلي قال: سمعت أبي يقول: قلت لأبي عمرو بن العلاء: اخبرني عما وضعت مما سميته عربية لم يدخل فيه كلام العرب كله، فقال: لا. فقلت: فكيف تصنع؟ فيما خالفتك فيه العرب وهو حجة قال: اعمل على الأكثر واسمي ما خالفني لغات.

стр. 249

قلت وذكر شيخنا الإمام الرضي الطبري رحمة الله عليه في كتاب شهاب القبس عن أبي عمرو بن العلاء، انه قال: اول العلم الصمت، والثاني حسن الاستماع، والثالث حسن السؤال، والرابع حسن اللفظ، والخامس نشره عند أهله. وذكر عن أبي عبيدة أنه فاخر مصري يميناً بحضرة أبي عمرو، فاستعلاه اليمني، فقال أبو عمرو المصري: قل له لنا النبوة والخلافة والكعبة والسدانة وزمزم والسقاية واللواء والرفادة والشورى والندوة والسبق بالإيمان والهجرة، ولنا فتوح الآفاق وتفرقة الأرزاق، وبنا سميت الأنصار أنصاراً، ومنا أول من تنشق عنه الأرض وصاحب الحوض وأول شافع ومشفع وأول من يدخل الجنة وسيد ولد آدم وكرم الناس أباً وأماً ﷺ . ومنا الأسباط والأنبياء ﵈، وجبابرة الملوك العظماء، فمن عزمنكم فنحن أعززناه، ومن ذل فنحن أذللناه، قال: فعجب الناس من كلامه حتى أنه لو كان قد أعده أو قرأ، من كتاب ما زاد على ذلك، وقال فوت الحاجة خير من طلبها من غير أهلها، وقال: ما تساب اثنان إلا غلب ألامهما، وقال: اذا تمكن الإخاء فتح الثاء، وقال ما ضاق مجلس بين متحابين، وما اتسعت الدنيا بين متباغضين، وقال: احسن المراثي ابتداء قول فضالة بن كندة العبسي: أيتها النفس اجملي جزعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا بان الذي جمع السماحة ... والنجدة والبر والتقى جمعا الألمعي الذي يظن بك الظن ... كأن قد رأى وقد سمعا وقال ما قالت العرب بيتاً أبدع من قول النابغة: والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع وقال الأصمعي: سمع أبو عمرو رجلاً ينشد، وكان مستتراً من الحجاج. اصبرالنفس عند كل مهم ... إن في الصبر حيلة المحتال لاتضيقن في الأمور فقد ... تكشف غماؤها بغير احتمال ربما تجزع النفس في الأمر ... ماله فرجة كحل العقال سمعها بسحره وكان ... قد خرج يريد الانتقال فقال له ما الأمر؟ فقال: مات الحجاج. فلم أدر بأيهما أنا أفرح بموت الحجاج أم

стр. 250

بقوله فرجة وكنا نقول فرجة من الفرج وغيره وبالضم فرجة الحائط وفي رواية قال يقال فرجة بالفتح بين الأمرين وبالضم بين الجبلين يعني بالفتح والضم في الفاء وقال أبو عمرو: وحججنا سنة فمررنا ذات ليلة بواد، فقال لنا المكري: ان هذا واد كثير الجن فأقلوا الكلام حتى تقطعوه، قال: مررنا بهم في الرمل مخبتين يتبين منهم الرؤوس واللحى، نسمع حسهم ولا نراهم، فسمعنا منهم هاتفاً يقول: وإن امرءاً دنياه أكبر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور قال فوالله لقد ذهب عنا ما كنا فيه من الغم، وأخبار أبي عمرو كثيرة وفضائله شهيرة، وكانت ولادته سنة سبعين وقيل ثمان وستين وقيل خمس وستين من الهجرة بمكة، وتوفي سنة أربع وقيل ست وقيل تسع وخمسين ومائة بالكوفة، وقال ابن قتيبة مات في طريق الشام ونسب في ذلك إلى الغلط، فقد ذكر بعض الرواة أنه رأى قبر أبي عمرو بالكوفة مكتوباً عليه هذا قبر أبي عمرو بن العلاء، فلما حضرته الوفاة كان يغشى عليه ويفيق، فأفاق من غشيته فإذا ابنه بشر يبكي، فقال: وما يبكيك وقد أتت على أربع وثمانون سنة، ورثاه بعضهم بقوله: رزينا أبا عمرو ولا حي مثله ... فلله ريب الحادثات بمن فجع فإن تك قد فارقتنا وتركتنا ... ذوي حلة ما في انسداد لها طمع فقد جز نفعاً فقدنا لك أننا ... أمنا على كل الرزايا من الجزع قيل رثاه بها عبد الله بن المقنع، وقيل يحيى بن زياد الشاعر المشهور خال السفاح، وقيل غير من ذكر. سنة خمس وخمسين ومائة فيها فتح يزيد بن حاتم إفريقية، واستعادها من الخوارج، وهزمهم وقتل كبارهم، ومهد قواعدها أميراً من جهة المنصور. وفيها توفي الراوية حماد بن أبي ليلى الديلمي الكوفي، وقال ابن قتيبة: انه مولى لابن زيد الخيل الطائي الصحابي، كان من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها وأشعارها وأنسابها ولغاتها، هو الذي جمع السبع الطوال، فيها ذكره أبو جعفر بن النحاس، وكانت ملوك بنى أمية تقدمه وتؤثره وتستزيره، فيفيد عليهم وينال منهم، ويسألونه عن أيام العرب وعلومها. وقال له الوليد بن يزيد الأموي يوماً وقد حضر مجلسه: بما استحققت هذا الاسم فقيل
следующие страницы →