← История

История · id 9091

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

اليافعي

Полный текст (1 334 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

حفص الأزدي، وكانت الإباضية في مائة وعشرين ألف فارس وأمم لا يحصون من رجالة. وفي السنة المذكورة ألزم المنصور الناس لبس القلانس المفرطة الطول، وكانت تعمل من كاغذ ونحوه على قصب، ويعمل عليها السواد. وفيها توفي أبو خالد ثور بن يزيد الكلاعي الحافظ محدث حمص. قال يحيى القطان: ما رأيت شامياً أوثق منه، قال أحمد: كان يرى القدر ولذلك نفاه أهل حمص. وفي رمضان منها توفي معمر بن راشد الأزدي مولاهم البصري الحافظ قال أحمد ليس يضم معمر إلى أحد إلا وجدته فوقه، وقاك غيره كان صالحاً خيراً، وهو أول من ارتحل في طلب الحديث إلى اليمن، فلقي بها همام بن منبه اليمني، فسمع منه ومن الزهري وهشام بن عروة، وارتحل إليه الثوري وابن عيينة وابن المبارك وغندر وهشام بن يوسف قاضي صنعاء، وأخذ عنه عبد الرزاق فقيه اليمن ومحدث صنعاء، وله الجامع المشهور والمنسوب إليه في السنن، وهو أقدم من الموطأ. وفيها توفي هشام بن عبد الله الدستوائي البصري الحافظ، قال أبو داود الطيالسي كان أمير المؤمنين في الحديث، وقال غيره بكى هشام حتى فسدت عينه. وفيها توفي وهيب بن الورد المكي الولي الكبير السيد الشهير صاحب المواعظ والرقائق والمعارف والحقائق: قلت وكان يحكى عنه في الورع أمر عظيم، وكان لا يأكل مما في الحجاز شيئاً، فسأل عن سبب ذلك فقال: فيه المصافي. يعني أن ولاة الأمر اصطفوا منه مواضع لا تفهم ولمن شاء من حاشيتهم فقيل له: ومن الشام ومصر أيضاً كذلك؟ فوجم من ذلك حتى غشي عليه، فلما أفاق قال الفضيل لو درينا أنه يبلغ بك هذا المبلغ ما حركناك، أو كما قيل رضي الله تعالى عنهم أجمعين. سنة أربع وخمسين ومائة فيها أهم المنصور أمر الخوارج واستيلاؤهم على بلاد المغرب، فسار إلى الشام وزار القدس، وجهز يزيد بن حاتم في خمسين ألف فارس وعقد له على المغرب فقيل إنه أنفق على ذلك الجيش ثلاثة وستين ألف ألف درهم. وفيها توفي وزير المنصور سليمان بن مخلد، وقيل ابن داود المورياني، كان وزير

стр. 247

أبي جعفر المذكور، تولى وزارته بعد خالد بن برمك جد البرامكة، وتمكن منه تمكناً بالغاً، وسبب ذلك أنه كان في ابتداء أمره يكتب لسليمان بن حبيب بن المهلب الأزدي وكان المنصور قبل الخلافة ينوب عن سليمان المذكور في بعض كور فارس، فاتهمه أنه أخذ المال لنفسه، فضربه بالسياط ضرباً شديداً، وغرمه المال، فلما ولي الخلافة ضرب عنقه، وكان سيمان قد عزم على قتله عقب ضربه، فخلصه منه كاتبه أبو أيوب المذكور، فاعتدها المنصور له واستوزره، ثم إنه فسدت نيته فيه ونسبه إلى أخذ الأموال، وهم أن يوقع به، فتطاول ذلك فكان كلما دخل عليه ظن أنه سيوقع به، ثم يخرج سالماً، فقيل إنه كان معه شيء من الدهن قد عمل فيه سحراً وكان يدهن به حاجبيه إذا دخل على المنصور فصار في العامة دهن أبي أيوب وصار مثلاً. ومن ملح أمثاله ما ذكر خالد بن يزيد بن الأرقط قال: بينا أبو أيوب المذكور جالس في أمره ونهيه، اتاه رسول منصور فتغير لونه، فلما رجع تعجبنا من حالته، فضرب مثلا لذلك، وقال: زعموا أن البازي قال للديك: ما في الأرض حيوان أقل وفاء منك. قال وكيف ذلك؟ قال أخذك أهلك بيضة فحضنوك، ثم خرجت على أيديهم، وأطعموك في أكفهم، ونشأت بينهم حتى إذا كبرت صرت لا يدنو منك أحد إلا طرت هاهنا وهاهنا وصدت، وأخذت أنا مسيباً من الجبال فعلموني وألقوني ثم تخلى عني فأخذ صيداً في الهواء وأجيء به إلى صاحبي. فقال له الديك: انكم لو رأيتم من البزاة في سفافيد هم المعدة للشيء مثل الذي رأيت من الديوك لكنتم أنفر مني، يعني أيها البزاة ولكنكم أنتم لو علمتم أعلم لم يتعجبوا من خوفي مع ما ترون من تمكن حالي ثم إنه وقع به في سنة ثلاث وخمسين ومائة وعذبه وأخذ أمواله. ثم مات في السنة التي تليها والمورياني بضم الميم وسكون الواو وكسر الراء وبالمثناة من تحت وبعد الألف نون ثم ياء النسبة إلى موريان وهي قرية من قرى الأهواز. وفيها توفي الحكم بن أبان العدني، روى عن طاوس وجماعة، وكان شيخ أهل اليمن وعالمهم بعد معمر، وكان إذا هدأت العيون وقف في البحر إلى ركبتيه يذكر الله حتى يصبح. وفيها توفي مقرىء البصرة أبو عمرو بن العلاء بن عمار التميمي المازني البصري أحد السبعة القراء وعمره أربع وثمانون سنة، قرأ على أبي العالية وجماعة وروى عن أنس وغيره. قال أبو عمرو كنت رأساً والحسن حي ونظرت في العلم قبل أن أختن. وقال أبو عبيدة: كان أبو عمرو أعلم الناس بالقرآن والعربية، والشعر وأيام العرب. قال: وكانت دفاتره ملء بيت

стр. 248

إلى السقف، ثم تنسك فأحرقها، وهو في النحو من الطبقة الرابعة من علي بن ابي طالب ﵁. قال الأصمعي سألت أبا عمرو عن ألف مسألة فأجابري فيها بألف حجة. وكان أبو عمرو رأساً في حياة الحسن البصري مقدماً في عصره، وكانت كتبه التي كتب عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتاً له إلى قريب من السقف كما تقدم. ثم ذكر إحراقه لها. قال: فلما رجع إلى علمه الأول لم يكن عنده إلا ما حفظه يقلبه، وكانت عامة أخباره عن إعراب قد أدركوا الجاهلية. قال الأصمعي جلست إلى أبي عمرو بن العلاء عشر حجج، فلم أسمعه يحتج ببيت إسلامي قال وفيه يقول الفرزدق: ما زلت أغلق أبواباً وأفتحها ... حتى أتيت أبا عمرو بن عمار والصحيح أن كنيته اسمه وكان رحمه الله تعالى إذا دخل شهر رمضان لم ينشد بيت شعر حتى ينقضي. وعنه أنه قال ما زدت في شعر العرب قط إلا بيتاً واحداً وهو أنكرتني وما كان الذي أنكرت من الحوادث إلا الشيب والصلعا. وهذا البيت يوجد في جملة أبيات للأعشى مشهورة. قال أبو عبيدة دخل أبو عمرو بن العلاء على سليمان بن علي وهو عم السفاح، فسأله عن شيء، فصدقه، فلم يعجبه ما قال، فوجد أبو عمرو في نفسه فخرج وهو يقول: أنفت من الذل عند الملوك ... وإن أكرموني وإن قربوا إذا ما صدقتم خفتهم ... ويرضون مني بأن أكذب قلت وهذا يعرفك بجواز الإقواء المعروف في علم القافية لوقوعه من هذا الإمام الذي هو للاحتجاج من أقوى دليل أعني رفعه للباء من: اكذب لموافقة القافية المتقدمة، مع دخول أن الناصبة للفعل المضارع، وقد اعتذر عنه بعضهم ذاهباً إلى ألن أن هاهنا وقعت مخففة من الثقيلة، او أنها ملغاة من العمل. وفي قوله هذا نظر، فإن كونها مخففة من الثقيلة يحتاج إلى شروطه: منها أن يكون الفعل بمعنى العلم أو الظن على أحد الوجهين، وشرط بعضهم السين في الفعل كقوله تعالى علم أن سيكون. وحكي عن ابن محمد النوفلي قال: سمعت أبي يقول: قلت لأبي عمرو بن العلاء: اخبرني عما وضعت مما سميته عربية لم يدخل فيه كلام العرب كله، فقال: لا. فقلت: فكيف تصنع؟ فيما خالفتك فيه العرب وهو حجة قال: اعمل على الأكثر واسمي ما خالفني لغات.

стр. 249

قلت وذكر شيخنا الإمام الرضي الطبري رحمة الله عليه في كتاب شهاب القبس عن أبي عمرو بن العلاء، انه قال: اول العلم الصمت، والثاني حسن الاستماع، والثالث حسن السؤال، والرابع حسن اللفظ، والخامس نشره عند أهله. وذكر عن أبي عبيدة أنه فاخر مصري يميناً بحضرة أبي عمرو، فاستعلاه اليمني، فقال أبو عمرو المصري: قل له لنا النبوة والخلافة والكعبة والسدانة وزمزم والسقاية واللواء والرفادة والشورى والندوة والسبق بالإيمان والهجرة، ولنا فتوح الآفاق وتفرقة الأرزاق، وبنا سميت الأنصار أنصاراً، ومنا أول من تنشق عنه الأرض وصاحب الحوض وأول شافع ومشفع وأول من يدخل الجنة وسيد ولد آدم وكرم الناس أباً وأماً ﷺ . ومنا الأسباط والأنبياء ﵈، وجبابرة الملوك العظماء، فمن عزمنكم فنحن أعززناه، ومن ذل فنحن أذللناه، قال: فعجب الناس من كلامه حتى أنه لو كان قد أعده أو قرأ، من كتاب ما زاد على ذلك، وقال فوت الحاجة خير من طلبها من غير أهلها، وقال: ما تساب اثنان إلا غلب ألامهما، وقال: اذا تمكن الإخاء فتح الثاء، وقال ما ضاق مجلس بين متحابين، وما اتسعت الدنيا بين متباغضين، وقال: احسن المراثي ابتداء قول فضالة بن كندة العبسي: أيتها النفس اجملي جزعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا بان الذي جمع السماحة ... والنجدة والبر والتقى جمعا الألمعي الذي يظن بك الظن ... كأن قد رأى وقد سمعا وقال ما قالت العرب بيتاً أبدع من قول النابغة: والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع وقال الأصمعي: سمع أبو عمرو رجلاً ينشد، وكان مستتراً من الحجاج. اصبرالنفس عند كل مهم ... إن في الصبر حيلة المحتال لاتضيقن في الأمور فقد ... تكشف غماؤها بغير احتمال ربما تجزع النفس في الأمر ... ماله فرجة كحل العقال سمعها بسحره وكان ... قد خرج يريد الانتقال فقال له ما الأمر؟ فقال: مات الحجاج. فلم أدر بأيهما أنا أفرح بموت الحجاج أم

стр. 250

بقوله فرجة وكنا نقول فرجة من الفرج وغيره وبالضم فرجة الحائط وفي رواية قال يقال فرجة بالفتح بين الأمرين وبالضم بين الجبلين يعني بالفتح والضم في الفاء وقال أبو عمرو: وحججنا سنة فمررنا ذات ليلة بواد، فقال لنا المكري: ان هذا واد كثير الجن فأقلوا الكلام حتى تقطعوه، قال: مررنا بهم في الرمل مخبتين يتبين منهم الرؤوس واللحى، نسمع حسهم ولا نراهم، فسمعنا منهم هاتفاً يقول: وإن امرءاً دنياه أكبر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور قال فوالله لقد ذهب عنا ما كنا فيه من الغم، وأخبار أبي عمرو كثيرة وفضائله شهيرة، وكانت ولادته سنة سبعين وقيل ثمان وستين وقيل خمس وستين من الهجرة بمكة، وتوفي سنة أربع وقيل ست وقيل تسع وخمسين ومائة بالكوفة، وقال ابن قتيبة مات في طريق الشام ونسب في ذلك إلى الغلط، فقد ذكر بعض الرواة أنه رأى قبر أبي عمرو بالكوفة مكتوباً عليه هذا قبر أبي عمرو بن العلاء، فلما حضرته الوفاة كان يغشى عليه ويفيق، فأفاق من غشيته فإذا ابنه بشر يبكي، فقال: وما يبكيك وقد أتت على أربع وثمانون سنة، ورثاه بعضهم بقوله: رزينا أبا عمرو ولا حي مثله ... فلله ريب الحادثات بمن فجع فإن تك قد فارقتنا وتركتنا ... ذوي حلة ما في انسداد لها طمع فقد جز نفعاً فقدنا لك أننا ... أمنا على كل الرزايا من الجزع قيل رثاه بها عبد الله بن المقنع، وقيل يحيى بن زياد الشاعر المشهور خال السفاح، وقيل غير من ذكر. سنة خمس وخمسين ومائة فيها فتح يزيد بن حاتم إفريقية، واستعادها من الخوارج، وهزمهم وقتل كبارهم، ومهد قواعدها أميراً من جهة المنصور. وفيها توفي الراوية حماد بن أبي ليلى الديلمي الكوفي، وقال ابن قتيبة: انه مولى لابن زيد الخيل الطائي الصحابي، كان من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها وأشعارها وأنسابها ولغاتها، هو الذي جمع السبع الطوال، فيها ذكره أبو جعفر بن النحاس، وكانت ملوك بنى أمية تقدمه وتؤثره وتستزيره، فيفيد عليهم وينال منهم، ويسألونه عن أيام العرب وعلومها. وقال له الوليد بن يزيد الأموي يوماً وقد حضر مجلسه: بما استحققت هذا الاسم فقيل

стр. 251

لك الراوية؟ فقال: اني أروي لكل شاعر تعرفه يا أمير المؤمنين أو سمعت به، ثم أروي الأكثر منهم ممن تعرف أنك لا تعرفه ولا أسمعت به، ثم لا ينشدني أحد شعراً قديماً ولا حديثاً إلا ميزت القديم من الحديث، فقال له: فكم مقدار ما تحفظ من الشعر؟ فقال: كثير، ولكنني أنشدك على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كبيرة سوى المقطعات من شعر الجاهلية دون شعر الإسلام، فقال: سأمتحنك في هذا، وأمره بالإنشاد فأنشد حتى ضجر الوليد، ثم وكل به من استخلفه إن يصدقه عنه ويستوفي عليه، فأنشده ألفين وتسع مائة قصيدة جاهلية، فأخبر الوليد بذلك، فأمر له بمائة ألف درهم. وذكر الحريري صاحب المقامات في كتابه درة الغواص ما مثاله: قال حماد الراوية: كان انقطاعي إلى يزيد بن عبد الملك بخلافته، وكان أخوه هشام يحقدني لذلك، فلما مات يزيد وتولى هشام خفته، ومكثت في بيتي سنة لا أخرج إلا إلى من أثق به من إخواني سراً فلما لم أسمع أحداً ذكرني في السنة أمنت فخرجت يوماً أصلي الجمعة بالرصافة، فإذا شرطيان قد وقفا علي، وقالا يا حماد، اجب الأمير، فقلت في نفسي: من هذا كنت أخاف، ثم قلت لهما: هل لكما أن تدعاني حتى آتي أهلي فأودعهم وداع من لا يرجع إليهم ثم أسير معكما؟ فقالا: ما إلى ذلك سبيل، فاستسلمت في أيديهما، فمثلت إلى الأمير على العراق، وهو في الإيوان الأحمر، فسلمت عليه، فرد علي السلام، ورمى إلي كتاباً فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عند هشام أمير المؤمنين إلى فلان ابن فلان أمير العراق. أما بعد فإذا قرأت كتابي هذا فابعث إلى حماد الراوية من يأتيك به من غير ترويع، وادفع له خمس مائة دينار وجملاً مهرياً يسير عليه اثنتي عشرة ليلة إلى دمشق، قال: فأخذت الدنانير، ونظرت فإذا جمل مر حول، فركبته وسرت، حتى وافيت دمشق في اثنتي ليلة، فنزلت على باب هشام واستأذنت فأذن لي، فدخلت عليه في دار قوراء مفروشة بالرخام وبين كل رخامتين قضيب ذهب، وهشام جالس على طنفسة حمراء، وعليه ثياب حمر من الخز، وقد تضمخ بالمسك والعنبر، فسلمت عليه فرد علي السلام، فاسدناني فدنوت منه حتى قبلت رجله، فإذا جاريتان لم أر مثلهما قط في أذن كل جارية حلقتان فيهما لؤلؤتان تتقدان، فقال: كيف أنت يا حماد؟ وكيف حالك؟ فقلت: بخير يا أمير المؤمنين، فقال: اتدري فيما بعثت إليك؟ قلت: لا فقال: بسبب بيت خطر ببالي لا أعرف قائله،

стр. 252

قلت: وما هو؟ قال: ودعوا بالصبوح يوماً فجاءت ... قينة في يمينها إبريق قلت يقوله عدي بن يزيد العبادي في قصيدة، فقال: انشدنيها، فأنشدته: بكر العاذلون في وضح الصبح ... يقولون لي أما تستفيق ويلومون فيك يا ابنة عبد ... الله والقلب عندكم موثوق لست أدري إذا كثر العذل فيها ... أعدو يلومني أم صديق قال: فأنشدته حتى انتهيت إلى قوله: ودعوا بالصبوح يوماً فجاءت ... قينة في يمينها إبريق مع أبيات أخر يطول ذكرها، قال: فطرب هشام، ثم قال: احسنت يا حماد. قال ابن خلكان: وفي هذه الحكاية زيادة قال اسقيه يا جارية فسقتني، قال: وهذا ليس بصحيح، فإن هشاماً لم يشرب، ثم قال: يا حماد سل حاجتك، فقلت كائنة ما كانت، قال: نعم. قلت: احدى الجاريتين، قال: هما جميعاً لك بما عليهما وما لهما، وأنزله في داره، ثم نقله إلى دار أعدها له، فوجد فيها جاريتين وكل ما لهما وكل ما يحتاج إليه، وأقام عنده مدة، وصله بمائة ألف درهم، ولما مات حماد رثاه عبد الأعلى المعروف بابن كناسة: لو كان نجي من الردى حذر ... نجاك مما أصابك الحذر يرحمك الله من أخي ثقة ... لم يك في صفو وده كدر فهكذا يفسد الزمان ويفنى ... العلم وتدرس الأثر ودفن بقرية من أعمال ماسبدان، وفي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة شعراً منه هذا البيتان، وقد غيرت المصراع الأول من الأول منهما ليكون عدولاً عما لا يجوز من لفظ: سقى الله قبراً من سحائب رحمة ... ثوى فيه حماد بماسبدان عجبت لأيد هالت الترب فوقه ... ضحى، كيف لم ترجع بغير بنان ولفظه الذي غيرته هو قوله: وأكرم قبر بعد قبر محمد ... نبي الهدى قبر بما سبدان فقد فضله كما ترى على جميع الأولياء، بل على جمع الأنبياء غير نبينا، صلى الله عليه

стр. 253

وآله وسلم، على ما نقله عنه أهل التواريخ، وبئس القول والقائل. وفيها توفي مسعر بن كدام الهلالي الكوفي، وصفوان بن عمرو السكسكي، وعث ابن أبي العاتكة الدمشقي. سنة ست وخمسين ومائة فيها توفي شيخ البصرة وعالمها، وأول من دون العلم بها، الإمام أبو النضر سعيد ابن أبي عروبة العدوي، وشيخ إفريقية وقاضيها الزاهد الواعظ عبد الرحمن بن زياد الشعباني الإفريقي. وفيها وقيل في سنة ثمان توفي قارىء الكوفة أبو عمارة حمزة بن حبيب التيمي، مولى تيم بن ربيعة الكوفي الزيات السيد الجليل، احد القراء السبعة، قرأ على التابعين، وتصدر للإقراء فقرأ عليه جل أهل الكوفة، وكان رأساً في القرآن والفرائض قدوة في الورع، وقال القرآن ثلاث مائة ألف حرف وثلاثة وسبعون ألف حرف ومائتان وخمسون حرفاً، وقصته في رؤيته الحق سبحانه في المنام وتضميخه له بالغالية وما ذكر فيها من وعده تعالى بالكرامة لأهل القرآن مشهورة. سنة سبع وخمسين ومائة فيها توفي الفقيه القدوة العلامة إمام الشاميين أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، روى عن الزهري وعطاء وخلق كثير من التابعين، وروى عنه الثوري وأخذ عنه ابن المبارك وجماعة كثيرة، وكان رأساً في العلم والعمل كثير المناقب بارعاً في الكتابة والترسل. قال الفضل بن زياد: اجاب الأوزاعي في سبعين ألف مسألة. وقال إسماعيل بن عياش سمعت الناس سنة أربعين ومائة يقولون: الأوزاعي اليوم عالم الأمة، وقال الوليد بن مسلم: ما رأيت أكثر اجتهاداً في العبادة من الأوزاعي. وقال أبو مسهر: كان يحيي الليل صلاة وقرآناً وبكاء، ومات في الحمام أغلقت عليه امرأته باب الحمام ونسيته فمات ﵀ يوم الأحد لليلتين بقيتا من صفر، وقيل في شهر

стр. 254

ربيع الأول من السنة المذكورة، ورثاه بعضهم بقوله: جاد الحيا بالشام كل عشية ... قبراً تضمن لحده الأوزاعي قبر تضمن فيه طود شريعة ... سقياً له من عالم نفاع عرضت له الدنيا فأعرض مقلعاً ... عنها بزهد أيما إقلاع قلت ولو كان في البيت الأول سقى عوض جاد، كان صواباً لأنه حينئذ ينصب قبراً وتقديره أسقى الحبا قبراً وأما نصبه بجاد فلا يحسن بل لا يصح إلا بتعصب يعيد وإضمار محذوف يكون تقديره جاد فسقى قبراً وكذلك قوله في البيت الثاني تضمن فيه كان يعني قوله تضمن عن فيه فقوله فيه من التكرر المذموم العاري عن تضمن فائدة من تأكيد وغيره ورأى أن يكون بالمثناة من تحت أصح من المثناة من فوق وحينئذ يكون تضمن للحال ولا يكون لفظ فيه مذموماً على هذا بل يكون معناه يودع فيه بخلاف المثناة من فوق فإن معناه تضمن هو فلفظ في هذا بعد مستقبح والأوزاعي نسبة إلى الأوزاعي وهي بطن من ذي الكلاع من اليمن وقيل الأوزاع قرية بدمشق على طريق باب الفراديس ولم يكن منهم وإنما نزل فيه فنسب إليهم وقيل غير ذلك. وقال بعض المعبرين: قال يعلى بن عبيد: كنت عند سفيان الثوري فقال له رجل: رأيت البارحة كأن ريحانة رفعت إلى السماء من ناحية المغرب حتى توارت في السماء، فقال سفيان: ان صدقت رؤياك فقد مات الأوزاعي، فوجده قد مات في تلك الليلة. وروي أن الإمام سفيان الثوري المذكور والمشهور السيد المشكور لما حج الأوزاعي خرج حتى لقيه بذي طوى فحل سفيان الحبل المقود به رأس بعيره ووضعه على رقبته، ومشى وهو يقول الطريق للشيخ. وفيها توفي الحسن بن واقد المروزي قاضي مرو ومحمد بن عبد الله ابن أخي الزهري. ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ سنة ثمان وخمسين ومائة فيها صادر المنصور خالد بن برمك وأخذ منه ثلاثة آلاف درهم، ثم رضي عنه، وأمره

стр. 255

على الموصل. وفيها في ذي القعدة بمكة توفي المنصور أبو جعفر عبد الله بن محمد العباسي وله ثلاث وستون سنة، وكانت خلافته اثتين وعشرين سنة، وكان ذا حزم وعزم ودهاء ورأي وشجاعة وعقل، وفيه جبروت وظلم، ولي بعده ولده المهدي، ولما عزم المنصور على قتل أبي مسلم الخراساني صاحب الدعوة لبني العباس كتب إليه ابن عمه عيسى بن موسى: إذا كنت ذا رأي فكن ذا روية ... فإن فساد الرأي أن تتعجلا وكتب إليه المنصور. إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ... فإن فساد الرأي أن تترددا ومن أخبار المنصور: ما رووا عن أبي بكر الهذلي الشاعر المشهور، قال: قال لي المنصور: قد بلغت أربعين سنة وأريد الحج، وأنا داخل على أبي العباس أكلمه أن يعينني على سفري، يعني أخاه السفاح، فأعني بالقول، قال: قلت: افعل فلما دخل عليه ودخلت كلمه واستغنى عن كلامي، فحج، فما كان ببعض الطريق أتاه نعي أبي العباس، فأقبل على كل صعب وسهل حتى أتى دار الخلافة فظفر بالأموال. قال الراوي فلما توفيت امرأة الهذلي المذكور، وكانت أم ولده والقيمة في منزله، وجد عليها، فبلغ ذلك المنصور، فأمر حاجبه الربيع أن يأتيه ويعزيه ويقول له: ان أمير المؤمنين متوجه إليك الليلة بجارية نفيسة لها أدب وطرب وهيئة ومعرفة تسليك عن امرأتك، وتسد موضعها وتقوم بأمر منزلك، ويأمر لك مع ذلك بفرش وكسوة، قال: فلم يزل الهذلي يتوقع ذلك فلم يره، ونسيه المنصور فلم يذكره، ولم يذكره بذلك أحد ثم إن المنصور لما حج وكان الهذلي منه قال وهو بالمدينة الشريفة: اني أحب أن أطوف الليلة في المدينة، فأنظروا إلي رجلا يعرف منازل أهل المدينة ومساكنها ورباعها وطرقها وأخبارها يكون معي فيعرفني ذلك، فقالوا له: ما نعلم أحداً أعلم بذلك ولا أعرف به من أبي بكر الهذلي، فأمره بالحضور، فلما كان في الليل خرج المنصور على حمار يطوف في سكك المدينة وهو معه، فجعل يسأله عن ربع ربع وسكة سكة وموضع وموضع فيخبره بمن هو ولمن كان، يقص قصة الحال فيه حتى مر ببيت عاتكة، فسأل عنه فقال: يا أمير المؤمنين، هذا بيت عاتكة

стр. 256

الذي قال فيه الأحوص بن محمد الأنصاري: يا بيت عاتكة التي أتعزله ... حذر العدى وبه الفؤاد موكل وأنشد القصيدة حتى بلغ قوله: وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق الحديث يقول ما لا يفعل فقال المنصور له: ويحك يا أبا بكر وفي الدنيا أحد يعد ولا ينجز ويقول ما لا يفعل؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، اذا نسي. قال: فضحك المنصور وقال: صدقت أذكرتني ما كنت وعدتك، لا جرم والله لا تصبح حتى يأتيك ذلك، قال: فلم يصبح حتى وجه إلي بجارية نفيسة بفرشها وأثاثها وآلاتها ووصلني بمال. قلت ذكر بعضهم إن العاتكة المذكورة هي بنت عبد الله بن أبي سفيان الأموي، وذكروا أيضاً في بني أمية عاتكة بنت يزيد بن معاوية زوجة عبد الملك بن مروان، وروي عن الهذلي أيضاً أنه قال: طلبت الإذن على المنصور فوعدت بيوم أدخل عليه فيه، فوافيت ذلك اليوم فوجدت أبا حنيفة وعمرو بن عبيد قد سبقاني، فقعدا قليلاً ثم خرج الأذن لنا فدخلنا، وقد كنت هيأت كلاماً ألقى به المنصور، وهيأ أبو حنيفة مثل ذلك، فلما رأيناه ارتج علينا، وكان جهدنا أن أقمنا التسليم فسلمنا فأومى برأسه وأقبلت ألاحظ أبا حنيفة أعجبه مما نالني وناله من الدهش، فرفع عمرو رأسه فقال. بسم الله الرحمن الرحيم " والفجر وليال عشر " - الفجر: ١ - إلى قوله تعالى: " فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد " - الفجر: ١٣و١٤ - يا أمير المؤمنين: بالمرصاد، لمن عمل مثل عملهم إن ينزل به مثل ما نزل بهم، فاتق الله يا أمير المؤمنين فإن وراءك نيراناً تأجج من الجور ما يعمل بكتاب الله وسنة نبيه ﵌. قلت أرى في هذا الكلام شيئاً ساقطاً في موضعين. أحدهما قوله: ان ينزل به يحتمل أن يكون فليحذر أن ينزل به، والثاني قوله تأجج من الجور ما يعمل، يحتمل أن يكون من الجور لمن يعمل، فقال: يا أبا عثمان، انا لنكتب إليهم في الطوامير نأمرهم بالعمل بكتاب الله وسنة نبيه ﵌ فإن لم يفعلوا فما عسى أن نصنع، فقال: يا أمير المؤمنين، مثل أذن فأر يجزيك من الطوامير، تكتب إليهم في حاجة نفسك فينفذونها، وتكتب إليهم في حاجة الله فلا تنفذ، انك والله لو لم ترض من عمالك إلا بالعدل، اذن ليقرب إليك من لانية له فيه.

стр. 257

ثم ذكر سليمان بن مجالد ومعارضته لعمرو، فقال له عمرو: يا ابن مجالد، خزنت نصيحتك عن أمير المؤمنين، ثم أردت أن تحول بينه وبين من أراد أن ينصحه يا أمير المؤمنين، ان هؤلاء اتخذوك سلماً لشهواتهم، فأنت كالآخذ بالقرنين وغيرك يحلب، فاتق الله يا أمير المؤمنين، فإنك ميت وحدك، ومبعوث وحدك ومحاسب وحدك، لن يغني عنك هؤلاء من الله شيئاً، قال: فأطرق أبو جعفر يفكر في كلامه، ثم دعا خادماً على رأسه فسار بشيء، فأتاه الخادم بمنديل فيه دنانير، فقال: يا أبا عثمان بلغني ما الناس فيه من الشدة، فاصرف هذه حيث شئت، قال ما كنت لآخذها، قال لتأخذها والله قال لا آخذها، قال والله لتأخذنها، قال والله لا آخذها، فقال له المهدي وكان حاضراً، يحلف أمير المؤمنين لتأخذه وتحلف أنت لا تأخذه؟! قال عمرو: يا ابن أخي إن أمير المؤمنين أقدر على الكفارة مني، فقال أبو جعفر للمهدي اسكت فإن عمك بناء واثق، قال: فسكت وقعد قليلاً ثم قمنا، فقلت لأبي حنيفة عند خروجنا: انا نسينا ما أردنا من الكلام، فكيف ذهب عنا أن نجيء بما جاء به عمرو ومن كتاب الله؟!. قلت عمرو بن عبيد المشهور بالزهادة والعبادة من المعتزلة، وله في الاعتقاد أقوال شنيعة في الابتداع مضيعة في الأسماع، ذكرت بعضها في الكتاب الموسوم بالمرهم، ولما اعتزل هو وأصحابه حلقة الحسن البصري وباينوا أهل السنة، سموا معتزلة من يومئذ. وقال الهذلي المذكور: قال السفاح: بأي شيء بلغ حسنكم ما بلغ؟ يعني الحسن البصري. قلت: يا أمير المؤمنين، جمع كتاب الله وهو ابن اثنتي عشرة سنة فلم يجارز سورة إلى غيرها حتى يعرف تأويلها وفيما أنزلت، ولم يقلب درهماً في تجارة، ولم يل للسلطان امارة ولم يأمر بشيء فيهم حتى يفعله، ولا يترك شيئاً حتى بدعه، او كما قال، فقال: بهذ بلغ الشيخ ما بلغ. وقال الأصمعي: قال لي الرشيد: قال المنصور للمهدي: يا عبد الله إن الخليفة لا يصلحه إلا التقوى، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة، والرعية لا يصلحها إلا العدل، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلاً من ظلم من هو دونه. وذكر في المقتبس أيضاً: انه لما أتم المنصور بناء مدينة السلام بغداد، وأراد النقلة إلى قصره بباب الذهب، وقف على باب القصر يتأمله، فإذا على الحائط مكتوب.

стр. 258

ادخل القصر لا تخاف زوالا ... بعد ستين من سنيك رحيل فوقف ملياً، وتغرغرت عينه، ثم قال: بقية لعاقل وفسحة لجاهل، كأنه حسب ما بقي من عمره من السنين، وكان قد مكث قبل بنائها سنة يتردد ليرتاد موضعاً يبنيه، فبينا هو كذلك إذا براهب قد أشرف عليه من بنيان مقيم فيه، فقال: اراك منذ شهور تدور وتكثر الترداد في هذا الموضع، فقال: اريد أن أبني فيه مدينة، فقال له الراهب: لست صاحبها، انا نجد أن صاحبها يقال له مقلاص. فقال أبو جعفر: انا والله صاحبها، كنت أدعى وأنا صبي في الكتاب بمقلاص، فأمر حينئذ ببنائها، وكتب إلى البلدان أن يوجه إليه ما يحتاجه ويتوقف عمارتها عليه، ثم قال لنوبخت بالنون ثم بالموحدة بعد الواو ثم الخاء المعجمة والمثناة من فوق في آخره المنجم: اختر لي موضعاً أضع له فيه الأساس والبناء، فاختار له فوضع الأساس، ثم قال له: احكم الآن فقال: يتم بناؤها وتكون مدينة ليس في شرق ولا غرب لها نظير، ويعمرعمراناً لم ير مثله، قال أبو جعفر: ثم ماذا؟ قال: ثم تخرب بعد موتك خراباً ليس بصحراء ولكن دون العمران، ووزنت لبنة سقطت من السور فكان وزنها اثنتين وثمانين رطلاً، وكان قد وضع المنصور أول لبنة بيده، وقال: بسم الله والحمد لله إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين. وفي السنة المذكورة على الصحيح توفي حيوة بن شريح التجيبي المصري أحد العلماء السادة الزهاد أولى التوفيق والسعادة وكان مجاب الدعوة. وفيها توفي الإمام زفر بن الهذيل صاحب الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنهم. سنة تسع وخمسين ومائة فيها ألح المهدي على ولي العهد عيسى بن موسى بكل ممكن وبالترغيب والترهيب في خلع نفسه ليولي العهد ولده موسى الهادي، فأجاب خوفاً على نفسه، فأعطاه المهدي عشرة آلاف ألف درهم وإقطاعات، وفيها توفي السيد الجليل عبد العزيز بن أبي رواد. ومما يحكى من فضائله أن امرأة بمكة تقرأ القرآن رأت كأن حول الكعبة وصائف عليهن معصفرات وبأيديهن ريحان، وكأنها قالت: سبحان الله هذا حول الكعبة، يعني هذا التزين المتخذ للهو، فقيل لها: اما علمت أن عبد العزيز بن أبي رواد زوج الليلة، فانتبهت

стр. 259

فإذا عبد العزيز بن أبي رواد قد مات ﵀. وفيها توفي الإمام أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن أبي يزيد القرشي المدني، روى عن عكرمة ونافع وخلق، قال الإمام أحمد: كان يشبه بسعيد بن المسيب وما خلف مثله، قال: وكان أفضل من مالك إلا أن مالكاً كان أشد تنقية للرجال. وقال الواقدي كان يصلي الليل أجمع ويجتهد في العبادة، فلو قيل له أن القيامة تقوم غداً ما كان فيه مزيد من الاجتهاد، وقال أخوه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ثم سرده، وكان شديد الحال يتعشى بالخبز والزيت، وكان من رجال العلم صواماً قوالاً بالحق، وقال أحمد: ادخل ابن أبي ذئب على أبي جعفر يعني المنصور، فلم يهله من الهول أن قال: ان الظلم ببابك فاش وأبو جعفر قلت يعني في الهيبة والغلظة والانتقام، ومعناه: مدح ابن أبي ذئب بهذا الاقدام. وفيها توفي مالك بن مغول البجلي الكوفي، روى عن الشعبي وطبقته، وكان كثير الحديث ثقة حجة، قال ابن عيينة: قال له رجل: اتق الله، فوضع خده بالأرض. سنة ستين ومائة في أولها كان خلع عيسى بن موسى، وفيها افتتح المسلمون مدينة كبيرة بالهند، وفيها فرق المهدي في الحرمين أموالاً عظيمة، فيل ثلاثين ألف ألف درهم، وفرق من الثياب مائة ألف وخمسين ألف ثوب، وحمل محمد بن سليمان الأمير الثلج للمهدي حتى وافاه به مكة، قيل: وهذا شيء لم يتهيأ لأحده. وفيها توفي الإمام أبو بسطام العتكي مولاهم الواسطي شعبة بن الحجاج بن الورد شيخ البصرة وأمير المؤمنين في الحديث، روى عن معاوية بن قرة وعمرو بن مرة وخلق من التابعين؛ قال الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق. وقال ابن المديني: له نحو ألفي حديث، وقال سفيان لما بلغه موت شعبة: مات الحديث، وقال أبو زيد الهروي: رأيت شعبة يصلي حتى يدمي قدماه، وأثنى جماعة من كبار الأئمة عليه ووصفوه بالعلم والزهد والقناعة والرحمة والخير، وكان رأساً في العربية والشعر سوى الحديث، رحمة الله عليه. وفيها توفي المسعودي عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي، روى

стр. 260

عن الحكم بن عتيبة وعمرو بن مرة وخلق، وقال ابو حاتم: كان أعلم زمانه بحديث ابن مسعود، ﵁. سنة إحدى وستين ومائة فيها ظهر عطاء الساحر الشيطان الذي ادعى الربوبية بناحية مرو، واستغوى خلائق لا يحصون، وأري الناس قمراً ثانياً فيئ السماء، كان يرى ذلك إلى مسيرة شهرين. وفيها توفي أبو دلامة بن زند بن الجون، وكان صاحب نوادر وحكايات وأدب ونظم، ذكر ابن الجوزي أنه توفيت لأبي جعفر المنصور ابنة عم فحضر جنازتها وحو متألم لفقدها كئيب، فاقبل أبو دلامة وجلس قريباً فقال له المنصور: ويحك ما أعددت لهذا المكان؟ وأشار إلى القبر، فقال: ابنة عم أمير المؤمنين، فضحك المنصور حتى استلقى، ثم قال له: ويحك فضحتنا بين الناس. ولما قدم المهدي بن منصور من الري إلى بغداد، خل عليه أبو دلامة للسلام والتهنية بقدومه، فقال له المهدي: كيف أنت يا أبا دلامة؟ فأنشد: إني حلفت لئن رأيتك سالماً ... بقرى العراق وأنت ذو وفر لتصلين على الرسول محمد ... ولتملأن دراهماً حجري فقال له المهدي: اما الأولى فنعم، وأما الثانية فلا، فقال: جعلني الله فداك، انهما كلمتان لا تفرق بينهما، فقال: يملأ حجر أبي دلامة دراهم، فقعد وبسط حجره فملأه دراهم، وقال له: قم الآن يا أبا دلامة، فقال: ينحرق قميصي يا أمير المؤمنين، فردها إلى الاكياس، ثم قام. ومن أخباره: انه مرض ولده فاستدعى طبيباً ليداويه، وشرط له جعلا معلوماً، فلما برأ قال له والله ما عندنا شيء نعطيك، ولكن ادع على فلان اليهودي، وكان ذا مال كثير بمقدار الجعل، وأنا وولدي نشهد بذلك، فمضى الطبيب إلى القاضي يومئذ، وحمل اليهودي إليه، وادعى عليه بذلك المبلغ، فأنكر اليهودي، فقال: ان لي عليه بينة وخرج لاحضار البينة، فأحضر أبا دلامة وولده، فدخلا إلى المجلس، وخاف أبو دلامة أن يطالبه القاضي بالتزكية فأنشد في الدهليز قبل دخوله إلى القاضي بحيث يسمع القاضي: إن الناس غطوني تغطيت عنهم ... وإن بحثوا عني ففيهم مباحث وإن ينبثوا بيري نبثت بيارهم ... ليعلم قوم كيف تلك البثائث ثم حضر بين يدي القاضي وأديا الشهادة، فقال له القاضي: كلامك مسموع وشهادتك

стр. 261

مقبولة، ثم غرم القاضي المبلغ من عنده، واطلق اليهودي، وما امكنه أن يرد شهادتهما خوفاً من لسانه، فجمع بين المصلحتين بتحمل الغرم من ماله، وكان القاضي محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقيل عبد الله بن شبرمة. وفي كتاب أخبار البصرة أن أبا دلامة كتب إلى سعيد بن دعلج، وكان يومئذ يتولى الأحداث بالبصرة، وأرسل الكتاب من بغداد مع ابن عم له. إذا جئت الأمير فقل سلام ... عليك ورحمة الله الرحيم وأما بعد ذاك فلي غريم ... من الأعراب قبح من غريم له ألف علي ونصف أخرى ... ونصف النصف في صك قديم دراهم ما انتفعت بها ولكن ... وصلت بها شيوخ بني تميم فسير له دعلج ما طلب: وكان روح بن حاتم المهلبي والياً على البصرة، فخرج إلى حرب الجيوش الخراسانية ومعه أبو دلامة، فخرج من صف العدو مبارزاً فخرج إليه جماعة، فقتلهم واحداً بعد واحد، فتقدم روح إلى أبي دلامة لمبارزته، فامتنع، فألزمه ذلك فاستعفاه، فلم يعفه، فأنشد: إني أعوذ بروح أن يقدمني ... إلى القتال فيخزي بي بنو أسد إن المهاب حب الموت أورثكم ... ولم أورث قط حب الموت من أحد إن الدنو إلى الأعداء أعلمه ... مما يفرق بين الروح والجسد فاقسم عليه ليخرجن، وقال: لماذا تأخذ رزق السلطان؟ قال: لأقاتل عنه. قال: فما بالك الآن لا تبرز إلى العدو؟ فقال: ايها الأمير إن خرجت إليه لحقت بمن مضى، وما الشرط أن أقتل عن السلطان بل أقاتل عنه، فحلف روح ليخرجن إليه فتقتله أو تأسره أو تقتل دون ذلك، فلما رأى أبو دلامة الجد منه قال: ايها الأمير تعلم أن هذا أول يوم من أيام الآخرة ولا بد فيه من الزوادة، فأمر له بذلك فأخذ رغيفاً على دجاجة ولحم وسطيحة من شراب وشيئاً من بقل، وشهر سيفه وحمل، وكان تحته فرس جواد فأقبل يجول ويلعب بالرمح وكان مليحاً في الميدان والفارس لا يلحظه، ويطلب منه غرة حتى إذا وجدها حمل عليه، والغبار كالليل فأغمد أبو دلامة سيفه وقال للرجل: لا تعجل، واسمع مني عافاك الله كلمات ألقيهن إليك، فإنما أتيتك في مهم، فوقف مقابله، وقال: ما هو المهم؟ قال أتعرفني؟ قال: لا. قال: انا أبو دلامة. قال: قد سمعت بك، حياك الله، فكيف برزت إلي وطمعت في بعد من قتلت من أصحابك ممن رأيت؟ قال: ما خرجت لأقتلك ولا أقاتلك ولكني رأيت لياقتك وشهامتك فاشتهيت أن تكون لي صديقاً، وإني لأدلك على ما هو أحسن

стр. 262

من قتالنا، قال: قل على بركة الله تعالى، قال: أراك قد تعبت وأنت سقيان ظمآن قال: كذلك هو، قال: فما علينا من خراسان والعراق. إن معي خبزاً ولحماً وشراباً وبقلاً كما يتمنى المتمني، وهذا غدير ماء تميز بالقرب منا، فهلم بنا إليه نصطبح، وأترنم إليك بشيء من إحدى الأعراب، فقال: هذا غاية أملي، قال: فها أنا انتظر ذلك فاتبعني حتى تخرج من حلقة النضال، ففعلا وروح يتطلب صاحبه. فلا يجده، والخراسانية تتطلب فارسها فلا تجده، فلما طابت نفس الخراساني قال له أبو دلامة: ان روحاً كما علمت من أبناء الكرام، وحسبك يا بن المهلب جوداً، وأنه يبذل لك خلعة فاخرة وفرساً جواداً ومركباً مفضضاً وسيفاً محداً ورمحاً طويلاً وجارية بربرية، وأنه ينزلك في أكبر العطاء وهذا خاتمه معي لك بذلك، فقال: ويحك وما أصنع بأهلي وعيالي، قال: استخر الله تعالى وأسرع معي ودع أهلك فالكل يخلف عليك، فقال سر بنا على بركة الله تعالى فسارا حتى قدما من وراء العسكر، فهجما على روح، فقال يا أبا دلامة، اين كنت؟ قال في حاجتك، اما قتل الرجل فما أطيقه، وأما سفك دمي فما طبت به نفساً وأما الرجوع خائباً فلم أقدم عليه، وقد تلطفت وأتيتك بالرجل أسير كرمك، وقد بذلت له عنك كيت وكيت، فقال: يمضي إذا وثق لي. قال بماذا؟ قال: ينقل أهله فقال الرجل: اهلي على بعد ولا يمكنني نقلهم الآن، ولكن أمدد يديك أصافحك وأحلف لك متبرعاً بطلاق الزوجة أني لا أخونك، فإن لم أف إذا حلفت بطلاقها لم ينفعك نقلها، قال: صدقت، فحلف له وعاهده ووفى بما ضمنه أبو دلامة وزاد عليه، وانقلب الخراساني معهم يقاتل الخراسانية وينكأ فيهم أشد نكاية، وكان أكثر أسباب ظفر روح وكان المنصور قد أمر بهدم دور كثيرة منها دار أبي دلامة فكتب إلى المنصور: يا ابن عم النبي دعوة شيخ ... قد دنا هدم داره وبواره فهو كالماخض الذي اعتادها ... الطلق، وما تقر قراره لكم الأرض كلها فأعيروا ... عبدكم ما أحتوى عليه جداره وفي شعبان منها توفي الإمام العالم أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري الكوفي الفقيه سيد أهل زمانه علماً وعملاً وورعاً وزهداً وعمره ست وستون سنة. روى عن عمرو بن مرة وسماك بن حرب وخلق كثير. قال ابن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ ما فيهم أفضل من سفيان. وقال شعبة ويحيى بن معين وغيرهما: سفيان أمير المؤمنين فى الحديث، وقال أحمد بن حنبل لا يتقدم سفيان في قلبي أحد، وقال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت أحداً احفظ من الثوري وهو فوق مالك في كل شيء، وقال سفيان ما استودعت قلبي شيئاً قط فخانني، وقال ورقاء لم ير الثوري مثل نفسه، وقال الشيخ أبو اسحاق في الطبقات: قال عبد الله بن المبارك: لا نعلم على وجه الأرض أعلم من سفيان، قال: وقال علي بن

стр. 263

المديني: سألت يحيى بن سعيد فقلت أيما أحب إليك؟ رأي مالك أو رأي سفيان؟ فقال: سفيان لا نشك في هذا، ثم قال يحيى: سفيان فوق مالك في كل شيء. قال وقال أحمد بن حنبل: دخل الأوزاعي وسفيان على مالك فلما خرجا قال مالك: احدهما أكبر علماً من صاحبه، ولا يصلح للإمامة، والآخر يصلح للإمامة، فسأل من الذي عنى مالك أنه علم الرجلين، اهو سفيان؟ قال: نعم. سفيان أوسعهما علماً. وعن أبي صالح شعيب بن حرب المدائني، وكان أحد السادة الأئمة الكبار في الحفظ والدين أنه قال: اني لأحسب يجاء سفيان الثوري يوم القيامة حجة من الله على الخلق، يقال لهم إن لم تدركوا نبيكم ﵌ فقد أدركتم سفيان الثوري ألا اقتديتم به. وكان سفيان كثير الحظ على المنصور، فهم به وأراد قتله، فما أقدره الله تعالى على ذلك قلت وقصتهم معه مشهورة أعني في أمر المنصور يلزم سفيان في مكة لما قرب المنصور من دخولها، واقسام سفيان رضي الله تعالى عنه في الملتزم برب الكعبة أنه لا يدخلها، فلم يدخلها، بل مات خارجاً عنها، وقد اجتمع الناس على جلالة سفيان وإمامته وصلاحه وزهادته وورعه وعبادته. ويقال كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رأس الناس في زمانه، وكان بعده ابن عباس في زمانه، وكان بعده الشعبي في زمانه، وكان بعده الثوري في زمانه، سمع الحديث من أبي إسحاق السبيعي والأعمش ومن في طبقتهما من الجلة، وسمع منه الجلة كمالك وسفيان بن عيينة وابن المبارك والأوزاعي وابن جريج ومحمد بن اسحاق ومن في طبقتهم. وذكر المسعودي في مروج الذهب ما مثاله قال القعقاع بن الحكم: كنت عند المهدي فأتى سفيان الثوري فلما دخل عليه سلم تسليم العامة، ولم يسلم عليه بالخلافة، والربيع قائم على رأسه، متكىء على سيفه، يرقب أمره، فاقبل عليه المهدي بوجه طلق، وقال: يا سفيان تفر منا هاهنا وهاهنا، وتظن أنا لو أردناك بسوء لم نقدر عليك، فقد قدرنا عليك الآن، فما عسى أن نحكم فيك بهواناً، فقال سفيان: ان تحكم في يحكم فيك ملك قادرعادل، يفرق في حكمه بين الحق والباطل. فقال له الربيع: يا أمير المؤمنين ألهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا؟ ائذن لي أضرب عنقه، فقال له المهدي: اسكت ويحك، وهل يريد هذا وأمثاله إلا أن تقتلهم فتشقى بسعادتهم أو قال لسعادتهم؟ اكتبوا عهده على قضاء الكوفة على أن لا يعترض عليه في حكم، فكتب عهده ودفعه إليه فأخذوه وخرج، فرمى به في دجلة وهرب، فطلب في كل بلد فلم يوجد، ولما امتنع من قضاء الكوفة وتولاه

стр. 264

شريك بن عبد الله النخعي قال الشاعر: تحرز سفيان وفز بدينه ... وأمسى شريك مرصداً للدراهم وحكي عن أبي صالح شعيب بن حرب المدائني وكان أحد الأئمة الكبار السادة المشهورين بالحفظ والدين أنه قال: اني لأحسب يجاء بسفيان الثوري يوم القيامة حجة من الله تعالى على الخلق. توفي رحمه الله تعالى بالبصرة سنة إحدى. وقيل اثنتين وستين ومائة متوارياً من السلطان، ومولده في سنة خمس. وقيل ست. وقيل سبع وتسعين من الهجرة، وله رضي الله تعالى عنه من المناقب والمحاسن الجميلات ما لا يسعه إلا مجلدات، قلت وهو القائل ﵁ لمن رآه بعد موته فسأله عن حاله فيما رآه كثير من الشيوخ العارفين والأئمة الهادين: نظرت إلى ربي عياناً فقال لي ... هنياً رضاي عنك يا بن سعيد لقد كنت قواماً إذا ظلم الدجى ... بعبرة مشتاق وقلب عميد فدونك فاختر أي قصر تريده ... وزرني فإني عنك غير بعيد وفي أول السنة المذكورة توفي أبو الصلت زائدة بن قدامة الثقفي الكوفي الحافظ. قيل وفي السنة المذكورة توفي أبو بشر عمرو بن عثمان المعروف بسيبويه إمام النحو الحارثي مولاهم، اخذ النحوعن عيسى بن عمر ويونس بن حبيب وخليل بن أحمد، واللغة عن أبي الخطاب الأخفش وغيره، وقال المبرد: لم يقرأ أحد كتاب سيبويه عليه، وإنما قرىء بعده على ابن الحسين سعيد بن مسعدة الأخفش، وكان ممن قرأه على الأخفش صالح بن إسحاق الجرمي. وقال أبو زيد النحوي: كلما حكى سيبويه في كتابه بقوله أخبرني الثقة فأنا أخبرته، يفتخر بذلك، وقال الأخفش: جاءنا الكسائي إلى البصرة، وسألني أن أقرئه كتاب سيبويه، ففعلت، فوجه إلي خمسين ألف ديناراً، قيل وكان الأخفش أسن من سيبويه، وقال ابن سلام: سألت سيبويه عن قوله : " فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس " - يونس: ٩٨ - على أي شيء نصبت إلا؟ قال: الا إذا كانت بمعنى لكن نصبت.

стр. 265

وقال ابن دريد: مات سيبويه بشيراز، وقبره بها. وقال ابن قانع: مات بالبصرة سنة احدى وستين ومائة، وقال المرزباني وهم فيهما جميعاً، يعني المكان والزمان، قال: وعمره ثمان وثلاثون سنة، وقيل له في علته التي مات فيها ما تشتهي؟ قال: اشتهي أن أشتهي. قلت: كأنه يشير إلى أن المرض حال بينه وبين الشهوات، ولكن قيل لبعض الصالحين في وقت الصحة ما تشتهي: فقال: اشتهي أن أشتهي لأترك ما أشتهي فلا أشتهي، وهذا يشير إلى أن صحة قلبه واشتغاله بالله ومحبته له حال بينه وبين اشتهاء الشهوات، فهو يشتهي شيئاً منها ليخالف نفسه، ويتركها الله ، فلا يشتهي شيئاً. سنة اثنتين وستين ومائة فيها توفي السيد الكبير الولي الشهير ذو السيرة الزاهرة والآيات الباهرة العارف بالله المقرب المكرم أبو إسحاق إبراهيم بن أدهم، قلت: وهذا اشارة إلى قطرة من بحر مناقبه ومحاسنه وما يليق بوصفه في ظاهره وباطنه. وأما قول بعض المؤرخين: الذهبي وغيره: وفيها توفي إبراهيم بن أدهم البلخي الزاهد واقتصارهم في وصفهم له في الزهد الذي هو من أوائل مقامات المريدين المبتدين في مقامات السالكين فذلك غض من قدره وعلو مرتبة، وحط له عن رفيع منزلته، كذلك فعلوا في غيره من السادات العارفين الأولياء المقربين، فالعجب منهم في ذلك كل العجب في اقتصارهم في وصفهم على وصف من هو بالنسبة إلى جلالة قدرهم حقير مع وصفهم لمن هو حقير بالنسبة إليهم ومدحهم له بمدح كثير، والعجب الأكبر قول الذهبي روي عن منصور ومالك بن دينار وطائفة وثقه النسائي وغيره. يا للعجب كل العجب ممن يستشهد على التوثيق والتعديل يقول معدل للمولى المعظم الذي اشتهرت فضائله وكراماته في العرب والعجم. وأغنى من مدحته تلفظ مادحه بابن أدهم. كأنه فيما يخبر به منهم. وهو القائل رضي الله تعالى عنه. تركت الخلق طراً في رضاكا ... وأيتمت العيال لكي أراكا فلو قطعتني في الحب إرباً ... لما حن الفؤاد إلى سواكما وقد ذكرت في غير هذا الكتاب نبذة من مناقبه وكراماته ومحاسن سيرته وسياحاته، وكيف كان أول خروجه وسماعه الهاتف من قربوس سرجه، وها أنا هنا أقتصر على ذكر

стр. 266

كرامة واحدة من كراماته مما نقلها العلماء والاولياء منهم الأستاذ أبو القاسم القشيري في رسالته. قال محمد بن المبارك الصوري: كنت مع إبراهيم بن أدهم في طريق بيت المقدس، فنزلنا وقت القيلولة تحت شجرة رمان، فصلينا ركعات، وسمعت صوتاً من أصل تلك الرمانة: يا أبا إسحاق أكرمنا بأن تأكل منا شيئاً فطأطأ رأسه ثلاث مرات ثم قال: يا محمد كن شفيعاً إليه ليتناول منا شيئاً، فقلت: يا أبا إسحاق، لقد سمعت، فقام وأخذ رمانتين فأكل واحدة وناولني الأخرى فأكلتها وهي حامضة، وكانت شجرة قصيرة، فلما رجعنا من زيارتنا إذا هى شجرة عالية ورمانها حلو، وهي تثمر في كل عام مرتين، وسموها رمانة العابدين، ويأوي إلى ظلها العابدون. وفي السنة المذكورة وقيل في سنة ستين توفي السيد الجليل الولي الفضيل البارع في العلم والعمل زهداً وورعاً وعبادة لله : داود بن نصير الطائي الكوفي. ومن كلامه ﵁: صم عن الدنيا، واجعل فطرك الموت، وفر من الناس فرارك من الأسد. وفيها توفي قاضي السراق أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي شبرمة القرشي العامري المدني، وولي القضاء بعده القاضي أبو يوسف. وفيها توفي أبو المنذر بن زهير بن محمد المروزي الخراساني. سنة ثلاث وستين ومائة فيها بالغ سعيد الجرشي في حصار عطاء المقنع الساحر الفاجر، فلما أحس الشيطان بالغلبة استعمل سماً وسقى نساءه فمتن، ثم سقى نفسه، فهلك الجميع، ودخل المسلمون الحصن، فقطعوا رأسه ووجهوا به إلى المهدي، وكان يقول بالتناسخ، وأن الله تعالى عن قوله تحول إلى صورة آدم ولذلك سجدت له الملائكة، ثم تحول إلى صورة نوح، ثم إلى غيره من الأنبياء والحكماء، ثم إلى صورة أبي مسلم الخراساني، ثم إلى صورته هو الفاجر، تعالى الله العظيم الشأن عما يقول الظالمون علواً كبيراً وكل شيطان وكل مفتر ذي بهتان وعن كل ما لا يليق بجلال كماله من حدث ونقصان، وكان لا يسفر عن وجهه، فلذلك قيل له المقنع، اتخذ وجهاً من ذهب فتقنع به كي لا يرى وجهه وقبح صورته، وكان قد عبده خلق وقاتلوا دونه مع ما عاينوا من عظيم ادعائه وقبح صورته وإنما غلب على عقولهم

стр. 267

بالتمويهات التي أظهرها من ذلك صورة قمر يطلع ويراه الناس من مسافة شهرين من موضعه ثم يغيب وإليه أشار المعزي بقوله: أفق أيها البدر المقنع رأسه ... ضلال وغي مثل بدر المقنع وكان في قلعة في ما وراء النهر. وفيها توفي إبراهيم بن ظهران الخراساني، وفيها عيسى بن علي عم المنصور. سنة أربع وستين ومائة فيها توفي الماجشون يعقوب سمع ابن عمرو عمر بن عبد العزيز، ومحمد بن المنكدر، وروى عنه ابناه يوسف وعبد العزيز وابن أخيه عبد العزيز عبد الله، وقال ابن الماجشون: عرج بروح الماجشون فوضعناه على سرير الغسل فدخل غاسل إليه يغسله فرأى عرقاً يتحرك في أسفل قدميه، فلم يعجل بغسله، فمكث ثلاثاً على حاله، والناس يترددون إليه ليصلوا عليه، ثم استوى جالساً، وقال: ائتوني بسويق، فأتي به فشربه، فقلنا له: خبرنا ما رأيت فقال: نعم عرج بروحي فصعد بي الملك حتى إلى سماء الدنيا، فاستفتح فقتح له، ثم عرج هكذا في السموات حتى انتهى إلى السماء السابعة، فقيل له: من معك؟ قال الماجشون. قيل: لم يأن له بعد بقي من عمره كذا وكذا سنة وكذا وكذا شهراً وكذا وكذا ساعة، ثم هبطت فرأيت النبي ﵌ وأبا بكر عن يمينه وعمر عن يساره وعمر بن عبد العزيز بين يديه، فقلت للملك الذي معي: من هذا؟ قال عمر بن عبد العزيز، قلت إنه لقريب من رسول الله ﵌، فقال: انه عمل بالحق في زمن الجور وإنهما عملا بالحق في زمن الحق، ذكر هذا يعقوب بن أبي شيبة في ترجمة الماجشون هكذا ذكر ابن خلكان وفاته ووفاة عمه في السنة المذكورة، ولم يذكر الذهبي عمه المذكور. وفيها عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون المدني الفقيه، وكان إماماً مفتياً صاحب حلقة. وفيها توفي مبارك بن فضالة البصري مولى قريش، كان من كبار المحدثين والنساك. قال: جالست الحسن ثلاث عشرة سنة، قال أحمد: ما رواه عن الحسن يحتج به.

стр. 268

سنة خمس وستين ومائة فيها غزا المسلمون غزوة مشهورة، وعليهم هارون الرشيد وهو صبي أمرد، فساروا حتى بلغوا خليج قسطنطينية، وقتلوا وسبوا وفتحوا ماجدة، وغنموا مالاً لا يحصى حتى بيع الفرس بدرهم، وصالحتهم ملكة الروم على مال جليل. وفيها توفي عبد الرحمن بن ثابت الدمشقي الزاهد المجاب الدعوة ومعروف بن مشكان قارىء أهل مكة، سمع من عطاء وغيره، والحافظ وهيب بن خالد البصري، وخالد بن برمك وزير السفاح جد جعفر البرمكي. سنة ست وستين ومائة فيها توفي صدقة بن عبد الله السمين من كبار محدثي دمشق، ومعقل بن عبد الله الجزري من كبار علماء الجزيرة، روى عن عطاء بن أبي رباح وميمون بن مهران والكبار. سنة سبع وستين ومائة فيها أمر المهدي بالزيادة في المسجد الحرام، وغرم على ذلك أموال عظيمة ودخلت فيه دور كثيرة. قلت ذكر الأزرقي في تاريخ مكة كلاماً معناه أنه: لما حج المهدي رأى الكعبة في شق المسجد غير متوسطة فيه، فقال: ما ينبغي أن يكون بيت الله هكذا، وأمر بشراء دور كثيرة من جهة أجياد فاشتريت بثمن كثير، وأدخلت فيه، وهو الذي عمر المسجد الحرام بأساطين الرخام، والله تعالى أجل وأعلم. وفيها توفي عالم البصر الحافظ حماد بن سلمة، سمع قتادة وأبا جمرة الضبعي وطبقتهما وكان سيد وقته: قال ابن المدائني: كان عند يحيى ابن فلان سماه عن حماد بن سلمة عشرة آلاف حديث. وقال عبد الرحمن بن مهدي: لو قيل لحماد بن سلمة إنك تموت غداً ما قدر أن يزيد في العمل شيئاً، وقال غيره: كان فصيحاً مفوهاً إماماً في العربية صاحب سنة له تصانيف في الحديث، وقيل كان يعد من الابدال. وقال موسى بن إسماعيل: لو قلت ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكاً لصدقت، كان يحدث أو يسبح أو يقرأ أو يصلي قد قسم النهار على ذلك.

стр. 269

وفيها توفي الحسن بن صالح الهمداني فقيه الكوفة وعابدها، قال وكيع: كان يشبه سعيد بن جبير، كان هو وأخوه علي وأمهما قد جزءا الليل ثلاثة أجزاء، فماتت أمهما فقسما الليل بينهما، فمات علي، فقام الحسن الليل كله. وفيها توفي فقيه الشام بعد الأوزاعي أبو محمد سعيد بن عبد العزيز التنوخي، عاش نحواً من ثمانين سنة، كان صالحاً قانتاً خاشعاً، قال الحاكم: هو لأهل الشام كمالك لأهل المدينة. وفيها توفي أبو حمزة محمد بن ميمون المروزي السكري، كان شيخ بلده ؤ والفضل والعبادة. وفيها وقيل في التي تليها، قتل بشار بن برد، العقيلي مولاهم الشاعر المشهور، كان أكمه جاحظ العينين قد تغشاها لحم أحمر، وكان ضخماً عظيم الخلق طويلاً، وهو في أول مرتبة المحدثين من الشعراء والمجيدين في الشعر، ومن شعره المشهور: إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... بحزم نصيح أو نصاحة حازم ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... قريش الخوافي تابع قوة للقوادم وما خير كف أمسك الغل أختها ... وما خير سيف لم يؤيد بقائم وفي شعره أيضاً: يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا قالوا لمن لا ترى تبدي فقلت لهم ... الأذن كالعين تؤتي القلب ما كان أخذ معنى البيت الأول أبو حفص المعروف بابن الشحنة الموصلي في قوله قصيدة يمدح بها السلطان صلاح الدين: وإني امرؤ أحببتكم لمكارم ... سمعت بها والأذن كالعين تعشق وشعر بشار كثير سائر شاهد ببلاغته، فلا حاجة إلى التطويل بالاكثار من كتابته، وكان يمدح المهدي بن المنصور أمير المؤمنين العباسي فرمي عنده بالزندقة، فأمر بضربه، فضرب سبعين سوطاً، فمات من ذلك في البطيحة بالقرب من البصرة، فجاء بعض أهله فحمله إلى البصرة فدفنه بها، وقد نيف على التسعين وقيل والله أعلم به أنه كان يفضل النار على الأرض يعني الطين، ويصوب رأى إبليس في امتناعه عن السجود لآدم صلى الله عليه وآله

стр. 270

وسلم، وينسب إليه من الشعر في التفضيل المذكور هذا البيت: الأرض مظلمة والنار مشرقة ... والنار معبودة مذ كانت النار يقال إن هذا قوله والله أعلم، ولهذا قلت: وينسب إليه هذا البيت. وأما قول ابن خلكان: وينسب إليه في ذلك قوله: فمختل المعنى، لأنه إذا كان قوله لا يصح أن يقول وينسب إليه، ولكن يقال ويدل على ذلك قوله: وقيل إنه فتشت كتبه فلم يوجد فيها شيء مما كان يرمي به. وقال الطبري في تاريخه إن سبب قتل المهدي له أن المهدي ولى صالحاً أخا يعقوب بن داوود وزير المهدي ولاية، فهجاه بشار بقوله ليعقوب: هم حملوا فوق المنابر صالحاً ... أخاك فضجت من أخيك المنابر فبلغ يعقوب، فجاء فدخل على المهدي فقال له: ان بشاراً هجاك، قال ويحك ماذا قال؟ قال: يعفيني أمير المؤمنين من إنشاء ذلك، فقال لا بد فأنشده: خليفة يزني بعماته ... يلعب بالبيوق والصولجان إبدلنا الله به غيره ... ودس موسى في زيارة حر الخيزران ثم ذكر كلمة فظيعة في آخر هذا البيت أكره ذكرها غير أني أذكر حرفاً حرفاً هجاها وهما ح ر وبعدهما لفظ الخيزران وهي امرأة المهدي وإليها ينسب دار الخيزران بمكة، فطلبه المهدي، فخاف يعقوب أن يدخل عليه فيمدحه فيعفو عنه، فوجه إليه من تلقاه في البطيحة وقتله والله أعلم. سنة ثمان وستين ومائة فيها مات السيد الأمير أبو محمد الحسن بن يزيد بن السيد الحسن بن علي بن أبي طالب شيخ بني هاشم في زمانه وأمير المدينة للمنصور ووالد الست نفيسة، خافه المنصور فحبسه، ثم أخرجه المهدي وقربه. وفيها توفي أبو الحجاج خارجة بن مصعب من كبار المحدثين بخراسان وقيس بن الربيع الأسدي الكوفي الحافظ، وفيها توفي الأمير عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن

стр. 271

عبد الله بن عباس، ولي عهد السفاح بعد أخيه المنصور، وقد مضى ذكر خلعه. سنة تسع وستين ومائة فيها عزم المهدي على أن يقدم هارون في العهد، ويؤخر موسى الهادي، فطلبه وهو بجرجان فلم يقدم، وفيها توفي المهدي أبو عبد الله بن أبي جعفر المنصور وهو في طلب الصيد، وذلك أنه ساق خلف صيد فدخل خربة، فتبعه المهدي فوقع به صدمة في باب الخربة لشدة سوقه فتلف لساعته، وقيل بل أكل طعاماً سمته جاريته لضرتها، فلما وضع يده فيه ما جسرت تقول هيأته لضرتي، وكانت خلافته تنيف على عشرين سنة، وكان ممدوحاً محباً إلى الناس وصولاً لأقاربه قصاماً للزنادقة طويلاً أبيض مليحاً جواداً، يقال إن المنصور خلف في الخزائن ألف ألف وستين ألف ألف درهم، ففرقها المهدي كلها، ولم يل الخلافة أحد أكرم منه ولا أبخل من أبيه، ويقال إنه أعطى شاعراً مرة خمسين ألف دينار. وذكر بعض المؤرخين أن المهدي خرج إلى الأنبار متنزهاً، فدخل عليه الربيع بن يونس ومعه قطعة من جراب فيه كتابة برماد وخاتم من طين قد عجن بالرماد وهو مطبوع بخاتم الخلافة، فقال: يا أمير المؤمنين، ما رأيت أعجب من هذه الرقعة، جاءني بها أعرابي وهو ينادي: هذا كتاب أمير المؤمنين، لوني على هذا الرجل الذي يسمى الربيع، فقد أمرني أن أدفعها إليه، فأخذها المهدي وضحك وقال: صدق، هذا خطي وهذا خلقي، افلا أخبركم بالقصة كيف كانت؟ قلنا: يا أمير المؤمنين أعلى رأياً في ذلك، فال: خرجت أمس إلى الصيد في غير سيمائي فلما أصبحت هاج علينا ضباب شديد، وفقدت أصحابي حتى ما رأيت منهم أحداً، وأصابني من البرد والجوع والعطش ما الله به أعلم، فتحيرت عند ذلك، فذكرت دعاء سمعته من أبي يحكيه عن أبيه عن جده عن ابن عباس ﵃ يرفعه قال: من قال إذا أصبح وإذا أمسى: بسم الله وبالله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقي وكفي وهدي وشفي من الحرق والغرق والهدم وميتة السوء، فلما قلتها رفع الله لي ضوء نار، فقصدتها فإذا بهذا الأعرابي في خيمة له، وإذا هو يوقد ناراً بين يديه، فقلت: ايها الأعرابي هل من ضيافة؟ قال: انزل فنزلت، فقال لزوجته هاتي ذلك الشعير، فأتت به، فقال: اطحنيه فابتدأت بطحنه، فقلت: اسقني ماء، فإني بسقاء فيه مذقة من لبن أكثرها ماء، فشربت منها شربة ما شربت شيئاً قط إلا وهي أطيب منه، وأعطاني حلساً له يعني كساء رقيقاً وهو بالحاء والسين المهملتين وبينهما لام ساكنة قال: فوضعت رأسي عليه ونمت نومة ما نمت أطيب منها وألذ، ثم انتبهت فإذا هو قد وثب إلى شويهة فذبحها، وإذا امرأته تقول له:

стр. 272

ويحك قتلت نفسك وصبيتك، انما كان معاشكم من هذه الشاة فذبحتها، فبأي شيء نعيش؟ قال: فقلت: لا عليك هات الشاة، وشققت جوفها، واستخرجت كبدها بسكين كانت في خفي، فشرحتها ثم طرحتها على النار فأكلتها، ثم قلت له: هل عندك شيء أكتب فيه؟ فجاءني بهذه القطعة من جراب، وأخذت عوداً من الرماد الذي بين يديه، وكتبت له هذا الكتاب، وختمته بهذا الخاتم، وأمرته أن يجيء ويسأل عن الربيع فيدفعها إليه، فإذا فيها خمس مائة ألف درهم فقال: والله ما أردت إلا خمسين ألف درهم، ولكن جدت بخمس مائة ألف درهم لا أنقص والله منها درهماً واحداً، ولم يكن في بيت المال غيرها، احملوها معه، قال فما كان إلا قليل حتى كثرت إبله وشاءه وصار منزله من المنازل ينزله الناس من أراد الحج وسمي منزل مضيف أمير المؤمنين المهدي. ولما مات المهدي أرسلوا بالخاتم والقضيب إلى الهادي فأسرع على البريد وقدم بغداد. وفيها خرج الحسين بن علي بن الحسن بن الحسين بن علي بالمدينة، وبايعه عدد كثير، وحارب العسكر الذي بالمدينة، وقتل مقدمهم خالد بن اليزيد ثم تأهب وخرج في جمع إلى مكة، فالتفت عليه خلق كثير فأقبل ركب العراق معهم جماعة من أمراء بني العباس في عدة وخيل المهدي فالتقوا بفخ. قلت هذه اللفظة سمعتها من بعض عوام مكة بالفاء والخاء المعجمة ورأيتها في بعض التواريخ فيها نقطة الجيم وهو اسم مكان على يسار الخارج من مكة للعمرة وهو إلى أدنى الحل أقرب منه إلى مكة، فقتل في الموضع المذكور الحسين المذكور في مائة من أصحابه، وقتل الحسن بن محمد بن عبد الله الذي خرج أخوه على المنصور، وهرب ادريس بن عبد الله بن الحسن إلى المغرب، فقام معه أهل طنجة، ثم تخيل الرشيد وبعث من بينهم ادريس فقام بعده ادريس بن ادريس. وفيها توفي نافع بن أبي نعيم أبو عبد الرحمن الليثي مولاهم قارىء أهل المدينة وأحد القراء السبعة، قال موسى بن طارق: سمعته يقول قرأت على سبعين من التابعين، وقال مالك: نافع إمام الناس في القراءة، وقال ابن أبي أويس: قال لي مالك قرأت على نافع ومن المشهور أنه كان له راويان: ورش وقالون. الناس في القراءة، وقال ابن أبي أويس: قال لي مالك قرأت على نافع ومن المشهور أنه كان له راويان: ورش وقالون.

стр. 273

سنة سبعين ومانة وفيها توفي الخليفة الهادي موسى بن المهدي محمد بن المنصور عبد الله، قيل مات من قرحة أصابته، وقيل قتلته أمه الخيزران لما هم بقتل أخيه هارون الرشيد. وفيها توفي أبو النضر جرير بن حازم الأزدي البصري، احد فصحاء البصرة ومحدثيها، روى عن الحسن والكبار. وفيها توفي أبو معشر السندي صاحب المغازي والأخبار، وفيها مات كاتب المهدي ووزيره معاوية بن عبد الله، وكان من خيار الوزراء، صاحب علم وفضل وعبادة وصدقات. وفيها توفي الربيع بن يونس حاجب المنصور، كان كثير الميل إليه، حسن الاعتماد عليه، فقال له يوماً: يا ربيع سل حاجتك، قال: حاجتي أن تحب ابني، فقال: ويحك إن المحبة تقع بأسباب، فقال: قد أمكنك الله من ايقاع سببها، قال: وما ذاك؟ قال: تفضل عليه فإنك إذا فعلت ذلك أحبك، وإذا أحبك أحببته، قال: والله قد أحببته وقد حببته إلي قبل إيقاع السبب، ولكن كيف اخترت له المحبة دون كل شيء؟ قال لأنك إذا أجبته كبرعندك صغير إحسانه، وصغرعندك كبير إساءته، وكانت ذنوبه كذنوب الصبيان، وحاجته إليك كحاجة الشفيع العريان، قيل: اشار بذلك إلى قول الفرزدق: ليس الشفيع الذي يأتيك متزراً ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا وهذا البيت من جملة أبيات له في عبد الله بن الزبير بن العوام، لما طلب الخلافة لنفسه، واستولى على الحجاز والعراق واليمن في أيام خلافة عبد الملك بن مروان، وكان قد اختصم الفرزدق هو وزوجته النوار، فمضيا من البصرة إلى مكة ليفصل الحكم بينهما عبد الله بن الزبير، فنزل الفرزدق عند ابنه حمزة، ونزلت النوار عند زوجته، وشفع كل واحد منهما لنزيله، فقضى عبد الله للنوار، وترك الفرزدق، فقال الأبيات المذكورة، فصار الشفيع العريان مثلاً يضرب لكل من قبلت شفاعته. قلت وهذا يرد قول من يزعم أن هذا المثل في هذا النظم من اختراع أبي نواس مخاطباً

стр. 274

به هارون الرشيد كما سيأتي في ترجمته. وقال المنصور له يوماً: ويحك يا ربيع ما أطيب الدنيا لولا الموت، فقال: ما طابت إلا بالموت، قال: وكيف ذلك؟ قال: لولا الموت لم تقعد هذا المقعد، قلت يعني أنه لو لم يمت الخليفة الذي قبلك لما وصلت الخلافة إليك، بل لو لم يمت أول ملك من ملوك الدنيا لما ملك أحد بعده، قال: صدقت، وقال له المنصور لما حضرته الوفاة: يا ربيع بعنا الآخرة بنومه. وقال ربيع: كنا يوماً وقوفاً على رأس المنصور، وقد طرحت للمهدي، وهو ولي عهده وسادة، اذا أقبل صالح بن المنصور، وكان قد رسخه لتولية بعض أموره، فقام بين السماطين والناس على قدر أنسابهم ومراتبهم، فتكلم فأجاد، فمد المنصور يده إليه، وقال يا بني، واعتنقه، ونظر إلى وجوه الناس، هل فيهم من يذكر مقامه ويصف فضله، وكلهم كرهوا ذلك بسبب المهدي خيفة منه، فقام شبة بضم الشين المعجمة وفتح الباء الموحدة ابن عقال التميمي، فقال: لله در خطيب قام عندك يا أمير المؤمنين: ما أفصح لسانه وأحسن بيانه وأمضى جنانه وأبل ريقه وأسهل طريقه! وكيف لا يكون كذلك، وأمير المؤمنين أبوه، والمهدي أخوه، وهو كما قال الشاعر: هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا أويسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قد، ما من صالح سبقا فعجب من حضر لجمعه بين المدحين وإرضائه المنصور وخلاصه من المهدي. قال الربيع: فقال لي المنصور: لا يخرج التميمي إلا بثلاثين ألف درهم، فلم يخرج إلا بها. وقال الطبري: مات الربيع في سنة تسع وستين ومائة خلاف ما قدمناه وقيل: ان الهادي سمه، وقيل: بل مرض ثمانية أيام، والله سبحانه العلام. وفي السنة المذكورة توفي يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي، كان والياً على إفريقية خمس عشرة سنة وثلاثة أشهر، وكان جواداً سرياً ممدوحاً، قصده جماعة من الشعراء فأعطاهم عطايا سنية، وهو الذى قصده ربيعة بن ثابت الأسدي الرقي فأحسن إليه، وكان ربيعة المذكور قد مدح يزيد بن أسيد بضم الهمزة السلمي، فقصر يزيد في حقه، فقال يمدح يزيد بن حاتم ويهجو يزيد السلمي بقصيدته التي من جملتها: لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأعز بن حاتم فهم الفتى الأزدي إتلاف ماله ... وهم الفتى القيسي جمع الدراهم فلا تحسب التمتام أني هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم

стр. 275

هوالبحر إن كلفت نفسك خوضه ... تهالكك في أمواجه بالتلاطم وقد قيل إن يزيد بن حاتم المذكور توفي سنة خمس وثمانين ومائة، وسنعيد ذكر ترجمته هناك مع زيادات على ترجمته هنا، ان شاء الله تعالى، ويزيد بن حاتم المذكور أخوه روح بضم الراء وسكون الواو قبل الحاء المهملة ابن حاتم من الكرماء الأجواد، ولي لخمسة من الخلفاء: السفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد، ويقال: انه لم يتفق مثل هذا إلا لأبي موسى الأشعري الصحابي، رضي الله تعالى عنه، فإنه ولي لرسول الله ﵌ ولأبي بكروعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم. وكان روح والياً على السند بتولية المهدي بن أبي جعفر المنصور في سنه تسع وخمسين، وقيل ستين ومائة، وكان قد ولاه في أول خلافته الكوفة، ثم عزله عن السند سنة إحدى وستين ومائة، ثم ولاه البصرة. فلما توفي أخوه يزيد في السنة المذكوره بإفريقية في مدينة القيروان، وكان قد قال أهل إفريقية: ما أبعد ما يكون بين قبري هذين الأخوين: فإن هذا هنا وأخاه بالسند، فاتفق أن الرشيد عزل روحاً عن السند، وسيره إلى موضع أخيه يزيد، فوصل إلى إفريقية في أول رجب سنة إحدى وسبعين ومائة، ولم يزل والياً عليها إلى أن توفي بها، فدفن مع أخيه في قبر واحد، فعجب الناس من هذا الاتفاق بعد ذلك التباعد والافتراق، وكان تولية المنصور يزيد المذكور على إفريقية عندما قتلت الخوارج عامله فيها، وجهز معه خمسين ألف مقاتل حين زار المنصور بيت المقدس، وكان قد ولاه قبل ذلك على مصر. وفي السنة المذكورة توفي إمام اللغة والعروض والنحو الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي، وقيل في سنة خمس وسبعين ومائة، وقيل في ستين ومائة، وقيل ثلاثين ومائة، وغلط ناقل هذا القول الأخير، وممن نقله ابن الجوزي والواقدي، وهو الذي استنبط علم العروض وحصر أقسامه في خمس دوائر، استخرج منها خمسة عشر بحراً، ثم زاد فيه الأخفش بحراً، سقاه المجتث، قلت وله أسماء أخرى ذكرتها في علم العروض، وقيل إن الخليل دعا بمكة أن يرزق علماً لم يسبق إليه أحد، فلما رجع من حجه فتح عليه بعلم العروض، وله معرفة بالايقاع والنغم، وتلك المعرفة أحدثت له علم العروض، فإنهما متقاربان في المأخذ. وقال حمزة بن الحسن الأصفهاني في كتابه المسمى بالتنبيه على حدوث التصحيف: وبعد فإن دولة الإسلام لم تخرج أبدع العلوم التي لم يكن لها عند علماء العرب أصول إلا

стр. 276

من الخليل، وليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض الذي لا عن حكيم أخذه ولا على مثال تقدمه احتذاه، وإنما اخترعه من ممر له بالقصارين من وقع مطرقة على طست، وقيل: وهو في اختراعه عالم العروض الذي هو لصحة الشعر وفساده ميزان كارسطاطاليس الحكيم في اختراعه علم المنطق الذي هو ميزان المعاني وصحة البرهان، وفي ذلك أقول على طريق التشبيه والبيان: بميزان حبر بارع كن بما أتى ... يجيء أرسطاطاليس صنعاً ويبدعا بحيث سما علياً النجابة واضعاً ... عروضاً حكت روضاً زها متنوعا يظل به من يهتدي الحسن مولعاً ... ومن لايحسن يهتدي متولعا كأن بها الحسن من تلك بدرة ... بدا من سما مجد الخليل مشعشعا ومن تأسيس الخليل بناء كتاب العين الذي يحضر فيه لغة أمة من الأمم، ثم من إمداد سيبويه من علم النحو بما صنف منه كتابه المشهور، ومن براعة ذكائه: ما ذكر في كتاب المقتبس أنه كان للناس رجل يعطي دواء لظلمة العين ينتفع الناس به، فمات، فاحتيج إلى ذلك الدواء، ولم يعرف ما هو، فذكر ذلك للخليل فقال: اله نسخة معروفة؟ قالوا: لم نجد نسخته. قال: فهل كانت له آنية يعمل فيها؟ قالوا: نعم إناء كان يجمع فيه الأخلاط، قال: فأتوني به، فجاءوه به، فجعل يتشممه ويخرج نوعاً نوعاً حتى ذكر خمسة عشر نوعاً، ثم عمله وأعطاه الناس فشفوا به، ثم وجدت النسخة والأخلاط المذكورة فيها ستة عشر، لم يغفل إلا واحداً. قلت ومما يناسب هذا الفهم العظيم ما حكي عن حكيم، وذلك أنه عمي بعض الحكماء في بلاد الشام، ولم يدر ما سبب عماه حتى يعالجه بما يناسبه من أضداد العلة المفذهبة للبصر، فسمع بحكيم في بلاد الهند، فارتحل إليه، فلما قدم عليه عرض عليه ما أصاب عينيه، فنظر فيهما ذلك الحكيم، ثم قال له: العلة في ذهاب نور بصرك أنك بلت في يوم حار على حية ميتة في سبخة من الأرض، فطلع في عينيك بخارها، ثم استدعى بغلامه، فأتي بكحل، فكخل به عينيه، فأبصر في الحال، ثم رجع إلى بلاده فأراد أن يختبر صحة ما قاله الحكيم، فتتبع موضع الحياث حتى ظفر بحية فقتلها، ثم رمى بها في سبخة تشرق عليها الشمس، وتهب عليها الريح مدة من الزمان، ثم أتى فبال عليها فعمي في الحال، ثم قال لغلامه: الرحيل فرحل إلى ذلك الحكيم، وتنكر جهده حتى لا يعرفه، وقال لغلامه: اذا رفع المرود ليكحل به عيني فخذه من يده وضعه في فمي، فقال: نعم إن شاء الله، فلما وصل إليه قال له: انا رجل غريب وقد ذهب بصري، عسى من أجل الله تعالى أن تعالجه بما يرد

стр. 277

عليه نوره، فقال له: كأني قد رأيتك قبل هذا اليوم، فغالطه فاستدعى ذلك الحكيم بالدواء الذي كحله به أولاً، فلما وضع طرفي المرود فيه ورفعه إلى عينيه خطف غلامه المرود من يده ووضعه في فم سيده فطعمه وشمه، فعرف فيه تسعاً وتسعين نوعاً من الأدوية، وغرب عنه نوع منها تمام المائة لم يعرف، فعرف ذلك الحكيم، فسأله فأخبر بذلك الذي لم يدركه، فرجع إلى بلاده وجمع تلك الأدوية من العقاقير، واكتحل فعاد إليه بصره، فسبحان اللطيف الخبير، الذي هو على كل شيء قدير، مسبب الأسباب، وميسر الأمور الصعاب. رجعنا إلى ذكر الخليل، والخليل أول من جمع جميع الحروف في بيت واحد حيث قال: صف خلق جود كمثل الشمس إذ بزغت يخطي الضجيع بها بخلاء معطار وقال النضر بن شميل جاء رجل من أصحاب يونس، فسأله عن مسألة، فأطرق الخليل يفكر، وأطال إلى أن انصرف الرجل، فعجبنا منه وعاتبناه، فقال لنا: ما كنتم أنتم قائلين فيها؟ قلنا: كذا وكذا، قال: فإن قال لكم كذا؟ قلنا: كنا نقول كذا. قال: فيزيدكم كذا فلم يزل يعترض على قولنا إلى أن انقطعنا وأقبلنا نتفكر، فقال: ان المجيب إذا ابتدأ في الجواب قبح به أن يفكر بعد ذلك، ثم قال: ما أجبت بجواب قط إلا وأنا أعرف ما علي فيه، يعني من الاعتراضات والمؤاخذات. وقال بعض المؤرخين: كان الخليل رجلاً صالحاً عاقلاً حليماً وقوراً، وقال تلميذه النضر بن شميل: اقام الخليل في خص من أخصاص البصرة لا يقدر على فلس، وأصحابه يكسبون بعلمه الأموال، قال ولقد سمعته يوماً يقول: اني لأغلق علي بابي فما يجاوزه همي، وكتب إليه سليمان بن حبيب بن المهلب يستدعي حضوره، وكان في ولايته أرض فارس والأهواز، فكتب إليه الخليل جوابه: أبلغ سليمان أني عنه في سعة ... وفي غنى غيرأني لست ذا مال شحاً بنفسي أني لا أرى أحداً ... يموت هزلاً ولا يبقى على حال والرزق عن قمر لا الضعف ينقصه ... ولا يزيدك فيه حول محتال والفقر في النفس لا في المال تعرفه ... ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال وقيل: اجتمع الخليل وابن المقنع ليلة يتحدثان إلى الغداة، فلما تفرقا قيل للخليل: كيف رأيت ابن المقنع؟ فقال: رأيت رجلاً علمه أكثر من عقله، وقيل لابن المقنع: كيف رأيت الخليل؟ فقال: رأيت رجلاً عقله أكثر من علمه. وللخليل عدة تصانيف. وقال الخليل

стр. 278

كان يتردد إلى شخص يتعلم العروض، وهو بعيد الفهم، فأقام مدة، ولم يعلق على خاطره شيء منه، فقلت له يوماً: قطع هذا البيت: إذا لم تستطع شيئاً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع فشرع في تقطعيه على قدر معرفته، ثم نهض ولم يجىء بعد إلي، فعجبت من فطنته لما قصدته في ذلك البيت مع بعد فهمه. ويقال إن أبا الخليل أول من سمي بأحمد بعد رسول الله ﵌، ذكره صاحب كتاب المقتبس نقلاً عن أحمد بن أبي خيثمة، ومن النظم المنسوب إلى الخليل قوله: وما هي إلا ليلة تم يومها ... وحول إلى حول وشهر إلى شهر مطايا يقربن الجديد إلى البلى ... ويدنين أرحال الكرام إلى القبر ويتركن أزواج الغيور لغيره ... ويقسمن ما يحوي الشحيح من الوفر وقوله: ألا ينهاك شيبك عن صباكا ... ويترك ما أضلك من هواكا أترجو أن يعطيك قلب سلمى ... وتزعم أن قلبك قد عصاك وغير ذلك من الأشعار التي يطول ذكرها، وكان كثيراً ما ينشد قول الأخطل: وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخراً يكون كصالح الأعمال وسأل الأخفش الخليل: لم سميت بحر الطويل طويلاً؟ قال: لأنه تمت أجزاؤه. قال فالبسيط؟ قال: لأنه انبسط على يدي الطويل. قال فالمديد؟ قال: لتمدد سباعيه حول خماسيه. قال فالوافر؟ قال: لوفورالأجزاء وتداً بوتد. قال فالكامل؟ قال لأن فيه ثلاثين حركة، لم يجتمع في غيره. قال فالرجز؟ قال: لاضطرابه كاضطراب قوائم الناقة الرجزاء. قال فالرمل؟ قال: لأنه يشبه رمل الحصير بضم بعضه إلى بعض. قال فالهزج؟ قال: لأنه يضطرب شبه هزج الصوت. قال فالسريع؟ قال: لأنه يسرع على اللسان. قال فالمنسرح؟ قال: لانسراحه وسهولته قال فالخفيف؟ قال: لأنه أخف السباعيات. قال فالمقتضب؟ قال: لأنه اقتضب من الشعر لقلته. قال فالمضارع؟ قال لأنه ضارع المقتضب. قال والمجتث؟ قال: لأنه اجتث أي قطع من طول دائرته. قال فالمتقارب؟ قال لتقارب أجزائه، وإنها خماسية كلها يشبه بعضها بعضاً. وقيل: لما دخل الخليل البصرة عزم على مناظرة أبي عمرو، فجلس في حلقته، ثم

стр. 279

انصرف ولم ينطق، فقيل له: ما منعك؟ قال: نظرت فإذا هو رائس من خمسين سنة، فخفت أن ينقطع فيفتضح في البلد فلن أكلمه. سنة إحدى وسبعين ومائة فيها توفي أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري الذي روى عن نافع، كان محدثاً صالحاً، قلت وهو الذي وعظ هارون الرشيد، وهو في السعي على الصفا، فقال له: يا هارون، قال: لبيك يا عم، قال: انظر إليهم هل تحصيهم يعني الحجيج؟ فقال: ومن يحصيهم؟ قال: اعلم أن كلاً منهم يسأل عن خاصة نفسه، وأنت مسؤول عنهم كلهم، ثم قرعه بكلام قال في آخره: والله إن الرجل يسرف في ماله فيستحق الحجر عليه، فكيف من يسرف قي أموال المسلمين؟ وسمي العمري لانتسابه إلى عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁، وهو ممن واجه الرشيد بالموعظة الغليظة البالغة، وكذلك الفضيل بن عياض ﵁، وقد ذكرت موعظته البالغة الدامغة في كتابي روض الرياحين، وممن وعظه أيضاً ابن السماك وبهلول المجنون، ﵃. وفي السنة المذكورة توفي أبو دلامة الشاعر المشهور، وكان عبداً حبشياً فصيحاً صاحب نوادر ومزاح، وقد تقدم شيء من ذلك. سنة اثنتين وسبعين ومائة فيها توفي الإمام أبو محمد سليمان بن بلال المدني مولى آل أبي بكر الصديق، كان حسن الهيئة عاقلاً مفتياً بالمدينة. وفيها توفي عم المنصور الفضل بن صالح بن علي أمير دمشق، وهو الذي أنشأ القبة العربية التي بجامع دمشق، وتعرف بقبة المال. وفيها توفي صاحب الأندلس أبو المطرف عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الأموي، فر إلى المغرب عند زوال ولايتهم، فقامت معه اليمانية، فتولى الأندلس بعد أن هزم صاحبها يوسف، وولي بعده ولده هشام، وبقيت الأندلس لعقبه إلى حد الأربع مائة. قلت والمراد باليمانية من دخل بلاد المغرب من عرب اليمن، وقد تقدم ذكر سبب دخول من دخل منهم فيها مستنجداً بهم للنصرة.

стр. 280

وفيها أو في سنة ست وسبعين توفي حادي قلوب المشتاقين القارىء الواعظ تحفة الزاهدين وطرفة العابدين الصالح الولي صالح المري البصري، روى عن الحسن وجماعة، وكان شديد الخوف من الله، اذا وعظ كأنه ثكلى. سنة ثلاث وسبعين ومائة فيها توفي الإمام أبو خيثمة زهير بن معاوية الجعفي الكوفي نزيل الجزيرة، روى عن سماك بن حرب وطبقته، وكان أحد الحفاظ الأعلام. وفيها توفي عبد الرحمن بن أبي الموال المدني، مولى آل علي، ﵁، روى عن أبي جعفر الباقر وطائفة، وضربه المنصور على أن يدله على محمد بن عبد الله بن حسن، فلم يدله، وكان من شيعته. وفيها توفي جويرية بن أسماء بن عبيد الضبعي البصري، روى عن نافع والزهري، وكان ثقة كثير الحديث. سنة أربع وسبعين ومائة فيها توفي الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة الحضرمي، روى عن الأعرج وعطاء بن أبي رباح وخلق كثير، وقد ولي قضاء مصر في خلافة المنصور. سنة خمس وسبعين ومائة فيها توفي شيخ الديار المصرية وعالمها، سامي المجد والعلا بالعلم والسخاء، الذي سما بها الملا، ابو الحارث ذو المجد والسعد، المشهور بالليث بن سعد الفهمي مولاهم وأصله فارسي أصفهاني، روى عن عطاء وابن أبي مليكة ونافع وخلق كثير، توفي يوم الجمعة يوم النصف من شعبان، وله إحدى وثمانون سنة، قال الشافعي الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به، وقال يحيى بن بكير: الليث أفقه من مالك، لكن الحظوة لمالك، وقال محمد بن رمح: كان دخل الليث في السنة ثمانين ألف دينار وما وجبت عليه زكاة قط، وكان من الكرماء الأجواد، روي أنه كان لا يتغدى كل يوم حتى يطعم ثلاث مائة وستين مسكيناً. وحكى بعضهم أنه ولي القضاء بمصر، وأن الإمام مالكاً أهدى إليه صينية فيها تمر،

стр. 281

فأعادها مملوءة ذهباً، وأنه كان يتخذ لأصحابه الفالوذج، ويعمل فيه الدنانير ليحصل لكل من أكل من أصحابه كثير، وكانت وفاته يوم الخميس منتصف شعبان، ودفن يوم الجمعة بمصر في القرافة الصغرى، وقبره أحد المزارات رحمة الله عليه، وقد أراده المنصور لإمرة مصر، فامتنع. سنة ست وسبعين ومائة فيها فتحت مدينة ريسة من أرض الروم، واشتد البلاء والقتل بين القيسية واليمانية في الشام، واستمرت بينهم إحن وأحقاد ودماء يهيجون لأجلها في كل وقت إلى اليوم. وفي السنة المذكورة توفي قاضي بغداد الرشيد أبو عبد الله سعيد بن عبد الرحمن الجمحي المدني، وكان من أولي العلم والصلاح، وتوفي أبو عوانة الوضاح مولى يزيد بن عطاء الواسطي البزار أحد الحفاظ الأعلام. وفيها توفي حماد بن أبي حنيفة، كان على مذهب أبيه، وكان من أهل الصلاح والخير، وكان ابنه إسماعيل قاضي البصرة، فعزل عنها بالقاضي يحيى بن أكثم، فلما وصل يحيى إلى البصرة فسافر إسماعيل نشيعه القاضي يحيى المذكور. وحكى إسماعيل المذكور قال: كان لنا جار طحان رافضي، وكان له بغلان، سمي أحدهما قاتله الله أبا بكر والآخر عمر، فرمح ذات ليلة أحد البغلين فقتله، فأخبر جدي أبو حنيفة به، فقال: انظروا فإني أخال أن البغل الذي سماه عمر هو الذي رمحه، فنظروا، فكان كما قال. سنة سبع وسبعين ومائة وفيها توفي الولي الكبير السيد الشهير عبد الواحد بن زيد البصري الذي قيل إنه صل الغداة بوضوء العشاء أربعين سنة. وقد ذكرت في كتاب روض الرياحين بعض حكاياته المشتملة على كراماته ومحاسن صفاته.

стр. 282

وفيها توفي شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي أحد الأعلام وله نيف وثمانون سنة. سنة ثمان وسبعين ومائة فيها توفي جعفر بن سليمان الضبعي وكان أحد علماء البصرة، روى عن أبي عمران الجوني وطائفة، وأخذ عنه الشيخ عبد الرزاق اليماني. سنة تسع وسبعين ومائة فيها كانت فتنة الوليد بن طريف الشيباني الخارجي الذي قالت أخته المسماة بالفارعة لما قتل: أيا شجر الخابور ما لك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف ولا الذخر إلا كل جردا هلدم ... معاودة للكد بين صفوف كأنك لم تشهد هناك ولم تقم ... مقاماً على الأعداء غير خفيف حليف الندى ما عاش يرضى به الندى ... فإن مات لا يرضى الندى بحليف فقدناك فقدان الشباب وليتنا ... فديناك من دهمائنا بألوف وما زال حتى أزهق الموت نفسه ... شجا لعدو أو ملجأ لضعيف ألا يا لقومي للحمام وللبلى ... وللأرض همت بحلى برجوف ألا يا لقومي للنوأئب والردى ... ودهر ملج بالكرام عنيف وللبدر من بين الكواكب إذ هوى ... وللشمس لما أزمعت بكسوف هو الليث كل الليث إذ يحملونه ... إلى حفرة ملحودة وسقيف ألا قاتل الله الحثا حيث أضمرت ... فتى كان بالمعروف غير عنوف فإن يك أراده يزيد بن مرثد ... فرب رجوف لفها برجوف عليه سلام الله وقفا فإنني ... أرى المرت وقاعاً بكل شريف وأول هذه المرثية: بتل نباثي رسم قبر كأنه ... على جبل فوق الجبال منيف تضمن مجداً عد مكياً وسؤددا ... وهمة مقدام ورأي خصيف

стр. 283

والعد مكي بالعين والدال المهملتين: المديم، ولها فيه مراثي كثيرة، قالوا: وكان يوم المصاف ينشد: أنا الوليد بن الطريف الشاري ... قسورة لا يصطلي بناري ويقال إنه لما انكسر جيشه وانهزم، تبعه يزيد بنفسه حتى لحقه على مسافة بعيدة، فقتله وأخذ رأسه، ولما علمت بذلك أخته المذكورة لبست عدة حربها وحملت على جيش يزيد، فقال يزيد: دعوها، ثم خرج فضرب بالرمح فرسها. وقال أعرابي: عرب الله عليك، فقد فضحت العشيرة، فاستحيت وانصرفت، والخابور نهر معروف يصب في الفرات، وعلى هذا النهر مدن صغار تشبه الكبار في عمارة بلادها وأسواقها وكثرة خيراتها، وطريف بفتح الطاء المهملة وكسر الراء وسكون الراء المثناة من تحت وبعدها فاء، وتل نباثي معروف مضاف إلى نباتي بضم النون وبعدها موحدة وبعد الألف مثلثة مفتوحه في برية الموصل والحثا في قولها ألا قاتل الله الحثا جمع حثية وقولها: فتى لا يريد الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من فتى وسيوف قلت هذا البيت ظاهرة التناقض، فإن القائل يقول إن حصول المال بالقنا والسيوف ظاهره القتل والقتال ونهب الأموال، وهذا مناف للتقوى والجواب فيما يظهر والله تعالى أعلم: ان هذا لا تناقض فيه على مذهب الخوارج الذين يكفرون المسلمين بالذنب ويرون الخروج عليهم، والدليل على كونه منهم قوله أنا الوليد بن الطريف الشاري، فنسب نفسه إلى الشراة، وهم الخوارج المتسمون بهذا الاسم بكونهم بزعمهم باعوا نفوسهم بالجنة، وقد أبدعت أخته في شعرها المذكور، وبلغت في بلاغته نهاية من النظم المشكور، وما سمعت من أشعار النساء أبلغ من شعرها وشعر الخنساء، كلتاهما رثت أخاها، ومن شعر الخنساء البليغ فيه: وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار أبدعت في التشبيه وناسبت بين طرفي البيت، لأنها لما جعلته هادي الهداة شبهته بدليل على دليل، وهما الجبل والنار، وأخت ابن طريف أيضاً أبدعت في مواضع من هذه الأبيات ومنها: تبكيتها لشجر الخابور، ومعاتبتها له على عدم تساقط ورقه لاحتراقه بنار الحزن على قتل أخيه الوليد المذكور، فاستعارت استعارة بالغة مشعرة بكون الكون جديراً بأن يحزن ويأسى على فقد من اتصف بالأوصاف الجميلة الثناء حيث قالت: أيا شجر الخابور ما لك مورقاً ... كأنك لم تحزن على ابن طريف

стр. 284

وقال بعضهم: أظنه في بلد نصيبين، وهو موضع الوقعة والشاري بفتح الشين المعجمة وبعد الألف راء واحدة، الشراة بضم الشين وهم الخوارج سموا بذلك لقولهم: شرينا أنفسنا في طاعة الله أي بعناها بالجنة حين فارقنا الأئمة الجائرة. وكان الوليد المذكور أحد الشجعان الأبطال، وكان رأس الخوارج، خرج في خلافة هارون الرشيد وبغى وحشد جموعاً كثيرة، فأرسل إليه هارون جيشاً كثيفاً مقدمه أبو خالد يزيد بن مرثد بن زائدة الشيباني، فجعل يخاتله ويماكره وكانت البرامكة منحرفة عن يزيد، فأغروا به الرشيد، وقالوا إنه يراعيه لأجل الرحم وإلا فشوكة الوليد يسيرة، وهو يواعده وينتظر ما يكون من أمره، فوجه إليه الرشيد كتاب مغضب، وقال: لو وجهت أحد الخدام أو قال أصغر الخدم لقام بأكثر ما تقوم به، ولكنك مداهن متعصب، وأمير المؤمنين يقسم بالله لئن أخرت مناجزة الوليد ليبعثن إليك من يحمل رأسك إلى أمير المؤمنين، فالتقيا فظهر على الوليد فقتله، وذلك في سنة تسع وسبعين ومائة في شهر رمضان، وهي وقعة مشهورة مسطورة في التاريخ. وفي السنة المذكورة توفي إمام دار الهجرة وشيخ الأئمة الجلة أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي، نسبة إلى بطن من حمير، يقال له ذو أصبح، ولد سنة أربع وتسعين، وسمع من نافع والزهري وطبقتهما وأخذ القراءة عرضاً عن نافع بن أبي نعيم، قال الإمام الشافعي: اذا ذكر العلماء فلمالك النجم. وكان مالك طويلاً جسيماً عظيم الهامة أبيض الرأس واللحية، وقيل تبلغ لحيته صدره، وقيل كان أشقر أزرق العينين يلبس الثياب العدنية الرفيعة البيض. وقال أشهب: كان مالك إذا أعتم جعل منها تحت ذقنه، ويسدل طرفيها بين كتفيه، وقال خالد بن خداش: رأيت على مالك طيلساناً وثياباً مروية جياداً، قيل: وكان يكره خلق الثياب، يعيبه ويراه من المثلة ولا يغير شيبه. وقال ابن عيينة لما بلغه موت مالك: ما ترك على وجه الأرض مثله. وقال أبو مصعب: سمعتعت مالكاً يقول: ما أفنيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك وعنه أنه قال: قل رجل كنت أتعلم منه ومات حتى يجيئني ويستفتيني. قلت أخبر ﵁ بنعمة الله تعالى عليه، وقد يقع مثل هذه الغيرة وقد والحمد لله وقع لي ذلك، فبعض شيوخي التمس مني أن يقرأ علي بعض العلوم وبعضهم سألني عن بعض الأحكام الفقهية، وبعضهم رجع عن بعض ما أفتى به لما وقف على ما أفتيت به

стр. 285

مخالفاً لفتياه، وبعضهم جاء بمسائل عديدة من بلاد بعيدة اشكلت عليه، وسالني أن أنظرفيها رجاء وضوحها وزوال إشكالها، وهو شيخنا وسيدنا وبركتنا الإمام العالم العامل العابد، الخاشع الصالح الورع الزاهد حليف المحراب وبركة الأصحاب، بل بركة الزمن. ونور اليمن، جمال الدين محمد بن أحمد الذهيبي بضم الذال المعجمة وبالموحدة المثناتين من تحت المشهور بالنصال، قدس الله روحه ونور ضريحه، وزاده من الأنعام والأفضال. وبعض شيوخي المتصدرين للقضاء والتدريس وغيرهما من الفضائل الشرعية والمناصب العلية، لما قرأت عليه كتاب الحاوي في الفقه قال بعد ما أكملته للحاضرين به اشهدوا على أنه شيخي فيه، وقال لي لقد استفدت منك فيه أكثر ما استفدت مني وهو الامام الفاضل، ذو المحاسن والفضائل والأوصاف الحميدة، الجميلة العديدة، القاضي نجم الدين الطبري، رحمه الله تعالى. وبعض الفضلاء النجباء العلماء الألباء قال: لي ما نتكلم في فن إلا حسب سامعك أن ذلك فنك دون غيره، وبعضهم كان يسميني الفرضي لكونه حضر عندنا يوماً في حساب الفرائض مع أن اشتغالي بعلم الفرائض كان أقل من اشتغالي بغيره من العلوم، واشتغالي بالعلوم كان أقل من نصف عشر اشتغال غيري من العلماء، وكنت آتي جماعة من شيوخ الفقراء والفقهاء والصلحاء وأتبرك بهم، فلم يمض كثير من الزمان حتى جاءوني زائرين، وقد كانوا من العلماء المقتدين بهم والشيوخ المشار إليهم، وأنا إذ ذلك أمي لا أقرأ ولا أكتب، والحمد لله ذو الجلال والإكرام على ما عود فضله من الجميل والأنعام. رجعنا إلى ذكر الإمام مالك، قال ابن وهب: سمعت منادياً ينادي بالمدينة ألا لايفتي الناس إلا مالك بن أنس وابن أبي ذئب، وكان مالك إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس صدر فراشه، وسرح لحيته وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة، ثم حدث، فقيل له في ذلك، فقال: احب أن أعظم حديث رسول الله ﵌، وكان يكره أن يحدث على الطريق أو قائماً أو مستعجلاً، ويقول: احب أن أفقههم ما أحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان لا يركب في المدينة مع ضعفه وكبر سنه، ويقول لا أركب في مدينة فيها جثة رسول الله ﵌ مدفونة. وقال الشافعي: قال لي محمد بن الحسن: ايهما أعلم؟ صاحبنا أم صاحبكم، يعني الإمامين أبا حنيفة ومالكاً ﵄، قال: قلت: على الأنصاف؟ قال: نعم قال: فقلت: ناشدتك الله من أعلم بالقرآن أو قال بكتاب الله صاحبنا أم صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم. قال: قلت: فأنشدك الله من أعلم بالسنة صاحبنا أم صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم، قال قلت: فأنشدك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله ﵌ صاحبنا أم صاحبكم؟ قال اللهم صاحبكم، قال الشافعي: فلم يبق إلا القياس، والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء فعلى أي شيء يقيس. وقال الواقدي: كان مالك يأتي المسجد، ويشهد الصلوات والجمعة والجنائز، ويعود المرضى، ويقضي الحقوق، ويجلس في المسجد، ويجتمع إليه أصحابه، ثم ترك الجلوس في المسجد، وكان يصلي وينصرف إلى مجلسه، وترك حضور الجنائز، وكان يأتي أصحابها فيعزيهم، ئم ترك ذلك كله، فلم يكن يشهد الصلوات في المسجد ولا الجمعة، ولا يأتي أحد يعزيه، ولا يقضي له حقاً، واحتمل الناس له ذلك حتى مات عليه، وكان ربما قيل له في ذلك فيقول: ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره. وسعى به إلى جعفر بن سليمان بن علي عم أبي جعفر المنصور، وقالوا له إنه لا يرى إيمان بيعتكم هذه شيئاً، فغضب جعفر ودعا به وجرده وضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلعت كتفه، وارتكب منه أمراً عظيماً، فلم يزل بعد ذلك الضرب في علو ورفعة، وكأنما كانت تلك السياط حلياً حلي بها. وذكر ابن الجوزي في كتاب صدور العقول أنه ضرب مالك بن أنس تسعين سوطاً لأجل فتوى لم توافق غرض السلاطين، وقد تقدم أنه ولد سنة أربع وتسعين، وقيل خمس وتسعين، فعاش أربعاً وثمانين سنة، وقال الواقدي مات وله تسعون سنة، والله أعلم با لصواب. وحكى الحافظ أبو عبد الله الحميدي في كتاب جذوة المقتبس قال: حدث القعنبي قال: دخلت على مالك في مرضه الذي مات فيه، فسلمت عليه، ثم جلست، فرأيته يبكي، فقلت يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك؟ فقال: يا ابن قعنب وما لي لا أبكي، ومن أحق بالبكاء مني؟ والله لوددت أني ضربت لكل مسألة أفتيت بها برائي بسوط، ولقد كانت لي السعة فيما سبقت إليه، وليتني لم أفت بالرأي أو كما قال، وكانت وفاته بالمدينة الشريفة، ودفن بالبقيع، ورثاه أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين السراج بقوله: عليه وآله وسلم، وكان لا يركب في المدينة مع ضعفه وكبر سنه، ويقول لا أركب في مدينة فيها جثة رسول الله ﵌ مدفونة. وقال الشافعي: قال لي محمد بن الحسن: ايهما أعلم؟ صاحبنا أم صاحبكم، يعني الإمامين أبا حنيفة ومالكاً ﵄، قال: قلت: على الأنصاف؟ قال: نعم قال: فقلت: ناشدتك الله من أعلم بالقرآن أو قال بكتاب الله صاحبنا أم صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم. قال: قلت: فأنشدك الله من أعلم بالسنة صاحبنا أم صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم، قال قلت: فأنشدك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله
следующие страницы →