← История

История · id 9091

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

اليافعي

Полный текст (1 334 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وجماعة من أولاده، وأبو عمر الدوري، وأبو شعيب السوسي، وأبو حمدون الطيب بن إسماعيل، وأبو خلاد سليمان بن خلآد وغيرهم. وخالف أبا عمرو في حروف يسيرة من القرآن، وكان يؤدب أولاد يزيد بن منصور خال المهدي، وإليه كان ينسب كما تقدم، ثم اتصل بهارون الرشيد، فجعل ولده المأمون حجره،. فكان يؤدبه، وكان ثقة، وهو أحد الفصحاء العالمين بلغات العرب، وله التصانيف الحسنة والنظم الجيد. وأخذ علم العربية وأخبار الناس عن أبي عمرو الخليل بن أحمد كما مر، ومن كان معاصرهما، وكان يجلس في أيام الرشيد مع الكسائي في مجلس واحد، ويقرآن الناس، أن الكسائي يؤدب الأمين، ويأخذ عليه حرف حمزة، وهو يؤدب المأمون، ويأخذ عليه حرف أبي عمر، وقال: وجه إليه يوماً بعض خدمه فأبطأ عليه، فوجه إليه آخر فكذلك، قال: فقلت إن هذا الفتى ربما اشتغل بالبطالة. فلما خرج مرت بحلة، وقومته، أو كما قال لتدلك عينه من البكاء، إذ قيل: هذا جعفر بن يحيى قد أقبل، فأخذ منه منديلاً فمسح عينيه، وجمع ثيابه عليه، وقام إلى فراشه، مد عليه متربعاً، ثم قبل ليدخل فدخل، وقمت عن المجلس، وخفت أن يشكوني إليه، فألقى منه ما أكره. قال: فأقبل عليه بوجهه، وحدثه حتى أضحكه، وضحك إليه. فلما هم بالحركة دعا بدابتة، وأمر غلمانه فسعوا بين يديه، ثم سأل عني فجئت، فقال: خذ على ما بقي من حزبي، فقلت: يا أيها الأمير أطال الله بقاءك لقد خفت أن تشكوني إلى جعفر، فقال: حاشا لله، أتراني يا أبا محمد كنت أطلع الرشيد على هذا. فكيف بجعفر يطلع على أني محتاج إلى الأدب؟ يغفر الله لك، لقد بعد ظنك، خذ في أمرك، فقد خطر ببالك ما لا يكون أبداً، ولو عدت في كل يوم مائة مرة. وحكى المرزباني وغيره قالوا: سأل المأمون اليزيدي عن شيء فقال: لا، وجعلني الله فداك يا أمير المؤمنين، فقال: لله درك، ما وضعت واواً قط موضعاً أحسن من موضعها في لفظها. انتهى. قلت: وإنما حسن وضع الواو في لفظه المذكور، لأنه لو حذفها منه لاستحق بذلك الأدب من الملوك، بل القتل، لأنه حينئذ يكون نافياً لجعله فداء له، وإثباتها يثبت جعله فداء نفسه الكريمة مقدماً بقاءه على بقاء نفسه عند نزول النوائب، وذلك من أعظم الآداب وأحسن التخاطب.

стр. 352

وقال بعضهم: دخل اليزيدي يوماً على الخليل بن أحمد، وهو جالس على وسادة، فأوسع له وأجلسه معه، فقال له اليزيدي: أحسبني ضيقت عليك، فقال الخليل: ما ضاق موضع على متحابين، والدنيا لا تسع متباغضين. وقال اليزيدي: دخلت على المأمون والحنيا غضة وعنده " نعم " تغنيه، وكانت من أجمل أهل دهرها، فأنشدت. وزعمت أني ظالم فهجرتني ... ورميت في قلبي بسهم نافذ فنعم هجرتك فاغفري وتجاوزي ... هذا مقام المستجير العائذ ولقد أخذتم من فؤادي أنسه ... لا مثل ربي كف ذاك الآخذ فاستعادها المأمون الصوت ثلاث مرات، ثم قال: يا يزيدي، أيكون شيء أحسن مما نحن فيه؟. قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: وما هو؟ قلت: الشكر لمن خولك هذا الإنعام العظيم فقال: أحسنت وصدقت. ووصلني وأمر بمائة ألف درهم يتصدق بها، وحكي: أنه وقع بين اليزيدي والكسائي تنازع في هذا البيت: لا يكون العير مهراً ... لا يكون المهر مهر فقال الكسائي: يجب أن يكون مهراً منصوباً على أنه خبر كان، ففي البيت على التقدير أقوال، وقد علم كون حرف الروي فيما قبله مرفوعاً، فقال اليزيدي: الرفع صواب، لأن الكلام قد تم عند قوله: لا يكون الثانية، وهي مؤكدة للأولى ثم استأنف وقال: المهر مهر، وضرب بقلنسوته الأرض، وقال: أنا أبو محمد، فقيل له: اتكتني بحضرة أمير المؤمنين. والله إن خطأ الكسائي مع حسن أدبه، لأحسن من صوابك مع سوء أدبك. فقال: إن حلاوة الظفر أذهب عني حسن التحفظ. وفيها: توفي الفضل بن سهل وزير المأمون أبو العباس السرخسي أخو الحسن بن سهل وعم بوران التي تزوجها المأمون، قالوا: لما وزر للمأمون، استولى عليه حتى ضايقه في جارية أراد شراءها، وكانت فيه فضائل. وتلقب بذي الرياستين، وكان من أخبر الناس بعلم النجوم وأكبرهم إصابة في أحكامه فيها. حكى أبو الحسين السلامي في تاريخ ولاة الخراسان أنه لما عزم المأمون على إرسال

стр. 353

طاهر بن الحسين إلى محاربة أخيه الأمين، نظر الفضل بن سهل في مسألته، فوجد الدليل في وسط السماء،. وكان ذا عينين، فأخبر المأمون بأن طاهراً يظفر بالأمين. وتلقب بذي اليمينين، فكان الأمر كذلك. فتعجب المأمون من إصابة الفضل، ولفب طاهراً بذلك. وولع المأمون بالنظر في علم النجوم، قال السلامي: ومما أصاب الفصل بن سهل فيه من أحكام النجوم، أنه اختار للطاهر بن الحسين حين سمي للخروج إلى الأمين وقتاً عقد فيه لواء، فسلمه إليه ثم قال له: لقد عقدت لك لواء لا يحل خمساً وستين سنة. وكان بين خروج طاهر بن الحسين إلى وجه علي بن عيسى بن هامان مقدم جيش الأمين وقبض يعقوب بن الليث بنيسابور، خمساً وستين سنة. ومن إصاباته أيضاً ما حكم به على نفسه. وذلك أن المأمون طالب والدة الفضل بما خلفه، فحملت إليه سكة مختومة مقفلة، ففتح قفلها فإذا صندوق صغير مختوم، فإذا فيه درج، وفي الدرج رقعة حرير مكتوب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما قضى الفضل بن سهل على نفسه، قضى أنه يعيش ثمان وأربعين سنة، ثم يقتل بين ماء ونار، فعاش هذه المدة ثم قتله غالب " خال المأمون " في حمام بسرخس كما سيأتي إن شاء الله تعالى وله غير ذلك إصابات كثيرة. ويحكى أنه قال يوماً لثمامة بن الأشرس: ما أدري ما أصنع في طلاب الحاجات، فقد كثروا علي وأضجروني. فقال له: زل عن موضعك، وعلي أن لا يلقاك أحد منهم، قال: صدقت. وانتصب لقضاء أشغالهم. وكان قد مرض بخراسان، وأشفى على التلف. فلما أصاب العافية، جلس للناس، فدخلوا عليه، وهشوا بالسلامة، وتصرفوا في الكلام، فلما فرغوا من كلامهم، أقبل على الناس وقال: إن في العلل لنعماً، لا ينبغي للعاقل أن يجهلها بمحيص الذنوب والتعرض لثواب الصبر، والإيقاظ من الغفلة، والإذكار بالنعمة في حال الصحة، واستدعاء التوبة، والحض على الصدقة، وقد مدحه جماعة من أعيان الشعراء، وفيه يقول بعضهم، وقيل ابن أيوب التيمي: لعمرك ما الأشراف في كل بلدة ... وإن عظموا للفضل إلا ضائع ترى عظماء الناس للفضل خشعاً ... إذا ما بدا والفضل لله خاشع تواضع لما زاده الله رفعة ... وكل جليل عنده متواضع وقال فيه مسلم بن وليد الأنصاري من جملة قصيدة:

стр. 354

أقمت خلافة، وأزلت أخرى ... جليل ما أقمت، وما أزلتا قالوا: ولما ثقل أمره على المأمون، دس عليه خاله غالباً، فدخل عليه الحمام بسرخس، ومعه جماعة فقتلوه مفاوضة، وذلك يوم الجمعة ثاني شعبان من السنة المذكورة، وقيل في التي تليها، وعمره أربعون، وقيل إحدى وأربعون سنة وخمسة أشهر والله أعلم ولما قتل مضى المأمون إلى والدته، ليعزيها، فقال لها: لا تأسي عليه، ولا تجزعي لفقده، فإن الله قد أخلف عليك مني ولداً به يقوم مقامه، فمهما كنت تنشطين إليه فيه، فلا تنصصي عني منه. فبكت ثم قالت: يا أمير المؤمنين، وكيف لا أحزن على ولد النسبي، ولد مثلك " وسرخس " المذكور بالسين المهملة مكررة قبل الراء وبعد الخاء المعجمة الساكنة مدينة بخراسان. ثلاث ومائتين فيها استوثقت الممالك للمأمون، وقدم بغداد في رمضان، من خراسان، واتخذها سكناً. وتوفي الإمام المقرىء الحافظ حسين بن علي الجعفي مولاهم الكوفي، روى عن الأعمش وجماعة، قال أحمد: ما رأيت أفضل منه ومن سعد بن عامر الضبعي، وقال يحيى بن يحيى النيسابوري: إن بقي أحد من الأبدال، فحسين الجعفي، وقال بعضهم: كان مع تقدمة في العلم رأساً في الزهد والعبادة. وفيها: توفي زيد بن الحباب أبو الحسين الكوفي، كان حافظاً صاحب حديث، واسع الدخل، صابراً على الفقر والفاقة. وفيها توفي محمد بن بشر العبدي الكوفي الحافظ، قال أبو داود: هو أحفظ ممن كان بالكوفة في وقته. وفيها: توفي أبو أحمد الزبيري محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي مولاهم الكوفي، قال أبو حاتم: كان ثقة حافظاً عابداً مجتهداً. وفيها توفي أبو جعفر محمد بن جعفر الصادق، الملقب بالديباج، مات

стр. 355

بجرجان، ونزل المأمون في لحده. وكان عاقلاً شجاعاً متنسكاً. كان الديباج يصوم يوماً ويفطر يوماً. وفيها: توفي الإمام أبو الحسن النضر بن شميل المازني البصري. كان رأساً في الحديث واللغة والنحو، والفقه والغريب والشعر وأيام العرب، صاحب سنة. وهو من أصحاب الخليل بن أحمد. ذكره أبو عبيدة وقال: ضاقت المعيشة على النضر بن شميل البصري بالبصرة، فخرج يريد خراسان فتبعه من أهل البصرة نحو ثلاثة آلاف رجل، ما فيهم إلا محدث أو نحوي أو لغوي أو عروضي أو اخباري، فلما صار بالمربد، جلس فقال: يا أهل البصرة، يعز علي فراقكم، والله لو وجدت كل يوم كيلجة باقلاً ما فارقتكم. قال: فلم يكن فيهم أحد يتكلف ذلك، وسار حتى وصل خراسان، وجمع بها مالاً، وكانت إقامته بمرو ونظير ضيق المعيشة عنه على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في ترجمة القاضي عبد الوهاب المالكي، وضيق معيشته ببغداد، وانتقاله إلى مصر، سمع النضر بن هشام بن عروة واسماعيل بن أبي خالد، وحميد الطويل، وعبد الله بن عون، وهشام بن حسان، وغيرهم من التابعين. وروى عنه يحيى بن معين، وعلي بن المديني، وكل من أدركه من أئمة عصره. ودخل نيسابور فسمع عليه أهلها، وله مع المأمون نوادر، منها: أن المأمون روى عن هشيم بسنده المتصل إلى النبي ﷺ قال: إنه إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها، كان فيها سداد من عود. ورواه بفتح السين من سداد، فرواه النضر من طريق آخر، عن عوف بن أبي جميلة بسنده المتصل: سداد، بكسر السين، فقال له المأمون تلحنني؟ فقال: إنما لحن هشيم. قال: فما الفرق بينهما. قال: السداد: بالفتح: القصد في الدينه والسبيل. والسداد بالكسر: البلغة. وكل ما سددت به شيئاً، فهو سداد. قال: أو تعرف العرب ذلك. قال: نعم، هذا العرجى يقول: أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر

стр. 356

فقال المأمون: قبح الله من لا أدب له. ثم أخذ القرطاس وكتب، ولا يدري ماذا كتب، ثم قال: إذا أمرت أن تترب يعني الكتاب كيف تقول؟ قال: أترب. قال: فهو ماذا قلت: مترب. قال: فمن الطين؟ قال: طين. قال: فهو ماذا؟ قال: مطين: فقال هذه أحسن من الأولى. ثم قال: يا غلام أتربه وطينه، ثم أرسل بالكتاب إلى وزيره الفضل بن سهيل مع غلامه، وبعث معه النضر بن شميل، فلما قرأ الفضل الكتاب قال: يا نضر: إن أمير المؤمنين أمر لك بخمسين ألف درهم، فما كان السبب فيه؟ فأخبره، فقال: لحنت أمير المؤمنين قال: كلا، إنما لحن هشيم، فتبع أمير المؤمنين لحانه. فأمر له بثلاثين ألف درهم أخرى، فأخذ ثمانين ألف درهم بحرف استفيد منه. والبيت الذي استشهد به هو لعبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان الأموي العرجي الشاعر المشهور، وهو من جملة أبيات، منها قوله: أضاعوني، وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر وصبر عند معترك المنايا ... وقد شرعت أسنتها بنحر وسبب عمله لهذه الأبيات أنه حبسه محمد بن هشام المخزومي خال هشام بن عبد الملك، وكان والياً على مكة. وأقام في حبسه تسع سنين حتى مات في الحبس، من أجل أنه كان يشبب بأمه، ولم يكن ذلك عن محبة له فيها، بل ليفضح ولدها المذكور، وعاش ثمانين سنة. وفيها: توفي الإمام الحبر أبو زكريا يحيى بن آدم الكوفي المقرىء الحافظ الفقيه صاحب التصانيف. وفيها: توفي أزهر بن سعد الباهلي مولاهم البصري. روى الحديث عن حميد الطويل، وروى عنه أهل العراق، وكان صحب أبا جعفر المنصور قبل أن يلي الخلافة، فلما وليها جاءه مهنئاً، فحجبه المنصور فترصد له في يوم جلوسه العام وسلم عليه، فقال له المنصور: ما جاء بك؟ قال: جئت مهنئاً بالأمر، فقال المنصور: أعطوه ألف دينار، وقولوا له: قد سمعت أنك مريض، فجئت عائداً، فقال: أعطوه ألف درهم، وقال: قد قضيت وظيفة العيادة، فلا تعد إلي فإني قليل الأمراض. فمضى وعاد في قابل، فحجبه، فدخل عليه في مثل ذلك المجلس، فسلم عليه، فقال له المنصور: ما جاء بك؟ فقال: سمحت منك دعاء، فجئت لأتعلمه منك، فقال له: يا هذا إنه غير مستجاب، إني في كل سنة أدعو الله تعالى به أن لا تأتيني وأنت تأتيني. وله وقائع وحكايات مشهورة، قلت: وهذا من المنصور حلم، وطول روح، وهو

стр. 357

غريب بالنسبة إلى سطوته، ولو وقع مثل هذا التكرار والمعاودة مع الحجاج لكان يفضي إلى قتل أو عقوبة شديدة، ووقوع مثل هذا مع المنصور مع بذل هذه الأموال أمر عجيب. وفيها: توفي الإمام الجليل المعظم سلالة السادة الأكارم أبو الحسن علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أحد الأئمة الأثني عشر، أولي المناقب الذين انتسبت الإمامية إليهم، وقصروا بناء مذهبهم عليه. وكان المأمون قد زوجه ابنته أم حبيية، وجعله ولي عهده، وضرب اسمه على الدينار والدرهم. وكان السبب في ذلك أنه استحضر أولاد العباس الرجال منهم والنساء، وهو بمدينة مرو من بلاد خراسان، وكان عددهم ثلاثة وثلاثين ألفاً بين كبير وصغير، واستدعى علياً المذكور، فأنزله أحسن منزل، وجمع خواص الأولياء، وأخبرهم أنه نظر في أولاد العباس وأولاد علي بن أبي طالب، فلم يجد أحداً في وقته أفضل، ولا أحق بالخلافة من علي الرضا فبايعه، وأمر بإزالة السواد من اللباس والأعلام، وإبدال ذلك بالخضرة. ونمي الخبر إلى من بالعراق من أولاد العباس، فعلموا إن في ذلك خروج الأمير عليهم، فخلعوا المأمون، وبايعوا منصور بن المهدي عم المأمون، ولقبوه بالمرتضى، فضعف عن الأمر وقال: إنما أنا خليفة المأمون. فتركوه وعدلوا إلى أخيه إبراهيم بن المهدي، بايعوه بالخلافة، ولقبوه بالمبارك، وذلك يوم الجمعة لخمس خلون من المحرم من السنة المذكورة، وقيل سنة اثنتين وثلاث مائة. وجرت بالعراق حروب شديدة وأمور مزعجة، والشرح في ذلك يطول. وكانت ولادة علي الرضا يوم الجمعة في بعض شهور سنة ثلاث وخمسين ومائة بالمدينة، وقيل: بل ولد في سابع شوال، وقيل: ثامنه، وقيل سادسه سنة إحدى وخمسين ومائة، وتوفي: خامس ذي الحجة، وقيل: ثالث عشر ذي القعدة سنة ثلاث، وقيل: في آخر يوم من صفر سنة اثنتين ومائتين بمدينة طوس، وصلى عليه المأمون، ودفنه ملتصق قبر أبيه الرشيد. وكان سبب موته على ما حكوا، أنه كل عنباً فكثر منه، وقيل: بل مات مسموماً،

стр. 358

وفيه يقول أبو نواس لما عتب عليه بعض أصحابه، وقال له: ما رأيت أوقح منك، ما تركت خمراً ولا معنى إلا قلت فيه شيئاً، هذا علي بن موسى الرضا في عصرك، ما قلت فيه شيئاً، فقال: والله ما تركت ذلك إلا إعظاماً له، وليس قدر مثلي يستحسن أن يقول في مثله، ثم أنشد بعد ساعة: قيل لي أنت أحسين الناس طراً ... قي فنون من المقال النبيه لك من جيد القريض مديح ... يثمر الدر في يدي مجتنيه فعلى ما تركت مدح ابن موسى ... والخصال التي ذهبت هي فيه قلت لا أستطيع مدح إمام ... كان جبريل خادماً لأبيه قلت: وفي هذه الأبيات لفظان أصلحتهما، لاختلال وزنهما من جهة الكاتب. وقال فيه أيضاً أبو نواس: مطهرون بقبات حياتهم ... تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا من لم يكن علوياً حين تنسبه ... فما له في قديم الدهر مفتخر الله لما برا خلقاً فأتقنه ... صفاكم واصطفاكم أيها البشر فأنتم الملأ الأعلى وعندكم ... علم الكتاب وما جاءت به السور وقال المأمون يوماً لعلي بن موسى المذكور: ما يقول بنو أبيك في جدنا العباس بن عبد المطلب؟ فقال: ما يقولون؟ رجل فرض الله طاعة بنيه على خلقه فأمر له بألف ألف درهم. وكان قد خرج أخوه زيد بن موسى بالبصرة على المأمون، وفتك بأهلها، فأرسل إليه المأمون أخاه علياً المذكور، يرده عن ذلك، فجاءه وقال له: ويلك يا زيد، فعلت بالمسلمين بالبصرة ما فعلت وتزعم أنك ابن فاطمة بنت رسول الله ﵌، والله، لأشد الناس عليك رسول الله ﵌، يا زيد، ينبغي لمن أخذ برسول الله ﵌، أن يعطي به، فبلغ كلامه المأمون، فبكى وقال: فكذا ينبغي أن يكون أهل بيت رسول الله ﵌. قيل: هذا الكلام مأخوذ من كلام زين العابدين، فقد قيل: إنه كان إذا سافر كتم نسبه، فقيل له في ذلك فقال: أنا أكره أن آخذ برسول الله ﵌ ما لا أعطي به. أربع ومائتين فيها توفي إمام الأنام، وحيد الدهر وفقيه العصر أبو عبد الله محمد بن إدريس بن

стр. 359

فأسر العباس بن العثمان بن شلفع بن السائب بن عبيد بن يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف القريشي المطلبي الشافعي، يجتمع نسبه مع نسب رسول الله عليه وسلم في عبد مناف وهو رابع آباء رسول الله صلي الله عليه وسلم وعاشر آباء الشافعي، لأن النبي ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، والشافعي نسبه كما تقدم قريباً، وكونه مطلبياً، هو من جهة الأب، وهو أيضاً هاشمي من جهات أمهات أجداده، وأزدي من جهة أمة. وقد أوضحت ذلك في اختصار مناقبه منقولاً عن العلماء الأعلام الأئمة الحفاظ منهم الحاكم أبو عبد مناف جد رسول الله ﷺ ثلاث مرات وذلك لأن أم السائب هي الشفا بنت الأرقم بن هاشم بن عبد مناف، وأم الشفا هي خليدة " بفتح الخاء المعجمة والدال المهمله وكسر اللام وسكون المثناة من تحت بينها وبين الدال " ابنة أسد بن هاشم بن عبد مناف، وأم عبد يزيد هي الشفا بنت هاشم بن عبد مناف، وذلك أن المطلب زوج ابنه هاشماً الشفا بنت هاشم بن عبد مناف، فولدت له عبد يزيد، فالشافعي ابن عم رسول الله عليه وسلم، وابن عمته، لأن المطلب عم رسول الله عليه وسلم، والشفا بنت هاشم بن عبد مناف أخت عبد المطلب، عمة رسول الله عليه وسلم. وأيضاً قد نقل عن الشافعي أنه كان يقول: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ابن عمي وابن خالتي. وأما كونه ابن عم له فواضح، لكونه ثبت أنه مطلبي من طريق عديدة، منها قول الإمام ابن دريد في الأبيات الآتي ذكرها. ترى ابن إدريس ابن عم محمد ... ضياء إذا ما أظلم الخطب ساطع وقول الإمام المسلم بن الحجاج القشيري قال: عبد الله بن السائب والي مكة هو أخو شافع بن الشائب جد محمد بن إدريس الشافعي. قال بعض الأمة: ولا أن عبد الله بن السائب كان من بني المطلب، وقال الإمام داود بن علي الأصفهاني وقد ذكر بعض أقوال الشافعي قال: هذا قول المطلبي الذي علا الناس بنكته، وقهرهم بأدلته، وباينهم بشهامته، وظهر عليهم بديانته، التقي في دينه، النقي في حسبه، الفاضل في نفسه، المتمسك بكتاب ربه، المقتدي بسنة رسوله، الماحي لأرباب أهل البدع، الذاهب بخبرهم، الطامس لسيرهم، حتى أصبحوا كما قال الله تعالى: " فأصبح هشيماً تذروه الرياح ". ومن ذلك إقرار الخليفة هارون الرشيد في ذلك قوله: أما علم محمد بن الحسن أنه إذا ناظر رجلاً من قريش أنه يقطعه لما بلغله أن الشافعي قطعه؟ وقوله؟ أيضاً: ألا إن بني

стр. 360

المطلب ما فارقوا آل رسول الله ﷺ في شرف ولا في سخاء حين بلغه أن الشافعي فرق جميع ما أعطاه من الدنانير الألف وقول الرشيد لأبي يوسف أيضاً: ومحمد لن توازياه ولن تعادلاه، والله، قد أثبت الله له حق القرابة من رسوله ﷺ ، وحق الشرف وحق القرآن وحق العلم وقوله أيضاً للشافعي: كثر الله في أهلي مثلك. كل هذا مما نقله العلماء في مناقبه. ومن ذلك شيوع ذلك واستفاضته، قالوا: وقد ثبت بالتواتر أن الشافعي كان يفتخر بهذا النسب، وأما كونه ابن خاله علي فلأنه قد تقدم أن أم السائب بن عبيد جد الشافعي هي الشفا بنت الأرقم بن عبد مناف، وأم هذه المرأة هي خليدة بنت أسد بن هاشم، وأم علي هي فاطمة بنت أسد بن هاشم. قلت: وقد رويت السند الصحيح المتصل إلي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبي الحسن الشاذلي ﵁ أنه قال: ما مات الشافعي حتى قطب. رواه الشيخ الأمام العارف بالله شهاب الدين بن المليق عن الشيخ الفقيه الأمام العارف بالله تاج الدين بن عطاء الله، عن شيخه الشيخ الكبير المعظم ذي النون القدسي العارف بالله أبي العباس المرسي عن شيخه الشيخ الكبير العارف بالله ذي المقام العالي المشهود له بالقطبية أبي الحسن الشاذلي قدس الله أرواح الجميع. وسبب رواية الشيخ ابن المليق لذلك أنه قال: قد جئت إلي الشيخ إمام تاج الدين بن عطاء الله الشاذلي المالكي، يا سيدي، أريد أن أصحبك بشرط أن تتركني على مذهبي، فإني أحب مذهب الشافعي، فقال: نعم، وأزيدك زويدة وهي أنه: ما مات الشافعي حتى قطب، روى ذلك بالسند المذكور إلى الشيخ القطب أبي الحسن الشاذلي ﵀. قلت: وأرى لهذه القطبية احتمالين: أحدهما: القطبية التي تنتقل من واحد إلى واحد، وإليها الإشارة بقول بعضهم: محجوبة لن يراها اثنان في زمن. الثاني: أن يكون للعلماء قطب للأولياء قطب والله أعلم. قلت: ومن المشهور المذكور في رسالة الأستاذ أبي القاسم القشيري وغيرها عن الشيخ الكبير العارف بالله، الشهير ببلال الخواص ﵁ أنه سأل الخضر ﵇ عن الإمام الشافعي ﵁ فقال: هو من الأوتاد. قلت: وذلك قبل أن يرتقي إلي مقام القطبية. رجعنا: إلى ذكر نسب الشافعي ﵁، قال العلماء: وجده " شافع " لقي رسول الله عليه وسلم، وهو متزعزع وكان السائب صاحب راية بني هاشم يوم بدر،

стр. 361

فأسر وفدى نفسه، ثم أسلم، فقيل له: لم لم تسلم قبل أن تفدي نفسك؟ فقال: ما كنت لأحرم المؤمنين طمعاً لهم في. وباقي نسب الشافعي إلى معد بن عدنان معروف، وكان الشافعي ﵁ كثير المناقب، جم المفاخر، عديم النظير، منقطع القرين، اجتمع فيه العلوم لكتاب الله وسنة رسوله ﵌، وكلام الصحابة ﵃ وآثارهم واختلاف أقاويل العلماء وكلام العرب من النحو واللغة والشعر وغير ذلك ما لم يجتمع في غيره، حتى أن الأصمعي مع جلالة قدره في هذا الشأن قرأ عليه أشعار الهذليين، وحتى أن الإمام أحمد بن حنبل ﵁ وعن الجميع قال: ما عرفت ناسخ الحديث ومنسوخه حتى جالست الشافعي. وقال له إسحاق بن راهويه وهو بمكة أكثر من عشر مرات: تعال أريك رجلاً ما رأت عيناك مثله، فأوقفه على الشافعي قلت: وحتى الزمخشري من أئمة المعتزلة أثنى على الإمام الشافعي، وعظمه، ورجح قوله، وقوى حجته، وجعله من أئمة اللغة المعتبرين، ومدحه مدحاً حسناً كما سيأتي ذكره. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: كا رأيت رجلاً قط أكمل من الشافعي، وقال الإمام أحمد: الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن، هل لهذين من خلف أو عنهما عوض. وقال يحيى بن معين: كان الإمام أحمد نهانا عن الشافعي، ثم استقبلته يوماً، والشافعي راكب بغلته، وهو يمشي خلفه، فقلت: يا أبا عبد الله، تنهي عنه، وتمشي خلفه، قال: اسكت، لو لزمت البغلة انتفعت. وحكى الخطيب في تاريخ بغداد عن ابن الحكم أنه قال: لما حملت أم الشافعي به، رأت كأن المشتري قد خرج من فرجها، حتى انقض بمصر، ثم وقع في كل بلد منه شظية فتأؤل أصحاب الرؤيا أنه يخرج منها عالم يخص علمه أهل مصر ثم يتفرق سائر البلدان. وذكر الإمام فخر الدين الرازي ﵀ في مناقب الإمام الشافعي ﵁ أنه أول من صنف في أصول الفقه، وقال: اتفق الناس على ذلك، وأنه الذي رتب أبوابه، وميز بعض أقسامه عن بعض، وشرح مراتبها في الضعف والقوة، قيل وما مثل الشافعي ومثل غيره إلا كما قال القائل: نزلوا بمكة في قبائل نوفل ... ونزلت بالبيداء أبعد منزل وذكر هو وغيره من الأئمة ما هو مشهور في مناف الشافعي، وهو أن إمام الحديث في،

стр. 362

زمانه المشكور المشهور عبد الرحمن بن مهدي التمس من الإمام الشافعي وهو شاب أن يضع له كتاباً يذكر فيه شرائط الإستدلال بالقرآن والسنة والإجماع والقياس وبيان الناسخ والمنسوخ ومراتب العموم والخصوص، فوضع الشافعي له كتاب الرسالة، وبعثها إليه، فلما قرأها قال: ما ظننت أن الله خلق مثل هذا الرجل، قلت: يعني من أئمة العلماء. وكان الإمام أحمد يقول في الشافعي: فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة وإختلاف الناس والمعاني والفقه. وقال في الحديث الوارد: في أحداث الله من يجدد لهذه الأمة دينها على رأس كل مائة سنة، إنه كان على رأس المائة الأولى عمر بن عبد العزيز، وعلى رأس المائة الثانية محمد بن الحرشي الشافعي، وقد أوضحت في " كتاب المرهم في الأصول " من ذكر الأئمة المعتبرين من بعده على رؤوس المئين يكونون. وقال الشافعي: رأيت في زمان الصبا بمكة رجلاً ذا هيئة، يؤم الناس في المسجد الحرام، فلما فرع، أقبل على الناس يعلمهم، قال: فدنوت منه، وقلت: علمني، فأخرج ميزاناً من كمه، فأعطانيه، وقال: هذا لك. قال: وكان هناك معبر، فعرضت عليه الرؤيا فقال: إنك ستصير إماماً في العلم، وتكون على السنة، لأن إمام المسجد الحرام أفضل الأئمة كلهم، وأما الميزان فإنك تعلم حقيقة الشيء في نفسه. قلت: لا جرم أن الإمام الشافعي استنبط علوماً لم يستبق إليها، كاستنباطه علم أصول الفقه، وتلخيصه باب القياس تلخيصاً سنياً، ووضعه للخلق قانوناً كلياً، يرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع، كما سيأتي ذكر ذلك، فهو كما ذكر بعض العلماء أن نسبته إلى علم الأصول كنسبة أرسطا طاليس الحكيم إلى وضع المنطق في معرفة تركيب الحدود والبراهين، وكنسبة الخليل بن أحمد إلى علم العروض والأصول في معرفة وزن الشعر، والتمييز بين صحيحه وفاسده، وسيأتي ذكر مقامات أخرى له، رضي الله تعالى عنه. وقال محمد بن عبد الحكم: ما رأيت مثل الشافعي، كان أصحاب الحديث يجيئون إليه، ويعرضون عليه غوامض علم الحديث، وكان يوقفهم على أسرار لم يقفوا عليها، فيقومون وهم متعجبون منه، وأصحاب الفقه الموافقون والمخالفون لا يقومون إلا وهم مذعنون له، وأصحاب الأدب يعرضون عليه الشعر، فيبين لهم معانيه. وكان يحفظ عشرة آلاف بيت لهذيل بإعرابها ومعانيها، وكان من أعرف الناس بالتواريخ، وكان ملاك أمره إخلاص العمل لله تعالى.

стр. 363

وكان لمزني يقول: لو وزن عقل الشافعي بعقل نصف أهل الأرض رجح. قلت: هكذا قال: أرض بالتنكير، فليعلم ذلك، وقال: لو رأيتم الشافعي لقلتم في كتبه أنها ليست من تصانيفه، والله إن لسانه كان أكثر من كتبه. وقال القاسم بن سلام: ما رأيت رجلاً قط أضل ولا أورع ولا أفصح ولا أبسل من الشافعي، وكان أبو حاتم الرازي يقول: لولا الشافعي لكان أصحاب الحديث في عمى. وقال بعض الأئمة: كان أئمة الحديث مأسورين في أيدي المعتزلة. حتى ظهر الإمام الشافعي، وقال الحسن بن محمد الزعفراني: إن محمد بن الحسن يعني صاحب الإمام أبي حنيفة قال: إن تكلم أصحاب الحديث يوماً فبلسان الشافعي. وقال بشر المريسي من أئمة المبتدعة لما رجع من مكة إلى بغداد: رأيت شاباً بمكة من قريش ما أخاف على مذهبنا إلا منه، وكان الجاحظ من أئمتهم يقول: نظرت في كتب هؤلاء التابعة الذين اتبعوا في العلم يعني أهل السنة فلم أر أحسن تأليفاً من المطلبي، أن لسانه ينظم الدرر، وكذلك الزمخشري من أئمتهم، ومكانه من علم العربية معروف، صدر منه الإعتراف في كتابه " الكشاف " للشافعي: بالتقدم في علم العربية وإرتقائه في الفضل لدرجة العلية في تفسير قوله تعالى: " ذلك أدنى أن لا تعولوا ") النساء: ١٣، (وذكر فيه الوجوه المروية عن الشافعي، ثم بين وجه تصحيحها، ثم قال: وكلام مثل الشافعي من أعلام العلم وأئمة الشرع ورؤوس المجتهدين حقيق بأن يحمل على الصحة والسداد. قال: كفى بكتابنا المترجم " كتاب شافي العي من كلام الشافعي " شاهداً بأنه كان أعلى كعباً أطول باعاً في كلام العرب من أن يخفى عليه مثل هذا. قلت: يعى في قول الشافعي معناه: يكثر عيالكم، وقول المفسرين معناه، تعيلوا وتجوروا، وإنه يقال: أعال، لا عال، إذا أريد كثرة العيال. قيل: إلا أن يحمل على العقبى، لأن المعيل قد يعول. وأنشد بعضهم على قول المفسرين: وميزان حق لا يعول شعيره ... ووزان صدق، وزنه غير عائل وأنشد أيضاً على قول الشافعي: وإن الموت يأخذ كل حي ... بلا شك وإن أثرى وعالاً وقال الأصمعي: قرأت شعر الشنفري " بفتح الشين المعجمة وسكون النون وفتح الفاء والراء " الأزدي على محمد بن إدريس الشافعي. وقال المازني: قول محمد بن إدريس حجة في اللغة، وذكر نحوه عن ثعلب

стр. 364

والأزهري، ولما استدعى به هارون الرشيد قال: بعد قصص كثيرة: ما علمك بكتاب الله؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن علوم القرآن كثيرة، أفتسألني عن محكمه ومتشابهه؟. أو عن تقديمه وتأخيره؟ أو عن ناسخه ومنسوخه. أو عما ثبت حكمه وارتفعت تلاوته. أو عن عكس ذلك. أو عما ضرب الله به مثلاً. أو عن ما جعله الله اعتباراً؟ . أو عن أخباره، أو عن أحكامه، أو عن مكية ومدنية؟. أو عن ليلية ونهارية؟ أو عن سفرية وحضرية؟. أو عن تنسيق رصفه أو تسوية سوره؟. أو نظائره أو إعرابه؟. أو وجوه قراءته أو حروفه؟ أو معاني لغاته أو عدد آياته؟. قال الراوي: فما زال الشافعي يعدد هذه حتى عدد ثلاثة وسبعين نوعاً من أنواع علوم القرآن. قال هارون: لقد أوعيت من القرآن علماً عظيماً، فقال: المحنة على الرجل كالنار على الذهب. وكذلك سأله عن السنة، فأجابه أنه يعرف منها ما خرج على وجه الإيجاب، وعلى وجه الخطر، وعلى وجه الخصوص، وعلى وجه العموم، وما خرج جواب سائل، وما خرج لإزدحام العلوم في صدره ﵌، وما فعله فاقتدى به غيره، وما خص به ﵌ فقال الرشيد أجدت ووضعت كل قسم في مكانه، فقال: ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، فقال: كيف بصرك بالعربية؟ فقال: هي مبدأنا طباعنا وألسنتنا، فقال: كيف معرفتك بالشعر. فقال: إني لأعرف الجاهلي منه والمخضرم والمحدث وطويله ومديده وكامله وسريعه ومجتثه ومنسرحة وخفيفه ورجزه وهزجه ومتقاربه وغزله وحكمته، وكذلك سأله عن الطب، فأجابه بأنه يعرف ما قاله علماؤه، وعددهم وغير ذلك من العلوم. وكان شيوخ مكة يصفون الشافعي من أول صغره بالذكاء والعقل والصيانة، ويقولون: لم يعرف له صبوة. وقال الشافعي: قدمت على مالك بن أنس، وقد حفظت الموطأ، فقال لي: أحضر من يقرأ لك، فقلت: أنا القارىء، فقرأت عليه الموطأ حفظاً، فقال: إن يك أحد يفلح، فهذا الغلام. وروى الإمام أبو نعيم الأصفهاني أنه قال ﵌: " لا تؤموا قريشاً، وأتموا بها الحديث "، قال فيه فإن عالم قريش يملأ طباق الأرض علماً، وكان سفيان بن عيينة إذا جاء شيء من التفسير أو من الفتيا، التفت إلى الشافعي فقال: سلوا هذا. وقال الحميدي: سمعت مسلم بن خالد الزنجي، يعني شيخ الشافعي يقول للشافعي: أفت يا أبا عبد الله، فقد والله لآن لك أن تفتي. وهو إذاك ابن. خمس عشرة سنة.

стр. 365

وقال محفوظ بن أبي توبة البغدادي: رأيت الإمام أحمد عند الإمام الشافعي في لمسجد الحرام، فقلت: يا أبا عبد الله، هذا سفيان بن عيينة في ناحية المسجد يحدث، قال: إن هذا يفوت، وذلك لا يفوت. وقال أبو حسان الزيادي: ما رأيت محمد بن الحسن يعظم أحداً من أهل العلم تعظيمه للشافعي. وقال الشافعي: رأيت النبي ﵌، فقال لي: يا غلام، من أنت. قلت: من رهطك يا رسول الله، فقال: ادن مني، فدنوت منه، فأخذ من ريقه المبارك، فتحت فمي، فأمر من ريقه على لساني وفمي وشفتي، وقال: امض، بارك الله فيك. قال: ورأيت علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في النوم أيضاً، فسلم، فصافحني، وخلع خاتمه وجعله في إصبعي، وكان لي عم، ففسرها لي فقال: أما مصافحتك لعلي فهو أمان من العذاب، وأما خلعه خاتمه وجعله في أصبعك، فسيبلغ اسمك ما بلغ اسم علي في المشرق والمغرب. قلت: ومن التحدث بنعم الله، مما يقرب من مناسبته، هذا ما رأيت، والحمد لله، كأني أطوف بالكعبة، ومعي الملك الناصر، وفي إصبعي خاتم علي، فعسى أن يكون تأويلها إن شاء الله تعالى البركة والهدى والنصر والعلو في الدين. وكذلك رأيت النبي ﵌، مراراً عديدة، دعا لي في بعضها، وفي بعضها أعطاني من ثمار الفاكهة الخضراء، وفي بعضها شكوت عليه شيئاً بلسان الحال، فتبسم وقال: أنا ظهرك، وأنا سندك، وسماني شيخاً وإماماً وفقيهاً، وأكلت من طبق رطب بين يديه، وحرص بعض الأخيار على حضور مجلس، وحملني ﵌، فوضعني على منبر، وأركبت فرساً، وحملت الغاشية بين يدي. رأى كل هذا لي جماعة من الأولياء السادات. ورأيت بعضه، ورأى بعضهم أني جالس على سجادة بيضاء مفروشة تجاه وجهه صلى الله عليه وآله وسلم وناس من خلفي، والحمد لله على جميع الآلاء والأفضال، وعلى كل، حال من الأحوال. رجعنا إلى ذكر الإمام الشافعي ﵁ وذكر غير واحد من الأئمة ما تقدم من إن الشافعي أول من تكلم عن أصول الفقه، وهو الذي استنبطه، وأول من علل الحديث،

стр. 366

وكان حاذقاً في الرمي يصيب تسعة من عشرة، وروي عنه أنه قال: استعملت اللبان سنة للحفظ فأعقبني صب الدم. وقال يونس بن عبد الأعلى: لو جمعت أمة لوسعهم عقل الشافعي. وقال أبو ثور: من زعم أنه رأى مثل محمد بن إدريس في علمه وفصاحته ومعرفته وثباته وتمكنه فقد كذب، كان منقطع القرين في حياته، فلما مضى لسبيله لم يعتض منه. وقال الإمام أحمد: ما أحد ممن بيده محبرة أو ورق إلا وللشافعي في رقبته منة. وقال الزعفراني: كان أصحاب الحديث رقوداً، حتى جاء الشافعي، فأيقظهم، فتيقظوا، وفضائله أكثر من أن تعد، ومناقبه أجل من أن تحد فقد صنف الأئمة الجلة كالبيهقي وفخر الدين الرازي وداود الظاهري وغيرهم من العلماء فيها تصانيف قيل: ثلاثاً عشر مصنفاً. وقد ذكرت نبذة مختصرة من مناقبه، وما جرى له في العراق من المناظرات وغيرها بحضرة الرشيد، وتصنيف كتبه المشتملة على قوله القديم في العراق وفي مصر المشتملة على فتيا " القول الجديد الموسوم بمنهل الفهوم " المروي من صدى الجهل المذموم في شر ألسنة العلوم، عند ذكر المراجعة في فن البديع بقولي: فقلت لها: ما العلم. قالت: دراية ... وما ذاك في محض الروايات مسمعاً وما الفقه؟. قالت: وصفا الفهم، ليس في ... مجرد ثقل صادق من له وعى ويكفيك قول المصطفى، رب حامل ... دليلاً إذا ما فيه نودي: وتوزع وعرف صلاح علم أحكام شرعنا ... بكسب وتفصيل الدليل تفرع ومن جهة الإجمال علم أصوله ... دعا الله خيراً ذلك النهج أبدعا إمام الهدى السامي على أو براعة ... ونور الوجود الباهج المتشعشعا وبحر العلوم الزاخر الطامي الخضم ... تاج العلى الراقي المقام المرفعا فتى نجل إدريس الرضا لأئمة ... بدور الدياجي قدوة الدين متبعا فضائله تزهو الوجود بحسنها ... بها سارت الركبان غرباً ومطلعا وما لخصال المدح في ذكر بعضها ... مجال نعتها الكتب، ضاقت لها وعا إلى ذكره أتجر الكلام، ولم أرم ... مناقب ذي العلياء أمدح متبعا ترى هل حصاني حين أرخى عنانه ... عتيقاً جواداً شافع السر سلفعا ترى قاطعاً في شاوة من مساحة ... تطول لفضل الشافعي القطب إصبعا كذاك بإسناد صحيح مقطب ... له قبل ما ناعى منيته نعى

стр. 367

عن الشاذلي المشهور شيخ زمانه ... إمام الهدى القطب الرضي المتورعا وأيضاً من الأوتاد من قبل ذا إلى ... شهير روايات عن الخضر مسمعا عليه سلام الله أكرم سيد ... حضيض اصطفى في قلبه السر أودعا ومولده: سنة خمسين ومائة، وقد قيل أنه ولد في اليوم الذي توفي فيه الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه. قلت: وبيننا وبين الحنفية مقاولة على سمبيل المزاح، فهم يقولون إمامكم كان مخفياً حتى ذهب إمامنا، ونحن نقول: لما ظهر إمامنا هرب إمامكم. وكان مولده رضي الله تعالى عنه في بلاد غزة، وقيل بعسقلان، وقيل باليمن، والأول أصح. وحمل إلى مكة وهو ابن سنتين، ونشأ بها وقرأ القران الكريم. وحديث رحلته مشهور فلا نطول بذكره، وقدم بغداد، فأقام بها سنتين، وصنف بها كتبه القديمة، ووقع بينه وبين محمد بن الحسن مناظرات كثيرة، وبارتفاع شأن الشافعي عند هارون الرشيد شهير، وقد أوضحت ذلك في غير هذا الكتاب. وذكر بعضهم: أنه لما ظهر عليه الإمام الشافعي في بعض مناظراته، أمر الرشيد الشافعي بجر رجل محمد بن الحسن، فأخذ الشافعي عند ذلك يمدح محمد بن الحسن، ويقول: يا أمير المؤمنين، ما رأيت سمينا أفقه منه، فخلع الخليفة عليهما، وحمل كل واحد منهما على مركوب، وأمر للإمام الشافعي بخمسين ألف درهم، فما وصل الشافعي بيته، حتى تصدق بجميع ذلك، ووصل به الناس. ثم رجع إلى مكة، ثم عاد إلى بغداد، فأقام بها شهراً ثم خرج إلى مصر، وصنف بها كتبه الجديدة، ولم يزل بها إلى أن توفي في اليوم الجمعة آخر يوم من رجب، ودفن بعد العصر من يومه بالقرافة الكبرى، وقبره يزار بها، وعليه ضربت قبة عظيمة. قال: الربيع المزادي: رأيت هلال شعبان وأنا راجع من جنازته، قال: ورأيت في المنام قبل موت الشافعي بأيام، كأن آدم ﵌ مات، والناس يريدون أن يخرجوا بجنازته، فلما أصبحت سألت بعض أهل العلم عن ذلك، فقال: هذا موت أعلم أهل الأرض، لأن الله تعالى علم آدم الأسماء كلها، فما كان إلا يسيراً، حتى مات الشافعي ﵀ عليه.

стр. 368

قال: ورأيته بعد موته في المنام، فقلت له: يا أبا عبد الله، ما صنع الله بك. فقال: أجلسني على كرسي من ذهب، ونثر علي اللؤلؤ الرطب. وقال شيخنا الكبير العارف بالله الخبير نور الدين علي بن عبد الله المعروف بالطواشي نسباً، الشافعي ثم الصوفي مذهباً، قدس الله روحه: رأيت الشافعي رضي الله تعالى عنه تحت سدرة المنتهى، وأشك، هل ذلك في المتام. أو في حال ورد عليه. وقد اتفق العله قاطبة من أهل الفقه والحديث والأصول واللغة والنحو وغير ذلك على جلالته وبراء وفضيلته وإمامته وتقواه وديانته وورعه وزهادته وجوده وسماحته ومروؤته ونزاهته وحسن سيرته ولطافته. وله من الأشعار ما يخرج عن حيز الإنحصار، وقد ذكرت شيئاً من ذلك كتابي المذكور قريباً، ومن القول المنسوب إليه: بقدر الكد تكتب المعالى ... ومن رام العلى سهر الليالي وقوله: تغرب عن الأوطان في طلب العلى ... وسافر، ففي الأسفار خمس فوائد تفرج هم، واكتساب معيشة ... علم وآداب وصحبة ماجد وقوله: أخي، لن تنال العلم إلا بستة ... سأنبيك عن مكنونها بيان ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة ... وإرشاد أستاذ وطول زمان ولما مات رثاه خلق كثير بمرات كثيرة. من ذلك قول بعض أئمة اللغة وهو ابن دريد: ألم تر آثار ابن إدريس بعده ... دلائلها في المشكلات لوامع معالم يفنى الدهر وهي خوالد ... وتنخفض الأعلام وهي قوارع مناهج فيها للورى متصرف ... موارد فيها للرشاد شرائع ظواهرها حكم ومستنبطاتها ... لما حكم التفريق فيها، جوامع ترى ابن إدريس ابن عم محمد ... ضياء إذا ما أظلم الخطب ساطع إذا المعضلات المشكلات تشابهت ... سما منه نور في دجاهن لامع وقول نفطويه: مثل الشافعي في العلماء مثل البدر في نجوم السماء. قلت: وذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ﵀ أن الإمام الورع الزاهد أبا جعفر محمد بن أحمد الترمذي رحمه الله تعالى، رأى النبي ﵌ في المنام المدينة في مسجده ﵌ عام حج، فسأله عمن يأخذ بقوله من أئمة

стр. 369

المذاهب، في كلام طويل قال في آخره: قلت: فأخذ يقول: الشافعي، قال ما هو له، يقول: إنه أخذ بسنتي ورد على من خالفها. فكذلك ذكر الإمام الشيخ أبو إسحاق أيضاً في الطبقات، عن الإمام أبي عبد الله محمد بن نصر المروزي، أنه كان قاعداً في مسجد رسول الله ﵌، فأغفى إغفاءة، فرأى النبي ﵌، فسأله عمن يأخذ بقوله كما تقدم، فعد إماماً بعد أمام، حتى جاء إلى الإمام الشافعي، قال: فقلت كتب رأي الشافعي؟ ، فطأطأ ﵌ رأسه. شبه الغضبان، وقال: تقول رأي ليس بالرأي، وهو رد على من خالف سنتي. وشيوخ الشافعي الذين أخذ عنهم جماعة منهم: مسلم بن خالد الزنجي وسفيان بن عيينة، كلاهما في مكة، ومالك بن أنس في المدينة. وأما أصحابه الذين أخذوا عنه، فمنهم الذين رووا كتبه القديمه في العراق، وهم جماعة منهم: الإمام أحمد بن حنبل، والزعفراني والكرابيسي وأبو ثور، ومنهم الذين رووا كتبه الجديدة بمصر وهم جماعة أيضاً، منهم المزني والبويطي وحرملة وابن عبد الأعلى وابن عبد الحكم، والربيعان المرادي، والحيري. ثم رجع ابن عبد الحكم بعد موت الشافعي إلى مذهب أبيه، وكان مالكياً، قيل: إنما فعل ذلك لما عدل الشافعي عن استخلافه وتقديمه في حلقته بعد موته، وقد كان استشرف بها إلى يعقوب البويطي، فإن الشافعي سئل: من يخلفك؟ فقال: سبحان الله، أيشك في هذا؟ يخلفني أبو يعقوب البويطي، فراعى الشافعي النصيحة والمصلحة محافظة على الدين، ولم يمل عن ذلك إلى محمد بن عبد الحكم مع كونه محبباً ومحسناً إليه. وفي السنة المذكورة توفي فقيه الديار المصرية أشهب بن عبد العزيز العامري، صاحب الأمام مالك، وكان ذا مال وحشمة وجلالة. قال الشافعي: ما أخرجت مصر أفقه من أشهب، لولا طيش فيها، وذكروا أن المناقشة كانت بينه وبين ابن القاسم، وانتهت الرئاسة بمصر، بعد ابن القاسم. وقال ابن عبد الحكم: سمعت أشهب يدعو على الشافعي بالموت، فذكر ذلك للشافعي فقال متمثلاً: تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تزود بأخرى غيرها، وكأن قد.. قال: فلما مات الشافعي، اشترى أشهب من تركته عبداً، ثم مات أشهب، فاشتريت أنا ذلك العبد، وذكروا أنه كان موت أشهب بعد الشافعي بشهر وقيل بثمانية عشر يوماً.

стр. 370

وفيها: توفي الإمام أبو علي الحسن بن زياد اللؤلؤي قاضي الكوفة صاحب أبي حنيفة ﵄، وكان يقول: كتبت عن ابن جريج اثني عشر ألف حديث وكان رأساً في الفقه. وفيها: توفي الإمام أبو داود الطيالسي سليمان بن داود البصري الحافظ صاحب المسند، وكان يسرد من حفظه ثلاثين ألف حديث. وفيها: توفي شجاع بن الوليد أبو بدر السكوني الكوفي، كان من صلحاء المحدثين وعلمائهم. وفيها: وقيل في سنة ست توفي هشام بن محمد بن السائب الحلبي الأخباري النسابة، صاحب كتاب الجمهرة في النسب، وكان حافظاً علامة، إلا أنه متروك الحديث عند المحدثين، قيل فيه رفض، وتصانيفه تزيد على مائة وخمسين تصنيفاً في التاريخ والأخبار، وأحسنها وأنفعها كتاب الجمهرة في معرفة الأنساب، لم يصنف في بابه مثله. خمس ومائتين توفي فيها أبو محمد روح بن عبادة القيسي البصري الحافظ. وفيها توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبو سليمان الداراني العنسي بالنون بعد العين كان كبير الشأن، وله كلام رفيع معتبر في التصوف والمواعظ والعبر. ومن كلامه من أحسن في نهاره كوفىء في ليله، ومن أحسن في ليله كوفىء في نهاره، ومن صدق في ترك شهوة، ذهب الله سبحانه بها من قلبه، والله أكرم من أن يعذب قلباً بشهوة تركت له، وأفضل الأعمال خلاف هوى النفس. وقال رضي الله تعالى عنه: نمت ليلة عن وردي، فإذا الحوراء تقول: أتنام وأنا أربى لك في الخيام منذ خمسمائة عام؟ والداراني نسبة إلى داريا بتشديد الياء وفتح الراء في أوله دال مهملة وهي قرية بغوطة دمشق، والنسبة إليها على هذه الصورة شافة والعنسي نسبة إلى عنس بن مالك، رجل من مذحج، قلت: وللشيخ أبي سليمان كرامات وحكايات عجيبات، ذكرت شيئاً منها في كتاب " روض الرياحين في حكايات الصالحين ". وفي السنة المذكورة توفي محمد بن عبيد الطنافسي الكوفي الحافظ، وفيها توفي

стр. 371

قارىء أهل البصرة يعقوب بن إسحاق الحضرمي مولاهم المقرىء النحوي، أحد الأعلام من أهل بيت العلم والفقه المقرىء الثامن، له من القراءات رواية مشهورة، أخذ عنه جماعة من حرمين والعراقين والشام وغيرهم، وأخذ هو القراءة عوضاً عن سلام بن سليمان، ومهدي بن ميمون، وأبي الأشهب العطار وغيرهم، وروى عن حمزة حروفاً، لحروف من أبي الحسن الكسائي، وسمع من جده زيد بن عبد الله وشعبة. أما إسناده في القراءة إلى رسول الله ﵌، فإنه قرأ على سلام المذكور، وقرأ سلام على عاصم، وعاصم على أبي عبد الرحمن السلمي، وأبو عبد الرحمن كرم الله وجهه، وعلي على رسول الله ﵌. روى القراءة عن يعقوب المذكور عرضاً جماعة منهم: روح بن عبد المؤمن، بن المتوكل، وأبو حاتم السجستاني وغيرهم، وسمع منه الزعفراني، واقتدى به في عامة البصريين بعد أبي عمرو بن العلاء، فهم وأكثرهم على مذهبه، وقال أبو حاتم السجستاني: كان يعقوب الحضرمي أعلم من أدركنا، ورأينا بالحروف والإختلاف في القرآن وتعليله ومذاهبه ومذاهب النحويين في القرآن الكريم، وله كتاب سماه " الجامع " جمع فيه عامة اختلاف وجوه القراءات، ونسب كل حرف إلى من قرأ به، وبالجملة فإنه كان، البصرة في عصره في القراءة. ست ومائتين فيها استعمل المأمون على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي، فوليها مدة طويلة، وهو الذي امتحن الناس بخلق القرآن في أيام المأمون والمعتصم والواثق. وفيها توفي أبو علي محمد بن المستنير النحوي اللغوي البصري المعروف بقطرب، أخذ الأدب عن سيبويه وجماعة من العلماء البصريين، وكان حريصاً على الإشتغال وكان يبكر إلى سيبويه قبل حضور أحد من التلامذة، فقال له يوماً: ما أنت إلا قطرب، فبقى عليه هذا اللقب، وقطرب: اسم دويبة لا تزال تدب، ولا تفتر، وهو بضم الراء وسكون الطاء المهملة بينهما، وكان من أئمة عصره. من التصانيف: " كتاب فعاني القران "، و " كتاب الإشتقاق "، و " كتاب القوافي "، " كتاب النوادر "، و " كتاب الأزمنة "، و " كتاب الأصوات "، و " كتاب الصفات "، و " كتاب النحو "، و " كتاب الأضداد "، و " كتاب خفق الفرس "، و " كتاب خلق الإنسان "، " كتاب غريب الحديث "، و " كتاب الثمر "، و " كتاب فعل وأفعل "، و " كتاب الرد على الملحدين في متشابه القرآن " وغير ذلك، قيل: وهو أول من وضع المثلث في اللغة، وكتابه

стр. 372

وإن كان صغيراً فله فضيلة السبق، وبه اقتدى عبد الله ابن السيد البطليوسي، وكتابه كبير، وهناك مثلث آخر للخطيب أبي زكريا التبريزي، وهو كبير أيضاً اقتصر فيه على ما قيل، وكان قطرب معلم أولاد أبي دلف العجلي. وفي السنة المذكورة توفي العباس بن وهب الأزدي البصري الحافظ. وفيها توفي السيد الجليل الإمام الحفيل أبو خالد يزيد بن هارون الواسطي الحافظ، وروى عن عاصم الأحول والكبار، قيل: هو أحفظ من وكيع وعنه أنه قال: أحفظ أربعة وعشرين ألف حديث بأسنادها، ولا فخر، وقيل: إنه كان يحضر في مجلسه سبعون ألفاً. وفيها وقيل في التي بعدها توفي الهيثم بن عدي الطائي، وكان راوية أخبارياً، نقل من كلام العرب وعلومها وأشعارها ولغاتها الكثير، وله عدة تصانيف، واختص بمجالسة المنصور والمهدي والهادي والرشيد، وروى عنهم. قال الهيثم: قال لي المهدي: ويحك يا هيثم، إن الناس يخبرون عن الأعراب سخاء ولؤماً وكرماً وسماحاً، وقد اختلفوا في ذلك، فما عندك؟ قال: فقلت: على الخبير سقطت، خرجت من عند أهلي أريد ديار فرائد لي، ومعي ناقة أركبها، إذ ندت، فذهبت، فجعلت أتبعها حتى أمسيت فأدركتها، ونظرت فإذا خيمة أعرابي فأتيتها، فقالت رتة الخباء، من أنت. فقلت: ضيف، فقالت: وما يصنع الضيف عندنا. إن الصحراء لواسعة، ثم قامت إلى بر وطحنته وخبزته، ثم عجنته، ثم قعدت فأكلت، ولم ألبث أن أقبل زوجها، ومعه لبن، فسقم ثم قال: من الرجل؟ فقلت: ضيف، فقال: حياك الله، ثم قال: يا فلانة، ما أطعمت ضيفك شيئا؟ فقالت: نعم، فدخل الخباء، وملأ قعباً من لبن، ثم أتاني به، فقال اشرب فشربت شراباً هنياً، فقال: ما أراك أكلت شيئاً. وما أراها أطعمتك، فقلت: لا والله، فدخل عليها مغضباً، فقال: ويلك، أكلت وتركت ضيفك؟ قالت: ما أصنع به؟ أطعمه طعامي. وأخزاها الكلام حتى شجها، ثم أخذ شفرة، وخرج إلى ناقة، فنحرها. فقلت: ما صنعت عافاك الله. قال: لا والله ما يبيت ضيفي جائعاً، ثم جمع حطباً وأجج ناراً وأقبل يكبب ويطعمني، ويأكل ويلقي إليها، ويقول: كلي لا أطعمك الله حتى إذا أصبح، تركني ومضى، فقعدت مغموماً، فلما تعالى النهار أقبل، ومعه بعير ما يسأم الناظر، أن ينظر إليه، فقال: هذا مكان ناقتك، ثم زودني من ذلك اللحم، ومما حضره، فخرجت من عنده، فضمني الليل إلى خباء، فسلمت، فردت صاحبة الخباء السلام، وقالت: من الرجل؟ فقلت: ضيف،

стр. 373

فقالت: مرحبا بك، حياك الله، وعافاك الله، فنزلت، ثم عمدت إلى بر وطحنته وعجنته، ثم خبزته، ثم نبضته قبضة روتها بالزبد واللبن، ثم وضعتها بين يدي وقالت: كل ذا غدر، فلم، أن أقبل أعرابي كريه الوجه، فسلم، فرددت ﵇، فقال: من الرجل. فقلت: ضيف، فقال: وما يصنع الضيف عندنا؟ ثم دخل إلى أهله فقال: أين طعامي. فقالت: أطعمته الضيف، فقال: أتطعمين طعامي الأضياف؟. فتحاربا الكلام، فرفع عصاه، وضرب رأسها فشجها، فجعلت أضحك، فخرج إلي وقال: ما يضحكك. فقلت: خير، فقال: والله لتخبرني، فأخبرته بقصة المرأة والرجل اللذين نزلت عليهما قبله، فأقبل علي وقال: إن هذه التي عندي، أخت ذلك الرجل، وتلك التي عنده أختي، فبت متعجباً وانصرفت. وحكى الهيثم أيضاً قال: صار سيف عمرو بن معد يكرب الزبيدي الذي كان يسمى الصمصامة، إلى " موسى الهادي " فجرد الصمصامة وجعله بين يديه، وأذن للشعراء، فدخلوا عليه، ودعا بمكتل فيه بدرة، وقال: قولوا في هذا السيف، فبدر ابن يامين البصري، وأنشد: حاز صمصامة الزبيدي عمرو ... من بين جميع الأنام موسى الأمين سيف عمرو، وكان فيما سمعنا ... خير ما أغمدت عليه الجفون أخضر اللون بين خديه برد ... من دباج، يمس فيه المنون أوقدت فوقه الصواعق ناراً ... ثم شابت به الذعاف المنون فإذا سللته بهر الشمس ... ضياء فلم تكد تستبين ما يبالي من انتضاه لضرب ... أشمال سطت به أم يمين؟. وكأن الفرند والجوهر الجا ... ري في صفحته ماء معين مع أبيات أخرى، فقال الهادي: أصبت والله ما في نفسي، واستخفه السرور، فأمر له كتل والسيف، فلما خرج، قال للشعراء: شأنكم بالمكتل، ففي السيف عناني، قال في مروج الذهب: فاشتراه الهادي منه بخمسين ألفاً. سبع ومائتين فيها توفي طاهر بن الحسين الخزاعي وقيل: مولاهم الملقب ذا اليمينين، كان من أعوان المأمون، فسيره إلى محاربة أخيه الأمين من خراسان، لما خلع الأمين بيعته، تقدم ذكر ذلك، وما جرى له في كسر الجيش الذي سيره الأمين مع علي بن عيسى بن ماهان وأخذه بغداد وقتله للأمين، وكان المأمون يرعى له خدمته ومناصحته، وكان أديباً

стр. 374

شجاعاً جواداً، ركب يوماً ببغداد في حراقته، فاعترضه مقدس بن صيفي الشاعر فقال: أيها الأمير، إن رأيت أن تسمع مني أبياتاً، فقال: قل، فأنشد يقول: عجبت لحراقة ابن الحسين ... لا غرقت كيف لا تغرق وبحران: من فوقها واحد ... وآخر من تحتها مطبق وأعجب من ذاك أعوادها ... وقد مسها، كيف لا تورق فقال طاهر: أعطوه ثلاثة آلاف درهم على هذه الثلاثة الأبيات، وقال: قولوا له: في زدنا حتى نزيدك، فقال: حسبي، وتواعد طاهر المذكور بالقتل الكاتب خالد بن جيلويه بالجيم والمثناة من تحت مكررة بعد الواو على وزن حمدويه فبذل له خالد من المال شيئاً كثيراً، فلم يقبل منه، فقال خالد قلت شيئاً فأسمعه، ثم شأنك وما أردت، فقال طاهر وكان يعجبه الشعر قل فأنشده: زعموا بأن الصقر صادف مرة ... عصفور بر ساقه المقدور فتكلم العصور فوق جناحه ... والصقر منقض عليه يطير ما كنت يا هذا لمثلك لقمة ... ولئن سويت فإني لحقير فتهاون الصقر المذل بصيده ... كرماً فأفلت ذلك العصفور فقال طاهر أحسنت وعفا عنه. قلت: هذه الأبيات قد ذكرها بعضهم في قضية جرت لإنسان مع هشام بن عبد الملك، فأنشده إياها لما تهدده بالقتل، وقد تقدم ذكرها في ترجمة هشام مع اختلاف في ألفاظ يسيرة من هذه الأبيات. ويحكى أن إسماعيل بن جرير البجلي، كان مداحاً لطاهر المذكور، فقيل له: إنه يسرق الشعر ويمدحك به، فأراد أن يمتحنه في ذلك، وكان طاهر بفرد عين، فأمره أن يهجوه، فامتنع، فألزمه ذلك، فكتب إليه: رأيتك لا ترى إلا بعين ... وعينك لا ترى إلا قليلاً فأما إذا أصبت بفرد عين ... فخذ من عينك الأخرى كفيلاً فقد أيقنت أنك عن قريب ... بظهرالكف تلتمس السبيلا فلما وقف عليه قال له: احفر أن ينشد هذا أحد، ومزق الورقة، وأخبار طاهر كثيرة، وسيأتي ذكر ولده عبد الله في سنة ثلاثين، وولد ولده في سنة ثلاث مائة. وحكي: أنه دخل طاهر على المأمون في، فقضاها وبكي، فقال له طاهر: يا

стр. 375

أمير المؤمنين، لم تبكي، لا أبكى الله عينك وقد دانت لك الدنيا وبلغت الأماني؟ فقال: كي لا عن ذل ولا حزن، ولكن لا تخلو نفسي عن شجن، فاغتنم طاهر وقال لحسين الخادم، حب المأمون في خلواته: أريد أن تسأل أمير المؤمنين عن موجب بكائه لما رآني، ثم أنفذ طاهر للخادم المذكور مائتي ألف درهم. فلما كان في بعض خلوات المأمون، سأله عن ذلك فقال: مالك ولهذا؟ ويلك، فقال: غمني بكاؤك، فقال: هو أمر إن خرج من رأسك أخذته، فقال: يا سيدي، ومتى أبحت لك سراً؟ فقال: إني ذكرت أخي محمداً وما ناله من الزلة، فخنقتني العبرة، ولن يفوت طاهراً مني ما يكره، فأخبر الخادم طاهراً بذلك، فركب طاهر إلى أحمد بن خالد، فقال له: إن الثناء مني ليس برخيص، وإن المعروف عندي ليس بضائع، فغيبني عن المأمون، فقال: مه، سأفعل، فبكر إلى غداء، وركب ابن خالد إلى المأمون فقال: لم أنم البارحة، فقال: ولم. قال: لأنك وليت خراسان غساناً وهو من أكلة رأس، وأخاف أن يصطلمه مصطلم، قال: فمن ترى. قال: طاهراً، فقال: هو جائع، قال: أنا ضامن له، فدعا به المأمون، وعقد له على خراسان، وأهدى له خادماً كان رباه، مره إن رأى ما يريبه أن يسمه، فلما تمكن طاهر من ولاية خراسان، قطع الخطبة للمأمون يوم الجمعة، فأصبح يوم السبت ميتاً، فقيل: إن الخادم سمه في كامخ، ثم إن المأمون استخلف ولد طاهر طلحة، وقيل: جعله بها نائباً لأخيه عبد الله بن طاهر، والله أعلم. وفيها توفي الواقدي أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد الأسلمي المدني العلامة قاضي بغداد، كان يقول: حفظي أكثر من كتبي، وكانت كتبه مائة وعشرين جملاً في وقت انتقل فيه، لكن أئمة الحديث ضعفوه، وكان إماماً عالماً صاحب تصانيف في المغازي لمجرها، ومنها " كتاب الرعة " ذكر فيه ارتداد العرب بعد وفاة النبي ﵌، حاربة الصحابة رضي الله تعالى عنهم بطلحة بن خويلد الأسدي، والأسود العنسي ومسيلمة الكذاب، وما أقص في الكتاب المذكور. سمع من ابن أبي ذئب، ومعمر بن راشد، ومالك بن أنس، والثوري وغيرهم، وروى عنه كاتبه محمد بن سعد الزهري وجماعة من الأعيان، وتولى القضاء بشرقي بغداد، وضعفوه في الحديث، وتكلموا فيه، وكان المأمون يكرم جانبه، ويبالغ في رعايته، فكتب إليه مرة يشكو ضائقة لحقته ودنيا ركبته يسبها، وعين مقداره في قضة، فرفع المأمون فيها بخطه: فيك خلتان، سخاء وحياء، فالسخاء أطلق يديك بتبذير ما ملكت، والحياء حملك أن ذكرت لنا بعض دينك، وقد أمرت لك بضيف ما سألت، فإن كنا قصرنا عن بلوغ حاجتك، فبجنايتك على نفسك، وإن كنا بلغنا بغيتك، فزد في بسط يدك، فإن خزائن الله

стр. 376

مفتوحه، ويده بالخير مبسوطه، وأنت حدثتني حين كنت على قضاء الرشيد أن النبي ﵌ قال للزبير: يا زبير: إن مفاتيح الرزق بإزاء العرش، ينزل الله سبحانه للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم، فمن كثر كثر له، ومن قلل قلل عنه، قال الواقدي وكنت نسيت الحديث، فكانت مذاكرته إياي أعجب إلي من صلته، وروى عنه بشر الحافي ﵁ أنه يكتب للحمى يوم السبت على ورقة زيتون، والكاتب على طهارة " جهنم غرثى "، وعلى ورقة أخرى " جهنم عطشى "، وعلى أخرى: " جهنم مقزورة "، ثم يجعل في خرقة وتشد في عضد المحموم الأيسر، قال الواقدي: جربته فوجدته نافعاً، هكذا نقل أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب أخبار بشر الحافي. وروى المسعودي في كتاب مروج الذهب أن الواقدي قال: كان لي صديقان، أحدهما هاشمي، وكنا كنفس واحدة، فنالتني ضائقة شديدة، فكتبت إلى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة علي، فوجه إلي كيساً مختوماً، ذكر أن فيه ألف درهم، فما استقر قراري حتى كتب إلي الصديق الآخر يشكو مثل ما شكوت إلى صديقي الهاشمي، فوتجهت إليه، الكيس بحاله، وخرجت إلى المسجد، فأقمت فيه ليلتي مستحياً عن امرأتي، فلما دخلت عليها استحسنت ما كان مني، ولم تعنفني عليه، وبينا أنا كذلك إذ وافاني صديقي الهاشمي ومعه الكيس كهيئته، فقال لي: أصدقني عما فعلته فيما وجهت به إليك، فعرفته الخبر على وجهه، فقال لي: إنك وجهت إلي وما أملك على الأرض إلا ما بعثت به إليك، فكتبت إلى صديقنا أسأله المواساة، فوجه كيسي بخاتمي. قال الواقدي: فيواسينا الألف فيما بيننا، فأخرجنا للمرأة مائة درهم قبل ذلك، ونما الخبر إلى المأمون، فدعاني فشرحت له الخبر، فأمر لنا بسبعة آلاف دينار، لكل واحد منا ألفا دينار، وللمرأة ألف دينار. وذكر الخطيب أيضاً هذه الحكاية في تاريخ بغداد مع اختلاف يسير بين الزوايتين. وفيها توفي الإمام البارع النحوي يحيى بن زياد الفراء الكوفي أجل أصحاب الكسائي، كان رأساً في النحو واللغة، أبرع الكوفيين وأعلمهم بفنون الأدب على ما ذكر بعض المؤرخين. وحكي عن أبي العباس ثعلب أنه قال: لولا الفراء لما كانت عربية، لأنه خلصها وضبطها، ولولاه لسقطت العربية، لأنها كانت تتنازع، ويدعيها كل واحد. أخذ الفراء النحو عن أبي الحسن الكسائي، وهو الأحمر من أشهر أصحابه وأخصهم به.

стр. 377

وحكي عن ثمامة بن الأشرس النميري المعتزلي وكان خصيصاً بالمأمون أنه صادف الفراء، على باب المأمون يروم الدخول عليه، قال: فرأيت أبهة أديب، فجلست إليه، ففاتشته عن اللغة، فوجدته بحراً، وفاتشته عن النحو، فشاهدته نسيج وحده، وعن الفقه فوجدته رجلاً فقيهاً عارفاً باختلاف القوم، وبالنجوم ماهراً، وبالطب خبيراً، وبأيام العرب وأشعارها حاذقاً، فقلت: من تكون؟. وما أظنك إلا الفراء؟. قال: أنا هو، فدخلت فأعلمت أمير المؤمنين المأمون، فأمر بإحضاره لوقته، وكان ذلك سبب إيصاله به. وقال قطرب: دخل الفراء على الرشيد، فتكلم بكلام لحن فيه مرات، فقال جعفر بن يحيى بن البرمكي: إنه قد لحن يا أمير المؤمنين، فقال الرشيد: أتلحن؟ فقال الفراء: يا أمير المؤمنين، إن طباع أهل البدو الأعراب، وطباع أهل الحضر اللحن، فإذا تحفظت لم ألحن، وإذا رجعت إلى الطبع لحنت، فاستحسن الرشيد قوله. قلت: وأيضاً فإن عادة المنتهين في النحو لا يتشدقون بالمحافظة على إعراب كل كلمه عند كل أحد، قد يتكلمون بالكلام الملحون تعمداً على جاري عادة الناس، وإنما يبالغ في النحو والتحفظ عن اللحن في سائر الأحوال، فالمبتدئون إظهاراً لمعرفتهم بالنحو وكذلك يكثرون البحث والتكلم بما هم مترسمون به من بعض فنون العلم، ويضرب لهم مثل في ذلك، فيقال، الإناء إذا كان ملآن كان عند حمله ساكناً، وإذا. كان ناقصاً اضطرب، وتخضخض بما فيه. وحكى الخطيب: أن المأمون أمر الفراء أن يؤلف ما يجمع أصول النحو، وما سمع من العربية، وأمر أن يفرد في حجرة من حجر الدار، وأن يوصل إليه كل ما يحتاج إليه،، فأخذ في جمع ذلك والوراقون يكتبون حتى فرغ من ذلك في سنتين، وسماه " كتاب الحدود " وأمر المأمون بكتبه في الخزائن، وبعد الفراغ خرج من ذلك إلى الناس، وابتدأ " بكتاب المعاني ". قال الراوي: فأردنا أن نعد الناس الذين اجتمعوا لإملاء كتاب المعاني، فلم يضبطهم عدد، فعددنا القضاة وكانوا ثمانين قاضياً، لم يزل يمليه إلى أن أتمه. ولما فرغ من " كتاب المعاني " خزنه الوراقون عن الناس ليكتبوا، وقالوا: لا نخرجه إلا من أراد أن ينسخه على خمس أوراق بدرهم، فشكا الناس إلى الفراء، فدعا الوراقين فقال لهم في ذلك، فقالوا: إنا صحبناك لننتفع بك، وكل ما صنفته فليس بالناس إليه من الحاجة، ما بهم إلى هذا الكتاب، فدعنا نعيش به، قال: فقاربوهم ينتفعوا وتنتفعوا، فأبوا عليه، فأراد أن ينشىء للناس كتاباً أحسن من ذلك، فجاء الورقون إليه، ورضوا بإن يكتبوا للناس كل

стр. 378

عشرة أوراق بدرهم، وقال لأصحابه: اجتمعوا حتى أملي عليكم كتاباً في القرآن، فلما حضروا أمر قارئاً أن يقرأ فاتحة الكتاب، فقرأها ففسرها حتى مر في القرآن كله على ذلك. وكتابه المذكور نحو ألف ورقة، وهو كتاب لم يعمل مثله. وكان المأمون قد وكله يلقن ابنيه النحو، فلما كان يوما أراد النهوض لبعض حوائجه، فابتدرا إلى نعليه، أيهما يسبق بتقديم النعلين إليه، فتنازعا ثم اصطلحا، على أن يقدم كل واحد منهما نعل إحدى رجليه، وكان للمأمون على كل شيء صاحب خبر برفع الخبر إليه، فأعلمه بذلك، فاستدعى بالفراء وقال له: من أعز الناس؟ قال ما أعز من أمير المؤمنين، قال: بلى، من إذا نهض يقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين، قال: يا أمير المؤمنين، لقد أردت منعهما عن ذلك، ولكن خشيت أن أدفعهما عن مكرمة سبقا إليها، أو كسر نفوسهما عن شريعة حرصًا عليها. وقد روي عن ابن عباس، أنه أمسك للحسن والحسير رضي الله تعالى عنهم ركابيهما حين خرجا من عنده، فقيل له في ذلك، فقال: لا يعرف الفضل إلا أهل الفضل، فقال المأمون لو منعتهما عن ذلك لأوجعتك لوماً وعتباً، وألزمتك ذنباً، وما وضع ما فعلاه من شرفهما، بل رفع من قدرهما، وبين عن جوهرهما، فليس يكسر الرجل وإن كان كبيراً عن ثلاث: عن تواضعه بسلطانه، ووالده ومعلمه، وقد عوضتهما مما فعلاه عشرين ألف دينار، ولك عشرة آلاف درهم على حسن أدبك لهما. وقال الخطيب: كان محمد بن الحسن الفقيه ابن خالة الفراء، فقال الفراء يوماً له، قل رجل أمعن النظر في باب من العلم، فأراد غيره، إلا سهل عليه، فقال له محمد: يا أبا زكريا، قد أمعنت النظر في العربية، فنسألك في باب من الفقه، فقال: هات على بركة الله، قال: ما تقول في رجل سها في السجود السهو؟ ففكر الفراء ساعة ثم قال: لا شيء عليه، فقال له: ولم؟ فقال: لأن المصغر لا يصغر ثانياً، وإنما السجدتان تمام الصلاة، فليس للتمام تمام، فقال محمد: ما ظننت آدمياً يلد مثلك. قلت: وهذه الحكاية مذكورة في ترجمة الكسائي، وإنه هو صاحب هذا الجواب، والله تعالى أعلم. وقال سلمة بن عاصم: إني لأعجب من الفراء، كيف كان يعظم الكسائي وهو أعلم بالنحو منه، وقال الفراء: أموت، وفي نفسي شيء من " حتى "، لأنها تخفض وترفع وتنصب، وله من التصانيف كتاب الحدود، وكتاب المعاني، وكتابان في المشكل، وكتاب اللغات، وكتاب المصادر في القرآن، وكتاب الوقف والإبتداء، وكتاب النوادر، وكتب أخرى. وقال سلمة بن عاصم: أملى الفراء كتبه كلها حفظاً، لم يأخذ بيده نسخة إلا في كتابين: كتاب ملازم وكتاب نافع، وإنما قيل له الفراء ولم يكن يعمل الفراء ولا يبيعها

стр. 379

لأنه كان يفري الكلام، ذكر ذلك الحافظ السمعاني في كتاب الأنساب. وذكر أبو عبيد الله المرزباني أن والد الفراء كان أقطع، لأنه حضر وقعة الحسين بن علي ﵄، فقطعت يده في تلك الحرب. ثمان ومائتين فيها توفي أبو عبد الله هارون بن علي بن يحيى بن أبى منصور المنجم البغدادي الأديب الفاضل، كان حافظاً راوية الأشعار، وحسن المنادمة، لطيف المجالسة، صنف " كتاب البارع " في أخبار الشعراء، والذي جمع فيه مائة وإحدى وستين شاعراً، وافتتحه بذكر بشار وختمه بمحمد بن عبد الملك بن صالح واختار في من شعر كل واحد عيوبه، وأثبت منها الزبد دون الزبد، إلى غير ذلك من الكتب. وفيها توفي سعيد بن عامر الضبعي البصري أحد الأعلام في العلم والعمل. وفيها توفي الأمير الفضل بن الربيع، صاحب الرشيد لما أراد أن يروم التشبه بهم ومعارضتهم، ولم يكن له من القدرة ما يدرك به اللحاق بهم، وكان في نفسه منهم أحناء وشحناء. ويحكى أن الفضل بن الربيع دخل يوماً على يحيى بن خالد البرمكي وقد جلس لقضاء حوائج الناس، وبين يديه ولده جعفر يوقع في القصص، فعرض عليه الفضل عشر رقاع للناس، فتعلل يحيى في كل رقعة بعلة، ولم يوقع في شيء منها البتة، فجمع الفضل الرقاع وقال: ارجعن خائبات خاسئات، ثم خرج وهو يقول: وعسى يثني الزمان عنانه ... بتصريف حال، والزمان عبور فتقضى لبانات وتسعى حسائف ... ويحدث من بعد الأمور أمور قوله حسائف: جمع حسيفة " بالحاء والسين المهملتين والفاء " وهي: الطفيفة. فسمعه يحيى، وهو ينشد ذلك، فقال له: عزمت عليك يا أبا العباس إلا رجعت، فرجع، فوقع له في جميع الرقع، ثم ما كان إلا قليلاً حتى نكبوا على يديه، وكان أبوه وزيراً للمنصور،

стр. 380

وتولى هو بعد البرامكه وزاره الرشيد، وفي ذلك يقول أبو نواس: ما دعى الدهر آل برمك لما ... أن رمى ملكهم بأمر فظيع إن دهراً لم يرع عهداً ليحيى ... غير راع ذمام آل ربيع ومات الرشيد، والفضل مستمر على وزارته، فكتب إليه أبو نواس يعزيه بالرشيد ويهنئة بولاية ولده الأمين: تعز أبا العباس عن خير هالك ... بأكرم حي كان، أو هو كائن حوادث أيام، يدور صروفها ... لهن مساوي مرة ومحاسن وفي الحي بالميت الذي غيب الثرى ... فلا أنت مغبون ولا الموت غابن وفي السنة المذكورة توفيت السيدة الكريمه صاحبة المناقب الجسيمة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، صاحبة المشهد الكبير المفخم الشهير بمصر، دخلت إليها مع زوجها إسحاق بن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه وعن الجميع، وقيل: بل مع أبيها الحسن، وكانت نفيسة من النساء الصالحات. ويروى أن الإمام الشافعي لما دخل مصر، حضر عندها، وسمع عنها الحديث، ولما توفي، أدخلت جنازته إليها، فصلت عليه في دارها، وكانت في موضع مشهدها اليوم، ولم تزل به إلى أن توفيت في شهر رمضان من السنة المذكورة، ولما ماتت عزم زوجها إسحاق بن جعفر على حملها إلى المدينة ليدفنها هناك، فسأله المصريون بقاءها عندهم، فدفنت في الموضع المعروف بها اليوم بين القاهرة ومصر، وكان يعرف ذلك المكان بدرب السباع، فخرب الدرب ولم يبق هناك سوى المشهد، وقبرها معروف مزور مشهور، قيل: الدعاء عنده مستجاب رضي الله تعالى عنها. قلت: وقد قصدت زيارة مشهدها، فوجدت عنده عالماً من الرجال والنسوان والصحاح والعميان، ووجدت الناظر جالساً على الكرسي، ققام لي، وأنا لا أعرفه، فمضيت للزيارة، ولم ألتفت إليه، ثم بلغني أنه عتب علي، فأجبته بما معناه: إني غير راغب في الميل إلى أولي الحشمة والمناصب. تسع ومائتين فيها توفي عثمان بن عمر بن فارس العبدي البصري الرجل الصالح ويعلى بن

стр. 381

عبيد الطنافسي، والحسن بن موسى الأشيب بالشين المعجمة وبعدها مثناة من تحت ثم وفي السنة المذكورة، وقيل في سنة إحدى عشرة، وقيل ثلاث عشرة، وقيل ست عشرة مائتين، توفي الإمام العلامة معمر بن المثنى التيمي، تيم قريش مولاهم أبو عبيدة. قال الحافظ: لم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلوم منه، وقال ابن قتيبة في العوارف: كان الغريب وأخبار العرب وأيامها أغلب عليه، وكان مع معرفته، ربما لم يقم لبيت من الشعر، بل يكسره، وذكر فيه أشياء مما تقدح فيه، قال: وكان يرى رأي الخوارج. وذكر غيره أن هارون الرشيد أقدمه من البصرة إلى بغداد سنة ثمان وثمانين ومائة، وقرأ عليه بها شيئاً من كتبه، وأسند الحديث إلى هشام بن عررة وغيره، وروى عن علي بن المغيرة، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو عثمان المازني، وأبو حاتم السجستاني، وعمر بن شعبة النميري وغيرهم، وقال أبو عبيدة: أرسل إلي الفضل بن الربيع إلى البصرة في الخروج إليه، فقدمت عليه، وكنت أخبر عن تحيره، فأذن لي، فدخلت عليه وهو في جلس طويل عريض، فيه بساط واحد قد ملىء وفي صدره فرش عالية لا يرتقى عليها إلا كرسي، وهو جالس على الفرش، فسلمت عليه بالوزارة، فرد وضحك إلي، واستدناني من فرشه، ثم سألني وبسطني وتلطف بي وقال: فأنشدني، فأنشدته من عيون أشعار جاهلية أحفظها، فقال: قد عرفت أكثر هذه، وأريد من مليح الشعر، فأنشدته، فطرب وضحك وزاد شاطاً، ثم دخل رجل في زي الكتاب، وله هيئة حسنة، فأجلسه إلى جانبي، وقال: أتعرف هذا؟ قلت: لا، فقال: هذا أبو عبيدة، علامة أهل البصرة، قدمنا لنستفيد من علمه، فدعا له لرجل، ثم التفت إلي وقال لي: كنت إليك مشتاقاً، وقد سألت عن مسألة، أفتأذن لي أن أعرفك إياها؟. قلت: هات، فقال: قال الله تعالى: " طلعها كأنه رؤوس الشياطين ":) الصافات: ٦٥، (وإنما وقع الوعد والإيعاد بما قد عرف، وهذا لم يعرف، قال، فقلت: إنما كلم الله العرب على قدر كلامهم، أما سمعت قول امرىء القيس: أتقتلني، والشر في مضاجعي ... ومسنونه زرق كأنياب أغوال وهم لم يروا الغول قط، ولكنه لما أمر الغول بهولهم أو عدوا به، فاستحسن الفضل والسائل في ذلك، وأزمعت منذ ذلك اليوم أن ضع كتاباً في القرآن لمثل هذا وأشباهه، وما يحتاج إليه من علمه، فلما رجعت إلى البصرة، عملت كتابي الذي سميته " المجاز "، وسألت عن الرجل، فقيل لي: هو من كتاب الوزير وجلسائه.

стр. 382

وبلغ أبا عبيدة أن الأصمعي يعيب عليه كتاب المجاز، وقال يتكلم في كتاب الله برأيه، فسأل عن مجلس الأصمعي، في أي يوم هو، فركب حماره في ذلك اليوم، ومر بحلقته، فنزل عن حماره وسلم عليه، وجلس عنده، وحادثه، ثم قال له: يا أبا سعيد ما تقول في الخبز، أي شيء هو. فقال: هو الذي نخبزه ونأكله، فقال أبو عبيدة: فقد فسرت كتاب الله برأيك، فإن الله تعالى قال حكاية " أحمل فوق رأسي خبزاً ") يوسف: ٣٦، (فقال الأصمعي: هذا شيء بان لي فقلته، ولم أفسر برأي، فقال أبو عبيدة، والذي تغيب علينا كله شيء بان لنا فقلناه، ولم نفسره برأينا، وقام يركب حماره وانصرف. وزعم الباهلي صاحب كتاب المعاني، أن طلبة العلم كانوا إذا أتوا مجلس الأصمعي، اشتروا البعر في سوق الدر، وإذا أتوا مجلس أبي عبيدة اشتروا الدر في سوق البعر، لأن الأصمعي كان حسن الإنشاد والزخرفة لردي الأخبار والأشعار، حتى يحسن عنده القبيح، والفائده عنده مع ذلك قليلة، وأن أبا عبيدة كان معه سوء عبارة مع فوائد كثيرة وعلوم جمة. قال المبرد: كان أبو زيد الأنصاري أعلم من الأصمعي وأبي عبيدة بالنحو، وكانا بعده يتقاربان. وكان أبو عبيدة كمل القوم، لا يحكي عن العرب إلا الشيء الصحيح، وحمل أبو عبيدة الأصمعي إلى مجلس هارون للمجالسة، فاختار الأصمعي لأنه كان أصلح للمنادمة. وقيل لأبي نواس: ما تقول في الأصمعي. فقال: بلبل في قفص، قيل: فما تقول في أبي عبيدة. قال: ذاك أديم وطغوى علم، قيل: فما تقول في خلف الأحمر؟ قال: جمع علوم الناس وفهمها. ولما قدم أبو عبيده على موسى بن عبد الرحمن الهلالي، وطعم من طعامه، صب بعض الغلمان على ذيله مرقة، فقال موسى: قد أصاب ثوبك مرق، وأنا أعطيك عوضه عشرة ثياب، فقال أبو عبيدة: لا عليك، فإن مرقكم لا يؤذي، أي: ما فيه دهن، ففطن لها موسى وسكت. وكان الأصمعي إذا أراد دخول المسجد قال: انظروا لا يكون فيه ذاك، يعني أبا عبيدة، خوفاً من لسانه، وقيل: كان مدخول النسب، مدخول الدين، يميل إلي مذهب الخوارج، وإلى بعض الأمور القبيحة والله أعلم، وكانت تصانيفه تقارب مائتي مصنف.

стр. 383

عشرة ومائتين في السنة المذكورة، كان بني المأمون ببوران بواسط، فقام بضعة عشر يوماً، فقام أبوها الحسن بن سهل فقام أمير المؤمنين بمصالح الجيش تلك الأيام، وغرم خمسين ألف ألف درهم، وكان العسكر خلقاً لا يحصى، فلم يكن فيهم من اشترى لنفسه ولا لدوائه حتى على الحمالين والمكارية والملاحين وكل من حضر في ذلك العسكر، فأمر له عند منصرفه بعشرة آلاف درهم، وكان عرساً لم يسمع بمثله في الدنيا، نثر فيه على الهاشميين والقواد والوجوه والكتاب بنادق مسك فيها رقاع بأسماء ضياع، وأسماء جوار ودواب وغير ذلك، وكل من وقع في حجره شيء منها ملك ما هو مكتوب فيها من هذه المذكورات، سواء كانت ضيعة أو فرساً أو جارية أو مملوكاً أو ملكاً أو غير ذلك، ثم نثر بعد ذلك على سائر الناس الدنانير والدراهم ونوافج المسك وبيض العنبر، وفرش للمأمون حصير منسوج بالذهب، فلقا وقف عليه نثرت على قدميه لالىء كثيرة، فلقا رأى تساقط اللآلىء المختلفة على الحصير المنسوج بالذهب، قال: قاتل الله أبا نواس كأنه شاهد هذه الحالة حين قال في صفة الخمر والحباب الذي تعلوها عند المزج: كأن صغرى وكبرى من مواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب وقد غلطوا أبا نواس في هذا البيت المذكور لكونه ذكر فعلي أفعل التفضيل من غير إضافة ولا تعريف. ثم إن المأمون أطلق له خراج فارس والأهواز مئة سنة وقالت الشعراء والخطباء فأطنبوا في ذلك. ومما يستطرف فيه قول محمد بن حازم الباهلي: بارك الله للحسن ... ولبوران في الختن يا ابن هارون قد ظفر ... ت ولكن ينت من فلما نمي هذا الشعر إلى المأمون قال: والله ما ندري خيراً أراد أم شراً. قال الطبري: دخل المأمون على بوران الليلة الثالثة من وصوله، فلما جلس نثرت عليها جدتها ألف درة، وكانت في طبقة ذهب، فأمر المأمون أن يجمع، وسألها عن عدد الدر كم هو؟. فقالت ألف حبة، فوضعها في حجرها، فقال لها: هذه تحيتك وسلي

стр. 384

حوائجك قالت لها جدتها كلمي سيدك، فقد أمرك، فسألته الرضى عن إبراهيم بن المهدي، فقال: قد فعلت، وأوقدوا في تلك الليلة شمعة عنبر، وزنها أربعون مناً في تور من ذهب، فأنكر المأمون عليهم ذلك وقال: هذا سرف. وقال غير الطبري: لما طلب المأمون الدخول عليها، دافعوه لعذرها، فلم يندفع، فلما أدنيت إليه وجدها حائضاً فتركها، فلما قعد للناس من الغد دخل عليه أحمد بن يوسف الكاتب، وقال: يا أمير المؤمنين، هناك الله بما أخذت من الأمير باليمن والبركة وشدة الحركة والظفر بالمعركة، فأنشده المأمون: فارس ماض بحرمته ... صادق بالطعن في الظلم رام أن يدمي فريسته ... فأتقته من دم بدم تعرض محيضها وهو من أحسن الكنايات، حكى ذلك أبو العباس الجرجاني في كتاب الكنايات. وفي السنة المذكورة توفي أبو عمرو الشيباني إسحاق بن مرار الكوفي اللغوي صاحب التصانيف وله تسعون سنة، وكان ثقة خيراً فاضلاً. وفيها توفي علي بن جعفر الصادق، وكان من جلة السادة الأشراف، ومحمد بن صالح الكلابي أمير عرب الشام وسيد قيس وفارسها وشاعرها والمقاوم للسفياني والمحارب له، حتى شتت جموعه فولاه المأمون دمشق، وفيها توفي مروان بن محمد الدمشقي صاحب سعيد بن عبد العزيز، كان إماماً صالحاً خاشعاً من جلة الشاميين. وفيها توفي أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي البصري اللغوي العلامة الأخباري صاحب التصانيف، روى عن هشام بن عروة وأبي عمرو بن العلاء وكان أحد أوعية العلم، وقيل توفي في سنة إحدى عشرة. إحدى عشرة ومائتين فيها توفي أبو العتاهيه، إسماعيل بن هشام العنزي الشاعر المشهور، ومن شعره ما حكى أشجع الشاعر المشهور، قال: أذن الخليفة المهدي للناس في الدخول عليه، فدخلنا، وأمرنا بالجلوس، فاتفق أن جلس بجنبي بشار بن برد " بضم الموحدة " يعني الشاعر المشهور، قال: وسكت المهدي، فسكت الناس، فسمع بشاراً فقال لي: من هذا؟ فقلت: أبو العتاهية، قال: أتراه ينشد في هذا المحفل؟ فقلت: أحسبه سيفعل، قال: فأمره المهدي

стр. 385

أن ينشد فأنشد: ألا ما لسيدتي ما لها ... أدلت فأحمل إدلالها؟ قال: فنخشني بشار بمرفقه وقال: ويحك، أرأيت من ينشد مثل هذا الشعر في هذا الموضع؟ حتى بلغ إلى قوله: أتته الخلافة منقادة ... إليه تجر جرأ ذيالها فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها قال فقال لي بشار: انظر ويحك يا أشجع، هل طار الخليفة عن فرشه. قال: فو الله ما انصرف من ذلك المجلس بجائزة غير أبي العتاهية، ومن شعره أيضاً هذه الأبيات في عمرو بن العلاء. إني أمنت من الزمان وصرفه ... لما علقت من الأمير حبالاً لو بست طبع الناس من إجلاله ... تحذو له خشية الحدود فعالاً إن المطايا تشتكيك لأنها ... قطعت إليك أسبابها ورمالاً فإذا وردن بنا وردن خفائفاً ... وإذا صدرن بنا صدرن ثفالاً قال: فأعطاه سبعين ألفاً، وخلع عليه، فغار الشعراء لذلك، فجمعهم وقال: يا معشر الشعرا، عجباً لكم، ما أشد حسدكم بعضكم بعضا، إن أحدكم يأتينا يمدحنا بقصيدة يشبب فيها بصديقه بخمسين بيتاً، فما يبلغها حتى تذهب لذاذة مدحه ورونق شعره، وقد أتى أبو العتاهية يشبب بأبيات يسيرة، ثم قال كذا وكذا وأنشد الأبيات المذكورة، فما لكم منه تغارون. انتهى الكلام، وهو من مقدمي المولدين في طبقة بشار وأبي نواس وتلك الطائفة. ويحكى أنه لقي أبا نواس، فقال له: كم تعمل في يومك من الشعر. فقال البيت والبيتين، فقال أبو العتاهية: لكني أعمل في اليوم المائة والمائتين، فقال أبو نواس: لأنك تعمل مثل قولك. يا عتب مالي ولك ... يا ليتني لم أرك ولو أردت مثل هذا الألف والألفين لقدرت عليه وإنما أعمل مثل قولي، ثم أنشد شيئاً أبدع فيه، وقال: لو أردت مثل هذا لأعجزك الدهر، قلت: والذي أنشده كرهت ذكره ولا شتماً له على خلاعة وضيعة. وحكى صاحب النصوص في اللغة أن أبا العتاهية زار يوماً بشار بن برد فقال له أبو

стр. 386

العتاهية: إني لا أستحسن قولك إعتذراً من البكاء إذ تقول: كم من صديق سار لي ... فيه البكاء من الحياء فإذا اتعظن لا منى ... فأقول ما بي من بكاء لكن ذهبت لأرتدي ... فطرقت عيني بالرداء فقال له: أيها الشيخ ما عرفته إلا من بحرك، ولا يحبه إلا من دخل، وأنت السابق حيث تقول: وقالوا قد بليت، قلت كلا ... وهل يبلى من الجزع الخليل فقالوا ما ولد معها سواء ... أقلت مقلتيك أصاب عود؟. وحكي أن أبا العتاهية كان قد امتنع من الشعر، فأمر المدي بحبسه في سجن الجرائم، فلما دخل دهش، ورأى فنظر ما أهاله، فطلب موضعاً يأوي إليه فإذا هو يلهك حسن البزة، والوجه عليه سيماء الخير، فقصده وجلس إليه من غير سلام عليه شغلاً بما هو فيه من الجزع والحيرة، فمكث كذلك ليالي وإذا بالرجل ينشده: تعود في الضر حتى ألقته ... أسلمني حسن العزاء إلى الصبر وصرت في بأسي من الناس واثقاً ... بحسن صنع الله من حيث لا أدري قال: فاستحسنت البيتين، وتبركت بهما، وثاب إلي عقلي، فقلت له: تفضل أعزك الله علي بإعادتهما، فقال: يا إسماعيل، ويحك ما أسوأ دبك وأقل عقلك ومروءتك، دخلت فلم تسلم علي تسليم المسلم على المسلم، ولا سألتني مسألة الراد على المقيم، حتى سمعت مني بيتين من الشعر الذي لم يجعل الله فيك خيراً ولا أدباً ولا معاشاً غيره، فطفقت تستنشدني ابتداء كان بيتاً لأنسها، وسالف مودة توجب بسط القبض، ولم تذكر ما كان منك، ولا اعتذرت، غير ما ترى بدا من إساءة أدبك، فقلت: اعذرني متفضلاً، فدون ما أنا فيه مدهش، قال: وفيم أنت تركت الشعر الذي هو جاهك عندهم، وسبيلك إليهم، لا يدرون بقوله، فتطلق، وأنا يدعى الشفاعة بي، فأطلب بعيسى بن زيد ابن رسول الله ﵌، فإن ذللت لقيت الله بدمه، وكان رسول الله ﵌ خصمي فيه، وإلا قتلت، فأنا أولى بالحيرة منك.، وأنت ترى صبري؟ فقلت: يكفيك الله، وخجلت منه، فقال: لا أجمع عليك التوبيخ والمنع، اسمع البيتين، ثم أعادهما علي مراراً حتى حفظتهما، ثم دعي به وبي، فقلت له: من أنت أعزك الله؟ قال: أنا حاضن صاحب عيسى بن زيد، فأدخلنا على المهدى، فلما وقفنا بين يديه قال للرجل: أين عيسى بن زيد. فقال: وما أدري أين عيسى بن زيد، طلبته فهرب منك في البلاد وحبستني، فمن أين أقف

стр. 387

على خبره؟ قال له: أين كان متوارياً؟. ومتى آخر عهدك به؟. وعند من لقيته؟. منذ توارى، ولا عرفت له خبراً، قال: والله لتدلن عليه أو لأضربن عنقك الساعة، قال: اصنع ما بدا لك، فو الله لا أدلك على ابن رسول الله ﵌، فألقى الله ورسوله بدمه، ولو كان بين ثوبي وجلدي ما كشفت لك عنه، قال: اضربوا عنقه، فأمر به فضربت عنقه، ثم دعاني وقال: أتقول الشعر أو ألحقك به؟ فقلت: بل أقول، قال: أطلقوه، فأطلقت. ولما حضرت وفاة أبي العتاهية قال: أشتهي أن يجيء فلان المغني ويغني عند رأسي. إذا ما انقضت علي من الدهر ... مدتي فإن عزاء الباكيات قليل سيعرض عن ذكري وينسى مودتي ... ويحدث بعدي للخليل خليل وفي السنة المذكورة توفي الحافظ العلامة المرتحل إليه من الآفاق الشيخ الإمام عبد الرزاق بن همام اليمني الصنعاني الحميري صاحب المصنفات عن ست وثمانين، روى عن معمر وابن جريج والأوزاعي وطبقتهم، ورحل إليه الأئمة إلى اليمن، قيل: ما رحل إلى أحد بعد رسول الله ﵌ مثلما دخل الناس إليه، روى عنه خلائق من أئمة الإسلام، منهم: الإمام سفيان بن عيينة والإمام أحمد ويحيى بن معين وإسحاق بن راهويه وعلي بن المديني ومحمود بن غيلان. وفيها توفي عبد الله بن صالح العجلي الكوفي المقرىء المحدث والد الحافظ أحمد بن عبد الله العجلي نزيل المغرب. اثنتي عشرة ومائتين فيها أظهر المأمون القول بخلق القرآن مع ما أظهر في السنة الماضية من التشييع، فاشمأزت منه القلوب. فيها توفي أسد بن موسى الأموي الملقب بأسد السنة والحافظ أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني محدث البصرة والحافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف الفريابي، رحل إليه الإمام أحمد، فلم يدركه، بل بلغه موته بحمص، وإسماعيل بن حماد ابن الإمام أبي حنيفة ﵃، وكان موصوفاً بالزهد والعبادة والعدل في الأحكام، ولي القضاء ببغداد ثم بالبصرة، وعبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون صاحب الإمام مالك ﵀ وكان فصيحاً مفوهاً وعليه دارت الفتيا في زمانه بالمدينة، ومفتي الأندلس " الغافقي " كان صالحاً ورعاً مجاب الدعوة مقدماً في الفقه على يحيى بن يحيى.

стр. 388

ثلاث عشرة ومائتين فيها توفي علي بن جبلة الشاعر المشهور أحد فحول الشعراء المبرزين، من الموالي، ولد أعمى، قيل: بل عمي من جدري أصابه وهو ابن سبع سنين، وكان أسود أبرص. قال ابن خلكان ومن فضائله الفائقة القصيدة التي يقول فيها: إنما الدنيا أبو دلف ... بين مغزاه ومختضره فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره كل من في الأرض من عرب ... بين باديه إلى حضره يستعير منك مكرمة ... مكتبها يوم مفتخره قلت: وحكى بعض أهل المعاني والبيان أن المأمون قال لأبي دلف الأمير المشهور: أنت الذي قال فيك الشاعر: إنما الدنيا أبو دلف، وأنشد الأبيات، قال: لا يا أمير المؤمنين، بل أنا الذي قال في علي بن جبلة أو قال الشاعر: أبا دلف، يا أكذب الناس كلهم ... سواي فإني في مديحك أكذب فأعجب المأمون ذلك منه، ورضي عنه، لقه عزه في ظرافته وسرعة فهمه المنجي له من الردىء بما اتقى به من الهجاء، فلم يمشه البلاء، بل دفع حيلة باتقائه بهجاء ابن جبلة. ويحكى أن ابن جبلة المذكور مدح حميد بن عبد الحميد الطوسي بعد مدحه لأبي دلف بالقصيدة المذكورة، فقال له حميد: ما عسى أن تقول فينا بعد قولك في أبي دلف كذا وكذا. فقال: أصلح الله الأمير، قد قلت فيك ما هو أحسن من هذا، قال: وما هو. فأنشد: إنما الدنيا حميد وأياديه الجسام ... فإذا ولى حميد فعلى الدنيا السلام فتبسم ولم يرد جواباً، فأجمع من حضر المجلس من أهل العلم والمعرفة بالشعر أن هذا أحسن مما قاله في أبي دلف، فأعطاه، وأحسن جائزته، وقال ابن المعتز في طبقات الشعراء: ولما بلغ المأمون خبر هذه القصيدة غضب غضباً شديداً، وقال: اطلبوه حيثما كان، وأتوني به، فطلبوه فلم يقدروا عليه، لأنه كان مقيماً بالجبل، فلما اتصل به الحزب هرب إلى الجزيرة الفراتية، وقد كانوا كتبوا إلى الآفاق أن يؤخذ حيث كان، فهرب من

стр. 389

الجزيرة حتى توسط البلدان الشاميات، فظفروا به فأخذوه وحملوه مقيداً إلى المأمون، فلما صار بين يديه قال له: يا ابن اللخناء أنت القاتل في قصيدتك للقاسم بن عيسى، يعني أبا دلف " كل من في الأرض من عرب "، وأنشد البيتين، جعلنا ممن يستعير المكارم والإفتخار به. قال: يا أمير المؤمنين، أنتم أهل بيت لا يقدس بكم، لأن الله تعالى أحبكم لنفسه على عباده، وآتاكم الكتاب والحكم ملكاً عظيماً، وإنما ذهبت في قولي إلى أقران القاسم بن عيسى من هذه الناس وأشكاله، قال: والله ما أبقيت أحداً، ولقد أدخلتنا في الكل، وما استحل دمك بكلمتك هذه، ولكن استحله بكفرك في شعر، حيث قلت في عبد ذليل مهين، فأشركت بالله العظيم، وجعلت معه ملكاً قادراً، وهو قولك: أنت الذي تنزل الأيام منزلها ... وتنقل الدهر من حال إلى حال وما مددت مدى طرف إلى أحد ... إلا قضيت بأرزاق وآجال ذاك الله يفعله، أخرجوا لسانه من قفاه، فمات، وذكره صاحب كتاب الأغاني، كما ذكر ابن المعتز في قضيته مع المأمون. قال ابن خلكان: ورأيت في " كتاب البارع " في أخبار الشعراء المولدين تأليف ابن المنجم هذين البيتين لخلف بن مرزوق مولى علي بن ريطة والله أعلم بالصواب مع بيت ثالث وهو: تزور سخطاً فتمسي البيض راضية ... ويستهل فتبكي أعين المال لقد أبدع في هذا البيت بمدحه جامعاً وصفين محمودين عند العرب مع حسن صنيعه في كليهما، وهما الشجاعة والكرم، فالشجاعة في قوله: " تزور سخطاً فتمسي البيض راضية "، يعني: يقصد الأعداء فتمسي السيوف راوية بدمائهم، فكنى عن ربها برضائهما والكرم في قوله: " ويستهل فتبكي أعين المال " يعني: يضحك استبشاراً بالضيفان، فيعقر ويذبح لهم السمان، وفي ضمن ذلك بكاؤها بما عرض لها من الأحزان. ومن مدحه لحميد: ويكفي سابهن الدنيا حميد ... فقد أضحوا له فيها عيالاً كأن أباه آدم حين أوصى ... إليه أن يعولهم فعالاً ولما مات حميد المذكور في يوم عيد الفطر سنة عشر ومائتين رثاه بقصيدة من جملتها: فآدابنا ما أدب الناس قبلنا ... ولكنه لم يبق للصبر موضع

стр. 390

ورثاه أبو العتاهية بقوله: أبا غانم أما فناك فواسع ... وقبرك معمور الجوانب محكم وما ينفع المقبور عمران قبره ... إذا كان فيه جسمه يتهدم قلت: لفظ فناك في البيت الأول ليس هو في الأصل المنقول منه، وإنه فيه " دارك " وهو لا يتزن فأبدله " بفناك ". وفي السنة المذكورة توفي صاحب المسائل الأسدية التي كتبها عن ابن القاسم. وفيها توفي الحافظ الزاهد العابد عبد الله بن داود، سمع الأعمش والكبار، وكان من أعبد أهل زمانه. وفيها توفي إسحاق بن مرار " بكسر الميم وبالراء قبل الألف وبعدها " النحوي اللغوي الشيباني منزلاً، كان من الأئمة الأعلام أخذ عنه جماعة كبار منهم الإمام أحمد وأبو عبيد القاسم بن سلام ويعقوب بن السكيت، وقال في حقه: عاش مائة وثماني عشرة سنة، وكان يكتب بيده إلى أن مات. وقال ابن كامل: مات في اليوم الذي مات فيه أبو العتاهية وإبراهيم النديم الموصلي. وقيل توفي في سنة ست ومائتين، وعمره مائة وعشر سنين. قال ابن خلكان: وهو الأصح، وله مصنفات عديدة في اللغة وغريب الحديث والخيل والإبل وخلق الإنسان والنوادر وأشعار العرب ونحو ذلك، وكان الغالب عليه النوادر وحفظ الغريب وأراجيز العرب، وقال ولده لما جمع أشعار العرب ودونها كانت نبفاً وثمانين قبيلة، وكان كلما عمل منها قبيلة وأخرجها إلى الناس كتب مصحفاً وجعله في مسجد الكوفة حتى كتب نيفاً وثمانين مصحفاً. وفي السنة المذكورة توفي عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي الحافظ، وكان إماماً في الفقه والحديث والقرآن، موصوفاً بالعبادة والصلاح لكنه من رؤوس الشيعة. وفيها توفي الهيثم بن جميل البغدادي الحافظ نزيل أنطاكية، كان من صلحاء المحدثين وإثباتهم، رحمة الله عليهم. أربع عشرة ومائتين فيها التقى محمد بن حميد الطوسي وبابك الخزمي، وهزم بابك، وقتل
следующие страницы →