Полный текст (1 334 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
العتاهية: إني لا أستحسن قولك إعتذراً من البكاء إذ تقول:
كم من صديق سار لي ... فيه البكاء من الحياء
فإذا اتعظن لا منى ... فأقول ما بي من بكاء
لكن ذهبت لأرتدي ... فطرقت عيني بالرداء
فقال له: أيها الشيخ ما عرفته إلا من بحرك، ولا يحبه إلا من دخل، وأنت السابق حيث تقول:
وقالوا قد بليت، قلت كلا ... وهل يبلى من الجزع الخليل
فقالوا ما ولد معها سواء ... أقلت مقلتيك أصاب عود؟.
وحكي أن أبا العتاهية كان قد امتنع من الشعر، فأمر المدي بحبسه في سجن الجرائم، فلما دخل دهش، ورأى فنظر ما أهاله، فطلب موضعاً يأوي إليه فإذا هو يلهك حسن البزة، والوجه عليه سيماء الخير، فقصده وجلس إليه من غير سلام عليه شغلاً بما هو فيه من الجزع والحيرة، فمكث كذلك ليالي وإذا بالرجل ينشده:
تعود في الضر حتى ألقته ... أسلمني حسن العزاء إلى الصبر
وصرت في بأسي من الناس واثقاً ... بحسن صنع الله من حيث لا أدري
قال: فاستحسنت البيتين، وتبركت بهما، وثاب إلي عقلي، فقلت له: تفضل أعزك الله علي بإعادتهما، فقال: يا إسماعيل، ويحك ما أسوأ دبك وأقل عقلك ومروءتك، دخلت فلم تسلم علي تسليم المسلم على المسلم، ولا سألتني مسألة الراد على المقيم، حتى سمعت مني بيتين من الشعر الذي لم يجعل الله فيك خيراً ولا أدباً ولا معاشاً غيره، فطفقت تستنشدني ابتداء كان بيتاً لأنسها، وسالف مودة توجب بسط القبض، ولم تذكر ما كان منك، ولا اعتذرت، غير ما ترى بدا من إساءة أدبك، فقلت: اعذرني متفضلاً، فدون ما أنا فيه مدهش، قال: وفيم أنت تركت الشعر الذي هو جاهك عندهم، وسبيلك إليهم، لا يدرون بقوله، فتطلق، وأنا يدعى الشفاعة بي، فأطلب بعيسى بن زيد ابن رسول الله ﵌، فإن ذللت لقيت الله بدمه، وكان رسول الله ﵌ خصمي فيه، وإلا قتلت، فأنا أولى بالحيرة منك.، وأنت ترى صبري؟ فقلت: يكفيك الله، وخجلت منه، فقال: لا أجمع عليك التوبيخ والمنع، اسمع البيتين، ثم أعادهما علي مراراً حتى حفظتهما، ثم دعي به وبي، فقلت له: من أنت أعزك الله؟ قال: أنا حاضن صاحب عيسى بن زيد، فأدخلنا على المهدى، فلما وقفنا بين يديه قال للرجل: أين عيسى بن زيد. فقال: وما أدري أين عيسى بن زيد، طلبته فهرب منك في البلاد وحبستني، فمن أين أقف
стр. 387
على خبره؟ قال له: أين كان متوارياً؟. ومتى آخر عهدك به؟. وعند من لقيته؟. منذ توارى، ولا عرفت له خبراً، قال: والله لتدلن عليه أو لأضربن عنقك الساعة، قال: اصنع ما بدا لك، فو الله لا أدلك على ابن رسول الله ﵌، فألقى الله ورسوله بدمه، ولو كان بين ثوبي وجلدي ما كشفت لك عنه، قال: اضربوا عنقه، فأمر به فضربت عنقه، ثم دعاني وقال: أتقول الشعر أو ألحقك به؟ فقلت: بل أقول، قال: أطلقوه، فأطلقت.
ولما حضرت وفاة أبي العتاهية قال: أشتهي أن يجيء فلان المغني ويغني عند رأسي.
إذا ما انقضت علي من الدهر ... مدتي فإن عزاء الباكيات قليل
سيعرض عن ذكري وينسى مودتي ... ويحدث بعدي للخليل خليل
وفي السنة المذكورة توفي الحافظ العلامة المرتحل إليه من الآفاق الشيخ الإمام عبد الرزاق بن همام اليمني الصنعاني الحميري صاحب المصنفات عن ست وثمانين، روى عن معمر وابن جريج والأوزاعي وطبقتهم، ورحل إليه الأئمة إلى اليمن، قيل: ما رحل إلى أحد بعد رسول الله ﵌ مثلما دخل الناس إليه، روى عنه خلائق من أئمة الإسلام، منهم: الإمام سفيان بن عيينة والإمام أحمد ويحيى بن معين وإسحاق بن راهويه وعلي بن المديني ومحمود بن غيلان.
وفيها توفي عبد الله بن صالح العجلي الكوفي المقرىء المحدث والد الحافظ أحمد بن عبد الله العجلي نزيل المغرب.
اثنتي عشرة ومائتين
فيها أظهر المأمون القول بخلق القرآن مع ما أظهر في السنة الماضية من التشييع، فاشمأزت منه القلوب.
فيها توفي أسد بن موسى الأموي الملقب بأسد السنة والحافظ أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني محدث البصرة والحافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف الفريابي، رحل إليه الإمام أحمد، فلم يدركه، بل بلغه موته بحمص، وإسماعيل بن حماد ابن الإمام أبي حنيفة ﵃، وكان موصوفاً بالزهد والعبادة والعدل في الأحكام، ولي القضاء ببغداد ثم بالبصرة، وعبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون صاحب الإمام مالك ﵀ وكان فصيحاً مفوهاً وعليه دارت الفتيا في زمانه بالمدينة، ومفتي الأندلس " الغافقي " كان صالحاً ورعاً مجاب الدعوة مقدماً في الفقه على يحيى بن يحيى.
стр. 388
ثلاث عشرة ومائتين
فيها توفي علي بن جبلة الشاعر المشهور أحد فحول الشعراء المبرزين، من الموالي، ولد أعمى، قيل: بل عمي من جدري أصابه وهو ابن سبع سنين، وكان أسود أبرص. قال ابن خلكان ومن فضائله الفائقة القصيدة التي يقول فيها:
إنما الدنيا أبو دلف ... بين مغزاه ومختضره
فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره
كل من في الأرض من عرب ... بين باديه إلى حضره
يستعير منك مكرمة ... مكتبها يوم مفتخره
قلت: وحكى بعض أهل المعاني والبيان أن المأمون قال لأبي دلف الأمير المشهور:
أنت الذي قال فيك الشاعر: إنما الدنيا أبو دلف، وأنشد الأبيات، قال: لا يا أمير المؤمنين، بل أنا الذي قال في علي بن جبلة أو قال الشاعر:
أبا دلف، يا أكذب الناس كلهم ... سواي فإني في مديحك أكذب
فأعجب المأمون ذلك منه، ورضي عنه، لقه عزه في ظرافته وسرعة فهمه المنجي له من الردىء بما اتقى به من الهجاء، فلم يمشه البلاء، بل دفع حيلة باتقائه بهجاء ابن جبلة. ويحكى أن ابن جبلة المذكور مدح حميد بن عبد الحميد الطوسي بعد مدحه لأبي دلف بالقصيدة المذكورة، فقال له حميد: ما عسى أن تقول فينا بعد قولك في أبي دلف كذا وكذا. فقال: أصلح الله الأمير، قد قلت فيك ما هو أحسن من هذا، قال: وما هو. فأنشد:
إنما الدنيا حميد وأياديه الجسام ... فإذا ولى حميد فعلى الدنيا السلام
فتبسم ولم يرد جواباً، فأجمع من حضر المجلس من أهل العلم والمعرفة بالشعر أن هذا أحسن مما قاله في أبي دلف، فأعطاه، وأحسن جائزته، وقال ابن المعتز في طبقات الشعراء: ولما بلغ المأمون خبر هذه القصيدة غضب غضباً شديداً، وقال: اطلبوه حيثما كان، وأتوني به، فطلبوه فلم يقدروا عليه، لأنه كان مقيماً بالجبل، فلما اتصل به الحزب هرب إلى الجزيرة الفراتية، وقد كانوا كتبوا إلى الآفاق أن يؤخذ حيث كان، فهرب من
стр. 389
الجزيرة حتى توسط البلدان الشاميات، فظفروا به فأخذوه وحملوه مقيداً إلى المأمون، فلما صار بين يديه قال له: يا ابن اللخناء أنت القاتل في قصيدتك للقاسم بن عيسى، يعني أبا دلف " كل من في الأرض من عرب "، وأنشد البيتين، جعلنا ممن يستعير المكارم والإفتخار به. قال: يا أمير المؤمنين، أنتم أهل بيت لا يقدس بكم، لأن الله تعالى أحبكم لنفسه على عباده، وآتاكم الكتاب والحكم ملكاً عظيماً، وإنما ذهبت في قولي إلى أقران القاسم بن عيسى من هذه الناس وأشكاله، قال: والله ما أبقيت أحداً، ولقد أدخلتنا في الكل، وما استحل دمك بكلمتك هذه، ولكن استحله بكفرك في شعر، حيث قلت في عبد ذليل مهين، فأشركت بالله العظيم، وجعلت معه ملكاً قادراً، وهو قولك:
أنت الذي تنزل الأيام منزلها ... وتنقل الدهر من حال إلى حال
وما مددت مدى طرف إلى أحد ... إلا قضيت بأرزاق وآجال
ذاك الله يفعله، أخرجوا لسانه من قفاه، فمات، وذكره صاحب كتاب الأغاني، كما ذكر ابن المعتز في قضيته مع المأمون.
قال ابن خلكان: ورأيت في " كتاب البارع " في أخبار الشعراء المولدين تأليف ابن المنجم هذين البيتين لخلف بن مرزوق مولى علي بن ريطة والله أعلم بالصواب مع بيت ثالث وهو:
تزور سخطاً فتمسي البيض راضية ... ويستهل فتبكي أعين المال
لقد أبدع في هذا البيت بمدحه جامعاً وصفين محمودين عند العرب مع حسن صنيعه في كليهما، وهما الشجاعة والكرم، فالشجاعة في قوله: " تزور سخطاً فتمسي البيض راضية "، يعني: يقصد الأعداء فتمسي السيوف راوية بدمائهم، فكنى عن ربها برضائهما والكرم في قوله: " ويستهل فتبكي أعين المال " يعني: يضحك استبشاراً بالضيفان، فيعقر ويذبح لهم السمان، وفي ضمن ذلك بكاؤها بما عرض لها من الأحزان.
ومن مدحه لحميد:
ويكفي سابهن الدنيا حميد ... فقد أضحوا له فيها عيالاً
كأن أباه آدم حين أوصى ... إليه أن يعولهم فعالاً
ولما مات حميد المذكور في يوم عيد الفطر سنة عشر ومائتين رثاه بقصيدة من جملتها:
فآدابنا ما أدب الناس قبلنا ... ولكنه لم يبق للصبر موضع
стр. 390
ورثاه أبو العتاهية بقوله:
أبا غانم أما فناك فواسع ... وقبرك معمور الجوانب محكم
وما ينفع المقبور عمران قبره ... إذا كان فيه جسمه يتهدم
قلت: لفظ فناك في البيت الأول ليس هو في الأصل المنقول منه، وإنه فيه " دارك " وهو لا يتزن فأبدله " بفناك ".
وفي السنة المذكورة توفي صاحب المسائل الأسدية التي كتبها عن ابن القاسم.
وفيها توفي الحافظ الزاهد العابد عبد الله بن داود، سمع الأعمش والكبار، وكان من أعبد أهل زمانه.
وفيها توفي إسحاق بن مرار " بكسر الميم وبالراء قبل الألف وبعدها " النحوي اللغوي الشيباني منزلاً، كان من الأئمة الأعلام أخذ عنه جماعة كبار منهم الإمام أحمد وأبو عبيد القاسم بن سلام ويعقوب بن السكيت، وقال في حقه: عاش مائة وثماني عشرة سنة، وكان يكتب بيده إلى أن مات.
وقال ابن كامل: مات في اليوم الذي مات فيه أبو العتاهية وإبراهيم النديم الموصلي.
وقيل توفي في سنة ست ومائتين، وعمره مائة وعشر سنين. قال ابن خلكان: وهو الأصح، وله مصنفات عديدة في اللغة وغريب الحديث والخيل والإبل وخلق الإنسان والنوادر وأشعار العرب ونحو ذلك، وكان الغالب عليه النوادر وحفظ الغريب وأراجيز العرب، وقال ولده لما جمع أشعار العرب ودونها كانت نبفاً وثمانين قبيلة، وكان كلما عمل منها قبيلة وأخرجها إلى الناس كتب مصحفاً وجعله في مسجد الكوفة حتى كتب نيفاً وثمانين مصحفاً.
وفي السنة المذكورة توفي عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي الحافظ، وكان إماماً في الفقه والحديث والقرآن، موصوفاً بالعبادة والصلاح لكنه من رؤوس الشيعة.
وفيها توفي الهيثم بن جميل البغدادي الحافظ نزيل أنطاكية، كان من صلحاء المحدثين وإثباتهم، رحمة الله عليهم.
أربع عشرة ومائتين
فيها التقى محمد بن حميد الطوسي وبابك الخزمي، وهزم بابك، وقتل
стр. 391
الطوسي، وفيها تقدم عبد الله بن طاهر بن الحسين أميراً على خراسان، وأعطاه المأمون خمسمائة ألف دينار.
وفيها توفي أبو عمر معاوية بن عمرو الكندي البغدادي الحافظ المجاهد، روى عن زائدة وطبقته، وأدركه البخاري، وكان بطلاً شجاعاً معروفاً بالإقدام كثير الرباط.
وفيها توفي أبو محمد عبد الله بن عبد الحكم الفقيه المالكي البصري انتهت إليه رئاسة الطائفة المالكية بعد أشهب، روى عن مالك الموطأ سماعاً، وكان من ذوي الأموال والرياع، وله جاه عظيم وقدر كبير، ويقال أنه دفع للإمام الشافعي عند قدومه إلى مصر ألف دينار من ماله، وأخذ له من تاجر ألف دينار، ومن رجلين آخرين ألف دينار، وهو والد أبي عبد الله محمد صاحب الإمام الشافعي وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى وأجل ما روى بشر بن بكير قال: رأيت مالك بن أنس في النوم بعدما مات بأيام، فقال: إن ببلدكم رجلاً يقال له ابن عبد الحكم خذوا عنه فإنه ثقة والله أعلم.
خمس عشرة ومائتين
فيها توفي الحافظ إسحاق بن عيسى بن الطباع البغدادي، وفيها توفي العلامة أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري البصري اللغوي، قال أصحاب التاريخ: كان من أئمة الأدب، وغلبت عليه اللغات النوادر والغريب، وكان ثقة في روايته.
وقال أبو عثمان المازني: رأيت الأصمعي، وقد جاء إلى حلقة أبي زيد المذكور، فقبل رأسه، وجلس بين يديه، وقال: أنت أديبنا وسيدنا منذ خمسين سنة.
وكان الإمام سفيان الثوري يقول: أما الأصمعي فأحفظ الناس، وأما أبو عبيدة فأجمعهم، وأما أبو زيد الأنصاري فأوثقهم.
وكان النضر بن شميل يقول: كنا ثلاثة في كتاب واحد، أنا وأبو زيد الأنصاري وأبو محمد اليزيدي، وكان أبو زيد المذكور له في الأدب مصنفات مفيدة منها: " كتاب اللغات "، و " كتاب النوادر "، و " كتاب خلق الإنسان "، و " كتاب الإبل "، و " كتاب الوحوش "، و " كتاب المصادر "، و " كتاب الفرق "، و " كتاب المياه "، و " كتاب حسن في البيان "، جمع فيه أشياء غريبة و " كتاب غريب الأسماء " وغير ذلك جميعها يقارب عشرين مصنفاً.
стр. 392
وحكى بعضهم قال: كنت في حلقة شعبة بن الحجاج، فضجر من إملاء الحديث، فرمى بطرفه، فرأى أبا زيد الأنصاري في أخريات الناس، فقال: يا أبا زيد، فجاءه، فجعلا يتحدثان ويتناشدان الأشعار، فقال بعض أصحاب الحديث: يا أبا بسطام، نقطع إليك ظهور الإبل لنسمع منك حديث رسول الله ﵌، فتدعنا وتقبل على الأشعار؟ قال: فغضب شعبة غضباً شديداً ثم قال: يا هؤلاء، أنا أعلم بالأصلح إلي أنا والله الذي لا إله إلا هو في هذا أسلم مني في ذلك، قلت: كأنه والله أعلم يشير إلى ترويح القلب بالشعر عند سأمته، كما قال أبو الدرداء: إني لاحم نفسي بشيء من الباطل لأستعين به على الحق، ولأنه عند شرح الأحكام نخشى من الوقوع في خطر يؤدي إلى الأنام، وعمر رحمه الله تعالى حتى قارب المائة وقال بعض العلماء: كان الأصمعي يحفظ ثلث اللغة، وكان أبو زيد يحفظ ثلثها، وكان صدوقاً صالحاً، رحمة الله عليه.
وفيها، وقيل: في سنة سبع عشرة ومائتين توفي أبو الفضل عمرو بن مسعدة بن سعيد الكاتب، أحد وزراء المأمون وكان كاتباً بليغاً جزل العبارة وخيرها، شديد المقاصد والمعاني، أمره المأمون أن يكتب كتاباً إلى بعض العمال بالوصية عليه والإعتناء بأمره، فكتب له: كتابي إليك كتاب واثق ممن كتب إليه معتبي لمن كتب له، ولن يضيع بين الثقة والعتابة بوصله والسلام، وقيل هذا من كلام الحسن بن وهب، والأول أصح وأشهر، وله كل معنى بديع، وله رسالة بديعة كتبها إلى بعض الرؤساء، وقد تزوجت أمه فساءه ذلك، فلما قرأها ذلك الرئيس تسلى بها، وذهب عنه ما كان يجده، وهي الحمد لله الذي كفر عنا شر الخيرة، وهدانا لستر العورة، وجدع بما شرع من الحلال أنف الغيرة، ومع من عضل الأمهات، كما منع من وأد البنات استنزلاً للنفوس الأبية عن الحمية، حمية الجاهلية، ثم عرض بجزيل الأخذ من استسلم لواقع قضائه، وعرض جليل الذخر من صبر على نازل بلائه، وهناك الذي شرح للتقوى صدرك، ووسع في البلوى صبرك، وألهمك التسليم لمشيئته والرضا بقضيته.
قلت: هذا بعض الرسالة المذكورة، وقيل أنها لأبي الفضل ابن الحميد.
وقال أحمد بن يوسف الكاتب: وصلت إلى المأمون وهو ممسك كتاباً بيده، وقد أطال النظر فيه زماناً، وأنا ملتفت إليه، فقال: يا أحمد، أراك مفكراً فيما تراه مني، قلت: نعم، وقى أمير المؤمنين المكاره وأعاده من المخلوف، قال: فإنه لا مكروه فيه، ولكني قرأت كلاماً وجدته نظير ما سمعته من الرشيد، يقول في البلاغة، كان يقول: البلاغة التباعد عن الإطالة والتقرب من معنى البغية، والدلالة بالقليل من اللفظ على المعنى، أو قال: على الكثير من المعنى، وما كنت أتوهم أن أحداً يقدر على المبالغة في هذا المعنى، حتى قرأت
стр. 393
هذا الكتاب، قال: ورمى به إلي، وقال: هذا الكتاب من عمرو بن مسعده إلي، فإذا فيه كتابي إلى أمير المؤمنين، ومن قبلي من قواده وسائر أخياره في الأنقياد والطاعة على أحسن ما يكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم وانقياد كفاة تراخت عطياتهم، واختلت، كذلك أحوالهم، والثابت معهم أمورهم، فلما قرأته قال: إن استحساني إياه بعثني على أن أمرت للجند بعطياتهم بسبعة أشهر، وأنا على مجازاة الكاتب لما يستحقه من جل محله في صياغته أو صناعته.
وفيها توفي الأخفش الأوسط، إمام العربية، أبو الحسن سعيد بن مسعدة النحوي البلخي المجاشعي، أحد نحاة البصرة.
وأما الأخفش الأكبر فهو أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد، وكان نحوياً لغولاً، وله ألفاظ لغوية انفرد بها عن العرب، وعنه أخذ أبو عبيدة وسيبويه وغيرهما، فمن في طبقتهما، ووقت وفاته مجهول فلهذا لم يفرد بترجمة.
وأما الأخفش الأصغر، وهو أبو الحسن علي بن سليمان البغدادي النحوي، أخذ عن ثعلب والمبرد، وسيأتي ترجمته إن شاء الله تعالى في سنة خمس عشرة وثلاث مائة، فبين موت أخفش الأوسط الأصغر مائة سنة، والأوسط المذكور كان من أئمة العربية، أخذ النحو عن سيبويه، وكان يقول: ما وضع سيبويه في كتابه شيئاً إلا وعرضه علي، وكان يرى أنه أعلم مني وأنا اليوم أعلم به، وهذا الأخفش المذكور، وهو الذي زاد في العروض واحداً من البحر على ما وضعه الخليل المشهور.
وحكى أبو العباس ثعلب عن أبي سعيد بن سلمة قال: دخل الفراء على سعيد بن مسعدة المذكور، فقال لنا: جاءكم ممتد أهل اللغة العربية، فقال الفراء: أما ما دام الأخفش يعيش فلا، وللأخفش المذكور عدة تصانيف، منها " الكتاب الأوسط " في النحو و " كتاب تفسير معاني القرآن "، و " كتاب الإشتقاق "، و " كتاب العروض "، و " كتاب القوافي "، و " كتاب معاني الشعر "، و " كتاب الملوك "، و " كتاب الأصوات "، و " كتاب المسائل الكبير "، و " كتاب المسائل الصغير " وغير ذلك، وكان أخلع " وهو الذي لا تنضم شفتاه على أسنانه "، " والأخفش " هو الصغير العينين مع سوء بصرهما، وكان يقال له الأخفش الأصغر حتى ظهر علي بن سليمان المعروف بالأخفش الأصغر فصار هذا وسطاً " ومسعدة " بفتح الميم وسكون السين وفتح الدال والعين المهملات وبعدهن هاء ساكنة " والمجاشعي " بضم الميم وقبل الألف جيم وبعدها شين معجمة مكسورة مهملة ثم عين ثم ياء النسبة إلى
стр. 394
الشاعر المشهور:
فوا عجباً حتى كليب يشينني ... كأن أباها مغهل أو جاشع
وفيها توفي محمد بن عبد الله الأنصاري قاضي البصرة وعالمها وسيدها، وهو من كبار شيوخ البخاري، عاش سبعاً وتسعين سنة.
وفيها توفي محمد بن المبارك الصوري أبو عبد الله الحافظ صاحب سعيد بن عبد العزيز، قلت: وهذا الإسم نسبة لمحمد بن المبارك الصوري تشفعت به شجرة الرمان إلى إبراهيم بن أدهم أن يتناول منها شيئاً أو بأقل من رمانها شيئاً، وقد تقدم ذكر ذلك، ومحمد بن المبارك هذا كان صحب إبراهيم بن أدهم، وإبراهيم بن أدهم توفي قبل هذا التاريخ بثلاث وخمسين سنه، فإنه توفي سنة اثنتين وستين ومائة، ويحتمل أنه هو والله أعلم.
وفيها: توفي أبو السكن " مكي بن إبراهيم البلخي الحافظ "، وأبو عامر قبيصة بن عقبة الكوفي الحافظ العابد الذي يقال له راهب الكوفة، وكان هناد بن السرفي إذا ذكره دمعت عيناه وقال: الرجل الصالح.
وفيها توفي محدث مرو علي بن الحسن كان حافظاً كثير العلم، كتب الكثير، حتى كتب التوراة والإنجيل، وجادل اليهود، وفيها توفي الحافظ يحيى بن حماد البصري الحافظ.
سنة ست عشرة ومائتين
فيها غزا المأمون، فدخل بلاد الروم، وأقام بها ثلاثة أشهر، وافتتح آخره عدة حصون، وأغار جيشه، فغنموا وسبوا، ثم رجع إلى دمشق، ودخل الديار المصرية.
وفيها توفيت زبيدة بنت جعفر بن المنصور أم محمد الأمين بن هارون الرشيد، وكان لها معروف كثير وفعل خير شهير، وقصتها في حجتها وما اعتمدته في طريقها شهيرة، وذكر ابن الجوزي أنها سقت أهل مكة الماء بعد أن كانت الرواية عندهم بدينار، وأنها أسالت الماء عشرة أميال بحط الجبال، ويجوب الصخرة، حتى عللت من الحل إلى الحرم، عملت عقبه البستان، فقال لها دليلها: يلزمك نفقة كثيرة، فقالت: اعمل ولو كانت ضربة
стр. 395
فاس بدينار.
قلت: وهذه العين المذكورة التي أجرتها، أثارها باقية مشتملة على عمارة عظيمة عجيبة مما يتنزه " برؤيتها على يمين الذاهب إلى منى من مكة، ذات بنيان محكم في الجبال، تقصر العبارة عن وصف حسنه، وينزل الماء منه إلى موضع تحت الأرض عميق ذي درج كثيرة جداً لا يوصل إلى قراره إلا بهبوط " كالبير يسمونه " لظلمته، يفزع بعض الناس إذا ترك فيه وحده نهاراً، فضلاً عن الليل.
قالوا: وكان لها مائة جارية يحفظن القرآن، لكل واحدة ورد عشر القرآن، وكان يسمع في قصرها كدوي النحل في قراءة القرآن، وأسمها أمة العزيز، ولقبها جدها المنصور زبيدة لبياضها ونضارتها، وقال الطبري: أعرس بها هارون في سنة خمس وستين ومائة. قلت: لعل هذه عاشت بعد الرشيد فوق عشرين سنة.
وفي السنة المذكورة توفي الإمام العلامة أبو سعيد عبد الملك بن قريب الباهلي الأصمعي المشهور اللغوي الأخباري البصري المشبه بنغمات بلبل الألفاظ المطربة على فتن بوجه فنون النوادر المعجمة، سمع ابن عون والكبار وأكثر عن أبي عمرو بن العلاء، وكانت الخلفاء تجالسه وتحب منادمته، عاش ثمانياً وثمانين سنة، وله عدة مصنفات، وكان إماماً في اللغة والأخبار والنوادر والمالح والغرائب والأشعار، وهو من أهل البصرة، ثم قدم بغداد في أيام هارون الرشيد. قيل لأبي نواس: قد حضر أبو عبيدة والأصمعي عند الرشيد، فقال: أما أبو عبيدة فإنهم إن أمكنوه قرأ عليهم أخبار الأولين والأخرين، وأما الأصمعي فبلبل يطربك بنغمات.
وعن الأصمعي أنه قال: أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة، ويروى: أربعة عشر ألف أرجوزة، منها المائة والمائتان.
وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: ما عبر أحد من العرب بأحسن من عبارة الأصمعي، وقال إسحاق الموصلي: لم أر الأصمعي يدعي شيئاً من العلم، فيكون أحد أعلم به منه.
وقال أبو أحمد العكبري: لقد حرض المأمون على الأصمعي، وهو بالبصرة أن يصير إليه، فلم يفعل، واحتج بضعفه وكبره، وكان المأمون يجمع المشكل من المسائل، ويثير ذلك إليه، فيجيب عنه.
وذكر في كتاب المقتبس عن ابن عريد أو أبي حاتم قال: كنا عند الحسن بن سهل، وبالحضرة جماعة من أهل العلم، منهم جرير بن حازم، ومعمر بن المثنى، والأصمعي، والهيثم بن علي، في جماعة من هذا السن، وحاجب الحسن يعرض عليه قصصاً، وهو يوقع في كل قصة ما ينبغي لها، حتى مر بخمسين قصة، فلما نفض ما بين يديه أقبل علينا، فقال: قد فعلنا في يومنا خيراً كثيراً، ورفعنا في هذه القصص بما فيه فرح لأهلها، ونرجوا أن نكون في كل ذلك مثابين مشكورين، فأفيضوا بنا في حق أنفسنا نتذاكر العلم، فتكلم أبو عبيدة والأصمعي
стр. 396
والهيثم إلى أن بلغوا من ذكر ألفاظ من أصحاب الحديث، فأخذوا في الزهري والشعبي وقتادة وشعبة وسفيان، فقال أبو عبيدة: وما الحاجة إلى ذكر هؤلاء الجلة. وما ندري: أصدق الخبر عنهم أم كذب. إن بالحضرة رجلاً يزعم أنه ما نسي شيئاً، وأنه ما يحتاج أن يعيد نظره في دفتر، إنما هي نظرة، ثم قد حفظ ما فيه، " يقصد الأصمعي " فقال الحسن: نعم يا أبا سعيد، تخبر من هذا إنما ينكر جداً، فقال الأصمعي: نعم أصلحك الله ما أحتاج أن أعيد النظر في دفتر، وما أنسيت شيئاً قط، فقال الحسن: فنحن نجرب هذا القول بواحدة، يا غلام، هات الدفتر الفلاني، فإنه يجمع كثيراً مما قد أنشدتناه، وحدثتناه، قال: فأدبر الغلام ليأتي بالدفتر، فقال الأصمعي: أعزك الله وما الحاجة إلى هذا. أنا أريك ما هو أعجب منه، أنا أعيد القصص التي مرت وأسماء أصحابها وتوقيعاتها كلها، فامتحن ذلك بالنظر إليها، وقد كان الحسن قد عارض بتلك التوقيعات، وأثبتها في دفتر البيت، قال: فأكبر ذلك من حضر، وعجبوا واستضحكوا، فقال الحسن: يا غلام، اردد القصص، فردت وقد شدت في خيط كي يتحفظ، فابتدأ الأصمعي، فقال: القصة الأولى لفلان ابن فلان قصة كذا وكذا، ووقعت أعزك الله بكذا وبكذا - حتى أنفذ على هذا السبيل سبعاً وأربعين قصة، فقال الحسن بن سهل: يا هذا حسبك الساعة، والله أقبلك بعين، يعني أصبتك بعيني، يا غلام، أحضر خمسين ألفاً، فأحضرها بحراً، ثم قال: يا غلمان، احملوا معه إلى منزله، قال: فتبادر الغلمان بحملها، فقال: أصلحك الله تنعم بالحامل كما أنعمت بالمحمول. قال: هم لك، ولست منتفعاً بهم، واشتريتهم منك بعشرة آلاف درهم، احمل يا غلام مع أبي سعيد ستين ألفاً، قال: فحملت معه، وانصرف الباقون بالخيبة، فقال أبو حاتم: ما رأيت رجلاً أحسن ترجمة من الأصمعي، وسألته: لأي شيء قدم جرير بن قدامة. قال: كان أعرفهم وأعز لهم وأقدمهم رقة، وأتحمهم هجاء، قال أبو حاتم: معنى التحكم " بالمثناة من فوق والحاء المهملة " التي أنصبتهم.
وروى الرياشي عن الأصمعي قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن ثمانية آلاف مسألة، وما مات حتى أخذ وفي رواية أخرى: ما مات حتى كتب: أو رد عليه الحرف الذي لا يعرفه، فيقبله مني ويتعقد ثقة.
وذكر في " المقتبس " أنه لما قدم الرشيد البصرة، قال جعفر بن يحيى للصباح بن
стр. 397
عبد العزيز: قد عزم أمير المؤمنين على الركوب في زلال في نهر الأبلة ثم يخرج إلى دجلة، ويرجع في نهر معقد، وأحب أن يكون معه رجل عالم بالقصور والأنهار والقطائع، ليصفها له، فقال: لا أعرف من يفي بهذا، ويصلح له غير الأصمعي، قال: فأتني، فأتيته فتحدث بين يدي جعفر، فأضحكه وأعجبه، فأدخله إلى الرشيد، فركب معه، فجعل لا يمر بنهر ولا أرض إلا أخبر بأصلها وفرعها، وسمى الأنهار، ونسب القطائع، فقال الرشيد لجعفر: ويحك، ما رأيت مثل هذا قط، من أين غصت عليه؟ فلما قارب البصرة قال للرشيد: يا أمير المؤمنين والذي شرفني بخطابك، إن لي من كل ما مررت به موضع قدم، فضحك الرشيد وقال: اشتر يا جعفر أرضاً، فاشترى له بنهر الأبلة أربعة عشر جريباً بألف وأربع مائة دينار، وكان جعفر قد نهاه عن سؤاله، ووعده بكل ما يريد، فقال له: أما نهيتك عن سؤاله؟ قال: انتهزت الفرصة، فأخبرته خبري فكرم.
وقال الأصمعي: كنت بالبادية. كتب كل شيء أسمعه، فقال أعرابي منهم: أنت كمثل الحفظة، تكتب اللفظة، فكتبه أيضاً، قال: خرجت مع صديق لي بالبادية، فبينا نحن نسير، إذ ضللنا الطريق،، ثم نزلنا فإذا خيمة، فقصدناها فسلمنا، فإذا امرأة ترد علينا السلام، وقالت: ما أنتم؟ قلنا: قوم مارون أضللنا الطريق، فرأيناكم، فأنسنا بكم، فقالت: ولوا وجوهكم حتى أقضي من زمانكم ما أنتم له أهل، ففعلنا، فطرحت لنا مسحاً وقالت: اجلسا حتى يجيء ابني، فيقوم بما يصلحكم، فجلسنا، فجعلت ترفع طرف الخيمة وتنظر، إلى أن نظرت فقالت: أسألك الله بركة المقبل، أما البعير فبعير ابني، وأما الراكب فليس بابني، فجاء الراكب حتى وقف عليها، فقال: يا أم عقيل عظم أجرك في عقيل، قالت: ويحك، أمات ابني؟ قال: نعم، قالت: وما سبب موته؟ قال: ازدحمت الإبل على ابنك، فرمت به في البير، قالت: انزل، فاقض زمام القوم، فنزل فذبح لنا كبشاً وأصلحه مع ملح، وقربه إلينا، فأكلنا ونحن نتعجب من صبرها، فلما فرغنا خرجت إلينا فقالت: يا هؤلاء: هل، فيكم أحد يحسن من كتاب الله شيئاً؟ قال: قلت نعم، قالت: فاقرأ علي آيات من كتاب الله أتعزى بها، قال: فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون "، فقالت: الله إنها لفي كتاب الله هكذا؟ قلت: الله إنها لفي كتاب الله هكذا، قالت: فالسلام عليك، ثم قامت فصفت قدميها، ثم صلت ركعتين، ورفعت يديها، وهي تقول: إنا لله وإنا إليه راجعون وعند الله أحتسب عقيلاً، تقول ذلك ثلاثاً، ثم قالت: اللهم إتني قد فعلت ما أمرتني، فأجزل ما وعدتني.
стр. 398
وقال: سهرت ليلة بالبادية، وأنا نازل على رجل من بني الصيد، وكان واسع الرحل كريم المحل، وأصبحت وقد عزمت على الرجوع إلى العراق، فأتيت أنا مثواي، فقلت له: إني قد هلعت من طول الغربة، واشتقت أهلي، ولم تفدني قدمتي هذه إليكم كبير علم، وإنما كنت أفتقر وحشة الغربة وجفاء البادية للفائدة، فقال: فأظهر توجعا، ثم أبرز غداء له، فتغديت معه، وأمر بناقة له مهرية، كأنها سبيكة لجين، فارتحلها واكتفلها، ثم ركب وأردفني وأقبلها مطلع الشمس، فما سرنا كثير مسير حتى لقينا شيخ على حمار، ذو جمة قد نعمها بالورس كأنها " قنبيطة " بالقاف المضمومة ثم النون المشددة ثم الموحدة ثم المثناة من تحت ثم الطاء المهملة وهو يترنم، فسلم صاحبي عليه، وسأله عن نسبه، فاعتزى أسدياً من بني ثعلبة، فقال له: يا ابن عم، أتنشد أم تقول؟ فقال: كلا قال: فأين تنزل؟ فأشار إلى ماء قريب، فأناخ الشيخ وقال لي: خذ بيد ابن عمك، فأنزله عن حماره، ففعله فألقى له كساء كان اكتفل به بعيره، فقال له: أنشدنا رحمك الله وتصدق على هذا الغريب بأبيات يعيهن عنك، ويذكرك بهن فأنشد:
لقد طال يا سوداء منك المواعد ... ودون الجدا المأمول منك الفوائد
تمنيتها غدواً وغيمكم غدا ... أصاب فلا صحواً ولا الغيم جامد
إذا أنت أعطيت الغنى ثم لم نجد ... بفضل الغنى ألقيت ما لك حامد
وقل غناء عنك مال جمعته ... إذا صار ميراثاً وواراك لأحد
إذا أنت لم يعزل بجنبك بعض ما ... تربت من الأدنى ورباك الأباعد
إذا العزم لم يفرج لك الشك لم تزل ... حبيباً كما استبلى لجيشة فائد
إذا أنت لم تترك طعاماً تحبه ... ولا مقعد أتدعى إليه السوائد
تجللت عاداً لا يزال بسبه ... سباب رجال نثرهم والقصائد
وأنشد:
تعز فإن الصبر بالحر أجمل ... وليس على شرب الزمان مقول
فإن تكن الأيام فينا تبدأت ... ببؤس ونعم والحوادث تفعل
فما لينت منا قناة صلابة ... ولا ذللتنا للذي ليس يحمل
ولكن نحلناها نفوساً كريمة ... فتجهل ما لا نستطيع فنجمل
وقينا بعزم الصبر منا نفوسنا ... فصحت لنا الأعراض والناس هزل
стр. 399
قال الأصمعي: فنمت والله قد أنسيت أهلي، وهانت علي الغربة وشطف العيش " يعني خشونته " سروراً بما سمعته.
وقال: رأيت بالبادية شيخاً قد سقط حاجباه على عينيه، فسألته عن سنه فقال: مائة وعشرون سنة، فقلت: أرى فيك بقية، فقال: تركت الحسد فبقي علي الحسد، فقلت له: هل قلت شيئاً؟ فقال: بيتين في إخواني فاستنشدته فقال:
ألا أيها الموت الذي ليس تاركي ... أرحني، فقد أفنيت كل خليل
أراك بصيراً بالذين تبيدهم ... كأنك تنحو نحوهم بدليل
وقال وكان بالبصرة أعرابي من بني تميم، يطفل أو قال: يتطفل على الناس، فعاتبته على ذلك، فقال: والله ما بنيت المنازل إلا لتدخل، ولا وضع الطعام إلا ليؤكل، وما قدمت هدية إلا لتقبل، فأتوقع رسولاً، وما أكره أن أكون ثقلاً ثقيلاً على من أراه شحيحاً بخيلاً، وأقتحم عليه مستأنساً، وأضحك إن رأيته عابساً، وآكل برغمه، وأوذعه بغمه، فما أعد للهوات طعام أطيب من طعام لا ينفق عليه درهم، ولا يعنى فيه خادم، ثم أنشأ يقول:
كل يوماً دور في عرصة الحي ... اسم القتار ثم ألف باب
فإذا ما رأيت آثار عرس ... وختان ومجمع للصحاب
لم أودع دون التقحم لا ... أرهب دفعاً ونكرت البواب
مع أبيات أخرى، وقال عمرو بن الحارث الحمصي ما رأى الأصمعي مثل نفسه قط، لقد قال الرشيد يوماً: أنشدونا أحسن ما قيل في العقاب، فعذر القوم، ولم يأتوا بشيء، فقال الأصمعي من أحسنه:
باتت بورقها في وكرها شعب ... وناهض مخلص الأقرات من فيها
ثم استمر بها عزم فحذرها ... كأنما الريح هبت من خوافيها
ما كان إلا كرجع الطرف أو رجعت ... فلا تمطرن مما في أسافيها
ثم قال: وهذا امرؤ القيس يقول:
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والخشف البالي
فقال الرشيد: لله درك ما من شيء إلا وجدت عندك فيه شيئاً، وقال عمرو: دخل العباس بن أحنف على الرشيد، وعنده الأصمعي، فقال له: أنشدنا من مكحل العربية، فأنشده:
стр. 400
إذا ما شئت أن تصنع شيئاً يعجب الناسا ... فصور هاهنا فوراً صور ثم عباسا
ودع بينهما شبراً، فإن زدت فلا بأسا ... وإن لم يدنوا حتى ترى رأسيهما رأسا
فكذبها وكذبه بما قاست وما قاسا
قال: فلما خرج قال الأصمعي: يا أمير المؤمنين؟ مسروق من العرب والعجم، فقال لي: ما كان من العرب. فقلت: رجل يقال له عمر، هوى جارية يقال لها قمراء:
إذا ما شئت أن تصنع شيئاً يعجب السرا ... فصور هاهنا قمراً وصورها هنا عمرا
فإن لم يدنوا حتى ترى بشريهما بشراً ... فكذبها بما ذكرت، وكذبه بما ذكرا
وقال: فما كان من العجم؟ قلت: رجل يقال له فلق " بسكون اللام بين الفاء المفتوحة والقاف " هوى جارية يقال لها روف، فقال:
إذا ما شئت أن تصنع شيئاً يعجب الخلقا ... فصور هاهنا روفا وصورها هنا فلقا
فإن لم يدنوا حتى ترى خلقيهما خلقا ... فكذبها بما لقيت وكذبه بما يلقى
قال: فبينا نحن كذلك إذ دخل الحاجب، فقال: عباس بالباب، فقال: ائذن له فدخلت فقال: يا عباس تسرق معاني الشعر، وتدعيه؟ فقال: ما سبقني إليه أحد، فقال هذا الأصمعي يحكيه عن العرب والعجم، ثم قال: يا غلام ادفع الجائزة إلى الأصمعي قال: فلما خرجنا قال العباس: كذبتني وأبطلت جائزتي، فقلت: أتذكر يوم كذا، ثم أنشأت أقول:
إذا ودندت امرؤاً فاحذر عداوته ... من يزرع الشوك لا يحصد به عنها.
قلت: وقد خطر لي حال إملائي على الكاتب أن أردف هذا البيت بيتين مما يناسب فقلت:
ومن من الخير لم يغرس بخيل علا ... لم يجتن من حسن الدنى رطبا
ومن بدنياه لم يتعب بطاعته ... فداركم يلقى لها تعبا
وقال الأصمعي: قال هارون الرشيد ليلة وهو يسير في قبة: يا أصمعي، حدثني، قلت: يا أمير المؤمنين، إن مزرد بن مرار كان شاعراً مليحاً ظريفاً، وإن أمه كانت تبخل عليه بزادها، وإنها غابت عن بيتها يوماً، فوثب مزرد على ما في بيتها فأكله وقال:
ولما غدت أمي تزوز بناتها ... أغرت على العلم الذي كان يمنع
خلطت بصاعي عجوة ... إلى صاع سمن فوقه يتردع
стр. 401
ودلت بأمثال الأثافي كأنها ... رؤوس نقبا ذرفت لا تجمع
وقلت ليتني لسر اليوم أنه ... حمى أمنا مما يفيد ويجمع
فإن كنت مصفوراً فهذا دواؤه ... وإن كنت غرثاناً فذا يوم يشبع
قال: فضحك الرشيد، وقال: الدنيا ليس فيها مثلك حسن، قال: فدعوت له وفضلته على الملوك بحبه العلم وإحسانه أهله " قوله علم بكسر العين هو نمط تجعل فيه المرأة ذخيرتها "، وكان الرشيد يحب الوحدة، وكان إذا ركب عاد له الفضل بن الربيع، وكان الأصمعي يسير قريباً منه بحيث يحادثه، وإسحاق الموصلي يسير قريباً من الفضل، وكان الأصمعي لا يحدث الرشيد شيئاً إلا وسر به وضحك، فحسده إسحاق، فقال إسحاق للفضل: كل ما يقوله كذب، فقال الرشيد: أي شيء قال؟ فأخبره، فغضب الرشيد، فقال: والله إن كان ما يقوله كذباًً إنه لأظرف الناس، وإن كان حقاً إنه لأعلم الناس.
قال الأصمعي: قال لي الرشيد: أما ترى قبيح أسماء سكك بغداد، مثل قطيعة الكلاب ونهر الدجاج وأشباه ذلك، فهل للعرب مواضع قبيحة الأسماء؟ قلت: نعم، قد قال: الراجز: " ما ترى ملح بارف سقيت ماؤه بير فشر ورى فقر درى لحنونا فلحسه " فقال: ولله درك يا أصمعي، ما رأيت مثلك، خلقت لهذا الشأنه وحدك.
وقال: قدمت على الرشيد، فاستبطأني، فقلت: ما لاقتني أرض حتى رأيت أمير المؤمنين، فلما خرج الناس، قال: ما معنى ما لاقتني؟ قلت: ما ألصقتني بها، ولا قبلتني، فقال: هذا حسن، ولكن لا تكلمني بين يدي الناس إلا بما أفهمه، حتى أجد جوابه، فإذا خلوت فقل ما شئت، وإنه لقبيح بالسلطان أن يسمع ما لا يدري، فإما أن يسكت ويعلم الناس أنه ما فهم، أو يجيب بغير الجواب، فيتحقق عندهم ذلك، فقلت: قد والله أفسدت إفساداً في أمير المؤمنين عن التأدب أكثر مما أفسدته، وقال: قال لي المأمون أيام الرشيد: لمن هذا البيت؟
ما كنت إلا كلحم ميت ... دعا إلى أكله اضطرار
فقلت: لابن عيينة المهلبي، فقال: كلام شريف، ثم قال لي: يا أصمعي، كأنه من قول الشاعر:
وأن يقوم سوده كالفاقة ... إلى سيد لو يظفرون بسيد
فقلت له: والله جاؤا به الأمير، وعجبت من فهمه مع صغر سنه.
стр. 402
قال: الأصمعي: كنت مع الرشيد في بعض أسفاره، فعطش، وقد تقدمته حمولة الثلج، فأتي بماء من ماء الرحل، فلما صار في فمه، مجه فقال له أبو البختري: يا أمير المؤمنين إني كنت ألتمس موضعاً لوعظك، فلا أقدر عليه، وقد وجدته، أفتأذن يا أمير المؤمنين. قال: نعم، قال: يا أمير المؤمنين، لو أكلت الطيب والخبيث وشربت الحار والقار، ولبست اللين والخشن، لكان أصلح لك، فإنك لا تدري ما يكون من صروف الزمان، قال: فانتفخ في ثوبه حتى خلته سمعت أرغته، ثم سكن فقال: يا أبا البختري، تلبس هذه النعمة ما لبسنا؟ فإذا أعوذ بالله زالت عنا رجعنا إلى عود غير حوار.
وسأل الرشيد يوماً أهل مجلسه عن صدر هذا البيت:
ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه، فلم يعرفه أحد، فقال إسحاق الموصلي: الأصمعي عليل، وأنا أمضي إليه وأسأله عنه، فقال الرشيد، احملوا إليه ألف دينار لنفقته، قال: فجاءت رقعة الأصمعي، وفيها أنشد في خلق الأحمر لأبي نسناس النهشلي.
وسائلته أين الرحيل وساءل ... ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه؟
ودوابه يخشى بها الري سرت ... بأبي النسناس فيها ركائبه
ليدرك ناراً أو ليكسب مغنماً ... جزيلاً وهذا الدهر جم عجائبه
وذكر القصيدة كلها، وقال الأصمعي: بينما أنا مع الرشيد بمكة، إذ عارضه العمري فقال: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أكلمك بكلام غليظ، احتمله لله ، فقال: أفعل، فو الله لقد بعث الله تعالى من هو خير منك إلى من هو شر مني، فقال: فقولا له ليناً.
قلت: ومما يناسب هذا الكلام ما شاع في بلاد اليمن بين العلماء والعوام، إن الإمام الكبير الولي الشهير إمام الفريقين وموضع الطريقين محمد بن إسماعيل الحضرمي، قدس الله روحه، كتب إلى الملك المظفر صاحب اليمن في سقيفة خزف: يا يوسف، فكتب المد يعاتبه ويقول: أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني.
وفي رواية: دع أنك موسى، ولست بموسى، وأني فرعون ولست بفرعون، وقد قال الله تز وحل: " فقولا له قولا ليناً " " طه: ٤٤، " أما تكتب إلي في ورقة بفلس؟ قلت: وقدم ذكر وعظ العمري لهارون في ترجمته.
وقال الأصمعي: كنت عند الرشيد بالرقة، فبعث إلي فقمت وأنا وجل،. فدخلت هو جالس على بسط، وإذا كرسي خيزران إلى جانبه وجويرية خماسية جالسة على ذلك
стр. 403
فسلمت فلم يرد علي، وجعل ينكت في الأرض، فأيست من الحياة، فقال: يا أصمعي؟ ألم تر هذا الكذاب عبد بني حنيفة يقول لمعن بن زائدة، وإنما هو عبد عبيدي:
أقمنا باليمامة إذ يئسنا ... مقاماً لا يزيد به وبالاً
وقلنا أين نذهب بعد معن ... وقد ذهب النوال فلا نوالاً
وكان الناس كلهم لمعن ... إلى أن زار حفرته عيالاً
فجعلني وحشمي عيالاً لمعن، وقال: إن النوال قد ذهب، فما تصنع بنا؟ فقلت: يا أمير المؤمنين عبد من عبيدك، أنت أولى بأدبه، وهو بالباب، فقال علي به، فأدخل، فقال: السياط، فأخذ الخدم يضربونه فضرب أكثر من ثلاثمائة سوط، وهو يصيح ويقول: يا أمير المؤمنين، استبقني، واذكر قولي فيك وفي أبيك، قال: وما قلت فينا. فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
ما تطفئون من السماء نجومها ... أو تمحقون من السمع هلالها
أم ترفعون مقالة عن ربه ... جبريل بلغها النبي فقالها
شهدت من الأنفال أحزابه ... إن أتهم فأرتمو إبطالها
فدعوا الأسود خوادراً في غيلها ... ألا تولغ دماءكم أشبالها
وقال: فأمر له بثلاثين ألف درهم وخلاه، فلما خرج قال لي: يا أصمعي من هذه؟.
قلت: لا أدري، قال: هذه مواسية بنت أمير المؤمنين، قم فقبل رأسها، فقلت: أفلت من واحدة، ووقعت في أخرى، إن فعلت أدركته الغيرة فقتلني، فقمت، وما أعقل، فوضعت كمي على رأسها وفمي على كفي، فقال لي: والله لو أخطأتها لقتلتك، قلت: يعني لو أخطأت هذه الفعلة التي فعلتها بهذه الصفة، قال: ثم قال: أعطوه عشرة آلاف درهم.
وقال الأصمعي: حضرت أنا وأبو عبيدة عند الفضل بن الربيع، فقال لي: كم كتابك في الخيل؟ فقلت: مجلد واحد، فسأل أبا عبيدة عن كتابه فقال: خمسون مجلداً، فقال له: قم إلى هذا الفرس وأمسكه عضواً عضواً منه، فقال: لست بيطاراً، وإنما هذا شيء أخذته من العرب، فقال لي: قم يا أصمعي، وافعل ذلك، فقمت وأمسكت ناصيته، وشرعت أذكر عضواً عضواً، وأضع يدي عليه، وأنشده ما قالت العرب فيه إلى أن فرغت منه، فقال: خذه، فأخذته، وكنت إذا أردت أن أغيظ أبا عبيدة كتبته إليه.
وروي عن طريق أخرى أن ذلك عند هارون الرشيد، وأن الأصمعي لما فرغ من كلام في أعضاء الفرس، قال الرشيد لأبي عبيدة: ما تقول في ما قال؟ قال: أصاب في بعض، وأخطأ في بعض، فالذي أصاب فيه مني تعلم، والذي أخطأ فيه ما أدري من أين أتى به.
стр. 404
وقال أبو العيناء: أنشدني أبو العالية الشامي:
لا در در بباب الأرض أن فجعت ... بالأصمعي لقد أبقت لنا أسفا
عش ما بدا لك في الدنيا فلست ترى ... في الناس منه ولا من علمه خلفا
قلت: وقد روي عن أبي العيناء في ذم الأصمعي، عن أبي قلابة بيتان يضادان ما مد في هذين البيتين، كرهت ذكرهما لكون ما مدح به معلوماً عند الخلق، وما ذمه به مجهولاً عندهم، وفهرست أسماء تصانيفه على ثلاثين كتاباً.
ومن مسنده عن عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي ﵌ أنه قال: " إياكم ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالباً ".
وبإسناده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الكنز مر به الخضر ﵇، كان لوحاً من ذهب مضروباً مكتوباً فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجباً لمن يعرف الموت كيف يفرح، ولمن يعرف النار كيف يضحك، ولمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، ولمن يؤمن بالقضاء والقدر، كيف ينصب في طلب الرزق، ولمن يؤمن بالحساب كيف يعمل الخطايا، لا إله إلا الله محمد رسول الله ﵌.
وبإسناده عن سلمة بن بلال قال: قال علي رضي الله تعالى عنه:
لا تصحب أخا الجهل وإياك وإياه ... فكم من جاهل أردى حليماً حين آخاه
وللشيء على الشيء مقاييس مقاييس ... يقاس المرء بالمرء إذا هو ما شاء
وبإسناده عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: هذا المال لا يصلحه إلا ثلاث: أخذه من فضله، ووضعه في حقه، ومنعه من السرف.
وقال: لقي عمر بن الخطاب ﵁ بطرف الجمرة رجلاً فقال له: ما اسمك؟ قال: طارق، قال: ابن من. قال: ابن شهاب، قال: ممن. قال: من الحرقة، قال: أين منزلك؟ قال بجمرة النار، قال: بأيها؟ قال: بذات لظى، قال: أدرك أهلك فقد حرقوا فرجع إلى أهله فرجع إلى أهله فوجدهم قد احترقوا.
وبإسناده قال ﵌: " من أنعم الله عليه، فليحمد الله ومن استبطأ عليه الرزق، فليستغفر الله، ومن حزبه أمر، فليقل: لا حول ولا قوة بالله ".
стр. 405
سبع عشرة ومائتين
وفيها توفي، وقيل في التي قبلها حجاج بن المنهال البصري الأنماطي الحافظ سمع شعبة، وطائفة رحمة الله عليهم.
وفيها توفي سريج بن النعمان البغدادي الحافظ وموسى بن داود الضبي الحافظ هشام بن إسماعيل الخزاعي الدمشقي الزاهد القدوة رحمة الله عليهم.
ثمان عشرة ومائتين
فيها: امتحن المأمون العلماء بخلق القرآن، وكتب إلى نائبه على بغداد، وبالغ في ذلك، وقام في هذه البدعة قيام متعبد بها، فأجاب أكثر العلماء على سبيل الإكراه، وتوقف طائفة، ثم أجابوا وناظروا، فلم يلتفت إلى قولهم، وعظمت المصيبة بذلك، وتهدد على ذلك بالقتل، فلم يقف، ولم يثبت من علماء العراق إلا أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح، قيل: وارسلا إلى المأمون، وهو بطرسوس، فلما بلغوا الرقة جاءهم الفرج بموت المأمون، وعهد بالخلافة إلى أخيه المعتصم.
وفيها: دخل كثير من أهل بلاد همدان في دين الخرمية وعسكروا فندب المعتصم لهم أمير بغداد إسحاق بن إبراهيم، فالتفاهم بأرض همذان، فكسرهم وقتل منهم ستين ألفاً، وانهزم من بقي إلى ناحية الروم.
وفيه: توفي أبو محمد عبد الملك بن هشام البصري الحميري الأصل المعافري اليمني النحوي صاحب المغازي، الذي هذب السيرة وتخصها، وكان أديباً أخبارياً نسابة، سكن مصر وبها توفي في شهر رجب.
وفيها توفي بشر المريسي رأس الضلالة الداعي إلى البدعة بالقول بخلق القرآن وغير ذلك من العقائد المخالفة لمذهب أهل الحق.
قيل: وكان مرجئاً، وإليه ينسب الطائفة المريسية من المرجئة، وكان يناظر الإمام شافعي، وهو لا يعرف النحو، بل يلحن لحناً فاحشاً، وقيل: كان أبوه يهودياً صباغاً
стр. 406
بالكوفة. " والمريسي " منسوب إلى مريس، قيل: قرية من قرى مصر، وقيل: بين بلاد النوبة والسودان وقيل: بل منسوب إلى درب المريس ببغداد حيث كان يسكن.
وفي السنة المذكورة أيضاً توفي المأمون أبو العباس عبد الله بن الرشيد هارون بن المهدي بن المنصور العباسي، وله ثمان وأربعون سنة وكأن أبيض ربعة، حسن الوجه أعين، طويل اللحية ذا رأى وعقل ودهاء وشجاعة وكرم وحلم ومعرفة بعلم الأدب وعلوم أخرى، وكان من أذكر العالم وله همة عالية، ذا رأي في الجهاد وغيره، وكان يقول: معاوية لعمرو " بفتح العين المهملة " وعبد الملك لحجاجه، وأنا لنفسي، وكان في اعتقاده شيعياً استقل بالخلافة عشرين سنة بعد قتل أخيه الأمين لما خلعه.
ومما يحكى من ذكائه وحسن أدبه، أنه كان أبوه الرشيد يميل إليه أكثر من أخيه الأمين، وكانت أم الأمين زبيدة تغار من ذلك، وتوبخ الرشيد على ميله إلى ولد الجارية فقال لها على طريق الإعتذار، سأبين لك فضلهما، أو قال: فضله على أخيه، فاستدعى بالأمين وكانت عنده مساويك فقال له: ما هذه يا محمد. فقال: مساويك، فقال: اذهب، ثم استدعى بالمأمون، فلما أحضر قال: ما هذه يا عبد الله؟ فقال: ضد محاسنك أمير المؤمنين، أو كما قال له من العبارة، كل ذلك وزبيدة تسمع ليمهد عذره عندها.
قلت: وهذا ما اقتصرت عليه في ترجمته، وله ما يكثر ذكره من الفضائل، وقد وقع ذكر شيء منها في غير هذا المكان.
وفيها توفي ناصر السنة محمد بن نوح العجلي، المحمول مقيد مع الإمام أحمد، مرض ومات في الطريق وكان يثبت أحمد ويشجعه.
تسع عشرة ومائتين
فيها: وقيل في التي بعدها: امتحن المعتصم الإمام أحمد وضرب بين يديه بالسياط حتى غشي عليه، فلما صمم ولم يجبهم إلى مرادهم أطلقه وندم على ضربه، وقد أوضحت في كتاب " المرهم في الأصول " كيفية ذلك الإمتحان، ومن حرض عليه من علمائهم، لحق المتولين ذلك من العقوبة.
وفيها توفي أبو أيوب سليمان بن علي الهاشمي، كان إماماً فاضلاً شريفاً، روي أن الإمام أحمد بن حنبل أثنى على سليمان بن علي، وقال: يصلح للخلافة.
стр. 407
وفيها توفي الإمام أبو نعيم الفضل بن دكين محدث الكوفة الحافظ. قال ابن معين: ما رأيت أثبت من أبي نعيم وعفان، وقال أحمد: كان يقظان في الحديث عارفاً، وقام في أمر الإمتحان بما لم يقم به غيره، وكان أعلم من وكيع بالرجال وأنسابهم، ووكيع أفقه منه، وقال غيره لما امتحنوه: قال: والله، عنقي أهون من زري هذا، ثم قطع زره ورمى به.
وفيها توفي أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي الكوفي الحافظ رحمة الله تعالى عليه
عشرين ومائتين
فيها عهد المعتصم للأفشين على حرب بابك الخرمي الذي هزم الجيوش وخرب البلاد منذ عشرين سنة، فالتقى الأفشين بابك، فهزمه وقتل من الخرمية نحو الألف، وهرب بابك، ثم جرت لهما أمور يطول شرحها، وفيها أمر المعتصم بإنشاء مدينة يتخذها داراً للخلافة، وسميت سر من رأى.
وفيها غضب المعتصم على وزيره الفضل بن مروان وأخذ منه عشرة آلاف دينار.
وفيها توفي آدم بن أبي إياس الخراساني ثم البغدادي نزيل عسقلان، كان صالحاً قانتاً لله، ولما احتضر قرأ الختمة ثم قال: لا إله إلا الله. وفارق الدنيا، " وعبد الله " بن جعفر الرقي الحافظ، " وعفان " بن مسلم الحافظ البصري أحد أركان الحديث، قال يحيى بن معين: أصحاب الحديث خمسة: ابن جريج ومالك والثوري وشعبة وعفان. قال حنبل: كتاب المأمون إلى متولي بغداد يمتحن الناس، وكتب: إن لم يجب عفان فاقطع رزقه، وكان له في الشهر خمسمائة درهم، فلم يجبهم وقال: وفي السماء رزقكم وما توعدون.
وفيها: توفي الإمام قالون قارىء أهل المدينة، صاحب نافع.
وفيها: توفي الشريف أبو جعفر محمد الجواد بن علي الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر، أحد الإثني عشر إماماً الذين يدعي الرافضة فيهم العصمة، وعمره خمس وعشرون سنة، وكان المأمون قد نوه بذكره، وزوجه بابنته، وسكن بها المدينة، وكان المأمون ينفذ إليه في السنة ألف ألف درهم. قلت: وقد تقدم أن المأمون
стр. 408
زوج ابنته من أبيه " علي الرضى " وكان زوج الأب والإبن بنتيه، كل واحد بنتاً، وقدم الجواد إلى بغداد وافدا على المعتصم، ومعه امرأته أم الفضل ابنة المأمون، فتوفي فيها، وحملت امرأته أم الفضل إلى قصر عمها المعتصم، فجعلت مع الحرم، وكان الجواد يروي مسنداً عن آبائه إلى علي بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين أنه قال: بعثني رسول الله ﵌ إلى اليمن، فقال لي وهو يوصيني: يا علي، ما جار، أو قال: ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، يا علي، عليك بالدلجة، فإن الأرض تطوي بالليل ما لا تطوي بالنهار، يا علي، أغد، فإن الله بارك لأمتي في بكورها، وكان يقول: من استفاد أخاً في الله، فقد استفاد بيتاً في الجنة. ولما توفي دفن عند جده موسى بن جعفر في مقابر قريش، وصلى عليه الواثق بن المعتصم.
إحدى وعشرين ومائتين
وفيها: توفي الإمام الرباني أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثي المدني القعنبي الزاهد، سكن البصرة ثم مكة وبها توفي، وقيل بالبصرة، وهو أوثق من روى الموطأ، قال أبو زرعة: ما كتبت عن أحد أجل في عيني من القعنبي، وقال أبو حاتم: ثقة لم أر أخشع منه، وقال غيرهما من الأئمة هو والله عندي خير من مالك، وقال الفلاس: كان القعنبي مجاب الدعوة، وقال محمد بن عبد الوهاب الفراء: سمعتهم بالبصرة يقولون القعنبي من الإبدال.
قال عبد الله بن أحمد بن الهيثم: سمعت جدي يقول: كنا إذا أتينا عبد الله بن مسلمة القعنبي خرج إلينا كأنه مشرف على جهنم نعوذ بالله منها قلت: وقال الشيخ محيي الدين النووي في شرح البخاري: روينا عن أبي مرة الحافظ قال: قلت للقعنبي: حدث، ولم يكن يحدث، قال: رأيت كأن القيامة قد قامت، فصيح بأهل العلم، فقاموا فقمت معهم، فصيح. اجلس، فقلت: إلهي ألم أكن معهم أطلب؟ قال: بلى، ولكنهم نشروه وأخفيته، فحدث، قال النووي: وروينا عن الإمام مالك أن رجلاً جاءه فقال: قدم القعنبي، فقال مالك: قوموا بنا إلى خير أهل الأرض، وقال محيي الدين المذكور: سمع مالكاً والليث وحماد بن سلمة وخلائق لا يحصون من الأعلام وغيرهم. وروى عنه الذهلي والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والخلائق من الأعلام، وأجمعوا على جلالته وإتقانه وحفظه وإخلاصه وورعه وزهادته، وكانت وفاته يوم الجمعة لست خلت من المحرم من السنة المذكورة.
стр. 409
اثنتين وعشرين ومائتين
فيها التقى الأفشين والخرمية، فهزمهم ونجا بابك، فلم يزل الأفشين يتحيل عليه حتى أسره، وقد عاث هذا الشيطان وأفسد البلاد والعباد، وامتدت أيامه نيفاً وعشرين سنة، وأراد أن يقيم ملة المجوس، واستولي على كثير من البلدان.
وفي أيامه ظهر المازيار القائم بملة المجوس بطبرستان وبعث المعتصم إلى الأفشين بثلاثين ألف ألف درهم ليتقوى بها، وافتتحت مدينة بابك في رمضان بعد حصار شديد فاختفى بابك في غيضة وأسر جميع خواصة وأولاده، وبعث إليه المعتصم الأمان، فخرق به وسبه، وكان قوي النفس شديد البطش صعب المراس، فطلع من تلك الغيضة في طريق يعرفها في الجبل، وانفلت ووصل إلى جبال أرمينية، فنزل عند " البطريق سهل " فأغلق عليه، وبعث ليعرف الأفشين، فجاء الأفشينية فتسلموه، وكان المعتصم قد جعل لمن جاء به حياً ألفي ألف درهم، ولمن جاء برأسه ألف ألف درهم، وكان يوم دخل ببغداد يوماً مشهوداً.
وفيها توفي أبو اليمان الحكم بن نافع اليماني الحمصي الحافظ " وأبو عمرو " مسلم بن إبراهيم الفراهيدي مولاهم الحافظ محدث البصرة، سمع من ثمانية شيوخ بالبصرة، وكان يقول: ما أتيت حراماً ولا حلالاً قط.
ثلاث وعشرين ومائتين
فيها أتي المعتصم ببابك، فأمر بقطع رأسه وبصلبه.
وفيها توفي خالد بن خداش المهلبي البصري المحدث، وعبد الله بن صالح الجهني المصري الحافظ، وأبو بكر بن أبي الأسود قاضي همدان، وكان حافظاً مفتياً، وموسى بن إسماعيل البصري الحافظ أحد أركان الحديث رحمة الله عليهم.
أربع وعشرين ومائتين
فيها ظهر مازيار " بالزاي ثم الياء المثناة من تحت وفي آخره راء " بطبرستان، فسار لحربه عبد الله بن طاهر، وجرت له حروب وأمور، ثم اختلف عليه جنده، وكان قد ظلم وأسف وصادر وخرب أسوار بلدان منها: الري وجرجان وغير ذلك، وسيأتي ذكر قتله.
وفيها توفي الأمير إبراهيم بن المهدي العباسي، وكان فصيحاً أديباً شاعراً رأساً في معرفة الغناء وأبوابه، ولي أمرة دمشق لأخيه الرشيد، وبويع بالخلافة ببغداد، ولقب بالمبارك
стр. 410
عندما جعل المأمون ولي عهده علي بن موسى الرضى، وحورب فانكسر مرة بعد أخرى، واختفى، وبقي مختفياً سبع سنين، ثم ظفروا به، فعفا عنه المأمون.
وفيها توفي قاضي مكة أبو أيوب سليمان بن حرب الأزدي الواشجي البصري الحافظ، حضر مجلسه المأمون من وراء ستر. وأبو الحسن علي بن محمد المدائني البصري الأخباري صاحب التصانيف والمغازي والأنساب، وكان يسرد الصوم.
وفيها توفي العلامة العالم أبو عبيد القاسم بن سلام " بتشديد اللام " البغدادي صاحب التصانيف، سمع شريكاً وابن المبارك وطبقتهما، وقال إسحاق بن راهويه الحق يحدث الله: أبو عبيد أفقه مني وأعلم. وقال أحمد: أبو عبيد أستاذ، ووصفه غيره بالدين والسيرة الجميلة وحسن المذهب والفضل البارع، وكان أبوه عبداً رومياً لرجل من أهل هراة، اشتغل أبو عبيد بالحديث والفقه والأدب.
وقال القاضي أحمد بن كامل: أبو عبيد فاضل في دينه وعلمه، متفنن في أصناف علوم الإسلام من القرآن والفقه والعربية والأخبار وحسن الرواية، صحيح النقل، لا أعلم أحداً من الناس ظفر عليه في شيء من أمر دينه.
وقال إبراهيم الحربي: كان أبو عبيد كأنه جبل نفخ فيه الروح، يحسن كل شيء، ولي القضاء بمدينة طرسوس ثماني عشرة سنة، وروى عن أبي زيد الأنصاري والأصمعي وأبي عبيدة وابن الأعرابي والكسائي والفراء وجماعة كثيرة وغيرهم. وروى الناس من كتبه المصنفة نيفاً وعشرين كتاباً في القرآن الكريم والحديث وغريبه والفقه، وله مصنف " في الغريب " و " كتاب الأمثال "، و " معاني الشعر والمقصور والممدود "، و " القراءات والمذكر والمؤنث "، و " كتاب النسب "، و " كتاب الأحداث "، و " أدب القاضي "، و " عدداي القرآن "، و " الأيمان والنذور "، و " كتاب الأموال "، وغير ذلك من الكتب النافعة، ويقال أنه أول من صنف في غريب الحديث، ولما وضع كتاب الغريب عرضه على عبد الله بن طاهر، فاستحسنه وقال: إن عاقلاً بعث صاحبه على عمل هذا الكتاب حقيق أن لا يخرج إلى طلب المعاش، وأجرى له عشرة آلاف درهم في كل شهر.
وقال محمد بن وهب المسعودي: سمعت أبا عبيد يقول: كنت في تصنيف هذا الكتاب أربعين سنة، وربما كنت أستفيد الفائده من أفواه الرجال، فأضعها في موضعها من
стр. 411
الكتاب، فأبيت ساهراً فرحاً مني بتلك الفائدة، وأحدكم يجيئني، فيقيم أربعة أو خمسة أشهر، فيقول قد أقمت كثيراً.
وقال الهلال بن العلاء الرقي: من الله تعالى على هذه الأمة بأربعة في زمانهم: " بالشافعي " تفقه في حديث رسول الله ﵌، " وبالإمام أحمد " ثبت في المحنة، ولولا ذلك لكفر الناس أو قال ابتدعوا، " ويحيى بن معين " نفى الكذب عن حديث رسول الله ﵌، وبأبي عبيد القاسم بن سلام، فسر غريب الحديث، ولولا ذلك لإقتحم الناس الخطأ.
وقال أبو بكر الأنباري: كان أبو عبيد يقسم الليل أثلاثاً: فيصلي ثلثه، وينام ثلثه، ويضع الكتاب ثلثه.
وقال أبو الحسن إسحاق بن راهويه: أبو عبيد أوسعنا علماً، وأكثرنا جمعاً، إنا نحتاج إلى أبي عبيد، وأبو عبيد لا يحتاج إلينا. وقال ثعلب: لو كان أبو عبيد في بني إسرائيل لكان عجباً، وكان يخضب بالحناء، أحمر الرأس واللحية، ذا وقار وهيبة، قدم بغداد فسمع الناس منه كتبه، ثم حج بمكة سنة اثنتين أو ثلاثاً وعشرين ومائتين، وقال البخاري: في سنة أربع وعشرين.
وذكر الإمام ابن الجوزي أنه لما قضى حجته، وعزم على الإنصراف، اكترى إلى العراق، فرأى في الليلة التي عزم على الخروج في صبيحتها في منامه النبي ﵌، وهو جالس وعلى رأسه قوم يحجبونه، وأناس يدخلون، ويسلمون عليه ويصافحونه. قال: فكلما دنوت لأدخل منعت، فقلت: لم لا تخفون بيني وبين رسول الله ﵌؟ فقالوا: والله، لا تدخل إليه، ولا تسلم عليه، وأنت خارج غداً إلى العراق، فقلت لهم: إني لا أخرج إذن، فأخذوا عهدي، ثم خلوا بيني وبين رسول الله ﵌، فدخلت وسلمت عليه، وصافحني، وأصبحت ففسخت الكري، وسكنت بمكة، قال: ولم يزل بها إلى أن توفي رحمة الله عليه.
قال أبو عبيد: كنت مستلقياً في المسجد الحرام، فجاءتني عائشة المكية، وكانت من العارفات، فقالت لي: يا أبا عبيدة يقال أنك من أهل العلم، اسمع مني ما أقوله لك: لا تجالسه إلا بالأدب وإلا محاك من ديوان العلماء، أو قالت: من ديوان الصالحين، أو كما قالت رضي الله تعالى عنها.
стр. 412
خمس وعشرين ومائتين
فيها توفي الإمام المالكي اصبغ بن الفرج مفتي مصر، قال ابن معين: كان من أعلم خلق الله، يرى برأي مالك، أو قال: لمذهب مالك، يعرفه مسألة مسألة، متى قالها مالك؟ ومن خالفه فيها. وله تصانيف حسان.
وفيها توفي أبو عبيد بن فياض اليشكري البصري.
وفيها توفي الأمير أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي صاحب الكرخ، أحد الأبطال المذكورين والأجواد المشهورين، وهو أحد أمراء المأمون ثم المعتصم، وله وقائع مشهورة وصنائع مأثورة، أخذ عنه الأدباء الفضلاء، وله صنعة في الغناء، وله من الكتب " كتاب البزة والصيد "، و " كتاب السلاح "، و " كتاب سياسة الملوك " وغير ذلك، ولقد مدحه أبو تمام الطائي بأحسن المدائح، وكذلك بكر بن النطاح وفيه يقول:
يا طالباً للكيمياء وعلمه ... وابن عيسى الكيمياء الأعظم
لو لم يكن في الأرض إلا درهم ... ومدحته لأتاك ذاك الدرهم
ويقال أنه أعطاه على هذين البيتين عشرة آلاف درهم فأغفله قليلاً ثم دخل عليه، وقد اشترى بتلك الدراهم قرية في نهر الأبلة فأنشده:
بك ابتعت في نهر الأبلة قرية ... عليها قصير بالرماح مشيد
إلى جنبها أخت لها يعر ضونها ... وعندك يا للهبات عقد معقد
فقال له: وكم ثمن هذه الأخت؟ فقال: عشرة آلاف درهم فدفعها له، ثم قال: تعلم أن نهر الأبلة عظيم، وفيه قرى كثيرة، وكل أخت إلى جانبها أخرى، وإن فتحت هذا الباب اتسع علي الخرق فامتنع بهذه، فدعا له وانصرف، وكان أبو دلف قد شهد معركة فطعن فيه فارساً فنفذت الطعنة إلى أن وصلت إلى فارس فار آخر وراءه، فنفذت فيه السنان، فقتلهما، وفي ذلك يقول بكر بن النطاخ.
قالوا وينظم فارسين بطعنة ... يوم الهياج، ولا تراه كليلاً
لا تعجبوا فلو أن طول قناته ... ميل إذن نظم الفوارس ميلاً
وكان أبو عبد الله أحمد بن أبي صالح مولى بني هاشم أسود سيء الخلق، وكان فقيراً فقالت له امرأة: يا هذا، أن الأدب أراه قد سقط نجمه وطاش سهمه، فاعمد إلى سيفك ورمحك وفرسك، وادخل مع الناس في غزواتهم، عسى الله أن ينفلك من الغنيمة شيئاً فأنشد:
стр. 413
مالي ومالك قد كلفتني شططاً ... حمل السلاح وقول الدارعين، قف
أمن رجال المنايا خلتني رجلاً ... أمسي وأصبح مشتاقاً إلى التلف
تمسي المنايا إلى غيري فأكرهها ... فكيف أمشي إليها بارز الكتف
ظننت أن نزال الناس من خلقي ... أو أن قلبي في جنبي أبي دلف
فبلغ خبره أبا دلف، فوتجه إليه ألف دينار، وكان أبو دلف بكثرة عطائه، قد ركبته الديون، واشتهر ذلك عنه، فدخل عليه بعضهم وأنشده:
أيا رب المنائح والعطايا ... ويا طلق المحيا واليدين
لقد خبرت أن عليك دينا ... فزد في رقم دينك واقض ديني
فوصله وقضى دينه، ودخل عليه بعض الشعراء فأنشده:
الله أجرى من الأرزاق أكثرها ... على يديك العلم يا أبا دلف
ما خط لي كاتباه في صحيفته ... كما يخط لي في سائر الصحف
نادى الرماح فأعطى وهي جارية ... حتى إذا وقفت أعطى ولم يقف
وقد تقدم أنه حضر أبو دلف بين يدي المأمون فقال: يا أبا دلف، أنت الذي يقول فيك الشاعر:
إنما الدنيا أبو دلف ... بين بادية ومحتضره
فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره
قال: لست ذاك يا أمير المؤمنين ولكنني الذي يقول فيه علي بن جبلة.
أبا دلف ما كذب الناس كلهم ... سواي فإني في مديحك أكذب
فرضي عنه وتعجب من ذكائه، واستنشد أبو دلف أبا تمام القصيدة التي رثا بها محمد بن حميد، فلما بلغ قوله:
توفيت الآمال بعد محمد ... وأصبح في شغل عن السفر السفر
وما كان إلا مال من قلة ماله ... وذخر المراثي، وليس له زخر
تردى ثياب الموت حمراً فما أتى ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر
كأن بني نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء خر من بينها البدر
فبكى أبو دلف وقال: وددت أنها في، فقال أبو تمام: بل سيطيل الله الأمير، فقال: لم يمت من، قيل، فيه هذا و " السفر " بفتح السين، وسكون الفاء، جمع سافر، مثل
стр. 414
صاحب وصحب، يقال سفرت آسفر سفوراً أي خرجت إلى السفر، فأنا مسافر، وسفرت بين القوم أسفر سفاراً أي أصلحت، والسفير: الرسول، قلت: ولاشتقاق هذه اللفظه معان كثيرة، أوضحتها في " شرح المرسوم بمنهل الفهوم في شرح ألسنة العلوم ".
وحكى جماعة من أرباب التواريخ عن دلف " بضم الدال المهملة وفتح اللام وبعدها فاء "، ابن أبي دلف، قال: رأيت في المنام أتاني آت، فقال لي: أجب الأمير، فقمت معه فأدخلني داراً وحشة ذعرة، سوداء الحيطان مقلعة السقوف والأبواب، مشوهة البنيان وأصعدني على درج فيها، ثم أدخلني غرفة، في حيطانها أثر النيران، وإذا في أرضها أثر رمال، وإذا بأبي وهو عريان واضع رأسه بين ركبتيه كالحزين زماناً فقال لي، كالمستفهم: دلف. قلت: دلف، فأنشأ يقول:
أبلغن أهلنا ولا تخف عنهم ... ما لقينا في البرزخ الحيات
قد سئلنا عن كل ما قد فعلنا ... فارحموا وحشتي وما قد ألاقي
ثم قال فهمت قلت: نعم، ثم أنشد:
فلو كنا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حي
ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعده عن كل شيء
ثم قال: أفهمت، قلت: نعم، انتهت الحكاية، قلت: وإذا كانت بهجة الدنيا عاقبتها هذه العاقبة فتجارتها خاسرة، وصفقتها خائبة، وأحسن أحوالها أن يصحبها تقوى الله في أقوال النفوس وأفعالها، ولما وقفت على هذا المنام وما تضمنه من هذه الأمور الهائلات عن لي إنشاء نظم نقلت هذه العشرة الأبيات.
تسمع من الأيام تخبرك بالذي ... قضى في جميع الكائنات قديماً
ستبديه شيئاً بعد شيء إلى الورى ... يسوق شقاء نحوهم ونعيماً
فيا سعد ذي عيش يدوم نعيمه ... وخيبة مقطوع يؤول جحيماً
ويا ليت لذات مضت لم تكن ويا ... ضياع كريم، كم أتاك كريماً
إذا ضاع من أنفاس عمر جواهر ... به جل خسران يراه مقيماً
وما نفع من أمسى بدنيا مرقعاً ... وما ضر من طوطا بها وعديماً
إذا انعكس الحال القديم فأصبح ... الذميم حميداً والحميد ذميماً
سألتك بالقرآن من رحمة مع ... اللطف يا من لا يزال رحيماً
стр. 415
ووفق لما ترضى بجاه محمد ... وواصل له أزكى الصلاة مديماً
وللشمال أجمع غداً بأحبة ... يداولها نعم النديم نديماً
فنسأل الله الكريم التوفيق لسلوك منهج الهدى والسلامة من ارتكاب مسالك الزيغ الرديء، ومدائح أبي دلف كثيرة، وله أيضاً أشعار حسنة وكان أبوه شرع في عمارة مدينة الكرخ ثم أتمها هو وكان بها أهله وأولاده وعشيرته عفا الله عنه وعنا ورحمنا جميعاً وسامحنا.
وفيها توفي أبو عمرو إسحاق الجرمي العلامة النحوي، كان فقيهاً عالماً بالنحو واللغة، وهو من البصرة، فقدم بغداد، وأخذ النحو من الأخفش وغيره، ولقي يونس بن خبيب، ولم يلق سيبويه، أخذ اللغة من أبي عبيدة وأبي زيد الأنصاري والأصمعي وطبقتهم، وكان ديناً ورعاً حسن المذهب صحيح الإعتقاد، وله في النحو كتب جيدة، وناظر ببغداد الفراء، وروى الحديث، وحدث المبرد عنه. قال: قال لي أبو عمرو: قرأت ديوان الهذليين على الأصمعي، وكان أحفظ له من أبي عبيدة فلما فرغت منه قال لي: يا أبا عمرو، إذا فات الهذلي أن يكون شاعراً ورامياً أو ساعياً، فلا خير فيه، وقال المبرد: كان الجرمي أثبت القوم في كتاب سيبويه، وعليه قرأت الجماعة، وكان عالماً باللغة حافظاً لها، وله كتب انفرد بها، وكان جليلاً في الحديث والأخبار، وله كتب في السير عجيب و " كتاب غريب سيبويه "، و " كتاب العروض "، و " كتاب الأبنية "، و " مختصر في النحو ".
والجرمي: " بفتح الجيم وسكون الراء " نسبة إلى جرم، وفي العرب عدة قبائل، كل واحدة منها يقال لها جرم، منها من ينتسب إلى جرم بن علقمة بن أنمار، ومنهم من ينسب إلى جرم بن زبان، وذكر بعضهم أن الجرمي المذكور مولى جرم بن زبان.
ست وعشرين مائتين
فيها غضب المعتصم على أفشين، وسجنه وضيق عليه، ومنع من الطعام حتى مات أو خنق، ثم صلب إلى جانب بابك، قيل: أتي بأصنام من داره أتهم بعبادتها، فأحرقت، وكان أقلف متهماً في دينه، وخاف المعتصم منه أيضاً، وكان من أولاد الملوك الأكاسرة، واسمه حيدر بن كاؤس، وكان بطلاً شجاعاً مقداماً مطاعاً، ليس في الأمراء أكبر منه، وظفر المعتصم أيضاً بمازيار الذي فعل الأفاعيل بطبرستان وصلبه أيضاً إلى جانب بابك.
стр. 416
وفيها توفي سعيد بن كثير أبو عثمان المصري الحافظ العلامة قاضي الديار المصرية، وكان فقيها أخبارياً نسابة شاعراً كثير الإطلاع، قليل المثل شهير الفضل.
وفيها توفي شيخ خراسان الإمام يحيى بن يحيى بن بكير التميمي النيسابوري، كان يشبه بابن المبارك في وقته طرفاً، وروى عن مالك والليث وطبقته.
قال ابن راهويه: ما رأيت مثل يحيى بن يحيى، ولا أحسبه رأى مثل نفسه، ومات وهو إمام لأهل الدنيا.
سبع وعشرين ومائتين
وفيها قدم أبو المغيث أميراً على دمشق، فخرجت عليه قيس وأخذوا خيل الدولة من المرج، لكونه صلب منه خمسة عشر رجلاً، فوجه إليهم جيشاً فهزموه وحاصروا دمشق، وجاءهم جيش من العراق مع أمير، فأنذرهم القتال يوم الأثنين ثم كبسهم يوم الأحد وقتل منهم ألفاً وخمسمائة.
وفيها توفي الشيخ الكبير الولي الشهير العارف الرباني معدن الأسرار والمعارف الموفق في الورع والزهد المعروف بالحافي، أبو نصر بشر بن الحارث، ذكروا أنه سمع من حماد بن زيد وإبراهيم بن سعد، واعتنى بالعلم، ثم أقبل على شأنه، ودفن كتبه، وحدث بشيء يسير، وكان في الفقه على مذهب الثوري، وقد صنف العلماء في مناقبه وكراماته تصانيف، وهو مروزي الأصل من أولاد الرؤساء والكتاب.
وسبب توبته أنه أصاب في الطريق ورقة، فيها اسم الله مكتوب، وقد وطيها الأقدام، فأخذها واشترى بدرهم كان معه غالية، فطيب بها الورقة، وجعلها في شق حائط، فرأى في النوم كأن قائلاً يقول: يا بشر، طيبت اسمي، لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة، فلما انتبه من نومه تاب.
ويحكى أنه كان في داره مع جماعة ندماء له في اللعب واللهو، فدق عليه الباب داق، فقال للجارية، اذهبي، فانظري من بالباب، فذهبت وفتحت، وإذا فقير على الباب، فقال لها: سيدك حرام عبد؟ فقالت: بل حر، فقال: صدقت، لو كان عبداً لاستعمل داب العبيد، ثم ذهب وخلاها، فرجعت فسألها بشر عمن وجدت بالباب، وما قال لها، فأخبرته، فخرج يعدو
стр. 417
حافياً، وهو يقول: بل عبد فلم يلحقه، فرجع ولم يزل حافياً، فسئل عن ذلك فقال: الحالة التي صولحت وأبا عليها، لا أحب أن أغيرها.
ويحكى أنه أتى باب المعافي بن عمران، فدق عليه، فقيل: من هذا. فقال: بشر الحافي، فقالت بنت من داخل الدار لو اشتريت نعلاً بدانقين لذهب عنك اسم الحافي.
قيل: وإنما لقب بالحافي، لأنه جاء إلى إسكاف يطلب منه شسعاً لإحدى نعليه، وكان قد انقطع، فقال له الإسكاف: ما أكثر كلفتكم على الناس، فألقى النعل من يده، والأخرى من رجله، وحلف لا يلبس بعدها نعلاً، وقيل له: بأي شيء تأكل الخبز؟. فقال: اذكر العافية، فأجعلها إداماً، ومن دعائه. " اللهم إن كنت شهرتني في الدنيا لتفضحني في الآخرة، فاسلب ذلك عني "، " ومن كلامه "، عقوبة العالم في الدنيا أن ينمي بصر قلبه، وقال: من طلب الدنيا فتهيأ للذل.
وقال بعضهم: بعث بشر يقول لأصحاب الحديث: ما زكاة هذا الحديث؟ فقالوا: وما زكاته.، قال: اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث، وقيل له: لم لا تحدث؟ فقال: أني أحب أن أحدث، ولو أحببت أن اسكت لحدثت، يعني أخاف نفسي في هواها، وكان له رضي الله تعالى عنه ثلاث أخوات، كلهن زاهدات عابدات ورعات، مصنفة وهي الكبرى ومنحة وزبدة.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: دخلت امرأة على أبي، وقالت له: يا أبا عبد الله، إني امرأة أغزل في الليل على ضوء السراج، وربما طفىء السراج، فأغزل على ضوء القمر، فهل علي أن أبين غزل السراج من غزل القمر؟ فقال لها: إن كان عندك بينهما فرق فعليك أن تبيني ذلك، فقالت: يا أبا عبد الله، أتبين المريض؟ هل هو شكوى؟ فقال لها: إني لأرجو أن لا يكون شكوى، ولكن هو اشتكى، وإلى الله قال عبد الله فقال لي أبي: يا بني ما سمعت قط إنساناً يسأل عن مثل ما سألت هذه المرأة فاتبعها، قال عبد الله: فتبعتها إلى أن دخلت دار بشر الحافي، فعرفت إنها أخت بشر، فأتيت أبي، فقلت: إن المرأة أخت بشر الحافي، فقيل: اتق الله، هذا هو الصحيح، محال أن يكون هذه إلا أخت بشر.
وقال عبد الله أيضاً: جاءت " منحة " أخت بشر الحافي إلى أبي، فقالت: يا أبا عبد الله، رأس مالي دانقان أشتري بها قطناً فأغزله وأبيعه بنصف درهم، فأنفق دانقاً من الجمعة إلى الجمعة، وقد مر الطائف ليلة ومعه مشعل، فاغتنمت ضوء المشعل، وغزلت طاقين في ضوء، فعلمت أن الله سبحانه مطالب لي، فخلصني من هذا خلصك الله
стр. 418
فقال: تخرجين الدانقين، ثم تبقين بلا رأس مال حتى يعوضك الله خيراً منه، فقال عبد الله، فقلت لأمي: لو قلت لها حتى تخرج رأس مالها، قال: يا بني، سؤالها لا يحتمل التأويل، فمن هذه المرأة؟ قلت: هي منحة أخت بشر، فقال: من ها هنا أنت، قلت: وفي رواية أخرى: إن أخت بشر قالت له: إن مشاعيل الولاة تمر بنا، ونحن على سطوحنا، أفيحل لنا أن نغزل في شعاعها. فقال: من أنت رحمك الله؟ فقالت: أخت بشر الحافي، فقال: صدقت، من بينكم يخرج الورع الصافي، قال: الصادق، لا تغزلي في شعاعها. وتكلم بشر في الورع وعدم طيب المطاعم، فقيل له: ما نراك تكل إلا من حيث تأكل. فقال: ليس من يأكل وهو يبكي كمن يأكل وهو يضحك، وفي رواية: أكلتموها كباراً وأكلتها صغاراً.
وفي السنة المذكور توقني أبو عثمان سعيد بن منصور الخراساني الحافظ صاحب السنن.
وفي السنة المذكورة توفي الخليفة المعتصم محمد بن هارون الرشيد بن المهدي بن منصور العباسي، عهد إليه بالخلافة المأمون، وكان شجاعاً شهماً مهيباً، لكنه كثير اللهو مسرف على نفسه، وهو الذي افتتح عمورية من أرض الروم. ويقال له المثمن، لإنه ولد سنة ثمانين ومائة، في ثامن عشر منها، وهو ثامن الخلفاء من بني العباس، وفتح ثمان فتوحات، ووقف في خدمته ثمانية ملوك من العجم، ثم قتل ستة منهم، واستخلف ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام، وخلف ثمانية بنين وثماني بنات، وخلف من الذهب ثمانية آلاف دينار، ومن الدراهم ثمانية عشر ألف ألف درهم، ومن الخيل ثمانين ألف فرس، ومن الجمال والبغال مثل ذلك، ومن الممالك ثمانية آلاف مملوك وثمانية آلاف جارية، وبنى ثمانية قصور، هكذا قيل في التواريخ، فان صحح هذا فهو من جملة العجائب. قالوا وكانت له نفس سبعية، إذا غضب لم يبال بمن قتل ولا بما فعل، وعمره سبع وأربعون سنة، وأقام بعده ابنه الواثق.
ثمان وعشرين ومائتين
فيها توفي عبد الله، وقيل: عبيد الله بن محقد بن حفص القريشي التيمي العائشي البصري الأخباري، أحد الفصحاء الأجواد، أمه عائشة بنت طلحة.
وقال مصعب بن عبد الله الزبيري: هي بنت عبد الله بن عبيد الله بن مغمر التيمي، قال يعقوب بن شبة: أنفق ابن عائشة على أخواته أربع مائة ألف دينار في الله، وقيل: جاءه وكيله
стр. 419
يوماً يثمن له مائة دينار وثلاث مائة درهم، وهو في المسجد، فوافاه سائل، فأدخل يده في كم الوكيل، فأخرج منها شيئاً، فدفعه إليه، فلم يزل السؤال يوافونه، وهو يرفع إليهم، حتى أفنى الدنانير والدراهم، وقال عبد الله بن شبة: رأيت ابن عائشة، وقف على قبر ابن له قد دفن، فرفرف مرة ثم قال:
إذا ما دعوت الصبر بعدك والبكاء ... أجاب البكاء طوعاً ولم يجب الصبر
فإن ينقطع منك الرجاء فإنه ... سيبقى عليك الحزن ما بقي الدهر
وكان يقول: أو روي عن أبيه أنه كان يقول: جزعك في مصيبة صديقك أحسن من صبرك، وصبرك في مصيبتك أحسن من جزعك، وكذلك روي عنه أنه قال: لا يعرف كلمة بعد كلام الله، وبعد كلام رسول الله ﵌ أخصر لفظاً ولا أكمل وضعاً، ولا أعم نفعاً من قول أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه: قيمة كل امرىء ما يحسن، وقال ابن عائشة المذكور لرجل من العرب أعجبه: أنت والله كما قال الشاعر:
لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوماً على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا ... ونفعل مثل ما فعلوا
وقال العايشي: أول الفراعنة سنان بن غلوان بن عبيد بن عوج بن عمليق، وهو الذي نزل به البلاء لما مد يده إلى سارة زوجة إبراهيم الخليل، ﵌، فوهب لها هاجر أم إسماعيل ﵉.
والفرعون الثاني فرعون يوسف ﵌، وهو خير الفراعنة، واسمه الريان بن الوليد، ويرجع في نسبه إلى عمرو بن عمليق، ويقال أنه أسلم على يده ﵌.
والفرعون الثالث فرعون موسى ﵌، وهو أخبث الفراعنة، واسمه الوليد بن مصعب بن معاوية، يرجع إلى عمرو بن عمليق.
والفرعون الرابع نويفل الذي قتله بخت نصر حين غزا.
والفرعون الخامس كان طوله ألفي ذراع، وكانت قصيراه جسراً لنيل مصر دهراً طويلاً.
وقال ابن عائشة: دخل خالد بن صفوان مسجد الجامع، فإذا هو بالفرزدق جالساً في الشمس، فقال: يا أبا فراس، والله لو أن نسوة يوسف رأينك لما أكبرنك ولا قطعن أيديهن، فقال: وأنت والله لو أن نسوة مدين رأينك: لما قلن: استأجره، إن خير من استأجرت القوي
стр. 420
الأمين، وأنشد ابن أبي عائشة للزبير بن بكار:
ولو كان يستغني عن الشكر ماجد ... لغزة قدر أو علو مكان
لما أمر الله العباد بشكره ... فقال اشكروني أيها الثقلان
قلت: وهذا القول غير لائق بجلال الله تعالى ولا جائز في صفاته، فإنه يفهم أن الله سبحانه غير مستغن عن شكر العباد، وهو باطل تعالى الله عن ذلك بل غني عن كل شيء، كما قال تعالى: " ومن كفر فإن الله غني عن العالمين " " عمران: ٩٧، " ولما قد علم عند العقلاء العالمين أنه متصف تعالى بالكمال المطلق، دلت على ذلك قواطع البراهين.
وفي السنة المذكورة توفي أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب الأموي المعروف بالعتبي الأخباري الفصيح الأديب.
قال الأصمعي: الخطباء من بني أمية: عبد الملك بن مروان، وعتبة بن أبي سفيان.
قال العتبي محمد بن عبد الله المذكور: حججت فمررت بنسوة وإذا فيهن جارية تشتهي، ما رأيت أجمل منها، فقلت لها: ممن الجارية؟. فقالت: أما الأعمام فسليم، وأما الأخوال فعامر، فقلت:
رأيت غزالاً من سليم وعامر ... فهل لي إلى ذاك الغزال سبيل
فضحكت ثم قالت:
وماذا يرجى من غزال رأيته ... وحطك من ذاك الغزال قليل
ولو قالت: وليس إلى ذلك الغزال وصول، كان أبلغ في نفي مرامه، إلا أن تكون أرادت بالقلة المحادثة والنظر، فقولها في هذا الوجه معتبر.
وقال بعض المؤرخين: كان أديباً فاضلاً شاعراً مجيداً راوياً للأخبار وأيام العرب، روى عن ابن عيينة وغيره، وروى عنه أبو حاتم السجستاني وأبو الفضل الرياشي وإسحاق بن محمد النخغي، وله عدة تصانيف، وروى له ابن قتيبة في كتاب المعارف:
رأين العوافي الشيب لاح بعارضي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر
وكن متى أبصرنني أو سمعن بي ... سعين فرفعن بالكوايا المحاجر
فإن عطفت عني أعنة أعين ... نظرن بأحداق المهاوي الأجازر
فإني من قوم كريم ثناؤهم ... لأقوامهم صيغت رؤوس المنابر
خلايف في الإسلام، في الشرك سادة ... بهم وإليهم فخر كل مفاخر
стр. 421
وله أيضا:
لما رأتني سليماً قاصر البصر ... عنها، وفي الطرف عن أمثالها زور
قالت: عهدتك مجنوناً فقلت لها ... إن الشباب جنون برؤه الكبر
وله أيضا يرثي بعض أولاده:
أصبحت خدي للدموع رسوم ... أسفاً عليك وفي الفؤاد كلوم
والصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم
وفيها توفي مسدد بن مسرهد الحافظ أبو الحسن البصري.
تسع وعشرين ومائتين
فيها توفي الإمام أبو محمد خلف بن هشام شيخ القراء والمحدثين ﵏.
وفيها توفي نعيم بن حماد بن المرزوي القرطبي الحافظ ﵏.
وفيها توفي يزيد بن صالح الفراء النيسابوري العبد الصالح، وكان ورعاً قانتاً مجتهداً في العبادة رحمة الله عليه.
ثلاثين ومائتين
فيها توفي إبراهيم بن حمزة الزبيري المدني الحافظ " وأمير المشرق " عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي. وكان شجاعاً مهيباً عاقلاً جواداً كريماً، يقال أنه دفع على قصص صلات بلغت أربعة آلاف ألف درهم، وخلف من الدراهم خصوصاً أربعين ألف درهم، وكان قد تاب قبل موته، وكسر آلات الملاهي، وبعثه المأمون إلى خراسان، فلما دخلها مطرت مطراً كثيراً، وكان المطر قد انقطع عنها تلك السنة، فقام إليه رجل بزاز من حانوته وأنشد:
قد قحط الناس في زمانهم ... حتى إذا جئت جئت بالدرر
غيثان في ساعة لنا قدماً ... فمرحباً بالأمير والمطر
فاستفك أسارى بألفي درهم، وتصدق بأموال كثيرة، وكان أبو تمام الطائي قد قصده من العراق، فلما انتهى إلى قومس، وطالت به الشقة، وعظمت عليه المشقة قال:
стр. 422
تقول في قومس صحبي وقد أخذت ... مني السرى وخطا المهرية القود
أمطلع الشمس تنوي أن تؤم بنا ... فقلت: كلآ ولكن مطلع الجود
وقيل: هذان البيتان أخذهما أبو تمام من أبي الوليد مسلم بن الوليد الأنصاري المعروف بصريع الغواني الشاعر المشهور حيث يقول:
يقول صحبي وقد جدوا على عجل ... والخيل يفتن بالركبان في اللحم
أمغرب الشمس تنوي أن توم بنا ... فقلت: كلا ولكن مطلع الكرم
فإنه أغار على اللفظ والمعنى جميعاً، ولما وصل أبو تمام إليه أنشده قصيدته الثانية البديعة التي يقول فيها:
وركب كأطراف الأسنة عرسوا ... على مثلها، والليل تستر غياهبه
وفي هذه السفرة ألف أبو تمام " كتاب الحماسة " وكان سبب ذلك أنه لما وصل إلى همدان أشتد البرد، فأقام ينتظر زواله، وكان نزوله عند بعض الرؤساء بها، وفي دار ذلك الرئيس خزانة كتب فيها دواوين العرب وغيرها، فتفرغ لها أبو تمام، وطالعها واختار منها ما ضمنه كتاب الحماسة، وكان ابن طاهر المذكور مع أوصافه المتقدمة أديباً ظريفاً، وله شعر مليح ورسائل ظريفة، ومما قال فيه بعض الشعراء:
يقول الورى لي أن مصر بعيده ... وما بعدت مصر، وفيها ابن طاهر
وأبعد من مصر رجال تراهم ... بحضرتنا، معروفهم غير حاضر
عن الخير موتى، ما تبالي أزرتهم ... على طمع أزرت أهل المقابر
قلت: والمصراع الأول من البيت الأول غيرته بعض الفضلاء لخلل الوزن في الأصل المنقول منه.
وذكر بعض المؤرخين أن البطيخ المسقى بعبد اللاوي الموجود في الديار المصرية منسوب إلى عبد الله المذكور، قيل ليلة كان يستطيبه، أو أنه أول من زرعه هناك، وقيل أنه وقومه خزاعيون بالولاء، فإن جدهم رزيق مولى أبي محمد طلحة بن عبد الله المعروف بطلحة الطلحات الخزاعي المتولي على سجستان من قبل سالم بن زياد بن أبيه، وفيه يقول ابن الرقتات:
رحم الله أعظماً دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات
стр. 423
وفي السنة المذكورة توفي الإمام الحبر الحافظ أبو عبد الله محمد بن سعد كاتب الواقدي وصاحب الطبقات والتواريخ.
وفيها توفي الحافظ محدث بغداد أبو الحسن علي بن الجعد الهاشمي مولاهم، روى عن شعبة وابن أبي ذيب والكبار، وقيل: مكث سنين يصوم يوماً ويفطر يوماً.
إحدى وثلاثين ومائتين
فيها ورد كتاب الواثق على أمير البصرة يأمر بامتحان الأئمة والمؤذنين بخلق القرآن، وكان قد تبع أباه في امتحان الناس.
وفيها قتل أحمد بن نصر الخزاعي الشهيد، من أولاده أمراء الدولة، نشأ في علم وصلاح، وكتب عن مالك وجماعة، وحمل عن هشيم مصنفاته، قتله الواثق بيده لإمتناعه عن القول بخلق القرآن لكونه أغلظ للواثق في الخطاب، وقال له: يا صبي، وكان رأساً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقام معه خلق من المطوعة، واستفحل أمره، فخافت الدولة من فتن تحصل بذلك.
وروي أنه صلبه، فاسود وجهه، فتغيرت قلوب من راه بهذا الوصف، ثم ابيض وجهه بعد ذلك، فراه بعضهم في النوم، فسأله عن ذلك فقال: لما صلبت رأيت النبي صلى الله عليه، وآله وسلم قد أعرض عني بوجهه، فاسود وجهي من ذلك، فسألته ﵌ عن ذلك، أي سبب إعراضه عني فقال ﵌: إنما أعرضت حياء منك إذا كان قتلك على يد واحد من أهل بيتي، فعندها زال ذلك السواد الذي رأيتم عني، وهذا معنى ما قيل في ذلك والله أعلم.
وفيها توفي الإمام العلامة أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي الفقيه صاحب الشافعي، مات في السجن والقيد ببغداد، ممتحناً بخلق القرآن، وكان عابداً دائم الذكر كبير القدر. قال الشافعي: ليس في أصحابي أعلم من البويطي، حمل من مصر في أيام الواثق فني زمن الفتنة، فامتنع من القول بخلق القرآن، فحبس حتى مات، وكان صالحاً متنسكاً، رحمة الله عليه.
قال الربيع بن سليمان: رأيت البويطي على بغلة، وفي عنقه غل، وفي رجليه قيد، وبين الغل والقيد سلسلة من حديد فيها طوية وزنها أربعون رطلاً.
وقال الشيخ أبو إسحاق في طبقات الفقهاء: وكان أبو يعقوب البويطى إذا سمع
стр. 424
المؤذن وهو في السجن يوم الجمعة، اغتسل ولبس ثيابه، ومشي حتى يبلغ باب السجن، فيقول السجان: أين تريد؟. فيقول: أجيب داعي الله، فيقول: ارجع عفاك الله فيقول: اللهم إنك تعلم أني قد أجبت داعيك فمنعوني.
وقال الربيع: كان الرجل ربما يسأل الشافعي عن المسألة فيقول: سل أبا يعقوب، فإذا أجابه أخبره، فيقول: هو كما قال: وقال الخطيب البغدادي: قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلس من يوسف بن يحيى، وقال الربيع: كنت عند الشافعي أنا والمزني وأبو يعقوب البويطي قال للبويطي: أنت تموت في الحديث، وقال لي: موتك في الحديث، وقال للمزني: هذا النواظر، الشياطين تطيعه.
وفيها توفي أبو تمام الطائي: حبيب بن أوس الحوراني، متقدم شعراء عصره في ديباجة لفظه وصناعة شعره وحسن أسلوبه، وله: كتاب الحماسة الدال على غزارة فضله واتقان معرفته وحسن اختياره، وله مجموع آخر سماه " فحول الشعراء " جمع فيه بين طائفة كثيرة من شعراء الجاهلية والمخضرمين والإسلاميين و " كتاب اختيارات من شعر الشعراء "، كان له من المحفوظات ما لا يلحقه فيه غيره قبل، كان يحفظ أربعة آلاف ديوان الشعر غير ألف أرجوزة للعرب غير القصائد والمقاطيع، ومدح الخلفاء، وأخذ جوائزهم، وجاب البلاد، وقصد البصرة، وبها عبد الصمد بن المعدل الشاعر، فلما سمع بوصوله وكان في جماعة من غلمانه وأتباعه خاف من قدومه أن يميل الناس إليه، ويعرضوا عنه، فكتب إليه قبل دخوله البلد:
أنت بين اثنين تبرز للناس ... وكلتاهما بوجه مذال
أيما يبقى لوجهك هذا ... بين ذل الهوى وذل السؤال
فلما وقف على هذا النظم أضرب عن مقصده ورجع، وقال: قد شغل هذا ما يليه، فلا حاجة لنا فيه، ولما قال ابن المعدل هذا النظم، كتبه ودفعه إلى وراق، وكان هو وأبو تمام يجلسان إليه، ولا يعرف أحدهما الآخر، وأمره أن يدفعه إلى أبي تمام، فلما قرأ الورقة أبو تمام قال:
стр. 425
أتى ينظم قول الزور والفند ... وأنت أنقص من لا شيء في العدد
أسرجت قلبك من غيظ على خنق ... كأنها حركات الروح في الجسد
أقدمت ويلك من هجوي على خطر ... كالعير يقدم من خوف على الأسد
وحضر عبد الصمد، فلما قرأ البيت الأول قال: ما أحسن، علم بالجدل أوجب زيادة ونقصاناً على معدوم، ولما نظر إلى البيت الثاني قال: الإسراج من عمل الفراشين، ولا مدخل له ها هنا، ولما قرأ البيت الثالث عض " على شفته وقال: فيك قلت، يعني بقوله فيك: إشارة إلى قوله: " كالعير تقدم من خوف على الأسد "، لأنهم قد ذكروا في باب انقياد بعض المكولات لبعض الأكلات أن الحمار يرمي بنفسه على الأسد إذا شم ريحه.
وقال بعض العلماء: خرج من قبيلة طيىء ثلاثة، كل مجيد في بابه: حاتم الطائي في جوده، وداود بن نصير الطائي في زهده، وأبو تمام حبيب بن أوس في شعره، وقد اشتهر أنه لما قال في مدح بعض الخلفاء:
إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في علم أحنف في ذكاء إياس
قال له الوزير: أتشبه أمير المؤمنين بأجلاف العرب؟ فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه وأنشد:
لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلاً سروداً في الندى والناس
فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلاً من المشكاة والنبراس
الفتيلة: للمصباح والمعنى: يعني قوله: " الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح " " النور: ٣٥، "، الآية والنبراس: الفتيلة للمصباح، والمعنى أنه لما أنكر عليه في تشبيه الخليفة بعمرو بن معد يكرب وبحاتم، استشعر منهم اللوم في ذلك وعدم الجائزة وانحطاطها، فافتتح التفكر ملتمساً عذراً في كلام العرب وأشعارهم وأمثالهم، فلم يجد ما يشفي، ولا ما يكفي، فضرب عنان فكرته إلى كتاب الله تعالى وجواهر آية من فاتحته، إلى أن وجد ما دفع عنه المحذور في سورة النور، وظفر من الدليل بما يشفي الغليل، فأعجب من حضره بانفاذ قريحته، وسرعة. قدح زناد فكرته، فقال الوزير للخليفة، أي شيء طلبه أعطيه إياه، فإنه لا يعيش أكثر من أربعين يوماً، لأنه قد ظهر في عينيه الدم من شدة الفكرة، وصاحب هذا لا يعيش إلا هذا القدر، فقال الخليفة: ما تشتهي، قال: الموصل، فأعطاه إياها، فتوجه إليها، وبقي هذه المدة المذكورة ومات، هكذا قيل: وقال بعض أصحاب التواريخ: هذه القصة لا صحة لها أصلاً، فقد ذكر أبو بكر
следующие страницы →