← История

История · id 9091

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

اليافعي

Полный текст (1 334 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

كبير، حتى وقع ذلك منه في أبيه وإخوته وسائر أهل بيته. ونقلوا في ذلك أشعاراً ومن شعره في غير الهجاء قوله: وكانت بالسراة لنا ليال ... سرقناهن من ريب الزمان جعلناهن تاريخ الليالي ... وعنوان المسرة والأمان ومن قوله في هجاء بعض الكتاب: تعس الزمان لقد أتى بعجاب ... ومحا رسوم الظرف والآداب وأتى بكتاب لو انبسطت يدي ... فيهم رددتهم إلى الكتاب ودخل وزير المعتضد، والمعتضد ينشد هجاء فيه، فلما رآه المعتضد استحيى منه وقال: اقطع لسان ابن بشام. فخرج الوزير مبادراً لقطع لسانه، فاستدعاه المعتضد وقال: اقطع لسانه بالبر والشغل، ولا تعرض له بسوء، فولاه البريد وبعض الأعمال والبشامي نسبة إلى الجد والهجاء الذي دخل الوزير، والمعتضد ينشده هو: قل لأبي القاسم المروزي ... قابلك الدهر بالعجائب مات لك ابن وكان زيناً ... وعاش ذو الشين والمعائب حياة هذا كموت هذا ... فليس تخلو من المصائب يعني بأبي القاسم: أبا الوزير المذكور، وكان قد مات له ابن هو أخو الوزير. والمعنى أن حياة الوزير مصيبة، كما أن موت أخيه مصيبة. وفيها توفي الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن جعفر، المعروف بابن الفرات وكان وزير بني الأختل بمصر مدة إمارة كافور، وبعد وفاة كافور. وكان عالماً ومحباً للعلماء، وحدث عن محمد بن هارون الحضرمي وطبقته، وعن جماعة آخرين، وكان يملي الحديث بمصر، وهو وزيره، وقصده الأفاضل من البلدان الشاسعة، وبسببه سار الحافظ الحسن الدارقطني من العراق إلى مصر، ولم يزل عنده حتى فرغ من تأليف مسند، وله تأليف في أسماء الرجال والأنساب وغير ذلك. ومدحه المتنبي مع كافور، وكان كثير الخير أهل الحرمين. واشترى بالمدينة داراً ليس بينها وبين الضريح النبوي سوى جدار واحد وأوصى أن يدفن فيها، وقرر مع الأشراف ذلك، ولما مات حمل تابوته، وخرجت الأشراف إلى لقائه وفاء بما أحسن إليهم، وحجوا به وطافوا، ووقفوا، ثم ردوه إلى المدينة، ودفنوه بالدار المذكور، وقيل: دفن بالقرافة، وعلى قبره مكتوب اسمه.

стр. 527

أثنتين وثلاث مائة فيها عاد المهدي إلى الإسكندرية، فوقعت وقعة كبيرة، قتل فيها نائبه، فرداً إلى القيروان. وفيها أخذت طيىء الركب العراقي، وتمشرق الوفد في البرية، وأسروا من النساء مائتين وثمانين. وفيها توفي العلامة فقيه المغرب أبو عثمان بن حداد الإفريقي المالكي. أخذ عن سحنون وغيره. برع في العربية والنظر. ومال إلى مذهب الشافعي، وجعل يسمي المدونة المزورة، فهجره المالكية، ثم أحبوه لما قام على أبي عبد الله السيفي، وناظره ونصر السنة. وفيها توفي العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الأصبهاني، إمام جامع أصبهان، أحد العباد والحفاظ. ثلاث وثلاث مائة فيها توفي الحافظ أحد الأئمة الأعلام، صاحب المصنفات، أبو عبد الرحمن أحمد بن علي النسائي، إمام عصره في الحديث، وله كتاب السنن وغيره، سكن مصر وانتشرت بها تصانيفه، وأخذ عنه الناس، وخرج إلى دمشق، فسئل عن معاوية وما روى من فضائله فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأساً برأس حتى يفضل؟. وفي رواية أخرى: ما أعرف له فضيلة إلا: لا أشبع بطنك. وكان يتشيع، فما زالوا يدفعون في خطبته حتى أخرجوه من المسجد. وفي رواية أخرى: يدفعون في خطبته، وداسوه، ثم حمل إلى الرملة فمات بها. وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: لما امتحن النسائي بدمشق قال: احملوني إلى مكة، فحمل إليها فتوفي بها. وهو مدفون بين الصفا والمروة، وقال الحافظ أبو نعيم: لما داسوه بدمشق مات بسبب ذلك الدوس وهو مقتول. قال: وكان قد صنف " كتاب الخصائص " في فضل علي رضي الله تعالى عنه، وأهل البيت. فقيل له: ألا تصنف كتاباً في فضائل الصحابة؟. فقال: دخلت دمشق، والمتحرف عن علي كثير، فأردت أن يهديهم الله تعالى بهذا الكتاب، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان موصوفاً بكثرة الجماع.

стр. 528

قال الحافظ ابن عساكر: كان له أربع زوجات، يقسم لهن وجواري، وقال الدارقطني: أدرك الشهادة، وتوفي بمكة ونسبته إلى نسا مدينة بخراسان. وفيها توفي الحافظ الكبير أبو العباس الحسين بن سفيان الشيباني بفقه على أبي ثور. وكان يفتي بمذهبه قال الحاكم: كان محدث خراسان في عصره، مقدماً بالثبت والكثرة والفهم والأدب. وفيها توفي أبو علي الجبائي، محمد بن عبد الوهاب، شيخ المعتزلة. وفيها توفي يموت بن المزرع بن يموت العبدي البصري، قال الخطيب هو ابن أخت أبي عثمان الجاحظ، قدم يموت المذكور بغداد في سنة إحدى وثلاث مائة، وهو شيخ كبير، وحدث بها عن أبي عثمان المازني، وأبي حاتم السجستاني، وجماعة كثيرة. وروى عنه أبو بكر الخرائطي، وأبو بكر بن مجاهد المقرىء، وأبو بكر الأنباري وغيرهم. وكان أديباً أخبارياً، وله ملح ونوادر، وكان لا يعود مريضاً خوفاً من أن يتطير من اسمه، ويقول: بليت بالأسم الذي سماني به أبي فإذا عدت مريضاً فاستأذنت عليه، فقيل: من هذا؟ قلت: أنا ابن المزرع، وأسقطت اسمي. وقيل إنه كان قد سمى نفسه محمداً، ومدحه منصور بن الضرير فقال: أنت تجيء والذي ... يكره أن تجيء يموت أنت ضوء النفس بل ... أنت لروح النفس قوت أنت للحكمة بيت ... لا خلت منك البيوت ومن أخباره ما رووه عن الأصمعي قال: كنت عند الرشيد، وقد أتي بعبد الملك صالح الباسي، وهو يرفل في قيوده. فلما نظر الرشيد إليه قال: هيه يا عبد الملك كأني والله أنظر إلى شؤبوبها قد همع وإلى عارضها قد تبلع، وكأني بالوعيد أقلع عن براجم بلا عاصم، ورؤوس بلا عاصم، مهلاً مهلاً بني هاشم، فتى والله سهل لكم الوعر، وصفى الكدر، وألقت إليكم الأمور أزمتها، فخذوا حذاركم مني قبل حلول داهية، خيوط باليد والرجل. قال عبد الملك: أفرداً أتكلم أم توأماً؟ فقال: بل توأماً، فقال: اتق الله يا أمير المؤمنين

стр. 529

فيما ولآك، وراقبه في رعاياك التي استرعاك، فقد سهلت والله لك الوعور، وجمعت على خوور، ورجا بك الصدور. وكنت كما قال أخو جعفر بن كلاب: ومقام ضيق فرجته بلسان وبيان، وجدل لو يقوم القيل أو قياك في مقام كمقامي لرجل، أو قال: نفسك فأراد يحيى بن خالد البرامكي أن يضع مقدار عبد الملك عند الرشيد فقال له: بلغني أنك حقود، فقال عبد الملك: إن يكن الحقد هو بقاء الخير والشر عندي فإنهما لباقيان في قلبي، قال. الأصمعي: فالتفت الرشيد إلي وقال: يا أصمعي، والله لو نظرت إلى موضع السيف من عنقه مراراً، يمنعني من ذلك إبقائي على قومي في مثله. ومما روى يموت أيضاً أن أحمد بن محمد بن عبد الله المعروف بابن المدبر الكاتب أن إذا مدحه شاعر، ولم يرض شعره قال لغلامه: امض به إلى المسجد ولا تفارقه حتى يصلي مائة ركعة، ثم أطلقه. فتحاماه الشعراء من الأفراد المجيدين، فجاءه أبو عبد الله الحسن بن عبد السلام المعروف بالجمل، فاستأذنه في النشيد فقال: قد عرفت الشرط؟. قال: نعم، ثم أنشده. أردنا في أبي حسن مديحاً ... كما بالمدح ينتجع الولاة فقلنا: أكرم الثقلين طراً ... ومن كفاه دجلة والفرات فقالوا: يقبل المدحات لكن ... جوائزه عليهن الصلاة فقلت لهم: وما تغني صلاتي ... عيالي إنما الشأن الزكاة فتأمرني بكسر الصاد منها ... وتصبح لي الصلاة هي الصلات فضحك ابن المدبر واستطرفه، وقال: من أين أخذت هذا؟ فقال: من قول أبي تمام الطائي: هن الحمام وإن كسرت عناقه ... من جابهن فإنهن حمام فاستحسن ذلك، وأحسن صلته، وحدث ابن المزرع أيضاً عن خاله أبي عثمان الجاحظ أنه قال: طلب المعتصم جارية كانت لمحمود بن الحسن الشاعر المعروف بالوراق وكانت تسمى بشنوى، وكان شديد الغرام بها، وبذل في ثمنها سبعة آلاف دينار، فامتنع محمود من بيعها، لأنه كان يهواها أيضاً. فلما مات محمود بيعت الجارية للمعتصم تركته بسبعمائة دينار، فلما دخلت عليه قال لها: كيف رأيت تركتك حتى اشتريتك من سبعة آلاف دينار بسبعمائة دينار؟. فقالت: أجل. إذا كان الخليفة ينتظر لشهواته المواريث فإن سبعين ديناراً لكثيرة في ثمني، فضلاً عن سبعمائة، فخجل المعتصم. وقال ابن المزرع: حدثني من رأى قبراً بالشام عليه مكتوب: لا يغترن أحد بالدنيا،

стр. 530

فإني ابن من كان يطلق الريح إذا شاء ويحبسها. وبحذائه قبر عليه مكتوب: كذب الماص بظر أمه. لا يظن أحد أنه ابن سليمان بن داود ﵇، إنما هو حداد يجمع الريح في الزق، ثم ينفخ بها الجمر.. قال: فما رأيت قبرين قبلهما يتشابهان. قلت: وفي هذا المعنى خطر لي وقت وقوفي عليه إنشاء بيت على طريق اللغز معيراً بارتحاله عن لسان حاله نائباً عنه في مقاله: أنا ابن الذي للريح يمسك إن يشا ... ويرسلها إن شاء للنفع ثارها ومما يناسب هذا مقال اثنين، مشهور لغزهما، ضمنته نظماً وآخرين اخترتهما لغزاً لفظاً ومعنى، وعن لغز الأربعة أشرت في بعض القصيدات بهذه الأبيات. من اللغز قول اثنين كل مجاوب ... لبعض ولاة ناظماً مترفعاً أنا ابن الذي ذلت رقاب الورى له ... ومخزومها منهم وهاشمها معا إلى نحوها تأتي لأمر مطيعة ... فمرد بها والمال يأخذ خضعا وقال الفتى الثاني له في جوابه ... وقد شام برق المجد من ذاك شعشعا أنا ابن الذي لا ينزل الأرض قدره ... وإن نزلت تغلو وتعلا بمشبعا ترى الناس أفواجاً إلى ضوء ناره ... وقد ملؤوا الرحب الفسيح الموسعا وخذ ثالثاً قال اعتز متفاخراً ... لمجد وجد كي يصان ويرفعا أنا ابن الفتى دباج كل سمينة ... ومزهق أرواح تماض مصرعا ومفن بشجعان القرون محصنا ... لسفرك أقران التسفك ضجعا ورابعهم قال افتخار أمنا هيا ... بأصل وفصل للسناء متطلعا أنا ابن الذي يكسو الأنام صنيعه ... بها وزينا من له الغير صنعا يوصل وقطع مبرم في فعاله ... لما لم يصل في الدهر غير ويقطعا عن الأولين استنجزوا وترحلوا ... وقد سمعوا المجد الأثيل المرفعا فقيل ابن حجام وطباخ اعتزل ... إلى المجد كل باحتيال ليخدعا وقل ثالثاً يحل الجزار فرية ... ومن حائك من للثلاثة ربعا أعني أن الأولين وردا على بعض الولاة، فسألهما عن أصلهما، فأجابا بالجوابين المذكورين اللذين بين كثير من الناس مشهورين. ثم عبرت عن مقالهما بنظمي المذكور، ثم أنشأت على وجه الإختراع لغزاً لإثنين آخرين ليس له عند أحد من الناس سماع، وأشرت إلى ذلك بقولي: " وخذ ثالثاً إلى الآخر "، ثم أوضحت وصف الأربعة يكون الأولين ابني حجام وطباخ، والآخرين ابني جزار وحائك. وقصيدتي المذكورة هي الموسومة بنزهة النطار، مشتملة على ستة من العلوم، ثم شرحتها شرحاً موسوماً بمنهل الفهوم المروي من صدى

стр. 531

الجهل المذموم في شرح ألسنة العلوم، وهي المعاني والبيان والبديع والعروض والقافية والسلوك، أعني سلوك منازل الطريقة للسائرين إلى الحضرة من أولي الحقيقة. خمس وثلاث مائة فيها قدم رسول ملك الروم يطلب الهدنة، فاحتفل للمقتدر بجلوسه له، وأقام الجيش بالسلاح، وكانوا عامة وستين ألفاً. ثم الغلمان وكانوا سبعة آلاف، وكانت الحجاب سبع مائة. وعلقت ستور الديباج، وكانت ثمانية وثلاثين ألف ستر من البسط وغيرها، ومما كان في الدار سبعمائة سلسلة. ثم أدخل الرسول دار الشجرة، وفيها بركة وفيها شجرة لها أغصان عليها طيور مذهبة، وورقه ألوان مختلفة، وكل طائر يصفر لوناً بحركات مصنوعة، ثم أدخل الفردوس، وفيها من الفرش والآلات ما لا يقوم. قلت: هذه التسمية بالفردوس تشبيهاً بما سماه الملك القدوس من الضلال وطغيان النفوس. وفي السنة المذكورة توفي مسند العصر أبو حنيفة البصري الجمحي الفضل بن الحباب، وكان محدثاً متقناً أخبارياً عالماً. ست وثلاث مائة فيها أو قبلها: أمرت أم المقتدر في أمور الأمة، ونهت لركالة حال ابنها، فإنه لم يركب للناس ظاهراً منذ استخلف إلى سنة إحدى وثلاث مائة، ثم ولي ابنه علياً إمرة مصر وغيرها، وهو ابن أربع سنين، وهذا من الوهن والخلل الذي دخل على الأمة. ولما كان في السنة المذكورة أمرت أمه القهرمانة أن تجلس للمظالم، وتنظر في القصص كل جمعة بحضرة القضاة، وكانت تبرز التواقيع عليها خطها. وفيها أقبل القائم محمد بن المهدي صاحب المغرب في جيوشه، فأخذ الإسكندرية وأكثر الصعيد، ثم رجع. وفيها توفي القاضي الفقيه الإمام، علم الأعلام، الطراز المذهب الملقب بالباز الأشهب، حامل لواء مذهب الشافعي وناشره، ومؤيده في زمانه وناصره، أبو العباس أحمد بن عمر بن شريح، شيخ الشافعية، فقيه في زمانه، صاحب التصانيف الكثيرة

стр. 532

والفضائل الشهيرة. يشمل فهرست كتبه على أربعمائة مصنف، أخذ الفقه عن أبي القاسم الأنماطي عن المزني، والمزني عن الشافعي. قيل وكان يفضل على جميع أصحاب الشافعي حتى على المزني. قال أهل الطبقات: وعنه أخذ فقهاء الإسلام من الشافعية، واشتهر مذهب الشافعي في الآفاف. وانتشر، وقام بنصرة المذهب والرد على المخالفين، وفرع على كتب محمد بن الحسن الحنفي وكان شيخ طريقة العراق أبو حامد الأسفراييني يقول: نحن نجري مع أبي العباس في ظواهر الفقه دون دقائقه. قلت: وسمعت من بعض شيوخنا أنه سأله إنسان: كيف يلبي المحرم؟. فقال: يقول لبيك، اللهم لبيك، اللهم لبيك، إلى آخر التلبية المعروفة، فقال السائل. صرت محرماً فقال ابن سريج " تزببت حصرماً "، قلت: قاله تحكماً، لأن الحصرم لا يجيء منه زبيب وإنما قال السائل: صرت محرماً، لأنه قيل أن ابن سريج كان يقول: يلزم الحكم بالحكا والله أعلم، وكان يناظر محمد بن داود الظاهري. حكى أنه قال له ابن داود يوماً: أبلعني ريقي، قال ابن سريج أبلعتك دجلة. وقال له يوماً: أمهلني ساعة، فقال: أمهلتك الساعة إلى أن تقوم الساعة، وقال له يوماً: أكلمك من الرجل فتجيبني من الرأس. فقال هكذا البقر إذا خفيت أظلافها وهنت قرونها. وقال الشيخ الإمام المعروف بالفقه والإتقان أبو علي بن خيران: سمعت أبا العباس سريج يقول: رأيت كأنا مطرنا كبريتاً أحمر، فملأت أكمامي وحجري منه، فعبر لي أن أرزق علماً عزيزا كعزة الكبريت الأحمر. وكان يقال له في عصره: إن الله تعالى بعث عمر عبد العزيز على رأس المائة من الهجرة، فأظهر كل سنة وأمات كل بدعة، ومن الله تعالى على رأس المائتين بالإمام الشافعي، حتى أظهر السنة وأخفى البدعة. ومن الله تعالى رأس الثلاثمائة بك حتى قويت كل سنة، وضعفت كل بدعة. قلت: هكذا ذكر في التاريخ، ولكن الذي صرح به الحافظ الإمام أبو القاسم عساكر أن الصحيح أنه كان على رأس الثلاثمائة الإمام أبو الحسن الأشعري، لأنه الذي على أئمة المبتدعة، ونصر مذهب أهل الحق والسنة. والناس في ذلك الزمان إلى إقامة الحق والذب عن السنة وإبطال مذاهب البدعة بقواطع الأدلة والبراهين المقحمة المقررة في علم الأصول، أحوج منهم إلى معرفة الفروع. وكان الشيخ أبو الحسن الأشعري أولى بأن يكون من المجددين الذين على رأس كل مائة سنة المشار إليهم في الحديث على وجه الإبهام دون التعيين. وسيأتي ذكر من على رأس المائتين اللاتي بعد إن شاء تعالى.

стр. 533

ولابن سريج المذكور مع فضائله نظم حسن، وفهم مشكور. عاش سبعاً وخمسين سنة وستة أشهر. وكان جده سريج رجلاً مشهوراً بالصلاح الوافر. وهو سريج بن يونس بن إبراهيم بن الحارث المروزي الزاهد العابد، صاحب الكرامات. وقد تقدم تاريخ موته في سنة خمس وثلاثين ومائتين، روى الحديث عن الحسن بن محمد الزعفراني. وفي السنة المذكورة توفي الفقيه الإمام أبو الحسن منصور بن إسماعيل بن عمر التميمي المصري الفقيه الشافعي الضرير. أصله من " رأس عين " البلدة المشهورة بالجزيرة، وأخذ الفقه عن أصحاب الإمام الشافعي، وعن أصحاب أصحابه، وله مصنفات من المذهب مليحة، منها الواجب والمستعجل والمسافر والهداية، وغير ذلك من الكتب. وله شعر جيد ذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء، وأنشد له: عاب التفقه قوم لا عقول لهم ... وما عليه إذا عابوه من ضرر ما ضر شمس الضحى والشمس طالعة ... أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر وحكي أنه أصابته مسغبة في سنة شديدة القحط، فرقي سطح داره، ونادى بأعلى صوته: الغياث، الغياث، نحن خلجاً لكم، وأنتم تجار، وإنما يحسن المواساة في الشدة، لا حين ترخص الأسعار. فسمعه جيرانه، فأصبح على بابه مائة جمل بر. وفي السنة المذكورة توفي الشيخ الكبير أبو عبد الله بن الجلاء، أحمد بن يحيى. من أجل شيوخ الصوفية، صحب ذا النون المصري والكبار. كان قدوة أهل الشام، قال لأبويه: اشتهي أن تهباني لله ، فقال: قد وهبناك له فغاب عنهما مدة من الزمان، ثم جاء في ليلة ذات مطر وبرد، فقرع عليهما الباب، فقالا: من هذا. قال: ولدكما. قالا: ليس لنا ولد، وهبناه لله ، ونحن قوم عرب إذا وهبنا شيئاً لا نرجع فيه. وفيها توفي الإمام الحافظ صاحب التصانيف أبو محمد عبدان بن أحمد الأهوازي الجوالقي. سبع وثلاث مائة فيها توفي أبو يعلى الموصلى التميمى الحافظ، صاحب المسند. والحافظ الكبير

стр. 534

أبو بكر محمد بن هارون الروياني صاحب المسند، وله تصانيف في الفقه. ثمان وثلاث مائة فيها ظهر اختلال الدولة العباسية، وخشيت الفتنة ببغداد، فركبت الجند، وسبب ذلك كثرة الظلم من الوزير حامد بن العباس، فقصد العامة داره، فحاربتهم غلمانه، وكان له مماليك كثيرة، ودام القتال أياماً، فقتل خلق كثير، ثم استفحل البلاء، ووقع النهب ببغداد. وجرت فتن وحروب بمصر، وملك العبيديون جيزة الفسطاط، وخرج الخلق، وشرعوا الحرب والحفل. وفيها توفي الفقيه الصالح راوي صحيح مسلم، إبراهيم بن محمد بن س النيسابوري. قيل كان مجاب الدعوة. وفيها توفي الحافظ الكبير أبو محمد عبد الله بن محمد الدينوري، سمع الكثير وطوف الأقاليم. وفيها توفي أبو الطيب، محمد بن المفضل الضبي الفقيه الشافعي من كبار الفقهاء ومتقدميهم. أخذ الفقه عن أبي العباس سريج، وكان موصوفاً بفرط الذكاء، وله تصانيف، وله في المذهب وجوه حسنة وأبوه أبو طالب المفضل الضبي اللغوي صاحب التصانيف المشهورة في فنون الأدب ومعاني القرآن. وجده سلمة بن عاصم صاحب الفراء وراويته، وهم أهل بيت كلهم علماء نبلاء مشاهير، رحمهم الله تعالى، وقيل أن ابن الرومي هجا المفضل المذكور فقال: لو تلففت في كساء الكسائي ... وتفريت فروة الفراء وتخللت بالخليل، وأضحى ... سيبويه لديك رهن ضياء وتلونت من سواد أبي الأسود ... شخصاً يكنى أبا السوداء إلا بالله أن يعدك أهل العلم ... إلا في جملة الأغبياء فلما بلغ هذا الهجاء الوزير إسماعيل بن بلبل شق عليه، وحرم ابن الرومي عطاياه، لأن المفضل المذكور كان له اتصال بالوزير المذكور. وفيها توفي الحافظ أبو العباس الوليد بن أبان بأصبهان، صاحب المسند والتفسير. وفيها توفي المفضل الجندي " بفتح الجيم والنون " اليمني.

стр. 535

وفيها توفي أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن إبراهيم وزير العزيز بن المعتز العبيدي، صاحب مصر، قالوا: وكان يعقوب أولاً يهودياً يزعم أنه من أولاد هارون بن عمران، أخي موسى صلوات الله عليهما وقيل بل يزعم أنه من ولد السموأل بن عاديا اليهودي، صاحب الحصن المعروف بالأبلق، القائل على ما ذكره بعضهم نسبة إليه: وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل في أبيات له منها: إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل وإن هو لم يجمل على النفس ضمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل وكان يعقوب قد قدم به أبوه من بغداد إلى مصر، وقد تعلم الكتاب والحساب، فجعله كافور الأخشيدي على عمارة داره، ثم لما رأى كافور نجابته وشهامته وصيانته ونزاهته وحسن إدراكه، ولم يقبل سوى قوته، فتقدم كافور إلى سائر الدواوين أن لا يمضي دينار ولا درهم إلا بتوقيعه، فوقع في كل شيء، وكان يبر ويصل من اليسير الذي يأخذه. كل هذا وهو على دينه، ثم إنه أسلم يوم اثنين لثماني عشرة ليلة مضت من شعبان سنة ست وخمسين وثلاثمائة، ولزم الصلاة ودراسة القرآن، ورتب لنفسه رجلاً من أهل العلم شيخاً عارفاً بالقرآن والنحو، حافظاً الكتاب السير، في مكان يبيت عندي، ويصلي به، ويقرأ عليه، ولم يزل حاله يتزايد مع كافور إلى أن توفي كافور في التاريخ المذكور، وكان ابن الفرات وزير كافور يحسده ويعاديه. ولما مات كافور قبض ابن الفرات على جميع الكتاب وأصحاب الدواوين، وقبض على يعقوب في جملتهم، ولم يزل يتوصل ويبذل المال حتى أفرج عنه. فلما خرج من الإعتقال توجه إلى بلاد المغرب، فلقي جوهراً الخادم، وهو متوجه بالعساكر والخزائن إلى الديار المصرية ليملكها، فرجع في صحبته، وقيل بل استمر على قصده، وانتهى إلى إفريقية، وتعلق بخدمة المعز، ثم رجع إلى الديار المصرية، فلم يزل يترقى إلى أن تولى الوزارة للعزيز، وعظمت منزلته، ومهد قواعد الدولة. وكان يعقوب يحب أهل العلم، ويجتمع عنده العلماء، ويقرأ عنده مصنفاته في ليلة كل جمعة، ويحضره القضاة والفقهاء والقراء وأصحاب الحديث والنحاة وجميع أرباب الفضائل وأعيان العدول وغيرهم من وجوه الدولة، فإذا فرغ من مجلسه قام الشعراء ينشدونه المدائح. وكان في داره قوم يتلون القرآن الكريم، وآخرون يتلون الحديث والفقه والأدب حتى الطب، وينصب كل يوم خواناً للخاصة وموائد عديدة لمن عداهم من أهل مجلسه. وكان يجلس كل يوم بعد صلاة الصبح ويعرض عليه رقاع الناس في الحوائج والظلامات. وكان في خدمته قواد من جملتهم

стр. 536

القائد أبو الفتوح فضل بن صالح الذي تنسب إليه " منية؟ لا القائد " وهي بليدة من أعمال الجزيرة من الديار المصرية، وكانت هيبته عظيمة، وجوده وافراً. وأكثر الشعراء من مدائحه وكان له طيور سابقة، وللعزيز كذلك طيور سابقة، فسابقه يوماً ببعض طيوره بعض طيور العزيز، فسبق طائر الوزير، فعز ذلك على العزيز فقيل له: إنه قد اختار من كل شيء أجوده لنفسه وأعلاه، ولم يبق منه إلا أدناه حتى الحمام. وقصدوا بذلك الإغراء به حسداً منهم لعله يتغير عليه، فاتصل ذلك بالوزير، فكتب إلى العزيز: قل لأمير المؤمنين الذي ... له العلا والنسب الثاقب طائرك السابق لكنه ... جاء وفي خدمته حاجب فأعجبه ذلك منه، وسرى عنه ما كان وجده عليه. ذكر بعضهم أن هذين البيتين له، وذكر بعضهم أنهما لولي الدولة المعروف بابن خيران. ولما مرض عاده العزيز. وقال له: لو كنت تشترى اشتريتك بملكي، وفديتك بولدي، هل من حاجة توصي بها؟ فبكى وقبل يده وقال: أما فيما تحضني فأنت أرعى لحقي من أن أسترعيك إياه، وأرأف علي من أن أوصيك به، ولكني أنصح لك مما يتعلق بدولتك سالم الروم ما سالموك، واقنع من الحمداني بالدعوة والسكة، ولا تبق على مفرح بن دغفل إن عرضت لك فيه فرصة، ومات، فأمر العزيز أن يدفن في داره، وهي المعروفة بدار الوزارة بالقاهرة داخل باب النصر في قبة كان بناها، وصلى عليه العزيز وألحده بيده في قبره وانصرف حزيناً لفقده، وأمر بغلق الدواوين أياماً بعده. وكان إقطاعه من العزيز في كل سنة مائة ألف دينار، وذكر بعضهم أنه كفن خمسين ثوباً، ويقال أنه كفن وحنط بما مبلغه عشر آلاف دينار. تسع وثلاث مائة فيها أخذت الإسكندرية، واستردت إلى نواب الخليفة، ورجع العبيدي إلى المغرب. وفيها قضية الحسين بن منصور الحلاج، وهو من أهل " البيضاء " بلدة بفارس ونشأ بواسط والعراق، وصحب سهل بن عبد الله، ثم صحب أبا الحسين النوري وأبا القاسم الجنيد وغيرهم، والناس مختلفون فيه، فمنهم من يبالغ في تعظيمه، ومنهم من يبالغ في

стр. 537

تكفيره، ومنهم من يتوقف فيه. والمحققون اعتذروا عنه، وأجابوا عما صدر عنه بتأويلات، ومنهم القطب أستاذ العارفين الأكابر الذي خضعت لقدمه رقاب كل ولي من باد وحاضر، الشيخ الشريف الحسيب النسيب محي الدين عبد القادر الجيلي، والشيخ الكبير العارف بالله الشهير إمام الطريقة ولسان الحقيقة الشيخ شهاب الدين السهروردي، والإمام رفيع المقام حجة الإسلام أبو حامد محمد الغزالي وغيرهم ممن يطول ذكرهم، بل يتعذر حصرهم. وممن قال به وقبله وصحح حاله وجعله أحد المحققين ولم يخرجه عن أئمة الصوفية العارفين السالكين المرشدين الشيوخ الجلة العارفين بالله الأئمة، الشيخ أبو العباس بن عطا، والشيخ أبو القاسم النصر أبادي، والشيخ أبو عبد الله بن خفيف المذكور بالحسين بن منصور، عالم رباني. فمن كلام الشيخ عبد القادر ﵀ فيه مما روى الشيخ أبو القاسم عمر البزار بالإسناد في مناقبه قال: سمعت سيدي الشيخ محمد الدين عبد القادر الجيلي رضي الله تعالى عنه يقول: عثر الحسين الحلآج، فلم يكن في زمنه من يأخذ بيده، ولو كنت في زمنه لأخذت بيده، وأنا لكل من عثر مركوبه من أصحابي ومريدي ومحبي إلى يوم القيامة آخذ: ومن كلامه فيه أيضاً قوله: فمن مناقبه المروية عنه: طار طائر عقل بعض العارفين عن وكره، سحره صورته، وعلا إلى السماء خارقاً صفوف الملائكة. كان بازياً من بزاة الملك، مخيط العينين بخيط وخلق الإنسان ضعيفا فلم يجد في السماء ما يحاول من الصيد، فلما لاحت له فريسة رأيت ربي زاد تحيره في قول مطلوبه: " أينما تولوا فثم وجه الله " " البقرة: ١١٥، "، عادها بطاً إلى حظيرة خطة الأرض، طلب ما هو أعز من وجود النار في قعر البحار، تلفت بعين عقله فما شاهد سوى الآثار، فكر فلم يجد في الدارين مطلوباً سوى محبوبه، فطرب فقال بلسان شكر قلبه: أنا الحق، ترنم بلحن غير معهود من البشر، صغر في روضة الوجود صغراً لا يليق ببني آدم، لحن بصوته لحناً عرضه فخفقه، نودي في سره يا حلاج، اعتقدت أن قوتك بك؟ قال: لأن نيابته عن جميع العارفين حسب الواحد إفراد الواحد. قل يا محمد، أنت سلطان الحقيقة، أنت إنسان عين الوجود، على عتبة باب معرفتك تخضع أعناق العارفين، في حمى جلالتك توضع جباه الخلائق أجمعين. ومن كلام الشيخ عبد القادر أيضاً في الحلاج مسطوراً عنده في مناقبه المروية بالأسانيد قال رضي الله تعالى عنه: طار واحد من العارفين إلى أفق الدعوى بأجنحة أنا الحق رأى روض الأبدية خالياً عن الحسيس والأنيس، صفر بغير لغة تعريضاً لخيفة، ظهر عليه عقاب الملك من مكمن أن الله لغني عن العالمين، أنشب في إهابه مخلاب كل نفس ذائقة الموت. قال له: شرع سليمان الزمان، لم تكلمت بغير لغتك، ثم ترنمت بلحن غير معهود من مثلك؟.

стр. 538

ادخل الآن إلى قفص وجودك، ارجع من طريق غيرة القدم إلى مضيق ذلة الحديث، قل بلسان اعترافك ليسمعك أرباب الدعاوى: حسب الواحد إفراد الواحد، مناط خفض الطريق، إقامة وظائف خدمة الشرع. ومن كلام الشيخ شهاب الدين السهروردي ما روينا عنه في كتابه " عوارف المعارف " بإسنادنا العالي أنه قال: وما يحكى عن أبي يزيد ﵀ قوله: سبحاني، حاشا أن يعتقد في أبي يزيد أنه يقول ذلك إلا على معنى الحكاية عن الله تعالى. قال: وهكذا ينبغي أن يعتقد في الحلآج ﵀ قوله: أنا الحق. وأما كلام الإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي فقد ذكر في " كتاب مشكاة الأنوار "، فصلاً طويلاً في الإعتذار عن الألفاظ التي كانت تصدر عن الحلاج، مثل قوله: أنا الحق، وقوله: ما في الجبة إلا الله. وأمثال هذه الإطلاقات التي تنئو السمع عنها وعن ذكرها. قال ابن خلكان: وحملها كلها على محامل حسنة، وأولها قال: وقال هذا من فرط المحبة وشدة الوجد. قال: وجعل هذا مثل قول القائل: أنا من أهوى، ومن أهوى أنا ... نحن روحان قد حللنا بدنا فإذا أبصرته أبصرتني ... وإذا أبصرتني أبصرتنا قلت: وهكذا اعتذر عنه وعن ما يصدر من الصوفية من الألفاظ الموهمة للحلول والإتحاد، في كتابه " المنقذ من الضلال ". قلت: وأكثر المحققين حملوا على ما يقع منهم مخالفاً لظواهر الشرع من الأقوال على صدوره في حال سكرهم بواردات الأحوال. وإلى ذلك أشرت بالقصيدة المسماة بالدر المنضد في جيد الملاح، في بيان الإعتذار عن ما يصدر من المشايخ أرباب الأحوال الملاح. وقتل الحلاج وما منه في ظاهر الشرع يستباح، وكونه شهيداً عند المشايخ لأن الغائب بالحال ما عليه جناح: وبعض عن الأكوان فإن بعضهم ... به جاوز الإسكار حداً فعربدا فسل عليه الشرع سيفاً حمى به ... حدوداً فرى الحلاج ماض محددا فمات شهيداً عندكم من محقق ... وكم عندهم يخرج من النهج ملحدا ولكن فتى بسطام رفقاً بحاله ... حمى عن عنايات عزيزاً ممجدا

стр. 539

أشرت في هذا إلى أن الحلاج ظفر به سلطان الشرع الظاهر، وأبو يزيد تحصن بدرع حال الذي هو عن سلاح تسلط السلطان ساتر. قلت: وما أحسن ما أشار بعض أرباب الأحوال في وقوع الحلاج دون أبي يزيد حيث قال: الحلاج خرج من بحر الحقيقة إلى الساحل، وظفر به فأسر، وأقيم عليه الحد. وأما أبو يزيد فإنه لم يخرج من بحر الحقيقة والتحقيق، فلم يكن لهم إلى الظفر به طريق، هذا معنى كلامه والإشارة، وإن اختلف منا العبارة. ومن كلام الشيخ العارف بالله تعالى السيد الجليل أبي الشموس أبي الغيث ابن جميل قدس الله روحه فيما نحن بصدده من السكر لمحبة الله تعالى والفناء عما سوى الله تعالى، لإشارة إلى من صدر منه مثل المقال في سكر وواردات الأحوال، قوله: هداك الله إلى شراب ماء عين، من حسا منها حسوة واحدة عدم عقله، فإن أكثر مما ذكرناه ادعى الربوبية، ودل على ضعفه لأن من كان قبلنا كان بهذا الوصف، لكن لباس ثوب العبودية لنا أكمل وأجمل، وذلك أقصى ما نروم ونطلب. فقد صرح في كلامه هذا بأن مثل هذا إنما يقع عمن سكر بالمشرب المذكور، وضعف عن احتمال تجلي الجمال والنور. قلت: ومما يختشى من مثل هذا الضعف ما يروى عن غير واحد منهم أنهم كانوا يدافعون الأحوال الواردة عليهم، لئلا يقعوا في مثل هذا. وكان بعضهم إذا ورد عليه الحال يدخل السوق، ويسمع كلام الناس، وما هو فيه من اللفظ. وبعضهم كان يأتي زوجته عن ذلك، وبعضهم كان يركب الفرس ويركض ويلهو به، وغير ذلك من اللهو في الأفعال التي تنافي الأحوال. رجعنا إلى ذكر الحلاج: قيل أنه سئل عن التصوف، وهو مصلوب فقال: هي نفسك إن لم تشغلها شغلتك. قلت: في لا بد لها من أن تشغل، فإن لم تشغلها بالطاعات ووظائف العبادات شغلتك بالخواطر المذمومات الموقعات في الهوى والآفات. ومن الشعر المنسوب إليه على اصطلاحهم: سكوت ثم صمت ثم خرس ... وعلم ثم وجد ثم رمس فطين ثم نور ثم نار ... وبرد ثم ظل ثم شمس وحزن ثم سهل ثم قفر ... ونهر ثم بحر ثم يبس وسكر ثم صحو ثم شوق ... وقرب ثم وصل ثم أنس وقبض ثم بسط ثم محو ... وفرق ثم جمع ثم طمس وأخذ ثم رد ثم جذب ... ووصف ثم كسف ثم لبس عبارات لأقوام تساوت ... لديهم هذه الدنيا وقلس

стр. 540

وأصوات وراء الباب لكن ... عبارات الورى في القرب همس وآخر ما يؤول إليه عبد ... إذا بلغ المداحيض نفس لأن الخلق خدام الأماني ... وحق الحق في التحقيق قدس ومما نظمه أيضاً على اصطلاحهم وإشاراتهم قوله: لا كنت إن كنت أدري كيف كنت ولا لا كنت إن كنت أدري كيف لم أكن أرسلت تسأل عني كيف بت وما ... لاقيت بعدك من هم ومن حزن وقوله أيضاً: ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء وقوله أيضاً في كتابه إلى أبي العباس بن عطاء: كتبت ولم أكتب إليك وإنما ... كتبت إلى نفسي بغير كتاب وذاك لأن الروح لا فرق بينها ... وبين محبيها بفصل خطاب وكل كتاب صادر منك وارد ... إليك فلا يحتاج رد جواب وغير ذلك مما يجري هذا المجرى: ومن كلام الحلاج: المدبر وهو الخارج عن أسباب الدارين. وقال: من أسكرته أنوار التوحيد حجبت عن عبادة التجريد بل من أسكرته حقائق التجريد نطق عن حقائق التجريد. لأن السكران هو الذي ينطق لكل مكتوم، وقال بعضهم: لقيت الحلاج يوماً في حال رثة، فقلت له: كيف حالك؟. فأنشأ يقول: لئن أمسيت في ثوب عديم ... لقد بلي على حر كريم فلا يحزنك أن أبصرت حالاً ... يغيرني عن الحال القديم فلي نفس ستتلف أو سترقى ... لعمر الله في أمر جسيم قال بعضهم: سمعت الحسين بن منصور وهو على الخشبة يقول: طلبت المستقر بكل أرض ... فلم أر لي بأرض مستقراً أطعت مطامعي فاستعبدتني ... فلو أتي قنعت لكنت حراً قلت: وله كلام فائق، وشعر رائق، فيهما الكثير من الناس في مسألك المؤاخذة، مضائق، وإيراد كل ذلك في هذا المختصر غير لائق، وحاصل الأمر أنه أفتى كثر علماء عصره بإباحة دمه.

стр. 541

ويقال: أن العباس بن سريج كان إذا سئل عنه يقول: هذا رجل خفي عليه حاله، وما أقول فيه شيئاً. قلت: هكذا قيل مع ابن سريج، توفي قبل قتل الحلاج بثلاث سنين. ويحتمل أن يكون قال ذلك في حياته لما سئل عنه قبل أن يقتل بمدة طويلة. وكذلك ما قيل أن الجنيد وابن داود الظاهري من جملة من أفتى بقتله لا يصح، لأن الجنيد توفي سنة ثمان وتسعين ومائتين، قبل قتل الحلاج بإحدى عشرة سنة. ومحمد بن داود توفي قبل قصة الحلاج باثنتي عشرة سنة. رجعنا إلى ذكر الحلاج. قالوا: وكان قد جرى منه كلام في مجلس حامد بن العباس وزير المقتدر بحضرة القاضي أبي عمر، فأفتى بحل دمه، وكتب خطه بذلك، وكتب معه من حضر المجلس من الفقهاء. وقال لهم الحلاج: ظهري حمى، ودمي حرام، وما يحل لك أن تناولوا علي بما يبيده، وأنا اعتقادي الإسلام، ومذهبي السنة وتفضيل الأئمة الأربعة والخلفاء الراشدين وبقية العشرة من الصحابة، ولي كتب في السنة موجودة في الوراقين، فالله الله في دمي. ولم يزل يردد هذا القول، وهم يكتبون خطوطهم، إلى أن استكملوا ما احتاجوا إليه. وانفضوا من المجلس، وحمل الحلاج إلى السجن. وكتب الوزير إلى المقتدر بخبره بما جرى في المجلس، وسير الفتوى، فعاد جواب المقتدر بأن القضاة إذا كانوا قد أفتوا بقتله فليسلم إلى صاحب الشرطة، وليتقدم فليضربه ألف سوط، فإن مات وإلا اضربه ألف سوط أخرى، ثم يضرب عنقه، فسلمه الوزير إلى الشرطي، وقال له ما رسم به المقتدر، وقال له: إن لم يتلف بالضرب فبقطع يدى ثم رجله، ثم تجز رقبته، وتحرق جثته. وإن خدعك وقال لك: أنا أجري لك الفرات ودجلة ذهباً وفضة فلا تقبل ذلك منه، ولا ترفع العقبربة عنه، فتسلمه الشرطي ليلاً وأصبح يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي الحجة من السنة المذكورة، فأخرجه إلى عند " باب الطاق "، وهو يتبختر في قيوده. واجتمع من العامة خلق لا يحصى عددهم، وضربه الجلاد ألف سوط، ولم يتأوه، بل قال للشرطي لما بلغ الستمائة: ادع لي عندك، فإن لك عندي نصيحة تعدل فتح القسطنطينية. فقال له: قد قيل لي عنك أنك تقول هذا وكثر منه، وليس إلى رفع الضرب عنك سبيل. ولما فرغ من ضربه قطع أطرافه الأربعة. ثم جز رأسه، ثم أحرقت جثته. ولما صار رماداً ألقاه في الدجلة، ونصب الرأس ببغداد على الجسر. وقيل: أن أصحابه جعلوا يعدون أنفسهم برجوعه بعد أربعين يوماً. واتفق أن دجلة زاد تلك السنة زيادة وافرة، فادعى أصحابه أن ذلك سبب إلقاء رماده فيها، وادعى بعض أصحابه

стр. 542

أنه لم يقتل، ولكن ألقي شبهه على عدو من أعداء الله. وشرح هذه القصة يطول، وفيما ذكرناه كفاية وعبرة لأولي العقول. قلت وقد اقتصرت مع ما ذكرت عن المشايخ في هذه القضية على نقل ابن خلكان وهو أهون وكلامه في الصوفية أقرب وأنسب لما ذكرناه من تأويل أكابر المشايخ عنه. على المحامل التي تقدم ذكرها. وأما ما نقل الذهبي، فذكر فيه أشياء فظيعة، وكثر التشنيع عليه، وبالغ مبالغة لا يناسب ما قدمنا عن المشايخ، بل يناسب اعتقاد الطاعنين عليه في شطحيات الصوفية، وما يصدر " عنهم من الأحوال مشتبهاً بمضمون العقيدة التفاشية، وما يناسبه من عقائد الحشوية في السادات من أولي الأحوال السيئة. وفي السنة المذكورة توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبو العباس بن عطاء، وكان من أجلاء المشايخ أكابر الجامعين بين علمي الباطن والظاهر. عشر وثلاث مائة فيها ببغداد توفي الحبر البحر الإمام أحد العلماء الأعلام صاحب التفسير الكبير والتاريخ الشهير والمصنفات العديدة والأوصاف الحميدة أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، كان مجتهداً لا يقلد أحداً. قال إمام الأئمة المعروف بابن خزيمة: ما أعلم على وجه الأرض أفضل من محمد بن جرير، ولقد ظلمته الحنابلة. وقال الفقيه الإمام مفتي الأنام أبو حامد الأسفراييني: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل تفسير محمد بن جرير لم يكن كثيراً. قلت: وناهيك بهذا الثناء العظيم والمدح الكريم من هذين الإمامين الجليلين البارعين النبيلين. ومولده بطبرستان سنة أربع وعشرين ومائتين، ركان ذا زهد وقناعة. توفي في أواخر شوال من السنة المذكورة، وكان إماماً في فنون كثيرة، منها التفسير

стр. 543

والحديث والفقه والتاريخ وغير ذلك، وله مصنفات مليحة في فنون عديدة، يدل على سعة علمه وغزارة فضله، وكان ثقة في نقله وتاريخه. قيل: تاريخه أصح التواريخ وأثبتها، وذكره الشيخ أبو إسحاق في طبقات الفقهاء من جملة المجتهدين. وفيها أو في التي قبلها توفي الفقيه الكبير الإمام الشهير محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، كان فقيهاً مطلعاً، ذكره الشيخ أبو إسحاق في طبقات الفقهاء ومال: صنف في اختلاف العلماء كتباً لم يصنف أحد مثلها، واحتاج إلى كتبه الموافق والمخالف، ومن كتبه المشهورة قي اختلاف العلماء " كتاب الأشراف "، وهو كتاب كبير يدل على كثرة وقوفه على مذاهب الأثمة، وهو من أحسن الكتب وأنفعها. وفيها: وقيل في إحدى عشرة، وقيل في ست عشرة وثلاث مائة، توفي أبو إسحاق الزجاج إبراهيم بن محمد النحوي، كان من أهل العلم بالأدب والدين المتين، وله من التصانيف في معاني القرآن وعلوم الأدب والعربية والنوادر وغير ذلك بضع عشرة مصنفاً. أخذ الأدب عن المبرد وثعلب، وكان يخرط الزجاج، ثم تركه واشتغل بالأدب ونسب إليه، وعنه أخذ أبو علي الفارسي النحوي، وإليه ينسب أبو القاسم عبد الرحمن الزجاجي، صاحب كتاب الجمل في النحو. وفيها توفي الإمام النحوي محمد بن العباس اليزيدي، كان إماماً في النحو والأدب ونقل النوادر وكلام العرب. ومما رواه أن أعرابياً هوى أعرابية، فأهوى إليها ثلاثين شاة وزقاً من خمر مع عبد له أسود، فأخذ العبد شاة في الطريق، فذبحها وأكل منها، وشرب بعض الزق. فلما جاءها بالباقي عرفت أنه خانها في الهدية، فلما عزم على الإنصراف سألها: هل لك حاجة. فأرادت إعلام سيده بما فعله فقالت له: اقرأ ﵇ وقل له: إن المرثوم كان عندنا محاقاً، وإن شحيماً راعي غنمنا جاء مرثوماً. فلم يدر العبد ما أرادت بهذه الكتابة. فلما بلغ سيده ذلك فطن لما أرادت، فدعا له بالهراوة وقال: لتصدقني وإلا ضربتك بهذه ضرباً، فأخبره الخبر فعفا عنه، وهذه من لطيف الكنايات وظريف الإشارات. والمرثوم بفتح الميم وسكون الراء وضم المثلثة: الملطخ بالدم، وهو في الزق مستعمل على وجه الإستعارة. والمحاق بكسر الميم: ثلاث ليالي من آخر الشهر. وفيها توفي الطبيب الماهر أبو بكر محمد بن زكريا الرازي المشهور، ألف في الطب كتباً كثيرة، وكان إمام وقته في علم الطب، والمشار إليه في ذلك العصر، متقناً لهذه الصناعة، يشد إليه الرحال في أخذها عنه.

стр. 544

ومن تصانيفه: " كتاب الحاوي "، وهو من الكتب النافعة، و " كتاب الأقطاب "، و " كتاب المنصور ": وهو على صغر حجمه نافع، جمع فيه بين العلم والعمل. وغير ذلك من التصانيف المحتاج إليه. ومن كلامه: مهما قدرت أن تعالج بالأغذية فلا تعالج، ومهما قدرت أن تعالج بدواء مفرد فلا تعالج بمركب. ومن كلامه: إذا كان الطبيب عالماً، والمريض مطيعاً، فما أقل لبث العلة ومن كلامه: عالج في أول العلة بما لا يسقط القوة. وحكي أن غلاماً من بغداد قدم الري، وكان ينفث الدم، وكان قد لحقه ذلك في طريقه. فاستدعى أبا بكر الرازي الطبيب وأراه ما ينفث، ووصف له ما يجد، فأخذ الرازي مجسة ورأى قارورة، واستوصف حاله، فنظر فيه أبو بكر الرازي، فأفكر فلم يظهر له دليل على علته، فاستنظره لقيام دليل يظهر، فقامت على العليل القيامة، ويئس من الحياة، فولد الفكر للرازي: سؤاله عن المياه التي شربها في طريقه، فأخبره أنه شرب من مستنقعات وصهاريج، فقال في نفس الرازي نجدة حذمه وجودة فطنته أن علقة علقت به من شرب بعض تلك المياه، وأن ذلك الدم بسببها، وقال له: إذا جئت غداً بيتك عالجتك بما يكون سبباً لبرئك، بشرط أن تأمر غلمانك بطاعتي، قال: نعم فانصرف الرازي وجمع له مركنين من طحلب، وأحضرهما من الغد معه وقال له: ابلع، فامتنع، فأمر غلمانه أن يضجعوه فألقوه على قفاه، وفتحوا فمه، فجعل الرازي يدس الطحلب في حلقه ويكبسه كبساً شديداً، ويطالبه ببلعه، ويهدده بالضرب إلى أن بلع ما في أحد المركنين، ثم قذف ما ابتلعه، وتأمل الرازي فإذا بالعلقة في الطحلب الذي قذفه، فنهض العليل معافى، فلم يزل رئيس هذا الشأن. وكان اشتغاله به بعد الأربعين من عمره. إحدى عشرة وثلاث مائة فيها دخل أبو طاهر القرمطي البصرة في الليل في ألف وسبعمائة فارس نصب السلاليم على السور، ونزلوا فوضعوا السيف في البلد، وأحرقوا الجامع، وهرب خلق إلى الماء فغرقوا، وسبوا الحريم. قاتل الله تعالى كل شيطان رجيم. وفيها توفي الحافظ الزاهد المجاب الدعوة أبو جعفر أحمد بن حمدان بن علي بن سنان النيسابوري مصنف الصحيح على شرط مسلم، والفقيه الحبر أبو بكر الخلال البغدادي،

стр. 545

ونحوي العراق أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج. وإمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري الحافظ صاحب التصانيف. رحل إلى الحجاز والشام والعراق ومصر وتفقه على المزني وغيره. قال أبو علي الحافظ: كان ابن خزيمة يحفظ الفقهيات من حديثه كما يحفظ القارىء السورة. وقال ابن حبان: لم أر مثل ابن خزيمة في حفظ الأسناد والمتن، وقال الدارقطني: كان إماماً معموم النظير. اثنتي عشرة وثلاث مائة فيها عارض أبو طاهر القرمطى ركب العراق، ومعه ألف فارس وألف راجل، فوضعوا السيف واستباحوا الحجيج، وساقوا الجمال بالأموال والحريم، وهلك الناس جوعاً وعطشاً، ونجا من نجا بأسوأ حال، ووقع النوح والبكاء ببغداد وغيرها، وامتنع الناس من الصلوات في المساجد، ورجم الناس الوزير ابن الفرات، وصاحوا عليه أنت القرمطي الكبير. فأشار على المقتدر أن يكاتب مؤنساً الخادم وهو على الرقة قد سعى ابن الفرات في إعادته إليها خوفاً منه فقدم مؤنس الخادم، فركب إلى دار ابن الفرات للسلام عليه، ولم يتم مثل هذا من وزير، أو قال الوزير: فأسرع مؤنس إلى باب داره، وقبل يده وخضع. وكان في حبس المحسن ولد الوزير جماعة في المصادرة، فخاف العزل، وأن يظهر عليه ما أخذ منهم فسم علي بن عيسى، وذبح مؤنساً خادم حامد بن العباس وعبد الوهاب ابن ما شاء الله، فكثر الضجيج من المقتولين على بابه، ثم قبض المقتدر على ابن الفرات وسلمه إلى مؤنس، فعاتبه مؤنس، وتذلل هو له، فقال له مؤنس: الساعة تخاطبني بالأستاذ، وأمس تبعدني إلى الرقة، واختفى المحسن، ثم ظفر به في زي امرأة قد خضبت يديها بالحناء، فعذب وأخذ خطه بثلاثة آلاف دينار. وولي الوزارة عبد الله بن محمد الخاقاني، فعذب ابن الفرات، واصطفى أموالهم، فيقال أخذ منهم ألفي دينار، ثم ألح مؤنس ونصر الخادم وهارون ابن خال المقتدر على المقتدر حتى أذن في قتل ابن الفرات وولده المحسن، فذبحا. عاش ابن الفرات إحدى وسبعين سنة، وكان جباراً فاتكاً سائساً كريماً متمولاً يقدر على عشرة آلاف دينار، وقد ورد للمقتدر ثلاث مرات وقتل، وكان يدخل عليه من أملاكه في العام ألف ألف دينار. فكان القرمطي قد أسر طائفة من الحجاج، منهم الأمير أبو الهيجا عبد الله بن حمدان، فأطلقه وأرسل معه يطلب من المقتدر البصرة، والأهواز، فذكر أبو الهيجاء أن القرمطي قتل من الحجاج ألفي رجل ومائتين، ومن النساء ثلاثمائة، وفي الأسر

стр. 546

مثلهم بهجر. وفي السنة المذكورة ذبح ابن الفرات وولده المذكوران، ويقال عنه أنه كانت الأعراب كبسوا بغداد، ولما ولي الوزارة في سنة أربع وثلاثمائة خلع عليه سبع خلع، كان يوماً مشهوداً بحيث أته سقى من داره في ذلك اليوم والليلة أربعين ألف رطل ثلج. وفيها توفي سلمة بن عاصم الضبي الفقيه صاحب ابن سريج، أحد الأذكياء. صنف الكتب، وهو صاحب وجه، وكان يرى تكفير تارك الصلاة. وأبوه وجده من أئمة العربية. ثلاث عشرة وثلاث مائة فيها سار الركب العراقي ومعهم ألف فارس، فاعترضهم القرمطي بزبالة، وناوشهم القتال، فرد الناس ولم يحجوا، ونزل القرمطي على الكوفة، فقاتلوه فغلب على البلد ونهبه، فندب المقتدر مؤنساً وأنفق في الجيش ألف ألف دينار. وفيها توفي الإمام اللغوي العلامة أبو القاسم ثابت بن حزم السرقسطي. قال ابن الفرضي: كان مفتياً بصيراً بالحديث والنحو واللغة والغريب والشعر، عاش خمساً وتسعين سنة. وفيها توفي عبد الله بن زيدان، قال محمد بن أحمد بن حماد الحافظ: لم تر عيني مثله، كان أكثر كلامه في مجلسه: يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على طاعتك. وروي أنه مكث نحو ستين سنة، لم يضع جنبه على مضربه. وفيها توفي الحافظ أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي مولاهم السراج، صاحب التصانيف. قال أبو إسحاق المزكي: سمعته يقول: ختمت عن رسول الله ﵌ اثنتي عشرة ألف ختمة، وضحيت عنه اثنتي عشرة ألف أضحية، قال محمد بن أحمد الدقاق: رأيت السراج يضحي كل أسبوع أو أسبوعين أضحية، ثم يجمع أصحاب الحديث عليها، ولقد ألف السراج مستخرجاً على صحيح مسلم، وكان أماراً بالمعروف ونهاء عن المنكر، عاش سبعاً وتسعين سنة. أربع عشرة وثلاث مائة لم يحج فيها أحد من العراق خوفاً من القرامطة، ونزح أهل مكة عنها خوفاً منهم،

стр. 547

وفيها توفي أبو الليث نصر بن القاسم البغدادي الفرائضي، وكان ثقة. خمس عشرة وثلاث مائة فيها نازلت القرامطة الكوفة، فسار يوسف ابن أبي الساج، فالتقاهم، فأسر يوسف، وانهزم عسكره، وقتل منهم عدة. وسار القرمطي إلى أن نزل غربي الأنبار، فقطع المسلمون الجسر، فأخذ يتحيل في العبور، ثم عبر، وخرج نصر الحاجب ومؤنس، فعسكروا بباب الأنبار، وخرج أبو الهيجا ابن حمدان وإخوته، ثم رده القرامطة، فما صبر العسكر عليهم، ووقع عليهم الخذلان، وما كانت القرامطة سوى ألف وسبعمائة من فارس وراجل، والعسكر كانوا أربعين ألف فارس. ثم إن القرمطي قتل ابن أبي الساج وجماعة معه، وأشار إلى " هيت "، فبارز العسكر، ودخل الوزير علي بن عيسى على المقتدر وقال: قد تمكنت هيبة هذا الكافر من القلوب، فخاطب السيدة في مال تنفقه في الجيش، وإلا فمالك إلا أقاصي خراسان، فأخبر أمه بذلك، فأخرجت خمسمائة ألف دينار، وأخرج المقتدر ثلاث مائة ألف دينار. ونهض ابن عيسى في استخدام العساكر، وجددت على بغداد بخنادق، وعدمت هيبة المقتدر من القلوب، وشتمته الجند. وفيها توفي الحافظ صاحب التصانيف أحمد بن علي بن الحسين الرازي النيسابوري. وفيها توفي أبو الحسن الأخفش الصغير علي بن سليمان البغدادي النحوي، أخذ عن ثعلب والمبرد، وروى عنه المرزباني وأبو الفرج المعاني وغيرهما. وكان ثقة، قال المرزباني: لم يكن بالمتسع في الرؤية للأخبار، والعلم بالنحو، وما علمته صنف شيئاً البتة، ولا قال شعراً، وكان إذا سئل عن مسألة في النحو ضجر وانتهر من يسأله. وقال أبو الحسن بن سنان: كان يواصل المقام عند أبي علي بن مقلة، وأبو علي يراعيه ويبره، فشكا في بعض الأيام ما هو فيه من شدة الفاقة، فسأله أن يعلم الوزير علي بن عيسى حاله، ويسأله إقرار رزق في جملة من يرتزق من أمثاله، فعرف الوزير أبو علي اختلال حاله، وتعذر الوقوف عليه في أكثر أيامه، وسأله أن يجري عليه رزقاً فانتهره الوزير انتهاراً شديداً في مجلس حافل، فشق على ابن مقلة ذلك، وقام من مجلسه، وصار إلى منزله لإيماء نفسه. ووقف الأخفش على الصورة المذكورة فاغتنم بها، وانتهت به إلى الحال التي

стр. 548

أكل الشحم، فقيل: إنه قبض على فؤاده، فمات فجأة في التاريخ المذكور. نسأل الله الكريم العفو والعافية واللطف الجميل واليسر الحصين في الدين والدنيا والآخرة، وقد تقدم ذكر الأخفش الأكبر والأوسط في سنة خمس عشرة ومائتين. ست عشرة وثلاث مائة فيها دخل القرمطي الزوحية بالسيف واستباحها ثم نازل الرقة، وقتل جماعة، وتحول إلى هيت، فرموه بالحجارة، وقتلو صاحبه أبا الدرداء، فسار إلى الكوفة، ثم انصرف وبني داراً سماها دار الهجرة، ودعا إلى المهدي وسار إليه كل مرتب، ولم يحج أحد هذه السنة، واستعفي ابن عيسى من الوزارة، وولي بعده علي بن مقلة، وهو كاتب. قلت: وهذا مشكل، وقد تقدم في سنة اثنتي عشرة وثلاث مائة أن علي بن عيسى سم ولكن يحتمل أنه سم ولم يمت بذلك السم. وفيها توفي الشيخ الكبير الولي الشهير أبو الحسن بنان الحمال نزيل مصر وشيخها، كان ذا منزلة جليلة وأحوال جميلة وكرامات عديدة، صحب الجنيد، وحدث عن الحسن بن محمد الزعفراني وجماعة. توفي في رمضان وخرج في جنازته أكثر أهل مصر. ومن كراماته أنه جاءه إنسان، وذكر أنه ضاع له قرطاس فيه تنزيل، له صورة من المال، وسأله أن يدعو له بحفظه، فقال له: أنا رجل كبير وأشتهي الحلواء، اشتر لي كذا وكذا منها، فذهب واشترى له منها الذي طلب، فلما جاءه بها تناول منها شيئاً يسيراً ثم قال: اذهب وأطعمها صبيانك فلما ذهب بها إلى بيته وجد ذلك القرطاس هو الذي ضاع له. ومنها أنه ألقاه بعض الخلفاء بين يدي الأسد في حال غضبه عليه، فصار الأسد يشمه، ولم ينله بسوء، فقيل له: كيف كنت في وقت شم الأسد لك؟ فقال: كنت أفكر في اختلاف العلماء في طهارة لعاب السباع.

стр. 549

ومنها أنه انبسط إلى إخوانه في شراء جارية فقالوا: يقدم النفر، فإذا قدم اشترينا له جارية تصلح له. فلما قدم النفر أجمع رأيهم على جارية أنها تصلح له، فكلموا صاحبها في بيعهم إياها فامتنع، فألحوا عليه فقال: إنها ليست للبيع، إنها أهدتها امرأة من سمرقند للشيخ بنان الجمال، فحملت إليه. وفيها توفي الحافظ عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني. وفيها توفي الحافظ أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الأسفرايني، صاحب المسند الصحيح، رحل إلى الشام والحجاز واليمن ومصر والجزيرة والعراق وفارس وأصبهان، روى عن يونس بن عبد الأعلى، وعلي بن حرب، ومحمد بن يحيى الذهلي، ومسلم بن الحجاج، والمزني والربيع والحسن الزعفراني وغيرهم ممن في طبقتهم. وعلى قبره مشهد بأسفرايين، وكان مع حفظه فقيهاً شافعياً إماماً، روى عنه جماعة، منهم أبو بكر الإسماعيلي، وحج خمس حجج وقال: كتب إلى محمد بن إسحاق: فإن نحن التقينا قبل موت ... سقينا النفس من غصص العناب وإن سبقت بنا أيدي المنايا ... فكم من غائب تحت التراب وقال أبو عبد الله الحاكم: أبو عوانة من علماء الحديث وأثباتهم، ومن الرجالة في أقطار الأرض. وفيها توفي محمد بن السري النحوي المعروف بابن السراج، كان أحد الأئمة المشاهير، مجمعاً على فضله وجلالة قدره في النحو والأدب، أخذ الأدب عن أبي العباس المبرد وغيره، وأخذ عنه جماعة من الأعيان، منهم السيرافي والرماني وغيرهما. ونقل عنه الجوهري في الصحاح في مواضع عديدة، وله التصانيف المشهورة في النحو منها: " كتاب الأصول "، وهو من أجود الكتب المصنفة في هذا الشأن، وإليه المرجع عند اضطراب النقل واختلافه. " وشرح كتاب سيبويه "، و " كتاب الشعر والشعراء "، و " كتاب الرياح والهواء والنار " مع كتب أخرى، ومن الشعر المنسوب إليه. ميزت بين جمالها وفعالها ... فإذا الملاحة بالخيانة لا تفي حلفت لنا أن لا تخون عهودها ... وكأنما حلفت لنا أن لا تفي

стр. 550

قلت: وهذان البيتان يحسن استعارتهما لوصف الدنيا، وقيل أنهما لإبن المعتز وقيل: لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر معهما بيت ثالث وهو: والله لا كلمتها ولو أنها ... كالبحر أو كالشمس أو كالمكتفي فأنشدها وزير المكتفي له فقال: لمن هي؟ قال: لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر. فأمر له بألف دينار، فوصل إليه فقال ابن الزنجي: ما أعجب هذه القصة، يعمل ابن السراج أبياتاً تكون سبباً لوصول الرزق لإبن طاهر. سبع عشرة وثلاث مائة فيها هجم مؤنس الخادم وأكثر الجيش على دار الخلافة، وأخرج المقتدر وأمه وخالته وحرمه إلى دار مؤنس، وأحضروا محمد بن المعتضد من الحبس وبايعوه، ولقبوه القاهر بالله، وقلدوا لابن مقلة وزارته، ووقع النهب في دار الخلافة ببغداد، وأشهد المقتدر على نفسه بالخلع، وجلس القاهر من الغد، وصار " نازوك " حاجبه، فجاءت إلى ودخلوا، وطلبوا رزق البيعة ورزق سنة، وعظم الصياح، ثم وثب جماعة على نازوك فقتلوه، وقتلوا خادمه، ثم صاحوا فالمقتدر يا منصورة فهرب الوزير والحجاب والقاهر وساروا ووصلوا إلى مؤنس ليرد المقتدر، وسدت المسالك على القاهر وأبي الهيجاء، ثم جاشت نفسه فقال: يا آل ثعلب، فرمي بسهم فيما بين ثدييه وأخرى في نحره ثم جز رأسه وأحضروا المقتدر، وألقي بين يديه الرأس، ثم أسر القاهر، وأتي به إلى المقتدر، فاستدناه وقبل جبينه وقال: أنت لا ذنب لك يا أخي وهو يقول الله الله يا أمير المؤمنين في نفسي فقال: والله لا ينالك مني سوء، فطيف برأس نازوك، ورأس أبي الهيجا، ثم أتى مؤنس والقضاة، وجددوا البيعة للمقتدر، فبذل في الجند أموالاً عظيمة، وباع في بعضها ضياعاً وأمتعة، وماتت القهرمانة التي كانت تجلس للناس بدار العدل. وحج بالناس منصور الديلمي فدخلوا مكة سالمين، فوافاهم يوم التروية عدو الله تعالى أبو طاهر القرمطي، فقتل الحاج قتلاً ذريعاً في المسجد وفي فجاج مكة، وقتل أمير مكة ابن محارب، وقلع باب الكعبة، واقتلع الحجر الأسود، فأخذه إلى " هجر " ولم يرد إلا في سنة تسع وثلاثين وثلاث مائة كما سيأتي، وكان معه تسعمائة أنفس، فقتلوا في المسجد ألفاً وسبعمائة نسمة، وقيل ثلاثة عشر ألفاً، وصعد على باب البيت وصاح:

стр. 551

أنا بالله وبالله أنا ... أنا أخلق الخلق وأفنيهم أنا وقيل: إن الذين قتلوا بفجاج مكة، فظاهرها ثلاثون ألفاً، وسبي من النساء والصبيان نحو ذلك. وأقام بمكة ستة أيام ولم يحج أحد. وقال محمود الأصبهاني: دخل القرمطي وهو سكران، فصفر لفرسه، فبال عند البيت. وقتل جماعة،. ثم ضرب الحجر الأسود بدبوس، فكسر منه، ثم قلعه وبقي الحجر الأسود بهجر نيفاً وعشرين سنة. ولما قلع الحجر الأسود قال شعراً يدل على عظيم زندقته حيث يقول: فلو كان هذا البيت لله ربنا ... لصب عليا النار من فوقنا صباً لأنا حججنا جاهلية ... محللة لم تبق شرقاً ولا غرباً وإنا تركنا بين زمزم والصفا ... جبابر لا نبقي سوى ربها رباً وشعر هذا الزنديق مشهور في التواريخ، قلت: وقد أوضحت في كتاب المرهم ظهور هؤلاء القرامطة الزنادقة في أي السنين، وفي أي البلاد، ومدة ظهورهم، وإمامهم ودعاته. وكانت فتنتهم قد عمت كثيراً من الآفاق منها اليمن والشام والعراق، وكان من دعاتهم في اليمن الشيطان الزنديق علي بن فضل، ما زال يدعو إلى مذهبهم سراً مظهراً مذهب الرفض، وفي قلبه الكفر المحض، ويزعم أنه يدعو إلى مذهب أهل البيت وحبهم، إلى أن أفسد خلقاً كثيراً، وملك حصون اليمن شيئاً فشيئاً، ثم ملك مدنها منها عدن وزبيد وصنعاء. فطرد الناصر بن الهادي إمام الزيدية من " صعده "، واستولى على جبال اليمن وتهامة، وقتل خلائق لا يحصون من أهلها، فلما تمهد له الملك، وتمكن في الأرض، أظهر الزندقة والكفر المحض، وأمر جواريه أن يغنين بالدفوف على منبر الجند بشعره الذي تزندق فيه وألحد، وأنكر دين الإسلام وجحد وهو: خذ الدف يا هذه واضربي ... وغني هزاريك ثم اطربي توفي نبي بني هاشم ... وهذا نبي بني يعرب فقد حط عنا فروض الصلا ... ة وحط الزكاة ولم يتعب إذا الناس صلوا فلا تنهضي ... وإن صوموا فكلي واشربي ولا تطلبي السعي عند الصفا ... ولا زورة القبر في يثرب وشعر طويل وكله في إباحة محارم الله تعالى والتحليل، وجحد الفروض التي جاء بها محكم التنزيل، محرضاً اللعين على نبذ دين الإسلام والتضليل ثم قتل اللعين الشيطان

стр. 552

الرجيم، وذهب لا رده الله إلا إلى النار الجحيم، قتله بعض قبائل اليمن: وكان ظهوره في الإبتداء في جبل " مسور " بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الواو وفي آخره راء جبل في حراز في بلاد اليمن مشهور، وحواليه الإسماعيلية الآن متمسكون بمذهب الضلال والغرور، ويشعلون نار الحرب والشرور، ويشتغلون للقرامطة في البلدان ذكره يطول، ولم يزالوا متظاهرين بمذهب الزندقة والضلال، إلى أن ذهب مذهبهم الخبيث وزال، وبقيت الإسماعيلية الباطنية بإعتقاد مذهبهم الخبيث، يتظاهرون عندنا بالتمسك بأحكام الشرع، وعلى تعطيلها في الباطن واستباحة ما حرم الله تعالى يصرون. وكان ظهور مذهب القرامطة إحدى فتنتين عظيمتين في اليمن. والفتنة الثانية: أن الشريف الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، لما قام في " صعدة " ومخاليف صنعاء دعا الناس إلى التشيع عند استقراره في صنعاء، وهذه الفتنة أهون من الأولى، وكل أهل اليمن صنفان: إما مفتون بهم، وإما مخالف لهم متمسك بأحكام الشريعة. وفي السنة المذكورة قتل بمكة الإمام أحمد بن الحسين شيخ الحنفية ببغداد، وقد ناظره مرة داود الظاهري، فقطع داود، ولكنه معتزلي الإعتقاد. وفيها توفي الحافظ الشهيد أبو الفضل محمد بن أبي الحسين الهروي، قتل بباب الكعبة. وفيها توفي المنجم المشهور الحاسب صاحب الزيج والأعمال العجيبة والأرصاد المتقنة محمد بن جابر الرقي البتاني " بفتح الموحدة وتشديد المثناة من فوق، وقيل ياء النسبة نون "، وأحد عصره في وقته. توفي في موضع يقال له الحضر، " بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وبعدها راء "، وهي مدينة بالقرب من الموصل، وكان صاحبها الساطرون " بالسين والطاء والراء المهملات "، فحاصرها أزدشير أول ملوك الفرس، وأخذ البلد وقتله، وقيل إن الذي قتله سابور " بالسين المهملة والباء الموحدة " ذو الأكتاف، وهو الذي ذكره ابن هشام في سيرة رسول الله ﵌، قالوا: والأول أصح، وكان إقامة أزدشير على حصاره أربع سنين، ولم يقدر حتى فتحت له ابنة الملك

стр. 553

الساطرون، " بكسر الطاء " وسبب ذلك أنها كانت عادتهم إذا حاضت المرأة أنزلوها إلى الربض وحاضت ابنة الملك المذكور، وكانت في غاية الجمال، فأنزلوها إلى الربض، فأشرفت ذات يوم فأبصرت أزدشير من أجمل الرجال، فهوته، وأرسلت إليه أن يتزوجها وتفتح له الحصن، واشترطت عليه. فألزم لها ما طلبت، ثم اختلفوا في السبب الذي دلته عليه حتى فتح الحصن، فالذي قاله الطبري أنها دلته على طلسم في الحصن، وكان في علمهم أنه لا يفتح حتى تؤخذ حمامة زرقاء، ثم يرسل الحمامة فتنزل على سور الحصن، فيقع الطلسم، فيفتح الحصن، ففعل أزدشير ذلك، واستباح الحصن حينئذ، وخربه وأباد أهله. وسار ببنت الملك، وتزوجها. فبينا هي نائمة على فراشها ليلاً إذ جعلت تتململ لا يأخذها النوم، فقال لها زوجها: أراك لا تنامين؟ قالت: ما نمت على فراش أحسن من هذا الفراش، وأنا أحس شيئاً يؤذيني. فأمر بالفراش فأبدل، فلم تنم أيضاً حتى أصبحت وهي تشتكي جنبها، فنظر إليها فإذا ورقة آس قد لصقت ببعض عكتها، وقد عذبتها، فعجب من ذلك وقال: أهذا الذي أسهرك. قالت: نعم، قال: فما كان أبوك يصنع لك. قالت: كان يفرش لي الديباج، ويلبسني الحرير، ويطعمني المخ والزبد والشهد من أبكار النحل، ويسقيني الخمر الصافي. قال: فكان جزاء أبيك ما صنعت به؟ أنت إلي بذلك أسرع. ثم أمر بها فشدت دوائبها إلى فرسين جامحين، ثم أرسلا فقطعاها. قال بعض المؤرخين: وإنما ذكرت هذه الحكاية لكونها غريبة. وفيها توفي مضر بن أحمد الخبزارزي. كان أمياً، وكان يخبز خبز الأرز وينشد الأشعار المقصودة على الغزل، والناس يزدحمون عليه، ويتطرفون باستماع شعره، ويتعجبون من حاله وأمره، وذكره جماعة من كبار المؤرخين، وأوردوا له عدة مقاطع من شعره، فمن ذلك قوله: خليلي هل أبصرتما أوسمعتما ... بكرم من مولى يمشي إلى عبد أتي زائراً من غير وعد وقال لي ... أجلك عن تعليق قلبك بالوعد فما زال نجم الوصل بيني وبينه ... تدور بأفلاك السعادة والسعد وحكى الخالد بأن الشاعر المشهور في كتاب الهدايا والتحف الخبزارزي المذكور، أهدى إلى والي البصرة فصاً وكتب معه: أهديت ما لو أن أضعافه ... مطرح عندك ما بانا كمثل بلقيس التي لم يبن ... إهداؤها عند سليمانا هذا امتحان لك إن ترضه ... بان لنا أنك ترضانا

стр. 554

والشيء بالشيء يذكره. وفي الكتاب المذكور نادرة لطيفة ظريفة، وفي ذكرها إتحاف وإظراف لسامعها، وهي أن اللبادي الشاعر خرج من بعض مدن أذربيجان يريد أخرى وتحته مهر له راتع، وكانت السنة مجدبة، فضمه الطريق وغلاماً حدثاً على حمار له، قال فحادثته فرأيته أديباً راوية للشعر، خفيف الروح، حاضر الجواب، جيد الحجة. فسرنا بقية يومنا، فأمسينا إلى خان على ظهر الطريق، وطلبت من صاحبه شيئاً تأكله، فامتنع أن يكون عنده شيء، فرفقت به إلى أن جاءني برغيفين، فأخذت واحداً، ودفعت إلى الغلام الآخر. وكان غمي على المهر أن يبيت بغير علف أعظم من غمي على نفسي، فسألت صاحب الخان عن الشعير فقال: ما أقدر منه على حبة واحدة، فقلت: فاطلب، وجعلت له جعلاً على ذلك، فمضى وجاءني بعد زمن طويل وقال: وجدت مكوكين عند رجل، وحلف بالطلاق أنه لا ينقصهما عن مائة درهم، فقلت: ما بعد يمين الطلاق كلام، فدفعت إلى خمسين درهماً، فجاءني بمكوك، فعلفته على دابتي، وجعلت أحادث الفتى، وحماره واقف بغير علف، فأطرق ملياً ثم قال: اسمع أيدك الله أبياتاً حضرت الساعة، فقلت: هاتها فأنشد: يا سيدي، شعري نفاية شعركا ... فلذاك نظمي لا يقوم بنثركا وقد انبسطت إليك في إنشاد ما ... هو في الحقيقة قطرة من بحركا آنستني وبررتني وقريتني ... وجعلت أمري من مقدم أمركا وأريد أذكر حاجة إن تقضها ... لك عند مدحك ما حييت وشكركا أنا في ضيافتك العشية ها هنا ... فاجعل حماري في ضيافة مهركا فضحكت واعتذرت إليه من إغفال أمر حماره، وابتعت المكوك الآخر بخمسين درهماً، ودفعته إليه. ثمان عشرة وثلاث مائة فيها توفي الحافظ الحجة محمد بن يحيى بن صاعد البغدادي مولى بني هاشم. قال أبو علي النيسابوري: لم يكن بالعراق في أقران ابن صاعد أحد أجل في الفهم والحفظ من ابن صاعد، وهو فوق أبي بكر بن داود فهماً. وفيها توفي الحافظ عبد الله بن محمد بن مسلم الأسفرايني المصنف. وفيها توفي الحافظ أبو عروبة، الحسن بن أبي معشر محمد بن مودود السلمي

стр. 555

الحراني، وهو في عشر المائة. وفيها: وقيل في التي تليها توفي الحسن بن علي بن عوف بن العلاف النهرواني الشاعر المشهور. حدث عن أبي عمرو الدوري المقرىء، وحميد بن مسعدة المصري، ونصر بن علي الجهضمي وغيرهم، وروى عنه جماعة منهم: أبو حفص بن شاهين وغيره، وكان ينادم الإمام المعتضد بالله. وحكى قال: بت ليلة في دار المعتضد مع جماعة من ندمائه، فأتانا خادم ليلاً فقال: أمير المؤمنين يقول: أرقت الله بعد انصرافكم. فقلت: ولما انتهينا للخيال الذي سرى ... إذ الدار قفر والمزار بعيد قد أرتج على تمامه، فمن أجازه بما يوافق غرضي أمرت له الجائزة. قال: فأرتج على الجماعة، وكلهم شاعر فاضل، فابتدرت وقلت: فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي ... لعل خيالاً طارقاً سيعود فرجع الخادم، ثم عاد فقال: أمير المؤمنين يقول: قد أحسنت، وأمر لك بجائزة. تسع عشرة وثلاث مائة فيها استوحش مؤنس من المقتدر والوزير، وجعل يمقت على المقتدر، ويتحكم عليه في إبعاد الناس وتقريب غيرهم، ثم خرج بأصحابه إلى الموصل معارضاً، فاستولى الوزير على حواصله، وفرح المقتدر بالوزير، وكتب اسمه على السكة. وكان مؤنس في ثمانمائة، فحارب جيش الموصل، وكانوا ثلاثين ألفاً، فهزمهم وملك الموصل في سنة عشرين. ولم يحج أحد من بغداد، وأخذ الديلمي الدينور، ففتك بأهلها، ووصل إلى بغداد من الهزم، ورفعوا المصاحف على القضيب، واستغاثوا وسبوا المقتدر، وغلقت الأسواق، وخافوا من هجوم القرامطة. وفيها توفي الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن القرشي محدث دمشق. وفيها توفي الكعبي شيخ المعتزلة أبو القاسم البلخي. وفيها توفي السيد الجليل محمد بن الفضل البلخي الواعظ. قيل مات في مجلسه أربعة أنفس.

стр. 556

وفيها أو قبلها توفي أبو عبد الله الزبير بن أحمد الزبيري الفقيه الشافعي المازني والزبيري نسبة إلى الزبير بن العوام كان إمام أهل البصرة في عصره ومدرسها، حافظ المذهب، مع حظ من الأدب. قدم بغداد وحدث بها عن جماعة، وروى عنه النقاش صاحب التفسير وآخرون. وكان ثقة صحيح الرواية، وله مصنفات كثيرة منها: " الكافي " في الفقه، و " كتاب رياضة المتعلم "، و " كتاب النية "، و " كتاب الهداية "، وغير ذلك من الكتب، وله في المذهب وجوه كثيرة. عشرين وثلاث مائة فيها تجهز مؤنس والعساكر إلى بغداد، فأشار الأمراء على المقتدر بالإنفاق على العساكر، فعزم على التوجه إلى واسط في الماء ليستخدم منها ومن البصرة والأهواز، فقال له محمد بن ياقوت: اتق الله ولا تسلم بغداد بلا حرب. فلما أصبحوا ركب في موكبه وعليه البردة وبيده القضيب، والقراء والمصاحف حوله، والوزير خلفه فسبق بغداد إلى الشماسية، وأقبل مؤنس في جيشه، وشرع القتال، فوقف المقتدر على تل، ثم جاء إليه ابن ياقوت وأبو العلا بن حمدان، فقال له: تقدم، وهم يستدرجونه حتى صار في وسط المصاف في طائفة قليلة، فانكشف أصحابه، وأسر منهم جماعة، وأبلى ابن ياقوت وهارون بن غريب بلاء حسناً، وكان معظم جيش مؤنس خادم البريد، فعطف جماعة من البريد على المقتدر، فضربه رجل من خلفه ضربة فسقط إلى الأرض، وقيل رماه بحربة وجز رأسه بالسيف، ورفع على رمح، ثم سلب ما عليه، وبقي مهتوك العورة حتى ستر بالحشيش، ثم حفر له حفرة، فضمته وعفى أثره، وكانت خلافته خمساً وعشرين سنة إلا بضعة عشر يوماً. وكان مسرفاً مبذراً، ناقص الرأي، يمحق الذخائر، حتى أنه أعطى بعض جواريه الدرة اليتيمة، وزنها ثلاثة مثاقيل، يقال أنه ضيع من الذهب ثمانين ألف دينار. وفي أيامه اضمحلت دولة الخلافة العباسية وضعفت. قالوا: وكان جيد العقل والرأي، لكنه يؤثر اللعب والشهوات، غير ناهض بأعباء الخلافة. وكانت أمه وخالته والقهرمانة يدخلن في الأمور الكبار والولايات والحل والعقد. ولما حمل رأس المقتدر إلى مؤنس بكى وندم وقال: قتلتموه، والله لتقتلن كلنا. فأظهروا أن قتله كان عن غير قصد، ثم بايعوا القاهر بالله الذي قد بايعوه في سنة سبع عشرة،

стр. 557

فصادر بعض أصحاب المقتدر، وعذب أمه وهي مريضة ثم ماتت وهي معلقه بحبل. وبالغ في الظلم، فمقته القلوب. وكان ابن مقلة قد نفي إلى الأهواز، فاستحضره واستوزره. وفيها توفي الحافظ محدث الشام، أبو الحسن محمد بن عمر. وفيها أو قبلها أو بعدها توفي القاضي الحافظ محمد بن يحيى المدني، قاضي عدن، نزيل مكة. كان من جملة الحفاظ وأكابر العلماء، سمع منه الإمامان الحافظان: مسلم بن الحجاج النيسابوري، وأبو عيسى محمد بن سورة الترمذي. أخذ عن سفيان بن عيينة الهلالي، وعبد العزيز المراوردي، ووكيع بن الجراح، وأبي معاوية وغيرهم، وروى عنه الترمذي أنه قال: حججت ستين حجة ماشياً على قدمي. وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربري، صاحب البخاري. وفيها توفي قاضي القضاة محمد بن يوسف الأزدي مولاهم، وكان من خيار القضاة حلماً وعقلًا وصلابة وذكاء وإصابة. وفيها توفي الفقيه الإمام الكبير الشأن المشهور بأبي علي بن خيران الشافعي المذهب. عرض عليه القضاء ببغداد في خلافة المقتدر، فامتنع وختم على بيته، وضيق عليه عدة أيام ليقبل، فلم يقبل. وكان يعاتب ابن شريح على توليته ويقول: هذا الأمر لم يكن فينا، وإنما كان في أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله تعالى وعوتب الوزير علي بن عيسى على تضييقه فقال: إنما قصدت ذلك ليقال: كان في زماننا من وكل بداره لتقليد القضاء فلم يقبل. وفيها توفي أمير المؤمنين المقتدر بالله، أبو الفضل جعفر بن المعتضد بالله بن الموفق بن المتوكل بن المعتصم العباسي، كما تقدم ذكر قتله، وكان عمره ثمانياً وثلاثين سنة. وفيها توفي أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد البرمكي على خلاف فيه يأتي مع بعض أوصافه في سنة أربع وعشرين.

стр. 558

إحدى وعشرين وثلاث مائة فيها بدت من القاهر شهامة وإقدام، فتحيل حتى قبض على مؤنس الخادم وجماعة، ثم أمر بذبحهم، ثم طيف برؤوسهم ببغداد، فاستقامت له بغداد، وأطلقت أرزاق الجند وعظمت هيبة القاهر في النفوس، ثم أمر بتحريم القينات والخمر، وقبض على المغنن ونفى المخنثين، وكسر آلات الطرب، إلا أنه قيل: كان لا يكاد يصبر من السكر، ويسمع القينات. وفيها توفي أبو جعفر، أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي الأزدي الفقيه الحنفي المصري. برع في الفقه والحديث، وصنف التصانيف المفيدة. قال الشيخ أبو إسحاق: انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر، وقال غيره: كان شافعي المذهب، يقرأ على المزني، فقال له يوماً: والله لا جاء منك شيء، فغضب أبو جعفر من ذلك. وانتقل إلى جعفر بن عمران الحنفي، واشتغل عليه، فلما صنف مختصره قال: رحم الله أبا إبراهيم يعني المزني لو كان حياً لكفر عن يمينه. وذكر أبو علي الخليلي في كتاب الإرشاد في ترجمة المزني: إن الطحاوي المذكور كان ابن أخت المزني، وأن محمد بن أحمد الشروطي قال: قلت للطحاوي: لم خالفت خالك، واخترت مذهب أبي حنيفة. فقال: لأني كنت أرى خالي يديم النظر في كتب أبي حنيفة، فلذلك انتقلت إليه. وصنف كتباً مفيدة، منها: " أحكام القرآن "، و " اختلا العلماء "، و " معاني الآثار "، و " الشروط " وله " تاريخ " كبير، وغير ذلك. ونسبته إلى " طحا " وهي قرية بصعيد مصر، وإلى الأزد وهي قبيلة كبيرة مشهورة من قبائل اليمن. وفيها توفي أبو هاشم الجبائي شيخ المعتزلة، وابن شيخهم، وكان له ولد عامي لا يعرف شيئاً،، فدخل يوماً على الصاحب بن عباد، فظنه عالماً، فكرمه ورفع مرتبته، سأله عن مسألة فقال: لا أدري نصف العلم، فقال الصاحب: صدقت يا ولدي، لأن أباك تقدم بالنصف الآخر. " والجبائي " بضم الجيم وتشديد الموحدة، نسبة إلى جبا، قرية من

стр. 559

قرى البصرة، وقيل كورة ذات قراء. وفيها توفي الإمام الحافظ اللغوي العلامة أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي البصري، صاحب التصانيف، عاش ثمانياً وتسعين سنة. قال بعضهم: ما رأيت أحفظ من ابن دريد، ما رأيته قرىء عليه ديوان إلا وهو يسابق في قراءته. وقال الدارقطني: تكلموا فيه، وتصانيفه بضع عشرة منها: " كتاب الجمهرة "، وهو من الكتب المعتبرة في اللغة. و " كتاب غريب القرآن " ولم يكمله، و " كتاب الوشاح " صغير مفيد، وله نظم رائق جداً. وقد قال بعضهم: ابن دريد أعلم بالشعر، وأشعر العلماء. ومن مليح شعره قوله: عن الوجلت الخدور شعاعها ... للشمس عند طلوعها لم تشرق غصن على دعص تأود فوقه ... قمر تألف تحت ليل مطبق لو قيل للحسن احتكم لم يعدها ... أو قيل خاطب غيرها لم ينطق فكأننا من فرعها في مغرب ... وكأننا من وجهها في مشرق تبدو فتهف بالعيون ضياؤها ... الويل حل بمقلة لم تطبق أخذ عن أبي حاتم السجستاني والرياشي وعبد الرحمن بن عبد الله ابن أخي الأصمعي، وأبي عثمان سعيد بن هارون وغيرهم، وتنقل في البلدان، فسكن البصرة وعمان ونواحي فارس وصحب ابني ميكائيل وكانا يومئذ على عمالة فارس وعمل لهما " كتاب الجمهرة "، وقلداه ديوان فارس، وكانت تصدر كتب فارس عن رأيه، ولا ينفذ الأمر إلا بعد توقيعه، فأفاد منها أموالاً عظيمة. وكان مبيداً لا يمسك درهماً شحاً وكرهاً. ومدحهما بقصيدته المقصورة، فوصلاه بعشرة آلاف درهم، وهكذا، قال ابن خلكان: ابني ميكائيل. وقال في موضع آخر من تاريخه في مدح عبد الله بن محمد بن ميكائيل وولده ويقال أنه أحاط فيها بأكثر المقصورة أولها: إما تري رأسي حاكى لونه ... طرة صبح تحت أذيال الدجى واشتعل المبيض في مسودة ... مثل اشتعال النار في جزل الفضا ثم انتقل ابن دريد من فارس إلى بغداد سنة ثمان وثلاثمائة بعد عزل ابني ميكائيل وانفصالهما إلى خراسان، فأمر المقتدر أن يجرى عليه كل شهر خمسون ديناراً، ولم تزل جارية عليه إلى حين وفاته. وكان واسع الرواية، وعرض له في رأس تسعين من عمر، فالج،

стр. 560

سقي له الترياق فبرىء، وصح ورجع إلى إسماع تلامذته، ثم عاوده الفالج، فبطلت حركته، وكان إذا دخل عليه الداخل ضج وتألم. قال تلميذه ابن القالي: فكنت أقول في نفسي: عاقبه الله تعالى لقوله في مقصورته. مارست من لو هوت الأفلاك ... من جوانب الحق عليه ما شكا وما كان يصيح صياح من يغشى، أو يسأل بالمسائل، والداخل بعيد منه، ومع ذلك ثابت الذهن كامل العقل، يرد فيما يسأل عنه رداً صحيحاً، وعاش بعد ذلك عامين وكان كثيراً ما يتمثل: فواحزني أن لا حياة لذيذة ... ولا عمل يرضى به الله صالح وتوفي يوم توفي فيه أبو هاشم الجبائي المعتزلي. فقال الناس: مات اليوم علم والكلام " ودريد " تصغير درد، وهو الذي ليس فيه سن، كسويد في تصغير أسود. وكان قد قام مقام الخليل بن أحمد، وأورد أشياء، وكان يذهب بالشعر كل مذهب، " ومقصورته " خلق من المتقدمين والمتأخرين، ومن أجود شروحها شرح الفقيه محمد بن أحمد اللخمي السبتي، وعارضه جماعة، ورثاه بعضهم فقال: فقدت بابن دريد كل فائدة ... لما عدا نالت الأحجار والتراب وكنت أبكي لفقد الجود منفرداً ... فصرت أبكي لفقد الجود والأدب وفيها توفي مؤنس الخادم الملقب بالمظفر، وعمره نحو تسعين سنة، وكان معظماً شجاعاً منصوراً، وقد تقدم ذكر قتله، ولم يبلغ أحد من الخدام منزلته إلا كافور الأخشيدي صاحب مصر. وسيأتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى قلت يعنون ولايات الدنيا ورفعتها عند أهلها. اثنتين وعشرين وثلاث مائة فيها قبض المماليك القاهر، هجموا عليه وهو سكران نائم، فقام مرعوباً، وهرب فتبعوه إلى السطح، وبيده سيف، ففوق واحد منهما سهماً وقال: انزل وإلا قتلتك، فقبضوا عليه بعد أن قال: انزل فنحن عبيدك. وأخرجوا محمد بن المقتدر، ولقبوه الراضي بالله، وكحل القاهر، ووزر ابن مقلة قال الصولي: كان القاهر أهوج سفاكاً للدماء، السيرة، مدمن الخمر. كان له حربة يحملها، فلا يضعها حتى يقتل إنساناً، ولولا جودة

стр. 561

حاجبه سلامة لأهلك الحرث والنسل. وفيها اشتهر محمد بن علي الشلغماني " بالشين والغين المعجمتين وقيل ياء النسبة نون "، موضع ببغداد، وشاع أنه يدعي الألوهية وأنه يحيي الموتى، وكثر أتباعه، وأحضره ابن مقلة عند الراضي، وسمع كلامه، فأنكر الألوهية وقال: إن لم ينزل العقوبة بعد ثلاثة، وكثره سبعة أيام وإلا فدمي حلال. وكان قد أظهر الرفض، ثم قال بالتناسخ والحلول. وتخرق على الجهال، وضل به طائفة. وأظهر شأنه الحسين بن روح، زعيم الرافضة. فلما طلب هرب إلى الموصل، وغاب سنتين، ثم عادوا دعى الألوهية، فتبعه فيما قيل جماعة، منهم إبراهيم بن عون، فقبض عليه ابن مقلة، وكنس بيته، فوجد فيه رقاعاً وكتباً فيما قيل، يخاطبونه في الرقاع بما لا يخاطب به البشر، وأحضر فأصر على الإنكار، فضعفه ابن عبدوس. وأما ابن أبي عون فقال: إلهي وسيدي ورازقي، فقال الراضي: للشلغماني: أنت زعمت أنك لا تدعي الربوبية، فما هذا؟ فقال: وما علي من قول ابن أبي عون. ثم أحضروه غير مرة، وجرت لهم فصول، وأحضرت الفقهاء والقضاة، ثم أفتى الأئمة بإباحة دمه، فأحرق، ثم ضربت رقبة ابن أبي عون، ثم أحرق، وكان فاضلاً مشهوراً صاحب تصانيف أدبية، من رؤساء الكتاب، أعني ابن أبي عون، وشلغمانة من أعمال واسط. ولم يحج أحد إلى سنة سبع وعشرين خوفاً من الفرامطة. وفيها توفي حافظ الأندلس أحمد بن خالد، قال القاضي عياض: كان إماماً في وقته في مذهب مالك، وفي الحديث لا ينازع. وفيها توفي السيد الكبير الولي الشهير القدوة العارف، بحر المعارف أبو الحسين خير النساج البغدادي، وكانت له حلقة يتكلم فيها، وعمر دهراً، قيل إنه لقي سريا السقطي، وله أحوال كبيرة وكرامات شهيرة. وفيها توفي المهدي عبيد الله، والد الخلفاء الباطنية العبيدية المقبري، المدعي. أنه من ولد جعفر الصادق، وكان بسلمية من بلاد الشام، فبعث دعاته إلى اليمن والمغرب، وحاصل الأمر أنه استولى على مملكة المغرب، وامتدت دولته بضعاً وعشرين سنة، ومات

стр. 562

بالمهدية التي بناها، وكان يظهر الرفض ويبطن الزندقة، وقال أبو الحسن القابسي صاحب " الملخص " الذي قتله عبيد الله وبنوه بعده أربعة آلاف رجل في دار النحر في العذاب، ما بين عالم وعابد ليردهم عن الترضي عن الصحابة، فاختاروا الموت. ومن ذلك قول بعضهم في قصيدة: وأحل دار النحر في إعلاله ... من كان ذا تقوى وذا صلوات قلت: ولم يزل الباطنية منهم في بعض جبال اليمن، وقد جرت لهم هناك أمور وزند وفجور، أوضحت ذلك في " كتاب المرهم " وتقدمت الإشارة في سنة سبع عشرة وثلاثين من هذا الكتاب إلى شيء من ذلك. وفي السنة المذكور توفي الشيخ العارف أبو بكر محمد بن علي الكتابي شيخ الصوفية نزيل مكة، أخذ عن أبي سعيد الخراز وغيره وهو مشهور. وفيها توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبو علي الروذباري البغدادي نزيل مصر، من كبار شيوخها في زمانه، صحب الجنيد وجماعة، وكان إماماً محققاً، روي أنه قال: أستاذي في التصوف الجنيد، وفي الحديث إبراهيم الحربي، وفي الفقه ابن سريج وفي الأدب ثعلب. قلت: وناهيك بفضائل هؤلاء الأربعة المذكورين: ثلاث وعشرين وثلاث مائة فيها محنة ابن شنبوذ، كان يقرأ في المحراب بالشواذ، فطلبه الوزير ابن مقله وأحضر القاضي والقراء وفيهم ابن مجاهد فناظروه، فأغلظ للحاضرين في الخطاب ونسبهم إلى الجهل، فأمر الوزير بضربه لكي يرجع، فضرب سبع درر وهو يدعو على الوزير، فتوبوه غضباً، وكتبوا عليه محضراً، وكان مما أنكر عليه: فأمضوا إلى ذكر الله وذروا البيع، وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً. وهذا الأنموذج مما روي ولم يتواتر. وفيها توفي قتيبة شيخ الحنابلة البرنهاري " بالباء الموحدة والراء المكررتين "، فنودي أن لا يجتمع اثنان من أصحابه، وحبس منهم جماعة واختفى هو.

стр. 563

وفيها أخذ القرمطي أبو طاهر الركب العراقي، وانهزم الأمير لؤلؤ وبه ضربات، وقتل خلق من الوفد، وسبيت الحريم، وهلك محمد بن ياقوت في الحبس بعدما طلب الجند أرزاقهم، وأغلظوا له، وقبض الراضي بالله عليه، وعظم شأن الوزير ابن مقلة وتفرد بالأمور. وفيها توفي الحافظ أبو بشر أحمد بن محمد الكندي المروزي، روى عن محمود ابن آدم وطائفة، وهو أحد الوضاعين الكذابين، مع كونه محدثاً إماماً في السنة والرد على المبتدعة. وفيها توفي نفطوية النحوي، أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة الواسطي، صاحب التصانيف الحسان في الآداب، وكان بارعاً فصيحاً في الخطاب، ولا يكاد يخلو ذو فضل من أين يطعن فيه ويعاب، ولهذا هجاه بعض الناس ببيتين الثاني منهما: أحرقه الله بنصف اسمه ... وصير الثاني صراخاً عليه وعجز الأول: فليجتهد أن لا يرى نفطويه، وصدره كرهت ذكره فحذفته، روى عن شعيب بن أيوب وطبقته. وفيها توفي الحافظ الجوال الفقيه أبو نعيم عبد الملك بن محمد الجرجاني، سمع علي بن حرب وعمر بن شبة وطبقتهما، قال الحاكم: كان من أئمة المسلمين. وقال أبو علي النيسابوري: ما رأيت بخراسان بعد ابن خزيمة مثل أبي نعيم، كان يحفظ المرفوعات والمراسيل، كما نحن نحفظ المسانيد. عمر إحدى وثمانين سنة. وفيها توفي أبو عبيد المحاملي القاسم بن إسماعيل أخو القاضي حسين. أربع وعشرين وثلاث مائة فيها قبض على الوزير ابن مقلة، وأحرقت داره، وضرب وأخذ خطه بألف ألف دينار، وجرت عظائم من الضرب والتعليق وغير ذلك، وجرت أمور طويلة يخالف فيها أهل الدولة، وبطلت الوزارة والدواوين، وضعف أمر الخلافة، وبقي الراضي بالله صورة. وفيها توفي مفتي العراق أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد، وكان

стр. 564

بصيراً بالقراءة وعللها ورجالها، عديم النظير. وفيها توفي أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد البرمكي المعروف بجحظة " بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة وفتح الظاء المعجمة وبعدها هاء " على خلاف فيه تقدم، كان صاحب فنون وأخبار ونجوم ونوادر ومنادمة، وقد جمع المرزباني أخباره وأشعاره، وكان من ظرفاء عصره، وله أشعار رائقة منها قوله: أيا ابن أناس مول الناس جودهم ... فأصبحوا حديثاً للنوال المشهد فلم يخل من إحسانهم لفظ مخبر ... ولم يخل من تقريطهم دفن دفتر وكان مشوه الخلق، وفي ذلك يقول ابن الرومي مشيراً إلى قبح صورته وحسن منادمته. يا رحمة لمنادمته تحملوا ... علم العيون للذة الآذان التقريظ مدح الإنسان وهو حي، والتأبين مدحه ميتاً. وفيها توفي الفقيه الشافعي الحافظ صاحب التصانيف والرحلة الواسعة، عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري، سمع محمد بن يحيى الذهلي، ويونس بن عبد الأعلى. قال الحاكم: كان إمام عصره للشافعية بالعراق، ومن أحفظ الناس للفقهيات واختلاف الصحاب وقال الشيخ أبو إسحاق، كان زاهداً يفتي الناس أربعين سنة، لم ينم الليل، يصلي الصبح بوضوء العشاء، وجمع بين الفقه والحديث. خمس وعشرين وثلاث مائة فيها دخل القرمطي الكوفة فعاث فيها. وفيها توفي الحافظ البارع المصنف أحمد بن أحمد بن محمد بن الحسن، تلميذ مسلم. ست وعشرين وثلاث مائة فيها قبض الراضي بالله على ابن مقلة، وقطع يده حين أخذ يكاتب في بعض أمور السلطنة والمضاهاة لبعض أهل الدولة. ثم بعد أيام قطع ابن واثق لسانه، لكونه كاتب

стр. 565

بعض الأمراء، فأقبل بجيوشه من واسط، ودخل بغداد، فكرمه الراضي ولقبه أمير الأمراء، وولاه الحضرة، وضعف عن قتاله ابن واثق. فاختفى. وفيها توفي عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن الحجاج الناسخ المصري. وفيها توفي محمد بن القاسم المحاربي. سبع وعشرين وثلاث مائة فيها توفي الحافظ العالم عبد الرحمن ابن الحافظ الجامع، محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الرازي " بالراء " وقد قارب التسعين، وقال أبو يعلى الخليلي: أخذ علم أبيه وأبي زرعة، وكان بحراً في العلوم ومعرفة الرجال صنف في الفقه واختلاف الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار، قال: وكان زاهداً يعد من الأبدال. وفيها توفي محمد بن جعفر الخرائطي، مصنف مكارم الأخلاق ومساوئها، وغير ذلك. وفيها توفي مبرمان النحوي، شرح سيبويه، وما أتمه، وهو محمد بن علي العسكري، أخذ من المبرد. ثمان وعشرين وثلاث مائة فيها التقى سيف الدولة ابن حمدان الدمشقي قاتله الله فهزمه. وفيها توفي الإمام العلامة أبو سعيد الأصطخري، الحسن بن أحمد شيخ الشافعية بالعراق، روي عن سعدان بن نصر وطبقته، وصنف التصانيف، وعاش نيفاً وثملاثين سنة، وكان موصوفاً بالزهد والقناعة، وله وجه في المذهب، تولى حسبة بغداد، واستقضاه المقتدر على سجستان، فسار إليها، ونظر في مناكحاتهم، فوجد معظمها على غير إعتبار الولي، فأنكرها وأبطلها عن آخرها. وكان ورعاً، وهو من نظراء أبي العباس ابن سريج وأقران علي بن أبي هبيرة. وفيها توفي الفقيه الواعظ، أحد الأئمة، أبو علي الثقفي محمد بن عبد الوهاب النيسابوري، عاش أربعاً وثمانين سنة، سمع في كبره من موسى بن نصر الرازي وأحمد بن ملاعب وطبقتهما. وكان له جنازة لم يعهد مثلها، وهو من ذرية الحجاج. قال الفقيه أبو الوليد: دخلت على ابن سريج، وسألني عن من درست الفقه؟ قلت: على أبي علي الثقفي، قال: لعلك تعني الحجاجي الأزيرق؟. قلت: نعم، قال: ما جاءنا من خراسان أفقه منه،
следующие страницы →