← История

История · id 9091

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

اليافعي

Полный текст (1 334 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

عليه القاضي والشهود فلم يروا به أثراً، وكان منهمكاً في اللذات، فاستولي أخوه على المملكة وحجر عليه في بعض الأشياء، فاستصحب المعتضد الخال بعد أبيه، وكان للمعتضد شعر متوسط، وأمه أم ولد. وفيها توفي الحافظ ابن الحافظ زهير بن حرب النسائي. ثم البغدادي مصنف التاريخ، وله أربع وتسعون سنة، سمع أبا نعيم وعفان وطبقتهما. وفيها توفي جعفر بن محمد بن شاكر الصائغ وله تسعون سنة، وكان زاهداً عابداً ثقة ينفع الناس ويعلمهم الحديث. وفيها توفي الإمام الحافظ مصنف الجامع في السنن أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة السلمي الترمذي الأئمة المقتدى بهم في علم الحديث، وكان يضرب به المثل، وهو تلميذ محمد بن إسماعيل البخارى، وشاركه في بعض شيوخه، وكان ضريراً، قيل ولد أكمه. رحمه الله تعالى. ثمانين ومائتين فيها توفي القاضي أبو العباس أحمد بن محمد بن عيسى البوني الفقيه الحافظ صاحب المسند. كان بصيراً بالفقه عارفاً بالحديث وعلله، زاهداً عابداً كبير القدر من أعيان الحنفية. والإمام الحافظ أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي صاحب المسند والتصانيف، أخذ الفقه عن البويطي، والعربية عن ابن الأعرابي، والحديث عن ابن المديني، وكان قائماً بالسنة مغيظاً للمبتدعة. إحدى وثمانين ومائتين فيها توفي الإمام أبو بكر محمد بن عبيد بن أبي الدنيا القرشي مولاهم البغدادي، صاحب التصانيف والإمام أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي الحافظ، سمع أبا معمر وأبا نعيم وطبقتهما، وصنف التصانيف، وكان محدث الشام في زمانه. وفيها توفي العلامة محمد بن إبراهيم الإسكندراني المالكي، صاحب التصانيف، كان إليه المنتهى في تفريع المسائل.

стр. 492

اثنتين وثمانين ومائتين فيها وقع الصلح بين المعتضد وخمارويه، وتزوج المعتضد بابنة خمارويه على مهر مبلغه ألف ألف درهم، فأرسلت إلى بغداد، وبني بها المعتضد، وقدم جهازها بألف ألف دينار، وأعطت الذي مشى في الدلالة مائة ألف درهم. وفي السنة المذكورة توفي الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الطوسي، سمع يحيى بن يحيى التميمي فمن بعده، وكان محدث الوقت وزاهده بعد محمد بن أسلم بطوس، صنف المسند الكبير في مائتي جزء. وفيها توفي العلامة أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل الأزدي سمع مولاهم البصري الفقيه المالكي، مات ببغداد فجأة وله ثلاث وثمانون سنة. سمع الأنصاري ومسلم بن إبراهيم وطبقتهما، وصنف التصانيف في القراءة والحديث والفقه وأحكام القرآن والأصول، وتفقه على أحمد بن المعدل، وأخذ علم الحديث عن ابن المديني، وكان إماماً في العربية حتى قال المبرد: هو أعلم بالتصريف مني. وفيها توفي الحافظ أبو الفضل جعفر بن محمد بن أبي عثمان الطيالسي البغدادي في رمضان، سمع عفان وطبقته، وكان ثقة متحرياً إلى الغاية. وفيها توفي الحارث أبو محمد الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي البغدادي صاحب المسند، يوم عرفة وله ست وتسعون سنة. وفيها توفي الحسين بن الفضل بن عمير البجلي الكوفي المفسر، نزيل نيسابور، كان آية في معاني القرآن، صاحب فنون متعبداً، قيل إنه كان يصلي في اليوم والليلة ست مائة ركعة، وعاش مائة وأربع سنين. روى عن يزيد بن هارون والكبار. وفيها توفي أبو الجيش خمارويه " بضم الخاء المعجمة وفتح الميم وبعدها ألف ثم راء ثم واو مفتوحتان ثم مثناة من تحت ثم هاء مكسورة "، ابن أحمد بن طولون. لما كان سنة ست وسبعين ومائتين تحرك الأفشين بن محمد صاحب أرمينية والجبال في جيش عظيم، وقصد مصر، فلقيه خمارويه في بعض عمال دمشق، فانهزم الأفشين، واستأمن أكثر عسكره، وسار خمارويه حتى بلغ الفرات ودخل أصحابه الرقة، ثم عادوا، وقد ملك من الفرات إلى بلاد النوبة، ولما مات المعتمد وتولى المعتضد الخلافة، بادر إليه

стр. 493

خمارويه بالهدايا والتحف، فأقره المعتضد على عمله، وسأل خمارويه المعتضد أن يزوج ابنته أسماء الملقبة بقطر الندى للمكتفي بالله بن المعتضد، وهو إذ ذلك ولي العهد، فقال المعتضد: بل أنا أتزوجها، فتزوجها في سنة إحدى وثمانين ومائتين، ودخل بها في هذه السنة، وقيل في سنة اثنتين وثمانين ومائتين والله أعلم. وكان صداقها ألف ألف درهم، وكانت موصوفة بفرط الجمال والعقل، حكي أن المعتضد خلى بها يوماً للأنس في مجلس أفرده لها، ما حضره سواها، فأخذت منه الكأس، فنام على فخذها، فلما استثقلته وضعت رأسه على وسادة، وخرجت فجلست في ساحة القصر، فاستيقظ ولم يجدها فاستشاط غضباً، ونادى بها فأجابته على قرب فقال: لم أجلل إكراماً لك؟ ألم أدفع إليك بهجتي دون سائر خصائصي؟ فتضعين رأسي على وسادة، فتذهبين؟. فقالت: يا أمير المؤمنين، ما جهلت قدر ما أنعمت به علي، ولكن فيما أدبني به أبي إذ قال، لا تنامي مع الجلوس، ولا تجلسي مع النيام. ويقال إن المعتضد أراد بنكاحها إفتقار الطولونية، وكذا كان، فإن أباها جهزها بجهاز لم يعمل مثله حتى قيل: إنه كان لها ألف هاون ذهباً، وشرط عليه المعتضد أن يحمل كل سنة بعد القيام بجميع وظائف مصر وأرزاق أجنادها مائتي ألف دينار، فأقام على ذلك إلى أن قتله غلمانه بدمشق على فراشه، وعمره اثنتان وثلاثون سنة. وكان شهماً صارماً، وقيل قتل قاتلوه أجمعون، وحمل تابوته إلى مصر ودفن عند أبيه بسفح المقطم، وكان من أحسن الناس خطاً. ولفا حملت قطر الندى ابنة خمارويه إلى المعتضد خرجت معها عمتها العباسية ابنة أحمد بن طولون مشيعة لها إلى آخر أعمال مصر من جهة الشام، ونزلت هناك، وضربت فساطيطها، وبنت هناك قرية فسميت بإسمها وقيل لها " العباسية " قال ابن خلكان: وهي عامرة إلى الآن، وبها جامع حسن وسوق قائم. وماتت قطر الندى سنة سبع وثمانين ومائتين، ودفنت داخل قصر الرصافة. وفي السنة المذكورة توفي الحافظ أبو محمد الفضل بن محمد الشعراني، طوف الأقاليم وكتب الكثير، وجمع وصنف. وفيها توفي العلامة أبو العيناء محمد بن القاسم البصري الضرير اللغوي الأخباري، صاحب النوادر والشعر والأدب. سمع من أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد الأنصاري والعتبي وغيرهم، وكان من أحفظ الناس وأفصحهم لساناً، ومن ظرفاء العالم، وفيه من اللسن وسرعة الجواب والذكاء ما ليس في أحد من نظرائه، وله أخبار حسان وأشعار ملاح، وها أنا أذكر شيئاً يسيراً من ذلك. حضر يوماً مجلس بعض الوزراء، فجرى حديث البرامكة وما كانوا عليه من الجود، فقال الوزير لأبي العيناء وقد بالغ في وصفهم: قد أكثرت من ذكرهم، وإنما هذا تصنيف

стр. 494

الوراقين وكذب المؤلفين، فقال له أبو العيناء: فلم لا يكذب الوراقون عليك أيها الوزير؟ فكذبه الوزير، وعجب الحاضرون من إقدامه عليها. وشكا إلى الوزير عبيد الله بن سليمان سوء الحال فقال له: أليس قد كتبت إلى فلان من أمرك؟ قال: نعم، قد كتبت إلى رجل قد قصر من همته طول الفقر وذل الأسر ومعاناة الدهر، فأخفق سعي وخاب طلبي، فقال عبيد الله: أنت اخترته، فقال: وما علي أيها الوزير في ذلك، وقد اختار موسى من قومه سبعين رجلاً، فما كان فيهم رشد، واختار النبي ﵌ عبد الله بن أبي سرح كاتباً، فرجع إلى المشركين مرتداً واختار علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أبا موسى الأشعري حاكماً له، فحكم عليه. وقوله: ذل الأسر يعني أنه أسره علي بن محمد صاحب الزنج بالبصرة، وسجنه فنقب السجن وهرب. ودخل أبو العيناء يوماً على الوزير أبي الصفر فقال: ما الذي أخرك عنا يا أبا العيناء. فقال: سرق حماري، قال: وكيف سرق " قال: لم أكن مع اللص فأخبرك، قال: فهل أتيتنا على غيره؟ فقال: أقعدني عن السير قلة يساري، وكرهت ذلة المكاري، ومنة العواري. وخاصم علوياً فقال العلوي: أتخاصمني وأنت تقول: اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد؟ فقال: لكنني أقول الطيبين الطاهرين ولست منهم. ووقف عليه رجل من العامة فقال: من هذا؟ قال: رجل من بني آدم، فقال: مرحباً بك أطال الله بقاءك ما كنت أظن هذا النسل إلا قد انقطع. ومر بباب بعض من بغضه وهو مريض فقال لغلامه: كيف حاله. فقال: كما تحب، فقال: مالي لا أسمع الصراخ عليه وذكر له أن المتوكل قال: لولا أنه ضرير لنا دمناه، فقال: إن عفاني من روية الأهلة وقراءة نقش القصوص، فأنا أصلح للمنادمة. وقال له ابن مكرم يوماً يعرض به: كم عدة المكذبيين بالبصرة؟ فقال: مثل عدد البغائين ببغداد. وقال له المتوكل يوماً: ما تقول في دارنا هذه فقال: الناس بنوا الدار في الدنيا، وأنت بنيت الدار في دارك، فاستحسن كلامه. ثلاث وثمانين ومائتين فيها ظفر المعتضد برأس الخوارج هارون الشاري " بالشين المعجمة " وجيء به راكباً فيلاً، وزينت بغداد. وفيها أمر المعتضد في سائر البلاد بتوريث ذوي الأرحام وإبطال دواوب المواريث في ذلك، وكثر الدعاء له. وكان قبل ذلك قد أبطل النيروز وقيد النيران وأمات

стр. 495

ستة المجوس. وفيها توفي أبو العباس علي بن العباس المعروف بابن الرومي مولى عبيد الله بن عيسى بن أبي جعفر المنصور العباسي الشاعر المجيد المشهور صاحب النظم العجيب والتوليد الغريب، يغوص على المعاني النادرة، ويستخرجها من مكامنها، ويبرزها بأحسن صورة، ولا يترك المعنى حتى يستوفيه إلى آخره، ولا يبقي فيه بقية، وكان شعره غير مرتب، فرتبه أبو بكر الصولي على الحروف، وجمعه وراق بن عبدوس من جميع النسخ، فزاد على كل نسخة مما هو على الحروف وغيرها نحو ألف بيت، وله القصائد المطولة والمقاطيع البديعة، وله في الهجاء والمديح كل طريق ومليح، من ذلك قوله: كم ضن بالمال أقوام وعندهم ... وفر، وأعطى العطايا وهو يدان أراكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم منها معالم للهدى ومصالح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأوسع مما كان فيه وأرغد وله من المعاني البديعة قوله: وإذا امرؤ مدح أمرأ لنواله ... وأطال فيه فقد أراه هجاءه لو لم يقدر فيه بعد المستقى ... عند الورود لما أطال رشاءه وكذلك قوله في ذم الخضاب: إذا دام للمرء السواد فما خلت ... شبيبة ظن السواد خضابا فكيف يروم الشيخ أن خضابه ... يظن سواداً أو يخال شبابا قال بعض علماء الأدب: ما سبقه إلى هذا المعنى أحد. وله في بغداد وقد غاب عنها. بلد صحبت به الشبيبة والصبا ... ولبست ثوب العيش وهو جديد فإذا تمثل في الضمير رأيته ... وعليه أغصان الشباب تميد وكان سبب موته في بغداد أن الوزير القاسم بن عبد الله وزير المعتضد كان يخاف من هجوه، فدس عليه ابن فراس، فأطعمه خشكنانة مسمومة، وهي في مجلسه، فلما أكلها أحس بالسم، فقال له الوزير: إلى أين تذهب. فقال إلى الموضع الذي بعثتني إليه. فقال:

стр. 496

سلم لي على والدي، فقال: ما طريقي على النار. فخرج من مجلسه وأتى منزله، وأياماً ثم مات. وكان الطبيب يتردد إليه ويعالجه بالأدوية النافعة للسم، فزعم أنه غلط عليه في بعض العقاقير. قال إبراهيم بن محمد المعروف بنفطويه: رأيت ابن الرومي يجود بنفسه فقلت: ما حالك؟. فأنشد: غلط الطبيب على غلط مورده ... عجزت موارده عن الإصدار والناس يلجون الطبيب وإنما ... غلط الطبيب إصابة المقدار وكان الوزير المذكور سفاكاً للدماء الصغير والكبير منه على وجل، لا يعرف أحد من أرباب الأموال منه نعمة، فلما توفي سنة إحدى وسبعين في خلافة المكتفي، وقد نيف الثلاثين، قال فيه عبد الله بن الحسين بن سعد. شربنا عشية مات الوزير ... سروراً ونشرب في ثالثه فلا رحم الله تلك العظام ... ولا بارك الله في وارثه وفيها توفي قدوة السالكين، وحجة الله على العارفين، كريم المقامات وعظيم الكرامات، الولي الكبير المعظم الشهير أبو محمد سهل بن عبد الله التستري، قدس الله روحه، في شهر المحرم، وله نحو من ثمانين سنة، وله كلام جليل في السلوك والمواعظ وكان سبب سلوكه للطريق خاله محمد بن سوار، فإنه قال: كنت ابن ثلاث سنين، وكنت أقوم بالليل أنظر إلى صلاة خالي محمد بن سوار، وكان يقوم بالليل، وكان يقول: يا سهل اذهب ونم، فقد شغلت قلبي. وقال ليس يوماً خالي: ألا تذكر الله الذي خلقك؟. فقلت: كيف أذكر؟. فقال: قل بقلبك في الليل في فراشك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسان: الله معي، الله ناظري، الله شاهدي، فقلت ذلك عشر ليالي، ثم أعلمته فقال: قلها كل سبع مرات، فقلت ذلك، ثم أعلمته فقال: قلها كل يوم إحدى عشرة مرة. كذا قال بعضهم، وقال في الرسالة: قل في كل ليلة إحدى عشرة. وأرى هذا أصح وأنسب إذ الليل وقت الغفلة، والذكر فيه أفضل. قال: فقلت ذلك، فوقع في قلبي حلاوته. فلما كان بعد سنة قال لي: احفظ ما علمتك. ثم دم عليه إلى أن تدخل القبر، فإنه سينفعك في الدنيا والآخرة، قال: فلم يزل على ذلك سنين، فوجدت له حلاوة في سري، ثم قال لي يوماً خالي: كان الله معه وهو ناظره، وشاهده كيف يعصيه، إياك والمعصية. قال: فبعثوا بي إلى الكتاب فقلت: إني أخشى أن يفرق علي همي، ولكن شارطوا المعلم أني أذهب إليه ساعة، فأتعلم وأرجع. فحفظت القرآن وأنا ابن ست أو سبع، وكنت أصوم الدهر وقوتي خبز الشعير

стр. 497

اثنتي عشرة سنة، فوقعت لي مسألة وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، فسألت أن يبعثوا بي إلى بصرة أسأل عنها. فجئت البصرة، وسألت علماءها، فلم يشفني ما سمعت، فخرجت إلى عبادان إلى رجل يعرف بأبي حبيب حمزة بن عبد الله العبادي. فسألته عنها، فأجابني، أقمت عنده مدة أنتفع بكلامه، وأتأدب بأدبه. ثم رجعت إلى تستر فجعلت قوتي اقتصاراً على أن يشتري لي بدرهم، فرق من الشعير، فيطحن ويختبز، فأفطر عند السحر كل ليلة على أوقية واحدة بغير ملح ولا أدام. وكان يكفيني ذلك الدرهم سنة، ثم عزمت على أن أطوي ثلاث ليال، ثم جعلتها خمساً ثم سبعاً حتى بلغت خمسة وعشرين ليلة، وكنت على ذلك عشرين سنة ثم خرجت أسيح في الأرض سنين، ثم عدت إلى " تستر "، وكنت أقوم الليل كله. قلت: وله من الكرامات الشهيرات ما يطول ذكره، بل يشق ويتعذر حصره، من ذلك قصته المشهورة مع يعقوب بن الليث حين أصابته علة أعضلت الأطباء، فقيل له: ولايتك رجل صالح، يقال له سهل بن عبد الله، فلو استدعيت به لعلة يدعو لك، فاستدعى به، فلما حضر قال: ادع لي، فقال: كيف يستجاب دعائي فيك، وفي سجنك محبوسون؟ . فأطلق كل من في السجن، فقال سهل: اللهم كما أريته ذل المعصية فأره عز الطاعة، فعوفي في وقته، فعرض مالاً على سهل، فأبى أن يقبل، فقيل له: لو قبلته وفرقته على الفقراء. فنظر إلى الحصى في الصحراء، فإذا هي جواهر فقال: من أعطي مثل هذا أيحتاج إلى مال يعقوب بن الليث؟ وفيها توفي قاضي القضاه أبو الحسن علي بن محمد بن أبي الشوارب الأموي بصري. وكان رئيساً معظماً ديناً خيراً، روى عن أبي الوليد الطيالسي. أربع وثمانين ومائتين قال محمد بن جرير: فيها عزم المعتضد على لعن معاوية على المنابر، فخوفه الوزير من اضطراب العامة، فلم يلتفت. ومنع القصاص من الكلام ومن اجتماع الخلق في جوامع، وكتب كتاباً فيه مصائب ومعائب. فقال القاضي يوسف بن يعقوب: يا أمير مؤمنين، أخاف الفتنة عند سماعه. فقال: إن تحركت العامة وضعت فيهم السيف. قال:

стр. 498

فما تصنع بالعلوية الذين هم في كل ناحية قد خرجوا عليك؟. وإذا سمع الناس هذا من فضائل أهل البيت مالوا إليهم، وصاروا أبسط الألسنة. فأمسك المعتضد. وفيها توفي محدث نيسابور ومفيدها الحافظ أحمد بن المبارك المستملي، سمع قتيبة وطبقته، وكان مع سعة روايته راهب عصره مجاب الدعوة. وفيها توفي أبو عبادة البحتري " بضم الموحدة والمثناة من فوق وسكون الحاء " المهملة بينهما وكسر الراء "، منسوب إلى " بحتر " أحد أجداده. أمير شعراء العصر وحامل لواء القريض الوليد بن عبيد الطائي. أخذ عن أبي تمام الطائي، ولما سمع أبو تمام قال: نعيت إلى نفسي. وممن ذكره المبرد وقال: أنشدنا شاعر دهره ونسيج وحده أبو عبادة البحتري، ومدح براعته المؤرخون، وذكروا أنه ولد بمنبج ونشأ بها، ثم خرج إلى العراق ومدح جماعة من الخلفاء، أولهم المتوكل على الله وخلقاً كثيراً من الأكابر والرؤساء، ببغداد دهراً طويلاً ثم عاد إلى الشام. وله أشعار كثيرة ذكر فيها حلب وضواحيها، ويتغزل بها. وقد روي عنه أشياء من شعره أبو العباس المبرد، ومحمد بن أحمد الحليمي، وأبو بكر الصولي وغيرهم. قال صالح بن الأصبغ التنوخي المنبجي: رأيت البحتري ها هنا عندنا أن يخرج إلى العراق، اجتاز بنا في الجامع من هذا الباب، وأومى إلى جنبتي المسجد يمدح أصل البصل والباذنجان، وينشد الشعر في ذهابه ومجيئه، ثم كان منه ما كان. وحكي بكر الصولي في كتابه الذي وضعه في أخبار أبي تمام الطائي أن البحتري كان يقول: أول أمري في الشعر ونباهتي فيه أني ذاهب إلى أبي تمام وهو بحمص فعرضت عليه شعري وكان يجلس فلا يبقى شاعر إلا قصده، وعرض عليه شعره. فلما سمع شعري، أقبل وترك سائر الناس. فلما تفرقوا قال لي، أنت أشعر من أنشدني، فكيف حالك؟. فشكوت فكتب إلى أهل معرة النعمان، وشهد لي بالحذق، وشفع لي إليهم وقال: امتدحهم فصرت إليهم فأكرموني بكتابه، وقطعوا لي أربعة آلاف درهم، وكانت أول مال أصبته. وقال عبادة المذكور: أول ما رأيت أبا تمام، وما كنت رأيته قبلها، أني دخلت إلى أبي محمد بن يوسف فامتدحته بقصيدتي التي أولها. لا فاق صب من هوى فأفيقا ... أم خان عهداً أم أطاع شفيقاً فأنشدته، فلما أتممتها سر بها وقال لي: أحسن الله إليك يا فتى، فقال له رجل المجلس: هذا أعزك الله شعري بحلقته، فسبقني به إليك. فتغير أبو سعيد وقال لي: يا

стр. 499

فتى، قد كان في نسبك وقرابتك ما يكفيك أن نمت به إلينا، ولا تحمل نفسك على هذا، فقلت: هذا شعري أعزك الله فقال الرجل: سبحان الله يا فتى، لا تقل هذا. ثم ابتدأ فأنشد القصيدة أبياتاً، فقال لي أبو سعيد: نحن نبلغك ما تريد ولا تحمل نفسك على هذا. فخرجت متحيزاً لا أدري ما أقول، ونويت أن أسأل عن الرجل من هو، فما أبعدت حتى ردني أبو سعيد ثم قال لي: جنيت عليك فاحتمل. أتدري من هذا؟ قلت: لا. قال لي: هذا ابن عمك حبيب بن أوس الطائي أبو تمام، قم إليه، فقمت إليه فعانقته، ثم أقبل يقرطني ويصف شعري وقال: إنما فرجت معك. فلزمته بعد ذلك، وكبر عجبي من سرعة حفظه. ومعنى يقرظني أي: يمدحني. قال في الصحاح: والتقريظ مدح الإنسان وهو حي والتأبين: مدحه ميتاً. وقولهم فلان يقرظ صاحبه تقريظاً " بالظاء والضاد المعجمتين جميعاً " عن أبي زيد إذا مدحه بباطل أو حق. وهما يتقارظان المدح، إذا مدح كل منهما صاحبه. وقيل للبحتري: أيما أشعر أنت أم أبو تمام؟ فقال: جيده خير من جيدى، ورديئي خير من رديئه وقال: يقال لشعر البحتري: سلاسل الذهب. وهو في الطبقه العليا، ويقال أنه قيل لأبي العلاء المعري: أي الثلاثة أشعر، أبو تمام أم البحتري أم المتنبي. فقال: حكيمان، والشاعر البحتري. قيل وما أنصفه ابن الرومي في قوله: والفتى البحتري يسوق ما قال ... ابن أوس في المدح والتشبيب كل بيت له يجود معناه ... فمعناه لإبن أوس حبيب وقال ابن البحتري: أنشدت أبا تمام شيئاً من شعرى، فأنشد بيت أوس بن حجر " بفتح الحاء والجيم ": إذا مقرم منا ذرا حدنا به ... تحمط فينا تاب آخر مقرم وقال: نعيت إلى نفسي، فقلت: أعيذك بالله من هذا، فقال: إن عمري ليس يطول، وقد نشأ لطي مثلك. أما علمت أن خالد بن صفوان المنقرى رأى شبيب بن شيبه وهو من رهطه يتكلم فقال: يا بني، نعي إلى نفسي بإحسانك في كلامك، لأنا أهل بيت، ما نشأ فينا خطيب إلا مات من قبله. قال: فمات أبو تمام بعد سنة من هذا. وقوله: ذر أحدنا به، أي: سقط، وذروت الشيء أي: طيرته وأذهبته. وذرت الريح التراب وغيره تذروه ذرواً وتذريه ذرياً أي سفته. وأذريت الشيء إذا ألقيته كإلقاء الحب للزرع. وطعنه فأذراه عن ظهر دابته أي ألقاه. وتخمط بالخاء المعجمه والطاء المهملة يقال في الفحل إذا هدر، وفي الإنسان إذا تغضب وتكبر، وفي البحر إذا التطم " والمقرم " بضم الميم وسكون القاف وفتح الراء: المكرم، وكذلك القرم بفتح القاف. ومنه قيل سيد قوم مقرم وقال البحتري: أنشدت أبا تمام شعراً في بني حميد ووصلت به إلى مال خطير، فقال لي: أحسنت، أنت أمير الشعراء

стр. 500

بعدي، وكان قوله هذا أحب إلي من جميع ما حويته. وقال ميمون بن مهران: رأيت أبا جعفر أحمد بن يحيى البلاذري المؤرخ فسألته عن حاله فقال: كنت من جلساء المستعين بالله، يقصده الشعراء فقال: لست أقبل إلا ممن قال مثل البحتري في المتوكل. لو أن مشتاقاً تكلف غير ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر قال فرجعت إلى بيتي وأتيته وقلت: قد قلت فيك أحسن مما قاله البحتري، فقال: هاته، فأنشدته: ولو أن برد المصطفى إذ لبسته ... يظن لظن البرد أنك صاحبه وقال فقد أعطيته ولبسته ... نعم، هذه أعطافه ومناكبه فقال ارجع إلى منزلك وافعل ما آمرك به. فرجعت فبعث إلي بسبعة الألف دينار وقال ادخر هذه لحوادث من بعدي، ولكن على الجزاية والكفاية ما دمت حياً. قلت: ولا يخفى ما في بيتيه المذكورين من الخروج إلى حيز الكفر من تشيهه بالنبي ﵌. وللمتنبي في معنى قول البحتري في المنبر. لو تعقل الشجر التي قابلتها ... مدت محبتها إليك الأغصنا وسبقهما أبو تمام بقوله: لوسعت نفقة لإعظام نعمي ... لسعى نحوك المكان الجديد والبيت الذي للبحتري من جملة قصيدة طويلة أحسن فيها يمدح بها المتوكل على الله ويذكر خروجه لصلاة عيد الفطر وأولها. أخفي هوى في الضلوع وأظهر ... وألام من كمد عليك وأعذر والأبيات التي يرتبط بها البيت المقدم ذكر للبحتري. بالبر صمت وأنت أفضل صائم ... وبسنة الله الرضية تفطر فانعم بيوم الفطر عيداً إنه ... يوم أعز من الزمان مشهر أظهرت عز الملك فيه بجحفل ... لجب يحاط الدين فيه وينصر خلنا الجبال تسير فيه وقد غدت ... عدداً يسيرها العديد الأكبر فالخيل تصهل والفوارس تدعي ... والبيض تلمع والأسنة تزهر والأرض خاشعة تميد بنقلها ... والجو معتكر الجوانب أغبر والشمس طالعة توقد في الضحى ... طوراً ويطفئها العجاج الأكدر

стр. 501

حتى طلعت بضوء وجهك فانجلى ... ذاك الدجى وانجاب ذلك العثير وافتن فيك الناظرون فإصبع ... يومي إليك بها وعين تنظر يجدون رؤيتك التي فازوا بها ... من أنعم الله التي لا تكفر ذكروا طلعتك التي قد هللوا ... لما طلعت من الصفوف وكبروا حتى انتهيت إلى المصلى لابساً ... نور الهدى يبدو عليك ويظهر ومشيت مشية خاشع متواضع ... لله لا تزهو ولا تتكبر فلو أن مشتاقاً تكلف غير ما ... في وسعه لمشى إليك المنبر أبديت من فصل الخطاب بحكمة ... تنبي عن الحق المبين وتخبر ووقفت في برد النبي مذكراً ... بالله تنذر تارة وتبشر وقوله: وانجاب ذلك العثير هو بكسر العين المهملة وسكون المثلثة وفتح المثناة من تحت والمراد به: الغبار. قال بعض الفضلاء: وهذا الشعر هو السحر الحلال على الحقيقة، والسهل الممتنع، فلله دره ما أسلس قياده، وأعذب ألفاظه، وأحسن سبكه، وألطف مقاصده. وليس فيه من الحشو شيء، بل جميعه تحت، وديوانه موجود، وشعره سائر، فلا حاجة إلى الإكثار منه ها هنا لكن تذكر من وقائعه ما يستطرف. فمن ذلك أنه كان بحلب شخص يقال له أحمد بن طاهر الهاشمي، مات أبوه وخلف له مقدار مائة ألف دينار، فأنفقها على الشعراء والوزراء وفي سبيل الله، فقصده البحتري من العراق. فلما وصل إلى حلب قيل له: إنه قد قعد في بيته لديون ركبته، فاغتم البحتري لذلك غماً شديداً، وبعث المدحة إليه مع بعض مواليه. فلما وصلته ووقف عليها بكى، ودعا بغلام له وقال له: بع داري، فقال له: لا تبع دارك، وتبقى على رؤوس الناس، فقال له: لا بد من بيعها، فباعها بثلاث مائة دينار وأنفذها إلى البحتري وكتب إليه معها هذه الأبيات: لو يكون الحياء حسب ... أنت لدينا به محل وأهل لحثيت اللجين والدر والياً ... قوت حثواً وكأن ذلك بقل والأديب الأريب يسمع بالعذر ... إذا قصن الصديق المقل فلما وصلت الرقعة للبحتري رد الدنانير وكتب إليه: بأبي أنت أنت للبر أهل ... والمساعي بعد سعيك قبل والنوال القليل يكثر إن شاء ... مرجيك والكثير يقل غير أني رددت برك إذ كان ... ربا منك والربا لا يحل فإذا ما جزيت شعراً بشعر ... قضي الحق والدنانير فضل

стр. 502

فلما عادت الدنانير إليه حل الصرة وضم إليها خمسين ديناراً أخرى، وحلف إنه يردها عليه، وسيرها إليه، فلما وصلت إلى البحتري أنشأ يقول: شكرتك إن الشكر للسيد نعمة ... ومن يشكر المعروف بالله زائده لكل زمان واحد يقتدى به ... وهذا زمان أنت لا شك واحده قلت: وحكي أن هذين البيتين كتبهما الشيخ الإمام محيي الدين النووي، وأرسل بهما إلى الشيخ الإمام تقي الدين ابن دقيق العيد، رضي الله تعالى عنهما، لما بلغه أنه قيل دقيق " العيد "، لم لا تصنف في الفقه؟ فقال: قد صنف الشيخ محيي الدين النووي ما فيه كفاية، أو كما قال: ومثل هذا ما حكي أيضاً أن الإمام حجة الإسلام أبا حامد الغزالي قيل له: لم لا تصنف في التفسير؟. فقال: يكفي ما صنف فيه شيخنا الإمام أبو الحسن الواحدي رحمة الله عليهما. وكان البحتري قد اجتاز بالموصل وقيل برأس عين، فمرض مرضاً شديداً. وكان الطبيب يختلف إليه ويداويه، فوصف له يوماً مزورة، ولم يكن عنده من يخدمه سوى غلامه، فقال الغلام: أصنع هذه المزورة؟. وكان بعض رؤساء البلد حاضراً عنده، وقد جاء يعوده فقال ذلك الرئيس: هذا الغلام ما يحسن يطبخها، وعندي طباخ من نعته وصفته كيت وكنت، وبالغ في حسن صفته، فترك الغلام عملها اعتماداً على قوله، البحتري ينتظر، واشتغل الرئيس عنها ونسي أمرها. فلما أبطأت عليه وفات وقتها وصولها إليه، كتب إلى الرئيس: وجدت وعدك زوراً في مزورة ... حلفت مجتهداً إحكام طاهيها فلا شفى الله من يرجو الشفاء ... ولا علت كفه ملق كفه فيها فاحبس رسولك عني أن يجيء بها ... فقد حبست رسولي عن تقاضيها قوله: طاهيها أي طابخها، فالطهي: الطبخ صرح به في ديوان الأدب. وأخباره ومحاسنه كثيرة، ولم يزل شعره غير مرتب حتى جمعه أبو بكر الصولي، ورتبه على الحروف. وجمعه أيضاً علي بن حمزة الأصبهاني، ولم يرتبه على الحروف، بل على الأنواع كما صنع بشعر أبي تمام. وللبحتري أيضاً كتاب حماسة على مثال حماسة أبي تمام، وله " كتاب معاني الشعر " وكانت ولادته سنة ست وقيل خمس ومائتين. قال ابن الجوزي، وتوفي وهو ابن ثمانين سنة. وقال الذهبي: ابن بضع وسبعين سنة، وقيل توفي في السنة التي قبل هذه، وقيل في التي بعدها، وقيل في سنة ست وثمانين. وقال الخطيب: كان يكنى أبا الحسن وأبا عبادة

стр. 503

، فأشير عليه في أيام المتوكل أن يقتصر على أبي عبادة، فإنها أشهر ففعل. قال ابن خلكان تاريخه: وأهل الأدب كثيراً ما يسألون عن قول أبي العلاء المعري: وقال الوليد: الينع ليس بمثمر، وأخطأ شرب الوحش من ثمر الينع. فيقولون: من هو الوليد المذكور؟ وأين قال: الينع ليس بمثمر؟ ولقد سألني عنه جماعة كثيرة. والمراد بالوليد هو البحتري المذكور، وله قصيدة طويلة منها: وعبرتني سجال لعدم جاهلة ... والينع غير بان، ما في فرعه ثمر وهذا البيت هو المشار إليه في بيت المعري. خمس وثمانين ومائتين فيها وثب صالح بن مدرك الطائي في طيىء، فانتهبوا الركب العراقي وبدعوا، وسبوا النساء وراح للناس ما قيمته ألف ألف دينار. وفيها مات الإمام الحبر أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن بشر الحربي الحافظ أحد الأئمة الأعلام، وله سبع وثمانون سنة، سمع أبا نعيم وعفان وطبقتهما، وتفقه على الإمام أحمد، وبرع في العلم والعمل، وصنف التصانيف الكثيرة، وكان يشبه بأحمد بن حنبل في وقته. توفي السنة المذكورة توفي إمام أهل النحو في زمانه، صاحب المصنفات النافعات: أبو العباس المبرد محمد بن يزيد الأزدي البصري، أخذ عن أبي عثمان المازني وأبي حاتم السجستاني، وتصدر للإشتغال ببغداد. وكان وسيماً مليح الصورة فصيحاً مفوهاً أخبارياً علامة ثقة، إماماً في النحو واللغة. وله التآليف النافعة في الأدب، منها " كتاب الكامل "، ومنها " الروضة "، و " المقتضب " وغير ذلك، وأخذ عنه نفطويه وغيره من الأئمة، وكان في المبرد المذكور أبو العباس الملقب بثعلب صاحب كتاب الفصيح عالمين فاضلين متعاصرين، قد ختم بهما تاريخ الأدباء. وفيهما يقول بعض أهل عصرهما، وهو أبو بكر بن الأزهر، أبياتاً من جملتها قوله: أيا طالب العلم لا تجهلن ... وعد بالمبرد أو ثعلب تجد عند هذين علم الورى ... فلا تك كالجمل الأجرب علوم الخلائق مخزونة ... بهذين في الشرق والمغرب

стр. 504

قالوا: وكان المبرد يحب الإجتماع بثعلب للمناظرة والإستكثار من ذلك، وكان ثعلب يكره ذلك ويمتنع منه. وحكى أبو القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الفقيه الموصلي قال: قلت لأبي عبد الله الدينوي ختن ثعلب:. لم يأبى ثعلب الإجتماع بالمبرد. فقال: لأن المبرد حسن العبارة، حلو الإشارة، فصيح اللسان، وثعلب مذهبه مذهب المعلمين، فإذا اجتمعا في محفل، حكم للمبرد على الظاهر، إلى أن يعرف الباطن. وكان المبرد كثير الأمالي حسن النوادر. وحكي عن بعضهم أنه رأى المبرد في المنام، وجرى له معه قصة عجيبة. وذلك أنه كان عنده " كتاب الكامل " للمبرد، و " كتاب العقد " لإبن عبد ربه، وهو يطالع فيها، قال: فرأيت في العقد في فصل ترجمته، قوله: ما غلط فيه على الشعراء، وذكر أبياتاً نسب أصحابها فيها إلى الغلط، وهي صحيحة. وإنما وقع الغلط ممن استدرك عليهم لعدم إطلاعه على حقيقة الأمر فيها، ومن جملة من ذكر المبرد فقال: ومثله قول محمد بن يزيد النحوي في كتاب الروضة، ورده على الحسن بن هانىء، يعني أبا نواس، في قوله: وما لبكر بن وائل عصم ... إلا بحمقائها وكاذبها فزعم أنه بحمقائها رجلاً، ولا يقال في الرجل حمقاً، وإنما أراد " دغه " بضم الدال وفتح الغين المعجمة العجلية، وعجل في بكر، وبها يضرب المثل في الحمق. هذا كلام صاحب العقد، وغرضه أن المبرد نسب أبا نواس إلى الغلط، يتوهمه أنه قصد " هبنقة " بفتح الهاء والباء الموحدة والنون المشددة والقاف وبه يضرب المثل في الحمق، فيقال أحمق من هبنقة، ولم يقصده وإنما قصد المرأة المذكورة، فالغلط حينئذ من المبرد لا من أبي نواس، قال: فلما كان بعد ليال قلائل من وقوفي على هذه الفائدة، رأيت في المنام كأنا قد صلينا الظهر، فلما فرغنا من الصلاة، قمت لأخرج، فرأيت شخصاً واقفاً يصلي، فقال لي بعض الحاضرين: هذا أبو العباس المبرد، فجئت إليه وقعدت إلى جانبه انتظر فراغه، فلما فرغ سلمت عليه وقلت له: أنا في هذا الزمان أطالع في كتابك الكامل، فقال لي: رأيت كتابي الروضة؟ فقلت: لا، وما كنت رأيته قبل ذلك. فقال: قم حتى أريك إياه. وصعد بي إلى بيته، فرأيت فيه كتباً كثيرة، فقعد يفتش عليه، وقعدت أنا ناحية عنه، فأخرج منه مجلداً، فدفعه إلي ففتحته وتركته في حجري، ثم قلت: قد أخذوا عليك فيه، فقال: أي شيء أخذوا؟ فقلت: إنك نسبت أبا نواس إلى الغلط في البيت الفلاني، وأنشدته إياه، فقال: نعم، غلط في هذا. فقلت: إنه لم يغلط بل هو على الصواب، ونسبوك إلى الغلط في تغليطه. فقال: وكيف هذا؟. فعرفته ما قاله صاحب العقد، فعض على رأس سبابته، وبقي

стр. 505

باهتاً ينظر إلي، وهو في صورته خجلان، ولم ينطق بشيء. ثم استيقظت من منامي، وهو على تلك الحال، قال: ولم أذكر هذا المنام إلا لغرابته. وحكي أنه دخل على المبرد رجل، فأراد القيام، فقال: أنشدك الله أبا العباس، إن قمت، قال: فلم أخبا قيامي؟ وأنشد: إذا ما بصرنا به مقبلاً ... حللنا الحبا وابتدرنا القياما فلا تنكرون قيامي له ... فإن الكرام تجل الكراما وكانت ولادة المبرد يوم الإثنين سنة عشر وقيل سبع ومائتين، وتوفي يوم الإثنين سنة خمس، وقيل ست وثمانين. فلما مات نظم فيه وفي ثعلب، ابن العلآف. ذهب المبرد وانقضت أيامه ... وليذهبن إثر المبرد ثعلب بيت من الآداب أصبح نصفه ... حزباً وباقي بيت تلك سيخبر فابكوا لما سلب الزمان ووطنوا ... الدهر أنفسكم على ما يسلب وتزودوا عن ثعلب فبكأس ما ... شرب المبرد عن قريب يشرب وأرى لكم أن تكتبوا أنفاسه ... إن كانت الأنفاس مما يكتب قلت: وهذه الألفاظ جميعاً لفظه، إلا لفظ " بيت تلك سيخرب " فإني أبدلته عن قوله: بيتها فسيخرب، كراهة لإدخال الفاء في سيخرب، وإن كان مما يتجوز فيه، فإن وزان لفظة، نحو قولك: زيد قائم وأبوه فسيقوم، ووزان لفظي: قام زيد وأخوه سيقوم، وهذا هو الجائز على قاعدة العربية، والرجل والمرأة المذكوران المنسوب إليهما الحمق، قيل: لأن الرجل شرد له بعير، فقال: من جاء به فله بعيران. فقيل له: أتجعل في بعير بعيرين؟ فقال إنكم لا تعرفون حلاوة الوجدان. فنسب إلى الحمق لهذا السبب، فسارت به الأشعار، واكتسب بذلك اشتهاراً، واستشهدوا على ذلك بما أثرت حذفه اختصاراً. وأما المرأة فسبب نسبتها إلى الحمق أنها ولدت، فصاح المولود، فقالت لامرأة: أيفتح الجعر فاه؟. فقالت المرأة: نعم، ويسب أباه، فصارت مثلاً والجعر بفتح الجيم وسكون العين المهملة وهو في الأصل روث كل ذي مخلب من السباع، وقد يستعمل في غيرها بطريق التجوز، فظنت بجهلها ولدت، أنه قد خرج منها المعتاد، فلما استهل المولود عجبت من ذلك وسألت عنه. وكان سبب نسبتها إلى الحمق، وكانت مزوجة من بني العنبر بن عمرو بن تميم. فبنو العنبر يدعون لذلك بني الجعر. قال ابن خلكان: وهذا كله، وإن كان خارجاً عن المقصود، لكنها فوائد غريبة، فأحببت ذكرها.

стр. 506

وفي السنة المذكورة ظهر بالبحرين أبو سعيد القرمطي، وقويت شوكته، وانضم إليه جمع من الأعراب والزنج واللصوص، حتى تفاقم أمره، وهزم جيوش الخليفة مرات، فعاث وأفسد، وقصد البصرة، فحصنها المعتمد قبل، وذبح أبو سعيد المذكور في حمام بقصره، وخلفه ابنه أبو طاهر، وهو في الحقيقة أبو النجس القرمطي، الذي أخذ الحجر الأسود، ولم يرجع إلا بعد سنين كثيرة، وقيل بعد عشرين سنة. وفيها توفي علي بن عبد العزيز أبو الحسن اللغوي المحدث بمكة، وقد جاوز التسعين، سمع أبا نعيم وطبقته وعم البغوي عبد الله بن محمد. ست وثمانين ومائتين فيها وقيل في التي قبلها وقيل في التي بعدها توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبو سعيد أحمد بن عيسى الخزاز، من أهل بغداد، صحب ذا النون وأبا عبد الله التستري والسري وبشر أو غيرهم. قال رحمة الله عليه: كل باطن يخالفه ظاهره فهو باطل. وقال: رأيت إبليس في النوم وهو يمر عني ناحية فقلت: تعال، فقال: أي شيء أعمل بكم؟ أنتم طرحتم عن نفوسكم ما أخادع به الناس. قلت: وما هو. قال: الدنيا. فلما ولى عني التفت إلي وقال: غير أن لي فيكم لطيفة. قلت: وما هي. قال: صحبة الأحداث. وقال: صحبت الصوفية ما صحت، فما وقع بيني وبينهم خلاف. قالوا: لم. قال: لأني كنت معهم على نفسي. وقال: مررت بشاب ميت في باب بني شيبة، ونظرت في وجهه فتبسم، فقلت: يا حبيبي. أحياة بعد الموت؟. فقال: أما علمت يا أبا سعيد أن الأحباء أحياء، وإنما ينقلون من دار إلى دار. قيل: وهو أول من تكلم في علم الفناء والبقاء. وقال الجنيد: لو طالبنا الله تعالى بحقيقة ما عليه أبو سعيد الخزاز لهلكنا. وقيل لبعض المشايخ: إن أبا سعيد الخراز كان كثير التواجد عند الموت، فقال: لم يكن بعجيب أن تطير روحه اشتياقاً، وكان رضي الله تعالى عنه ينشد أبياتاً ترجمتها: فأجسادهم في الأرض قتلى بحبه ... وأرواحهم في الحجب نحو العلى تسري قلوبهم جوالة بمعسكر ... به أهل ود الله، كالأنجم الزهر فما عرسوا إلا بقرب حبيبهم ... وما عرجوا من مس بؤس ولا ضر وفي سنة الست المذكورة توفي محمد بن وضاح، محدث قرطبة الإمام الحافط.

стр. 507

وقيل: في التي قبلها. سبع وثمانين ومائتين فيها قصدت طيىء ركب العراق في رجوعه من الحج ليأخذه كالعام الماضي، وكانوا في ثلاثة آلاف وأمير الحجاج أو الأغر فواقعوهم يوماً وليلة، والتحم القتال، وجندلت الأبطال، ثم أيد الله الوفد، وقتل رئيس طيىء صالح بن مدرك وجماعة من أشراف قومه، وأسر خلق، وانهزم الباقوق، ثم دخل الركب بالأسرى والرؤوس على الرماح ببغداد. وفيها سار العباس الغنوي في عسكر، فالتقى القرمطي، فأسر العباس وانهزم عسكره، وقيل: بل أسر سائر العسكر، وضربت رقابهم، وأطلق العباس وحده، فجاء إلى المعتضد برسالة القرمطي أن: كف عنا، واحفظ حرمتك. وفيها توفي الإمام الحافظ أبو بكر بن عمرو بن عاصم الضحاك الشيباني البصري قاضي أصبهان، صاحب المصنفات. وأبو سعيد الهروي الحافظ، شيخ هراة ومحدثها وزاهدا. ثمان وثمانين ومائتين فيها توفي مفتي بغداد، الفقيه الإمام أبو القاسم عثمان بن سعيد البغدادي الأنماطي صاحب المزني. وهو الذي نشر مذهب الشافعي ببغداد، وعليه تفقه أبو العباس بن شريح. وفيها توفي الحاسب الحكيم ثابت بن قرة الحراني. كان في مبتدأ أمره صيرفياً بحران، ثم انتقل إلى بغداد واشتغل بعلوم الأوائل، فمهر فيها، وبرع في الطب، وكان الغالب عليه الفلسفة. وله تآليف كثيرة في فنون من العلم، مقدار عشرين تأليفاً. وهذب " كتاب إقليدس " الذي عربه حنين بن إسحاق العبادي، ونقحه وأوضح منه ما كان مستعجماً. وكان من أعيان عصره في الفضائل. وجرى بينه وبين أهل مذهبه أشياء، أنكروها عليه في المذهب، فرفعوه إلى رئيسهم، فأنكر عليه مقالته، ومنعه من دخول الهيكل، فتاب ورجع عن ذلك، ثم عاد بعد مدة إلى تلك المقالة، فمنعوه من الدخول إلى المجمع، فخرج من حران، فلما قدم محمد بن موسى من بلاد الروم راجعاً إلى بغداد، اجتمع به، فرآه فاضلاً

стр. 508

فصيحاً، فاستصحبه إلى بغداد، فأولد بها أولاداً. وكان له ولد سمي إبراهيم، بلغ رتبة أبيه في الفضل، وكان من حذاق الأطباء، ومقتدى أهل زمانه في صناعة الطب، وعالج مرة للسري الشاعر، فأصاب العافية، فعمل فيه أبياتاً، وهي أحسن ما قيل في طبيب: هل للعليل سوى ابن قرة شافي ... بعد الإله، وهل له من كافي أحيى لنا رسم الفلاسفة الذي ... أؤدى، وأوضح رسم طب عافي مثلت له قارورتي فرأى بها ... ما اكتن بين جوانحي وشغافي يبدو له الداء الخفي كما بدا ... للعين بصراً من غدير الضافي قلت: وقد ذكرت في أبيات بيتاً طغى فيه، حيث قال: وبئس ما قال. فكأنه عيسى ابن مريم ناطقاً ... يهب الحياة بأيسر الأوصاف ومن حفدة ثابت المذكور: ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة، وكان ببغداد في أيام معز الدولة ابن بابويه. وكان طبيباً عالماً نبيلاً يقرأ عليه كتب أبقراط وجالينوس، وكان فكاكاً للمعاني، سلك مسلك جده في نظرة الطب والهندسة، وجميع الصناعات الرياضية للقدماء، وما تشتمل عليه الفلسفة. وله تصنيف في التاريخ أحسن فيه. وقد قيل إن الأبيات المذكورة أولاً من نظم الزنجي السري، عملها فيه والله أعلم. والحراني نسبة إلى حران، وهي مدينة مشهورة بالجزيرة. وذكر ابن جرير الطبري في تاريخه أن هاران عم إبراهيم الخليل ﵌ عمرها، فسميت بإسمه، ثم إنها عربت فقيل: حران. وهاران المذكور أبو سارة زوجة إبراهيم ﵇. وكان لإبراهيم أخ يسمى هاران أيضاً، وهو أبو لوط صلوات الله على نبينا وعليه، وعلى جميع النبيين. قال في الصحاح: حران اسم بلد، وهو فعال، ويجوز أن يكون فعلان، فالنسبة إليه حرناني، على غير قياس، والقياس حراني على ما عليه العامة. تسع وثمانين ومائتين فيها توفي المعتضد أبو العباس أحمد بن الموفق، وولي عهد المسلمين أبو أحمد طلحة بن المتوكل، جعفر بن المعتصم العباسي تغير مزاجه من إفراط الجماع، وعدم الحمية في مرضه. قلت: وقد ذكرت في آخر المجلد الثاني من كتاب المرهم شيئاً مما جرى له في مرضه

стр. 509

المذكور، وما عولج به، وما لاقى بعد إخراجه من التنور الموقد بحطب الزيتون. ولم يكن في اللبث فيه، ولا في ترك العود إليه بصبور، من أجل اشتداد الحرفية، والبرد عند الخروج منه، فلما أعيد فيه لأن لموته الحضور وبيان هذا وغيره أوضحته في الكتاب المذكور وكان شجاعاً مهيباً حازماً فيه تشيع. وفيها توفي الحافظ حسين بن محمد العتابي النيسابوري، صاحب المسند والتاريخ. وفيها توفي يحيى بن أيوب العلاف المصري، صاحب سعيد بن أبي مريم. والحافظ أبو جعفر صاحب سليمان بن حرب. تسعين ومائتين فيها حاصرت القرامطة دمشق، فقتل طاغيتهم يحيى بن زكرويه بالزاي في أوله فخلفه أخوه الحسين صاحب الشامة، فجهز المكتفي عشرة آلاف لحربهم، عليهم الأمير أبو الأغر في ألف نفس، فدخل حلب، وقيل تسعة آلاف. ووصل المكتفي إلى الرقة، وجهز الجيوش إلى أبي الأغر، وجاءت من مصر العساكر الطولونية، فهزموا القرامطة، وقتلوا منهم خلقاً، وقيل: بل كانت الوقعة بين القرامطة والمصريين بأرض مصر، وإن القرمطي صاحب الشامة انهزم إلى الشام مر على الرحبة، وبقي ينهب ويسبي الحريم حتى دخل الأهواز. وكان زكرويه القرمطي يكذب ويزعم أنه من آل الحسين بن علي ﵄. وفيها دخل عبد الله الملقب بالمهدي المغرب متنكراً، والطلب عليه من كل وجه، فقبض عليه متولي سجلماسة، وعلى ابنه، فحاربه أبو عبد الله السبعي داعي المهدي، فهزمه ومزق جيوشه، وجرت بالمغرب أمور هائلة، واستولي على المغرب المهدي المنتسب إلى الحسين بن علي، وكان باطل الإعتقاد، وهو الذي بنى المهدية في المغرب. وفي السنة المذكورة توفي الحافظ أبو عبد الرحمن، عبد الله بن أحمد بن حنبل الشيباني، كان إماماً خبيراً بالحديث وعلله، مقدماً فيه.

стр. 510

إحدى وتسعين ومائتين فيها نهض جيش من طرسوس، فأدخلوا في الروم حتى نازلوا أنطاكية وافتتحوها عنوة، وقتلوا من الروم نحو خمسة آلاف، وغنموا غنيمة لم يعهد مثلها، بحيث بلغ سهم الفارس ألف دينار. وأما القرمطي صاحب الشامة، فعظم خطبه، والتزم له أهل دمشق بمال عظيم، حتى يرحل عنهم وتملك حمص وصار إلى حماة والمعرة فقتل، فعظم خطبه، وسبى وعطف إلى بعلبك، فقتل أكثر أهلها، ثم سار فأخذ سلمية، وقتل أهلها قتلاً ذريعاً، حتى ما ترك بها عيناً تطرف. وجاء جيش المكتفي فالتقاهم بقرب حمص، وأسر خلقاً من جنده. وركب هو وابن عمه وآخر، واخترقوا ثلاثتهم البرية، فمروا بداليه ابن طوق فأنكرهم والي تلك الناحية، فقررهم، فاعترفهم صاحب الشامة، فحملهم إلى المكتفي فقتلهم وحرقهم. وفي السنة المذكورة توفي الإمام علامة الأدب أبو العباس المشهور بثعلب، أحمد بن يحيى الشيباني، مولاهم الكوفي النحوي صاحب التصانيف المفيدة، انتهت إليه رئاس الأدب في زمانه. " قال ابن خلكان " في تاريخه: قال أبو بكر ابن المجاهد المقرىء: قال لي ثعلب: يا أبا بكر، اشتغل أصحاب القرآن بالقرآن ففازوا، واشتغل أصحاب الحديث بالحديث ففازوا، واشتغل أصحاب الفقه بالفقه ففازوا، واشتغلت أنا بزيد وعمر، وفليت شعري ماذا يكون حالي في الآخرة. قال: فانصرف من عنده، فرأيت النبي ﵌ في تلك الليلة في المنام، فقال لي: أقرىء أبا العباس عني السلام وقل له: أنت صاحب العلم المستطيل. وقال العبد الصالح أبو عبد الله. الرودباري: أراد أن الكلام به يكمل. والخطاب به يحمل، وإن جميع العلوم مفتقرة إليه. صنف " كتاب الفصحاء " وهو صغير الحجم كثير الفائدة و " كتاب إعراب القرآن " و " كتاب القراءات "، و " كتاب حد النحو "، و " كتاب معاني الشعر " وغير ذلك، وهو بضعة عشر صنفاً. وكان إمام الكوفيين في النحو واللغة، سمع من ابن الأعرابي والزبير بن

стр. 511

بكار، وروي عنه الأخفش الأصغر وابن الأنباري وأبو عمر والزاهد وغيرهم. وكان ثقة صالحاً مشهوراً الحفظ وصادق اللهجة والمعرفة بالعربية ورواية الشعر القديم، مقداماً عند الشيوخ منذ هو حدث. وكان أبن الأعرابي إذا شك في شيء قال له: ما تقول يا أبا العباس في هذا؟. لغزارة حفظه. قال ابن الأخباري: أنشدني ثعلب. إذا كنت قوة النفسى ثم هجرتها ... فلم تلبث النفس التي أنت قوتها ستبقى بقاء الضب في الماء أو كما ... يعيش لدى ديمومة البيت حوتها قلت: هكذا حكاه عنه ابن خلكان. والذي نعرفه: " لو كما يعيش ببيداء المفاوزة حوتها ". وكان سبب وفاته أنه خرج يوم الجمعة من الجامع بعد العصر، وكان قد لحقه صمم لا يسمع إلا بعد تعب شديد، فكان في يده كتاب ينظر فيه في الطريق فصدمته فرس، فألقته في هوة، فأخرج منها هو كالمختلط، فحمل إلى منزله وهو على تلك الحال، وهو يتأوه من رأسه، فمات ثاني يوم. " والشيباني " نسبة إلى شيبان، حي من بني بكر بن وائل. وفيها توفي مقرىء أهل دمشق هارون بن موسى المعروف بالأخفش صاحب ابن ذكوان، وفيها توفي قنبل قارىء أهل مكة عبد الرحمن المخزومي مولاهم المكي. اثنتين وتسعين ومائتين فيها خرج صاحب مصر هارون بن خمارويه الطولوني عن الطاعة، فسارت جيوش المكتفي بحربه، ووقعت لهم وقعات، ثم اختلف أمراء هارون واقتتلوا. فخرج ليسكنهم فجاءه سهم، فقتله. ودخل الأمير محمد بن سليمان قائد جيش المكتفي، فتملك الأقليم، واحتوى على الخزائن، وقتل من آل طولون بضعة عشر رجلاً، وحبس طائفة، وكتب بالفتح إلى المكتفي، وقيل إن هارون هم بالمضي إلى المكتفي فامتنع عليه امراؤه وسجنوه، فأبى فقتلوه غيلة. وفيها توفي أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله البصري الحافظ صاحب السنن ومسند الوقت، وقد قارب المائة أو كملها، وكان محدثاً حافظاً محتشماً كبير الشأن، قيل إنه لما فرغوا من سماع السنن عليه عمل لهم مائدة، غرم عليها ألف دينار، وتصدق بجملة منها. ولما قدم بغداد ازدحموا عليه، حتى حزر على مجلسه بأربعين ألفاً وزيادة. وكان في

стр. 512

المجلس سبعة مبلغون، كل واحد يبلغ الآخر. وفيها توفي المقرىء المحدث إدريس بن عبد الكريم. وفيها توفي محدث واسط الحافظ أبو الحسين، أسلم بن سهل. وقاضي القضاة أبو خازم، عبد المجيد بن عبد العزيز الحنفي، من القضاة العادلة له أخبار ومحاسن. ولما احتضر كان يقول: يا رب من القضاء إلى القبر، ثم يبكي.. وفيها توفي الإمام أبو العباس محمد بن أحمد الهروي، كان فقيهاً محدثاً صاحب تصانيف. رحل إلى الشام والعراق وحدث عن أبي حفص الفلاس " بالفاء " وطبقته رحمه الله تعالى. وفيها توفي يحيى بن منصور، أبو سعيد الهروي، أحد الأئمة في العلم والعمل حتى قيل: إنه لم ير مثل نفسه، رحمه الله تعالى. ثلاث وتسعين ومائتين وفيها عاثت القرامطة بالشام، وقتلوا وسبوا وبدعوا " بحوران "، و " طبرية " و " بصرة "، ودخلوا " السماوة " وطلعوا إلى " هيت " واستباحوها، ثم وثبت هذه الفرقة الطاغية على زعيمها أبي غانم فقتلوه، ثم جمع رأس القوم زكرويه جموعاً، ونازل الكوفة وقاتله أهلها، ثم جاءه جيش الخليفة فالتقاهم وهزمهم، ودخل الكوفة يصيح قومه يا ثارات الحسين، يعنون: صاحب الحال الذي من شامة ولد زكرويه. وفيها توفي عبدان بن محمد بن عيسى المروزي، وكان فقيهاً علامة في الفقه وغوامضه، زاهداً عابداً. وفيها توفي عيسى بن محمد المروزي اللغوي، كان إماماً في العربية، روى عن إسحاق بن راهويه، وهو الذي رأى بخوارزم المرأة التي بقيت نيفاً وعشرين سنة لا تأكل ولا تشرب.

стр. 513

قلت: وذكر الشيخ المشكور الولي المشهور صفي الدين بن أبي المنصور، أن امرأة بجيزة مصر أقامت ثلاثين سنة لا تأكل، ولا تشرب في مكان واحد، لا تتألم بحر ولا برد. وفيها توفي محمد بن أسد المديني، أبو عبد الله الزاهد، ويقال أنه مجاب الدعوة، عمر أكثر من مائة سنة، رحمه الله تعالى. وفيها توفي الحافظ محمد بن عبدوس. أربع وتسعين ومائتين وفيها أخذ ركب العراق زكرويه القرمطي، وقتل الناس قتلاً ذريعاً، وحوى ما قيمته ألف ألف دينار، وهلك من الحجيج عشرون ألف إنسان، ووقع البكاء والنوح في البلدان، وعظم هذا على المكتفي، فبعث الجيش لقتاله، فالتقوا فأسر زكرويه وخلق من أصحابه، وكان مجروحاً فمات، وأراح الله منه بعد خمسة أيام، وحمل ميتاً إلى بغداد، وقتل أصحابه، ثم أحرقوا وتمزق أصحابه في البرية. وفيها توفي الحافظ الكبير أبو علي صالح بن محمد الأسدي البغدادي، محدث ما وراء النهر، نزل بخارى، وليس معه كتاب، فروى به الكثير من حفظه، رروى عن سعدويه الواسطي، وعلي بن الجعد وطبقتهما، ورحل إلى الشام ومصر والنواحي، وصنف وخرج وعدل. وكان صاحب نوادر ومزاح. وفيها توفي الإمام إسحاق بن راهويه، روى عن أبيه وعلي بن المديني. وفيها توفي الحافظ أيوب بن يحيى البجلي الرازي محدث الري يوم عاشوراء، وهو في عشر المائة. وفيها توفي الإمام، أحد الأعلام محمد بن نصر المروزي، وكان رأساً في الفقه والحديث والعبادة. روي أنه كان يقع الذباب على أذنه وهو في الصلاة فيسيل الدم، ولا يذبه، كان ينتصب كأنه خشبة. وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: كان من أعلم الناس بالإختلاف، وصنف كتباً وقال شيخه في الفقه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: كان محمد بن نصر عندنا إماماً، فكيف بخراسان؟. وقال غيره: لم يك للشافعية في وقته مثله.

стр. 514

فيها توفي الإمام موسى بن هارون أبو عمران البغدادي الحافظ، كان إمام وقف في حفظ الحديث وعلله، وقال بعضهم: ما رأيت في حفاظ الحديث أهيب، ولا أورع من موسى بن هارون. خمس وتسعين ومائتين فيها توفي الحافظ أحد أركان الحديث إبراهيم بن أبي طالب النيسابوري. قال بعضهم: إنما أخرجت نيسابور ثلاثة: محمد بن يحيى، ومسلم بن الحجاج، وإبراهيم بن أبي طالب. وفيها توفي إبراهيم بن معقل، قاضي نسف، وعالمها ومحدثها، وصاحب التفسير والمسند، وكان بصيراً إماماً بالحديث، عارفاً بالفقه والإختلاف. روى الصحيح عن البخاري. وفيها توفي الحكم بن معبد الخزاعي الفقيه، مصنف " كتاب السنة " بأصبهان، وكان من كبار الحنفية وثقاتهم. وفيها توفي أبو علي بن عبد الله بن محمد الحافظ، أحد أركان الحديث، مصنف التاريخ والعلل. وفيها توفي المكتفي بالله أبو الحسن علي بن المعتضد أحمد بن موفق بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد العباسي، وكان جميلاً وسيماً، بديع الخلقة، معتدل القامة، دري اللون، أسود الشعر، استخلف بعد أبيه، وكانت دولته ست سنين ونصفاً، وولي بعده أخوه المقتدر وله ثلاث عشرة سنة وأربعون يوماً ولم يل أمر الأمة صبي قبله. وفيها توفي عيسى بن مسكين قاضي القيروان وفقيه المغرب أخذ عن سحنون وعن الحارث بن مسكين، وكان إماماً ورعاً خاشعاً متمكناً من الفقه والآثار، ومستجاب الدعوة يشبه بسحنون في سمته وهديه. أكرهه ابن الأغلب الأمير على القضاء، فولي ولم يأخذ رزقاً، وكان يركب حماراً، ويتسقي الماء لبيته.

стр. 515

وفيها توفي الإمام أبو جعفر محمد بن أحمد الترمذي كبير الشافعية في العراق قبل ابن شريح، وكان زاهداً ناسكاً، قانعاً باليسير. قال الدارقطني: لم يكن للشافعية بالعراق أرأس ولا أورع منه، وكان صبوراً على الفقر، حدث عن جماعة كثيرة، منهم يحيى بن بكير المصري، وروى عنه جماعة، منهم أحمد بن كامل، وكان ثقة من أهل العلم والفضل، والزهد في الدنيا، والتقلل في المطعم، على حال عظيمة فقراً وورعاً وصبراً. روى بالإسناد أنه كان يقوت في سبعة عشر يوماً خمس حبات أو ثلاث حبات، فقيل له: كيف عملت؟ فقال: لم يكن عندي غيرها، فاشتريت بها لفتاً، فكنت آكل كل يوم واحدة. وذكر أبو إسحاق الزجاج النحوي أنه كان تجري عليه في كل شهر أربعة دراهم، وكان لا يسأل أحداً شيئاً، وكان يقول: تفقهت على مذهب أبي حنيفة، فرأيت النبي ﵌ في مسجد المدينة عام حججت فقلت: يا رسول الله، تفقهت بقول أبي حنيفة، فآخذ به؟ فقال: لا، فقلت: آخذ بقول مالك بن أنس. فقال: خذ منه ما وافق سنتي، قلت: فآخذ بقول الشافعي. فقال: ما هو يقوله. إلا أنه أخذ بسنتي، ورد علي من خالفها، قال: فخرجت في أثر هذه الرؤيا إلى مصر، وكتبت كتب الشافعي. هكذا ذكره جماعة من أهل الطبقات والتواريخ، منهم الشيخ الإمام أبو إسحاق الشيرازي، والقاضي الإمام ابن خلكان. وقال الدارقطني: هو ثقة مأمون ناسك. وكان يقول: كتبت الحديث تسعاً وعشرين سنة. وفيها توفي الحافظ أبو بكر محمد بن إسماعيل الإسماعيلي، أحد المحدثين الكبار بنيسابور. له تصانيف موجودة، ورحلة واسعة. ست وتسعين ومائتين فيها مات ابن المعتز، مات مخنوقاً، وذلك أنه لما دخلت هذه السنة، والملأ يستصعبون المقتدر، ويتكلمون في خلافته، فاتفق طائفة على خلعه، وخاطبوا عبد الله بن المعتز، فأجاب بشرط أن لا يكون فيها حرب. وكان رأسهم محمد بن داود الجراح، وأحمد بن يعقوب القاضي، والحسين بن حمدان، واتفقوا على قتل المقتدر، ووزيره العباس بن الحسين، وفاتك الأمير. فلما كان عاشر ربيع الأول، ركب الحسين بن حمدان والوزير والأمراء، فشد ابن حمدان على الوزير فقتله، فأنكر قتله فعطف على فاتك فألحقه بالوزير، ثم ساق ليثلث بالمقتدر وهو يلعب بالصوالجة، فسمع الهيعة فدخل الدار، وأغلقت الأبواب. ثم نزل ابن حمدان بدار سليمان بن وهب، واستدعى ابن المعتز، وحضر الأمراء

стр. 516

والقضاة سوى خواص المقتدر، فبايعوه ولقبوه " الغالب بالله " وقيل: الراضي بالله، المرتضي بالله، فاستوزر ابن الجراح، واستحجب عن الخادم، ونفذت الكتب لخلافته إلى البلاد، وأرسلوا إلى المقتدر ليتحول من دار الخلافة، ولم يكن معه غير مؤنس الخادم ومؤنس الخازن، وخاله الأمير، وتحضنوا، وأصبح الحسين بن حمدان على محاصرتهم فرموه بالنشاب، وتناحوا ونزلوا على خيمته، وقصدوا ابن المعتز، فانهزم كل من حوله وركب ابن المعتز فرساً ومعه وزيره وصاحبه، وقد شهر سيفه وهو ينادي: معاشر العامة ادعوا لخليفتكم. وقصد سامراء ليثبت بها أمره، فلم يتبعه كثير أحد، وخذل فنزل عن فرسه، فدخل دار ابن الجصاص، واختفى وزيره، ووقع النهب والقتل في بغداد، وقتل جماعة من الكبار، واستقام الأمر للمقتدر. ثم أخذ ابن المعتز وقتل سراً، سلمه المقتدر إلى مؤنس الخادم، فقتله وسلمه إلى أهله ملفوفاً في كساء، وصودر ابن الجصاص. وقام بأعباء الخلافة الوزير ابن الفرات، ونشر العدل، واشتغل المقتدر باللعب. وأما الحسين بن حمدان فأصلح أمره، وبعث إلى بعض الولايات، وابن المعتز المذكور وهو أبو العباس عبد الله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد العباسي. أخذ الأدب عن أبي العباس المبرد وأبي العباس ثعلب وغيرهما، وكان أديباً بليغاً شاعراً مطبوعاً مقتدراً على الشعر، قريب المأخذ، سهل اللفظ، جيد القريحة، حسن الإبداع للمعاني، مخالطاً للعلماء والأدباء، معدوداً من جملتهم، إلى أن جرت له الكاتبة المذكور في خلافة المقتدر، وله من التصانيف " كتاب الزهرة والرياض "، و " كتاب مكاتبات الشعر " و " كتاب الجوارح "، و " كتاب الصيد "، و " كتاب السرقات "، و " كتاب أشعار الملوك " و " كتاب الآداب "، و " كتاب حلي الأخبار "، و " كتاب طبقات الشعراء "، و " كتاب الجامع في العلم "، و " كتاب فيه أرجوزة في ذم الصبوح ". ومن كلامه: البلاغة البلوغ إلى المعنى وكان يقول: لو قيل لي ما أحسن شعر تعرفه؟. لقلت: قول العباس ابن الأحنف: قد سحب الناس أذيال الطنون بنا ... وفرق الناس فينا قولهم فرقا فكاذب قد رمى بالظن غيركم ... وصادق ليس يدري أنه صدقا ورثاه علي بن محمد بن بسام يقول: لله دره من ميت بمضيقة ... ناهيك في العلم والآداب والحسب ما فيه لو، ولا لولا فتنقصه ... وإنما أدركته حرفة الأدب ولإبن المعتز أشعار رائقة، وتشبيهات فائقة، من ذلك قوله:

стр. 517

كأنا وضوء الصبح يستعجل الدجى ... نظير غراباً ذا قوادم جون يعني بالجون بفتح الجيم الأبيض، ويطلق على الأسود أيضاً لأنه من أسماء الأضداد، فشبه ظلام الليل حين يظهر فيه ضوء الصباح بأشخاص الغربان، ثم شرط أن يكون قوادم ريشها بيضاً، لأن ذلك البياض يقع من الظلمة في حواشيها، من حيث يلي معظم الصبح. وعموده ولمع نوره يتخيل منها في العين كشكل قوادم بيض، وجعل ضوء الصبح، لقوة ظهوره ودفعه لظلام الليل كأنه يدفع الدجى ويستعجله، ولا يرضى بأن يتمهل في حركته. وفيها السنة المذكورة توفي المحدث أبو جعفر محمد بن حماد. وفيها توفي أحمد بن يعقوب القاضي، أحد من قام في خلع المقتدر، احتساباً ذبح صبراً. وفيها توفي محمد بن داود بن الجراح الإخباري العلامة، صاحب المصنفات وكان أوحد زمانه في معرفة أيام الناس. سبع وتسعين ومائتين فيها توفي الحافظ ابن الحافظ ابن الحافظ: محمد بن أحمد بن زهير بن حرب كان أبوه يستعين به في تصنيف التاريخ. وفيها توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير إمام السالكين، وقدوة العارفين أبو عبد الله عمرو بن عثمان المكي، شيخ الصوفية، أحد الخمسة المقتدى بهم في زمانهم، الجامعين بين علم الباطن والظاهر، صاحب التصانيف في الطريقة، كبير الشأن في أسرار الحقيقة. وفيها توفي الإمام البارع محمد بن داود بن علي الأصبهاني المعروف بالظاهري الفقيه أبو بكر، أحد أذكياء زمانه صاحب " كتاب الزهرة ". تصدر للإشتغال والفتوى. كان فقيها أديباً شاعراً ظريفاً وكان يناظر أبا العباس بن شريح. وسيأتي ذكر شيء من ذلك في ترجمة ابن شريح. ولما توفي، أبوه داود جلس في حلقته، وكان على مذهبه، فاستصغروه فدشوا إليه

стр. 518

رجلاً وقالوا: سله عن حد الشكر، فسأله: متى يكون الإنسان في داخلاً في حد السكران؟ فقال: إذا ضربت عنه الهموم، وباح بسره المكتوم، فاستحسن منه ذلك، وعلم موضعه العلم. قلت: وهذا الذي ذكره في حد السكر هو الذي نقله أصحابنا عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه وإن اختلفا في بعض اللفظ والعبارة، فعبارة الشافعي: إنه الذي اختل كلامه المنظوم، وانكشف سره المكتوم. وروى الشيخ الإمام أبو إسحاق بسنده في الطبقات: إن ابن داؤد المذكور جاءته امرأة فقالت له: ما تقول في رجل له زوجة، لا هو يمسكها، ولا هو يطلقها؟. فقال: اختلف في ذلك أهل العلم، فقال قائلون: يؤمر بالصبر والإحتساب، وتبعث على التطلب والإكتساب وقال قائلون: تؤمر بالإتفاق، ولا يحمل على الطلاق. فلم تفهم المرأة قوله، وأعاد مسألتها فقال لها: يا هذه، قد أجبتك عن مسألتك، وأرشدتك إلى طلبتك، ولست بسلطان فأمضي، ولا قاض فأقضي، ولا زوج فأرضي، فانصرفت ولم تفهم جوابه. وصنف ابن داود كتابه " الزهرة " المذكور في عنفوان شبابه، وهو مجموع أدب أتى فيه. بكل غريبة ونادرة وشعر رائق. واجتمع يوماً، هو وأبو العباس بن شريح في مجلس الوزير ابن الجراح، فتناظرا في الإيلاء، فقال له ابن شريح: أنت تقول: من كثرت لحظاته دامت حسراته، أبصر منك بالكلام في الإيلاء. فقال له ابن داود: لئن قلت ذلك فإني أقول. أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه ... يصب على الصخر الأصم تهدما وينطق طرفي عن مترجم خاطري ... فلولا اختلاسي ورده لتكلما رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم ... فما أن حيا صحيحاً مسلماً فقال له ابن شريح: ولم تفخر علي؟. ولو شئت أنا أيضاً لقلت: ومسامر بالفتح من لحظاته ... قد بث أمنعه لذيذ سناته ظناً بحسن حديثه وغنائه ... وأكدر اللحظات في وجناته حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولي بخاتم ربه وبراته فقال ابن داود: نحفظ الوزير عليه ذلك حتى يقيم شاهدي عدل، أنه ولي بخاتم ربه، فقال ابن شريح: يلزمني في ذلك ما يلزمك في قولك.

стр. 519

أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما فضحك الوزير وقال: لقد جمعتم ظرفا ولطفاً وفهماً وعلماً. انتهى. قلت: فإن اعترض معتوض وقال: لا يلزم ابن داود ما ادعاه ابن شريح في قول ابن داود: " أنزه في روض المحاسن مقلتي " البيت، لأن الروض الحقيقي لا يلزم بالنظر إليه ارتكاب محرم. قلت: القرينة دالة من لفظه، على أنه لم يرد بالروض حقيقته، وإنما أراد الإستعارة المجازية. والشاهد عليه قوله في عجز البيت: " وأمنع نفسي أن تنال محرما "، وهو مفهوم أيضاً من صدر البيت، أعني قوله: روض المحاسن، فأضاف الروض إلى المحاسن. وكان ابن داود المذكور عالماً في الفقه، وله تصانيف عديدة منها: " كتاب الوصول إلى المعرفة الأصول "، و " كتاب الإنذار "، و " كتاب الأعذار "، و " كتاب الإنتصار " على محمد بن جرير، وعبد الله بن سرسير، وعيسى بن إبراهيم الضرير وغير ذلك. توفي ﵀ يوم الإثنين تاسع شهر رمضان من السنة المذكورة، وعمره إثنان وأربعون سنة. وفي يوم وفاته توفي القاضي يوسف بن يعقوب الأزدي. قلت: ونقل ابن خلكان عنه حكاية لا تصح، فإنه قال: ويحكى أنه لما بلغته وفاة ابن شريح، كان يكتب شيئاً، فألقى الكراسة من يده وقال: ما كنت أحث نفسي وأجهزها على الإشتغال لمناظرته ومقاومته. فإن ظاهر هذا اللفظ أن ابن داود هو الذي بلغته وفاة ابن شريح، فقال هذا القول، وهذا لا يصح لأن ابن شريح مات بعده في سنة ست وثلاثمائة، اللهم إلا أن يكون أسقط الكاتب من اللفظ شيئاً، أعني: قال: بلغت وفاته، بإثبات التاء قبل الهاء، فأسقطها الكاتب. ومع هذا فهو بعيد أيضاً لكونه يقتضي أن الإمام المنتجب الملقب بالباز الأشهب أبا العباس بن شريح، ما كان يصنف إلا لمناظرة ابن داود الظاهري. نعم يحكى عنه أنه لما مات تأسف كيف تأكل الأرض مثله. والله أعلم بذلك. وفي السنة المذكورة توفي الحافظ ابن الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة. وفيها توفي القاضي يوسف بن يعقوب كما تقدم. ثمان وتسعين ومائتين فيها توفي السيد الجليل الشيخ العارف محمد بن مسروق الطوسي، أستاذ الجنيد. وفيها توفي أستاذ الطريقة، وحامل لواء الحقيقة، سيد الطائفة، تاج العارفين،

стр. 520

قطب العلوم أبو القاسم الجنيد بن محمد القواريري الخزاز " بالخاء المعجمة والزاي المشددة المكررة " قدس الله تعالى روحه. وقيل: سنة سبع، وقيل: ست صحب خاله السري السقطي، والحارث بن أسد المحاسبي وغيرهما من جلة المشايخ. وممن صحبه من جلة الأئمة وأعلام الأئمة أبو العباس بن شريح الفقيه الشافعي المنتخب في العلوم المقتحم للخصوم. كان إذا تكلم في الأصول والفروع بكلام يعجب الحاضرين يقول لهم: أتدرون من أين لي هذا؟. هذا من بركة مجالستي أبا القاسم الجنيد. وأصل الجنيد من نهاوند، ومولده ومنشأه العراق. وكان شيخ وقته وفريد عصره وكلامه في الطريقة وأسرار الحقيقة مشهور مدون، تفقه على أبي ثور صاحب الإمام الشافعي، وقيل بل كان فقيهاً على مذهب سفيان الثوري. وسئل عن العارف من هو؟. فقال من نطق عن شركه وأنت ساكت، وكان يقول: مذهبنا هذا مقيد بالأصول والكتاب والسنة. وروي يوماً وفي يده سبحة، فقيل له: أنت مع شرفك تأخذ في يدك سبحة. فقال طريق وصلت به إلى ربي لا أفارقه. وقال: قال لي خالي السري: تكلم على الناس وكان في قلبي حشمة من الكلام على الناس فإني كنت أتهم نفسي في استحقاق ذلك، فرأيت في المنام رسول الله ﵌، وكانت ليلة الجمعة. فقال لي: تكلم عل الناس، وأتيت باب السري قبل أن أصبح، فدققت الباب فقال لي: لم تصدق حتى قيل لك فقعدت في غد للناس بالجامع، وانتشر في الناس أن الجنيد قعد يتكلم على الناس، فوقف علي غلام نصراني متنكراً وقال: أيها الشيخ، ما معنى قول رسول الله ﵌: " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله "؟ فأطرقت ساعة ثم رفعت رأسي، وقلت له أسلم فقد حان وقت إسلامك، فأسلم الغلام. قلت: والناس يعتقدون أن في هذا للجنيد كرامة، وأقول: فيه كرامتان: إحداهما: اطلاعه على كفر الغلام. والثانية: اطلاعه على أنه سيسلم في الحال. وكل ذلك باطلاع الله تعالى له تفضيلاً وإكراماً وتخصيصاً وإنعاماً، وإن لم يكن ذلك مطرداً، فقد يعطي الكرامة المفضول، ويمنع الفاضل وعن أبي القاسم الجنيد أنه قال: ما انتفعت بشيء انتفاعي بأبيات سمعتها، قيل له: وما هي؟ قال: مررت بدرب القراطين فسمعت جارية تغني من دار فأنصت لها، فسمعتها تقول:

стр. 521

إذا قلت أبدى الهجر لي حلل البلا ... تقولين: لولا الهجر لم يطب الحب وإن قلت هذا القلب أحرقه الهوى ... تقولي الهوى الذي تشرق القلب فصفقت وصيحت، فبينا أنا كذلك، إذا أنا بصاحب الدار قد خرج فقال: ما هذا يا سيدي؟ فقلت: ما سمعت، فقال: أشهد أنها هبة مني لك، فقلت: وقد قبلتها وهي حرة لوجه الله تعالى. ثم دفعتها لبعض أصحابنا بالرباط، فولدت له ولداً نبيلاً، ونشأ أحسن نشوء، وحج على قدميه ثلاثين حجة على الوحدة. وأخبار الجنيد كثيرة، ومناقبه شهيرة، وسيرته حميدة، وكراماته عديدة. قيل: توفي آخر ساعة من نهار الجمعة، وقيل غير ذلك، ودفن بالشونيزية عند خاله السري. وكان عند موته قد ختم القرآن، ثم ابتدأ بقراءته، فقرأ سبعين آية من البقرة ثم مات. وإنما قيل له الخزاز لأنه كان يعمل الخز، وإنما قيل له القواريري: لأن أباه كان قواريرياً. قلت: وذكر بعض المشايخ أنه لما صنف عبد الله بن سعيد بن كلاب كتابه الذي رد فيه على جميع المذاهب قال: هل بقي أحد؟ قيل له: نعم بقي طائفة يقال لها الصوفية، قال: فهل لهم من إمام يرجعون إليه؟. قيل: نعم، الأستاذ أبو القاسم الجنيد. فأرسل إليه، فسأله عن حقيقة مذهبه، فرد عليه الجنيد الجواب، بأن مذهبنا إفراد القدم عن الحدث، وهجران الإخوان والأوطان، ونسيان ما يكون وما كان. فلما سمع ابن كلاب هذا الجواب تعجب من ذلك وقال: هذا شيء، أو قال: كلام لا يمكن فيه المناظرة. ثم حضر مجلس الجنيد وسأله عن التوحيد، فأجابه بعبارة مشتملة على معارف الأسرار والحكم فقال: أعد علي ما قلت، فأعاده لا بتلك العبارة، فقال: هذا شيء آخر. فأعده علي، فأعاده بعبارة أخرى فقال: ما يمكننا حفظ ما تقول، فأمله علينا، فقال: لو كنت أجريه كنت أمليه، فقال بفضله واعترف بعلو شأنه. قلت: وإلى قوله: لو كنت أجريه كنت أمليه، أشرت على لسان صاحب الحال الجاري على لسانه كلام بغير اختيار على طريق التغزل بسلمى، ويشبهها حيث أقول حاكياً لكلام شيخنا، قدس الله تعالى روحه. في حال غيبته بالحال الوارد عليه: وما قلت قولاً، غير أني أعرتها ... لساني، فأومت للهوى يتكلم فأسرارها منها علمت، وعندما ... شكرت جليسي شرها منه يعلم أعني: يعلم الجليس السر الجاري على لسان المتكلم بواسطة الهوى المشار إليه بالتكلم من جهة المحبوب المكنى عنه سلمى تستر. وروي عن بعض المشايخ الصوفية الجلة أنه قال: قال لي الكعبي من كبار أئمة المعتزلة رأيت لكم شيخاً ببغداد يقال له الجنيد، ما رأت عيني مثله، كانت الكتبة يحضرونه لألفاظه،

стр. 522

والفلاسفة لدقة كلامه، والشعراء لفصاحته، والمتكلمون لمعانيه وكلامه، ناء عن فهمهم وكان رضي الله تعالى عنه من صغره منطقاً بالمعارف والحكم، حتى أن خاله السري سئل عن الشكر والجنيد يلعب مع الصفار فقال له: ما تقول يا غلام. فقال: الشكر أن لا تستعين بنعمة على معاصيه، فقال السري: ما أخوفني عليك أن يكون حظك في لسانك. قال الجنيد: فلم أزل خائفاً من قوله هذا حتى دخلت عليه يوماً، وجئته بشيء كان محتاجاً إليه فقال لي: أبشر فإني دعوت الله أن يسوق لي ذلك على يد مفلح، أو قال: موفق، اللهم إنا نسألك التوفيق، ونعوذ بك من الخذلان والتعويق، بجاه نبيك الكريم، عليه أفضل الصلاة والتسليم. وعن الأستاذ أبي القاسم المذكور أنه قال: دخلت الكوفة في بعض أسفاري، فرأيت داراً لبعض الرؤساء، وقد سف عليها النعيم، وعلى بابها عبيد وغلمان، وفي بعض رواشتها جارية تغني وتقول: ألا يا دار لا يدخلك حزن ... ولا يعبث بساكنك الزمان فنعم الدار أنت لكل ضيف ... إذا ما الضيف أعوزه المكان قال: ثم مررت بعد مدة، فإذا الباب مسود، والجمع مبدد، وقد ظهر عليها كآبة الذل والهوان، وأنشد لسان الحال: ذهبت محاسنها وبان شجونها ... والدهر لا يبقي مكاناً سالماً فاستبدلت من أنسها بتوحش ... ومن السرور بها عزاء وغما قال: فسألت عن خبرها، فقيل لي: مات صاحبها، فآل أمرها إلى ما ترى. فقرعت الباب الذي كان لا يقرع، فكلمتني جارية بكلام ضعيف، فقال لها: يا جارية، أين بهجة هذا المكان؟. وأين أنواره؟ وأين شموسه؟ وأين أقماره؟. وأين قصاده؟. وأين زواره؟ فبكت، ثم قالت: يا شيخ، كانوا فيه على سبيل العلوية، ثم نقلتهم الأقدار إلى دار القرار، وهذه عادة الدنيا، ترحل من سكن فيها، وتسيء إلى من أحسن إليها. فقلت لها: يا جارية، مررت بها في بعض الأعوام، وفي هذا الروشن جارية تغني: " ألا يا دار لا يدخلك حزن "، فبكت وقالت: أنا والله تلك الجارية، لم يبق من أهل هذه الدار أحد غيري، فالويل لمن غرته دنياه. فقلت لها: فكيف قربك القرار في هذا الموضع الخراب؟ فقالت لي: ما أعظم جفاءك، أما كان هذا منزل الأحباب؟ ثم أنشأت: قالوا اتغتي وقوفاً في منازلهم ... وليس مثلك لا يغني بحملها فقلت والقلب قد ضجت أضالعه ... والروح تنزع والأشواق تبدلها

стр. 523

منازل الحب في قلبي معظمة ... وإن خلا من نعيم الوصل منزلها فكيف أتركها، والقلب يتبعها ... حباً لمن كان قبل اليوم ينزلها قال: فتركتها ومضيت، وقد وقع شعرها من قلبي موقعاً، وأزاد قلبي تولعاً. قلت: ومن العبر العظيمات مما يناسب هذه الحكاية في سرعة الممات أنها قرئت علي هذه الترجمة لأبي القاسم الجنيد في منزلي، في بعض الليالي، وأنا حينئذ في المدينة الشريفة، وكانت زوجتي زينب بنت القاضي نجم الدين الطبري تسمع قراءتها، فذكرت في تلك الليلة شيئاً من هذه الحكاية، مما كان على ذهني منها. ثم أردت أن أكتبها، وألحقها بالترجمة المذكورة لنسمعها في ليلة أخرى زوجتي المشار إليها، فما تيسرت كتابتها إلا اليوم الثالث من موتها، ولا قرأنا شيئاً من هذا التاريخ في بيتها سوى ليلة، وقد نزل مرض الموت بها رحمها الله تعالى وأنزلها. داراً خيراً من دارها. وفي السنة المذكورة توفي الشيخ الكبير العارف بالله تعالى الشهير أبو عثمان الحيري " بكسر الحاء المهملة والراء وسكون الياء المثناة من تحت بينهما " سعيد بن إسماعيل، شيخ نيسابور في زمانه، وواعظها وكبير الصوفية بها. صحب الشيخ الكبير الجليل أبا حفص النيسابوري، وكان كبير الشأن مجاب الدعوة. تسع وتسعين ومائتين فيها توفي شيخ نيسابور، أبو عمرو الخفاف، أحمد بن نصر الحافظ الزاهد. سمع إسحاق بن راهويه. وقال ابن خزيمة يوم وفاته: لم يكن بخراسان أحفظ للحديث منه. وفيها توفي أبو الحسن محمد بن أحمد بن كيسان البغدادي النحوي، صاحب التصانيف في القراءة والجريب والنحو. وكان أبو بكر بن مجاهد يعظمه ويطريه ويقول: هو أنحى من الشيخين. يعني ثعلباً والمبرد. ثلاث مائة فيها توفي صاحب الأندلس: أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية الأموي. وكانت دولته خمساً وعشرين سنة. ولي بعد أخيه المنذر، وكان ذا صلاح وعبادة وعدل وجهاد، يلتزم الصلوات في الجامع، وله غزوات كبار، أشهرها غزوة ابن حفصون، وكان ابن حفصون في ثلاثين ألفاً، وهو في أربعة

стр. 524

عشر ألفاً، فالتقيا فانكسر ابن حفصون، وتبعه عبد الله يأسر ويقتل حتى لم ينج منهم أحد. وكان ابن حفصون من الخوارج. وفيها توفي أبو الحسن علي بن سعيد العسكري، أحد أركان الحديث. وأبو الحسين مسدد بن قطن النيسابوري. قال الحاكم: كان مربي عصره، والمقدم في الزهد والورع. وفيها توفي أبو أحمد يحيى بن علي المعروف بابن المنجم. كان أول أمره نديم الموفق طلحة بن المتوكل على الله، وكان الموفق نائباً عن أخيه المعتمد على الله، ولم يل الخلافة، ثم نادم يحيى المذكور الخلفاء بعد الموفق، واختص بمنادمة المكتفي بالله، وعلت رتبته عنده، وتقدم على خواصه وجلسائه. وكان متكلماً معتزلي الإعتقاد، وله في ذلك كتب كثيرة. وكان له مجلس يحضره جماعة من المتكلمين بحضره المكتفي، وله مع المعتضد وقائع ونوادر. من ذلك أنه قال: كنت يوماً بين يدي المعتضد، وهو مغضب، فأقبل بدر مولاه وهو شديد الغرام به، فلما رآه من بعيد ضحك وقال: يا يحيى، من الذي يقول من الشعراء: في وجهه شافع يمحو إساءته ... من القلوب، وجيه حيث ما شفعا فقلت: يقوله الحكم بن عمر والشاري. فقال: لله دره، أنشدني هذا الشعر، فأنشدته: ويلي على من أطار النوم فامتنعا ... وزاد قلبي على أوداجه وجعا كأنما الشمس في أعطافه لمعت ... حسناً أو البدر من أزراره طلعا مستقبل بالذي يهوى وإن كثرت ... منه الذنوب، ومعذور متى صنعا في وجهه شافع يمحو إساءته ... من القلوب، وجيه حيث ما شفعا وفي حدود الثلاث مائة توفي أحمد بن يحيى الراوندي الملحد. وكان يلازم الرافضة والزنادقة، قال ابن الجوزي: كنت أسمع عنه العظائم حتى رأيت في كتبه ما يخطر على قلب أن يقوله عاقل، فمن كتبه: " كتاب نعت الحكمة "، و " كتاب قضب الذهب "، و " كتاب الزمرد "، وقال ابن عقيل: عجبي كيف لم يقتل، وقد صنف " الدامغ " يدمغ به على القرآن، و " الزمردة " يزري به عيب النبوات.

стр. 525

وذكر بعضهم أن له من التصانيف ما ينيف على مائة مصنف. قلت: والمشاهير من أهل الحق ينقلون عنه في كتب الأصول أشياء ينسبونه فيها إلى الزندقة والإلحاد، فلا اعتبار لمن يمدحه بالفضائل كابن خلكان وغيره. إحدى وثلاث مائة فيها قتل أبو سعيد القرمطي، صاحب هجر قتله خادم في الحمام " روادة "، ثم خرج فاستدعى رئيساً من خواض أبي سعيد القرمطي، فقال: السيد يطلبك، فلما دخل قتله، ثم آخر، ثم آخر كذلك، حتى قتل أربعة، يستدعيهم واحدا بعد واحد، ثم صاح النساء، فتكاثر الناس على الخادم، فقتلوه. وكان هذا الملحد قد تمكن وهزم الجيوش، ثم هادنه الخليفة، واسمه الحسن بن بهرام. وفيها سار عبد الله المهدي المتغلب على المغرب على أربعين ألفاً ليأخذ مصر، حتى بقي بينه وبين مصر مسيرة أتام، فحجز أمير مصر النيل، وحال الماء بينه وبين مصر، ثم جرت بينهم وبين جيش المقتدر حروب، فرجع المهدي إلى برقة، بعد أن ملك الإسكندرية والفيوم. وفيها توفي الحافظ العلامة جعفر بن محمد أبو بكر صاحب التصانيف. وكان من أوعية العلم. وفيها توفي الحافظ أبو عبد الله محمد بن يحيى بن منده العبدي الأصبهاني، جد الحافظ الكبير محمد بن إسحاق بن منده. وفيها توفي الأمير علي بن أحمد الراسي، أمير جند نيسابور، وخلف ألف فرس وألف ألف دينار أو نحو ذلك. وفيها توفي البشامي علي بن محمد الشاعر المشهور. كان من أعيان الشعراء ومحاسن الظرفاء لسناً مطبوعاً في الهجاء. قالوا: لم يسلم منه أمير ولا وزير ولا صغير ولا

стр. 526

كبير، حتى وقع ذلك منه في أبيه وإخوته وسائر أهل بيته. ونقلوا في ذلك أشعاراً ومن شعره في غير الهجاء قوله: وكانت بالسراة لنا ليال ... سرقناهن من ريب الزمان جعلناهن تاريخ الليالي ... وعنوان المسرة والأمان ومن قوله في هجاء بعض الكتاب: تعس الزمان لقد أتى بعجاب ... ومحا رسوم الظرف والآداب وأتى بكتاب لو انبسطت يدي ... فيهم رددتهم إلى الكتاب ودخل وزير المعتضد، والمعتضد ينشد هجاء فيه، فلما رآه المعتضد استحيى منه وقال: اقطع لسان ابن بشام. فخرج الوزير مبادراً لقطع لسانه، فاستدعاه المعتضد وقال: اقطع لسانه بالبر والشغل، ولا تعرض له بسوء، فولاه البريد وبعض الأعمال والبشامي نسبة إلى الجد والهجاء الذي دخل الوزير، والمعتضد ينشده هو: قل لأبي القاسم المروزي ... قابلك الدهر بالعجائب مات لك ابن وكان زيناً ... وعاش ذو الشين والمعائب حياة هذا كموت هذا ... فليس تخلو من المصائب يعني بأبي القاسم: أبا الوزير المذكور، وكان قد مات له ابن هو أخو الوزير. والمعنى أن حياة الوزير مصيبة، كما أن موت أخيه مصيبة. وفيها توفي الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن جعفر، المعروف بابن الفرات وكان وزير بني الأختل بمصر مدة إمارة كافور، وبعد وفاة كافور. وكان عالماً ومحباً للعلماء، وحدث عن محمد بن هارون الحضرمي وطبقته، وعن جماعة آخرين، وكان يملي الحديث بمصر، وهو وزيره، وقصده الأفاضل من البلدان الشاسعة، وبسببه سار الحافظ الحسن الدارقطني من العراق إلى مصر، ولم يزل عنده حتى فرغ من تأليف مسند، وله تأليف في أسماء الرجال والأنساب وغير ذلك. ومدحه المتنبي مع كافور، وكان كثير الخير أهل الحرمين. واشترى بالمدينة داراً ليس بينها وبين الضريح النبوي سوى جدار واحد وأوصى أن يدفن فيها، وقرر مع الأشراف ذلك، ولما مات حمل تابوته، وخرجت الأشراف إلى لقائه وفاء بما أحسن إليهم، وحجوا به وطافوا، ووقفوا، ثم ردوه إلى المدينة، ودفنوه بالدار المذكور، وقيل: دفن بالقرافة، وعلى قبره مكتوب اسمه.

стр. 527

أثنتين وثلاث مائة فيها عاد المهدي إلى الإسكندرية، فوقعت وقعة كبيرة، قتل فيها نائبه، فرداً إلى القيروان. وفيها أخذت طيىء الركب العراقي، وتمشرق الوفد في البرية، وأسروا من النساء مائتين وثمانين. وفيها توفي العلامة فقيه المغرب أبو عثمان بن حداد الإفريقي المالكي. أخذ عن سحنون وغيره. برع في العربية والنظر. ومال إلى مذهب الشافعي، وجعل يسمي المدونة المزورة، فهجره المالكية، ثم أحبوه لما قام على أبي عبد الله السيفي، وناظره ونصر السنة. وفيها توفي العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الأصبهاني، إمام جامع أصبهان، أحد العباد والحفاظ. ثلاث وثلاث مائة فيها توفي الحافظ أحد الأئمة الأعلام، صاحب المصنفات، أبو عبد الرحمن أحمد بن علي النسائي، إمام عصره في الحديث، وله كتاب السنن وغيره، سكن مصر وانتشرت بها تصانيفه، وأخذ عنه الناس، وخرج إلى دمشق، فسئل عن معاوية وما روى من فضائله فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأساً برأس حتى يفضل؟. وفي رواية أخرى: ما أعرف له فضيلة إلا: لا أشبع بطنك. وكان يتشيع، فما زالوا يدفعون في خطبته حتى أخرجوه من المسجد. وفي رواية أخرى: يدفعون في خطبته، وداسوه، ثم حمل إلى الرملة فمات بها. وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: لما امتحن النسائي بدمشق قال: احملوني إلى مكة، فحمل إليها فتوفي بها. وهو مدفون بين الصفا والمروة، وقال الحافظ أبو نعيم: لما داسوه بدمشق مات بسبب ذلك الدوس وهو مقتول. قال: وكان قد صنف " كتاب الخصائص " في فضل علي رضي الله تعالى عنه، وأهل البيت. فقيل له: ألا تصنف كتاباً في فضائل الصحابة؟. فقال: دخلت دمشق، والمتحرف عن علي كثير، فأردت أن يهديهم الله تعالى بهذا الكتاب، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان موصوفاً بكثرة الجماع.

стр. 528

قال الحافظ ابن عساكر: كان له أربع زوجات، يقسم لهن وجواري، وقال الدارقطني: أدرك الشهادة، وتوفي بمكة ونسبته إلى نسا مدينة بخراسان. وفيها توفي الحافظ الكبير أبو العباس الحسين بن سفيان الشيباني بفقه على أبي ثور. وكان يفتي بمذهبه قال الحاكم: كان محدث خراسان في عصره، مقدماً بالثبت والكثرة والفهم والأدب. وفيها توفي أبو علي الجبائي، محمد بن عبد الوهاب، شيخ المعتزلة. وفيها توفي يموت بن المزرع بن يموت العبدي البصري، قال الخطيب هو ابن أخت أبي عثمان الجاحظ، قدم يموت المذكور بغداد في سنة إحدى وثلاث مائة، وهو شيخ كبير، وحدث بها عن أبي عثمان المازني، وأبي حاتم السجستاني، وجماعة كثيرة. وروى عنه أبو بكر الخرائطي، وأبو بكر بن مجاهد المقرىء، وأبو بكر الأنباري وغيرهم. وكان أديباً أخبارياً، وله ملح ونوادر، وكان لا يعود مريضاً خوفاً من أن يتطير من اسمه، ويقول: بليت بالأسم الذي سماني به أبي فإذا عدت مريضاً فاستأذنت عليه، فقيل: من هذا؟ قلت: أنا ابن المزرع، وأسقطت اسمي. وقيل إنه كان قد سمى نفسه محمداً، ومدحه منصور بن الضرير فقال: أنت تجيء والذي ... يكره أن تجيء يموت أنت ضوء النفس بل ... أنت لروح النفس قوت أنت للحكمة بيت ... لا خلت منك البيوت ومن أخباره ما رووه عن الأصمعي قال: كنت عند الرشيد، وقد أتي بعبد الملك صالح الباسي، وهو يرفل في قيوده. فلما نظر الرشيد إليه قال: هيه يا عبد الملك كأني والله أنظر إلى شؤبوبها قد همع وإلى عارضها قد تبلع، وكأني بالوعيد أقلع عن براجم بلا عاصم، ورؤوس بلا عاصم، مهلاً مهلاً بني هاشم، فتى والله سهل لكم الوعر، وصفى الكدر، وألقت إليكم الأمور أزمتها، فخذوا حذاركم مني قبل حلول داهية، خيوط باليد والرجل. قال عبد الملك: أفرداً أتكلم أم توأماً؟ فقال: بل توأماً، فقال: اتق الله يا أمير المؤمنين

стр. 529

فيما ولآك، وراقبه في رعاياك التي استرعاك، فقد سهلت والله لك الوعور، وجمعت على خوور، ورجا بك الصدور. وكنت كما قال أخو جعفر بن كلاب: ومقام ضيق فرجته بلسان وبيان، وجدل لو يقوم القيل أو قياك في مقام كمقامي لرجل، أو قال: نفسك فأراد يحيى بن خالد البرامكي أن يضع مقدار عبد الملك عند الرشيد فقال له: بلغني أنك حقود، فقال عبد الملك: إن يكن الحقد هو بقاء الخير والشر عندي فإنهما لباقيان في قلبي، قال. الأصمعي: فالتفت الرشيد إلي وقال: يا أصمعي، والله لو نظرت إلى موضع السيف من عنقه مراراً، يمنعني من ذلك إبقائي على قومي في مثله. ومما روى يموت أيضاً أن أحمد بن محمد بن عبد الله المعروف بابن المدبر الكاتب أن إذا مدحه شاعر، ولم يرض شعره قال لغلامه: امض به إلى المسجد ولا تفارقه حتى يصلي مائة ركعة، ثم أطلقه. فتحاماه الشعراء من الأفراد المجيدين، فجاءه أبو عبد الله الحسن بن عبد السلام المعروف بالجمل، فاستأذنه في النشيد فقال: قد عرفت الشرط؟. قال: نعم، ثم أنشده. أردنا في أبي حسن مديحاً ... كما بالمدح ينتجع الولاة فقلنا: أكرم الثقلين طراً ... ومن كفاه دجلة والفرات فقالوا: يقبل المدحات لكن ... جوائزه عليهن الصلاة فقلت لهم: وما تغني صلاتي ... عيالي إنما الشأن الزكاة فتأمرني بكسر الصاد منها ... وتصبح لي الصلاة هي الصلات فضحك ابن المدبر واستطرفه، وقال: من أين أخذت هذا؟ فقال: من قول أبي تمام الطائي: هن الحمام وإن كسرت عناقه ... من جابهن فإنهن حمام فاستحسن ذلك، وأحسن صلته، وحدث ابن المزرع أيضاً عن خاله أبي عثمان الجاحظ أنه قال: طلب المعتصم جارية كانت لمحمود بن الحسن الشاعر المعروف بالوراق وكانت تسمى بشنوى، وكان شديد الغرام بها، وبذل في ثمنها سبعة آلاف دينار، فامتنع محمود من بيعها، لأنه كان يهواها أيضاً. فلما مات محمود بيعت الجارية للمعتصم تركته بسبعمائة دينار، فلما دخلت عليه قال لها: كيف رأيت تركتك حتى اشتريتك من سبعة آلاف دينار بسبعمائة دينار؟. فقالت: أجل. إذا كان الخليفة ينتظر لشهواته المواريث فإن سبعين ديناراً لكثيرة في ثمني، فضلاً عن سبعمائة، فخجل المعتصم. وقال ابن المزرع: حدثني من رأى قبراً بالشام عليه مكتوب: لا يغترن أحد بالدنيا،

стр. 530

فإني ابن من كان يطلق الريح إذا شاء ويحبسها. وبحذائه قبر عليه مكتوب: كذب الماص بظر أمه. لا يظن أحد أنه ابن سليمان بن داود ﵇، إنما هو حداد يجمع الريح في الزق، ثم ينفخ بها الجمر.. قال: فما رأيت قبرين قبلهما يتشابهان. قلت: وفي هذا المعنى خطر لي وقت وقوفي عليه إنشاء بيت على طريق اللغز معيراً بارتحاله عن لسان حاله نائباً عنه في مقاله: أنا ابن الذي للريح يمسك إن يشا ... ويرسلها إن شاء للنفع ثارها ومما يناسب هذا مقال اثنين، مشهور لغزهما، ضمنته نظماً وآخرين اخترتهما لغزاً لفظاً ومعنى، وعن لغز الأربعة أشرت في بعض القصيدات بهذه الأبيات. من اللغز قول اثنين كل مجاوب ... لبعض ولاة ناظماً مترفعاً أنا ابن الذي ذلت رقاب الورى له ... ومخزومها منهم وهاشمها معا إلى نحوها تأتي لأمر مطيعة ... فمرد بها والمال يأخذ خضعا وقال الفتى الثاني له في جوابه ... وقد شام برق المجد من ذاك شعشعا أنا ابن الذي لا ينزل الأرض قدره ... وإن نزلت تغلو وتعلا بمشبعا ترى الناس أفواجاً إلى ضوء ناره ... وقد ملؤوا الرحب الفسيح الموسعا وخذ ثالثاً قال اعتز متفاخراً ... لمجد وجد كي يصان ويرفعا أنا ابن الفتى دباج كل سمينة ... ومزهق أرواح تماض مصرعا ومفن بشجعان القرون محصنا ... لسفرك أقران التسفك ضجعا ورابعهم قال افتخار أمنا هيا ... بأصل وفصل للسناء متطلعا أنا ابن الذي يكسو الأنام صنيعه ... بها وزينا من له الغير صنعا يوصل وقطع مبرم في فعاله ... لما لم يصل في الدهر غير ويقطعا عن الأولين استنجزوا وترحلوا ... وقد سمعوا المجد الأثيل المرفعا فقيل ابن حجام وطباخ اعتزل ... إلى المجد كل باحتيال ليخدعا وقل ثالثاً يحل الجزار فرية ... ومن حائك من للثلاثة ربعا أعني أن الأولين وردا على بعض الولاة، فسألهما عن أصلهما، فأجابا بالجوابين المذكورين اللذين بين كثير من الناس مشهورين. ثم عبرت عن مقالهما بنظمي المذكور، ثم أنشأت على وجه الإختراع لغزاً لإثنين آخرين ليس له عند أحد من الناس سماع، وأشرت إلى ذلك بقولي: " وخذ ثالثاً إلى الآخر "، ثم أوضحت وصف الأربعة يكون الأولين ابني حجام وطباخ، والآخرين ابني جزار وحائك. وقصيدتي المذكورة هي الموسومة بنزهة النطار، مشتملة على ستة من العلوم، ثم شرحتها شرحاً موسوماً بمنهل الفهوم المروي من صدى
следующие страницы →