Полный текст (1 334 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
وأما من حيث النسب، فلما ذكروا أن المغربي أزدي، والمشرقي حكمي، ولعل ابن هانىء المغربي المذكور وهو الذي وقع بينه وبين المتنبي ما يحكى من القصة العجيبة عنده وصوله إلى قابس لمدح صاحب الإفريقية. وقد ذكرتهما في آخر علم البديع من كتاب منهل المفهوم في شرح ألسنة العلوم فإن الشاعر الذي ذكروا أنه رد المتنبي عن ملاقاة صاحب الأندلس، ومدحه بالجملة التي ذكرها داهية في المكر، فإنه حكى أن المتنبي لما خيم بإزاء قصره في زي أمير في الحشمة والغلمان والخدم والخيل والأتباع والحشم، فزع صاحب قابس من ذلك، وسأل عنه، فلما قيل له: إنه شاعر أتى ليمدحك، كره ذلك وقال: أي شيء يرضي صاحب هذه الهيئة، ويقنعه من الجائزة؟ فقال شاعره أنا أرده عنك، وغالب ظني أنهم قالوا إنه ابن هانىء، فقال له. بأي وجه ترده عني. فقال: بوجه جميل، فقال: افعل فأخذ شاة رديئة ولبس لباس بدوي، وجعل يقود الشاة متوجهاً إلى جهة منزل المتنبي، وهو في مخيم كأنه مخيم أمير، فلما قرب منه قال: طرقوا إلى الأمير، فصاروا يضحكون عليه، ويتعجبون منه. فلما وصل إليه وهو يقود الشاة في تلك الهيئة التي اتصف هو وشاته بها ضحك منه، هو ومن حوله، وقال له: ما هذه الشاة؟ قال: هذه جائزتي من الملك. قال: جائزة؟ فال: نعم، قال: جائزة علام ذا. قال: على مدحي له. فتعجب من ذلك وقال: عسى أن تكون جائزته على قدر مدحه، ثم قال له: أسمعني مدحك له، كيف قلت فيه؟ قال: قلت:
ضحك الزمان وكان قدماً عابساً ... لما فتحت يجد عزمك قايسا
أنكحتها عذراء وما أمهرتها ... إلا فتى وصوارماً وفوارسا
من كان بالسمر العوالي خاطباً ... جلبت له بيض الحصون عرائسا
فتحير المتنبي عند سماع شعره وقال: أنا ما أقدر أقول مثل هذا الذي أجازك عليه بهذه الشاة، فارتحل راجعاً من حيث جاء، هكذا حكى لي بعض أهل الخير ممن له إلمام ومعرفة ببعض الشعراء من جهة المغرب، أو ما يقرب منها، بهذا اللفظ أو ما يقرب منه معناه. ولكن ما رأيت أحداً من المؤرخين ذكر للمتنبي دخولاً إلى بلاد المغرب. والله أعلم.
ثلاث وستين وثلاث مائة
فيها ظهر ما كان المطيع يستره من الفالج، فثقل لسانه، فدعا حاجب السلطان
стр. 632
عز الدولة إلى خلع نفسه، وتسليم الخلافه لولده الطائع لله، ففعل ذلك، وأتيت على خلعه قاضي القضاة.
وفيها أقيمت الدعوة بالحرمين للمعز العبيدي، وقطعت خطبة بني العباس، ولم يحج ركب العراق لأنهم وصلوا إلى بعض الطريق، فرأوا هلال ذي الحجة، وأعلموا أن الماء معدوم قدامهم، فعدلوا إلى مدينة النبي ﵌ فزاروا، ثم رجعوا.
وفيها توفي الحافظ أبو الحسين الشهيد محمد بن أحمد بن سهل الرملي، سلخه صاحب مصر المعز، وكان قد قال: لو كان معي عشرة أسهم لرميت الروم بسهم ورميت بني عبيد بتسعة، فبلغت القائد جوهراً، فلما ظفر به قرره، فاعترف وأغلظ لهم، فقتلوه، وكان عابداً صالحاً زاهداً قوالاً بالحق.
وفيها توفي الحافظ محدث الشام أبو العباس محمد بن موسى السمسار الدمشقي.
وفيها توفي صاحب المعز العبيدي وقاضيه النعمان بن محمد، المكنى بأبي حنيفة، كان من أوعية العلم والفقه والدين والنقل، على ما لا مزيد عليه، كذا ذكر بعض المؤرخين وغير ذلك، وذكر بعض المؤرخين أنه كان في غاية الفضل من أهل القرآن، والعلم بمعانيه، وعالماً بوجوه الفقه، وعلم اختلاف الفقهاء واللغة والشعر والمعرفة بأيام الناس، مع عقل وإنصاف، وألف لأهل البيت من الكتب آلاف أوراق بأحسن تأليف، وأملح أسجع، وعمل في المناقب والمثالب كتاباً حسناً، وله ردود على المخالفين لأبي حنيفة ومالك والشافعي وابن شريح وكتاب اختلاف الفقهاء ينتصر فيه لأهل البيت، وقصيدة فقهية. وكان ملازماً صحبة المعز، ووصل معه إلى الديار المصرية أول دخوله إليها من إفريقية، ولما مات صلى عليه المعز.
أربع وستين وثلاث مائة
فيها أو بعدها ظهرت العيارون واللصوص ببغداد، واستفحل شرهم حتى ركبوا الخيل، وتلقوا بالقواد، وأخذوا الضريبة من الأسواق والدروب، وعم البلاء وفيها قطعت خطبة الطائع لله ببغداد خمسين يوماً، فلم يخطب لأحد، لأجل شعث وقع بينه وبين عضد الدولة عند قدومه العراق، فإن عضد الدولة قدم من شيراز، فأعجبته مملكة العراق فاستمال الأمراء، وجرت أمور يطول ذكرها.
стр. 633
وفيها توفي الحافظ أبر بكر ابن السني الدينوري، صاحب كتاب عمل اليوم والليلة، رحل وكتب الكثير، وروى عن النسائي وأبي حنيفة وطبقتهما، وبينما هو يكتب، وضع القلم، ورفع يديه يدعو الله تعالى، فمات.
وفيها توفي المطيع لله الفضل بن المقتدر: جعفر بن المعتضد العباسي. والأمير جعفر بن علي بن أحمد بن حمدان الأندلسي، كان شيخاً كثير العطاء مؤثراً لأهل العلم، وفيه يقول الشاعر محمد بن هانىء الأندلسي:
المدنقان من البرية كلها ... جسمي وطرف بابلي أجور
والمشرقات النيرات ثلاثة ... الشمس والقمر المنير جعفر
قلت وقوله هذا استقي من منهل الشاعر، ويستدل بنجوم نظمه الزواهر في قوله:
هو في آفاق الأسهار سائر ... ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها
شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
خمس وستين وثلاث مائة
فيها توفي الشيخ الكبير إسماعيل بن نجيد الإمام النيسابوري، شيخ الصوفية بخراسان، أنفق أمواله على الزهاد والعلماء، وصحب الجنيد وأبا علي عثمان الحيري، وسمع إبراهيم بن محمد البوشنجي، وأبا مسلم الكجي وطبقتهما، وكان صاحب أحوال ومناقب.
وفيها توفي الحافظ أحد أركان الحديث أبو علي الماسرجسي، رحل إلى العراق ومصر والشام. قال الحاكم: هو سفينة عصره في كثير الكتاب، صنف المسند الكبير مذهباً معللاً، جمع حديث الزهري جمعاً لم يسبق إليه، وكان يحفظه مثل الماء. وصنف كتاباً على البخاري وآخر على مسلم.
وفيها توفي الحافظ الكبير أبو أحمد عبد الله بن محمد بن القطان الجرجاني، مصنف الكامل في الجرح.
стр. 634
وفيها توفي الحاكم أبو عبيد الله وفي ست وستين عند السمعاني، وفي ست وثلاثين عند الشيخ أبي إسحاق الشيرازي.
وفيها توفي الإمام النحرير الفاضل الشهير المعروف بالقفال الكبير، الشاشي، الفقيه الشافعي، إمام عصره بلا منازع، وفريد دهره بلا مدافع، صاحب المصنفات المفيدة والطريقة الحميدة. كان فقيهاً محدثاً أصولياً لغوياً شاعراً، لم يكن بما وراء النهر للشافعيين مثله في وقته، رحل إلى خراسان والعراق والحجاز والشام والثغور، وأخذ الفقه عن ابن سريج، وهو أول من صنف الجدل الحسن من الفقهاء، وله كتاب في أصول الفقه، وله شرح الرسالة، وعنه انتشر مذهب الشافعي في بلاده روى عن أكابر من العلماء. منهم: الإمامان الكبيران محمد بن جرير الطبري، وإمام الأئمة محمد بن خزيمة وأقرانهما، وروى عنه جماعة من الكبار، منهم: الحاكم، وأبو عبد الله بن منذر، وأبو عبد الرحمن السلمي وغيرهم.
قلت وهذا القفال الشاشي المذكور، قد يثبه على بعض الناس بقفال وشاشي آخرين، وها أنا ذا أوضح ذلك أيضاً بالغاً مما أوضحت ذلك في نظيره في الثلاثة النحويين المسمين بالأخفش.
اعلم أنهم ثلاثة قفال شاشي: وهو هذا، وقد ذكرنا عن من أخذ ومن أخذ عنه، وهو والد القاسم صاحب كتاب " التقريب "، وقيل إنه صاحب " كتاب التقريب " لا ولده، وللشك في ذلك يقال: قال صاحب التقريب، وأبو حامد الغزالي قال في كتاب الرهن: لما ذكر صاحب التقريب قال: أبو القاسم، فغلطوه في ذلك وقالوا: صوابه القاسم، والتقريب المذكور قليل الوجود في أيدي الناس، وهناك تقريب آخر يكثر وجوده في أيدي الناس، وهو لسليم، وبه تخرج فقهاء خراسان. والشاشي بشينين معجمتين بينهما ألف نسبة إلى الشاش مدينة وراء النهر سيحون - خرج منها جماعة من العلماء.
وإذا علم أن القفال هو الشاشي، فاعلم أن هناك قفالاً آخر شاشي وشاشياً، غير قفال. وثلاثتهم يكنون بأبي بكر، ويشترك اثنان منهم في اسمهما دون اسم أبيهما، واثنان في اسم أبيهما. فالقفال غير الشاشي هو القفال المروزي، وهو عبد الله بن أحمد، وعنه أخذ القاضي حسين والشيخ أبو محمد الجويني وولده إمام الحرمين. وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في سنة سبع عشرة وأربع مائة.
стр. 635
والشاشي غير القفال هو فخر الإسلام محمد بن أحمد، مصنف المستظهري شيخ الشافعية في زمانه. تفقه على محمد بن بنان الكازروني، ثم لزم الشيخ أبا إسحاق وابن الصباغ ببغداد، وصنف وأفتى، وولي تدريس النظامية، ودفن عند الشيخ أبي إسحاق، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في سنة سبع وخمسمائة التي توفي فيها. فهذا الكلام فيهم قد أوضحته جداً حتى عن حد البيان تعدى. والقفال الشاشي المذكور في سنة خمس وستين وثلاثمائة، المذكور صاحب وجه في المذهب، وممن نبه على الخلاف في أن كتاب التقريب له أو لولده الإمام العجلي، وشرح مشكلات الوجيز والوسيط، ذكر ذلك في " كتاب التيمم ".
قلت: وإنما بسطت الكلام في هذا، وخرجت إلى الإسهاب الخارج عن مقصود الكتاب، لاحتمال أنه اتفق عليه من يحتاج إليه من الفقهاء. ونسأل الله تعالى التوفيق وسلوك الطريق الصواب.
وقال الحليمي: كان شيخنا القفال أعلم من لقيته من علماء عصره، وفي وفاته اختلاف.
وفيها توفي المعز لدين الله: أبو تميم معد بن المنصور إسماعيل بن القائم بن المهدي العبيدي، صاحب المغرب والديار المصرية. ولما افتتح مولاه جوهر سجلماسة مع فاس، وسعه إلى البحر المحيط، وخطب له في بلاد المغرب، وبلغه موت كافور الاخشيذي صاحب مصر، جهز جوهر المذكور الجيوش والأموال، قيل خمسمائة ألف دينار، أنفقها على جميع قبائل المغرب حتى البربر، فأخذ الديار المصرية، وبنى مدينة القاهرة المغربية، وكان مستظهراً للتشيع، معظماً لحرمة الإسلام، حليماً كريماً، وقوراً حازماً سرياً، يرجع إلى إنصاف مجرى الأمور على أحسن أحكامها. ولما كان منتصف شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، وصلت البشارة بفتح الديار المصرية، ودخول عساكره إليها، وانتظام الحال بمصر والشام والحجاز، وإقامة الدعوة له بهذه المواضع، فسر بذلك سروراً عظيماً، واستخلف على إفريقية، وخرج متوجهاً إلى ديار مصر بأموال جليلة المقدار، ورجاء عظيمة الأخطار، فدخل الإسكندرية لست بقين من شعبان من سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، وركب فيها ودخل الحمام. وقدم عليه قاضي مصر أبو طاهر، وأعيان أهل البلاد، وسلموا عليه، وجلس لهم عند المنارة، وخاطبهم بخطاب طويل يخبرهم أنه لم يرد فيه بدخول مصر لزيادة مملكته وللمال، وإنما أراد إقامة الحج والجهاد، وأن يختم عمره بالأعمال الصالحة،
стр. 636
ويعمل بما أمره به جده ﵌. ووعظهم حتى بكى بعض الحاضرين، وخلع على القاضي وبعض الجماعة، وحملهم، ثم ودعوه وانصرفوا. ورحل منها في أواخر شعبان، ونزل يوم السبت ثاني شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة على جزيرة ساحل مصر، فخرج إليه القائد جوهر، وترجل عند لقائه، وقبل الأرض بين يديه، وأقام هناك ثلاثة أيام، ثم رحل ودخل القاهرة، ولم يدخل مصر، وكانت قد زينت له، وظنوا أنه يدخلها وأهل القاهرة لم يستعدوا للقائه لظنهم أنه يدخل مصر أو لا يدخلها ولما دخل القاهرة دخل القصر، ثم دخل مجلساً منه، وخر فيه ساجداً لله ، ثم صلى فيه ركعتين، وانصرف الناس عنه، وفي يوم الجمعة لثالث عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة أربع وستين وثلاثمائة، عزل المعز القائد جوهراً عن داود بن مصر وجباية أموالها ومما ينسب إلى المعز من الشعر:
لله ما صنعت بنا تلك المحاجر ... أمضى وأقضى في النفوس من الحناجر
ولقد تعبت بينكم تعب المهاجر في الهواجر
وكانت ولادته بالمهدية يوم الاثنين حادي عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وتوفي يوم الجمعة الحادي عشر من شهر ربيع الآخر، من السنة المذكورة بالقاهرة المشهورة.
ست وستين وثلاثمائة
فيها حجت جميلة بنت الملك ناصر الدولة بن حمدان، وصار حجها يضرب به المثل، فإنها أغنت المجاورين، وقيل كان معها أربعمائة كجاوة لا يدرى في أيها هي، لكونهن كلهن في الحسن والزينة يشتبهن، ونثرت على الكعبة لما دخلتها عشرة آلاف دينار.
وفيها مات ملك القرامطة الحسن بن أحمد بن أبي سعيد القرمطي، الذي استولى على أكثر الشام، وهزم جيش المعز، وقتل قائدهم جعفر بن فلاح، وذهب إلى مصر، وحاصرها شهراً قبل مجيء المعز، وكان يظهر الطاعة للطائع لله، وله شعر وفضيلة، ولد بالأحساء ومات بالرملة.
وفيها توفي ابن المرزبان أبو الحسن علي بن أحمد البغدادي الفقيه الشافعي، كان فقيهاً ورعاً من جملة العلماء. أخذ الفقه عن أبي الحسن بن القطان، وعنه أخذ الشيخ أبو حامد الأسفراييني أول قدومه بغداد.
стр. 637
وحكي عنه أنه قال: ما أعلم أن لأحد علي مظلمة. ومفهومه أنه لم يغتب أحداً. إذ الغيبة من جملة المظالم. درس ببغداد، وله وجه في المذهب الشافعي، ومعنى المرزبان بكسر الراء وضم الزاي: صاحب الجد، وهو لفظ فارسي، في الأصل اسم من كان دون الملك.
وفيها توفي المستنصر بالله أبو مروان صاحب الأندلس عبد الرحمن بن محمد الأموي المرواني. وكان مشغوفاً بجمع الكتب والنظر فيها، بحيث أنه جمع منها ما لم يجمعه أحد قبله ولا بعده حتى ضاقت خزائنه.
وفيها توفي القاضي الفقيه الفاضل أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني الشافعي. كان فقيهاً أديباً شاعراً، ذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب " طبقات الفقهاء " وقال: له ديوان شعر، وهو القائل:
يقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما
من قصيدة له طويلة، وذكره الثعالبي في كتاب يتيمة الدهر فقال: هو فرد الزمان، ونادرة الفلك، وإنسان حدقة العلم، وقبة تاج الأدب، وفارس عسكر الشرع، مجمع خط ابن مقلة إلى نثر الجاحظ، ونظم البحتري. وقد كان في صباه اقتبس من العلوم والأدب، ما صار به في العلوم علماً وفي الكمال عالماً، ومن شعره:
وقال توصل بالخضوع إلى الغنى ... وما علموا أن الخضوع هو الفقر
وبيني وبين الحال شبان حرما ... علي الغنى: نفس الأبية والفقر
إذا قيل هذا اليسر أبصرت دونه ... مواقف خير من وقوفي بها الضرر
وله في الصاحب بن عباد:
ولا ذنب للأفكار أنت تركتها ... إذا احتشدت لم تنتفع باحتشادها
سبقت بأفراد المعاني وألفت ... خواطرك الألفاظ بعد شرادها
فإن نحن حاولنا اختراع بديعة ... حصلنا على مسروقها ومعادها
وله فيه يهنئه بالعافية:
وفي كل يوم للمكاره روعة ... لها في قلوب المكرمات وجيب
تقسمت العلياء جسمك كله ... فمن أين للأسقام فيك نصيب
إذا ألمت نفس الوزير تألمت ... لها أنفس تحيى بها وقلوب
стр. 638
وله:
ما تطعمت لذة العيش حتى ... صرت للبيت والكتاب جليسا
ليس شيء أعز عندي من العلم ... فما أبتغي سواه أنيسا
إنما الذل في مخالطة الناس ... فدعهم وعش عزيزا رئيسا
قال ابن خلكان: وشعره كثير، وطريقه سهل، وله " كتاب الوساطة " بين المتنبي وخصومه، أبان فيه من فضل عزيز، وإطلاع كثير، ومادة متوفرة.
وفيها توفي الرجل الصالح المقرىء أبو الحسن محمد النيسابوري السراج. قال الحاكم: قل من رأيت أكثر اجتهاداً وعبادة منه. توفي يوم عاشوراء ﵀.
سبع وستين وثلاثمائة
فها توقني الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبو القاسم النصرأباذي، شيخ الصوفية والمحدثين في خراسان صحب الشبلي وأبا علي الروذباري، وسمع ابن خزيمة وابن صاعد وكان صاحب فنون من الفقه والحديث والتاريخ وعلم سلوك الصوفية. وحج وجاور بمكة سنتين، ومات بها قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي: سمعت أبا القاسم النصرأباذي يقول: إذا بدا لك شيء من بوادي الحق، فلا تلتفت معه إلى جنة، ولا إلى نار، فإذا رجعت عن تلك الحال، فعظم ما عظمه الله تعالى.
وقيل أن بعض الناس يجالس النسوان، ويقول: أنا معصوم في رؤيتهن، فقال: ما دامت الأشباح باقية فالأمر والنهي باق أو قال: باقيان والتحليل والتحريم مخاطب به.
وقال: التصوف ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع، وتحريم حرمات المشايخ، وروية أعذار الخلق، والمداومة على الأوراد، وترك ارتكاب الرخص والتأويلات.
وفيها توفي معز الدولة الديلمي، والغضنفر عمدة الدولة ابن الملك ناصر الدولة بن حمدان.
وفيها توفي القاضي محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن قريعة " بضم القاف وفتح الراء وسكون الياء المثناة من تحت وبعدها عين مهملة " البغدادي قاضي السندية " بكسر
стр. 639
السين والدال المهملتين وسكون النون بينهما وتشديد الياء المثناة من تحت وبعدها هاء " وهي قرية بين بغداد والأنبار، وينسب إليها سندواني، ليحصل الفرق بين هذه النسبة والنسبة إلى بلاد السند المجاورة لبلاد الهند.
وقال ابن خلكان: وكان من أحد عجائب الدنيا في سرعة البداهة بالجواب في جميع ما يسأل عنه، في أصح لفظ وأملح سجع، وله مسائل وأجوبة مدونة في كتاب مشهور بأيدي الناس. وكان رؤساء ذلك العصر وفضلاؤه يلاعبونه، ويكتبون إليه بالمسائل الغريبة المضحكة، فيكتب الجواب، من غير توقف ولا تلبث، مطابقاً لما سألوه، وكان الوزير أبو محمد المهلبي، يغري به جماعة يضعون له من الأسئلة الهزلية على معان شتى من النوادر الظريفة، ليجيب عنها بتلك الأجوبة.
فمن ذلك ما كتبه إليه العباس بن المعلى الكاتب، ما يقول القاضي وفقه الله تعالى في يهودي زنى بنصرانية، فولدت ولداً جسمه للبشر، ووجهه للبقر وقد قبض عليها فيما يرى القاضي فيهما؟ فكتب جوابه بديهاً، هذا من أعدل الشهود على الملاعين اليهود بأنهم أشربوا حب العجل في صدورهم؟ حتى خرج من أيورهم، وأرى أن يناط برأس اليهود رأس العجل، ويصلب على عنق النصرانية الساق مع الرجل، ويسحبا على الأرض، وينادى عليهما: ظلمات بعضها فوق بعض والسلام.
ولما قدم الصاحب بن عباد إلى بغداد، حضر مجلس الوزير أبي محمد المهلبي وكان في المجلس القاضي أبو بكر المذكور فرأى من ظرفه وسرعة أجوبته مع لطافتها ما عظم تعجبه، فكتب الصاحب إلى أبي الفضل بن العميد كتاباً يقول فيه: وكان في المجلس شيخ خفيف الروح يعرف بالقاضي ابن قريعة، جاراني في مسائل خفتها، يمنع من ذكرها، إلا أني استظرفت من كلامه، وقد سأله كهل بيطار بحضرة الوزير أبي محمد عن حد القفاء، فقال: ما اشتمل عليه جربانك، ومازحك فيه إخوانك، وأدبك فيه سلطانك، وباسطك فيه غلمانك، فهذه حدود أربعة وجميع مسائله على هذا الأسلوب، وقوله: جربانك " هو لفظ فارسي بضم الجيم والراء وتشديد الموحدة وبالنون بين الألف والكاف ": لينة الثوب، وهي: الخرقة العريضة التي فوق القب تستر القفا. قال ابن خلكان: ولولا خوف الإطالة لذكرت جملة منها، وقد سرد محمد بن شرف القيرواني الشاعر المشهور، في كتابه الذي سقاه " أبكار الأفكار " عدة مسائل، وجواباتها من هذه المسائل.
وفيها توفى ابن قوطية محمد بن عمر الأندلسي. كان منا أعلم زمانه باللغة
стр. 640
والعربية، وكان مع ذلك حافظاً للحديث والفقه والخبر والنوادر، راوياً للأشعار والآثار، لا يلحق شاوه، ولا يشق غباره، روى عنه الشيوخ والكهول. وكان قد لقي مشايخ عصره بحضرة الأندلس، وأخذ عنهم، وصنف الكتب المفيدة في اللغة، منها كتاب " تصاريف الأفعال " وهو الذي فتح هذا الباب، فجاء من بعده ابن القطاع، ولقد أعجز من يأتي بعده وفاق من تقدمه، وكان مع هذه الفضائل من العباد النساك، وكان جيد الشعر، صحت الألفاظ واضح المعاني، حسن المطالع والمقاطع، إلا أنه ترك ذلك ورفضه.
حكى الأديب الشاعر يحيى بن هذيل التميمي أنه توجه يوماً إلى ضيعة له بسفح جبل قرطبة، وهي من بقاع الأرض الطيبة المونقة، فصادف ابن القوطية المذكور صادراً عنها وكانت له أيضاً هناك ضيعة، قال: فلما رآني خرج علي واستبشر بلقائي، فقلت له على البداهة مداعباً له:
من أين أقبلت يا من لا شبيه له ... ومن هو الشمس، والدنيا له فلك
قال فتبسم وأجاب بسرعة:
من منزل يعجب النساك خلوته ... وفيه ستر على الفتاك إن فتكوا
قال: فما تمالكت أن قبلت يده، إذ كان شيخي، ومجدته، ودعوت له و " القوطية " " بضم القاف وسكون الواو وكسر الطاء المهملة وتشديد المثناة من تحت وبعدها هام " جدة جد نسبة إلى قوط بن حام بن نوح ﵇، وقوط أبو السودان والهند والسند، وكانت القوطية المذكورة وفدت إلى هشام بن عبد الملك في الشام متظلمة من عمها، فتزوجها عيسى بن مزاحم، وسافر بها إلى الأندلس.
ثمان وستين وثلاثمائة
فيها توفي أبو سعيد الحسين بن عبيد الله. وقال بعضهم: ابن عبد الله بن المرزباني السيرافي النحوي. كان من أعلم الناس بنحو البصريين، وشرح كتاب سيبويه، وأجاد فيه، وشرح مقصورة ابن دريد، وله تصانيف أخرى، وتصدر لإقراء القراءات والنحو واللغة والفقه والفرائض والحساب والكلام والشعر والعروض والقوافي، وكان نزهاً عفيفاً جميل
стр. 641
السيرة حسن الأخلاق، رأساً في النحو، قرأ القراءات على ابن مجاهد، واللغة على ابن دريد، والنحو على ابن السراج. وكان ورعاً يأكل من النسخ، وينسخ الكراس بعشرة دراهم لبراعة خطه. يذكر عنه الاعتزال، ولم يظهر منه، والله أعلم به، وكان كثيراً ما ينشد في مجلسه.
أسكن إلى سكن تسربه ... ذهب الزمان وأنت منفرد
ترجو غداً وغدا كحاملة ... في الحي لا يدرون ما تلد
وكان بينه وبين أبي الفرج صاحب الأغاني ما جرت به العادة من التنافس بين الفضلاء، فعمل فيه أبو الفرج شعراً ذكره ابن خلكان كرهت ذكره: والسيرافي بكسر السين المهملة وسكون الياء المثناة من تحت وبعد الراء والألف فاء نسبة إلى مدينة سيراف.
وفيها توفي الشيخ الزاهد العائد أبو أحمد محمد بن عيسى النيسابوري، راوي صحيح مسلم عن ابن سفيان. قال الحاكم: هو من كبار عباد الصوفية، يعرف مذهب سفيان وينتحله.
وفيها توفي أبو الحسن محمد بن محمد النيسابوري، الحافظ المقرىء العبد الصالح الصدوق. سمع بمصر والشام والعراق وخراسان، وصنف في العلل والشيوخ والأبواب. قال الحاكم: صحبته نيفاً وعشرين سنة، فما أعلم أن الملك كتب عليه خطيئة.
وفيها وردت الدعوة العباسية على يد بعض أهل الدولة من العراقين، حارب المصريين والتقى هو وجوهر العبيدي، فانكسر جوهر، وذهب إلى مصر، وصادف العزيز صاحب مصر قد جاء في نجدته، فرد معه، فالتقاهم عسكر العراق، فأخذوا مقدمه أسيراً، ثم من عليه العزيز، وأطلقه.
وفيها توفي أبو طاهر محمد بن محمد بن نقية، وزير عز الدولة بن بويه. وكان من جملة الرؤساء، وأكابر الوزراء، وأعيان الكرماء، وكان قد حمل عز الدولة على محاربة ابن عمه عضد الدولة، فالتقيا على الأهواز، وكسر عز الدولة، فنسب ذلك إلى رأيه ومشورته. وفي ذلك يقول أبو غسان الطبيب بالبصرة.
أقام على الأهواز خمسين ليلة ... يدبر أمر الملك حتى تدمرا
فدبر أمراً كان أوله عمى ... وأوسطه بلوى وآخره خسرا
ولما قبض عليه سمل عينيه، فلزم بيته، ثم إنه طلبه بعد ذلك، ورماه بين أرجل
стр. 642
الفيلة فمات من ذلك ولم يزل مصلوباً إلى أن توفي عضد الدولة فأنزل عن الخشبة، ودفن في موضعه، فقال فيه أبو الحسن ابن الأنباري:
لم يلحقوا بك عاراً إذا صلبت بلى ... بأؤا بمنك ثم استرجعوا ندما
واتفقوا أنهم في فعلهم غلطوا ... وأنهم نصبوا من سؤدد علما
فاسترجعوك وواروا منك طودعلا ... بدفنه دفنوا الأفضال والكرما
لئن بليت لما تبلى بذاك، ولا ... تنسى، وكم هالك ينسى إذا قدما
تقاسم الناس حسن الذكر فيك كما ... ما زال مالك بين الناس منقسما
تسع وستين وثلاثمائة
فيها توفي الشيخ الكبير أبو عبد الله أحمد بن عطاء الروذباري، شيخ الصوفية، نزيل صور، شيخ الشام في وقته.
وفيها توفي الإمام الكبير أبو سهل الصعلوكي: محمد بن سليمان النيسابوري الفقيه، شيخ الشافعية بخراسان. قال فيه الحاكم: أبو سهل الصعلوكي الشافعي اللغوي المفسر النحوي المتكلم المفتي الصوفي خير زمانه، وبقية أقرانه. " ولد " سنة تسعين ومائتين، واختلف إلى ابن خزيمة، ثم إلى أبي علي الثقفي، وناظر، وبرع، وسمع من أبي العباس السراج وطبقته، ولم يبق موافق ولا مختلف إلا أفر بفضله وتقدمه. وحضره المشايخ مرة بعد أخرى، ودرس، وأفتى في نيسابور وأصفهان وبلاد شتى، وقال الصاحب بن عباد: ما رأى أبو سهل مثل نفسه، ولا رأينا مثله. قلت: لأبي سهل مناقب كثيرة، وفضائل شهيرة، ذكرت شيئاً منها في " الشاش المعلم شاوش كتاب المرهم ".
وفي السنة المذكورة توفي النقاش المحدث الحافظ غير المقرىء.
سنة سبعين وثلاثمائة
فيها رجع عضد الدولة من همدان، فلما قرب من بغداد بعث إلى الخليفة الطائع لله أن يتلقاه، فما وسعه التخفف لضعف الخلفاء حينئذ، وقوة المملوك المتصرفين في البلدان. وما جرت عادة بذلك قط، أي بلقاء الخلفاء لهم، قال قبل دخوله من تكلم أو دعا له قتل.
стр. 643
فما نطق مخلوق. قلت: هكذا أطلق بعضهم، ولم يبين من هو القابل ذلك منهما، هل نهى عضد الدولة أن يدعى للخليفة؟ أو نهى الخليفة أن يدعى لعضد الدولة. في ذلك احتمالان آخران: أحدهما أن يكون نهى الخليفة عن الدعاء لنفسه خوفاً أن يغار عضد الدولة، ويظهر منه غيظ وغضب. والثاني أن يكون الناهي هو عضد الدولة، نهى أن يدعى له تواضعاً للخليفة. والله أعلم بحقيقة ذلك، أيهما كان هو الناهي عن أن يدعى لنفسه. فقد أحسن في ذلك. وفي السنة المذكورة توفي شيخ الحنفية ببغداد الفقيه أحمد بن علي صاحب أبي الحسن الكرخي، وإليه انتهت رئاسة المذهب. وكان مشهوراً بالزهد والدين، عرض عليه قضاء القضاة فامتنع. وله عدة مصنفات.
وفيها توفي محمد بن الحسن بن رشيق المصري.
وفيها توفي النحوي اللغوي، صاحب التصانيف، وشيخ أهل الأدب: الحسين بن أحمد الهمداني، المعروف بابن خالويه، دخل بغداد، وأدرك جلة من العلماء مثل ابن الأنباري، وابن مجاهد المقرىء، وأبي عمر والزاهد، وابن دريد، وقرأ على السيرافي، وانتقل إلى الشام، واستوطن حلب، وصار بها أحد أفراد الدهر في كل قسم من أقسام الأدب، وكانت الرحلة إليه من الآفاق. وآل حمدان يكرمونه، ويدرسون عليه، ويقتبسون منه وهو القائل: دخلت يوماً على سيف الدولة، فلما مثلت بين يديه قال لي: اقعد، ولم يقل: اجلس. فتبينت بذلك إعلاقه بأهداب الأدب، واطلاعه على أسرار كلام العرب.
قال ابن خلكان وإنما قال ابن خالويه هذا لأن المختار عند أهل الأدب أن يقال للقائم اقعد وللنائم والساجد اجلس. وعلله بعضهم بأن القعود هو الانتقال من العلو إلى السفلى، ولهذا قيل لمن أصيب برجله مقعد. والجلوس هو الانتقال من السفل إلى العلو. ولهذا قيل: لنجد جلساً لارتفاعها، وقيل لمن أتاها: جالس، وقد جلس منه قول مروان بن الحكم لما كان والياً بالمدينة يخطب الفرزدق:
قل للفرزدق، والسفاهة كاسمها ... إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس
أي اقصد الجلسا، وهي بحذو هذا البيت من جملة أبيات، وهذا كله في غير موضعه لكن للكلام شجون.
ولابن خالويه المذكور كتاب كبير في الأدب سماه " كتاب ليس " وهو يدل على اطلاع عظيم، فإن مبني الكلام من أوله إلى آخره على أنه ليس في كلام العرب كذا. وله كتاب لطيف سماه " الآل "، وذكر في أوله أن الآل ينقسم إلى خمسة وعشرين قسماً، وما اقتصر
стр. 644
فيه، وذكر فيه الأئمة الأثني عشر، وتاريخ مواليدهم، ووفاتهم وأمهاتهم، والذي دعاه إلى ذكرهم أنه قال في جملة أسام الآل وآل محمد ﵌ بنو هاشم. وله " كتاب الاشتقاق "، و " كتاب الجمل في النحو "، و " كتاب القراءات "، " كتاب إعراب ثلاثين سورة من الكتاب العزيز "، و " كتاب المقصور والممدود "، " كتاب المذكر والمؤنث " و " كتاب الألقاب "، و " كتاب شرح مقصورة ابن دريد "، و " كتاب الأسد " وغير ذلك، ولابن خالويه المذكور مع أبي الطيب المتنبي المذكور مجالس ومباحث عند سيف الدولة، وقد تقدم في ترجمة المتنبي بعض ما جرى بينه وبينه في سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، حتى غضب المتنبي، وارتحل إلى كافور الإخشيذي صاحب مصر. ولابن خالويه شعر حسن ومنه على ما نقله الثعالبي في كتاب " اليتيمة ":
إذا لم يكن صدر المجالس سيداً ... فلا خير فيمن صدرته المجالس
وكم قائل: مالي رأيتك راجلاً ... فقلت له: من أجل أنك فارس
وفيها توفي الإمام العلامة صاحب المصنفات الكبار الجليلة المقدار " كتهذيب اللغة " وغيره: اللغوي النحوي الشافعي: أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي الأزهري بقي في أسر القرامطة مدة طويلة، وكان متفقاً على فضله وثقته ودرايته وورعه. وروى عن أبي العباس ثعلب وغيره. وأدرك ابن دريد، ولم يرو شيئاً واحداً عن نفطويه، وعن ابن السراج النحوي. وكان قد رحل وطوف في أرض المغرب في طلب اللغة، فخالط قوماً يتكلموا بطباعهم البدوية، ولا يكاد يوجه في منطقهم لحن أو خطأ فاحش، فاستفاد من محاورتهم ومخاطبة بعضهم بعضاً ألفاظا ونوادر كثيرة وقع أكثرها في " كتاب التهذيب " وسبب مخالطته لهم أنه كان قد أسرته القرامطة، وكان القوم الذين وقع في سهمهم عرباً نشؤوا في البادية ينقون مساقط الغيث، ويرعون الغنم، ويعيشون بألبانها. وكان جامعاً لأشتات اللغات، مطلعاً على أسرارها ودقائقها. وتهذيبه المذكور أكثر من عشر مجلدات، وله تصنيف في غريب الألفاظ التي يستعملها الفقهاء من اللغة المتعلقة بالفقه.
وفيها توفي الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر البغدادي الملقب غندر " بضم الغيم المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة في آخره راء " المحدث المشهور، رحال جوال توفي بأطراف خراسان غريباً، سمع بالشام والعراق ومصر والجزيرة.
وفيها توفي الإمام المتكلم في الأصول، صاحب التصانيف الكثيرة، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد الطائي، صاحب الشيخ الإمام أبه الحسن
стр. 645
الأشعري، وليس بابن مجاهد المقرىء. وعنه أخذ القاضي أبو بكر الباقلاني، وكان ديناً صيناً خيراً ذا تقوى.
إحدى وسبعين وثلاثمائة
فيها توفي الإمام الجامع الخبر النافع ذو التصانيف الكبار في الفقه والأخبار: أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الجرجاني، الحافظ الفقيه الشافعي المعروف بالجرجاني، وكان حجة، كثير العلم، حسن الدين.
وفيها توفي شيخ المالكية بالمغرب: أبو محمد عبد الله بن إسحاق القيرواني. قال القاضي عياض: ضربت إليه آباط الإبل من الأمصار، وكان حافظاً فصيحاً بعيداً عن التصنع والرياء.
وفيها توفي الإمام الكبير الفقيه الشهيد الزاهد: أبو زيد محمد بن أحمد المروزي الشافعي، كان من الأئمة الأجلاء، حسن النظر، مشهورا بالزهد، حافظاً للمذهب، وله فيه وجوه غريبة روى الصحيح عن الفربري، وحدث بالعراق ودمشق ومكة، وسمع منه الحافظ أبو الحسن الدارقطني، ومحمد بن أحمد المحاملي، قال أبو بكر البزار: عاد الفقيه أبو زيد من نيسابور إلى مكة، فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه يعني خطبته وكان في أول أمره فقيراً، ثم أقبلت عليه الدنيا في آخر عمره، وقد تساقطت أسنانه، وبطلت حاسة الجماع، فيقول مخاطباً للنعمة: لا بارك الله فيك، ولا أهلاً بك، ولا سهلاً، أقبلت حيث لا ناب ولا نصاب. ومات بمرو في رجب وله تسعون سنة.
قال الحاكم: كان من أحفظ الناس لمذهب الشافعي، وأحسنهم نظراً، وأزهدهم في الدنيا. وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: هو صاحب أبي إسحاق المروزي، أخذ عنه أبو بكر القفال المروزي وفقهاء مرو.
وفيها توفي الشيخ الكبير العارف أبو عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي، شيخ إقليم فارس، صاحب الأحوال والمقامات. قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي: هو اليوم شيخ المشايخ، تاريخ الزمان، لم يبق للقوم أقدم منه سناً، ولا أتم حالاً، متمسك بالكتاب والسنة، فقيه على مذهب الشافعي. كان من أولاد الأمراء، وتزهد. توفي ثالث رمضان، وله خمس وتسعون سنة، وقيل عاش مائة وأربع سنين.
اثنتين وسبعين وثلاثمائة
فيها توفي عضد الدولة ابن الملك ركن الدولة، وهو أول من خوطب ب " شاهنشاه "
стр. 646
في الإسلام، وأول من خطب له على المنابر ببغداد بعد الخليفة، وكان أديباً فاضلاً محباً للفضلاء، مشاركاً في فنون من العلم، وله صنف أبو علي الفارسي " الإيضاح "، و " التكملة " في النحو، وقصده الشعراء من البلاد كالمتنبي وأبي الحسن السلامي، ومدحوه بالمدائح الحسنة. وكان شيعياً غالياً شهماً، مطاعاً، حازماً ذكياً، متيقظاً مهيباً سفاكاً للدماء، له عيون كثيرة تأتيه بأخبار البلاد القاصية، وليس في بني عمه مثله، وكان قد طلب حساب ما يدخله في العام، فإذا هو ثلاثمائة ألف ألف وعشرون ألف درهم، وجدد مكوساً ومظالم. ولما نزل به الموت كان يقول: ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه. وله أشعار ومنها قوله في قصيدة هذه الأبيات التي لم يفلح بعدها:
ليس شرب الروح إلا في المطر ... وغناء من جوار في السحر
غانيات سالبات للنهى ... ناغمات في تضاعيف الوتر
مبرزات الكأس من مطلعها ... ساقيات الراح من فاق البشر
عضد الدولة وابن ركنها ... ملك الأملاك غلاب القدر
نعوذ بالله من غضب الله ومن مثل هذا القول.
وممن حكى هذه الأبيات عنه أبو منصور الثعالبي في كتاب " يتيمة الدهر "، وإليه ينسب المارستان العضدي ببغداد، غرم عليه مالاً عظيماً، قيل وليس في الدنيا مثل تزيينه، وهو الذي أظهر قبر علي رضي الله تعالى عنه بزعمه بالكوفة، وبنى عليه المشهد، ودفن فيه. وللناس في هذا القبر اختلاف كثير، وأصخ ما قيل فيه أنه مدفون بقصر الإمارة بالكوفة كرم الله وجهه ومما يمدح الشعراء عضد الدولة قول المتنبي في قصيدة له:
أروح وقد ختمت على فؤادي ... بحبك أن يحل به سواكا
ومنها:
فلو أني استطعت غضضت طرفي ... فلم أنظر به حتى أراكا
وقول السلامي:
وبشرت آمالي بملك هو الورى ... ودار في الدنيا ويوم هو الدهر
وقد أخذ هذا المعنى القاضي الأرجاني في قوله:
стр. 647
لو زرته فرأيت الناس في رجل ... والدهر في ساعة والأرض في دار
ولكن أين الثرى من الثريا؟ وكذلك هذا المعنى موجود في قول المتنبي:
هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق
لكنه ما استوفاه، فإنه ما تعرض لذكر اليوم الذي جعله السلامي وهو الدهر ومع هذا فليس له طلاوة بيت السلامي الذي هو السحر الحلال.
في السنة المذكورة أو في غيرها من عشر الثمانين توفي الإمام الكبير الفقيه الشافعي الشهير إمام مرو، ومقدم الفقهاء الشافعية في زمانه ومكانه، أبو عبد الله محمد بن أحمد الفارسي المروزي الخضري " بكسر الخاء وسكون الضاد المعجمتين وبالراء " وكان من أعيان تلامذة أبي بكر القفال المروزي، أقام بمرو ناشراً فقه الشافعي، وكان يضرب به المثل في قوة الحفظ، وقلة النسيان، وله في المذهب وجوه غريبة، نقلها الخراسانيون عنه. وروي عن الشافعي رضي الله. تعالى عنه صحيح لدلالة الصبي على القبلة، وقال معناه: أن يدل على قبلة تشاهد في الجامع، فأما موضع الاجتهاد فلا يقبل.
وذكر الإمام أبو الفتوح العجلي في كتاب شرح " مشكلات الوجيز والوسيط " إن الإمام أبا عبد الله الخضري المذكور سئل عن قلامة ظفر المرأة، هل يجوز للرجل الأجنبي النظر إليها. فأطرق طويلاً ساكتاً، وكانت تحته ابنه الشيخ أبي علي " الشبوي " بفتح الشين المعجمة والموحدة، فقالت له: لم تفكر؟ قد سمعت أبي يقول في جواب هذه المسألة: إن كانت من قلامة أظفار اليدين جاز النظر إليها، وإن كانت من أظفار الرجلين لم يجز، لأنها عورة. ففرح الخضري وقال: لو لم أستفد من اتصالي بأهل العلم إلا هذه المسألة لكانت كافية. انتهى كلام أبي الفتوح العجلي.
وقال أبو العباس ابن خلكان: هذا التفصيل بين اليدين والرجلين فيه نظر، فإن أصحابنا قالوا: اليدان ليستا بعورة في الصلاة، فأما بالنسبة إلى نظر الأجنبي فما نعرف بينهما فرقاً. انتهى كلام ابن خلكان.
قلت: كلام ابن خلكان المذكور ليس بصواب من وجهين: أحدهما قوله: قالوا اليدان ليستا بعورة، ولم يقل: الكفان. والثاني، قوله: ما يعرف بينهما فرقاً فإنه وإن كان لم يطلع على الفرق، وما في ذلك من الخلاف، فإنه قال ذلك على وجه الاعتراض، وكان حقه أن لا يقول مثل هذا إلا بعد اطلاعه على كلام الأصحاب، فالمسألة منصوص عليها.
قال الإمام الرافعي: النظر إلى وجه الأجنبية وكفيها، إن خاف الناظر، فيه حرام، وإن
стр. 648
لم يخف فوجهان. قال أكثر الأصحاب لا سيما المتقدمون. لا يحرم بقول الله تعالى " ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها " سورة النور: الآية ٣١، وهو مفسر بالوجه والكفين، لكن يكره، قال ذلك الشيخ أبو حامد وغيره. والثاني يحرم، قاله الاصطخري وأبو علي الطبري، واختاره الشيخ أبو محمد والإمام، وبه قطع صاحب المهذب ووجهه الروياني باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات، وبأن النظر مظنة الفتنة، وهو مدركة الشهوة، فاللائق بمحاسن الشرع سد الباب والإعراض عن تفاصيل الأحوال كالخلوة بالأجنبية. انتهى كلام الإمام الروياني. قلت: وقد علم من هذا بما حكته زوجة الخضري عن أبيها صواب على الوجه الأول والله أعلم.
ثلاث وسبعين وثلاثمائة
في أولها ظهرت وفاة عضد الدولة. وكانت قد أخفيت حتى أحضروا ولده صمصام الدولة، فجلس للعزاء، ولطموا عليه في الأسواق أياماً، وجاء الطائع إلى صمصام الدولة، فعزاه ثم ولاه الملك، وعقد له لوائين ولقبه شمس الدولة، وبعد أيام جاء الخبر بموت مؤيد الدولة أخي عضد الدولة. ولد بجرجان وولي مملكته أخوه فخر الدولة الذي وزر له إسماعيل بن عباد.
وفيها القحط الشديد ببغداد، وبلغ حساب الغرارة الشامية أربعمائة درهم.
قلت وقد بلغت الغرارة الحجازية بمكة إلى هذه القيمة المذكورة، وهي نحو من ثلث الشامية، في سنة ست وستين وسبع مائة.
وفيها توفي الأمير أبو الفتح الصنهاجي نائب المعز العبيدي على المغرب. وكان محمود السيرة، حسن السياسة، ولي القيروان اثنتي عشرة سنة، وكانت له أربعمائة سرية، يقال أنه ولد: له في فرد يوم سبعة عشر ولداً. وكان استخلاف المعز له عندما توجه إلى الديار المصرية في سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وأوصاه بأمور كثيرة، وأكد عليه في فعلها، ثم قال: إن نسيت ما أوصيتك به فلا تنس ثلاثة أشياء: إياك أن ترفع الجبايا عن أهل البادية، والسيف عن البربر، ولا تول أحداً من إخوتك وبني عمك، فإنهم يرون أنهم أحق بهذا الأمر منك، وافعل مع أهل الحاضرة خيراً. وأمر بالسمع والطاعة له.
وفيها توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير: أبو عثمان المغربي الصوفي سعيد بن سلم قال: هكذا " ابن سلم ". ذكر في بعض النسخ، وفي بعضها " ابن سلام " بزيادة ألف بعد
стр. 649
اللام، نزيل نيسابور.
قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي: لم نر مثله في علو الحال وصون الوقت. وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري ﵀ سمعت الأستاذ أبا بكر بن فورك ﵀ يقول: كنت عند أبي عثمان المغربي حين قرب أجله، فلما تغير عليه الحال أشرنا على علي بالسكوت، ففتح الشيخ أبو عثمان عينيه وقال: لم لا يقول على شيء. فقلت لبعض الحاضرين: سلوه، وقولوا: علام يسمع المستمع، فإني أحتشمه في هذه الحالة؟ فسألوه فقال: إنما يسمع من حيث يسمع.
ومن كلامه رضي الله تعالى عنه: التقوى هي الوقوف على الحدود، لا يقصر فيها ولا يتعداها، وقال: من أثر صحبة الأغنياء على مجالسة الفقراء، ابتلاه الله تعالى بموت القلب.
قلت: وقد سمعت من أهل العلم والفضل بيتين في مدح سعيد بن سلم، لا أدري: أهو هذا المذكور أو غيره، وقد تضمنا لمدح عظيم بالغ، وهما:
ألا قل لساري الليل لا تخش ضلة ... سعيد بن سلم ضوء كل بلاد
لنا سيد أربى على كل سيد ... جواد، حثى في وجه كل جواد
قلت: وقوله: حتى في وجه كل جواد: يحتمل معنيين: أحدهما وهو الأظهر والله أعلم أنه بمعنى: حثى التراب في وجهه معناه حقره. والثاني: أن يكون جاد على كل جواد، وحثى في وجهه من المال ما يراد.
لما أمليت هذين الوجهين ذكر بعض من حضرني من الأصحاب أنه يحتمل معنى ثالثاً، وهو أن الجواد السابق من الخيل إذا سبق حثى التراب بحافره في وجه المسبوق. وهو معنى حسن غريب يحتمل أن قائله مصيب.
وفيها توفي الفضل بن جعفر الرجل الصالح المؤذن بدمشق: أبو القاسم التميمي.
أربع وسبعين وثلاثمائة
فيها توفي العلامة أبو سعيد، عبد الرحمن بن محمد بن خشكا الحنفي الحاكم بنيسابور.
وفيها توفي خطيب الخطباء أبو يحيى عبد الرحيم بن محمد بن إسماعيل ابن نباتة " بضم النون وبالموحدة وفتح المثناة من فوق بعد الألف " الفارقي اللخمي، العسقلاني المولد، المصري الدار، مصنف الخطب المشهورة. ولي خطابة حلب. لسيف الدولة، كان
стр. 650
إماماً في علوم الأدب ورزق السعادة في خطبه التي وقع الإجماع على أنه ما عمل مثلها، وفيها دلالة على غزارة علمه، وجودة قريحته. وذكروا أنه سمع على المتنبي بعض ديوانه في خدمة سيف الدولة، وكان سيف الدولة كثير الغزوات، فلهذا أكثر من خطب الجهاد ليحض الناس، ويحثهم على الجهاد. كان رجلاً صالحاً، ورأى النبي ﵌ وهو في المقابر، فأشار بيده إلى القبور وقال: كيف قلت يا خطيب؟ كيف قلت يا خطيب؟: لا يخبرون بما إليه آلوا، ولو قدروا على المقاد لقالوا، قد شربوا من الموت كأساً مرة، فلم يفقدوا من أعمالهم ذرة، والى عليهم الدهر إليه برة أن لا يجعل لهم إلى دار الدنيا كرة كأنهم لم يكونوا للعيون قرة، ولم يعهدوا في الأحياء مرة، أسكتهم الله الذي أنطقهم، وأبادهم الذي خلقهم، وسيجددهم كما خلقهم، ويجمعهم كما فرقهم.
ثم نقل ﵌ في فيه، فاستيقظ من منامه على وجهه أثر نور وبهجة لم يكن قبل. وقص رؤياه على الناس، وقال: سماه رسول الله ﵌ خطيباً. وعاش بعد ذلك ثمانية عشر يوماً لا يستطعم طعاماً ولا شراباً من أجل تلك التفلة وبركتها. وهذه الخطبة التي فيها هذه الكلمات: تعرف بالمناسبة لهذه الواقعة.
وذكر بعضهم أنه ولد في سنة خمسين وثلاثمائة، وتوفي في السنة المذكورة، أعني سنة أربع وسبعين وثلاثمائة.
وعن بعضهم أنه قال: رأيت الخطيب ابن نباتة في المنام بعد موته، وقلت له: ما فعل الله تعالى بك. فقال: رفع لي ورقة، وفيها سطران بالأحمر. وهما: قد كان أمن لك من قبل ذا، واليوم أضحى لك أمنان، والصفح لا يحسن عن محسن، وإنما يحسن عن جان. قال: فانتبهت من النوم وأنا كررهما.
وفيها توفي تميم بن معز بن المنصور بن القائم بن المهدي، كان أبوه صاحب الديار المصرية والمغرب، وهو الذي بنى القاهرة. وكان تميم المذكور فاضلاً شاعراً ماهراً لطيفاً ظريفاً، ولم يل المملكة، لأن ولاية العهد كانت لأخيه العزيز، تولاها بعد أبيه. وللعزيز أيضاً أشعار جيدة، ذكرها أبو منصور الثعلبي في اليتيمة. ومن شعر تميم المذكور:
أما والذي لا يملك الأمر غيره ... وهو بالسر المكتم أعلم
لئن كان كتمان المصائب مؤلماً ... فأعد أنها عندي أشر وآلم
وفي كل ما تبكي العيون أقله ... وإن كنت منه دائماً أتبسم
ومنه:
وما أم خشف ظل يوماً وليلة ... ببلقية بيداء ظمآن صاديا
стр. 651
تهيم فلا تدري إلى أين تنتهي ... مولهة خبرى تجوب الفيافيا
أضر بها حر الهجير فلم تجد ... لغلتها من بارد الماء ساقيا
فلما عنت من خشفها انعطفت له ... فألفته ملهوف الجوانح طاويا
فأوجع مني يوم شدت حمولهم ... ونادى منادي الحي أن لا تلاقيا
ولما توفي غسله القاضي أبو محمد بن النعمان، وكفنه في ستين ثوباً، وحضر أخوه العزيز الصلاة عليه.
قلت: قد قدمت في سنة سبع وأربعين ترجمة تميم بن المعز، وليس هو هذا، بل ذلك حميري وأفقه. هذا في اسمه واسم أبيه قد تشبهان، فلهذا انتبهت عليه. والمتقدم هو الممدوح بالبيتين المتقدمين في ترجمته، أعني قول ابن رشيق في أولهما أصح، وفي آخرهما عن كف الأمير تميم.
خمس وسبعين وثلاثمائة
فيها توفي الحافظ أبو زرعة أحمد بن الحسين الرازي الصغير، رحل وطوف وجمع وصنف.
وفيها توفي أبو مسلم ابن مهران الحافظ العابد العارف عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن مهران البغدادي. رحل إلى البلدان، منها خراسان والشام والجزائر وبخارى وصنف المسند، ثم تزهد وانقبض عن الناس، وجاور بمكة. وكان يجتهد أن لا يظهر للمحدثين، ولا لغيرهم. قال ابن أبي الفوارس: صنف أشياء كثيرة، وكان ثقة زاهداً ما رأينا مثله.
وفيها توفي الإمام الشهير الفقيه الكبير أبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله الداركي الشافعي نزيل نيسابور ثم بغداد. انتهى إليه معرفة المذهب، قال أبو حامد الأسفراييني: ما رأيت أفقه منه، وقال غيره: كان صاحب وجه في المذهب، تفقه على أبي إسحاق المروزي، وحدث عن جده لأمه الحسن بن محمد الداركي. ودارك من قرى أصفهان.
وفيها توفي الأبهري القاضي، أبو بكر التميمي، صاحب التصانيف، وشيخ المالكية العراقيين. سئل أن يلي قضاء القضاة، فامتنع رحمه الله تعالى.
ست وسبعين وثلائمائة
فيها وقع قتال بين الديلم وكانوا تسعة عشر ألفاً وبين الترك، وكانوا ثلاثة آلاف،
стр. 652
فانهزمت الديلم، وقتل منهم نحو ثلاثة آلاف، وكانوا مع صمصام الدولة، وكانت الترك مع أخيه، شرف الدولة، فخفوا به وقدموا به بغداد، فأتاه الخليفة الطائع طائعاً يهنئه، ثم خفي خبر صمصام الدولة فلم يعرف.
وفيها توفي الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي البلخي. سمع الكثير، وخرج لنفسه معجماً، وحدث بصحيح البخاري عن الفربري.
وفيها توفي الواعظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن شاذان الصوفي الرازي.
سبع وسبعين وثلاثمائة
فيها رفع شرف الدولة عن العراق مظالم كثيرة، فمن ذلك أنه رد على الشريف أبي الحسين محمد بن عمر جميع أملاكه، وكان مبلغها في العام ألفي ألف وخمسمائة درهم، وكان الغلاء ببغداد دون الوصف.
وفيها توفي الإمام النحوي أبو علي الحسن بن أحمد الفارسي، اشتغل ببغداد، ودار البلاد، وأقام بحلب عند سيف الدولة ابن حمدان. وكان إمام وقته في علم النحو، وجرت بينه وبين المتنبي مجالس، ثم انتقل إلى بلاد فارس، وصحب عضد الدولة، وتقدم عنده، وعلت منزلته حتى قال عضد الدولة: أنا غلام أبي علي في النحو. وصنف له " كتاب الإيضاح والتكملة " في النحو، وله تصانيف أخرى تزيد على عشرة.
ويحكى أنه كان يوماً في ميدان شيراز، يساير عضد الدولة، فقال له: أنصب المستثنى في قولنا قام القوم إلا زيداً فقال الشيخ: بفعل مقدر. فقال له: كيف تقديره. فقاد: أستثني زيداً، فقال عضد الدولة: هلا رفعته، وقررت الفعل، امتنع زيد. فانقطع الشيخ وقال: الجواب ميداني، ثم إنه لما رجع إلى منزله، وضع في ذلك كلاماً، وحمله إليه فاستحسنه. وذكر في كتاب الإيضاح أنه بالفعل المتقدم تقويه إلا.
وحكى أبو القاسم بن أحمد الأندلسي قال: جرى ذكر الشعر بحضرة أبي علي وأنا حاضر فقال: إني لا أغبطكم على قول الشعر، فإن خاطري لا يوافقني على قوله، مع
стр. 653
تحقيقي العلوم التي هي من مواده، فقال له رجل: فما قلت قط شيئاً منه؟ فقال: ما أعلم أن لي شعراً إلا ثلاثة أبيات، وذكرها في السبب، ولم أذكرها أنا في هذا الكتاب، لأنه أبدى فيه عيباً وذماً، وهو: " في الشرع نور ووقار "، كما ورد به في حديث النبي صلى الله عليه واله وسلم في قصة إبراهيم عليهما أفضل الصلاة والتسليم.
وذكر بعض المؤرخين أنه ذكر له إنسان في المنام أن لأبي علي مع فضائله شعراً حسناً. وأنشده في المنام منها هذا البيت:
الناس في الخير لا يرضون عن أحد ... فكيف ظنك يسمو الشر أو ساموا
وقيل: إن السبب في استشهاده في باب " كان " من كتاب الإيضاح ببيت أبي تمام:
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا
لأن عضد الدولة كان يحب هذا البيت وينشده كثيراً، وعدوا له من المصنفات عدة كتب، وفضله أشهر من أن يذكر، وكانت وفاته ببغداد، وقبره في الشونيزية.
وفيها توفيت أمة الواحد ابنة القاضي أبي عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي، حفظت القرآن والفقه والنحو والفرائض، وغيرها من العلوم، وبرعت في مذهب الإمام الشافعي، وكانت تفتي مع أبي علي بن أبي هريرة.
وفيها توفي ابن لؤلؤ الوراق أبو الحسن علي بن محمد الثقفي البغدادي الشيعي، وكان ثقة يحدث بالآخرة.
وفيها توفي أبو الحسن الأنطاكي علي بن محمد المقرىء الفقيه الشافعي. دخل الأندلس، ونشر بها العلم، وقال ابن الفرضي: أدخل الأندلس علماً جماً، وكان رأساً في القراءات، لم يتقدمه فيها أحد.
وفيها توفي الحافظ الغطريفي محمد بن أحمد بن الحسين بن القاسم بن السري بن الغطريف الجرجاني الرباطي.
ثمان وسبعين وثلائمائة
فيها توفي الشيخ الكبير، شيخ الصوفية، وصاحب كتاب " اللمع في التصوف "، أبو
стр. 654
نصر السراج عبد الله بن علي الطوسي.
وفيها توفي الحافظ صاحب التصانيف، وأحد أئمة الحديث، أبو أحمد الحاكم محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري. روى عن ابن خزيمة، وعبد الله بن زيدان محمد بن الفيض الغساني وغيرهم، وأكثر الترحال، وكتب ما شاء الله. قال الحاكم ابن البيع: أبو أحمد الحافظ إمام عصره، صنف على الصحيحين، وعلى جامع الترمذي، وألف " كتاب الكنى "، و " كتاب العلل "، و " كتاب الشروط "، و " المخرج على المزني "، وولي قضاء الشاش، ثم قضاء طوس، ثم قدم نيسابور، ولزم مسجده، وأقبل على العبادة والتصنيف، وكف بصره قبل موته بسنتين رحمة الله عليه.
تسع وسبعين وثلاثمائة
فيها وفي التي تليها اشتد البلاء، وعظم الخطب ببغداد بأمر العبادين، صاروا حزبين، ووقعت بينهم حروب، واتصل القتال بين أهل الكرخ وباب البصرة، وقتل طائفة ونهبت أموال الناس، وتواترت الفتن وأحرق بعضهم دروب بعض.
وفيها توفي شرف الدولة سلطان بغداد ابن السلطان عضد الدولة الديلمي، وكان فيه خير وقلة ظلم، وكان موته بالاستسقاء، ولي بعده أخوه أبو نصر.
وفيها توفي الإمام العالم المتكلم أحد أئمة الأشعرية الكبار في وقته، وعنه أخذ أبو علي بن شاذان: محمد بن أحمد أبو جعفر الجوهري البغدادي النقاش.
وفيها توفي أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي الإشبيلي، شيخ العربية بالأندلس وصاحب التصانيف. وأدب المؤيد بالله ولد المستنصر، كان واحد عصره في علم النحو وحفظ اللغة، أخبر أهل زمانه بالإعراب والمعاني والنوادر، إلى علم السير والأخبار،، يكن مثله في وقته. وله كتب تدل على وفور علمه، منها مختصر " كتاب العين "، و " كتاب طبقات النحويين واللغويين " في المشرق والأندلس، من زمن أبي الأسود الدؤلي إلى زمنه وعدة كتب أخرى، وتولى قضاء أشبيلية، وكان كثيراً ما ينشد:
الفقر في أوطاننا غربة ... والمال في الغربة أوطان
والأرض شيء كلها واحد ... والناس إخوان وجيران
стр. 655
والزبيدي بضم الزاي وفتح الموحدة وسكون المثناة من تحت وبعدها دال مهملة نسبة إلى زبيد، واسمه منبه بن صعب بن سعد العشيرة بن مذحج بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة وبعدها جيم وهو في الأصل اسم أكمة حمراء باليمن، ولد عليها مالك بن رد، فسمي باسمها، ثم كثر ذلك في تسمية العرب، حتى صاروا يسمون بها، ويجلونه علماً على المسمى، وقطعوا النظر عن تلك الأكمة. وزبيد قبيلة كبيرة باليمن وكذا مذحج.
ثمانين وثلاثمائة
فيها توفي الحافظ المحدث الأندلسي أبو عبد الله محمد بن أحمد الأموي مولاهم القرطبي. سمع وصنف، ومن مصنفاته " فقه الحسن البصري " في سبع مجلدات، و " فقه الزهري " في أجزاء عديدة.
وفيها توفي الوزير أبو الفرج، وزير صاحب مصر العزيز بالله، وكان يهودياً بغدادياً، عجباً في الدهاء والفطنة والمكر، يتوكل للتجارة بالرملة، فانكسر وهرب إلى مصر، فأسلم بها، واتصل بالأستاذ كافور، ثم دخل المغرب، وأنفق عند المعز، وتقدم ولم يزل في الارتقاء إلى أن مات. وكان عظيم الهيبة، وافر الحشمة، عالي الهمة، وكان معلومه على مخدومه في السنة مائة ألف دينار، وقيل إنه خلف أربعة آلاف مملوك، ويقال أنه حسن إسلامه.
إحدى وثمانين وثلاثمائة
فيها أمر الخليفة الطائع بحبس الحسين بن المعلم وكان عن خواص بهاء الدولة فعظم عليه ذلك، ثم دخل على الطائع وفيه هيبة، دخلوا للخدمة، فلما قرب منه قبل الأرض، وجلس على الكرسي، وتقدم أصحابه فجذبوا الطائع بحمائل سيفه من السرير، ولفو، في كساء حتى أتوا به دار السلطنة، واختبطت بغداد، وظن الأجناد أن القبض على بهاء الدولة من جهة الطائع، فوقعوا من النهب ثم إن بهاء الدولة أمر بالنداء بخلافة القادر بالله، فأكره الطائع على خلع نفسه، وعمل بذلك سجل، ونفد إلى القادر وهو بالبطايح،
стр. 656
وأخذوا جميع ما في دار الخلافة، حتى الرخام والأبواب، واستباحت الرعاع قلع الشبابيك، وأقبل القادر بالله أحمد ابن الأمير إسحاق بن المقتدر بالله، وله يومئذ أربع وأربعون سنة، وكان كثير التهجد والخير والبر، صاحب سنة وجماعة.
وفيها توفي العبد الصالح المقرىء مصنف " كتاب الغاية " والشامل في القراءات: الأستاذ أبو بكر أحمد بن الحسين بن مهران الأصبهاني ثم النيسابوري. قال الحاكم: كان إمام عصره في القراءات، وأعبد من رأينا من القراء، وكان مجاب الدعوه.
وفيها توفي القائد أبو الحسن جوهر بن عبد الله المعروف بالكاتب الرومي، كان من موالي المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي صاحب الإفريقية. جهزه في جيش كثيف ليفتتح ما استعصى من بلاد المغرب، فسار إلى فاس، ثم إلى سجلماسة، ثم توجه إلى البحر المحيط فاتحاً للبلاد، وصاد من سمك البحر، وجعله في قلال الماء، وأرسله إلى المعز، ثم رجع ومعه صاحب فاس أسير في قفص حديد. وقد مهد البلاد، وحكم على أهل الزيغ والعناد من إفريقية إلى البحر المحيط من جهة المغرب، وفي جهة المغرب مر إفريقية إلى أعمال مصر، ولم يبق بلد من هذه البلاد إلا أقيمت فيه دعوته، وخطب له في جميعه جمعيه وجماعية إلا مدينة سبتة فإئها بقيت لبني أمية أصحاب الأندلس.
ولما وصل الخبر إلى المعز بموت كافور الإخشيذي صاحب مصر، بعث المعز القائد جوهراً المذكور إلى جهة المغرب لإصلاح أموره، وجميع قبائل العرب، وجنى القطائع التي كانت على البربر، وكانت خمسمائة ألف دينار، وخرج المعز بنفسه إلى المهدية، فأخرج من قصور آبائه خمسمائة حمل دنانير، وعاد إلى قصره، وعاد جوهر بالرجال والأموال، فجهزه إلى الديار المصرية ليأخذها، وسير معه العساكر في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، فتسلم مصر، وصعد المنبر خطيباً، ودعا لمولاه المعز ووصلت البشائر إلى المعز بأخذ البلاد وأقام بها حتى وصل إليه المعز وهو نافذ الأمر واستمر على علو منزلته وارتفاع درجته متولياً للأمور إلى سابع عشر المحرم سنة أربع وستين، فعزله المعز، وكان محسناً إلى الناس ولما توفي لم يبق شاعر إلا رثاه.
وكان سب انفاذ مولاه المعز إلى مصر أن كافورا الإخشيذي كما تقدم بسكون
стр. 657
الخاء وكسر الشين والذال المعجمات وسكون المثناة من تحت بين الشين والذال، الخادم المشهور، لما توفي دعا لأحمد بن علي الإخشيذي على المنابر بمصر وأعمالها، والبلدان الشاميات والحرمين، وبعده الحسن بن عبد الله، فاضطرب الجند لقلة الأموال وعدم الانفاق فيهم وكان تدبير الأموال إلى الوزير أبي الفضل جعفر بن الفرات فكتب جماعة من وجوههم إلى المعز بإفريقية ويطلبون إنفاذ العساكر ليسلموا له مصر، فأمر القائد جوهر المذكور بالتجهيز إلى الديار المصرية، وجهز له ما يحتاج إليه من المال والسلاح والرجال، فبرز بالعساكر ومعه أكثر من مائة ألف فارس وأكثر من ألف ومائتي صندوق من المال، وخرج المعز لوداعه ثم قال لأولاده: انزلوا لوداعه، فنزلوا عن خيولهم، ونزل أهل الدولة لنزولهم، والمعز متكىء على فرسه، وجوهر واقف بين يديه، ثم قبل جوهر يد المعز وحافر فرسه، فقال له: اركب، فركب وسار بالعساكر.
ولما رجع المعز إلى قصره، أنفذ إلى جوهر ملبوسه وكل ما كان عليه سوى خاتمه وسراويله وكتب المعز إلى عبده أفلح صاحب برقة أن يرتحل للقائد جوهر، ويقبل يده عند لقائه فبذل أفلح مائة ألف دينار على أن يعفي من ذلك، فلم يعف، وفعل ما أمر به عند لقائه ووصل الخبر إلى مصر بوصوله مع العساكر، فاضطرب أهلها، واتفقوا مع الوزير ابن الفرات على المراسلة في الصلح وطلب الأمان، وأرسلوا بذلك أبا جعفر مسلم بن عبيد الله الحسني، بعد أن التمسوا منه أن يكون سفيرهم، فأجابهم، وشرط أن يكون معه جماعة من البلد. وكتب الوزير معهم كتاباً بما يريد، فتوجهوا نحو القائد جوهر، وكان قد نزل في بالقرب من الإسكندرية، فوصل إليه الشريف بمن معه، وأدى إليه الرسالة، فأجابه إلى ما التمسوه، وكتب له جوهر عهداً بما طلبوه، فاضطرب البلد اضطراباً شديداً، وأخذت الإخشيذية والكافورية وجماعة العسكر الأهبة للقتال، ورجعوا عن الصلح فبلغ ذلك جوهراً، فرحل إليهم، فتهيأ للقتال، وساروا بالعساكر نحو الجيزة، ونزلوا بها، وحفظوا الجسر. ووصل القائد جوهر، وابتدأ بالقتال، وأسرت رجال، وأخذت خيل، ومضى جوهر إلى ميتة الصيادين وأخذ المخاضة يمنة سلفان، واستأمن إلى جوهر جماعة من العسكر في مراكب، وجعل أهل مصر على المخاضة من يحفظها، فلما رأى ذلك جوهر قال لجعفر بن فلاح، لهذا اليوم أرادك المعز، فعبر عرياناً في سراويل وهو في مركب ومعه الرجال خوضاً، حتى خرجوا إليهم، ووقع القتال، فقتل خلق كثير من الإخشيذية وأتباعهم، وانهزموا في الليل، ودخلوا مصر، وأخذوا من دورهم ما قدروا عليه. وخرجت حرمهم
стр. 658
ماشيات ودخلن على الشريف أبي جعفر في مكاتبة القائد بإعادة الأمان. فكتب إليه يهنئه بالفتح، ويسأله إعادة الأمان، فعاد الجواب بأمانهم، ثم ورد رسوله إلى جعفر بأن يجتمع به مع جماعة من الأشراف والعلماء ووجوه البلد، فاجتمعوا به في الجيزة، ونادى مناد: ينزل الناس كلهم، إلا الوزير والشريف. فنزلوا وسلموا عليه واحداً بعد واحد، والوزير عن شماله، والشريف عن يمينه، ولما فرغوا من السلام ابتدؤوا بدخول البلد، فدخلوا وقت زوال الشمس، وعليهم السلام والعدد، ودخل جوهر بعد العصر، وخيوله وجنوده بين يديه، وعليه ثوب ديباج، وتحته فرس أصفر، ونزل في موضع القاهرة اليوم، واختط موضع القاهرة، ولما أصبح المصريون حضروا عند القائد للتهنئة، فوجدوه قد حفر أساس القصر في الليل، وكان فيه دورات جاءت غير معتدلة لم تعجبه، ثم قال: حفرت في ساعة سعيدة لا أغيرها. وأقام عسكره يدخل البلد سبعة أيام، وبادر جوهر بالكتاب إلى مولاه يبشره بالفتح، وأنفذ إليه رؤوس القتلى في الوقعة، وقطع خطبة بني العباس عن منابر الديار المصرية، وكذلك أسمهم على السكة، وجعل ذلك كله باسم مولاه المعز، وزال الشعار الأسود، وألبس الخطباء الثياب البيض، وفي يوم الجمعة أمر جوهر بزيادة عقب الخطبة: اللهم صل على محمد المصطفى، وعلى علي المرتضى، وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول اللذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، اللهم صل على الأئمة الطاهرين آباء أمير المؤمنين. وعاد في الجمعة الأخرى وأذن بحي على خير العمل. ودعا الخطيب على المنبر للقائد جوهر، فأنكر جوهر عليه وقال: ليس هذا رسم موالينا. وشرع في عمارة الجامع بالقاهرة.
قال ابن خلكان: وأظن هذا الجامع هو المعروف بجامع الأزهر، فإن الجامع الآخر بالقاهرة مشهور بجامع الحاكم. وأقام جوهر مستقلاً بتدبير مملكة مصر قبل وصول مولاه المعز إليها أربع سنين وعشرين يوماً. ولما وصل المعز إلى القاهرة خرج جوهر من القصر إلى القائد، ولم يخرج معه شيء إليه سوى ما كان عليه من الثياب، ثم لم يعد إليه، ونزل في داره بالقاهرة، وسيأتي أيضاً طرف من خبره وخبر سيده المعز في ترجمته إن شاء الله تعالى.
وكان ولده الحسين قائد القواد للحاكم صاحب مصر، وكان قد خاف على نفسه من الحاكم وولده وصهره القاضي عبد العزيز زوج أخته، فأرسل الحاكم من برهم وطيب قلوبهم، وآنسهم مدة مديدة، ثم حضروا للخدمة، فتقدم الحاكم إلى سيف النقمة وأشد، فاستصحب عشرة من الغلمان الأتراك، وقتلوا الحسين وصهره القاضي، وأحضروا رأسيهما بين يدي الحاكم " في القيامة يكون التحاكم ".
стр. 659
وفيها توفي سعد الدولة أبو المعالي شريف بن سيف الدولة بن حمدان الثعلبي صاحب حلب، وولي بعده ابنه سعد، فلما مات ابنه سعد انقرض ملك سيف الدولة من جهة ذريته.
وفيها توفي الحافظ أبو بكر ابن المقرىء محمد بن إبراهيم الأصفهاني صاحب الرحلة الواسعة، وقاضي الجماعة أبو بكر القرطبي المالكي صاحب التصانيف، وأحفظ أهل زمانه لمذهبه.
اثنتين وثمانين وثلاثمائة
فيها منع أبو الحسن بن المعلم الكوكبي الرافضة من عمل المآتم يوم عاشوراء الذي كان يعمل من نحو ثلاثين سنة، وأسقط طائفة من كبار الشهود الذين ولوا بالشفاعات، وقد كان استولى على أمور السلطان بهاء الدولة كلها.
وفيها شغبت الجند، وعسكروا، وبعثوا يطلبون من بهاء الدولة أن يسلم إليهم ابن المعلم، وصمموا على ذلك إلى أن قال له رسولهم: أيها الملك، اختر بقاءه أو بقاءك، فقبض حينئذ عليه وعلى أصحابه، ما زالوا به حتى قتلوه رحمة الله عليه.
وفيها توفي أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، أحد الأئمة في الأدب والحفظ، وهو صاحب أخبار ونوادر واتساع في الرواية، وله التصانيف المفيدة. وكان الصاحب بن عباد يريد الاجتماع به، ولا يجد إليه سبيلاً، فقال لمخدومه مريد الدولة: إن البلد الفلاني قد اختل حاله، وأحتاج إلى كشف، فأذن لي في ذلك، فأذن، فلما أن وصل توقع أن يزوره أبو أحمد المذكور، فلم يزره، فكتب الصاحب إليه:
ولما أبيتم أن تزوروا وقلتم ... ضعيف فلم نقدر على الوجدان
أتيناكم من بعد أرض نزوركم ... منزل بكر عندنا وعوان
وكتب مع ذلك شيئاً من نثر بحال أبي أحمد. والبيت المشهور:
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان
فعجب الصاحب من اتفاق هذا البيت له، وذكر أنه لو عرف أنه يقع له هذا البيت لغير الروي. والبيت المذكور لأخي الخنساء صخر بن عمرو بن الشريد مع أبيات أخرى، وكان قد حضر محاربة بني أسد، فطعنه ربيعة بن ثور الأسدي، فأدخل بعض حلقات الدرع في جنبه، وبقي مدة حول في أشد ما يكون من المرض، وأمه وزوجته سلمى تمرضانه، فضجرت زوجته منه، فمرت بها امرأة، فسألتها عن حاله فقالت: لا هو حي فيرجى، ولا
стр. 660
هو ميت فينسى فسمعها صخر فأنشد:
أرى أم صخر لا تمل عيادتي ... وملت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنازة ... عليك، ومن يغتر بالحدثان
لعمري لقد نبهت من كان نائماً ... وأسمعت من كانت له أذنان
وأي امرىء ساوى بأم جليلة ... فلا عاش إلا في شقى وهوان
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان
فللموت خير من حياة كأنها ... معرس يعسوب برأس سنان
ثلاث وثمانين وثلاثمائة
فيها توفي أبو محمد بن حزم بن الفرضي: كان جليلاً زاهداً شجاعاً مجاهداً، ولاه المستنصر القضاء فاستعفاه، وكان فقيهاً صلباً ورعاً، وكان يشبهونه بسفيان الثوري في زمانه.
وفيها توفي الزاهد الواعظ شيخ الكرامية، ورأسهم بنيسابور إسحاق بن حمشاد.
قال الحاكم: كان من العباد المجتهدين، يقال أسلم على يديه أكثر من خمسة آلاف، قال: ولم أر بنيسابور جنازة أكثر جمعاً من جنازته.
وفيها توفي محمد بن العباس الخوارزمي الشاعر المشهور ابن أخت محمد بن جرير الطبري العلاة المشكور، كان إماماً في اللغة والأنساب والأشعار. من الشعراء المجيدين الكبار.
يحكى أنه قصد حضرة الصاحب بن عباد، فلما وصل بابه قال لبعض حجابه: قل للصاحب: على الباب أحد أرباب الأدب، وهو يستأذن في الدخول، فدخل الحاجب فأعلمه بما قد تكلمه، فقال الصاحب: قل له: قد ألزمت نفسي ألا يدخل علي من أولي الأدب إلا من يحفظ عشرين ألف بيت من شعر العرب، فخرج إليه الحاجب، فأعلمه بما قال، فقال ارجع إليه وقل له: من شعر النساء أم من شعر الرجال؟ فدخل الحاجب، وأعاد عليه ذلك القول، فأذن الصاحب له حينئذ في الدخول، فدخل عليه، فعرفه، وانبسط في الكلام معه وله ما حوى من الفضائل ديوان شعر وديوان رسائل. من نظمه المشتمل على المعاني
стр. 661
الحسان هذان البيتان:
رأيتك إن أيسرت خيمت عندنا ... مقيماً وأن أعسرت زرت لماما
فما أنت إلا البدر إن قل ضوءه ... أغب، وإن زاد الضياء أقاما
وله ملح شهيرة ونوادر كثيرة، وكان قد فارق الصاحب بن عباد غير راض عنه، فقال في الإنشاد:
لا تحمدن ابن عباد وإن هطلت ... يداه بالجود حتى أخجل الديما
فإنها خطرات من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلاً ولا كرماً
فبلغ ذلك ابن عباد، فلما بلغه خبر موته أنشد:
أقول لركب من خراسان قافل ... أمات خويرزميكم؟ قيل لي: نعم
فقلنا اكتبوا بالجص من فوق قبره ... ألا لعن الرحمن من كفر النعم
أربع وثمانين وثلاثمائة
فيها اشتد البلاء بالعباد ببغداد، وقووا على الدولة وعلى رأسهم عزيزاً التفت عليهم خلق عظيم، فنهض السلطان وتفرغ لهم فهربوا. ولم يحج أحد الركب المصري.
وفيها توفي الحافظ أبو الفضل الهمداني السمسار الذي لما أملى الحديث باع طاحوناً له بسبع مائة دينار، ونثرها على المحدثين، قيل: كان ركناً من أركان الحديث، ديناً ورعاً، لا يخاف في الله لومة لائم، وله عدة مصنفات. والدعاء عند قبره مستجاب.
وفيها توفي محمد بن عمران المرزباني البغدادي المولد وصاحب التصانيف المشهورة، والمجاميع الغريبة. كان راوية للأدب، صاحب أخبار، وتواليفه كثيرة، وكان ثقة في الحديث مائلاً إلى التشيع في المذهب، حدث عن عبد الله بن محمد البغوي وأبي بكر بن داد السجستاني وآخرين. وهو أول من جمع ديوان يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وهو صغير الحجم يدخل في مقدار ثلاث كراديس، وجمعه جماعة من بعده، وزادوا فيه أشياء
стр. 662
ليست له. وشعره مع قلته في نهاية من الحسن، ومن محاسن شعره الأبيات التي منها قوله:
إذا رمت من ليلى على البعد نظرة ... لتطفي جوي بين الحشا والأضلع
تقول نساء الحي تطمح أن ترى ... محاسن ليلى من بداء المطامع
وكيف ترى ليلى بعين ترى بها ... سواها وما طهرتها بالمدامع
وتلتذ منها بالحديث وقد جرى ... حديث سواها في حزوق المسامع
أجلك يا ليلى عن العين إنما ... أراك بقلب خاشع لك خاضع
حزوق بالقاف هو المشهور عند الجمهور ورواه بعضهم بالتاء المثناة من فوق. رجعنا إلى ذكر المرزباني. روى عن دريد وابن الأنباري، وروى عنه أبو عبد الله الضميري وأبو القاسم التنوخي وأبو محمد الجوهري وغيرهم، والمرزباني لا يطلق عند العجم إلا على الرجل المقدم المعظم القدر، وتفسيره بالعربية حافظ الحد.
وفيها توفي المحسن بن علي بن محمد التنوخي الذي يقول فيه أبو عبد الله الشاعر:
إذا ذكر القضاة وهم شيوخ ... تخيرت الشباب على الشيوخ
ومن لم يرض لم اسقمه إلا ... بحسرة سيدي القاضي التنوخي
وله " كتاب الفرج بعد الشدة "، و " كتاب نشوار المحاضرة "، " كتاب المستجاد من فعالات الأجواد "، وديوان شعر أكبر من ديوان أبيه، وسمع بالبصرة من أبي العباس الأثرم وأبي بكر الصولي. والحسين بن محمد بن يحيى وطبقتهم. ونزل بغداد وأقام بها، وحدث بها إلى حين وفاته، وكان أديباً شاعراً أخبارياً، ولاه الإمام المطيع لله القضاء بعسكر المكرم ورامهرمز وتقفد أعمالاً كثيرة في نواحي مختلفة. ومن شعره في بعض المشايخ، وقد خرج يستقسي وكان في السماء سحاب فلما دعا أصحت السماء، فقال التنوخي المذكور:
خرجنا لنستسقي بفضل دعائه ... وقد كاد هدب الغيم أن يلحق الأرضا
فلما ابتدا يدعو تكشفت السما ... فما تم إلا والغمام قد انقضى
ومن الشعر المنسوب إليه:
قل للمليحة في الخمار المذهب ... أفسدت نسك أخي التقى المترهب
стр. 663
نور الخمار ونور خدك تحته ... عجباً لوجهك كيف لم يتلهب
وجمعت بين المذهبين فلم يكن ... للحسن عن ذهبيهما من مذهب
وإذا أتيت عيني لتسرق نظرة ... قال الشعاع لها اذهبي، لا تذهبي
قال ابن خلكان: وقد أذكرتني هذه الأبيات في الخمار المذهب حكاية وقفت عليها منذ زمان بالموصل، وهي أن بعض التجار قدم مدينة الرسول ﵌ ومعه حمل من الخمر السود فلم يجد لها طالباً، فكسدت عليه، وضاق صدره، فقيل له: ما ينفقها لك إلا المسكين الدارمي، وهو من مجيدي الشعراء الموصوفين بالطواف والخلاعة، فقصده، فوجده قد تزهد وانقطع في المسجد، فأتاه، وقص عليه القصة فقال: وكيف أعمل، وأنا قد تركت الشعر، وعكفت على هذه الحالة. فقال له التاجر: أنا رجل غريب، وليس معي بضاعة سوى هذا الحمل، وتضرع إليه، فخرج من المسجد، وأعاد لباسه الأول، وعمل هذين البيتين، وشهرهما:
قل للمليحة في الخمار الأسود ... ماذا أردت بناسك متعبد
قد كان شمر للصلاة إزاره ... حتى قعدت له بباب المسجد
وشاع بين الناس أن المسكين الدارمي قد رجع إلى ما كان عليه، وأحب واحدة ذات خماراً أسود، فلم يبق بالمدينة ظريفة إلا وطيب خمار أسود، فباع التاجر الحمل الذي كان معه بأضعاف ثمنه لكثرة رغباتهن فيه، فلما فرغ منه عاد مسكين إلى تعبده وانقطاعه.
وللتنوخي المذكور ولد كان أديباً فاضلاً، وكان يصحب أبا العلاء المعري، وأخذ عنه كثيراً، وكان يروي الشعر الكثير، وهم أهل بيت كلهم فضلاء أدباء ظرفاء. " والمحسن " بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر السين المهملة المشددة وبعدها نون.
وفيها توفي الرماني شيخ العربية أبو الحسن علي بن عيسى النحوي ببغداد. وله قريب من مائة مصنف، أخذ عن ابن دريد وابن السراج، وكان متفنناً في علوم كثيرة من القرآن والفقه والنحو والكلام على مذهب المعتزلة والتفسير واللغة.
وفيها توفي الحافظ أبو الحسن محمد بن العباس بن أحمد بن الفرات البغدادي.
سمع من أبي عبد الله المحاملي وطبقته، وجمع ما لم يجمعه أحد في وقته. قال الخطيب: بلغني أنه كان عنده عن علي بن محمد المصري وحده مائة جزء وإنة كتب مائة تفسير ومائة تاريخ وهو حجة ثقة.
وفيها توفي الإمام أبو الحسين الماسرجسي، شيخ الشافعية بخراسان محمد بن علي النيسابوري. قال الحاكم: كان أعرف الأصحاب بالمذهب وترتيبه، وتفقه بخراسان والعراق
стр. 664
والحجاز، وصحب الإمام أبا إسحاق المروزي مدة، وتفقه عليه، وصار ببغداد معيد أبي علي بن أبي هريرة، وهو صاحب وجه في المذهب، وعليه تفقه القاضي أبو الطيب الطبري، وسمع من أصحاب المزني ويونس بن عبد الأعلى والمؤمل بن الحسن، وعقد له مجلس الإملاء في دار السنة.
خمس وثمانين وثلاثمائة
فيها توفي الصاحب المعروف بابن عباد، وهو أبو القاسم إسماعيل بن أبي الحسن عباد بن أحمد بن إدريس الطالقاني. كان نادرة الدهر وأعجوبة العصر في فضائله ومكارمه. أخذ الأدب من أبي الحسين أحمد بن فارس اللغوي، صاحب كتاب المجمل في اللغة. وأخذ عن أبي الفضل بن العميد وغيرهما. وقال أبو منصور الثعلبي في كتابه اليتيمة في حقه: ليست بحضرتي عبارة أرضاها للإفصاح عن علو محله في العلم والأدب وجلالة شأنه في الجود والكرم، وتفرده بالغايات في المحاسن، وجمعه أشتات المفاخر، لأن همه قوتي ينخفض عن بلوغ أدنى فواضله ومعاليه، وجهد وصفي يقصر عن أيسر فضائله ومساعيه. ثم شرع في شرح بعض محاسنه وطرف من أحواله. وقال أبو بكر الخوارزمي في حقه: الصاحب نشأ من الوزارة في حجرها، ودب ودرج من وكرها، ورضع أفاويق درها، وورثها عن آبائه، كما قال أبو سعيد الرستمي في حقه:
ورث الوزارة كابراً عن كابر ... موصولة الأسناد بالأسناد
وروى عن العباد بن عباد: وقال بعضهم رأيت في أخباره أنه لم يسعد أحد بعد وفاته كما كان في حياته غير الصاحب، فإنه لما توفي أغلقت مدينة الري، واجتمع الناس على باب قصره ينتظرون خروج جنازته، وحضر مخدومه فخر الدولة، وسائر القواد، وقد غيروا لباسهم.
قلت إنه لم يسعد واحد بعد موته كما كان في حياته غيره من أرباب ولايات الدنيا، وما يفتخرون به من المناصب التي هي إن لم يسلم الله تعالى ما طيب، وهو أول من لقب بالصاحب من الوزراء، لأنه كان يصحب أبا الفضل بن العميد، فقيل له: صاحب بن العميد، ثم أطلق عليه هذا اللقب لما تولى الوزارة، وبقي علماً عليه.
وذكر الصابي في " كتاب الناجي " أنه إنما قيل له الصاحب لأنه صحب مؤيد الدولة منذ الصبا، وسماه الصاحب فاستمر هذا اللقب عليه، واشتهر به، ثم سمي به كل من تولى
стр. 665
الوزارة بعده. وكان أولاً وزير مؤيد الدولة أبي منصور بويه بضم الموحدة وفتح الواو وسكون المثناة من تحت وفي آخره هاء ساكنة ابن ركن الدولة الديلمي، تولى وزارته بعد أبي الفتح علي بن أبي الفضل بن العميد، فلما توفي مؤيد الدولة في سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، استولى على مملكته أخوه فخر الدولة أبو الحسن، فأقر الصاحب على وزارته، وكان مبجلاً عنده معظماً نافذ الأمر، وكان حسن الفطنه. كتب بعضهم إليه رقعه أغار فيها على رسائله، وسرق جملة من ألفاظه، فوقع تحتها هذه: " بضاعتنا ردت إلينا ".
وحبس بعض عياله في مكان ضيق بجواره، ثم صعد السطح يوماً، فأطلع عليه، فرآه، فناداه المحبوس بأعلى صوته، فاطلع فرآه في سواء الجحيم، فقال الصاحب: اخسؤوا فيها ولا تكلمون " قلت ": معنى أنك خاطبتنا بخطاب من هو معذب فأجبناك بالجواب الذي يجاب به أهل النار.
وله نوادر وتصانيف كثيرة، منها كتاب " المحيط " في اللغة، وهو سبع مجلدات، و " كتاب الكشف " عن مساوىء شعر المتنبي و " كتاب أسماء الله تعالى "، وصفاته، وكتب أخرى، وله رسائل بديعة ونظم جيد من جملته قوله:
رق الزجاج ورضت الخمر ... فتشابها فتشاكل الأمر
وكأنما خمر قدح ... وكأنما قدح ولا خمر
قلت وهذان البيتان يتمثل بهما في الأمور المحتملة المتشابهة، وممن يتمثل بهما شيخ عصره وإمام دهره شهاب الدين السهروردي قدس الله روحه.
وحكى أبو الحسين الفارسي النحوي أن نوح بن منصور أحد ملوك بني ساسان كتب إليه ورقة يستدعيه ليفوض إليه وزارته وتدبير أهل مملكته، فكان من جملة اعتذاره إليه أنه يحتاج لنقل كتبه إلى أربعمائة جمل في الظل لمن يبقى بها من التحمل.
وقال الإمام الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: حكى لي من أثق به أن الصاحب بن عباد كان إذا انتهى إلى ذكر الباقلآني وابن فورك والأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني وكانوا متناصرين من أصحاب الشيخ أبي الحسن الأشعري قال: الباقلآني بحر مغرق، وابن فورك جبل مطرق، والأسفراييني نار محرق.
قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: وكأن روح القدس نفث في روعه، حيث أخبر عن هؤلاء الثلاثة بما هو حقيقة الحال فيهم. انتهى.
وأخبار الصاحب بن عباد كثيرة، وفضائله بين أهل هذا الفن شهيرة، اقتصرت منها
стр. 666
على هذه النبذة اليسيرة. وكانت وفاته ليلة الجمعة الرابع والعشرين من صفر من السنة المذكورة بالري، ثم نقل إلى أصبهان، ودفن بمحلة تعرف بباب درية، ولما خرج نعشه صاح الناس بأجمعهم وقيل الأرض ومشى فخر الدولة أمام الجنازة مع الناس، وقعدوا للعزاء أياماً.
وقال أبو القاسم بن أبي العلاء الشاعر الأصبهاني: رأيت في المنام قائلاً يقول: لم لم ترث الصاحب مع فضلك وشعرك فقلت: ألجمتني كثرة محاسنه، فلم أدر بما أبدأ منها، وخفت أن أقصر، وقد ظن في الاستيفاء لها. فقال: احفظ واسمع ما أقوله فقلت: قل.
قال: ثوى الجود والكافي معاً تحت حفرة فقلت: ليأنس كل منهما بأخيه فقال: هما اصطحبا حيين ثم تعانقا فقلت: ضجيعين في لحدٍ بباب درية فقال: إذا ارتحل الثاوون من مستقرهم فقلت: أقاما إلى يوم القيامة فيه ومما رثاه الشعراء قول أبي سعيد الرستمي:
أبعد ابن عباد يهش إلى السرى ... أخو أهل ويستماح جواد
أبى الله إلا أن يموتا بموته ... فما لهما حتى المعا معاد
وفي السنة المذكورة توفي الإمام الحافظ المشهور، صاحب التصانيف الدارقطني أبو الحسن علي بن عمر البغدادي الدارقطني. قال الحاكم: صار أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع، وإماماً في النجاة، صادفته فوق ما وصف لي، وله مصنفات يطول ذكرها.
وقال الخطيب كان فريد عصره، وقريع دهره، ونسيج وحده. وإمام وقته، انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بمذاهب العلماء والأدب والشعر، قيل إنه يحفظ دواوين جماعة وقال أبو ذر الهروي: قلت للحاكم: هل رأيت مثل الدارقطني. فقال: هو لم ير مثل نفسه، فكيف أنا؟ وقال البزقاني: كان الدارقطني يملي علي العلل من حفظه وقال القاضي أبو الطيب الطبري: الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث وقال غيره: أخذ الفقه عن أبي سعيد الأصطخري الفقيه الشافعي. " قلت " يعني الإمام المشهور صاحب الوجوه في المذهب، قيل بل أخذه عن صاحب لأبي سعيد، وأخذ القراءات عرضاً وسماعاً عن محمد بن الحسن النقاش، وعلي بن سعيد القزاز، ومحمد بن الحسين الطبري، ومن في طبقتهم وسمع من ابن مجاهد وهو صغير، وروى عنه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني صاحب حلية الأولياء
стр. 667
وجماعة كثيرة. وصنف " كتاب السنن "، و " المؤتلف والمختلف " وغيرهما، وخرج من بغداد إلى مصر قاصداً أبا الفضل جعفر بن الفرات وزير كافور الأخشيذي، فإنه بلغه أن أبا الفضل عازم على تأليف مسند، فمضى إليه ليساعده عليه، وأقام عنده مدة، وبالغ أبو الفضل في إكرامه، وأنفق عليه نفقة واسعة، وأعطاه شيئاً كثيراً، وحصل له بسببه مال جزيل، ولم يزل عنده حتى فرغ المسند. وكان يجتمع هو والحافظ عبد الغني على تخريج المسند وكتابته، إلى أن تبحر. وقال الحافظ عبد الغني المذكور: أحسن كلاماً على حديث رسول الله ﵌ ثلاثة: علي بن المديني في وقته، وموسى بن هارون في وقته، والدارقطني في وقته أو كما قال.
وسأل الدارقطني يوماً أحد أصحابه: هل رأى الشيخ مثل نفسه. فامتنع من جوابه، وقال: قال الله تعالى " فلا تزكوا أنفسكم " سورة النجم، آية ٣٢، فألح عليه فقال: إن كان في فن واحد، فقد رأيت من هو أفضل مني، وإن كان من اجتمع فيه ما اجتمع في فلان، كان متفنناً في علوم كثيرة.
قلت: فهذا ما لخصته من أقوال العلماء في ترجمته، وكل ذلك مدح في حقه، إلا سفره إلى مصر من أجل الوزير المذكور، فإنه وإن كان ظاهره كما قالوا لمساعدة له في تخريج المسند المذكور، فلست أرى مثل هذا الإيقاع بأهل العلم، ولا بأهل الدين. ثم لما كان مثل هذه المساعدة بعض أهل العلم والدين لا يشوبه شيء من أمور الدنيا كان حسناً منه، وفضلاً وحرصاً على نشر العلم، والمساعدة في الخير. وبعيد عن تطاوع النفوس لمثل هذا إلا إذا وفق الله، وذلك نادر أو معدوم، وما على الفاضل المتدين من أرباب الولايات ألفوا أو لم يألفوا نعم، لو أرسل إليه بعضهم وقال: أرو عني كتابي وكان فيه نفع للمسلمين فلا بأس، فقد روينا عن شيخنا رضي الدين أربعين حديثاً، تخريج السلطان للملك، فظفر صاحب اليمن، وتوفي الدارقطني ﵀، وقد قارب الثمانين، أو كاد يبلغها، وصلى عليه الشيخ أبو حامد الأسفراييني.
وفي السنة المذكورة " توفي " الحافظ المفسر الواعظ صاحب التصانيف: أبو حفص ابن شاهين عمر بن أحمد البغدادي. قال الحسين بن المهدي بالله: قال لنا ابن شاهين صنف ثلاثمائة وثلاثين مصنفاً، منها " التفسير الكبير " ألف جزء، و " المسند " ألف وثلاثمائة
стр. 668
جزء، و " التاريخ " مائة وخمسون جزءاً. وقال ابن أبي الفوارس: ابن شاهين ثقة مأمون، جمع وصنف ما لم يصنفه أحد.
وفيها توفي أبو الحسن محمد بن عبد الله المعروف بابن سكرة، الأديب الهاشمي العباسي البغدادي، الشاعر المشهور، لا سيما في المزاح والمجون. وكان هو وابن نجاح يشبهان في وقتهما بجرير والفرزدق، ويقال إن ديوان ابن سكرة يزيد على خمسين ألف بيت. قال الثعالبي: وهو شاعر متسع العبارة في أنواع الإبداع، فاق في قول الظرف والملح على الفحول والأفراد، جاد في ميدان المجون والسخف ما أراد. قالوا وهو من ولد علي بن المهدي بن أبي جعفر المذكور المنصور الخليفة العباسي ومن بديع تشبيهه ما قاله في غلام رآه وفي يده غصن عليه زهر:
غصن بان بدا وفي اليد منه ... غصن فيه لؤلؤ منظوم
فتحيرت بين غصنين في ذا ... قمر طالع وفي ذا نجوم
ويقال إن الملحي البغدادي الشاعر كتب إلى ابن سكرة الهاشمي:
يا صديقاً أفادنيه زمان ... فيه ضيق بالأصدقاء ونصح
بين شخصي وشخصك بعد ... غير أن الخيال بالوصل سمح
إنما أوجب التباعد منا ... أنني سكر وأنك ملح
فكتب إليه ابن سكرة:
هل يقول الخليل يوماً لخل ... شاب منه محض المودة قدح
بيننا سكر فلا تفسدنه ... أم يقول بيني وبينك ملح؟
هكذا صوابه. أعني إن الأبيات الأولى لابن سكرة، والبيتين الأخيرين للملحي، خلاف ما رأيته في بعض التواريخ، حيث عكس ذلك، وهو غير مناسب لمفهوم نظمهما. ولابن سكرة أيضاً في الشباب:
لقد بان الشباب وكان غصناً ... له تمر وأوراق تظلك
وكان البعض منك فمات فاعلم ... متى ما مات بعضك مات كلك
وله أيضاً من أبيات له في هجاء بعض الرؤساء:
стр. 669
ولا تقل ليس في عيب ... قد تقذف الحرة العفيفه
والشعر نار بلا دخان ... وللقوافي رؤى لطيفه
كم من ثقيل المحل شام ... هوت به أحرف خفيفه
لو هجي المسك وهو أهل ... لكل مدح لصار جيفه
وله:
قيل ما أعددت للبر ... د فقد جاء بشدة
قلت: دراعة عري ... تحتها جية رعدة
وله في الشتاء الكافات المشهورة.
وفي إعراضها قلت مشيراً إلى نصحتين: الأولى لبني الدنيا الراغبين، والثانية لبني الدين الزاهدين:
وهي كانون مصطل، ففصل ... الشتاء يا صاح بالبرد مقبل
وأوله في الفجر سبع لشوكه ... وشمس تجدي لذي شوى وتوكل
بأول كانونين خامس عشرة ... تكون فإن كنت أنصحت فقل
فخذ عشر كافات خلت عن خلاعة ... على الفسق تغري الفاسقين وتحمل
كل الكبش واكتس بالكسافي أريكة ... للحلا زكت والكبش عندك يكمل
ولكن أولى النصح ما فيه قلته ... وإن لم أكن ممن إذا قال يفعل
تمسكن وكن في كن كونك ناسكاً ... وكل كلما يلقى إليك التوكل
تأس بمسكين وواس بممكن ... وفكر بمن فوق المزابل ينزل
وللنفس قل هل من نعيم ورفعة ... كمثل جنان هم بها منك أفضل
بخمس ما بين سابقون بخيرها ... لهم في علاها فوق رأسك منزل
وهذا إذا صادفت سعد عناية ... وقرب بها باقون من تلك يدخل
قصور وحور لا تطاق صفاتها ... وكل نعيم ما له العقل يعقل
إلهي بجاه المصطفى لا حرمتنا ... نعيماً بها يا نعم مولى مؤمل
وصل على تاج العلى سيد الورى ... رسول كريم لا يساويه مرسل
وفي السنة المذكورة توفي الفقيه العلامة الزاهد الورع الخاشع البكاء المتواضع، أبو بكر الأودني، شيخ الشافعية ببخارى. ومن غرائب وجوهه في المذهب أن الربا حرام في كل شيء، فلا يجوز بيع شيء بجنسه متفاضلاً.
وفيها توفي أبو محمد يوسف بن أبي سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي النحوي
стр. 670
اللغوي الإخباري الفاضل ابن الفاضل، قد تقدم ذكر أبيه في سنة ثمان وستين مع ذكر شيء من فضائله، وهو السيرافي المشهور بين النحاة، وهذا ابنه كان عالماً بالنحو، وتصدر في مجلس أبيه بعد موته، وخلفه على ما كان عليه، وكمل كتاب أبيه الذي سماه " الإقناع " وهو كتاب جليل نافع في بابه. فإن أباه كان قد شرح كتاب سيبويه، وظهر له بالإطلاع والبحث في حال التصنيف ما لم يظهر لغيره من المعاني، ثم صنف " الإقناع " وكأنه ثمرة استفادته حال البحث والتصنيف، ومات قبل إكماله فكمله ولده المذكور. وليوسف عدة كتب، منها: " شرح أبيات كتاب سيبويه " وهو في غاية من الجودة. و " شرح أبيات كتاب إصلاح المنطق "، وأجاد فيه أيضاً، وكذلك " شرح أبيات المجاز " لأبي عبيدة، و " أبيات معاني الزجاج "، و " أبيات غريب أبي عبيد القاسم بن سلام " وغير ذلك. وكانت كتب اللغة تقرأ عليه مرة رواية، ومرة دراية، و " كتاب البارع " للمفضل بن سلمة في عدة مجلدات هذب " كتاب العين " في اللغة المنسوب إلى الخليل، وأضاف إليه من اللغة طرفاً صالحاً وعن عبد السلام البصري خازن دار العلم ببغداد قال: كنت في مجلس أبي سعيد السيرافي وبعض أصحابه يقرأ عليه إصلاح المنطق لابن السكيت فمر ببيت جميل:
ومطوية الأتراب أما نهارها ... فمكث وأما ليلها فذميل
وقال أبو محمد يوسف بومطوية بالخفض أصلح. ثم التفت إلينا وقال: هذه وأورب فقلت: أطال الله بقاء القاضي، إن قبله ما يدل على الرفع، فقال: ما هو. قلت:
إياك في الله الذي أنزل الهدى ... والنور والإسلام عليك دليل
ومطوية الأتراب، قال فعاد وأصلحه، وكان ابنه أبو محمد حاضر، فتغير وجهه لذلك، ونهض لساعته إلى دكانه، فباعه واشتغل بالعلم إلى أن برع فشرح كتاب المنطق وحدث من وراءه بعمل هذا الشرح، وبين يديه أربعمائة ديوان، ولم يزل أمره على سداد واشتغال وإفادة إلى أن توفي، وكان ديناً صالحاً ورعاً متقشفاً ﵀.
؟؟
ست وثمانين وثلاثمائة
فيها توفي شيخ الإسلام، قدوة الأولياء الكرام أبو طالب المكي صاحب قوت القلوب محمد بن علي بن عطية الحارثي، نشأ بمكة، وتزهد، ولقي الصوفية، وصنف ووعظ، وكان في البداية صاحب رياضة ومجاهدة، وفي النهاية صاحب أسرار ومشاهدة وأستاذه الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبو الحسن بن سالم البصري.
وفيها توفي العزيز بالله أبو منصور، نزار بن المعز بالله معد بن المنصور إسماعيل القاسم بن محمد بن المهدي العبيدي الباطن، صاحب المعز ومصر والشام، ولي الأمر بعد
следующие страницы →