Полный текст (1 334 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
على هذه النبذة اليسيرة. وكانت وفاته ليلة الجمعة الرابع والعشرين من صفر من السنة المذكورة بالري، ثم نقل إلى أصبهان، ودفن بمحلة تعرف بباب درية، ولما خرج نعشه صاح الناس بأجمعهم وقيل الأرض ومشى فخر الدولة أمام الجنازة مع الناس، وقعدوا للعزاء أياماً.
وقال أبو القاسم بن أبي العلاء الشاعر الأصبهاني: رأيت في المنام قائلاً يقول: لم لم ترث الصاحب مع فضلك وشعرك فقلت: ألجمتني كثرة محاسنه، فلم أدر بما أبدأ منها، وخفت أن أقصر، وقد ظن في الاستيفاء لها. فقال: احفظ واسمع ما أقوله فقلت: قل.
قال: ثوى الجود والكافي معاً تحت حفرة فقلت: ليأنس كل منهما بأخيه فقال: هما اصطحبا حيين ثم تعانقا فقلت: ضجيعين في لحدٍ بباب درية فقال: إذا ارتحل الثاوون من مستقرهم فقلت: أقاما إلى يوم القيامة فيه ومما رثاه الشعراء قول أبي سعيد الرستمي:
أبعد ابن عباد يهش إلى السرى ... أخو أهل ويستماح جواد
أبى الله إلا أن يموتا بموته ... فما لهما حتى المعا معاد
وفي السنة المذكورة توفي الإمام الحافظ المشهور، صاحب التصانيف الدارقطني أبو الحسن علي بن عمر البغدادي الدارقطني. قال الحاكم: صار أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع، وإماماً في النجاة، صادفته فوق ما وصف لي، وله مصنفات يطول ذكرها.
وقال الخطيب كان فريد عصره، وقريع دهره، ونسيج وحده. وإمام وقته، انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بمذاهب العلماء والأدب والشعر، قيل إنه يحفظ دواوين جماعة وقال أبو ذر الهروي: قلت للحاكم: هل رأيت مثل الدارقطني. فقال: هو لم ير مثل نفسه، فكيف أنا؟ وقال البزقاني: كان الدارقطني يملي علي العلل من حفظه وقال القاضي أبو الطيب الطبري: الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث وقال غيره: أخذ الفقه عن أبي سعيد الأصطخري الفقيه الشافعي. " قلت " يعني الإمام المشهور صاحب الوجوه في المذهب، قيل بل أخذه عن صاحب لأبي سعيد، وأخذ القراءات عرضاً وسماعاً عن محمد بن الحسن النقاش، وعلي بن سعيد القزاز، ومحمد بن الحسين الطبري، ومن في طبقتهم وسمع من ابن مجاهد وهو صغير، وروى عنه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني صاحب حلية الأولياء
стр. 667
وجماعة كثيرة. وصنف " كتاب السنن "، و " المؤتلف والمختلف " وغيرهما، وخرج من بغداد إلى مصر قاصداً أبا الفضل جعفر بن الفرات وزير كافور الأخشيذي، فإنه بلغه أن أبا الفضل عازم على تأليف مسند، فمضى إليه ليساعده عليه، وأقام عنده مدة، وبالغ أبو الفضل في إكرامه، وأنفق عليه نفقة واسعة، وأعطاه شيئاً كثيراً، وحصل له بسببه مال جزيل، ولم يزل عنده حتى فرغ المسند. وكان يجتمع هو والحافظ عبد الغني على تخريج المسند وكتابته، إلى أن تبحر. وقال الحافظ عبد الغني المذكور: أحسن كلاماً على حديث رسول الله ﵌ ثلاثة: علي بن المديني في وقته، وموسى بن هارون في وقته، والدارقطني في وقته أو كما قال.
وسأل الدارقطني يوماً أحد أصحابه: هل رأى الشيخ مثل نفسه. فامتنع من جوابه، وقال: قال الله تعالى " فلا تزكوا أنفسكم " سورة النجم، آية ٣٢، فألح عليه فقال: إن كان في فن واحد، فقد رأيت من هو أفضل مني، وإن كان من اجتمع فيه ما اجتمع في فلان، كان متفنناً في علوم كثيرة.
قلت: فهذا ما لخصته من أقوال العلماء في ترجمته، وكل ذلك مدح في حقه، إلا سفره إلى مصر من أجل الوزير المذكور، فإنه وإن كان ظاهره كما قالوا لمساعدة له في تخريج المسند المذكور، فلست أرى مثل هذا الإيقاع بأهل العلم، ولا بأهل الدين. ثم لما كان مثل هذه المساعدة بعض أهل العلم والدين لا يشوبه شيء من أمور الدنيا كان حسناً منه، وفضلاً وحرصاً على نشر العلم، والمساعدة في الخير. وبعيد عن تطاوع النفوس لمثل هذا إلا إذا وفق الله، وذلك نادر أو معدوم، وما على الفاضل المتدين من أرباب الولايات ألفوا أو لم يألفوا نعم، لو أرسل إليه بعضهم وقال: أرو عني كتابي وكان فيه نفع للمسلمين فلا بأس، فقد روينا عن شيخنا رضي الدين أربعين حديثاً، تخريج السلطان للملك، فظفر صاحب اليمن، وتوفي الدارقطني ﵀، وقد قارب الثمانين، أو كاد يبلغها، وصلى عليه الشيخ أبو حامد الأسفراييني.
وفي السنة المذكورة " توفي " الحافظ المفسر الواعظ صاحب التصانيف: أبو حفص ابن شاهين عمر بن أحمد البغدادي. قال الحسين بن المهدي بالله: قال لنا ابن شاهين صنف ثلاثمائة وثلاثين مصنفاً، منها " التفسير الكبير " ألف جزء، و " المسند " ألف وثلاثمائة
стр. 668
جزء، و " التاريخ " مائة وخمسون جزءاً. وقال ابن أبي الفوارس: ابن شاهين ثقة مأمون، جمع وصنف ما لم يصنفه أحد.
وفيها توفي أبو الحسن محمد بن عبد الله المعروف بابن سكرة، الأديب الهاشمي العباسي البغدادي، الشاعر المشهور، لا سيما في المزاح والمجون. وكان هو وابن نجاح يشبهان في وقتهما بجرير والفرزدق، ويقال إن ديوان ابن سكرة يزيد على خمسين ألف بيت. قال الثعالبي: وهو شاعر متسع العبارة في أنواع الإبداع، فاق في قول الظرف والملح على الفحول والأفراد، جاد في ميدان المجون والسخف ما أراد. قالوا وهو من ولد علي بن المهدي بن أبي جعفر المذكور المنصور الخليفة العباسي ومن بديع تشبيهه ما قاله في غلام رآه وفي يده غصن عليه زهر:
غصن بان بدا وفي اليد منه ... غصن فيه لؤلؤ منظوم
فتحيرت بين غصنين في ذا ... قمر طالع وفي ذا نجوم
ويقال إن الملحي البغدادي الشاعر كتب إلى ابن سكرة الهاشمي:
يا صديقاً أفادنيه زمان ... فيه ضيق بالأصدقاء ونصح
بين شخصي وشخصك بعد ... غير أن الخيال بالوصل سمح
إنما أوجب التباعد منا ... أنني سكر وأنك ملح
فكتب إليه ابن سكرة:
هل يقول الخليل يوماً لخل ... شاب منه محض المودة قدح
بيننا سكر فلا تفسدنه ... أم يقول بيني وبينك ملح؟
هكذا صوابه. أعني إن الأبيات الأولى لابن سكرة، والبيتين الأخيرين للملحي، خلاف ما رأيته في بعض التواريخ، حيث عكس ذلك، وهو غير مناسب لمفهوم نظمهما. ولابن سكرة أيضاً في الشباب:
لقد بان الشباب وكان غصناً ... له تمر وأوراق تظلك
وكان البعض منك فمات فاعلم ... متى ما مات بعضك مات كلك
وله أيضاً من أبيات له في هجاء بعض الرؤساء:
стр. 669
ولا تقل ليس في عيب ... قد تقذف الحرة العفيفه
والشعر نار بلا دخان ... وللقوافي رؤى لطيفه
كم من ثقيل المحل شام ... هوت به أحرف خفيفه
لو هجي المسك وهو أهل ... لكل مدح لصار جيفه
وله:
قيل ما أعددت للبر ... د فقد جاء بشدة
قلت: دراعة عري ... تحتها جية رعدة
وله في الشتاء الكافات المشهورة.
وفي إعراضها قلت مشيراً إلى نصحتين: الأولى لبني الدنيا الراغبين، والثانية لبني الدين الزاهدين:
وهي كانون مصطل، ففصل ... الشتاء يا صاح بالبرد مقبل
وأوله في الفجر سبع لشوكه ... وشمس تجدي لذي شوى وتوكل
بأول كانونين خامس عشرة ... تكون فإن كنت أنصحت فقل
فخذ عشر كافات خلت عن خلاعة ... على الفسق تغري الفاسقين وتحمل
كل الكبش واكتس بالكسافي أريكة ... للحلا زكت والكبش عندك يكمل
ولكن أولى النصح ما فيه قلته ... وإن لم أكن ممن إذا قال يفعل
تمسكن وكن في كن كونك ناسكاً ... وكل كلما يلقى إليك التوكل
تأس بمسكين وواس بممكن ... وفكر بمن فوق المزابل ينزل
وللنفس قل هل من نعيم ورفعة ... كمثل جنان هم بها منك أفضل
بخمس ما بين سابقون بخيرها ... لهم في علاها فوق رأسك منزل
وهذا إذا صادفت سعد عناية ... وقرب بها باقون من تلك يدخل
قصور وحور لا تطاق صفاتها ... وكل نعيم ما له العقل يعقل
إلهي بجاه المصطفى لا حرمتنا ... نعيماً بها يا نعم مولى مؤمل
وصل على تاج العلى سيد الورى ... رسول كريم لا يساويه مرسل
وفي السنة المذكورة توفي الفقيه العلامة الزاهد الورع الخاشع البكاء المتواضع، أبو بكر الأودني، شيخ الشافعية ببخارى. ومن غرائب وجوهه في المذهب أن الربا حرام في كل شيء، فلا يجوز بيع شيء بجنسه متفاضلاً.
وفيها توفي أبو محمد يوسف بن أبي سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي النحوي
стр. 670
اللغوي الإخباري الفاضل ابن الفاضل، قد تقدم ذكر أبيه في سنة ثمان وستين مع ذكر شيء من فضائله، وهو السيرافي المشهور بين النحاة، وهذا ابنه كان عالماً بالنحو، وتصدر في مجلس أبيه بعد موته، وخلفه على ما كان عليه، وكمل كتاب أبيه الذي سماه " الإقناع " وهو كتاب جليل نافع في بابه. فإن أباه كان قد شرح كتاب سيبويه، وظهر له بالإطلاع والبحث في حال التصنيف ما لم يظهر لغيره من المعاني، ثم صنف " الإقناع " وكأنه ثمرة استفادته حال البحث والتصنيف، ومات قبل إكماله فكمله ولده المذكور. وليوسف عدة كتب، منها: " شرح أبيات كتاب سيبويه " وهو في غاية من الجودة. و " شرح أبيات كتاب إصلاح المنطق "، وأجاد فيه أيضاً، وكذلك " شرح أبيات المجاز " لأبي عبيدة، و " أبيات معاني الزجاج "، و " أبيات غريب أبي عبيد القاسم بن سلام " وغير ذلك. وكانت كتب اللغة تقرأ عليه مرة رواية، ومرة دراية، و " كتاب البارع " للمفضل بن سلمة في عدة مجلدات هذب " كتاب العين " في اللغة المنسوب إلى الخليل، وأضاف إليه من اللغة طرفاً صالحاً وعن عبد السلام البصري خازن دار العلم ببغداد قال: كنت في مجلس أبي سعيد السيرافي وبعض أصحابه يقرأ عليه إصلاح المنطق لابن السكيت فمر ببيت جميل:
ومطوية الأتراب أما نهارها ... فمكث وأما ليلها فذميل
وقال أبو محمد يوسف بومطوية بالخفض أصلح. ثم التفت إلينا وقال: هذه وأورب فقلت: أطال الله بقاء القاضي، إن قبله ما يدل على الرفع، فقال: ما هو. قلت:
إياك في الله الذي أنزل الهدى ... والنور والإسلام عليك دليل
ومطوية الأتراب، قال فعاد وأصلحه، وكان ابنه أبو محمد حاضر، فتغير وجهه لذلك، ونهض لساعته إلى دكانه، فباعه واشتغل بالعلم إلى أن برع فشرح كتاب المنطق وحدث من وراءه بعمل هذا الشرح، وبين يديه أربعمائة ديوان، ولم يزل أمره على سداد واشتغال وإفادة إلى أن توفي، وكان ديناً صالحاً ورعاً متقشفاً ﵀.
؟؟
ست وثمانين وثلاثمائة
فيها توفي شيخ الإسلام، قدوة الأولياء الكرام أبو طالب المكي صاحب قوت القلوب محمد بن علي بن عطية الحارثي، نشأ بمكة، وتزهد، ولقي الصوفية، وصنف ووعظ، وكان في البداية صاحب رياضة ومجاهدة، وفي النهاية صاحب أسرار ومشاهدة وأستاذه الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبو الحسن بن سالم البصري.
وفيها توفي العزيز بالله أبو منصور، نزار بن المعز بالله معد بن المنصور إسماعيل القاسم بن محمد بن المهدي العبيدي الباطن، صاحب المعز ومصر والشام، ولي الأمر بعد
стр. 671
أبيه. وكان شجاعاً جواداً حليماً قريباً من الناس، لا يحب سفك الدماء، له أدب وشعر، وكان مغرماً بالصيد، وقام بعده ابنه الحاكم.
وذكر بعض المؤرخين أنه هو الذي اختط أساس الجامع بالقاهرة مما يلي باب الفتوح، وفي أيامه بني قصر البخرة بالقاهرة الذي لم يبن مثله شرقاً ولا غرباً، وقصر الذهب، وجامع القرافة. وقيل: كتب نزار المذكور إلى المرواني صاحب الأندلس كتاباً يسبه فيه ويهجوه، فكتب إليه: أما بعد فإنك قد عرفتنا، فهجوتنا، ولو عرفتك لأجبتك، والسلام فاشتد على نزار، وأقحم عن الجواب وأكثر أهل العلم بالأنساب لا يصححون نسب العبيديين إلى رسول الله ﵌ على ما حكاه بعضهم.
قلت وسيأتي ذكر الطعن في نسبه في محضر فيه خطط جماعة من الأئمة المشهورين في العراق، وفي مبادي ولاية العزيز المذكور صعد المبرد يوم الأحد فوجد هناك ورقة، فيها مكتوب.
إنا سمعنا نسباً منكراً ... يتلى على المنبر في الجامع
إن كنت فيما تدعي صادقاً ... فاذكر ما بعد الأب الرابع
وإن ترد تحقيق ما قلته ... فأنسب لنا نفسك كالطائع
وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن حسن الأسترابادي، ختن أبي بكر الإسماعيلي، وكان صاحب وجه في المذهب، وله مصنفات، وكان أديباً بارعاً مفسراً مناظراً. روى عن أبي نعيم عبد الملك بن عدي الجرجاني، وعاش خمساً وسبعين سنة، وتوفي يوم عرفة رحمه الله تعالى.
سنة سبع وثمانين وثلاثمائة
فيها توفي الشيخ العارف المنطق بالحكم والمعارف، والحبر الواعظ الإمام السيد جليل، قدوة الأنام، سني الأحوال الذي على فضله الأفاضل مجمعون، عالي المقام أبو حسين محمد بن أحمد المعروف بابن شمعون.
قال الإمام الحافظ أبو بكر بن إسماعيل: أبو الحسين الواعظ المعروف بابن شمعون كان واحد دهره، وفريد عصره في الكلام على الخواطر والإشارات، ولسان الوعظ دون ناس حكمه، وجمعوا كلامه، قال: وكان بعض شيوخنا إذا حدث عنه قال: حدثنا الشيخ جليل المنطق بالحكمة أبو الحسين بن شمعون.
стр. 672
وقال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي: محمد بن أحمد بن شمون لسان الوقت، والمرجوع إليه في آداب الظاهر، يذهب إلى أشد المذاهب، وهو إمام التكلم على هذا الشأن في الوقت، والمعبر عن الأحوال بألطف بيان، مع ما يرجع إليه من صحة الاعتقاد، وصحبة الفقراء.
وروى الحافظ أبو القاسم ابن عساكر بسنده إلى أبي بكر الأصفهاني خادم الشيخ أبي بكر الشبلي قال: كنت بين يدي الشبلي في الجامع، يوم الجمعة، فدخل أبو الحسين ابن شمعون وهو صبي على رأسه قلنسوة فجاز علينا، وما سلم، فنظر الشبلي إلى ظهره وقال: يا أبا بكر: أتدري أي شيء لله تعالى في هذا الفتى من الذخائر.
وبسند الحافظ أبي القاسم إلى النجيب عبد الغفار بن عبد الواحد الأموي قال: كان القاضي أبو بكر الأشعري، وأبو حامد يقبلان يد ابن شمعون يعني الإمامين ناصر السنة وقامع البدعة شيخ الأكابر من أئمة الأصول الجهابذة الحذاق، والإمام الكبير السيد الشهير شيخ طريقة العراق. قال: وكان القاضي - يعني الباقلاني - يقول: ربما خفي علي من كلامه بعض شيء لدقته.
وروى الحافظ أبو القاسم أيضاً بسنده: إنه كان في أول عمره ينسخ بأجرة، ويعول بأجرة نسخه على نفسه وعلى أمه، وكان كثير البر لها فجلس يوما ينسخ وهي جالسة بقربه فقال لها: أحب أن أحج، قالت: يا ولدي، كيف يمكنك الحج، وما معك نفقة، ولا لي ما أنفقه. إنما عيشنا من أجرة هذا النسخ، وغلب عليها النوم، فنامت، وانتبهت بعد ساعة فقالت: يا ولدي، حج، فقال لها: منعت قبل النوم، وأذنت بعده. فقالت: رأيت الساعة رسول الله ﵌ وهو يقول: دعيه، فإن الخيرة له في حجه في الآخرة والأولى. ففرح، وباع من دفاتره ماله قيمة، ودفع إليها من ثمنها نفقتها، وخرج مع الحجاج، فأخذ العرب الحاج، وأخذ في الجملة.
قال ابن شمعون: فبقيت عرياناً، فوجدت مع رجل عباءة كانت على عدل، فقلت له: هب لي هذه العباءة أستر نفسي بها، فقال: خذها، فجعلت نصفها على وسطي، ونصفها على كتفي وكان عليها مكتوب: يا رب سلم مبلغ رحمتك، يا أرحم الراحمين. وكنت إذا غلب علي الجوع، ووجدت قوماً يأكلون، وقفت أنظر إليهم، فيدفعون إلي كسرة، فأقنع بها ذلك اليوم. ووصلت إلى مكة، فغسلت العبادة، وأحرمت بها، وسألت أحد بني شيبة أن يدخلني البيت. وعرفته فقري، فأدخلني بعد خروج الناس، وأغلق الباب، فقلت: اللهم
стр. 673
أنك بعلمك غني عن إعلامي بحالي، اللهم ارزقني معيشة أستغني بها عن سؤال الناس؟ فسمعت قائلاً يقول من ورائي: اللهم إنه ما يحسن أن يدعوك، اللهم ارزقه عيشاً بلا معيشة. فالتفت فلم أر أحداً، فقلت: هذا الخضر أو أحد الملائكة الكرام على الجميع السلام قال: فأعدت القول، فأعاد الدعاء، فأعدت، فأعاد ثلاث مرات وعدت إلى بغداد، وكان الخليفة قد حرم جارية من جواريه، وأراد إخراجها من الدار، فكره ذلك إشفاقاً عليها. قال أبو محمد ابن السني: فقال الخليفة: اطلبوا رجلاً مستوراً، يصلح أن يزوج هذه الجارية. فقال بعض من حضر: قد وصل ابن شمعون من الحج، وهو يصلح لها، فاستصوب الجماعة قوله، وتقدم بإحضاره وبكل حضار الشهود فأحضروا، وزوج بالجارية، ونقل معها من المال والثياب والجواهر ما يحمل بالملوك. وكان ابن شمعون يجلس على الكرسي للوعظ فيقول: أيها الناس، خرجت حاجاً، وكان من حالي كذا وكذا وشرح حاله جميعه وأنا اليوم علي من الثياب ما ترون، ووطئتي ما تعرفون، ولو وطئت على العتبة تألمت من الدلال، ونفسي تلك.
وروى الحافظ والخطيب عنه: إنه خرج من مدينة النبي ﵌ قاصداً بيت المقدس، وحمل في صحبته تمراً صيحانياً، فلما وصل إلى بيت المقدس طالبته نفسه بأكل الرطب، فأقبل عليها باللائمة، وقال: من أين لنا في هذا الموضع رطب. فلما كان وقت الافطار، عمد إلى التمر ليأكل منه، فوجده رطباً صيحانياً، فأكل منه شيئاً، ثم عاد إليه من الغد، فوجده تمرا على حالته، فأكل منه، أو كما قال.
وكان له حسن الوعظ، وحلاوة الإشارة، ولطف العبارة. أدرك جماعة من جلة المشايخ، وروى عنه منهم الشيخ الكبير العارف أستاذ الطريقه، ولسان الحقيقة، وبحر المعارف أبو بكر الشبلي، وروى عن أبي بكر بن داود وجماعة، وأملى عدة مجالس، وروى الصاحب بن عباد قال: سمعت ابن شمعون يوماً، وهو على الكرسي في مجلس وعظ يقول: سبحان من أنطق باللحم، وبصر بالشحم، وأسمع بالعظم إشارة إلى اللسان والعين والأذن وهذه عن لطائف الاشارات.
ومن كلامه أيضاً: رأيت المعاصي نزلة، فتركتها مروءة، فاستحالت ديانة. وله كل معنى لطيف كان لأهل العراق فيه اعتقاد كثير، ولهم به غرام شديد، وإياه عنى الحريري في المقامة الحادية والعشرين وهي الرازية بقوله في أوائلها: رأيت ذات بكرة زمرة أسرر تمرات،. وهم منتشرون انتشار الجراد، مستنون استنان الجياد، ومتواصفون واعظاً يقصدونه، ويجعلونه ابن شمعون دونه وكان مولده سنة ثلاثمائة، وتوفي ﵀ في نصف ذي القعدة يوم الجمعة، وقيل ذي الحجة من السنة المذكورة، ولم يخلف ببغداد بعده
стр. 674
مثله ﵀.
وفيها توفي أبو طاهر ابن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي.
والفقيه الإمام أبو عبد الله ابن بطة الحنبلي.
ثمان وثمانين وثلاثمائة
فيها توفي الحافظ أبو بكر، أحمد بن عبدان الشيرازي الصيرفي، كان من كبار المحدثين.
وفيها توفي الحافظ أبو عبد الله: حسيين بن أحمد بن عبد الله بن بكير البغدادي الصيرفي. كان عجباً في حفظ الحديث وسرده.
وفيها توفي الإمام الكبير الخير الشهير أبو سليمان الخطابي أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي الشافعي. كان فقيهاً أديباً محدثاً، وله التصانيف البديعة، منها " أعلام السنن " في شرح البخاري، و " معالم السنن " في شرح سنن أبي داود، و " غريب الحديث "، و " كتاب إصلاح غلط المحدثين "، و " كتاب الشرح "، و " كتاب بيان الدعاء " وغير ذلك، سمع بالعراق أبا علي الصفار، وأبا جعفر الرزاز وغيرهما.
وروى عنه الحاكم أبو عبد الله بن البيع النيسابوري، وعبد الغفار بن محمد الفارسي، وأبو القاسم عبد الوهاب بن أبي سهل الخطابي، وذكر صاحب يتيمة الدهر، وأنشد له:
وما غمة الإنسان في شقة النوى ... ولكنها والله في عدم الشكلي
وإلى غريب بين بست وأهلها ... وإن كان فيها أسرتي وبها أصلي
стр. 675
قلت يعني بالشكلي: المشاركة في أوصافه، وأسرة الرجل بالضم رهطه والغمة بالضم الكربة. وأنشد له أيضاً:
فسامح ولا تستوف حقك كله ... وأبق فلم يستوف قط كريم
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم
قلت هكذا يحفظ ذميم، وفي الأصل الذي وقفت عليه من نقل ابن خلكان سليم، ومعناه غير صحيح، فإن الطرفين إما إفراط، وإما تفريط. قالوا: وكان يشبه في عصره بأبي عبيد القاسم بن سلام علماً وأدباً وزهداً وورعاً وتدريساً وتأليفاً. والبستي بضم الموحدة، وسكون السين المهملة، والمثناة من فوق نسبة إلى بست: مدينة من بلاد كابل، بين هراة وغزنة، كثيرة الأشجار والأنهار..
قال الحاكم أبو عبد الله: سألت أبا القاسم المظفر بن طاهر عن اسم أبي سليمان الخطابي: أحمد أو حمد؟ فقال: سمعته يقول اسمي الذي سميت به حمد، ولكن الناس كتبوا أحمد، فتركته عليه.
وقال أبو القاسم المذكور: أنشدنا أبو سليمان لنفسه:
ما دمت حياً فدار الناس كلهم ... فإنما أنت في دار المداراة
من يدر دارى، ومن لم يدر سوف يرى ... عما قليل نديماً للندامات
قلت داري قوله هذا: مأخوذ من القول السائر في ألسنة الناس، متضمناً للجناس: " دارهم ما دمت في دارهم " قلت: وهذا الإطلاق الذي أطلقه وأجمله، أرى فيه تقييداً وتفصيلاً، وقد خطر لي وقت وقوفي على هذين البيتين معارضتهما ببيتين، فقلت:
إن كنت بالناس مشغولاً فدارهم ... أو كنت بالله ذا شغل وهمات
فلا تعلق سوى بالله ذائقة ... إن المهيمن كافيك المهمات
وفيها توفي الحاتمي محمد بن الحسن بن المظفر الكاتب اللغوي البغدادي، أحد الأعلام المشاهير المطلعين المكثرين. أخذ الأدب عن أبي عمرو الزاهد المعروف بالمطرز غلام ثعلب. روى عنه وعن غيره أيضاً، وأخذ عنه جماعة من النبلاء، منهم القاضي أبو قاسم التنوخي، وله الرسالة الحاتمية التي شرح فيها ما جرى بينه وبين المتنبي من إظهار سرقاته وإبانة عيوب شعره، ولقد دلت رسالته على غزارة مادته وتوقر إطلاعه، وسماها
стр. 676
الموضحة، وهي كثيرة في اثنتي عشرة كراسة، شهدت لصاحبها بالفضل الباهر، مع سرعة الاستحضار، وإقامة الشاهد، وله " كتاب حلية المحاضرة " يدخل في مجلدين و " الحاتمي " نسبة إلى بعض أجداد له اسمه حاتم.
حكى في أول رسالته المذكورة السبب الحامل له على إنشائها، فقال: لما ورد أحمد بن الحسين المتنبي مدينه السلام منصرفاً عن مصر ومتعرضاً للوزير أبي محمد المهلبي بالتخيم عليه، والمقام لديه، التحف رداء الكبر، وأرسل ذيول التيه، ونأى بجانبه استكباراً وثنى عطفه وازدراءاً. وكان لا يلاقي أحداً إلا أعرض عنه بها، وزخرف عليه القول تمويهاً، تخيل عجباً إليه أن الأدب مقصور عليه، وأن الشعر بحر لم يرد به غيره، وروض لم ير نواره سواه، فهو يجني جناه، ويقطف قطوفه دون من تعاطاه، وكل مجرى في الخلاء يستر، ولكل نبأ مستقر، فغير جار على هذه الوتيرة مديدة، أحرز به رسن البغي فيها، فظل يموج في تيهه حتى إذ تخيل لأنه السابق الذي لا يجارى في مضمار، ولا يساوى عذاره بعذار، وأنه رب الكلام ومفضض عذارى الألفاظ، ومالك رق الفصاحة. نثراً ونظماً، وقريع دهره الذي لا يقارع فضلاً وعلماً، وثقلت وطأته على كثير ممن وسم نفسه بميسم الأدب، وأنيط من مائه أعذب مشرب، فطأطأ بعض رأسه، وخفض بعض جناحيه، وظاهر من أعلى التسليم له طرفة. وساء معز الدولة أحمد بن بويه، وقد صورت حاله أن يرد حضرته - وهي دار الخلافة ومستقر العز، بيضة الملك - رجل صدر عن حضرته سيف الدولة ابن حمدان، وكان عدواً مبايناً لمعز الدولة، فلا يلقى أحداً بمملكته يساويه في صناعته، وهو ذو النفس الأبية والعزيمة الكسروية، والهمة التي لو هممت بالدهر لما قصرته بالإحراز صروفه، ولا دارت عليهم دوائره وحنوقه، وتخيل الوزير المهلبي رجماً بالغيب أن أحداً لا يستطيع مساجلته، ولا يرى نفسه كفوءاً له، ولا يصلح بأعيانه فضلاً عن التعلق بشيء من معانيه، ولم يكن هناك مزية يتميز أبو الطيب بها تميز الهجين الجذع من أبناء الأدب، فضلاً عن العتيق القارح إلا الشعر، ولعمري إن افتاته كانت فيه ريطبة ومجانبة عذبة له منيعاً عواره، معلماً أظفاره، ومذيعاً أسراره، وناشراً مطاويه، ومنقذاً من نظمه ما تسمح فيه، ومتوخياً أن يجمعنا دار يشار إلى ربها، فأجري أنا وهو في مضمار، ويعرف فيه السابق من المسبوق، واللاحق من المقصر عن اللحوق، وكنت إذ ذاك ذا سحاب مدرار، وزند في كل فضيلة ودار، وفظيع يناسب صفو العقار، إذا وصبت بالحباب ووسبت به سرائر الأكواب، والخيل تجري يوم الرهان بإقبال أربابها لا بعروقها ونصابها، ولكل امرىء حظ من مواتاة زمانه،
стр. 677
يقضى في ظله أرب، وبذلك مطلب، ويتوسع مراد ومذهب، حتى إذا عدت عن اجتماعنا عواراً من الأنام قصدت مستقره، وتحتي بغلة سفوا تنظر عن عيني بارويتشوف بمثل قادمتي نسر، كأنني كوكب وقاد، من تحته عمامة، يقتادها زمام الجنوب، ومن بين يدي عدة من الغلمان الورقة مماليك وأحرار، يتهافتون تهافت فريد الدر عن أسلاكه، ولم أذكر هذا تبجحاً ولا تكبراً بل لأن أبا الطيب شاهد جميعه ولم يرعه روعته، ولا استنطفه زبرجه، ولا زادته تلك الحالة الجميلة التي ملأت طرفه وقلبه إلا عجباً بنفسه وإعراضاً عني بوجهه، فألفيت هناك فتية تأخذ عنه شيئاً من شعره، فحين أوذن بحضوري، واستؤذن عليه لدخولي، نهض عن مجلسه مسرعاً، ووارى شخصه مستخفياً، فأعجلته نازلاً عن البغلة - وهو يراني - ودخلت، فأعظمت الجماعة قدري، وأجلستني في مجلسه، وإذا تحته أحلاق عناقد الحب عليها الحوادث فهي رسوم دائرة، وأسلاك متناثرة، فلم يكن إلا ريثما جلست، فنهضت، ووفيته حق السلام، غير مشاح له في القيام، لأنه إنما اعتمد نهوضه عن الموضع لئلا ينهض إلي، والغرض في لقائه غير ذلك، وحين لقيته تمثلت بقول الشاعر:
وفي الممشى إليك علي عار ... ولكن الهوى منع القرارا
فتمثل بقول الآخر:
يسقى رجال، ويسقى آخرون بهم ... ويسعد الله أقواماً بأقوام
وليس رزق الفتى من فضل حليته ... لكن جدود وأرزاق بأقسام
كذلك الصيد بحرمة الرامي المجيد وقد ... يرمي فيحرزه من ليس بالرامي
وإذا به لابس سبعة أقبية، كل قباء منها لون، وكنا في وغرة القيظ وجمرة الصيف، وفي يوم تكاد ودائع الهامات تسيل فيه، فجلست مستوفزاً، وجلس محتقراً، وأعرض عني لاهياً، وأعرضت عنه ساهياً، أؤنب نفسي في قصده، وأستخف رأيها في تكفف ملاقاته بعز هيئته، ثانياً عطفه، لا يعيرني طرفه، وأقبل على تلك الرغفة التي بين يديه، وكل يومىء إليه، ويرجي بلحظه، ويشير إلى مكاني بيده، ويوقظه من سنته وجهله، ويأتي الازدراء نفاراً وعتواً واستكباراً، ثم أيان يثني جانبه إلي، ويقبل بعض الإقبال علي، فأقسمت بالوفاء والكرم فإنهما من محاسن القسم أنه لم يزد علي أن قال: ايش خبرك. فقلت: بخير، ولا ما جنيت على نفسي من قصدك، ووسمت به قدري من ميسم الذل بزيارتك، وتجشمت رأيي من السعي إلى مثلك، ممن لم تهذبه تجربة، ولا أدبته بصرة، ثم تحدرت عليه تحدر لسيل إلى قوارة الوادي، وقلت له: أبن لي مم تيهك وخيلاؤك وعجبك وكبرياؤك؟ وما الذي يوجب ما أنت عليه من الذهاب بنفسك. والرمي بهمتك إلى حيث يقصر عنه باعك، لا يطول اليك ذراعك؟ هل هاهنا نسب تنتسب إلى المحدثة، أو شرف علقت بأذياله، أو
стр. 678
سلطان تسلطت بعزه، أو علم يقع الإشارة إليك به. إنك لو قدرت نفسك بقدرها، أو وزنتها بميزانها، ولم يذهب بك البتة مذهباً لما عددت أن تكون شاعراً مكتسباً فامتقع لونه، وغض بريقه، وجعل يلين في الاعتذار، ويرغب في الصفح والاعتذار، ويكرر الإيمان أنه لم يتبين، ولا اعتمد التقصير في. فقلت: يا هذا، إن قصدك شريف في نسبه تجاهلت نسبه، أو عظيم في أدب صغرت أدبه، أو متقدم عند سلطان حفظت منزلته، فهل المجد تراث لك دون غيرك؟ كلا والله، لكنك مددت الكبر ستراً على نقصك، وضربته رواقاً حائلاً دون مباحثك، فعاود الاعتذار نقلت: لا عذر لك مع الإصرار، وأخذت الجماعة في الرغبة أني في مباشرته وقبول عذره واستعمال الأناة الذي تستعملها الحرمة عند الحفيظة، وأنا على شاكلة واحدة في تقريعه وتوبيخه، وذم خليقته، وهو يؤكد القسم أنه لم يعرفني معرفة ينتهز معها الفرصة في قضاء حقي، فأقول لم يستأذن عليك باسمي ونسبي، أما في هذه الجماعة من كان يعرفني لو كنت جهلتني؟ وهب أن ذلك كذلك، ألم تر شاربي. أما شممت عطر نشري؟ ألم تميز في نفسك عن غيرك. وهو في أثناء ما أخاطب به وقد ملأت سمعه تأنيباً وتفنيداً يقول: خفف عليك، أكفف عن عزتك، اردد من صورتك، فإن الأناة من شيم مثلك فأصحب حينئذ جانبي له، يعني: انقاد بعد صعوبته، ولانت عريكتي في يده، واستحييت من تجاوز الغاية التي انتهيت إليها في معاتبة، وذلك بعد أن روضته رياضة الصعب من الإبل، وأقبل علي معظماً، وتوسع في تقريظي مفخماً، وأقسم أنه ينازع منذ ورد العراق ملاقاتي، ويعد نفسه بالاجتماع معي، ويسومها التعلق بأسباب مودتي، فحين استوفى القول في هذا المعنى استأذن عليه فتى من الفتيان الطالبين الكوفيين، فأذن له، فإذا حدث مرهف الأعطاف يمثل به نشوة الصبي، فتكلم، فأعرب عن نفسه، وإذا لفظ رخيم، ولسان حلو وأخلاق فكهة، وجواب حاضر وثغر باسم في إناة الكهول ووقار المشايخ، فأعجبني ما شاهدته من شمائله، وملكني ما تبئنته من فضله، فجازاه أبياتاً. ومن ها هنا كان افتتاح الكلام بينهما في إظهار سرقاته ومعايب شعره.
قلت هذا ما نقله ابن خلكان مع خلل في ألفاظ يسيرة من نقله، قال: وقد طال الكلام، لكنه لزم بعضه بعضاً، فما أمكن قطعه وهذه الرسالة تشتمل على فوائد جمة، فإن كان كما ذكر أنه أبان له جميعها في ذلك المجلس، فما هذا الاطلاع عظيم. قلت: والأمر على ما ذكر ابن خلكان، أعني إن كان هذا الكلام صدر عنه في مجلس واحد فقد أبدع ما صنع، وجمع من الفوائد.
تسع وثمانين وثلاثمائة
فيها توفي الإمام الكبير الشهير أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني المالكي، شيخ المغرب، وإليه انتهت رئاسة المذهب. قال القاضي عياض: حاز رئاسة الدين والدنيا،
стр. 679
رحل إليه من الأقطار، ونجب أصحابه، وكثر الآخذون عنه، وهو الذي لخص المذهب وملأ البلاد من تآليفه، وكان يسمى مالكاً الأصغر.
وفيها توفي أبو الطيب ابن غلبون الحلبي، المقرىء الشافعي، صاحب الكتب في القراءات.
وفيها توفي أبو الهيثم الكشميهني محمد بن مكي المروزي، راوية البخاري عن الفربري، وله رسائل أنيقة. توفي يوم عرفة ﵀.
تسعين وثلاثمائة
فيها توفي ابن فارس اللغوي، أبو الحسين أحمد بن فارس الرازي. كان إماماً في علوم شتى. وخصوصاً اللغة فإنه أتقنها، وألف " كتاب المجمل " فيها، جمع على اختصاره شيئاً كثيراً، وله " كتاب حلية الفقهاء "، ورسائل أنيقة، ومسائل في اللغة تفانى بها الفقهاء، ومنه اقتبس الحريري صاحب المقامات ذلك الأسلوب ووضع المسائل الفقهية في المقامة الطيبية وهي مائة مسألة وكان مقيماً بهمدان، وعليه اشتغل بديع الزمان الهمداني صاحب المقامات المتقدمة على مقامات الحريري، وله أشعار جيدة فمنها قوله:
وقالوا: كيف حالك قلت: صبراً ... يقضي حاجة وتفوت حاج
إذا ازدحمت هموم الصدر قلنا ... عسى يوماً يكون بها انفراج
وله شعر:
مرت بنا هيفاء مجدولة ... تركة تنمى لتركي
تريق بطرف فاتر فاتن ... أضعف من حجة نحوي
стр. 680
وقوله:
إذا كنت في حاجة مرسلاً ... وأنت بها كلف مغرم
فارسل حكيماً ولا توصه ... وذاك الحكيم هو الدرهم
وغير ذلك من أشعار حذفتها للاختصار.
وفيها توفيت أمة الإسلام بنت القاضي أحمد بن كامل البغدادية، كانت دينة حافظه فاضلة، رحمها الله تعالى.
وفيها توفي الحافظ أبو زرعة الكشي محمد بن يوسف الجرجاني.
وفيها توفي القاضي أبو الفرج النهرواني، المعافى بن زكريا الجريري، تفقه على مذهب محمد بن جرير الطبري، وسمع من البغوي وطبقته. قال الخطيب: كان من أعلم الناس في وقته بالفقه والنحو واللغة وأصناف الآداب. وله شعر حسن، ومنه ما روى القاضي أبو الطيب:
ألا قل لمن كان لي حاسداً ... أتدري على من أست الأدب
أسأت على الله في فعله ... لأنك لم ترض لي ما وهب
فجازاك عني بأن زادني ... وشد عليك وجوه الطلب
وذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في " كتاب طبقات الفقهاء " وأثنى عليه، ثم قال وأنشدني قاضي بلدنا أبو علي الداودي، قال: أنشدني أبو الفرج لنفسه:
أأقتبس الضياء من الضباب ... وألتمس الشراب من السراب
أريد من الزمان النذل بدلاً ... وأربأ من جنى سلع وصاب
أرجي أن ألاقي لاشتياقي ... خيار الناس في زمن الكلاب
يعني ما لا يرى العسل، ومن شعره أيضاً:
مالك العالمين ضامن رزقي ... فلماذا أملك الخلق رقي
قد قضى لي بما علي ومالي ... خالقي جل ذكره قبل خلقي
صاحب البذل والندى في يساري ... ورفيقي في عسرتي حين رفقي
стр. 681
فكما لا يرد عجز رزقي ... فكذا لا يجر رزقي حذقي
وله عدة تصانيف ممتعة في الأدب و " كتاب الجليس والأنيس " تصنيفه. وروى عن الفقيه عبد الباقي أنه كان يقول: إذا حضر القاضي أبو الفرج فقد حضرت العلوم كلها، ولو أوصى رجل بشيء أن يدفع إلى أعلم الناس لوجب أن يدفع إليه.
إحدى وتسعين وثلاثمائة
فيها توفي الحسين المعروف بابن الحجاج الشاعر، له ديوان شعر في عشر مجلدات، تولى حسبة بغداد، وقيل إنه عزل بأبي سعيد الاصطخري الإمام الشافعي. ومن شعره:
يا صاحبي استيقظا من رقدة ... تزري على عقل اللبيب الأكيس
هذي المجرة والنجوم كأنها ... نهر تدفق في حديقة نرجس
وفيها توفي الفقيه إمام أهل الظاهر في عصره أبو الحسن عبد العزيز بن أحمد الخوزي بالخاء المعجمة والزاي قال عبد الله الضميري: ما رأيت فقيهاً أنظر منه ومن أبي حامد الأسفراييني الشافعي.
وفيها توفي حسام الدولة مقلد بن المسيب بن رافع العقيلي، صاحب الموصل تملكها بعد أخيه، قتله غلام له، ورثاه الشريف الرضي وأبو القاسم بن أحمد الشيباني.
اثنتين وتسعين وثلاثمائة
فيها زاد أمر الشطار، وأخذوا الناس ببغداد نهاراً جهاراً، وقتلوا وبدعوا وأضلوا بعد ذلك ببعض، وكثروا، وصار فيهم هاشميون، فسير بهاء الدولة وكان غائباً عميد الجيوش إلى العراق ليسوسها، فقتل وصلب ومنع السنة والشيعة من إظهار مذهب، وقامت الهيبة.
وفيها توفي الفقيه أبو محمد عبد الله بن إبراهيم المغربي، وكان عالما بالحديث، رأساً في الفقه. قال الدارقطني: لم أر مثله.
وفيها توفي أبو عبد الرحمن بن أبي شريح: محمد الأنصاري، محدث هراة.
وفيها توفي أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي النحوي. كان إماما في العربية، صاحب تصانيف في النحو والعروض والقوافي، وشرح ديوان المتنبي، لازم أبا علي
стр. 682
الفارسي، وكان أبوه مملوكاً رومياً. وسئل المتنبي عن قوله " صبرت أم لم تصبرا " في ثبوت الألف مع لم الجازمة، فقال: لو كان أبو الفتح هنا لأجابك، يعني ابن جني. قلت: وهذه الألف بدل من نون التأكيد الخفيفة، أصله " أم لم تصبرن " ومنه قول الأعشى: ولله فاعبدا، أصله: فاعبدن. ولابن جني تصانيف كثيرة مفيدة، منها " التنبيه "، و " المهذب " و " اللمع ". و " التبصرة "، ويقال إن أبا إسحاق أخذ تسمية كتبه منه.
وفيها توفي الوليد بن أبي بكر الأندلسي الحافظ. رحل وروى عن ابن رشيق. وعلي بن الخطيب وخلق، قال ابن الفرضي: كان إماماً في الفقه والحديث، عالماً باللغة والعربية، لقي في الرحلة أزيد من ألف شيخ.
ثلاث وتسعين وثلاثمائة
فيها توفي الحسن بن الضبي المعروف بابن وكيع الشاعر المشهور، ذكره الثعالبي وقال: كان شاعراً بارعاً وعالماً جامعاً، قد برع على أهل زمانه، فلم يتقدمه أحد في أوانه وله كل بديعة، يسخر الأوهام، ويستعبد الأفهام، وله ديوان شعر جيد، وله كتاب بين في سرقات المتنبي سماه المصنف ومن شعره:
لقد قنعت همتي بالخمول ... وصدت عن الرتب العالية
وما جهلت طعم طيب العلا ... ولكنها تؤثر العافية
قال بعض الفقهاء: أنشدت الشيخ أبا الفتح القضاعي المدرس بتربة الشافعي في القرافة بيتي ابن وكيع المذكورين، فأنشدني لنفسه على البديهة:
بقدر الصعود يكون الهبوط ... فإياك والرتب العالية
وكن في مكان إذا ما سقطت ... تقوم رجلاك في عافية
ولابن وكيع أيضاً:
سلا عن حبك القلب المشوق ... فما يسبو إليك ولا يتوق
جفاؤك كان عنك لنا عزاء ... وقد يسلى عن الولد العقوق
وفيها توفي الإمام أبو نصر، صاحب الصحاح الجوهري إسماعيل بن حماد التركي اللغوي أحد أركان اللغة. قيل: كان في جودة الخط في طبقة ابن مقلة ومهلهل، أكثر الترحال، ثم سكن نيسابور، وقيل كان متردياً من سطح بيت بنيسابور، وقيل إنه تسود. وعمل له شبه جناحين وقال: أريد أن أطير، فطار، فهلك رحمه الله تعالى.
وفيها توفي الطائع له عبد الكريم بن المطيع لله الفضل بن المقتدر جعفر بن
стр. 683
المعتضد أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل العباسي. كانت دولته أربعاً وعشرين سنة، خلع من الخلافة في شعبان سنة إحدى وثمانين بالقادر بالله، إلى أن مات ليلة الفطر من سنة ثلاث وتسعين، وله ثلاث وسبعون سنة، وصلى عليه القادر بالله، ولم يؤذوه، بل بقي مكرماً محترماً في دار ابن عمه القادر بالله، وشيعه من الأكابر، ورثاه الشريف الرضي.
وفيها توفي السلامي محمد بن عبد الله المخزومي الشاعر. قال الثعالبي: هو من أشعر أهل العراق قولاً بالإطلاق، وشهادة بالاستحقاق. ومن شعره قوله في عضد الدولة:
إليك طوى عرض البسيطة جاعل ... قصارى المطايا أن يلوح لها القصر
فكنت وعزمي في الظلام وصارمي ... ثلاثة أشياء كما اجتمع النسر
وبشرت إياك بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر
وقد أخذ القاضي أبو بكر الأرجاني معنى البيت الأخير، وسبكه في قوله:
يا سائلي عنه لما ظلت أمدحه ... هذا هو الرجل العاري من العار
لو زرته لرأيت الناس في رجل ... والدهر في ساعة والأرض في دار
وقد استعمل المتنبي أيضاً هذا المعنى، لكنه لم يكمله، بل أتى ببعضه في النصف الأخير من هذا البيت.
هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق
ولما ذكر ابن خلكان ما بعد نظم السلامي قال: وإن كان في معنى ذلك لكن ليس فيه رشاقته، ولا عليه طلاوته. وكان عضد الدولة يقول: إذا رأيت السلامي في مجلسي ظننت أن عطارد قد نزل من الفلك إلي.
أربع وتسعين وثلاثمائة
فيها توفي أبو عمر عبد الله بن عبد الوهاب السلمي الأصبهاني المقرىء.
وفيها توفي أبو الفتح إبراهيم بن علي البغدادي.
وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن عبد الملك اللخمي القرطبي الحداد.
стр. 684
خمس وتسعين وثلاثمائة
فيها توفي الحافظ أبو القاسم عبد الوارث بن سفيان القرطبي.
وفيها توفي الخفاف أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عمر الزاهد النيسابوري.
ست وتسعين وثلاثمائة
فيها توفي الحافظ العلم أحمد بن عبد الله اللخمي الأشبيلي، كان يحفظ عدة مصنفات، وكان إماماً في الأصول والفروع.
وفيها توفي الإمام أبو سعيد بن إسماعيل، شيخ الشافعية بجرجان.
وفيها توفي ابن شيخهم إسماعيل بن أحمد. كان صاحب فنون وتصانيف، توفي ليلة الجمعة، وهو يقرأ في صلاة المغرب " إياك نعبد وإياك نستعين " الفاتحة: ١٥، ففاضت نفسه وله ثلاث وستون سنة.
وفيها توفي الحافظ أبو عمرو محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر النيسابوري المزكي، صاحب الأربعين المروية.
سبع وتسعين وثلاثمائة
فيها توفي الإمام أصبغ بن الفرج الأندلسي المالكي مفتي قرطبة.
وفيها توفي أبو الحسن القصار البغدادي المالكي، صاحب كتاب " مسائل
стр. 685
الخلاف. قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: لا أعرف لهم كتاباً في الخلاف أحسن مشه. وقال أبو ذر الهروي: هو أفقه من لقيت من المالكية.
وفيها توفي من طبقته أبو الحسن بن القصار علي بن محمد بن عمر الرازي الفقيه الشافعي. كان مفتياً قريباً من ستين سنة، وكان له من كل علم حظ، وعاش قريباً من مائة سنة.
ثمان وتسعين وثلاثمائة
فيها ثارت فتنة هائلة ببغداد. قصد رجل شيخ الشيعة ابن المعلم وهو الشيخ المفيد وأسمعه ما يكره، فثار تلامذته، وقاموا، واستنفروا الرافضة، وأتوا قاضي القضاة أبا محمد الأكفاني، والشيخ أبا حامد الأسفراييني، فسبوهما، فحميت الفتنة، ثم إن أهل السنة أخذوا مصحفاً قيل إنه على قراءة ابن مسعود، فيه خلاف كثير، فأمر الشيخ أبو حامد والفقهاء بإتلافه، فأتلف بمحضر منهم، فقام ليلة النصف رافضي، وشتم فأخذ، فثارت الشيعة، ووقع القتال بينهم وبين السنية، واختفى أبو حامد، واستنفرت الروافض، وصاحوا حاكم يا منصور، فغضب القادر بالله، وبعث خيلاً لمعاونة السنية، فانهزمت الرافضة، حرق بعض دورهم، وذلوا وأمر عميد الجيوش بإخراج ابن المعلم من بغداد، فأخرج، وحبس جماعة، ومنع القصاص مدة.
وفيها زلزلت الدينور، فهلك تحت الردم أكثر من عثرة آلاف، وزلزلت سيراف السبت، وغرق عدة مراكب، ووقع برد عظيم، وبلغ وزن واحدة منه مائة وستة دراهم.
وفيها هدم الحاكم العبيدي الكنيسة المعروفة بالقمامة بالقدس، لكونهم يبالغون في إظهار شعارهم، ثم هدم الكنائس التي في مملكته. ونادى: من أسلم وإلا فليخرج من مملكتي أو يلتزم بما أمر. ثم أمر بتعليق صلبان كبار على صدورهم، وزن الصليب أربعة أرطال بالمصري، وبتعليق خشبة كبد المكمدة، وزنها ستة أرطال في عنق اليهودي إشارة إلى رأس العجل الذي عبدوه، فقيل: كانت الخشبة على تمثال رأس عجل، وبقي هذا مدة
стр. 686
سنين، ثم رخص لهم في الردة كونهم مكرهين، وقال: تنزه مساجدنا عمن لا نية له في الإسلام.
وفيها توفي أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمداني الأديب العلامة بديع الزمان، صاحب المقامات الفائقة التي هي بالاختراع سابقة، وعلى منوالها نسج الحريري مقاماته، واحتذى حذوه واقتفى أثره، واعترف في خطبته بفضله، وأنه الذي أرشده إلى سلوك ذلك المنهج، وإلى ذلك أشار بقوله:
فلو قبل مبكاها بكيت صبابة ... بسعدى شفيت النفس قبل التندم
ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا ... بكاها، فقلت الفضل للمتقدم
والبديع المذكور أحد الفضلاء الفصحاء، وله رسائل بديعة ونظم مليح، سكن هراة من بلاد خراسان. فمن رسائله الماء إذا طال مكثه ظهر خبثه، وإذا سكن متنه تحرك نتنه. فكذلك الضيف، يسمح لقاؤه إذا طال ثواؤه، ويثقل ظله إذا انتهى محله والسلام.
ومن رسائله أيضاً: حضرته التي هي كعبة المحتاج، لا كعبة الحجاج، ومشعر الكرام لا مشعر الحرام، ومنى الضيف لا منى الخيف، وقنبلة الصلاة لا قبلة الصلاة وله من تعزية الموت خطب قد عظم حتى هان، ومس خشن حتى لان، والدنيا قد تنكرت حتى صار الموت أخف خطوبها، وجنت حتى صار أصغر ذنوبها، فانظر يمنة، هل ترى إلا محنة، ثم انظر يسرة هل ترى إلا حسرة؟! ومن شعره من جملة قصيدة طويلة:
وكاد يحكيك صوب الغيث منسكباً ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا
والدهر لو لم يحن والشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا
وله كل معنى مليح حسن من نظم ونثر توفي رحمة الله مسموماً بهراة.
وقال بعضهم: سمعت الثقات يحكون أنه مات من السكتة، وعجل دفنه، فأفاق في قبره، وسمع صوته بالليل، ونبش عنه، فوجد قد قبض على لحيته، ومات من هول القبر والله أعلم.
تسع وتسعين وثلاثمائة
فيها رجع الركب العراقي خوفاً من ابن الجراح الطائي، فدخلوا بغداد قبل العيد.
وأما ركب البصرة فأجازه بنو زغب الهلاليون. وقال ابن الجوزي: أخذوا للركب ما قيمته ألف ألف دينار.
وفيها توفي أحمد بن محمد الدارمي الشاعر المشهور، كان من فحول شعراء عصره
стр. 687
وخواص مداح سيف الدولة بن حمدان. وكان عنده تلو المتنبي في المنزلة، وله معه وقائع ومعارضات في أناشيد. ومن شعره في القاضي أبي طاهر صالح بن جعفر الهاشمي:
أمير العلا إن العوالي كواسب ... علاك في الدنيا وفي جنة الخلد
يمر عليك الحول سيفك في الطلى ... وطرفك ما بين الشكيمة والورد
ويمضي عليك الدهر، فعليك للعلى ... وقولك للتقوى وكفك للرفد
قلت هذا هو في الأصل المنقول منه، وصوابه علاك من الدنيا ومن جنة الخلد والطلى: بضم الطاء المهملة وتشديدها: الأعناق، وهو مراده في هذا البيت وبكسرها: القطران وما طبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه، والخمر عند بعض العرب وبفتحها: الولد من ذوات الظلف. والطلي بكسر اللام: الصغير من أولاد الغنم والطرف بكسر الطاء: الكريم من الخيل.
وفيها توفي أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس الصدفي بضم الصاد المنجم المصري صاحب الزيج بكسر الزاي وسكون المثناة من تحت، وفي آخره جيم الحاكمي، المشهور المعروف بزيج ابن يونس، وهو زيج كبير في أربع مجلدات، بسط القول والعمل فيه، وما أقصر في تحريره، وذكر أن الذي أمره بعمله وابتدأه للعزيز بن الحاكم صاحب مصر.
قال بعضهم كان ابن يونس المذكور أبله مغفلاً يعتم على طرطور طويل، ويجعل رداءه فوق العمامة، وكان طويلاً، إذا ركب ضحك منه الناس لشهرته ورثاثة لباسه وسوء حالته، وكان له مع هذه الهيئة إصابة بديعة غريبة في النخامة، لا يشاركه فيها أحد، وكان متفنناً في علوم كثيرة، وقد أفنى عمره في النجوم والسير والتوليد، ولا نظير له في ذلك، وكان يضرب بالعود على جهة التأدب به، وله شعر حسن منه قوله:
أحمل نشر الريح عند هبوبه ... رسالة مشتاق لوجه حبيبه
بنفسي من تحيى النفوس بقربه ... ومن طابت الدنيا به وبطيبه
لعمري لقد عطلت كأسي بعده ... وغيبتها عني لطول مغيبه
وجدد وجدي طائف منه في الكرى ... سرى موهناً في خفية من رقيبه
ويحكى أن الحاكم العبيدي صاحب مصر قال وقد جرى في مجلسه ذكر ابن يونس
стр. 688
وتغفله: دخل إلى عندي يوماً ومداسه في يده فقبل الأرض، وجلس وترك المداس إلى جانبه، وأنا أراه وأراها، وهو بالقرب مني، فلما أراد الانصراف قبل الأرض، وقدم المداس ولبسه، وانصرف. قيل: ذكر هذا في معرض غفلته، وقلة اكتراثه. وكانت وفاته فجأة.
وفيها توفي القدوة أبو الفضل أحمد بن أبي عمران نزيل مكة ﵀.
وفيها توفي أحمد بن محمد. الأنطاكي الشاعر ومن شعره قوله في مدح وزير العزيز ابن المعز العبيدي:
قد سمعنا مقاله واعتذاره ... وأقلنا ذنبه وعثاره
والمعاني لمن عفت ولكن ... بك عرضت فاسمعي يا جاره
أربع مائة
فيها أقبل الحاكم العبيدي على التأله والدين على مقتضى مذهبه، وأمر بإنشاء دار العلم بمصر، وأحضر فيها الفقهاء والمحدثين، وعمر الجامع المعروف بجامع الحاكم في القاهرة، وكثر الدعاء له، فبقي كذلك ثلاث سنين، ثم أخذ يقتل أهل العلم، وأغلق تلك الدار، ومنع من فعل كثير من الخير.
وفيها توفي أبو نعيم الأسفراييني عبد الملك بن الحسن، راوي المسند الصحيح عن الحافظ أبي عوانة، وكان عبداً صالحاً.
وفيها توفي أبو الفتح علي بن محمد الكاتب البستي، الشاعر المشهور، صاحب الطريقة الأنيقة في التجنيس الأنيس البديع التأسيس، فمن نثره البديع قوله: من أصلح فاسده، أرغم حاسده. ومن أطاع غضبه أضاع أدبه. عادات السادات سادات العادات. من سعادة جدك وقوفك عند حدك. أجمل الناس من كان للإخوان مذللاً وعلى السلطان مدللاً. الفهم شعاع العقل. المنية تضحك من الأمنية. حد العفاف الرضي بالكفاف، بالخرق الرقيع ترقيع. يعني بالرقيع: الأحمق. قلت: ولو قال: على الإحسان مذللاً، عوضاً عن قوله وعلى السلطان، كان أصلح وعند أهل الخير أملح، لكنه ممن لهم رغبة في القرب السلطان، فللرهبة، ولهذا قال أيضاً: الرشوة رشاء الحاجات: ما دخل نجاس النجاسات في جواهر الجناسات. ومن بديع نظمه قوله:
إن هز أقلامه يوماً ليعلمها ... أنساك كل كمي هن عامله
وإن أمر على رق أنامله ... أقر بالرق كتاب الأنام له
стр. 689
وقوله:
إذا تحدثت في قوم لتؤنسهم ... بما تحدثت من ماض ومن آت
فلا تعد لحديث إن طبعهم ... مؤكل بمعاداة المعاداة
وقوله:
تحمل أخاك على ما به ... فما في استقامته مطمع
وإن له خلق واحد ... وفيه طبائعه الأربع
وكم قدروا له أشعاراً شهيرة تجنيساً وغيره.
وفيها توفي السيد الجليل الفقيه الفاضل الصالح العالم العامل الورع الزاهد جعفر ابن عبد الرحيم التيمي، من حوالي الجند بفتح الجيم والنون سأله والي الجند الإقامة في بعض تلك البلاد لنفع الخلق بالفتوى والتدريس ونشر العلم، فأجابه إلى ذلك بشرطين أحدهما: إعفاؤه من الحكم، والثاني أن لا يأكل من طعام الوالي شيئاً، فأقام على ذلك مدة، ثم اتفق أنه حضر يوماً عقداً عند الوالي، فأحضر من الطعام ما جرت العادة بإحضاره عند العقد، ثم خص الوالي الفقيه المذكور بشيء من الموز وقال: هذا أهداه لي فلان وذكر إنساناً تطيب به النفس، فكل منه موزتين، ثم خرج، فتقيأهما في دهليز الوالي. ثم لما ملك البلاد ابن الصليحي، سأله أن يتولى القضاء فقال له: لا أصلح لذلك. فأعرض عنه ابن الصليحي مغضباً، فخرج من عنده، فافتقده فلم يجده، فأمر بعض من عنده من الجند أن يلحقوه، ويبطشوا به، فلحقه منهم في بعض الطريق خمسة عشر رجلاً، فضربوه بسيوفهم فلم تقطع فيه شيئاً، ثم كرروا الضرب حتى آلمتهم أيديهم، فلم يؤثر فيه، فرجعوا وأعلموا ما مضى من ابن الصليحي، فأمرهم بكتمان ذلك.
وسئل الفقيه المذكور عن حاله وقت الضرب فقال: كنت أقرأ سورة يس فلم أشعر بالضرب.
стр. 690
/سنة احدى واربع مائة
فيها أقام صاحب الموصل الدعوة ببلده للحاكم أحد خلفاء الباطنية، لأن رسل الحاكم تكررت إلى صاحب الموصل قرواش بفتح القاف والراء وبعد الألف شين معجمة ابن مخلد بفتح اللام فأفسدوه، فسار قرواش إلى الكوفة، فأقام بها الخطبة للحاكم وبالمدائن، وأمر خطيب الأنبار بذلك، فهرب وأبدى قرواش صفحة الخلاف، وعاث، وأفسد، فأرسل القادر بالله، إلى الملك بهاء الدولة الإمام أبي بكر الباقلاني فقال: قد كاتبنا أبا علي عميد الجيوش في ذلك، ورسمنا بأن ينفق في العسكر مائة ألف دينار، وإن دعت الحاجة إلى مجيئنا قدمنا. ثم إن قرواش خاف الغلبة فأرسل يعتذر، وأعاد الخطبة العباسية، ولم يحج ركب العراق لفساد الوقت. وفيها توفي عميد الجيوش أبو علي الحسين بن أبي جعفر، وكان أبوه من حجاب عضد الدولة. وخدم أبو علي بهاء الدولة، وترقت مرتبته، فولاه نائباً عنه بالعراق، فأحسن سياستها، وأبطل عاشوراء الرافضة، وأباد الحرامية والشطار، وصار عدله ذا اشتهار. وفي عدله وهيبته حكايات ذكرها العلماء والأخيار. وفيها توفي العالم الكبير أبو عمرو أحمد بن عبد الملك الاشبيلي المالكي. انتهت إليه رئاسة العلم بالأندلس في زمانه، مع الورع والصيانة، ودعي إلى القضاء بقرطبة مرتين فامتفع، وصنف كتاب الاستيعاب في مذهب مالك في عشر مجلدات. وفيها توفي صاحب كتاب الغريبين أحمد بن محمد الهروي. كان من العلماء، وما أقصر في كتابه المذكور، وكان يصحب أبا منصور الأزهري اللغوي، وعليه اشتغل، وبه انتفع وتخرج، وكتابه المذكور جمع فيه بين تفسير غريب القرآن الكريم وغريب حديث الرسول ﵇، وهو من الكتب النافعة التي سارت في الإذاق الشاسعة. وفيها توفي أبو عمر أحمد بن محمد القرطبي الأموي مولاهم، روى عن قاسم بن
стр. 691
أصبغ وخلق، وهو أكبر شيخ لابن حزم.
وفيها توفني قاضي قضاة العبيديين وابن قاضيهم؛ عبد العزيز بن محمد بن نعمان. قتله الحاكم وقتل معه قائد القواد حسين أبن القائد جوهر، وبعث من حمل إليه رأس قاضي طرابلس أبي الحسين علي بن عبد الواحد، لكونه سلم عزاز إلى متولي حلب. وفيها توفي أبو الحسن العلوي النيسابوري شيخ الأشراف، وكان سيداً نبيلاً صالحاً. قال الحاكم: عقد له مجلس الإملاء، واتتقبت له ألف حديث، وكان يعد في مجلسه ألف محبرة. وفيها وقيل في التي قبلها ترفي أبو الفتح علي بن محمد البستي الكاتب الشاعر المشهور، ومن ألفاظه المليحة ما تقدم من قوله: من أصلح فاسده أرغم حاسده، إلى آخرها.
سنة اثنتين واربع مائة
فيها كتب محضر ببغداد في القدح في النسب الذي يدعيه خلفاء مصر العبيديون وفي عقائدهم، وأنهم زنادقة منسوبون إلى الخرمية بضم الخاء المعجمة وفتح الراء وكسرالميم وفتح المثناة من تحت مشددة وفي آخره هاء إخوان الكافرين، شهادة يتقرب بها إلى رب العالمين، وإن الناجم بمصر وهو منصور بن نزار الملقب بالحاكم حكم الله تعالى عليه بالبوار مع كلام طويل قاله فيه: لما صار الملقب بالمهدي إلى المغرب، تسمى بعبيد الله، وتلقب بالمهدي، وهو ممن تقدم من سفلة الأنجاس، أدعياء خوارج، لا نسب لهم في ولد علي رضي الله تعالى عنه، وقد كان هذا الإنكار شائعاً بالحرمين، ولا نعلم أحداً من الطالبيين توقف في إطلاق القول في هؤلاء الخوارج أنهم ادعياء، وإن هذا الناجم بمصر وسيلة كفار وفساق بمذهب التنوية والمجوسية معتقدون قد عطلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وسفكوا الدماء، وسبوا الأنبياء، ولعنوا السلف، وادعوا الربوبية. وكتب في ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة، وكتب خلق في المحضر: منهم الشريف المرتضى وأخوه الشريف الرضي وجماعة من الكبار العلوية، والقاضي أبو محمد الأكفاني، والإمام أبو حامد الاسفراييني، والإمام أبو الحسين القدوري، وخلق كثير.
стр. 692
وفيها توفي أبو المطرف عبد الرحمن بن محمد الأندلسي القرطبي صاحب التصانيف. كان من جهابذة المحدثين وحفاظهم، جمع ما لم يجمعه أحد من أهل عصره بالأندلس، وكان يملي من حفظه. وقيل: إن كتبه بيعت بأربعين ألف دينار قاسمية ولي القضاء والخطابة، وعزل بعد تسعة أشهر، وله كتاب أسباب النزول في مائة جزء وكتاب فضائل الصحابة والتابعين في مائتين وخمسين جزءاً. وفيها توفي الإمام أبو الحسن بن اللبان الفرضي، محمد بن عبد الله البصري. روى سنن أبي داود، وسمعها منه القاضي أبو الطيب. قال الخطيب: انتهى إليه علم الفرائض، وصنف فيها كتباً. وروى عنه بعضهم أنه قال: ليس في الأرض فرضي إلا من أصحابي أو أصحاب أصحابي إلا ويحسن شياً. وكان إماماً في الفقه والفرائض، صنف فيهما كتباً نفيسة، وبه وبالإمام أبي حامد الاسفرائيني تفقه الحاقظ محمد بن يحيى المعروف بابن سراقة والقاضي الإمام أبو عبد الله الجعفي الكوفي الحنفي المعروف بابن النهرواني.
سنة ثلاث وأربع مائة
فيها أخذ الركب العراقي وفيها توفي الإمام الكبير الفقيه الشهير القاضي أبو عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي الجرجاني البخاري الشافعي، صاحب التصانيف المستحسنة والآثار الحسنة والفضائل المتفقة وهو صاحب وجه في المذهب، تفقه على أبي بكر الأودن، وأبي بكر القفال. ثم صار إماماً معظماً مرجوعاً إليه في ما وراء النهر. وفيها توفي شيخ الحنابلة القاضي أبو يعلى صاحب المصنفات في أنواع مختلفات. وفيها توفي الوليد بن محمد بن يوسف الأزدي الأندلسي القرطبي الحافظ المعروف بابن الفرضي. كان فقيهاً عالماً في فنون العلم من الحديث وعلم الرجال والأدب البارع، وله من التصانيف تاريخ علماء الاندلس، وله كتاب حسن في المؤتلف والمختلف وفي مشتبه النسبة وكتاب في أخبار شعراء الأندلس وغير ذلك، ورحل من الأندلس إلى المشرق، فحج وأخذ عن العلماء، وسمع منهم، وكتب من إمامهم. ومن شعره:
أسير الخطايا عند بابك واقف ... على وجل مما به أنت عارف
يخاف ذنوباً لم يخف عنك عيبها ... ويرجوك فيها فهو راج وخائف
فمن ذا الذي يرجى سواك ويتقي ... وما لك من فضل القضاء مخالف
فيا سيدي، لا تخزني في صحيفتي ... إذا نشرت يوم الحساب الصحائف
стр. 693
وكن مؤنسي في ظلمة القبر عندما ... يصد ذوو القربى ويحفوا الموالف
فإن ضاق عني عفوك الواسع الذي ... أرجي لإسرافي فإني لتالف
قلت ما أحسسن هذه الأبيات إذا تضرع فيها بقلب وجلة الرجل المتوجه إلى الله ، إلا أن فيها شيئين: احدهما قوله أنت عارف والله تعالى لا يقال له عارف وإنما يقال: عالم وفيه بحث يطول موضع ذكره في كتب الأصول. والثاني أن في الأصل المنقول منه يخاف ذنوباً لم يخف عنك عيبها بتقديم لم وهو مكسور، ولعله من غلط الكاتب، وصوابه على ما ذكرته. توفي شهيداً، قتلته البربر ﵀ يوم فتح قرطبة، وروي عنه أنه قال: تعلقت بأستار الكعبة فسألت الله الشهادة. وفيها توفي سيف السنة وناصر الملة الإمام الكبير الحبر الشهير، لسان المتكلمين وموضح البراهين، وقامع المبتدعين وقاطع المبطلين، القاضي أبو بكر محمد بن الطيب المشهور بابن الباقلاني الأصولي المتكلم المالكي الأشعري المجدد به دين الأمة على رأس المائة الرابعة على القول الصحيح. وقد أوضحت ذلك، وذكرت طرفاً من مناقبه في الشاش المعلم شاؤش كتاب المرهم ومناقب مائة إمام من أعيان أئمة الأشعرية، وإنه كانت محاسن القاضي أبي بكر المذكور الباطنة أكثر من محاسنه الظاهرة، وكان كل ليلة إذا قضى ورده كتب خمساً وثلاثين ورقة تصنيفاً من حفظه. وكان فريد عصره في فنه. وله التصانيف الكبيرة المسندة الشهيرة، وإليه انتهت الرئاسة في هذا العلم، وكان ذا باع طويل في بسط العبارة، مشهوراً بذلك، حتى إنه جرى بينه وبين أبي سعيد الهاروني مناظرة يوماً، فأطال قاضي أبو بكر فيها الكلام، ووسع في العبارة، وزاد في الإسهاب، وبالغ في الإيضاح الإطناب، ثم التفت إلى الحاضرين وقال: اشهدوا على أنه إن أعاد ما قلت لأغير الايضاح، ولم أطالب بالجواب، فقال الهاروني: اشهدوا على أنه إن أعاد كلام نفسه سلمت له ما قال.
وقال الحافظ أحمد بن علي الخطيب البغدادي: محمد بن الطيب أبو بكر القاضي معروف بابن الباقلاني، المتكلم على مذهب الأشعري، وكان ثقة، أعرف الناس بعلم الكلام وأحسهم خاطراً وأجودهم لساناً، وأصحهم عبارة، وله التصانيف الكثيرة في الرد على المخالذين من الرافضة والمعتزلة والجهمية والخوارج وغيرهم، وقال: حدثت أن ابن المعلم شيخ الرافضة ومتكلمها حضر بعض مجالس النظر مع أصحابه، فأقبل القاضي أبو بكر الأشعري، فالتفت ابن المعلم إلى أصحابه وقال: قد جاءكم الشيطان، فسمع القاضي كلامه وكان بعيداً فلما جلس أقبل على ابن المعلم وأصحابه، وقال: قال الله تعالى " أنا ارسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً " - مريم ٨٣ -.
стр. 694
وقال الشيخ أبو القاسم بن برهان النحوي: من سمع مناظرة القاضي أبي بكر لم يستلذ بعدها لسماع كلام أحد من المتكلمين والفقهاء والخطباء والمترسلين، ولا الأغاني أيضاً لطيب كلامه وفصاحته وحسن نظامه وإشارته. وله التصانيف الكثيرة في الرد على المخالذين من المعتزلة والرافضة والخوارج والمرجئة والمشبهة والحشوية. وحكى الحافظ ابن عساكر عن أهل العلم أنه قال: كان القاضي أبو بكر فارس هذا العلم مباركاً علي هذه الأمة، يلقب سيف السنة ولسان الأمة، وكان مالكياً فاضلاً متورعاً ممن لم يحفظ عليه زلة قط، ولا تنسب إليه نقيصة. وذكر الإمام القاضي أبو المعالي بن عبد الملك، عن الشيخ الإمام أبي الحاكم القزويني قال: كان الإمام أبو بكر الأشعري يضمر من الورع والديانة والزهد والصيانة أضعاف ما كان يظهره، فقيل له في ذلك فقال: إنما ظهر ما أظهره غيظاً لليهود والنصارى والمبتدعين المخالذين، لئلا يستحقروا علماء الحق والدين. وقال الحافظ ابن عساكر: كان الانتساب إلى الاعتزال فاشياً منتشراً، وكل من كان متسنناً مستخفياً مستتراً إلى أن قام القاضي أبو بكر بنصرة المذهب، واشتهر في المشرق والمغرب. وكان مظهره بدار السلام التي هي قبة الإسلام، فلم يظهر لذلك تغيير من الأنام، ولا نكرة من العلماء والعوام بل كان الكل يتقلدون منه المنة من العوام، والأئمة يلقبونه بأجمعهم سيف السنة ولسان الأمة. وكان بينه وبين جماعة من الحنابلة مخالطة ومؤانسة واجتماع ومجالسة. ونقل الحافظ ابن عساكر بسنده إلى أبي بكر الخوارزمي قال: كل مصنف ببغداد، إنما ينقل من كتب الناس إلى تصانيفه، سوى القاضي أبي بكر، فإن صدره يحوي علمه وعلم الناس. وروى الحافظ الخطيب أنه كان القاضي أبو بكر يهم أن يختصر ما يصنفه، فلا يقدرعلى ذلك لسعة علمه وكثرة حفظه. ولما توفي حضر الشيخ أبو الفضل التميمي الحنبلي حافياً مع إخوانه وأصحابه، وأمر أن ينادي بين يدي جنازته: هذا ناصر السنة والدين، هذا إمام المسلمين، هذا الذي كان يذب عن سنة الشريعة المخالذين، هذا الذي صنف سبعين ألف ورقة ردا على الملحدين. وروى الحافظ أبو القاسم بسنده إلى القاضي أبي الفخر قال: سمعت الطائي يقول: كنت أشتهي أن أرى القاضي الإمام أبا بكر في النوم، فلم يتفق لي، فنمت ليلة، وصليت على النبي ﵌ ألف مرة، وسألت الله تعالى ونمت، فلما كان وقت السحر، رأيت جماعة حسنة ثيابهم، بيضاء وجوههم، طيبة
стр. 695
روائحهم، ضاحكة أسنانهم، فقلت لهم: من أين جئتم؟ فقالوا: من الجنه. فقلت: ما فعلتم؟ فقالوا: زرنا القاضي الإمام أبا بكر الأشعري، فقلت: وما فعل الله به؟ فقالوا: غفر له، ورفع له في الدرجات. قال: ففارقتهم، ومشيت، وكأني رأيت القاضي أبا بكر، وعليه ثياب حسنة، وهو جالس في رياض خضرة نضرة، فهممت أن أساله عن حاله، وسمعته يقرأ " أفهو في عيشة راضية في جنة عالية " - الحاقة ٢١ - ٢٢ - فهالذي ذلك فرحاً، وانتبهت. ولما توقني رثاه بعضهم في هذين البيتين:
انظر إلى جبل تمشي الرجال به ... وانظر إلى القبر ما يحوي من السلف
انظر إلى صارم الإسلام منغمداً ... وانظر إلى درة الإسلام في الصدف
قلت: لقد ضمن هذين البيتين مدحاً عظيماً يليق بجلالة الإمام المذكور، ويناسب حاله المشهور، ولكن لو أبدل لفظين من بيته كان أحسن وأنسب - فيما أرى - أحدهما قوله ما يحوي من السلف لو قال: من الشرف، والثاني قوله درة الإسلام لو قال: درة التوحيد، لتغاير بين اللفظين، فإنه قد قال في هذا البيت: صارم الإسلام والتوحيد. وإن كان الإسلام داخلاً فيه، فالمغايرة بين الألفاظ وإن اتحدت معانيها أحسن وأبعد من كراهة التكرير ومن قصيدة مدحه بها أبو الحسن السكري، قال بعد ذكر الغزل:
ملكت محبات القلوب ببهجة ... مخلوقة من عفة وتخبب
فكأنما من حيثما قابلتها ... شيم الإمام محمد بن الطيب
اليعربي بلاغة وفصاحة ... والأشعري إذا اعتزى للمذهب
قاض إذا التبس القضاء على الحجى ... كشفت له الآراء كل مغيب
لا تستريح إذا الشكوك تخالجت ... إلا إلى لب كريم المنصب
وصلته همته بأبعد غاية ... أعني المريد بها سلوك المطلب
أهدي له ثمر القلوب محبة ... وحباه حسن الذكر من لم يحبب
ما زال ينصر دين أحمد صارعاً ... بالحق يهدي لطريق الأصوب
والناس بين مضلل ومضلل ... ومكذب فيما أتى ومكذب
حتى انجلت تلك الضلالة فاهتدى ... الساري وأشرق جنح ذاك الغيهب
وفيها توفي الأمير شمس المعالي أبو الحسن قابوس بن أبي طاهر الجيل، أمير جرجان وبلاد الجيل وطبرستان. قال الثعالبي في اليتيمة: أختم هذا الكتاب بذكر خاتم الملوك، وغرة الزمان، وينبوع العدل والإحسان، ومن جمع الله سبحانه له إلى عزة العلم
стр. 696
بضبطه القلم، وإلى فضل الحكم فصل الحكم. ومن. مشهور ما ينسب إليه من الشعر قوله:
قل للذي بصروف المصر عيرنا ... هل حارب الدهر إلا من له خطر
أما ترى البحر يعلو فوقه جيف ... ويستقر بأقصى قعره الدرر
فإن تكن عبثت أيدي الزمان بنا ... ونالنا من تمادي بؤسه ضرر
ففي السماء نجوم ما لها عدد ... وليس يكسف إلا الشمس والقمر
وله من النظم والنثر أشياء مستحسخة، وكذلك كان خطه في نهاية من الحسن. وكان الصاحب ابن عباد إذا رآه قال: هذا خط قابوس أم جناح الطاوس؟ وينشد قول المتنبي:
في خطه من كل قلب شهوة ... حتى كأن مداده الأهواء
ولكل عين قرة في قربه ... حتى كأن مغيبه الأقذاء
وكان الأمير المذكور صاحب جرجان وتلك النواحي، وكانت من قبله لأبيه، ثم انتقلت مملكة جرجان عنهم إلى غيرهم، وشرح ذلك يطول. وكان ملك قابوس المذكور لها في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وكانت المملكة قد انتقلت إلى أبيه من أخيه. قالوا: وكان قابوس من محاسن الدنيا وبهجتها، غير أنه على ما خص به من المناقب والرأي البصير بالعواقب من السياسة لا يساغ كأسه، ولا تؤمن سطوته وبأسه، يقابل زلة القدم، ولا يذكر العفو عند الغضب على من أجرم، فما زال على هذا الخلق قابوس حتى استوحشت منه النفوس، وانقلبت عنه القلوب، وتجافى الصاحب عن المصحوب، فأجمع أهل عسكره على خلعه عن ولايته، ونزع الأيدي عن طاعته، وحالوا بينه وبين جرجان، وملكوها، وبعثوا إلى ولده أبي منصور ليعقد البيعة له، فأسرع في الحضور. فلما وصل إليهم أجمعوا على طاعته أن خلع أباه، فلم يسعه في تلك الحال إلا المداراة، فأجابهم خوفاً على خروج الملك عن بيتهم ولما رأى قابوس هذا المرام، توجه بمن معه من خواصه إلى ناحية بسطام، لينظرما يستقر عليه الأمر. فلما سمعوا بخروجه حملوا ولده على قصده وإزعاجه عن مكانه، ومقابلته بالشر. فسار معهم مضطراً إلى أبيه، فتلاقيا، وتباكيا لما جرى من تغير الحال، وتشاكيا، وعرض الولد نفسه أن يكون حجاباً بينه وبين أعاديه، فلو قوبل بالقتال لقتل، وذهب نفسه فيه. ورأى الوالدان ذلك لا يجدي، ولا توجد نجدة، وأن ولده أحق بالولاية والملك بعده، فسلم إليه خاتم المملكة، واستوصاه خيراً بنفسه ما زال في قيد الحياة واتفقا على أن يكون الوالد في بعض القلاع إلى حلول أجله والأنسلاخ من الحياة والانقطاع، أو فناء أعاديه من البلاد والقلاع. فانتقل إلى قلعة
стр. 697
هنالك، وشرع الولد في الإحسان إلى الجيش وهم يسومون والده المهالك، فلم يزالوا يسيؤون، وهو يحسن إليهم حتى قتلوا والده خشية قيامه عليهم فآل الأمر إلى ما ذكر من إكساف الشمس والقمر.
سنة أربع وأربع مائة
فيها، وقيل في سنة اثنتين وأربع مائة وقيل ذلك توفي الإمام الجليل السيد الحفيل أبو الطيب الصعلوكي سهل ابن الإمام أبي سهل العجلي النيسابوري الشافعي، مفتي خراسان،، قال الحاكم: هو أنظر من رأينا تخرج به جماعة. واختلفوا فيه وفي القاضي أبي بكر الباقلاني، أيهما كان على رأس المائة الرابعة في كونه مجدد الدين للأمة؟ فقيل: هو، لكثرة فنونه واتساع فضائله العلمية والعملية، وقيل: القاضي أبو بكر، لاحتياج الناس في زمن البدع إلى علم الأصول أكثر من علم الفروع وغيره لادحاض حجج المبتدعين بقواطع جراهين. وقد تقدم أن هذا القول أصح. وممن رجحه من الأئمة الجلة الالأكابر، الإمام الحافظ أبو القاسم بن عساكر، وذلك أن الباقلاني المذكور كان بارعاً في علم الأصول، كان فيه الغالب عليه من بين العلوم، أنفق فيه أوقات عمره، فهو بالتقدم فيه مشهور. وقد ذكرت أيضاً في الشاش المعلم شيئاً من مناقب سهل المذكور ومناقب أبيه.
سنة خمس وأربع مائة
فيها توفي الإمام الكبير الفقيه الشهير أبو القاسم المعروف بابن كج يوسف بن حمد الدينوري. كان يضرب به المثل في حفظه لمذهب الشافعي، وكان بعض الفقهاء يفضله على الشيخ أبي حامد الاسفرائيني وهو صاحب وجه في المذهب وقد قيل له: يا أستاذ؛ الاسم لأبي حامد والعلم لك، فقال: ذاك رفعة بغداد، وجعلني الدينور قتله العيارون بالدينور ليلة السابع والعشرين من رمضان. وفيها توفي الواعظ الزاهد أبو القاسم بكر بن شاذان قال الخطيب: كان عبداً صالحاً. وأبو محمد الأكفاني، قال: أبو إسحاق ابراهيم بن أحمد الطبري: من قال إن أحداً أنفق على أهل العلم مائة ألف دينار فقد كذب غير أبي محمد بن الأكفاني. وفيها توفي عبد العزيز بن عمر بن نباته الشاعر التميمي السعدي. جمع في شعره بين حسن السبك وجودة المعنى، طاف البلاد، ومدح الملوك والوزراء والرؤساء، وله في سيف
стр. 698
الدولة بن حمدان غرر القصائد ونخب المدائح، وكان قد أعطاه فرساً أدهم أغر محجلاً فكتب إليه.
يا أيها الملك الذي أخلاقه ... من خلقه، ورؤاه من رأيه
قد جاءنا الطرف الذي أهديته ... هادية تعقد أرضه بسمائه
أولاته وليتنا فبعثته ... رمحاً يشيب العرف عقد لوائه
نجياك منه على أغر محجل ... ما للدياجي قطرة من مائه
فكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتض منه فخاض في أحشائه
في أبيات أخرى. وله أيضاً في سيف الدولة.
لم يبق جودك لي شيئاً أوصله ... تركني أصحاب الدنيا بلا فعل
وهذا المعنى، فيه يقول البحتري:
وقطعتني بالجود حتى إنني ... متخوف أن لا يكون لقاء
أخجلتني تبدي يديك فسودت ... ما بيننا تلك الندا البيضاء
وفي معناه أيضاً قول دعبل:
أصلحتني بالبر حتى أفسدتني ... وتركتني أتسخط الإحسانا
وهذا المعنى مطروق للشعراء. وما ألطف قول المعري فيه:
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر
الخصر بفتح الخاء المعجمة والصاد المهملة وبعدها راء: البرد الشديد. والمعنى: إن الماء إذا أفرط في شدة برودته ترك شربه، وقال محمد بن وشاح: سمعت عبد العزيز بن نباتة يقول: كنت يوماً في دهليزي، فدق علي الباب، فقلت: من؟ قال: رجل من أهل المشرق. فقلت: ما حاجتك؟ فقال: أنت القائل:
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ... تنوعت الأسباب والداء واحد
فقلت نعم، فقال: أرويه عنك؟ فقلت: نعم. ثم كذلك ذكر أنه سأله آخر من المغرب، فأجابه كذلك وقال: عجبت كيف وصل إلى الشرق والغرب. ولعبد العزيز المذكور أيضاً:
متع لحاظك من خل تودعه ... فما أخالك بعد اليوم بالوادي
قال أبو الحسن محمد بن علي البغدادي صاحب كتاب المفاوضة عدت أبا نصر بن
стр. 699
نباتة في اليوم الذي توفي فيه، فأنشدني هذا البيت، وودعته وانصرفت، فأخبرت في طريقي أنه توفي.
وفيها توفي الإمام الكبير الحافظ الشهير أبو عبد الله محمد بن عبد الله، المعروف بالحاكم ابن البيع النيسابوري، إمام أهل الحديث في وقته. كتب عن نحو الذي حديث شيخ، وبرع في معرفة الحديث وفنونه، وصنف التصانيف، وتفقه على الإمام أبي سهل الصعلوكي الفقيه الشافعي، ولازمه الدارقطني، وسمع منه الإمام أبو بكر القفال الشاشي وغيره من الأئمة. وفيها وقيل في سنة ثلاث وستين وأربع مائة توفي ابن زيدون المخزومي الأندلسي الشاعر المشهور. ومن شعره:
يا بائعاً حظه مني ولو بذلت ... لي الحياة بحظي منه لم أبع
يكفيك أني إن حملت قلبي ما ... لا يستطيع قلوب الناس يستطع
ته أحتمل واستطل أصبر وعز ... أهن وول أقبل اسمع ومر أطع
ومن شعره أيضاً:
تكاد حين تناجيكم ضمائرنا ... يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
حالت لبعدكم أيامنا فغدت ... سوداً، وكانت بكم بيضاً ليالينا
بالأمس كنا وما نخشى تفرقنا ... واليوم نحن وما يرجى تلاقينا
ومنه أيضاً:
لم تدر ما خلتعيناك في خلديمن الغرام ولا ما كابدت كبدي
سنة ست واربع مائة
فيها توفي الإمام الجليل الفاضل، مقر النجابة والفضائل، الشيخ أبو حامد أحمد بن
стр. 700
أبي طاهر محمد بن أحمد الاسفرائيني الفقيه الشافعي، شيخ طريقة العراق، وإمام الشافعية بالاتفاق. انتهت إليه رئاسة الدنيا والدين ببغداد، وكان يحضر مجلسه أكثر من ثلائمائة فقيه هكذا ذكر بعضهم، وقال بعضهم: سبع مائة فقيه، علق على مختصر المزني تعاليق، وطبق الأرض بالأصحاب، وله فى المذاهب: التعليقة الكبرى في نحو خمسين مجلداً، وكتاب البستان، ذكر فيه غرائب، وهو كتاب صغير. أخذ الفقه عن أبي الحسن بن المرزباني، ثم عن أبي القاسم الداركي. واتفق أهل عصره على جلالته وتفضيله وتقديمه في جودة النظر. وذكر الخطيب أنه حدث بشيء يسير عن عبد الله بن عدي، وأبي بكر الاسماعيلي، وابراهيم بن محمد الاسفرائيني وغيرهم. وقال: وكان ثقة، ورأيته غير مرة، وحضرت تدريسه، وسمعت من يذكر أنه كان يحضر درسه سبعمائة متفقه. وكان الناس يقولون: لو رآه الشافعي لفرح به. وحكى الشيخ أبو إسحاق في كتاب الطبقات أن أبا الحسن القدوري كان يعظمه ويفضله على كل أحد، وأن الوزير أبا القاسم علي بن الحسن حكى له عن القدوري أنه قال: أبو حامد عندي أفقه وأنظر من الشافعي. قال الشيخ أبو إسحاق: فقلت له: هذا القول من القدوري، حمله عليه اعتقاده في الشيخ أبي حامد، وتعصبه للحنفية على الشافعي، ولا يلتفت إليه فإن أبا حامد، ومن هو أعلم منه وأقدم على بعد من تلك الطبقة، وما مثل الشافعي ومثل من بعده إلا كما قال الشاعر:
نزلوا بمكة في قبائل نوفل ... ونزلت بالبيداء أبعد منزل
وقال تلميذه الإمام سليم الرازي: كان لا يخلو له وقت عن اشتغال، حتى إنه كان إذا أبوأ القلم قرأ القرآن أو سبح، وكذلك إذا كان ماراً في الطريق. وروى القاضي الإمام طاهر ابن الإمام العلامة صاحب البيان يحيى بن أبي الخير العمراني اليمني بسنده عن بعض شيوخه بالسند المتصل عن الإمام أبي الفتوح يحيى بن عيسى بن ملامس، عن والده قال: لقيت الشيخ الإمام أبا حامد الاسفرائيني بمكة في بعض المواسم، فرأيت عليه ثياباً ثمينة من ثياب الملوك، ورأيته يركب مراكب الملوك، ورأيته في الطواف والناس يعظمونه فقرأ في الطواف قارىء: " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً " - القصص ٨٣ - فبكى الشيخ أبو حامد بكاء شديداً، وسمعته يقول: أما العلو يا رب فقد أردناه، وأما الفساد فلم نرده. وروي أنه قابله بعض الفقهاء في مجلس المناظرة بما لا يليق، ثم أتاه في الليل معتذراً إليه، فأنشده أبو حامد:
جفاء جرى جهراً لدى الناس وانبسط ... وعذراً أتى سراً فأكد ما فرط
стр. 701
ومن ظن أن يمحو جلي جفائه ... خفى اعتذار فهو في أعظم الغلط
وفي الإمام أبي حامد المذكور ما هو عن بعضهم بهذا اللفظ مسطور، لما عاد مريضاً أنشأ المريض يقول:
مرضت فاشتقت إلى عائد ... فعادني العالم في واحد
ذاك الإمام ابن طاهر ... أحمد ذو الفضل أبو حامد
وكانت ولادته ﵀ في سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، وقدم بغداد في سنة ثلاث وستين وثلاثمائة. وقال الخطيب: سنة أربع وستين. ودرس الفقه بها من سنة سبعين إلى أن توفي في السنة المذكورة، ودفن في داره، ثم نقل إلى باب حرب في سنة عشر وأربعمائة. قلت: وهذا يقتضي أنه نقل بعد موته بأربع سنين، وأن جسده ما بلي، ويكون ذلك كرامة في حقه. وقال الخطيب: صليت على جنازته في الصحراء، وكان الإمام في الصلاة عليه عبد الله بن المهدي، خطيب جامع المنصور، وكان يوماً مشهوراً بعظم الحزن وكثرة الناس وشدة البكاء. ونسبته إلى إسفراين بكسر الهمزة وسكون السين المهملة وفتح الفاء والراء وكسر الياء المثناة من تحت وبعدها نون هي بلدة بخراسان بنواحي نيسابور على منتصف الطريق إلى جرجان.
وفيها توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير، وحيد عصره ونسيج وحده، الأستاذ أبو علي الحسن بن علي الدقاق النيسابوري. وفيها توفي الإمام الكبير الأستاذ الشهير محمد بن الحسن بن فورك بضم الفاء وسكون الواو وفتح الراء الأصفهاني، صاحب التصانيف الحميدة والسيرة السديدة والفضائل العديدة والعزيمة الشديدة والشمائل الجريدة والأوصاف السعيدة، المتكلم الأصولي، الأديب النحوي الواعظ. دخل العراق، وأقام بها مدة يدرس العلم، ثم توجه إلى الري، فسمعت به المبتدعة، فراسله أهل نيسابور، والتمسوا منه التوجه إليهم، ففعل، وورد نيسابور، فبنى له مدرسة وداراً، وأحيى الله به أنواعاً من العلوم. ولما استوطنها ظهرت بركته على جماعة المشتغلين بالعلم، وبلغت مصنفاته في أصول الفقه والدين ومعاني القرآن قريباً من مائة مصنف، ورحل إلى مدينة غزنة بفتح الغين المعجمة والنون وسكون الزاي بينهما مدينة عظيمه في أوائل الهند من جهة خراسان، وجرت له بها مناظرات كثيرة. ومن كلامه رضي الله تعالى عنه: الشغل بالعيال نتيجة متابعة شهوة الحلال، فما ظنك
стр. 702
بقضية شهوة الحرام. وكان شديد الرد على أصحاب عبد الله بن كرام، ثم عاد إلى نيسابور، فسم في الطريق، فمات هناك، ونقل إلى نيسابور، ومشهده ظاهر هنالك، يزار، ويستسقى به لنزول الأمطار، وتجاب الدعوة عنده رحمة الله عليه ورضوانه. وفي السنة المذكورة توفي الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى الحسيني الموسوي البغدادي الشيعي، نقيب الأشراف، ذو المناقب ومحاسن الأوصاف، صاحب ديوان الشعر. ذكره الثعالبي في كتابه اليتيمة، وقال: ابتدأ يقول الشعر بعد أن جاوز عشر سنين بقليل، وهو اليوم أبدع أهل الزمان إنشاء، وأعجب سادة أهل العراق يعني الجهابذة الحذاق يتحلى مع محتده الشريف ومفخره المنيف بأدب ظاهر، وفضل باهر، وحظ من جميع المحاسن وافر، ثم هو أشعر الطالبين على كثرة شعرائهم المفلقين يعني بالمفلقين بضم الميم وسكون الفاء وكسر اللام والقاف: الدهاة الآتين بالأمر العجيب. قال: ولو قلت إنه أشعر قريش لم أبعد عن الصدق، وسيشهد بما أخبرته شاهد عدل من شعره العالي المدح، الممتنع في وصفه عن القدح الذي يرجع إلى السلاسة متانة، وإلى السهولة رصانة، ويشتمل على معان يقرب جناها، ويبعد مداها. ومن غرر شعره ما كتبه إلى الإمام القادر بالله أبي العباس أحمد بن المقتدر من جملة قصيدة:
عطفاً أمير المؤمنين فإننا ... في دوحة العلياء لا نتفرق
ما بيننا يوم الفخار تفاوت ... أبداً كلانا في المعالي معرق
إلا الخلافة ميزتك فإنني ... أنا عاطل منها، وأنت مطوق
ويقال: أعرق الرجل: إذا كان له عرق في الكرم، كذلك الفرس، ويقال أيضاً في اللؤم، بضم اللام. ومن جيد قوله أيضاً:
رمت المعالي فامتنعن ولم يزل ... أبداً يمانع عاشقاً معشوق
وصبرت حتى نلتهن ولم أقل ... ضجراً دواء الفارك التطليق
وديوان شعره كبير، يدخل في أربع مجلدات، وهو كثير الوجود، فلا حاجة إلى الإكثار من ذكره. وذكر أبو الفتح ابن جني النحوي أن الشريف المذكور أحضر إلى ابن السيرافي النحوي وهو طفل لم يبلغ عمره سنين، فلقنه النحو، وقعد معه يوماً في الحلقة، فذاكره بشيء من الإعراب على عادة التعليم، فقال له: إذا قلنا: رأيت عمر، فما علامة النصب في عمر؟ فقال له الرضي: بغض علي فعجب السيرافي والحاضرون من حدة خاطره. وذكر أنه حفظ القرآن
стр. 703
في مدة يسيرة، وصنف كتاباً في معاني القرآن يتعذر وجود مثله، دال على توسعه في علم النحو واللغة، وصنف كتاباً في مجازات القرآن، فجاء نادراً في بابه. وقال الخطيب: سمعت أبا عبد الله الكاتب بحضرة أبي الحسين بن محفوظ يقول: سمعت جماعة من أهل العلم بالأدب يقولون الرضي أشعر قريش، فقال ابن محفوظ: هذا صحيح، وقد كان في قريش من يجيد القول، إلا أن شعره قليل، فأما مجيد مكثر فليس إلا الرضي.
سنة سبع واربع مائة
فيها سقطت القبة العظيمة التي على صخرة بيت القدس. وفيها هاجت فتنة مهولة بواسط بين الشيعة وأهل السنة، ونهبت دور الشيعة، أحرقت، وهربوا، وقصدوا علي بن مزيدة واستنصروا به. وفيها توفي الحافظ أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي مصنف كتاب الألقاب. وفيها توفي محمد بن أحمد بن شاكر القطان المصري، مؤلف فضائل الشافعي. وفيها توفي أبو الحسن المحاملي محمد بن أحمد بن القاسم بن اسماعيل الطيبي. البغدادي الشافعي الفرضي شيخ سليم الرازي. وفيها توفي الوزير فخر الملك أبو غالب محمد بن علي، وزير بهاء الدولة وسلطان الدولة. وكان فخر الدولة من أعظم وزواء آل بويه على الإطلاق بعد أبي الفضل محمد بن العميد، والصاحب بن عباد، وكان واسع النعمة، فسيح مجال الهمة، جم الفضائل، جزيل سطايا والنوال. قصده جماعة من أعيان الشعراء، ومدحوه، وقرضوه بنجب المدائح، منهم أبو نصر بن نباتة بقصيدة منها قوله:
لكل فتى قرين حين يسمو ... وفخر الملك ليس له قرين
أنخ بجنابه واحكم عليه ... بما أملته وأنا الضمين
وحكي أنه مدحه بعض الشعراء بعد هذه القصيدة، فلم يجزه بما يرضيه، فجاء إلى ابن نباتة المذكور وقال له: أنت غررتني، وأنا ما مدحته إلا ثقة بضمانك، فتعطيني ما يليق بمثل قصيدتي، فأعطاه من عنده شيئاً رضي به، فبلغ ذلك الملك، فسير لابن نباتة جملة مستكثرة
стр. 704
لهذا السبب. وقال فيه بعضهم:
أرى كبدي وقد بردت قليلاً ... أمات الهم أم عاش السرور
أم الأيام خافتني لأني ... بفخر الملك منها أستجير
ومن أجله صنف ابن الحاسب كتاب الفخري في الجبر والمقابلة. وحكي أنه رفع إليه قصة سعى فيها بهلاك شخص، فوقف فخر الملك عليها، وقلبها وكتب في ظهرها: السعاية قبيحة وإن كانت صحيحة، فإن كنت أجريتها مجرى النصح فخسرانك فيها أكثر من الربح، ومعاذ الله تقبل من مهتوك في مستور، ولولا أنك في حقارة سبيل لقابلناك بما يشبه مقالك، ويروع به أمثالك، فاكتم هذا العيب، واتق من يعلم الغيب، والسلام. ولم يزل فخر الملك في عزة وجاهة وحرمة إلى أن نقم عليه مخدومه سلطان الدولة المذكور بسبب، فقتله. قلت: وكم من تعاسة تنال ذوي الولايات، ثم لا يرتدعون من طلب الرئاسات.
سنة ثمان وأربع مائة
فيها وقعت فتنة عظيمة بين السنية والشيعي، وتفاحشت، وقتل طائفة من الفريقين، وعجز صاحب الشرطة عنهم، وقاتلوه، فأطلق الذيران في سوق نهر الدجاج. وفيها استتاب القادر بالله وكان صاحب سنة طائفة من المعتزلة والرافضة، وأخذ خطوطهم في التوبة، وبعث إلى السلطان في ذلك الوقت يبث السنة بخراسان، ففعل ذلك، وبالغ وقتل جماعة، ونفى خلقاً كثيراً من المعتزلة والرافضة والاسماعيلية والجهمية والمشبهة، وأمر بلعنهم على المنأبو. وفيها قتل الدوري وقطع لكونه ادعى ربوبية الحاكم. وفيها توفي أبو الفضل الخزاعي محمد بن جعفر الجرجاني المقرىء، مصنف كتاب الواضح، وكان كثير التطواف في طلب القراءات. وفيها توفي أبو عمر البسطامي محمد بن الحسين الشافعي، قاضي نيسابور وشيخ الشافعية بها، رحل وسمع الكثير، ودرس المذهب، وأملى على الطبراني وطبقته.
стр. 705
سنة تسع وأربعمائة
فيها توفي الحافظ الكبير النسابة عبد الغني بن سعيد الأزدي المصري، صاحب التصانيف النافعة، منها كتاب المؤتلف والمختلف. كان الدارقطني يفخمه ويقول: كأنه شعلة نار. وقال منصور الطرسوسي: خرجنا نودع الدارقطني بمصر، فبكينا، فقال: تبكون وعندكم عبد الغني؟ وقال البرقاني: ما رأيت بعد الدارقطني أحفظ من عبد الغني ﵀. وفيها توفي ابن الصلت محمد بن أحمد الأهوازي. وفيها توفي الشيخ الكبير عبد الله بن يوسف، نزيل نيسابور، من كبار الصوفية وثقات المحدثين.
سنة عشر وأربع مائة
فيها افتتح السلطان محمود بن ناصر الدولة الهند، وأسلم نحو من عشرين ألفاً، وقتل من الكفار نحو خمسين ألفاً، وهدم مدينة الأصنام، وبلغ عدد الخمس من الرقيق ثلاثة وخمسين ألفاً، واستولى على عدة قلاع وحصون، وكان جيشه ثلاثين ألف فارس سوى الرجالة والمطوعة، ولم يزل يفتح في بلاد الهند إلى حيث لم تبلغه في الإسلام راية، وطهرها من أرجاس الشرك، وبنى مساجد وجوامع. وتفصيل حاله في الحروب والفتح يطول شرحه. ولما فتح بلاد الهند كتب كتاباً إلى بغداد يذكر فيه ما فتح الله عل يديه من بلاد الهند، وأنه كسر الضم المشهور بسومنات، وذكر في كتابه أن هذا الصنم عند الهنود يحيي ويميت، ويفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويبرىء من العلل، وربما كان يتفق لشقوتهم برء عليل بقصده، ويوافقه طيب الهواء، وكثرة الحركة، ويزيدون به افتناناً ويقصدونه من أقاصي البلاد رجالاً وركباناً، ومن لم يصادف منهم انتعاشاً أجنح بالذنب وقال: إنه لم يخلص له الطاعة، فلم يستحق منه الإجابة. ويزعمون أن الأرواح إذا فارقت الأجسام اجتمعت لديه على مذهب أهل التناسخ وتشبيهها فيمن شاء، وأن مد البحر وجزره عبادة له على قدر طاعته، وكانوا بحكم هذا الاعتقاد يحجونه من كل صقع بعيد، ويأتونه من كل فج عميق، يتحفونه بكل مال نفيس، ولم يبق في بلاد الهند والسند على تباعد أقطارها وتفاوت أديانها ملك ولا سوقة إلا
следующие страницы →