Полный текст (1 334 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
ومن ظن أن يمحو جلي جفائه ... خفى اعتذار فهو في أعظم الغلط
وفي الإمام أبي حامد المذكور ما هو عن بعضهم بهذا اللفظ مسطور، لما عاد مريضاً أنشأ المريض يقول:
مرضت فاشتقت إلى عائد ... فعادني العالم في واحد
ذاك الإمام ابن طاهر ... أحمد ذو الفضل أبو حامد
وكانت ولادته ﵀ في سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، وقدم بغداد في سنة ثلاث وستين وثلاثمائة. وقال الخطيب: سنة أربع وستين. ودرس الفقه بها من سنة سبعين إلى أن توفي في السنة المذكورة، ودفن في داره، ثم نقل إلى باب حرب في سنة عشر وأربعمائة. قلت: وهذا يقتضي أنه نقل بعد موته بأربع سنين، وأن جسده ما بلي، ويكون ذلك كرامة في حقه. وقال الخطيب: صليت على جنازته في الصحراء، وكان الإمام في الصلاة عليه عبد الله بن المهدي، خطيب جامع المنصور، وكان يوماً مشهوراً بعظم الحزن وكثرة الناس وشدة البكاء. ونسبته إلى إسفراين بكسر الهمزة وسكون السين المهملة وفتح الفاء والراء وكسر الياء المثناة من تحت وبعدها نون هي بلدة بخراسان بنواحي نيسابور على منتصف الطريق إلى جرجان.
وفيها توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير، وحيد عصره ونسيج وحده، الأستاذ أبو علي الحسن بن علي الدقاق النيسابوري. وفيها توفي الإمام الكبير الأستاذ الشهير محمد بن الحسن بن فورك بضم الفاء وسكون الواو وفتح الراء الأصفهاني، صاحب التصانيف الحميدة والسيرة السديدة والفضائل العديدة والعزيمة الشديدة والشمائل الجريدة والأوصاف السعيدة، المتكلم الأصولي، الأديب النحوي الواعظ. دخل العراق، وأقام بها مدة يدرس العلم، ثم توجه إلى الري، فسمعت به المبتدعة، فراسله أهل نيسابور، والتمسوا منه التوجه إليهم، ففعل، وورد نيسابور، فبنى له مدرسة وداراً، وأحيى الله به أنواعاً من العلوم. ولما استوطنها ظهرت بركته على جماعة المشتغلين بالعلم، وبلغت مصنفاته في أصول الفقه والدين ومعاني القرآن قريباً من مائة مصنف، ورحل إلى مدينة غزنة بفتح الغين المعجمة والنون وسكون الزاي بينهما مدينة عظيمه في أوائل الهند من جهة خراسان، وجرت له بها مناظرات كثيرة. ومن كلامه رضي الله تعالى عنه: الشغل بالعيال نتيجة متابعة شهوة الحلال، فما ظنك
стр. 702
بقضية شهوة الحرام. وكان شديد الرد على أصحاب عبد الله بن كرام، ثم عاد إلى نيسابور، فسم في الطريق، فمات هناك، ونقل إلى نيسابور، ومشهده ظاهر هنالك، يزار، ويستسقى به لنزول الأمطار، وتجاب الدعوة عنده رحمة الله عليه ورضوانه. وفي السنة المذكورة توفي الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى الحسيني الموسوي البغدادي الشيعي، نقيب الأشراف، ذو المناقب ومحاسن الأوصاف، صاحب ديوان الشعر. ذكره الثعالبي في كتابه اليتيمة، وقال: ابتدأ يقول الشعر بعد أن جاوز عشر سنين بقليل، وهو اليوم أبدع أهل الزمان إنشاء، وأعجب سادة أهل العراق يعني الجهابذة الحذاق يتحلى مع محتده الشريف ومفخره المنيف بأدب ظاهر، وفضل باهر، وحظ من جميع المحاسن وافر، ثم هو أشعر الطالبين على كثرة شعرائهم المفلقين يعني بالمفلقين بضم الميم وسكون الفاء وكسر اللام والقاف: الدهاة الآتين بالأمر العجيب. قال: ولو قلت إنه أشعر قريش لم أبعد عن الصدق، وسيشهد بما أخبرته شاهد عدل من شعره العالي المدح، الممتنع في وصفه عن القدح الذي يرجع إلى السلاسة متانة، وإلى السهولة رصانة، ويشتمل على معان يقرب جناها، ويبعد مداها. ومن غرر شعره ما كتبه إلى الإمام القادر بالله أبي العباس أحمد بن المقتدر من جملة قصيدة:
عطفاً أمير المؤمنين فإننا ... في دوحة العلياء لا نتفرق
ما بيننا يوم الفخار تفاوت ... أبداً كلانا في المعالي معرق
إلا الخلافة ميزتك فإنني ... أنا عاطل منها، وأنت مطوق
ويقال: أعرق الرجل: إذا كان له عرق في الكرم، كذلك الفرس، ويقال أيضاً في اللؤم، بضم اللام. ومن جيد قوله أيضاً:
رمت المعالي فامتنعن ولم يزل ... أبداً يمانع عاشقاً معشوق
وصبرت حتى نلتهن ولم أقل ... ضجراً دواء الفارك التطليق
وديوان شعره كبير، يدخل في أربع مجلدات، وهو كثير الوجود، فلا حاجة إلى الإكثار من ذكره. وذكر أبو الفتح ابن جني النحوي أن الشريف المذكور أحضر إلى ابن السيرافي النحوي وهو طفل لم يبلغ عمره سنين، فلقنه النحو، وقعد معه يوماً في الحلقة، فذاكره بشيء من الإعراب على عادة التعليم، فقال له: إذا قلنا: رأيت عمر، فما علامة النصب في عمر؟ فقال له الرضي: بغض علي فعجب السيرافي والحاضرون من حدة خاطره. وذكر أنه حفظ القرآن
стр. 703
في مدة يسيرة، وصنف كتاباً في معاني القرآن يتعذر وجود مثله، دال على توسعه في علم النحو واللغة، وصنف كتاباً في مجازات القرآن، فجاء نادراً في بابه. وقال الخطيب: سمعت أبا عبد الله الكاتب بحضرة أبي الحسين بن محفوظ يقول: سمعت جماعة من أهل العلم بالأدب يقولون الرضي أشعر قريش، فقال ابن محفوظ: هذا صحيح، وقد كان في قريش من يجيد القول، إلا أن شعره قليل، فأما مجيد مكثر فليس إلا الرضي.
سنة سبع واربع مائة
فيها سقطت القبة العظيمة التي على صخرة بيت القدس. وفيها هاجت فتنة مهولة بواسط بين الشيعة وأهل السنة، ونهبت دور الشيعة، أحرقت، وهربوا، وقصدوا علي بن مزيدة واستنصروا به. وفيها توفي الحافظ أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي مصنف كتاب الألقاب. وفيها توفي محمد بن أحمد بن شاكر القطان المصري، مؤلف فضائل الشافعي. وفيها توفي أبو الحسن المحاملي محمد بن أحمد بن القاسم بن اسماعيل الطيبي. البغدادي الشافعي الفرضي شيخ سليم الرازي. وفيها توفي الوزير فخر الملك أبو غالب محمد بن علي، وزير بهاء الدولة وسلطان الدولة. وكان فخر الدولة من أعظم وزواء آل بويه على الإطلاق بعد أبي الفضل محمد بن العميد، والصاحب بن عباد، وكان واسع النعمة، فسيح مجال الهمة، جم الفضائل، جزيل سطايا والنوال. قصده جماعة من أعيان الشعراء، ومدحوه، وقرضوه بنجب المدائح، منهم أبو نصر بن نباتة بقصيدة منها قوله:
لكل فتى قرين حين يسمو ... وفخر الملك ليس له قرين
أنخ بجنابه واحكم عليه ... بما أملته وأنا الضمين
وحكي أنه مدحه بعض الشعراء بعد هذه القصيدة، فلم يجزه بما يرضيه، فجاء إلى ابن نباتة المذكور وقال له: أنت غررتني، وأنا ما مدحته إلا ثقة بضمانك، فتعطيني ما يليق بمثل قصيدتي، فأعطاه من عنده شيئاً رضي به، فبلغ ذلك الملك، فسير لابن نباتة جملة مستكثرة
стр. 704
لهذا السبب. وقال فيه بعضهم:
أرى كبدي وقد بردت قليلاً ... أمات الهم أم عاش السرور
أم الأيام خافتني لأني ... بفخر الملك منها أستجير
ومن أجله صنف ابن الحاسب كتاب الفخري في الجبر والمقابلة. وحكي أنه رفع إليه قصة سعى فيها بهلاك شخص، فوقف فخر الملك عليها، وقلبها وكتب في ظهرها: السعاية قبيحة وإن كانت صحيحة، فإن كنت أجريتها مجرى النصح فخسرانك فيها أكثر من الربح، ومعاذ الله تقبل من مهتوك في مستور، ولولا أنك في حقارة سبيل لقابلناك بما يشبه مقالك، ويروع به أمثالك، فاكتم هذا العيب، واتق من يعلم الغيب، والسلام. ولم يزل فخر الملك في عزة وجاهة وحرمة إلى أن نقم عليه مخدومه سلطان الدولة المذكور بسبب، فقتله. قلت: وكم من تعاسة تنال ذوي الولايات، ثم لا يرتدعون من طلب الرئاسات.
سنة ثمان وأربع مائة
فيها وقعت فتنة عظيمة بين السنية والشيعي، وتفاحشت، وقتل طائفة من الفريقين، وعجز صاحب الشرطة عنهم، وقاتلوه، فأطلق الذيران في سوق نهر الدجاج. وفيها استتاب القادر بالله وكان صاحب سنة طائفة من المعتزلة والرافضة، وأخذ خطوطهم في التوبة، وبعث إلى السلطان في ذلك الوقت يبث السنة بخراسان، ففعل ذلك، وبالغ وقتل جماعة، ونفى خلقاً كثيراً من المعتزلة والرافضة والاسماعيلية والجهمية والمشبهة، وأمر بلعنهم على المنأبو. وفيها قتل الدوري وقطع لكونه ادعى ربوبية الحاكم. وفيها توفي أبو الفضل الخزاعي محمد بن جعفر الجرجاني المقرىء، مصنف كتاب الواضح، وكان كثير التطواف في طلب القراءات. وفيها توفي أبو عمر البسطامي محمد بن الحسين الشافعي، قاضي نيسابور وشيخ الشافعية بها، رحل وسمع الكثير، ودرس المذهب، وأملى على الطبراني وطبقته.
стр. 705
سنة تسع وأربعمائة
فيها توفي الحافظ الكبير النسابة عبد الغني بن سعيد الأزدي المصري، صاحب التصانيف النافعة، منها كتاب المؤتلف والمختلف. كان الدارقطني يفخمه ويقول: كأنه شعلة نار. وقال منصور الطرسوسي: خرجنا نودع الدارقطني بمصر، فبكينا، فقال: تبكون وعندكم عبد الغني؟ وقال البرقاني: ما رأيت بعد الدارقطني أحفظ من عبد الغني ﵀. وفيها توفي ابن الصلت محمد بن أحمد الأهوازي. وفيها توفي الشيخ الكبير عبد الله بن يوسف، نزيل نيسابور، من كبار الصوفية وثقات المحدثين.
سنة عشر وأربع مائة
فيها افتتح السلطان محمود بن ناصر الدولة الهند، وأسلم نحو من عشرين ألفاً، وقتل من الكفار نحو خمسين ألفاً، وهدم مدينة الأصنام، وبلغ عدد الخمس من الرقيق ثلاثة وخمسين ألفاً، واستولى على عدة قلاع وحصون، وكان جيشه ثلاثين ألف فارس سوى الرجالة والمطوعة، ولم يزل يفتح في بلاد الهند إلى حيث لم تبلغه في الإسلام راية، وطهرها من أرجاس الشرك، وبنى مساجد وجوامع. وتفصيل حاله في الحروب والفتح يطول شرحه. ولما فتح بلاد الهند كتب كتاباً إلى بغداد يذكر فيه ما فتح الله عل يديه من بلاد الهند، وأنه كسر الضم المشهور بسومنات، وذكر في كتابه أن هذا الصنم عند الهنود يحيي ويميت، ويفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويبرىء من العلل، وربما كان يتفق لشقوتهم برء عليل بقصده، ويوافقه طيب الهواء، وكثرة الحركة، ويزيدون به افتناناً ويقصدونه من أقاصي البلاد رجالاً وركباناً، ومن لم يصادف منهم انتعاشاً أجنح بالذنب وقال: إنه لم يخلص له الطاعة، فلم يستحق منه الإجابة. ويزعمون أن الأرواح إذا فارقت الأجسام اجتمعت لديه على مذهب أهل التناسخ وتشبيهها فيمن شاء، وأن مد البحر وجزره عبادة له على قدر طاعته، وكانوا بحكم هذا الاعتقاد يحجونه من كل صقع بعيد، ويأتونه من كل فج عميق، يتحفونه بكل مال نفيس، ولم يبق في بلاد الهند والسند على تباعد أقطارها وتفاوت أديانها ملك ولا سوقة إلا
стр. 706
وقد تقرب إلى هذا الصنم بما عز عليه من أمواله وذخائره، حتى بلغت أوقافه عشرة آلاف قرية في تلك البقاع، وامتلأت خزانته من أصناف الأموال. وفي خدمته من البراهمة ألف رجل يخدمونه، وثلاث مائة رجل يحلقون رؤوس حجاجه ولحاهم عند الورود عليه، وثلاثمائة رجل وخمس مائة امرأة يغنون ويرقصون عند بابه، ويجري من الأوقات المصدرة له لكل طائفة من هؤلاء رزق معلوم. وكان بين المسلمين وبين القلعة التي فيها الصنم المذكور مسيرة شهر في مفازة موصوفة بقلة الماء وصعوبة المسالك واستيلاء الرمل على طرقها. وسار إليها السلطان محمود في العدد المذكور مختاراً له من عدد كثير، وأنفق عليهم من الأموال ما لا يحصى، فلما وصلوا إلى القلعة وجدوها حصناً منيعاً، ففتحوها في ثلاثة أيام، ودخلوا بيت الصنم وحوله من أصنام الذهب والمرصع بأنواع الجواهر عدة كثيرة محيطة بعرشه يدعون أنها الملائكة فأحرق المسلمون الصنم، ووجد وافي أذنه نيفاً وثلاثين حلقة، فسألهم محمود عن معنى ذلك فقالوا: لكل حلقة عبادة ألف سنة، وكلما عبدوه ألف سنة علقوا في أذنه حلقة. وذكروا من أخبار هذا الصنم هذياناً يطول ذكره، حذفت بعضه، وذكرت بعضه، وبعض المؤرخين حذف الجميع، وبعضهم ذكر الجميع. ومما ذكروا عن السلطان محمود ما هو مشهور، ومن فضل مذهب الشافعي معدود ما سيأتي الآن ذكره، ويعلم منه فضل المذهب المذكور وفخره، قضية عجيبة مشتملة على نادرة غريبة، وهي ما ذكره إمام الحرمين: فحل الفروع والأصليين أبو المعالي عبد الملك ابن شيخ الإسلام، أبي محمد الجويني في كتابه الموسوم بمغيث الخلق في اختيار الحق أن السلطان محمود المذكور كان على مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وكان مولعاً بعلم الحديث، وكان الناس أو قال: الفقهاء يسمعون الحديث من الشيوخ بين يديه، وهو يسمع، وكان يستفسر الأحاديث، فوجد أكثرها موافقاً لمذهب الشافعي ﵁، فوقع في خلده حبه، فجمع الفقهاء من الفريقين في مرو، والتمس منهم الكلام في ترجيح أحد المذهبين على الآخر، فوقع الاتفاق على أن يصلوا بين يديه ركعتين على مذهب الشافعي، وركعتين على مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنهما، يقتصر فيهما على أقل الفروض، لينظر فيها السلطان، ويتفكر، ويختار. ما هو أحسنه، فصلى القفال المروزي بطهارة مسبغة وشرائط معتبرة من الطهارة والسترة واستقبال القبلة، واتى بالأركان والفرائض على وجه الكمال والتمام، وكانت صلاة لا يجوز الشافعي دونها، ثم صلى ركعتين على ما يجوز أبو حنيفة، ولبس جلد كلب مدبوغ، ولطخ ربعه بالنجاسات، وتوضأ بنبيذ التمر وكانت في صميم الصيف في المفازة، فاجتمع عليه الذباب والبعوض، وكان وضوءه منكوساً منكساً، ثم استقبل القبلة، وأحرم بالصلاة من غير نية للوضوء، وكبر بالفارسية، ثم قرأ آية بالفارسية دوبرك كل سبز ثم نقر نقرتين كنقرات الديك من غير فصل ومن غير ركوع، وتشهد وضرط
стр. 707
في آخره من غير نية
السلام، وقال: أيها السلطان هذه صلاة أبي حنيفة، فقال السلطان: إن لم يكن هذه صلاة أبي حنيفة قتلتك، لأن مثل هذه الصلاة لا يجوزها ذو دين، فأنكرت الحنفية أن يكون هذه صلاة أبي حنيفة، فأمر القفال بإحضار كتب أبي حنيفة، فأمر السلطان نصرانياً كاتباً يقرأ المذهبين جميعاً، فوجدت الصلاة على مذهب أبي حنيفة على ما حكاه القفال، فأعرض السلطان عن مذهب أبي حنيفة ﵁، وتمسك بمذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه انتهى كلام إمام الحرمين. لام، وقال: أيها السلطان هذه صلاة أبي حنيفة، فقال السلطان: إن لم يكن هذه صلاة أبي حنيفة قتلتك، لأن مثل هذه الصلاة لا يجوزها ذو دين، فأنكرت الحنفية أن يكون هذه صلاة أبي حنيفة، فأمر القفال بإحضار كتب أبي حنيفة، فأمر السلطان نصرانياً كاتباً يقرأ المذهبين جميعاً، فوجدت الصلاة على مذهب أبي حنيفة على ما حكاه القفال، فأعرض السلطان عن مذهب أبي حنيفة ﵁، وتمسك بمذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه انتهى كلام إمام الحرمين.
سنة احدى عشرة وأربع مائة
فيها كان الغلاء المفرط بالعراق، حتى أكلوا الكلاب. وفيها توفي الحاكم بأمر الله أبو علي منصور بن العزيز بن نزار بن المعز العبيدي صاحب مصر والشام والحجاز والمغرب، فقد في شوال وله ست وثلاثون سنة. جهزت أخته ست الملك عليه من قتله، وكان شيطاناً مهيباً خبيث النفس متلون الاعتقاد، سمحاً جواداً سفاكاً للدماء، قتل عدداً كثيرأ من كبراء دولته صبراً، وأمر بشتم الصحابة، وكتبه على أبواب المساجد، وأمر بقتل الكلاب حتى لم يبق بمملكته منها إلا القليل، وأبطل الفقاع والملوخية والسمك الذي لا فلوس له، وأتى لمن باع ذلك سراً فقتلهم ونهى عن بيع الرطب، ثم جمع منه شيئاً عظيماً فأحرقه، وأباد أكثر الكروم، وشدد في الخمر، وألزم أهل الذمة حمل الصلبان في أعناقهم، وأمرهم بلبس العمائم السود، وهدم الكنائس، ونهى عن تقبيل يد من له ديانة، وأمر بالسلام فقط، وبعث إليه عامله على المغرب ينكر عليه، فأخذ في استمالته، وحمل في كمه الدفاتر ولزم التفقه، وأمر الفقهاء ببث مذهب المالك، واتخذ له مالكيين يفقهانه، ثم ذبحهما صبراً، ونفى المنجمين من بلاده، وحرم على النساء الخروج، فما زلن ممنوعات سبع سنين وسبعة أشهر حتى قتل، وتزهد، وتأله، ولبس الصوف، وبقي يركب الحمار ويمر وحده في الأسواق، ويقيم الحسبة بنفسه. ويقال إنه أراد أن يدعي الإلهية كفرعون، وشرع في ذلك، وخوفه خواصه عن زوال دولته، فانتهى. وكان المسلمون وأهل الذمة في كرب وبلاء شديد معه، حتى إنه أوحش أخته بمراسلات قبيحة، وأتها تزني، وطلبت ابن دواس القائد وكان خائفاً من الحاكم فاتفقت معه على قتل الحاكم وسيرته طويلة عجيبة وأقامت أخته بعده ولده الطاهر علي بن منصور، وقتلت ابن دواس وسائر من اطلع على سرها، وأعدمت جيفة الحاكم، ولم يجدوا إلا جبة الصوف، وقد صبغت بالدماء، وقطعت بالسكاكين.
стр. 708
سنة اثنتي عشرة وأربعمائة
فيها توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير الحافظ أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين ابن موسى النيسابوري السلمي الصوفي. صحب جده أبا عمرو بن نجيد، وسمع الأصم وطبقته، وصنف التفسير والتاريخ وغير ذلك، وبلغت مصنفاته مائة. وقال الخطيب: قدر أبي عبد الرحمن عند أهل بلده جليل، وكان مع ذلك مجلوداً صاحب حديث. توفي في شعبان رحمه الله تعالى. وفيها توفي أبو عبد الله بن جعفر التميمي النحوي، المعروف بالقزاز القيرواني. كان الغالب عليه النحو واللغة، وله عدة تآلي، وكان العزيز بن المعز العبيدي صاحب مصر قد تقدم إليه أن يؤلف كتاباً، يجمع فيه سائر الحروف التي ذكر النحويون أن الكلام كله اسم وفعل وحرف جاملي. قال ابن الخزاز: وما علمت أن نحوياً ألف شيئاً من النحو على حروف المعجم سواه. وقال ابن رشيق: وكان مهيباً عند الملوك والعلماء وخاصة الناس، محبوباً عند العامة، قليل الخوض إلا في علم دين أو دنيا، وله شعر مطبوع منصوع، من ذلك قوله:
أما ومحل حبك في فؤادي ... وقدر مكانه فيه المكين
لو انبسطت لي الآمال حتى ... يصير من عنانك في يميني
لصنتك في مكان سواد عيني ... وحطت عليك من حذر جفوني
فأبلغ منك غايات الأماني ... وآمن فيك آفات الظنون
فلي نفس تجرع كل يوم ... عليك بهن كاسات المنون
إذا أمنت قلوب الناس خافت ... عليك خفي ألحاظ العيون
فكيف وأنت دنياي ولول ... عتاب الله فيك لقلت ديني
وقوله:
أحين علمت أنك نور عيني ... وأني لا أرى حتى أراكا
جعلت مغيب شخصك عن عياني ... يغيب كل مخلوق سواكا
وبلغ جملة الكتاب الذي ألفه العبيدي ألف ورقة، جمع فيه المفرق من الكتب النفيسة على أقصر سبيل، وأقرب ما يؤخذ، وأوضح طريق، وكأنه قد اقترح عليه أن يؤلفه على حروف المعجم، على وجه لم يسبق إليه كما تقدم.
стр. 709
سنة ثلاث عشرة وأربع مائة
فيها تقدم بعض الباطنية من المصريين إلى الحجر الاسود، فضربه بدبوس، فقتلوه في الحال. قال محمد بن علي بن عبد الرحمن العلوي: قام يضرب الحجر ثلاث ضربات، وقال: إلى متى يعبد الحجر؟ ولا محمد ولا علي فيمنعني ما أفعله، فإني اليوم أهدم هذا البيت. فأنفاه أكثر الحاضرين، وكاد أن يفلت وكان أحمر أشقر جسيماً طويلاً وكان على باب المسجد عشر فوارس ينصرونه، فاحتسب رجل، ووجأه بخنجر، ثم تكاثروا عليه، فهلك، وأحرق، وقتل جماعة ممن اتهم بمعاونته، واختبط الوفد، ومال الناس على ركب مصريين بالنهب. وتخشن وجه الحجر، وتساقط منه شظايا يسيرة، وتشقق، وظهر مكسرة أسمر يضرب إلى صفرة محبباً مثل الخشخاش، فعجن الفتات بالمسك، وأكد، وحشيت الشقوق، وطلبت، فهو يبين لمن تأمله. وفيها توفي عالم الشيعة وإمام الرافضة صاحب التصانيف الكثيرة، شيخهم المعروف بالمفيد وبابن المعلم أيضاً، البارع في الكلام والجدل والفقه. وكان يناظر أهل كل عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية. قال ابن أبي طي: وكان كثير الصدقات، عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم، خشن اللباس، وقال غيره: كان عضد الدولة ربما زار الشيخ المفيد، وكان شيخاً ربعة نحيفاً أسمر، عاش ستاً وسبعين سنة، وله اكثر من مائتي مصنف، كانت جنازته مشهودة، وشيعه ثمانون ألفاً من الرافضة والشيعة، وأراح الله منه. وكان موته في رمضان.
سنة أربع عشرة وأربع مائة
فيها توفي الشيخ أبو الحسن، المعروف بابن جهضم الهمداني، شيخ الصوفية بالحرم الشريف ومؤلف كتاب بهجة الأسرار في التصوف وفيها توفي الحافظ ابن الحافظ أبو القاسم تمام بن محمد البجلي الرازي الدمشقي. وفيها توفي القاضي عبد الجبار بن أحمد، من رؤوس أئمة المعتزلة وشيوخهم
стр. 710
، صاحب التصانيف والخلاف العنيف.
سنة خمس عشرة وأربع مائة
فيها توفي الإمام أبو الحسن المحاملي، شيخ الشافعية، أحمد بن محمد الضبي، تفقه على والده وعلى الشيخ أبي حامد الاسفرائيني، وبرع في الفقه، ودرس في أيام شيخه أبي حامد وبعده، وسمع الحديث من محمد بن المظفر وطبقته، ورحل به أبوه إلى الكوفة، وسمعه بها، وصنف عدة كتب منها المجموع والمقنع والقباب، وصنف في الخلاف كثيرا. وكان عديم النظير في الذكاء. وقال الشيخ أبو حامد: هو اليوم أحفظ للفقه مني والمحاملي نسبة إلى عمل المحامل الذي يركب فيها في السفر.
سنة ست عشرة وأربع مائة
فيها انتشر العيارون ببغدا، وخرقوا الهيبة، واصلوا العملات والقتل، وأخذوا الناس نهاراً جهاراً. وكانوا يمشون بالليل بالشمع والمشاعل، ويكبسون البيوت، ويأخذون أصحابها، ويعذبونهم إلى أن يقروا لهم بذخائرهم، وأحرقوا دار الشريف المرتضى. ولم يخرج فيها ركب من بغداد. وفيها توفي أبو عبد الله بن الحذاء القرطبي اليمني المالكي المحدث، مؤلف كتاب البشرى في تعبير الرؤيا في عشرة أسفار، وتولى قضاء إشبيلية وغيرها وفيها توفي أبو الحسن علي بن محمد التهامي، الشاعر المشهور. ومن شعره في ذم الدنيا:
طبقة على كدر وأنت تريدها ... صفواً من الأقذاء والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار
وإذا رجوت المستحيل فإنما ... تبني الرجاء على شفير هار
سجن في القاهرة، ثم قتل سراً، ورآه بعض أصحابه في النوم فقال: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، فقال: بأي عمل؟ قال: بقولي في مرثية ولدي الصغير:
стр. 711
جاورت أعدائي وجاور ربه ... شتان بين جواره وجواري
والتهامي نسبة إلى تهامة، وهي خطة متسعة بين الحجاز وأطراف اليمن. وله:
إني لأرحم حسدي لحرما ... ضمنت صدورهم من الإوغار
نظروا صنيع الله بي فعيرتهم ... في جنة وقلوبهم في نار
سنة سبع عشرة وأربع مائة
فيها هجمت الجند على الكر، فنهبوه وأحرقوا الأسواق، فوقعت الرعاع في النهب، وأشرف الناس على التلف، فقام المرتضى وطلع إلى الخليفة، فخلع وتكلم في القضية، فجعل يعير عليه، ثم ضبطت محال بغداد، وشرعوا في المصادرات. وفيها توقني الإمام أبو بكر القفال المروزي، عبد الله بن أحمد شيخ الشافعية بخراسان، حذق في صنعته حتى عمل قفلاً بمفتاحه وزن أربع حبات، فلما صار ابن ثلاثين سنة أحس في ذكاء، وحبب الله إليه الفقه، واشتغل به، فشرع فيه وهو صاحب طريقة الخراسانيين وفي الفقه. عاش تسعين سنة. قال ناصر العمري: لم يكن في زمانه أفقه منه، ولا يكون بعده. كنا نقول إنه ملك في صورة آدمي قلت: وهو القفال المتقدم ذكره مع السلطان محمود، الملقب يمين الدولة وأمين الملة ابن ناصر الدولة، ولة ذكر في صلاته على مذهب الشافعي فقهاً، والمجرية على مذهب أبي حنيفة في القصة المتقدم ذكرها في سنة عشرة وأربعمائة. قالوا: وكان وحيد زمانه فقهاً وحفظاً وورعاً وزهداً، واشتغل عليه خلق كثير، منهم الأئمة الكبار؛ القاضي حسين، والشيخ أبو محمد الجويني، وابنه إمام الحرمين، والشيخ أبو علي السبخي وغيرهم، وكل واحد من هؤلاء صار إماماً يشار إليه، ولهم التصانيف النافعة، وأخذ عنهم أئمة كبار أيضاً. والقفال المذكور ممن شرح فروع الإمام الفقيه أبي بكر بن الحداد المصري، فأجاد في شرحها رحمة الله تعالى عليهم أجمعين. وفي السنة المذكورة توفي الحافظا أبو حازم عمر بن أحمد الهذلي المسعودي النيسابوري، توفي يوم عيد الفطر. قال الخطيب: كان ثقة صادقاً حافظاً عارفاً، وقال غيره: يقال إنه كتب عن عشرة أنفس عشرة آلاف جزء.
стр. 712
سنة ثمان عشرة وأربع مائة
فيها توفي الإمام الكبير الأستاذ الشهير أبو إسحاق الأسفرائيني، ابراهيم بن محمد بن ابراهيم بن مهران، الأصولي المتكلم الفقيه الشافعي، أحد الأعلام، صنف التصانيف. قال الحاكم: أخذ عنه الكلام والأصول عامة شيوخ يسابور، وأقر له بالعلم أهل العراق وخراسان، وله التصانيف الجليلة منها: كتابه الذي سماه: جامع الحلي في أصول الدين والرد على الملحدين في خمس مجلدات، وغير ذلك من المصنفات. وأخذ عنه القاضي أبو الطيب الطبري أصول الفقه بأسفرايين، وبنيت له المدرسة المعروفة بنيسابور. وذكر عبد الغفار الفارسي في سياق تاريخ نيسابور: إنه أحد من بلغ حد الاجتهاد من العلماء المتبحرة في العلوم واجتماعه شرائط الإمامة، وكان طراز ناحية الشرق. وكان يقول: أشتهي أن أموت بنيسابور حتى يصفي علي جميع أهل نيسابور، فتوفي بها يوم عاشوراء، ثم نقلوه إلى أسفرايين، ودفن في مشهده. وممن كان يخلف إلى مجلسه الأستاذ أبو القاسم القشيري. وأكثر الحافظ أبو بكر البيهقي الرواية عنه في تصانيفه، وغيره من المصنفين، وسمع بخراسان أبا بكر الإسماعيلي، وبالعراق أبا محمد دعلج بن أحمد السجزي وأقرانهما. وفيها توفي الوزير المعزي الحسين بن علي، استظهر القرآن العزيز وعدة من الكتب في النحو واللغة، ونحو خمسة ألف بيت من مختار الشعر القديم، ونظم الشعر، وتصرف في النثر، وبلغ من الخط إلى ما يقصر عنه نظراؤه، ومن حساب المولد والجبر والمقابلة إلى ما يستقل بدونه الكاتب، وكل ذلك قبل استكماله أربع عشرة سنة، واختصر إصلاح المنطق، واستوفى على جميع فوائده، حتى لم يفته شيء، وغير من أبوابه ما أوجب التدبير تغييره للحاجة إليه، وجمع كل نوع إلى ما يليق به، ثم نظم بعد اختصاره ما كتب في عدة أوراق في ليلة واحدة، وجميع ذلك قبل استكماله سبع عشرة سنة. ومن شعره:
أقول لها والعيش تخدع للسرى ... أعدي لفقدي ما استطعت من الصبر
سأنفق ريعان الشبيبة واثقاً ... على طلب العلياء أو طلب الأجر
أليس من الخسران أن ليالياً ... تمر بلا نفع وتحسب من عمر
стр. 713
قلت هذا البيت الأخير ما أدري: أهو له أم استعاره للتضمين، فإن كان له فقد استعاره بعضهم للتضمين حيث قال:
إذا رقد السما وأسهرت ناظري ... وأنشدت بيتاً وهو من أفخر الشعر
أليس من الخسران أن ليالياً ... تمر بلا نفع وتحسب من عمري؟!
وللوزير المذكور أيضاً:
أرى الناس في الدنيا كراع تنكرت ... مراعيه حتى ليس في تلك مربع
فماء بلا مرعى ومرعى بلا ماء ... وحيث ترى ماء ومرعى فمنبع
وفيها توفي الحافظ أبو القاسم، هبة الله بن الحسن الطبري الفقيه الشافعي. تفقه على الشيخ أبي حامد، وسمع من المخلص وطبقته. قال الفقيه: كان يفهم ويحفظ. صنف كتاباً في السنة وكتاب رجال الصحيحين وكتاباً في السنن ثم خرج في آخر أيامه الى الدينور، ومات بها.
وفيها توفي أبو الحسين بن جعفر بن عبد الوهاب المعروف بابن الميداني، محدث دمشق رحمه الله تعالى. وفيها توفي الشيخ الكبير أبو منصور الأصبهاني، شيخ الصوفية في زمانه، روى عن الطبراني، توفي في رمضان رحمه الله تعالى.
سنة تسع عشرة وأربع مائة
فيها كان السلطان جلال الدولة ببغداد، فتحالفت عليه الأمراء، وكرهوه لتوفره على اللعب، وطالبوه، فأخرج لهم من المصاغ وغيره ما قيمته أكثر من مائة ألف دينار، فلم يرضهم، ونهبوا دار الوزير، وسقطت الهيبة، ودب النهب في الرعية، وحصروا الملك، فقال: مكنوني من الانحدار، فأجابوه، ثم وقعت صيحة، فوثب وبيده طبر وهو الحديد الماضي الذي يحمل بين يدي الملوك وصاح فيهم، فلانوا له، وقبلوا الارض وقالوا: اثبت، فأنت السلطان. ونادوا بشعاره، فأخرج لهم متاعاً كثيراً، فبيع ولم يف بمقصودهم، ولم
стр. 714
يحج ركب بغداد في تلك السنة. وفيها توفي الحافظ أبو عبد الله بن الفخار القرطبي، شيخ المالكية وعالم الأندلس.
وكان زاهداً عابداً ورعاً متألهاً عارفاً بمذاهب العلماء، واسع الدائرة حافظاً للمدونة عن ظهر قلب، والنوادر لابن أبي زيد، مجلب الدعوة. قال القاضي عياض: كان أحفظ الناس وأحضرهم علماً، وأسرعهم جواباً، وأوقفهم على اختلاف العلماء وترجيح المذاهب، حافظاً للأثر، مائلاً إلى الحجة والنظر رحمه الله تعالى. وفيها توفي عبد المحسن بن محمد المعروف بابن غلبون، الصوري الشاعر المشهور، أحد البارعين الفضلاء المجيدين الأدباء. ومن نظمه:
عندي حدائق سكر غرس جودكم ... قد مسها عطش فليسق من غرسا
تداركوها، وفي أغصانها ورق ... فلن يعود اخضرار العود إن يبسا
سنة عشرين واربع مائة
فيها وقع برد عظيم إلى الغاية في الواحدة أربعة أرطال بالبغدادي، حتى قيل إن بردة وجدت تزيد على قنطار، وقد نزلت في الأرض نحواً من ذراع، وذلك بأرض النعمانية من العراق، وهبت ريح لم يسمع بمثلها، قلعت الأصول الغائبة من الزيتون والنخيل. وفيها جمع القادر بالله كتاباً، فيه وعظ ووفاة النبي ﵌، وقصة ما جرى لعبد العزيز صاحب الحيدة بفتح الحاء والدال المهملتين وسكون المثناة من تحت بينهما وفي آخره هاء مع بشر المريسي، والرد على من يقول بخلق القرآن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسب الرافضة، وغير ذلك. وجمع له الأعيان والعلماء ببغداد، فقرأ على الخلق، ثم أرسل الخليفة إلى جامع براثا بالموحدة وقبل الالذين راء وبينهما مثلثة وهو مأوى الرافضة من أقام الخطبة على السنة، فخطب، وقصر عما كانوا يفعلونه في ذكر علي رضي الله تعالى عنه، فرموه بالآجر من كل ناحية، فنزل وحماه
стр. 715
جماعة، حتى أسرع بالصلاة، فتألم القادر بالله وغاضبه ذلك، وطلب الشريف المرتضى شيخ الرافضة وكاتب السلطان وزيره ابن ماكولا يستحيش على الشيعة. ومن جملة كتابه: وإذا بلغ الأمير إلى الجرأة على الدين وسياسة المملكة من الرعاع والأوباش، فلا صبر دون المبالغة بما توجبه الحمية. وقد بلغه ما جرى في الجمعة الماضية في مسجد براثا الذي يجمع الكفرة والزنادقة ومن قد تبرأ الله تعالى منه، فصار أشبه شيء بمسجد الضرار، وذلك أن خطيباً كان فيه يقول مقالاً يخرج به، إلى الزندقة، فإنه يقول بعد الصلاة على النبي ﵌: وعلى أخيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، مكلم الجمجمة، ومحيي الأموات، البشري الإلهي، مكلم أصحاب الكهف. فأنفذ الخطيب ابن تمام، فأقام الخطبة، فجاء الآجر كالمطر، وكسر أنفه، وخلع كتفه، ودمي وجهه لولا أن أربعة من الأتراك حموه، وإلا كان هلك والضرورة ماسة إلى الانتقام ونزل ثلاثون بالمشاعل إلى دار ذلك الخطيب، فنهبوا الدار، وعز الحريم، وخاف أولو الأمر من فتنة تكبر. ولم يخطب أحد ببراثا، وكثرت العملات والكبسات، وفتحت الحوانيت جهاراً، وعم البلاء إلى آخر السنة حتى صلب جماعة. وفيها توفي أبو الحسن أحمد بن علي بن الحسن البغدادي. قال الخطيب: كان ثقة من أهل القرآن والأدب والفقه على مذهب مالك. وفيها توفي عبد الجبار بن أحمد الطرسوسي، شيخ الإقراء في الديار المصرية، وأستاذ مصنف العنوان وألف كتاب المجتبى في القراءات. وفيها توفي عبد الرحمن بن أبي نصر التميمي الدمشقي، المعروف بالشيخ العفيف، قال أبو الوليد: وكان خيراً من ألف مثله إسناداً وإتقاناً وزهداً مع تقدمه. فيها توفي الأمير عز الملك محمد بن عبد الله بن أحمد الحراني الأديب العلامة، صاحب التآليف. وكان رافضياً، له كتاب القضايا الصابية في التنجيم، في ثلاثة آلاف
стр. 716
ورقة، وكتاب الأديان في العبادات في ثلاثة آلاف وخمس مائة ورقة، وكتاب التلويح والتصريح في الشعر ثلاث مجلدات، وكتاب تاريخ مصر وكتاب أنواع الجماع في أربع مجلدات، وغير ذلك من السخافات. وفيها توفي الأمير عز الملك محمد بن أبي القاسم الكاتب الحراني الأصل، المصري المولد، صاحب التاريخ المشهور وغيره من المصنفات، رزق حظوة في التصانيف، وكان مع ما فيه من الفضائل على زي الأجناد، واتصل بخدمة الحاكم العبيدي صاحب مصر ونال منه سعادة من الدنيا. وبلغ تاريخه ثلاثة عشر ألف ورقة. وله عدة تصانيف أخرى، وله شعر حسن، من ذلك أبيات رثى بها أم ولده، وهي:
ألا في سبيل الله قلب تقطعاً ... وقادحة لم تبق للعين مدمعا
الصبر وقد حل الثرى من أوده ... ولله هم ما أشد وأوجعا
فياليتني للموت قدمت قبلها ... وإلا فليت الموت أذهبنا معا
سنة احدى وعشرين واربع مائة
فيها أو في ما بعدها توفي الإمام أبو الفتح يحيى بن عيسى بن ملابس، وهو ممن انتشر
عنه فقه الإمام الشافعي في بلاد اليمن، تفقه بجماعة منهم الإمام الحسين بن جعفر المراغي، ومنهم الإمام محمد بن يحيى بن سراقة. ثم ارتحل إلى مكة، فجاور فيها، وشرح مختصر المزني، شرحه المشهور له في اليمن، ذكر في أوله أنه شرحه بمكة في أربع سنين، مقابل الكعبة. وروى القاضي الإمام طاهر ابن الإمام العلامة يحيى بن أبي الخير العمراني، مصنف كتاب البيان بسنده عن الإمام يحيى بن عيسى المذكور أنه لما استأذنه ولده في المجاورة بمكة نهاه أن يتزوج من النساء من هي بالغ بسنها، قال: فإني تزوجت بها ستين امرأة في أربع سنين، ولا آمن عليك أن تتزوج من كنت تزوجت بها. وفيها أقبلت الروم في ثلاثمائة ألف على قصد الشام، فأشرف على معسكرهم سرية من العرب نحو مائة فارس وألف راجل، فظن ملكهم أنها كبسة، فاختفى، ولبس خفاً أسود، وهرب، فوقعت الخبطة فيهم، واستحكمت الهزيمة، فطمع أولئك العرب منهم، ووضعوا السيف حتى قتلوا مقتلة عظيمة، وغنموا خزائن الملك، واستغنوا بها.
стр. 717
وكاد أن يستولي الخراب إلى بغداد، لضعف الهيبة وتتابع السنين، فاجتمع الهاشميون في جامع المنصور، ورفعوا المصاحف، واستنفروا الناس، فاجتمع إليهم الفقهاء وخلق من الإمامية والرافضة، وضجوا بأن يعفوا من الترك، فعمد الترك نعود بالله من الضلال فرفعوا صليباً على رمح، وترامى الفريقان بالنشاب والآجر، وقتل طائفة، ثم تهاجروا، وكثرت العملات والكبسات، وأخذت المخازن الكبار والدور، وتجدد دخول الأكراد اللصوص إلى بغداد، فأخذوا خيول الأتراك من الاصطبلات. وفيها توفي السلطان محمود ابن الأمير ناصر الدولة أبو منصور. كان أبوه أمير الغزاة الذين يغزون من بلاد ما وراء النهر على أطراف الهند، وأخذ عدة قلاع، وافتتح ناحية بست. وأما محمود فافتتح غزنة ثم بلاد ما وراء النهر، ثم استولى على سائر خراسان، ودان له الخلق على اختلاف أجناسهم، وفرض على نفسه غزو الهند كل عام، فافتتح منه بلاداً واسعة، وقد مضى ذكر شيء من فتح البلاد البعيدة، وصفاته الجميلة الحميدة، وعلو همته الشريفة، ورجوعه عن مذهب أبي حنيفة إلى مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنهما، في القضية المتقدمة في السنة العاشرة بعد الأربعمائة.
وفيها توفي الإمام أحمد بن محمد المعروف بابن دراج الأندلسي الشاعر. قال الثعالبي: كان يصقع الأندلس كالمتنبي يصقع الشام. ومن أشعاره ما عارض بها قصيدة أبي نواس التي مدح بها الخصيب صاحب ديوان خراج مصر ومنها قوله:
تقول التي من بيتها خف محمل ... عزيزعلينا أن نراك تسير
أما دون مصر للغني مطلب ... بلى إن أسباب الغنى لكثير
فقلت لها واستعجلتها بوادر ... جرت فجرى من حرهن عبير
درين أكثر حاسديك برحلة ... إلى بلدة فيها الخصيب أمير
فما حازه جود ولا حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير
فتى يشتري حسن الثناء بماله ... ويعلم أن الدائرات تدور
فمن كان أمسى جاهلاً بمقالتي ... فإن أمير المؤمنين خبير
ثم قال في أواخرها بعد ذكر المنازل:
زها بالخصيب السيف والرمح في الوغى ... وفي السلم يزهو منبر وسرير
جواد إذا الأيدي قبضن عن الندى ... ومن دون عورات النساء غيور
فإني جدير إن بلغتك للغنى ... وأنت لما أملت منك جدير
فإن تولني منك الجميل فأهله ... وإلا فإني عاذر وشكور
стр. 718
وكل هذه الأبيات من قصيدة أبي نواس، وأما قصيدة ابن دراج المعارض بها فمنها هذه الأبيات:
دعيني أرد ماء المفاوز راجياً ... إلى حيث ماء للكرام نمير
فإن خطيرات المهالك ضمنت ... براكبها أن الجزاء خطير
ولما تراءت للوداع وقد هفا ... بصبري منها أنه وزفير
تناشدني عهد المودة والهوى ... وفي المهد منهوم النداء صغير
عيي بمرجوع الخطاب ولحظه ... بموقع أهواء النفوس خبير
تنوع بممنوع القلوب ومهدت ... له أذرع محفوفة ونحور
فكل مفداة الترائب عنده ... وكل محياة المحاش ظير
عصيت شفيع النفس فيه وقادني ... روائح تلاب السرى وبكور
فطار جناح البين بي وهفت بها ... حوائج من دعو العراق تطير
ولو شاهدتني والهواجر تلتظي ... علي ورقراق السراب يمور
أسلط حراً لها جرات إذا سطا ... على حر وجهي والأصيل هجير
واستنشق النكباء وهي لواقح ... وأستوطن الرمضاء وهي تفور
وللموت في عين الجبان تلون ... وللذعر في سمع الجري صفير
لبان لها أني من الضيم جازع ... وأني على مض الخطوب صبور
أمير على غول السبايف ماله ... إذا ريع إلا المشرقي وزير
ولو بصرت بي والسرى حل عزمتي ... وجرسي لجنان الفلاة سمير
وأعتسف الموماة في غسق الدجى ... وللأسد في غيل الغياض زئير
وقد حومت زهر النجوم كأنها ... كواعب في خضر الحدائق حور
ودارت نجوم القطب حتى كأنها ... كؤوس مهاً والى بهن مدير
وقد خيلت طرف المجرة أنها ... على مفرق الليل البهيم فقير
وثاقب عزمي والظلام مروع ... وقد غض في أجفان النجوم فتور
لقد أيقنت المنى طوع همتي ... وأني بعطف العامري جدير
وفيها أو قبلها أو بعدهما، توفي الإمام أبو عبد الله محمد بن مسعود بن أحمد
стр. 719
المسعودي الفقيه الشافعي الفاضل المبرز الورع، من أهل مرو. تفقه على أبي بكر القفال المروزي، وشرح مختصر المزني، وأحسن فيه، وروى قليلاً من الحديث عن أستاذه القفال. وحكى عنه الغزالي في كتاب الوسيط في الايمان مسألة لطيفة فقال: فرع لو حلف لا يأكل بيضاً، ثم انتهى إلى رجل، فقال: والله لآكلن ما في كمك، فإذا هو بيض، فقد سئل القفال عن هذه المسألة وهو على الكرسي فلم يحضر جواب. فقال المسعودي: يتخذ منه الناطف، ويأكله، فيكون قد أكل ما في كمه، ولم يأكل البيض، فاستحسن ذلك منه. وهذه الحيلة من لطائف الحيل الوافية من الوقوع في الخلل. توفي المسعودي المذكور بعد نيف وعشرين وأربع مائة بمرو - رحمه الله تعالى - ونسبته إلى جده مسعود.
سنة واثنتين وعشرين واربع مائة
فيها عزم الصوفي الملقب بالمنصور على الغزو، فكتب له السلطان منشوراً، وقصد الجامع لقراءة المنشور وبين يديه الرجال بالسلاح يترضون على الشيخين، وصاحوا: هذا يوم معاوي. قلت: يعنون فيه إظهار شعار معاوية بن ابي سفيان في الذكر لإبي بكر وعمر دون علي رضي الله تعالى عنهم فحصبهم أهل الكرخ، فسارت الفتنة، واضطربت، ونهبت العامة دار الشريف المرتضى، ودافع عنه جيرانه الأتراك، واحترقت له سرية، وبات الناس في ليلة صعبة، وتأهبوا للحرب، واجتمعت العامة وخلق من الترك، وقصدوا الكرخ، فرموا النار في الأسواق، وأشرف أهل الكرخ على التلف، فركب الوزير والجند، فوقعت آجره على صدر الوزير، وسقطت عمامته، وقتل جماعة من الشيعة، وزاد النهب فيهم، واحرق في هذه السائرة عدة اسواق، ولم يجر من السلطان إنكار لضعفه وعجزه، وتبسطت العامة، وآثاروا الفتن: فالنهار فتن ومحن، والليل عملات ونهب. وقامت الجند على السلطان جلال الدولة لإطراحه مصالحهم، وراموا قطع الخطبة، فارضاهم بالمال، فساروا بعد أيام عليه. وثم مات القادر بالله، واستخلف ابنه القائم بأمر الله، فبايبعه الشريف المرتضى، ثم الأمير حسن بن عيسى بن المقتدر، وقامت الأتراك على القائم بالرسم الذي للبيعة، فقال: إن القادر لم يخلف مالاً، وصدق لأنه كان من أفقر الخلفاء، ثم صالحهم على ثلاثة ألاف دينار، وعرض القائم خاناً وبستاناً للبيع، وصغر دست - الخلافة إلى هذا الحد، وصارت الأموال والأعمال مقسومة بين الأتراك والأعراب، مع ضعف ارتفاع الخراج، والوزارة خالية من أهلية، وما يناسبها من صلاحيته، والوقت هرج ومرج، والناس بلا رأس.
стр. 720
وفيها توفي القادر بالله بن المقتدر بن المعتضد العباسي، وكانت خلافته إحدى اربعين سنة. قال الخطيب: كان من أهل الديانة والتهجد وكثرة الصدقات على صفة اشتهرت عنه. وصنف كتاب في الأصول، في فضل الصحابة، وتكفير المعتزلة، والقائلين بخلق القرآن، وكان يقرأ كل جمعة بحضرة الناس. وفيها توفي القاضي عبد الوهاب الفقيه المالكي، أحد الأعلام. انتهت إليه رئاسة المذهب. قال الخطيب: لم ألق في المالكية أفقه منه. وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: سمعت كلامه في النظر، وكان فقيهاً متأدباً شاعراً، له كتب كثيرة في كل فن. ومن ذلك كتاب التلقين في الفقه، وكتاب المعرفة، وشرح الرسالة، وغير ذلك. ومن أشعاره:
سلام على بغداد في كل موطن ... وحق لها مني سلام مضاعف
فوالله ما فارقتها عن قلى لها ... وإني لشطي جانبيها لعارف
ولكنها ضاقت علي بأسرها ... ولم تكن الأرزاق فيها تساعف
وكانت كخل كنت أهوى دنوه ... وأخلاقه تنأى به وتخالفه
ومن أشعاره الظريفة المشتملة على المعاني اللطيفة قوله:
ونائمة قبلتها فتنبهت ... فقالت: تعالوا فاطلبوا اللص بالحد
فقلت لها إني فديتك غاصب ... وما حكموا في غاصب بسوى الرد
خذيها وكفي عن أثيم ظلامة ... وإن أنت لم ترضي فألفاً على العد
فقالت: قصاص يشهد العقل أنه ... على كبد الجاني الدين أشهد
ما غير ذلك مما حذفته رغبة في الاختصار وكراهة لبعض الغزل الفاحش في الأشعار. توفي ليلة الاثنين الرابعة عشر من صفر، ودفن في القرافة. وفيها توفي الإمام الواعظ يحيى بن عمار الشيباني السجستاني نزيل هراة.
سنة ثلاث وعشرين واربع مائة
فيها سارت الغلمان بالسلطان جلال الدولة، وصمموا على عزله، وطرده، فهرب
стр. 721
بالليل مع جماعة من غلمانه إلى عكبراء، ونهبت داره من الغد. في السنة المذكورة سار الملك المسعود بن محمود بن ناصر الدين، فدخل أصفهان بالسيف، ونهب وقتل علماء لا يحصون، ففعل ما لا يفعله الكفرة. وفيها توفي الحافظ أبو الحسن علي بن أحمد النعيمي البصري. قال الخطيب: كان حافظاً عارفاً متكلماً شاعراً. وفيها توفي ابن البواب الكاتب علي بن هلال. قيل ليس له في الكتابة مثل ولا مقارب، وإن كان أبو علي أول من نقل هذه الطريقة من الخط الكوفي، وأبرزها في هذه الصورة، وله بذلك فضيلة السبق، وخطه أيضاً في نهاية الحسن، لكن ابن البواب هذب طريقته، ونقاها، وكساها حلاوة وبهجة، والكل معترفون له بالتفرد، وعلى منواله ينسجون، وليس فيهم من يلحق شأنه، ولما توفي رثي بهذين البيتين:
استشعر الكتاب فقدك سالفاً ... وقضت بصحة ذلك الأيام
فلذاك سودت الروي كأنه ... أسف عليك وشقت الأقلام
وروى ابن الكلبي الهيثم بن العدي أن ناقل هذه الكتابة من الحيرة إلى الحجاز هو حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وكان قد قدم الحيرة، فعاد إلى مكة بهذه كتابة، وقال لأبي سفيان بن حرب: ممن أخذ أبوك هذه الكتابة؟ فقال: من أسلم بن نذر، وقال: سألت أسلم ممن أخذ الكتابة فقال: من واضعها، من عامر بن مرة. قالوا: فحدوث هذه الكتابة قبل الإسلام بقليل. وكان لحمير كتابة تسمى المسند، وحروفها منفصلة غير متصلة، وكانوا يمنعون العامة من تعليمها، فلا يتعاطاها أحد إلا بإذنهم، فجاءت ملة الإسلام، وليس بجميع اليمن من يقرأ ويكتب، وجميع كتابات الأمم من سكان الشرق والغرب اثنتا عشرة كتابة، وهي العربية والحميرية واليونانية والفارسية والسريانية والعبرانية الرومية والقبطية والبربرية والأندلسية والهندية والصينية.
سنة اربع وعشرين واربع مائة
فيها اشتد الخطب ببغداد بسبب الحرامية وأخذهم أموال الناس عياناً، يأخذون للتاجر ما قيمته عشرة آلاف دينار، وقتلوا صاحب الشرطة، وباقي الناس لا يجسرون يقولون: فعل بنا فلان كذا، خوفاً منه. وزادت العملات والكبسات ووقع القتال، وأحرقت أماكن وأسواق
стр. 722
ومساجد، وقوي الشر، وتارت الجند، وقبضت على السلطان جلال الدولة، ليرسلوه إلى واسط والبصرة، فأنزلوه في مركب وابتلت ثيابه، وأهين، ثم أرجموه، فأخرجوه، وأركبوه فرساً ضعيفة، وشتموه، فانتصر له أبو الوفاء القائد في طائفة، وأخذوه من أيدي أولئك، وردوه إلى داره، ثم سار في الليل إلى الكرخ، فدعا له أهلها، ونزل في دار الشريف المرتضى، فأصبح العسكر، وهموا به، فاختلفوا، فقال بعضهم: ما بقي إلا هذا وابن أخيه من بني بويه بضم الموحدة وفتح الواو وسكون المثناة من تحت وقد سلم الأمر ومضى إلى بلاد فارس، ثم كتبوا له ورقة بالطاعة والاعتذار، فركب معهم إلى دار السلطنة. وفي السنة المذكورة توفي الحافظ العبد الصالح محمد بن ابراهيم الأردستاني بالراء والدال والسين المهملات والمثناة من فوق الالف والنون بعدها.
سنة خمس وعشرين واربع مائة
فيها توفي الحافظ الكبير محمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي البرقاني، قال الخطيب: لم نر في شيوخه أثبت منه، كان ورعاً عارفاً بالفقه، كثير التصانيف، ذا حظ من علم العربية. صنف مسنداً، ضمنه ما يشتمل عليه الصحيحان. وقال غيره: كان نسيج وحده.
وفيها توفي أبو علي بن شاذان البغدادي. قال الخطيب: كان صدوقاً، صحيح السماع، يفهم الكلام على مذهب الأشعري. وفيها توفي الفقيه العالم الزاهد عمر بن ابراهيم الهروي. وفيها توفي الحافظ عبد الله بن عبد الوهاب بن عبد الله المزني الدمشقي.
سنة ست وعشرين واربع مائة
وفيها تملك العيارون بغداد. وغزا مسعود بن أحمد بلاد الهند، فوصل كتابه بأنه قتل من القوم خمسين ألفاً وسبى سبعين ألفاً. وفيها توفي ابن شهيد الأديب أبو عامر، أحمد بن عبد الملك بن مروان الأشجعي القرطبي الشاعر، حامل لواء الشعر بالأندلس. قال ابن حزم: لم يخلف له تظيراً في الشعر والبلاغة، وكان سمحاً جواداً.
стр. 723
وفيها توفي أبو محمد بن الشقاق بالشين المعجمة والقاف المكررة كبير المالكية، رأس القراء. وفيها توفي الفقيه الأديب المحدث، أبو عمرو الزرجاهي بفتح الزاي وسكون الراء قبل الجيم على ما ضبط في بعض النسخ محمد بن عبد الله البسطامي، ابن شهيد بضم الشين المعجمة. أحمد بن عبد الملك بن مروان القرطبي قال في كتاب الذخيرة: وكان متفنناً بارعاً، بينه وبين ابن حزم الظاهري مكاتبات ومداعبات، وله التصانيف الغربية البديعة، ومن محاسن شعره من قصيدة له:
وتدري سباع الطير أن كماته ... إذا لقيت صيد الكماة سباع
تطير جياعاً فوقه وتردها ... ظباة إلى الأوكار وهي شباع
سنة سبع وعشرين واربع مائة
فيها دخل العيارون، وهم مائة الأكراد والأعراب، فأحرقوا دار صاحب الشرطة، فتحوا خاناً، فأخذوا ما فيه، وخرجوا بالكارات، والناس لا ينطقون. وفيها شغب الجند على الملك جلال الدولة، وقالوا اخرج عنا، فقال أمهلوني ثلاثة أيام، وجرت أمور طويلة، ثم تركوه لضعفهم.
وفيها توفي أبو إسحاق الثعلبي أحمد بن محمد بن ابراهيم النيسابوري، المفسر المشهور. وكان حافظاً واعظاً رأساً في التفسير والعربية، متين الديانة، فاق بتفسيره الكبير سائر أهل التفاسير. قلت: هكذا قيل، ولعل ذلك من بعض الوجوه، وإلا فهناك تفاسير أخرى، قد تميز كل واحد منها بفضيلة وفن معروف عند أهله، وله كتاب العرائس في قصص الأنبياء وغير ذلك، ذكره السمعاني وقال: يقال له الثعلبي، والثعالبي وهو لقب له، وليس نسب. ونقل بعض العلماء أن الاستاذ أبا القاسم القشيري رحمه الله تعالى قال: رأيت رب العزة في المنام، وهو يخاطبني وأخاطبه، وكان في أثناء ذلك أن قال الرب تعالى اسمه: أقبل الرجل الصالح، فالتفت فإذا أحمد الثعلبي مقبل. ذكره عبد الغافر الفارسي في سياق تاريخ نيسابور، وأثنى عليه وقال: هو صحيح النقل، موثوق به. وكان كثير الشيوخ. رحمه ته تعالى. وفيها توفي الإمام الجياني المحدث أبو علي الحسين بن محمد الغساني الأندلسي.
стр. 724
كان إماماً في الحديث، وله كتاب مفيد، ساه تقييد المهمل ضبط فيه كل لفظ يقع فيه اللبس من رجال الصحيحين في جزئين، وما قصر فيه. وكان من جهابذة المحدثين، وكبار العلماء المفيدين، حسن الخط جيد الضبط، له معرفة بالغريب والشعر والأنساب. ونسبته إلى جيان بفتح الجيم وتشديد المثناة من تحت مدينه كبيرة بالأندلس، وبأعمال الري قرية يقال له جيان أيضاً. والغساني نسبة إلى غسان وقد تقدم الكلام عليه.
سنة ثمان وعشرين واربع مائة
فيها توفي أبو الحسين أحمد بن محمد الفقيه الحنفي القدوري، انتهت إليه رئاسة الحنفية بالعراق. وكان حسن العبارة في النظر، وسمع الحديث، وروى عنه الخطيب أبو بكر، وصنف في مذهبه المختصر وغيره، وكان يناظر الشيخ أبا حامد الاسفرائيني الفقيه الشافعي، وقد تقدم في ترجمة أبي حامد ما بالغ القدوري في مدحته. والقدوري نسبة إلى عمل القدور، جمع قدر. وفيها توفي الحافظ أحمد بن منجويه بالنون والجيم والمثناة من تحت بعد الواو رحل وسمع، وصنف التصانيف. وفيها توفي مهيار الشاعر المشهور الفارسي. كان مجوسياً فأسلم، ويقال إن إسلامه كان على يد الشريف الرضي، وعليه تخرج في نظمه، وله ديوان كبير يدخل في أربع مجلدات. ومن شعره:
يراها بعين الشوق قلبي على النوى ... فيخطىء ولكن من لعيني برؤياها
فالله ما أصفى وأكدر حبها ... وأبعدها مني الغداة وأدناها
وهما من قصيدة شهيرة. وقال أبو الحسن صاحب دمية القصر: ومن شعره أيضاً:
ملحاً على البخل الشحيح بماله ... أفلا يكون بماء وجهك أنجلا
أكرم يديك عن السؤال فإنما ... قدر الحياة أقل من أن تسألا
ولقد أضم إلي فضل قناعتي ... وأتيت مشتملاً بها متزملا
وإذا امرؤ أفنى الليالي حسرة ... وأمانياً أفنيتهن توكلا
وفيها توفي الرئيس أبو علي المعروف بابن سينا الحكيم المشهور، الحسين بن عبد الله ابن الحسن بن علي بن سينا. قال ابن خلكان: تنقل الرئيس ابن سينا في البلاد، واشتغل بالعلوم، وحصل الفنون، ولما بلغ عشر سنين كان قد أتقن علم القرآن الكريم والأدب،
стр. 725
وحفظ أشياء من أصول الدين وحساب الهندسة والجبر والمقابلة، وتوجه نحوهم الحكيم أبو عبد الله الناتلي بالنون والمثناة من فوق بين الألف واللام فأنزله أبو علي عنده، وابتدأ يقرأ عليه، فأحكم علم المنطق وإقليدس والمجسطي، حتى فاق الناتلي بدرايتها. وأوضح له رموزاً، وفهمه إشكالات كان شيخه المذكور لا يدريها، ومع ذلك كان يختلف في الفقه إلى اسماعيل الزاهد، يقرأ ويبحث، ويناظر، ثم اشتغل بتحصيل علوم أخرى كالطبيعي والإلهي وغير ذلك، ونظر في النصوص والشروح، ففهم كل ذلك، ثم رغب في علم الطب، وتأمل الكتب المصنفة فيه، وعالج هادياً لا متكسباً، وعلمه حتى فاق فيه الأوائل والأواخر في أقل مدة، وأصبح فيه عديم القرين فقيد المثيل. واختلف إليه فضلاء هذا الفن وكبراؤه، يقرؤون عليه أنواعه والمعالجات المكتسبة من التجربة وسنه إذ ذاك ست عشرة سنة - وفي مدة اشتغاله لم ينم ليلة واحدة بكمالها، ولا اشتغل بالنهار بنوى المطالبة، وكان إذا أشكل عليه مسألة توضأ، وقصد المسجد الجامع، وصلى، ودعا الله تعالى أن يسهلها عليه، ويفتح مغلقها - على ما ذكر بعض المورخين. وذكر عند الأمير نوح بن نصر - صاحب خراسان - في مرض موته، فأحضره، وعالجه حتى برىء، واتصل به، وقرب منه، ودخل إلى دار كتبه، وكانت عديمة المثل، فيها من كل فن من الكتب المشهورة بأيدي الناس وغيرها، مما لا يوجد في سواها، ولا سمع باسمه، فضلاً عن معرفته، فظفر أبو علي منها بكتب الأوائل وغيرها، وحصل نخب فوائدها، واطلع على أكثر علومها، واتفق بعد ذلك احتراق تلك الخزانة، فتفزد أبو علي بما حصله من علومها، ويقال: إنه هو الذي توصل إلى إحراقها ليتفرد بمعرفة ما حصله منها، وينسبه إلى نفسه، ولم يستكمل ثمان عشرة سنة من عمره إلا وقد فرغ من تحصيل العلوم بأسرها وقيل التي عاناها بأسرها ثم صار هو وأبوه يتصرفان في الأحوال، ويتقلدان للسلطان الأعمال، وجرت له تنقلات في البلدان وما فيها من دولة السلطان، وإنه تولى الوزارة لشمس الدولة في همدان، ثم تشوش العسكر، وعمدوا إلى داره، فنهبوها، وقبضوا عليه، وسألوا شمس الدولة في قتله، فامتنع، ثم اطلق فتوارى، ثم مرض شمس الدولة بالقولنج، فأحضره لمداواته، واعتذر إليه، وأعاده وزيراً. وكان ابن سينا قوي المزاج يغلب عليه قوة الجماع، حتى أضعفته ملازمته، وعرض له قولنج، فعالجه مراراً، يصح أسبوعاً ويمرض أسبوعاً، ومرض أمراضاً كثيرة، وطرح بعض غلمانه في بعض أدويته شيئاً كثيراً زائداً على ما رسمه الطبيب، فعجزت المعالجات عن شفائها، وأشرفت قواه على السقوط، فأهمل المداواة، واعترف بالعجز عن تدبير نفسه، ثم اغتسل، وتاب، وتصدق بما معه على الفقراء ورد المظالم على من عرفه، وأعتق مماليكه، وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة، ثم توفي في التاريخ المذكور في شهر رمضان بهمدان.
стр. 726
قلت: وهذا مختصر تنقلات جرت له في الأحوال والبلدان، منها خوارزم وجرجان ودهستان وقزوين، والري وبخارى وهمدان وأصفهان، وبست وطوس، واجتمع بولاتها لخوارزم شاه، وشمس المعالي قابوس، وشمس الدولة، وعلاء الدولة، وكان نادرة عصره في علمه وذكائه وتصانيفه، صنف كتاب الشفاء في الحكمة والنجاة والإشارات والقانون وغير ذلك، مما يقارب مائة تصنيف، ما بين مختصر ومطول ورسالة في فنون شتى، وله رسائل بديعة، منها رسالة الطير وغيرها، وهو أحد فلاسفة المسلمين، وله شعر، من ذلك قوله:
هبطت إليك من المحل الأرفع ... ورقاء ذات تعزز وتمنع
محجوبة عن كل مقلة عارف ... وهي التي سفرت ولم تتبرقع
وصلت على كره إليك وربما ... كرهت فراقك وهي ذات تفجع
أنفت وما ألفت فلما واصلت ... ألفت مجاورة الخراب البلقع
وأظنها نسيت عهوداً بالحمى ... ومنازلاً بفراقها لم تقنع
حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها ... من ميم مركزها بذات الأجرع
علقت بها ثاء الثقيل فأصبحت ... بين المعالم والطلال الخضع
تبكي وقد نسيت عهوداً بالحمى ... ومدامع تهمي ولما تقلع
حتى إذا قرب المسير الى الحمى ... ودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع
وغدت تفرد فوق ذروة شاهق ... والعلم يرفع كل من لم يرفع
وقعود عالمه بكل خفية ... في العالمين فخرقها لم يرقع
فهبوطها إن كان ضربة لازم ... ليكون سامعه بما لم تسمع
فلأي شيء أهبطت من شاهق ... شام إلى قعر الحضيض الأوضع
إن كان أهبطه الإله بحكمة ... طويت على الفطن اللبيب الأورع
إذ عاقها الشرك الكثيف وصدها ... قفص عن الأوج الفسيح الأرفع
وكأنها برق تألف بالحمى ... ثم انطوى وكأنه لم يلمع
قال وفضائله مشهورة كثيرة. وكان الشيخ كمال الدين بن يونس - يقول: إن مخدومه سخط عليه، واعتقله، ومات في السجن، وكان ينشد:
رأيت ابن سينا يعادي الرجال ... وفي السجن مات أخس الممات
فلم يشف ما نابه بالشفاء ... ولم ينج من موته بالنجاة
стр. 727
انتهى قلت: والشفاء والنجاة إشارة إلى كتابيه المتقدم ذكرهما، ولقد طالعت كتاب الشفاء فلم أراه إلا جديراً بقلب الفاء قافاً، مشتمل على كثيرة فلسفة، لا ينشرح لها صدر متدين. وذكر شيخ الإسلام أستاذ الأنام في عصره: شهاب الدين السهروردي ﵀ أنه غسل كتابه الموسوم بالشفاء بإشارة قدسية نبوية، يعني بإشارة النبي ﵌، قلت: وقد ذكروا أنه تاب، واشتغل بالتنسك، فإن صح ذلك فقد أدركه الله تعالى لسابق عنايته وواسع رحمته، حتى أحدث فيه لاحق توبته - والله أعلم بحقيقة ذلك وصحته. وفيها توفي وجيه الدولة أبو المطاع بن حمدان ابن ناصر الدولة الحسين بن عبد الله بن حمدان الثعلبي، كان شاعراً ظريفاً حسن السبك، جميل المقاصد. ومن شعره قوله:
إني لأحسد لا في أسطر الصحف ... إذا رأيت اعتناق اللام للألف
وما أظنهما طال اعتناقهما ... إلا لما لقيا من شدة الشغف
وأورد له الثعالبي في اليتيمة
قالت: لطيف خيال زارها ومضى ... بالله صفة لا تنقص ولا تزد
فقال حلبت لو مات من ظمأ ... وقلت قف عن ورد الماء لم يرد
قالت صدقت الوفا في الحب عادته ... يا برد ذاك الذي على كبدي
وذكر بعضهم أن هذه الأبيات للشريف أبي القاسم أحمد بن طباطبا العلوي، ولوجيه الدولة المذكور أشعار كثيرة حسنة شهيرة، وكان قد وصل إلى مصر في أيام الظاهر بن الحكم العبيدي صاحبها، فقلده ولاية الإسكندرية وأعمالها، فأقام بها سنة، ثم رجع إلى دمشق.
سنة تسع وعشرين واربع مائة
فيها توفي الحافظ محدث هراة أبو يعقوب القراب بالقاف في أوله والموحدة في آخره على ما ضبطه بعضهم اسحاق بن ابراهيم السرخسي الهروي. روى عن خلق كثير، زاد عدة شيوخه على ألف ومائتين، وصنف تصانيف كثيرة، وكان صالحاً زاهداً مقلاً من الدنيا، رجمه الله. وفيها توفي العلامة في اللغة والشعر والعربية المصنف في الزهد وغيره، يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث، قاضي الجماعة بقرطبة. وفيها توفي الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي الفقيه الشافعى الأصولى
стр. 728
الأديب. كان ماهراً في فنون عديدة خصوصاً علم الحساب فإنه كان متقناً له، وله فيه تآليف نافعة، وكان عارفاً بالفرائض والنحو، وله أشعار. وكان ذا مال وثروة وإنفاق على أهل العلم والحديث، ولم يكتسب بعلمه مالاً، وصنف في العلوم، وأربى على أقرانه في الفنون، ودرس في سبعة عشر فناً، وكان قد تفقه على الأستاذ أبي إسحاق الاسفرائيني، وجلس بعده للإملاء في مكانه سنين، واختلف الأئمة إليه، فقرؤوا العلوم عليه، مثل الأستاذ زين الإسلام القشيري، والإمام ناصر المروزي، وغيرهما.
سنة ثلاثين واربع مائة
فيها توفي الإمام الحافظ الشيخ العارف أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني الصوفي، صاحب كتاب حلية الأولياء، كان من أعلام المحدثين وأكابر الحفاظ المفيدين، أخذ عن الأفاضل، وأخذوا عنه، وانتفعوا به. وكتابه الحلية من أحسن الكتب. قلت: أما طعن ابن الجوزي فيها وتنقصه لها فهو عن باب قولي.
لئن ذمها جاراتها وضرائر ... وعين جمالاً في حلاها وفي الحلي
فما سلمت حسناء من ذم حاسد ... وصاحب حق من عداوة مبطل
مع أبيات أخرى في مدح الإمام أبي حامد الغزالي وتصانيفه وكلامه الغالي، وله كتاب تاريخ أصفهان تفرد في الدنيا بعلو الإسناد مع الحفظ. روى عن المشايخ بالعراق والحجاز والخراسان، وصنف التصانيف المشهورة في الأقطار. وفيها توفي أبو منصور الثعالبي عبد الملك بن محمد النيسابوري الأديب اللبيب الشاعر، صاحب التصانيف الأدبية السائرة في الدنيا، وراعي بلاغات العلم، وجامع أشتات النظم. سار ذكره سير المثل، وضربت إليه آباط الإبل، وطلعت دواوينه في المشارق والمغارب طلوع النجم في الغياهب. ومن نظمه:
لك في المفاخر معجزات جمة ... أبداً لغيرك في الورى لم تجمع
بحران يجري في بلاغة شأنه ... شعر الوليد وحسن لفظ الأصمع
كالنور أو كالسحر أو كالبدر أو ... كالوشي في برد عليه موسع
وإذا تفتق نور شعرك ناظراً ... فالحسن بين مرصع ومصرع
نقشت في فص الزمان بدائعاً ... تزرى بآثار الربيع الممرع
стр. 729
مع أبيات أخرى كتبها إلى الأمير أبي الفضل الميكالي. وله من التآليف كتاب يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر وهو أكبر كتبه وأحسنها، وفيه يقول أبو الفرح الإسكندري:
أبيات أشعار اليتيمة ... أبكار أفكار قديمة
ماتوا وعاشت بعدهم ... فذاك سميت اليتيمة
قيل والثعالبي: نسبة إلى خياطة جلود الثعالب وعملها. وله كتاب فقه اللغة وسحر البلاغة وسر البراعة ومؤنس التوحيد وشعر كثير هو له مجيد، جمع فيه أشعار الناس ورسائلهم وأخبارهم وأحوالهم. وفيها توفي أبو القاسم عبد الملك بن بشران البغدادي الواعظ. قال الخطيب: كان ثقة ثبتاً صالحاً، وكان الجمع في جنازته يتجاوز الحد ويفوت الانحصار.
؟ سنة احدى وثلاثين وأربعمائة فيها توفي القاضي المقرىء المحدث أبو العلاء الواسطي، محمد بن علي بن أحمد. وفي نيف وثلاثين توفي الفقيه الإمام أحد العلماء الأعيان، أول من جمع بين طريق العراق وخراسان الحسن بن علي السنجي صاحب شرح فروع ابن الحداد.
؟ سنة اثنتين وثلاثين واربع مائة استولت فيها السلجوقية بالسين المهملة والجيم والقاف على جميع خراسان. وفر السلطان مسعود إلى غزنة. والحرب في بغداد بين الرافضة والسنية. وفيها توفي الحافظ أبو العباس جعفر بن محمد بن المستغفر بن الفتح النسفي، صاحب التصانيف الكثيرة.
سنة ثلاث وثلاثين واربع مائة
فيها توفي السلطان المسعود ابن السلطان محمود. والرئيس أحمد بن محمد أبو الحسين الأصفهاني وراوي المعجم الكبير عن الطبراني. والقاضي أبو نصر أحمد بن الحسين الدينوري، سمع سنن النسائي من ابن السني وحدث به.
стр. 730
سنة أربع وثلاثين وأربعمائة
فيها كانت الزلزلة العظمى بتبريز، فهدمت أسوارها، وأحصى من هلك تحت الهدم فكانوا أكثر من أربعين ألفاً نسأل الله العفو والعافية. وفيها توفي الحافظ أبو ذر الهروي الأنصاري الفقيه المالكي، نزيل مكة روى الصحيح عن ثلاثة من أصحاب القريري، وجمع لنفسه معجماً، وعاش ثمانياً وسبعين سنة وكان ثقة متقناً ديناً عابداً حافظاً بصيراً باللغة والأصول، أخذ علم الكلام عن الباقلاني وصنف مخرجاً على الصحيجن، وكان شيخ الحرم في عصره، ثم تزوج بالسروا، وبقي يحج كل عام ويرجع.
سنة خمس وثلاثين واربع مائة
فيها توفي جلال الدولة. وأبو الحزم جهور محمد بن جهور أمير قرطبة ورئيسها وصاحبها.
سنة ست وثلاثين واربع مائة
توفي فيها الشريف المرتضى أبو القاسم علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن ابراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين ابن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. كان نقيب الطالبين، وكان إماماً في علم الكلام والأدب والشعر، وهو أخو الشريف الرضي المقدم ذكره في سنة ست وأربعمائة. بين موتيهما ثلاثون سنة. وللمرتضى تصانيف على مذهب الشيعة، ومقالة في أصول الدين، وله ديوان شعر كثيرة وقد اختلف الناس في كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، هل هو جمعه أو جمع أخيه الرضي؟ وقد قيل إنه ليس من كلام علي وإنما أحدهما هو الذي وضعه ونسبه إليه، والله تعالى أعلم. وله
стр. 731
الكتاب الذي سماه الدرر والغرر وهي مجالس املأها يشتمل على فنون من معاني الأدب، تكلم فيها على النحو واللغة وغير ذلك، وهو كتاب يدل على فضل كبير وتوسع في الاطلاع على العلوم. وذكره ابن بسام الأندلسي في أواخر كتاب الذخيرة فقال: هذا الشريف إمام أئمة العراق بين الاختلاف والافتراق، إليه فرغ علماؤها وأخذ عنه عظماؤها، صاحب مدارسها، وجامع شاردها وآنسها، ممن سارت أخباره، وعرفت بها أشعاره، وحمدت في ذات الله مآثره وآثاره، وتواليفه في أصول الدين، وتصانيفه في أحكام المسلمين، مما يشهد أنه فرغ تلك الأصول، وأهل ذاك البيت الجليل وأورد له عدة مقاطع، فمن ذلك قوله:
ولما تفرقنا كما شاءت النوى ... بين ود خالص وتودد
كأني وقد سار الخليط عشية ... أخو جنة مما أقوم وأقعد
قيل ومعنى البيت الأول من هذين البيتين مأخوذ من قول المتنبي:
إذا اشتبكت دموع في خدود ... تبين من بكى ممن تباكى
ومما نسب إلى المرتضي أيضاً رضي الله تعالى عنه:
مولاي يا بدر كل داجية ... خذ بيدي قد وقعت في اللجج
حسنك ما تنقضي عجائبه ... كالبحر جد عنه بلا حرج
بحق من خط عارضيك ومن ... سلط سلطانها على المهج
مد يديك الكريمتين معاً ... ثم إدع لي من هواك بالفرج
وحكى الخطيب أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي اللغوي أن أبا الحسن علي بن أحمد الفالي الأديب كانت له نسخة من كتاب الجمهرة لابن دريد في غاية الجودة، ودعته الحاجة إلى بيعها، فباعها، واشتراها الشريف المرتضى بستين ديناراً، وتصفحها، فوجد فيها أبياتاً بخط بائعها أبي الحسن الفالي:
أنست بها عشرين حولاً وبعتها ... لقد طال وجدي بعدها وحنيني
وما كان ظني أنني سأبيعها ... ولو خلدتني في السجون ديوني
ولكن لضعف وافتقار وصبية ... صغار عليهم تستهل شؤوني
وقد تخرج الحاجات يا أم مالك ... كرائم من رب بهن ضنين
وهذا الفالي منسوب إلى فالة بالفاء وهي بلدة بخوزستان وملح الشريف المرتضى وفضائله كثيرة. وكانت ولادته في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة.
стр. 732
وفي السنة المذكورة توفي أبو الحسن البصري المتكلم محمد بن علي شيخ المعتزلة، والذي قبله أعني الشريف المرتضى شيخ الشيعة من كبار أئمتهم. وأبو الحسين من كبار أئمة المعتزلة، جيد الكلام، حسن العبارة، غزير المادة، وله التصانيف الفائقة في أصول الفقه، منها المعتمد وهو كتاب كبير نفيس، ومنه ومن المستصفى الإمام أبي حامد الغزالي استمد فخر الدين الرازي في تصنيف كتابه المحصول ولأبي الحسين تصفح الأدلة، وعزير الأدلة، وله شرح الأصول الخمسة وله كتاب في الإمامة وغير ذلك. وفيها توفي أبو عبد الله الصيمري الفقيه أحد أئمة الحنفية.
سنة سبع وثلاثين واربع مائة
فيها توفي شيخ الأندلس وعالمها ومقرئها وخطيبها أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي، كان من أهل التبحر في العلوم كثير التصانيف، وكان مشهوراً بالصلاح وإجابة الدعوة رحمه الله تعالى ومما روي في إجابة دعوته أنه كان إنسان يتسلط عليه، ويحصي عليه سقطاته وكان الشيخ كثيراً ما يتلعثم، ويتوف، فحضر ذلك الرجل في بعض الجمع، وجعل يحد النظر إلى الشيخ، ويغمزه، فلما خرج مضى، ونزل في الموضع الذي كان يقرأ فيه، ثم قال لنا: أمنوا على دعائي، ثم رفع يديه وقال: اللهم اكفنيه؛ قال: فأمنا فأقعد ذلك، وما دخل الجامع بعد ذلك اليوم. وله تصانيف كثيرة نافعة، فمنها الهداية إلى بلوغ النهاية في معاني القرآن الكريم، وتفسيره وأنواع علومه، وهو سبعون جزءاً، ومنتخب الحجة لأبي علي الفارسي ثلاثون جزءاً، وكتاب التبصرة في القراءات في خمسة اجزاء وهو من أشهر تواليفه - وكتاب الكشف عن وجوه القراءات وعللها عشرون جزءاً، وكتاب الوقف في كلا وبلى في القرآن جزءان، وكتاب تنزيه الملائكة عن الذنوب، وفضلهم على بني آدم جزء، وكتاب اختلاف العلماء في الروح والنفس جزء، وكتاب شرح التمام والوقف أربعة أجزاء وغير ذلك، ومجموع تصانيفه نحو من أربعين مصنفاً، بعضها مشتمل على أجزاء كثيرة. وفيها توفي الإمام الأوحد القاسم بن محمد بن عبد الله القرشي الجمحي، من أهل شمعة من بلاد اليمن. لما تفرقت قريش عن الحجاز سكن قوم منهم بسهفنة، وكان هو وأهله منهم، ومات فيها، وهو الذي انتشر عنه مذهب الشافعي في نواحي الجند وصنعاء
стр. 733
والمعافر والسحول وعدن ولحج وأبين، ومنه استفاد فقهاء هذه البلاد المذكورة، كانت مدرسته في سهفنة وكان تفقه وتعلم في ابتداء أمره في زبيد على بكر بن المصرف بمختصر المزني وبعض شروحه، وكان له رحلة إلى مكة سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، ولقي فيها أبا بكر أحمد بن ابراهيم المروزي، فأخذ عنه كتاب السنن عن أبي داؤد سليمان بن الأشعث، وسمع عنه موطأ الإمام مالك. وكان قد جمع مع الفقه والحديث والكلام وأصول الفقه علم القراءات ومعاني القرآن، وكان فقيهاً اجتمع عليه القريب والبعيد من البلاد وأخذ عنه العلم خلق كثير.
سنة ثمان وثلاثين واربع مائة
فيها توفي الشيخ الإمام الجليل القدر، مفتي الأنام، قدوة المسلمين وركن الاسلام، ذو المحاسن والمناقب العظام، والفضائل المشهورة عند العلماء والعوام، الفقيه الأصولي الأديب النحوي المفسر الشيخ أبو محمد الجويني عبد الله بن يوسف شيخ الشافعية، ووالد إمام الحرمين. قال أهل التواريخ: كان إماماً في التفسير والفقه والأصول والعربية والأدب، قرأ الأدب على أبيه أبي يعقوب يوسف بجوي، ثم قدم نيسابور، واشتغل بالفقه على أبي الطيب سهل بن محمد الصعلوكي، ثم انتقل إلى أبي بكر القفال المروزي، واشتغل عليه بمرر، ولازمه واستفاد منه، وانتفع عنه، وأتقن عليه المذهب والخلاف، وقرأ عليه طريقته، وأحكمها. فلما لخرج عليه عاد إلى نيسابور، وتصدى للتدريس والفتوى، وتخرج عليه خلق كثير، منهم ولده إمام الحرمين، وكان مهيباً لا يجري بين يديه إلا الجدل والبحث والتحريض على التحصيل. له في الفقه تصانيف كثيرة الفضائل، مثل التبصرة والتذكرة ومختصر المختصر والفرق والجمع والسلسلة وموقف الإمام والمأموم، وغير ذلك من التواليف، وله التفسير الكبير المشتمل على عشرة أنواع في كل آية. وقال الإمام عبد الواحد بن عبد الكريم القشيري: كان أئمتنا في عصره، والمحققون من أصحابنا يعتقدون فيه من الكمال والفضل والخصال الحميدة ما أنه لو جاز أن يبعث الله تعالى نبياً في عصره لما كان إلا هو، من حسن طريقته وورعه وزهده وديانته وكمال فضله رضي الله تعالى عنه سمع الحديث الكثير، وتوفي في ذي القعدة من السنة المذكورة، وقيل قي سنة أربع وثلاثين وأربعمائة بنيسابور والله أعلم. وقال الشيخ أبو صالح المؤذن: مرض الشيخ أبو محمد الجوينى سبعة عشر يوماً،
стр. 734
وأوصاني أن أتولى غسله وتجهيزه، فلما توفي غسلته، وكفنته في الكفن. ورأيت يده اليمنى زهراء منيرة من غير سوء وهي تتلألأ تلألؤ القمر، فتحيرت وقلت لنفسي هذه بركات فتاويه. قلت: وفضاثله كثيرة شهيرة، وقد ذكرت شيئاً منها في الشاش المعلم
سنة تسع وثلاتين وأربع مائة
فيها توفي الحافظ أبو محمد الحسن بن محمد الحسن بن الجلال البغدادي. قال الخطيب: كان ثقة له معرفة، أخرج المسند على الصحيحين، وجمع أبواباً وتراجم كثيرة.
سنة اربعين واربع مائة
فيها أقام العرب بالمغرب الدعوة للقائم بأمر الله العباسي وخلع طاعة المستنصر العبيدي، فبعث المستنصر جيشاً من العرب يحاربون فذلك أول دخول العربان إلى إفريقية وهم بنو رباح وبنو زغبة، وجرت لهم أمور يطول شرحها. وفيها توفي أبو القاسم عبد الله بن عمر بن شاهين رحمه الله تعالى.
سنة احدى واربعين واربع مائة
توقني أبو علي أحمد بن عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم بن أبي نصر التميمي الدمشقي، أحد الأكابر. وفيها توفي الحافظ أبو عبد الله محمد بن علي الصوري، أحد أركان الحديث. قال الخطيب: وكان يسرد الصوم، وقال أبو الحسين: ما رأيت أحفظ من الصوري.
سنة اثنتين واربعين واربع مائة
فيها عين ابن النسوي بالنون والسين المهملة لشرطة بغداد، فاتفق السنية والشيعية على أنه متى ولي نزحوا عن البلد، فوقع الصلح بين الفريقين بهذا السبب، وصار أهل الكرخ يترحمون على الصحابة، وصلوا في مساجد السنية، وخرجوا كلهم إلى زيارة المشاهد، وتحابوا، وتزاوروا، هذا شيء لم يعهد منذ دهراً، وقيل في دهر. وفيها توفي شيخ العراق، الزاهد القدوة أبو الحسن علي بن عمر بن القزريني. قال الخطيب: كان أحد الزهاد ومن عباد الله الصالحين، يقرىء ويحدث، ولا يخرج إلا لصلاة، غلقت جميع بغداد يوم دفنه، ولم نر جمعاً أعظم من ذلك الجمع.
стр. 735
وفيها توفي أبو القاسم الثمانيني الموصلي الضريري النحوي، أحد أئمة العربية بالعراق. أخذ عن ابن جني، وتصدر للإفادة، وصنف شرحاً للمع كتاب النحو، وشرحاً للتصريف. والواعظ أبو طاهر بن العلاف محمود بن علي البغدادي.
سنة ثلاث واربعين واربع مائة
فيها زال الأنس بين السنية والشيعية، وعادوا إلى أشد ما كانوا عليه من الشر والفتن، وأحكم الرافضة سور الكرخ، وكتبوا على الأبراج: محمد وعلي خير البشر، فمن رضي فقد شكر، ومن أبى فقد كفر، واضطرمت نار الفتنة، وأخذت ثياب الناس في الطرق، وغلقت الأسواق، واجتمع للسنية جمع لم ير مثله، وهجموا دار الخلافة، فوعدوا بالخير. وثار أهل الكرخ، فالتقى الجمعان، فقتل جماعة، ونبشت عدة قبور للشيعة، وأحرقوا. وتم على الرافضة خزي عظيم، فعمدوا إلى خان الحنفية، فأحرقوه، وقتلوا مدرسهم أبا سعيد السرخسي رحمه الله تعالى. وفيها توفي أبو القاسم علي بن أحمد الفارسي: مسند الديار المصرية، أكثر عن أبي أحمد بن الناصح والذهلي.
سنة أربع وأربعين وأربع مائة
فيها هاجت الفتنة ببغداد، واستعرت نيرانها، وأحرقت عدة حوانيت، وكتب أهل الكرخ على أبواب مساجدهم: محمد وعلي خير البشر. وأذنوا بحي على خير العمل، فاجتمع غوغاء أهل السنة، وحملوا حملة حربية على الرافضة، فهرب النظارة، وازدحموا في درب ضيق، فهلك ست وثلاثون امرأة وستة رجال وصبيان، وطرحت النيران في الكرخ، وأخذوا في تحصين الأبواب والقفال، والتقوا في سادس من ذي الحجة، فجمع الطقطقي بالقاف بين الطائين المهملتين طائفة من الأعوان، وكبس جهة من الكرخ، وقتل رجلين، ونصب رأسيهما على مسجد العلائين. وفيها عمل محضر كثير ببغداد، وتضمن القدح في نسب بني عبيد الخارجين بالمغرب ومصر، وأن أصلهم من اليهود، وأنهم كاذبون في انتسابهم إلى جعفر الصادق رضي الله
стр. 736
تعالى عنه. فكتب فيه خلق من الأشراف والسنة وأولي الخيرة. وفيها توفي أبو غانم أحمد بن الحسين المروزي الكراعي مسند خراسان في وقته. وفيها توفي أبو عمرو الداني عثمان بن سعيد القرطبي الحافظ المقرىء أحد الأعلام، صاحب التصانيف الكثيرة المتفننة، توفي بدانية المنسوب إليها، قيل وكان مجاب الدعوة رحمه الله تعالى.
سنة خمس وأربعين وأربع مائة
فيها توفي مقرىء الديار المصرية، الملقب بتاج الأئمة أبو العباس أحمد بن على بن هشيم المصري. وفيها توفي أبو إسحاق البرمكي بن ابراهيم بن عمر البغدادي الحنبلي. قال الخطيب: كان صدوقاً ديناً فقيهاً، له حلقة للفتوى وفيها توفي الحافظ أبو سعيد السمعاني اسماعيل بن علي الرازي. قال الكتاني: كان من الحفاظ الكبار زاهداً عابداً، ويقاق إنه سمع من ثلاثة آلاف شيخ، وكان رأساً في القراءات والحديث والفقه، بصيراً بمذهبي الحنفية والشافعية، لكنه من رؤوس المعتزلة. قلت: وما سمعت أن أحداً له من الشيوخ مثل هذا المذكور إلا الحافظ أبا سعيد السمعاني، فإن شيوخه يزيدون على أربعة آلاف شيخ. وممن سمعت أن شيوخه يزيدون على الذين: عبد الله بن المبارك. وممن سمعت أن شيوخه يزيدون على ألف: الحافظ أبو القاسم ابن عساكر، ذكروا أن شيوخه ألف وثلاث مائة. وممن سمعت أن شيوخه ألف: الطبراني، وممن سمعت أن شيوخه دون الألف: الشيخ صلاح الدين العلائي مدرس الصالحية في القدس ﵀ أخبرني بذلك، أو قال نحو الألف، قال: وليس فيهم أجل من الشيخ رضي الله تعالى عنه يعني شيخنا رضي الدين فقيه المحدثين الصالحين ابراهيم بن محمد الطبري، إمام مقام ابراهيم الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام. وفيها توفي أبو طاهر محمد بن أحمد بن محمد الكاتب مسند أصبهان.
سنة ست واربعين واربع مائة
فيها توفي الحافظ أبو يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد القزويني، أحد أئمة الحديث. وفيها توفي أبو علي الأهوازي الحسن بن علي بن ابراهيم: المقرىء المحدث صاحب
стр. 737
التصانيف. وأبو محمد بن اللبان الاصبهاني. قال الخطيب: وكان أحد أوعية العلم.
سنة سبع واربعين واربع مائة
فيها توفي أبو عبد الله القادسي الحسين بن أحمد البغدادي. وفيها توفي قاضي القضاة ابن ماكولا: الحسين بن علي العجلي الشافعي. قال لخطيب: لم نر قاضياً أعظم نزاهة منه. وفيها توفي حكم بن محمد الجذامي، وأبو القاسم التنوخي، وابن سلوان. وفيها توفي أبو الفتح السليم بن أيوب بن سليم الرازي: الفقيه الإمام الشافعي المفسر لأديب: صاحب التصانيف. كان رأساً في العلم والأدب والعمل، يشار إليه في الفضل والعبادة. ومن تصانيفه كتاب الإشارة في الفروع وكتاب غرائب الحديث وكتاب التقريب، وليس هو التقريب الذي نقل عنه إمام الحرمين في النهاية، وحجة الإسلام في البسيط والوسيط، فإن ذلك للقاسم بن القفال الشاشي. أخذ سليم الفقه عن الشيخ أبي حامد لاسفرائيني، وأخذ عنه أبو الفتح الشيخ نصير بن ابراهيم المقدسي. وقال سليم: دخلت بغداد في بدايتي في طلب علم اللغة، فكنت آتي شيخا هناك، فذهبت في بعض الأيام إليه، قيل لي: هو في الحمام، ومضيت نحوه، فمررت في طريقي على الشيخ ابي حامد الاسفرائيني - وهو يملي - فدخلت المسجد، وجلست مع الطلبة، فوجدته يشرح في كتاب أصيام في مسألة إذا أولج ثم أحس بالفجر فنزع، فاستحسنت ذلك، فعلقت الدرس على ظهر جزء كان معي، فلما عدت إلى منزلي جعلت أعيد الدرس مخلى بي، وقلت: أتم هذا الكتاب يعني - كتاب الصيام فعلقته، ولزمت الشيخ أبا حامد حين علقت منه جميع التعليق - يعني كتابه - وكان لا يخلو له وقت من اشتغال، حتى أنه كان إذا برأ القلم قرأ القرآن، أو سبح، أو قال: وسبح. وكذلك إذا كان ماراً في الطريق، كما تقدم في ترجمته، وغير ذلك من الأوقات التي لا يمكن الاشتغال فيها بعلم. قلت: وهذا مما يدلك على اهتمام هذا الإمام على استغراق أوقاته بالنفع بالعلم لوجه الله تعالى، والعمل به في طاعاته، وهذا عزيز جداً من أهل العلم. وأحوال الناس في ذلك مختلفة، فبعضهم كان يرخي بينه وبين أصحابه ستراً، وبعضهم يذكر بالقلب سراً، وبعضهم يأتي بالذكر جهراً. وإرخاء الستر قد روي عن بعض المشايخ وعن بعض أهل العلم أيضاً: وهو أبو الحسن الباهلي شيخ القاضي أبي بكر الباقلاني في علم الأصول: وقد يكون في إرخاء الستر
стр. 738
غرض آخر من ترك النظر إلى بعض الناس، إما لخوف فتنة، أو تشويش خاطر ببعض من هو في مجلسه حاضر. ولا يخلو الموقف صاحب القلب المليح من غرض صحيح. وسكن سليم الشام بمدينة صور متصدياً لنشر العلم وإفادة الناس. وكان يقول: وضعت مني صوره رفعتها. وكان موته ﵀ غرقاً عند رجوعه من الحج عند ساحل جدة، وقال بعضهم: في بحر القلزم بضم القاف والزاي وسكون اللام بينهما، ثم تبئين في أي مكان منه، وقال: عند ساحل جدة، وقال بعضهم: في بحر القلزم المذكور غرق فيه فرعون. قلت ويحتمل أنه غرق في الجانب الذي يلي مصر منه، وسليم في الجانب الذي يلي جدة منه، وشتان ما بين الغرقين: غرق الشقاوة والإبعاد، وغرق الشهادة والإسعاد. وكان سليم المذكور قد نيف على الثمانين، ودفن في جزيرة بقرب الجار الآتي تفسيره قريباً، عند المخاضة في طريق عيذا. والرازي: نسبة إلى الري على غير قياس ألحقوا الزاي في النسبة، كما ألحقوها في المروزي عند النسبة إلى مرو: وهي مدينة عظيمة من بلاد الديلم بين قومس والجبال. والجار بفتح الجيم وبعد الألف راء: وهي بلدة إليها القمح الجاري. وذكر أبو القاسم الزمخشري في كتاب الأمكنة والجبال والمياه أن الجار قرية على ساحل البحر، بها مرسى مطايا القلزم ومطايا عيذاب، يعني بالمطايا المذكورة: السفن. وقال ابن حوقل بفتح الحاء المهملة والقاف وسكون الواو بينهما وفي آخره لام الجار: الفرضة المدلية على ثلاث مراحل منها، على البحر وحده فرضة منه. قلت: يعني فرضة مكة، ويعنونه بالفرضة في مثل هذا الموضع فرضة البحر التي هي محط السفن. وفي السنة المذكورة توفي عبد الوهاب بن الحسين بن برهان بفتح الموحدة أبو الفرح البغدادي الغزالي.
سنة ثمان واربعين واربع مائة
فيها خطب بالكوفة والموصل وواسط للمستنصر المصرفي العبيدي، ففرحت الرافضة بذلك، واستفحل أمر الأمير البساسيري بفتح الموحدة وبالسين المهملة المكررة قبل الألف وبعدها وسكون المثناة مكررة قبل الراء وبعدها ثم جاءته الخلع والتقليد من مصر. وفيها توفي عبد الله بن الوليد الأنصاري الأندلسي الفقيه المالكي. وفيها توفي الشيخ
стр. 739
عبد الغافر أبو الحسين محمد بن عبد الله الفارسي. وفيها توفي أبو الحسن الفالي علي بن محمد بن علي المؤذب، وأبو الحسن الباقلاني علي بن ابراهيم بن عيسى البغدادي، وابن مسرور أبو حفص. قال عبد الغافر: هو حفص المارودي الزاهد الفقيه، كان كثير العبادة والمجاهدة، وكانوا يتبركون بدعائه رحمة الله عليه عاش سبعين سنة.
سنة تسع واربعين واربع مائة
فيها توفي أبو العلاء أحمد بن عبد الله التنوخي المعري اللغوي الشاعر المشهور، صاحب التصانيف الكثيرة المشهورة، والرسائل البليغة المنشورة، والزهد والذكاء المفرط. كان متضلعاً من فنون الأدب، قرأ النحو واللغة على أبيه ب المعرة، وعلى محمد بن عبد الله ابن سعد النحوي بحلب، وله من النظم: لزوم ما لا يلزم وهو كبير يقع في خمسة أجزاء وما يقارنها، وله سقط الزند أيضاً، وشرحه بنفسه وسماه: ضوء السقط، وله الكتاب المعروف بالهمزة والردف يقارب المائة جزء في الأدب أيضاً. وحكي من وقف على المجلد الأول بعد المائة من كتاب الهمزة والردف قال: لا أعلم ما كان يعوده بعد هذا وكان علامة عصره في فنون، وأخذ عنه أبو القاسم التنوخي والخطيب أبو زكريا التبريزي وغيرهما. ومن لطيف نظمه قوله:
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخمر
بالخاء المعجمة والصاد المهملة مفتوحتين وبالراء البرد. ومن نظمه المشير به إلى فضله:
وإني وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم يستطعه الأوائل
وكانت وفاته ليلة الجمعة ثالث وقيل ثاني عشر ربيع الأول من السنة المذكورة، وكانت أيضاً ولادته يوم الجمعة عند مغيب الشمس لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاثمائة بالمعرة، وعمي من الجدري أول سنة سبع وستين، وغشي يمنى عينيه بياض، وذهبت اليسرى جملة. وشرح ديوان المتنبي، وسماه كتاب لامع الغزنوي في شرح ديوان المتنبي ولما فرغ من تصنيفه وقرىء عليه أخذ الجماعة في وصفه، فقال أبو العلاء: كأنما نظر إلى المتنبي بلحظ الغيب، حيث يقول:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
واختصر ديوان أبي تمام وشرحه، وكذلك ديوان البحتري، وتولى الانتصار بهم، وتنقد عليهم في مواضع، ودخل بغداد مرتين قلت: وقد ذكر في كتاب منهل المفهوم في
стр. 740
شرح ألسنة المعلوم في قسم الإيماء: حكي أنه حضر مجلس الشريف المرتضى، وكان الشريف نقص من شعر المتنبي، والمعري يمدحه حتى قال: لو لم يكن في شعره إلا قصيدة التي يقول فيها: لك يا منازل في القلوب منازل لكفى فأمر الشريف بإخراجه من المجلس مسجوناً، ثم قال: أتدرون ما عنى هذا الأعمى في القصيدة المذكورة؟ إنما أومأ فيها إلى قول المتنبي:
واذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل
انتهى قلت: ومما يدلك على فرط ذكاء أبي العلاء المعري، وفرط ذكاء الشريف، وفهمه ذلك في الحال. ثم رجع إلى المعرة، وشرع في التصنيف، وسار إليه الطلبة من الآفاق، وكاتبه العلماء والوزراء وأهل الأقدار، أو قيل إنه مكث مدة خمس وأربعين سنة لا يأكل اللحم، يرى رأي الحكماء المتقدمين، إذ لا يأكلونه، لكيلا يذبحوا الحيوان، إذ لا يرون بإيلام الحيوانات مطلقاً. قلت: وهو خلاف ما جاءت به الأنبياء والشرائع، ودل على جعله الإجماع ونصوص الآيات القواطع. ونظم الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة. ومن نظمه:
لا تطلبن بغير خط رتبة ... قلم البليغ بغير خط مغزل
سكن السما كان السماء كلاهما ... هذا له رمح وهذا أعزل
ويروى بغير حد. قلت: وقد نظمت ثلاثة أبيات، أوضحت فيها ما أشار إليه بمثال أولى من مثاله، فإنه أشرك بين السماكين في نيل المرتبة، مع كون أحدهما ذا آلة يكتسب بها المراتب وهي الرمح وأنا خصصت بالمرتبة الخالي منهما عن الآلة حيث قلت:
لو كان بالآلات خط يحصل ... والسعد يأتي ولعطايا تجزل
ما كان في عالي المنازل رامح ... أو لم يجزها دون ذلك أعزل
لكنه من دونه قد حازها ... في شرحه البدر المتمم ينزل
وكلا النظمين في قوافيهما التزام ما لا يلزم ولما توفي رثاه تليمذه أبو الحسن بن همام بقوله:
إن كنت لم ترق الدماء زهادة ... فلقد أرقت اليوم من جفني الدما
سيرت ذكرك في البلاد كأنه ... مسك فسامعه يعطر أو فما
قلت يعني أن طيب ثنائه يعطر سامعه أو المتكلم به المثني عليه، واقتصر على الفم لضيق المقام في مساعدة الوزن على عموم المتكلم دون تخصيص فيه، ويحتمل أنه أراد
следующие страницы →