Полный текст (1 334 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
ذكرها، وكان قد خطب لأخيه من قبله في بغداد، فقطعت الخطبة له، وخطب لمحمد واستقل بمملكته. ولما مات أخوه ولم يبقى له منازع، وصفت له الدنيا، وأقام على ذلك مدة، ثم مرض زماناً طويلاً، وتوفي في الخميس الرإبع والعشرين من ذي الحجة من السنة المذكورة بمدينة أصبهان. ولما أيس من نفسه أحضر ولده محموداً، وقبله، وبكى كل واحد منهما، وأمره أن يخرج ويجلس على تخت السلطنة، وينظر في أمور الناس. فقال لوالده: إنه يوم غير مبارك يعني من طريق النجوم - فقال: صدقت، ولكن على أبيك، وأما عليك فمبارك بالسلطنة، فخرج وجلس على التخت بالتاج والسوارين، وتزوج الإمام المقتفي لأمر الله فاطمة بنت السلطان محمد المذكور، فدخلت إلى دار الخلافة بالزفاف، ويقال فيما ذكر لها من المناقب أنه كان لها التدبير الصائب. وفي السنة المذكورة ترحلت العساكر عن حصار الباطنية بالألموت لما بلغهم موت السلطان محمد. وفيها توفي أبو طاهر عبد الرحمن بن أحمد البغدادي راوي سنن الدارقطني، وكان رئيساً وافر الجلالة. وفيها توفي الحافظ أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب ابن الحافظ محمد بن إسحاق ابن محمد بن يحيى بن منده العبدي الأصبهاني صاحب التاريخ، سمع من البيهقي وطبقته، وقال: السمعاني جليل القدر وافر الفضل، واسع الرواية حافظ كثير التصانيف، بعيد من التكلف، سمع من خلائق، وكتب عنه الشيوخ، منهم القطب الذي خضعت لقدمه رقاب الأولياء الأكابر، شيخ الشيوخ أبو محمد محيي الدين عبد القادر صاحب المقام العالي المعروف بالجيلاني، وجماعة من كبار الشيوخ. وذكره الحافظ السمعاني في كتاب الذيل، وغيره من كبار المؤرخين، وذكروا جلالته في الفضل وكونه من بيت علم بدىء بيحيى وختم بيحيى يريدون في معرفة الحديث والعلم والفضل - وكان يحيى المذكور
كثيراً ما ينشد لبعضهم. اً ما ينشد لبعضهم.
عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى ... وللمشتري دنياه بالدين أعجب
وأعجب من هذين من باع دينه ... بدنيا سواه فهو من ذين أخيب
وفيها توفي مسند العراق أبو علي بن نبهان الكاتب محمد بن سعيد الكرخي. روى عن
стр. 842
ابن شاذان وغيره، قال ابن ناصر: فيه تشيع صحيح، بقي قبل موته سنة ملقى على ظهره لا يعقل ولا يفهم، وقال غيره: عاش مائة سنة كاملة، وله شعر وأدب.
سنة اثنتي عشرة وخمس مائة
في الثالث والعشرين من ربيع الآخر منها توفي الإمام المستظهر بالله أبو العباس أحمد بن المقتدي بالله العباسي، وله اثنتان وأربعون سنة، وكانت خلافته خمساً وعشرين سنة، وكان قوي الكتابة جيد الأدب والفضيلة، كريم الأخلاق، مسارعاً في أعمال البر. وفيها توفي أبو الفضل بكر نن محمد الأنصاري الجابري الفقيه، شيخ الحنفية بما وراء النهر، وعالم تلك الديار، ومن كان يضرب به المثل في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه المقلب بشمس الأئمة. وفيها توفي أبو طالب الحسين بن محمد الزينبي المقلب بنور الهدى. وفيها توفي أبو القاسم الأنصاري العلامة سليمان بن ناصر النيسابوري الشافعي المتكلم، تلميذ إمام الحرمين، صاحب التصانيف، كان صوفياً زاهداً من أصحاب الأستاذ أبي القاسم القشيري. روى الحديث عن أبي الحسين عبد الغافر الفارسي وجماعة.
سنة ثلاث عشرة وخمس مائة
فيها كانت وقعة هائلة بخراسان بين سنجر وبين ابن أخيه محمود بن محمد، فانكسر محمود، ثم وقع الاتفاق، وتزوج بابنة سنجر. وتم فيها كانت الفتنة بين صاحب مصر والأمير أتابك أمير الجيوش الأفضل، وتمت لهما خطوب، ودس الأفضل على الأمير من يسمه مراراً، فلم يمكن ذلك. وفيها ظهر قبر ابراهيم الخليل - صلوات الله عليه - وإسحاق ويعقوب - عليهم الصلاة والسلام - ورآهم جماعة لم تبل أجسامهم، وعندهم في تلك المغارة قناديل من ذهب وفضة، ذكره ابن حمزة بن القلانسي - بالنون والشين المعجمة - في تاريخه. وفيها توفي شيخ الحنابلة وصاحب التصانيف ومؤلف كتاب الفنون الذي يزيد على أربعمائة مجلد علي بن عقيل البغدادي الظفري، وكان إماماً مبرزاً كبير العلوم خارق الذكاء، مكباً على الاشتغال والتصنيف تفقه على القاضي أبي يعلى وغيره، وأخذ علم الكلام عن أبي
стр. 843
علي بن الوليد، وأبي القاسم بن التيان وغيره، وروى عن أبي محمد الجوهري، قال السلفي: ما رأيت مثله، وما يقدر أحد أن يتكلم معه لغزارة علمه وبلاغة كلامه وقوة حجته. وفيها توفي قاضي القضاة أبو الحسين الدامغاني علي ابن قاضي القضاة أبي عبد الله محمد بن علي الحنفي، ولي القضاء أربعاً وعشرين سنة، وكان ذا حزم ورأي وسؤدد وهيبة وافرة، وديانة ظاهرة. وفيها توفي أبو بكر محمد بن طرخان التركي ثم البغدادي المحدث النحوي، أحد الفضلاء، روى عن أبي جعفر بن المسلمة وطبقته، وتفقه على الشيخ أبي إسحاق، وكان ينسخ بالأجرة، وفيه زهد وورع تام. وفيها توفي أبو سعد المبارك بن علي، من كبار أئمة المذهب. روى عن القاضي أبي يعلى وجماعة، وتفقه على الشريف أبي جعفر بن أبي موسى.
سنة أربع عشرة وخمس مائة
فيها كان المصاف بين السلطان محمود وأخيه مسعود صاحب أذربيجان والموصل، وله يومئذ إحدى عشرة سنة، فلما التقوا انهزم مسعود وأسر وزيره، وفي هذا الوقت كان ظهور ابن تومرت بالمغرب. وفيها قتل في حصن تعز من بلاد اليمن أسعد بن أبي الفتوح بن العلاء بن الوليد الحميري، قتله رجلان من أصحابه، ودفن في الحصن، قيل: فلما قدم من بني أيوب سيف الإسلام إلى اليمن نبش وأخرج إلى مقابر المسلمين. وفيها، وقيل في التي بعدها توفي في الجند الفقيه الإمام عالم العلماء مفيد الطالبين وقدوة الأنام زيد بن عبد الله اليمني - اليفاعي بالفاء قبل الألف وبعد المثناة من تحت - نسبة إلى يفاعة: مكان في اليمن. تفقه على الشيخ الإمام أبي بكر بن جعفر بن عبد الرحيم المخائي - نسبة إلى المخا: بالخاء المعجمة المخففة وفتح الميم قبلها؛ مكان قريب من زبيد على ساحل البحر - توفي أبو بكر المذكور سنة خمس مائة، أخذ عنه جماعة، وكان يحفظ المجموع للمحاملي، والجامع في الخلاف لأبى جعفر - على ما نقل الإمام طاهر ابن الإمام
стр. 844
العلامة يحيى صاحب البيان عن والده المذكور - وتفقه زيد أيضاً بصهره الإمام إسحاق بن يوسف الصروفي، ثم ارتحل إلى مكة في المرة الأولى، فأدرك فيها تلميذي الشيخ الإمام أبي إسحاق الشيرازي مصنف المهذب، وهما الحسين بن علي الشاشي الطبري مصنف العدة وأبو نصر البندنيجي مصنف المعتمد في الخلاف، فقرأ عليهما، وطريقه في المهذب وكتاب التبصرة في علم الكلام في أصول الدين إلى أبي نصر البندنيجي. وذكر ابن سمرة أنه لما رجع زيد المذكور من مكة إلى الجند سنة اثنتي عشرة وخمس مائة اجتمع عنده في الجند ما يزيد على مائتي رجل من أجلة الفقهاء من تهامة وأبين وحضرموت والشحر والشام وغير ذلك، وقرأ الإمام يحيى بن أبي الخير عليه النكت في الخلاف: تصنيف الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وسمع عليه أيضاً بقراءة الفقيهين، الإمام عبد الله الهمداني وعبد الله بن يحيى الصعبي، وبقراءة غيرهما من الفقهاء الأجلة عدة كتب في الفقه والخلاف والأصول، وذلك في دولة السلطان أبي الفتوح الحميري، فعظم حال الفقيه وجمل أمره، واجتمع المؤالف - والمخالف على مودته، وكان لا يصلي في الجامع إلا الجمعة في آخر المسجد. قلت لعل تأخره عند حضور الجماعة في الصلوات لما يخشى من الضرر في اجتماع الناس عليه وازدحامهم بحسن اعتقادهم فيه، أو غير ذلك من الآفات، كما ذكر الإمام أبو حامد الغزالي أنه رأى بمكة بعض العارفين يصلي في بيته، لا يحضر المسجد الحرام، فسأله عن ذلك فذكر كلاماً معناه أنه يدخل عليه من الضرر في الخروج أكثر مما يدخل عليه النفع. رجعنا إلى ذكر زيد اليفاعي: روى ابن سمرة عن بعض من أدرك أنه قال: دخلت الجند أستفتيه عن مسألة في الفرائض - وكان صغير الخلق دقيق الجسم - فوجدته يدرس أصحابه في دهليز بيته، فهبته هيبة عظيمة، فغلطت سؤالي، ورددت كلامي، فآنسني بكلامه، وأجابني عن سؤال بأحسن الجواب. قلت وقوله: كان صغير الخلق دقيق الجسم: أراد بذلك الإعلام بحليته والتعريف دون الانتقاص والتعنيف، وقد وجد مثل هذا الخلق في كثير من العلماء والأولياء على ما اقتضت حكمة العليم القدير من التفاوت بين الكبير من الخلق والصغير. وحكى ابن سمرة أنه سئل بعض الفقهاء بحضرة الإمام زيد المذكور عن الفقيه ابراهيم ابن علي ابن الإمام الحسين بن علي الطبري مصنف كتاب العدة؛ كيف كان حاله في العلم؟
стр. 845
فقال: هو مجود، ولولا أنه اشتغل بالعبادة مع الصوفية لكان في الفقه إماماً وفي الخلاف كاملاً. قال الراوي: وكان حاضراً فقلت له: طريقته هذه غير ملومة ولا مكروهة، فقال لي:
كان الشيخ - يعني جده القاضي حسين الطبري المذكور - يكره ذلك ويقول: اشتغال العالم بالعبادة فرار من العلم فأعجب، أو قال: أعجب زيد بهذه الحكمة. وقلت: هذا صحيح، لأن الحرص في العلم يقوم مقام العبادة، ولو كان فيه بعض قساوة انتهى، وهو بعض كلامه، وذكر بعده ما يوافقه من أقوال بعض الفقهاء. قلت ولا شك أن فضل العلم وشرفه معروفان، ولكن الشأن في إخلاصه والعمل به، فإذا حصل ذلك فهو النهاية، ومع هذا فأحوال الناس مختلفة، وقد قسمتهم في كتاب الإرشاد على خمسة أقسام، وليس إطلاق الكلام في الندب إلى إحدى الطريقين صحيحاً، بل لا بد من تفصيل، فمن كان له نية صحيحة في العلم ونجابة في الفهم، ولم يغلب عليه أحوال الرجال المشاهدين لنور الجمال، فلا شك أن هذا يندب له المبادرة وبذل المجهود في الاشتغال بالعلم، مع مزج ذلك بشيء من العبادة ولزوم سيرة السلف من التعفف والتورع والتقلل من الدنيا، وإن كان في ذلك ما ذكر من بعض القساوة، فقد أنصف في ذلك، وأما من لم يكن كما ذكرنا إما لعدم صلاح النية وإما لعدم القابلية، وإما لخوف كثرة الآفات في المخالطات، وإما لإمتلاء القلب بمحبة العبادات واستئناسه بالمناجاة في الخلوات، وإما لورود الأحوال ووجود المشاهدات، أعني مشاهدة نور الجمال واستيلاء هيبة العظمة والحلال، فكل هؤلاء واقفون مع ما ورد على قلوبهم، لكلى قوم مشرب وفي الهوى مذهب، ولقد أحسن قائلهم.
كانت لقلبي أهواء مفرقة ... فاستجمعت إذ رأتك العين أهوائي
تركت للناس دنياهم ودينهم ... شغلاً بحبك يا ديني ودنياي
ولقد وقع بي في ابتداء اشتغالي بالعلم خاطر أن ألقياني في مجاذبتهما: أحدهما يجذبني إلى العلم طلباً لفضله، والآخر إلى العبادة لوجود حلاوة فيها وسلامة من آفات المخالطات والتشتت في البحث والمجادلات، واشتعل في باطني مثل النار في القريحة المحرورة للمجاذبة المذكورة، ثم حصلت والحمد لله إشارة أذهبت عني ذلك الاحتراق، مردتني إلى التسليم إلى ما سبق به القضاء بتقدير الخلاق، وذلك أني في حال تلك الشدة لما قلقت، ولم أستطع نوماً ولا قراراً، ومعي كتاب أطالعه ليلاً ونهاراً، فتحته في ذلك الوقت فرأيت فيه ورقة قابلتني أول ما فتحته ولم أرها قبل ذلك مع طول ما طلبته، وفيها أبيات ما كنت سمعتها، وهي:
стр. 846
كن عن همومك معرضاً ... وكل الأمور إلى القضا
فلربما اتسع المضيق ... وربما ضاق الفضا
ولرب أمرمتعب ... لك في عواقبه رضا
الله يفعل ما يشاء ... فلا تكن متعرضا
فلما قرأتها كأنما صب ماء على تلك النار، فرد ذلك الاحتراق، وذهبت تلك الأكدار، وأنشد لسان مقالي في تلك الوقت ما يوافق حالي، وناديت قلبي:
اسمع وخذ بالإشارة ... فيا حسن ما في ضمها من بشارة
ودربي مع ريح القضا حيث دارت ... وسلم لسلمى ثم سر حيث سارت
عسى من خدور الحي تبدو بدورها ... توسلت حتى أقبلتك ثغورها
ألا يا لقومي أعلموني بحيلة ... إلى وصل خودات كعاب جميلة
أراك الحمى قل لي بأي وسيلة ... إذا ما بدت ناديت في كل حيلة
بقطع لأهلي مع فراقي لبلدتي ... وذلي وسيحي في البلاد وغربتي
وإيناس نفسي بعد زفري وحضرتي ... رحمت على صبري على كل كربة
ثم استمريت في مدة يسيرة بشيء من الأشغال والاشتغال بالعلم، مع مزج ذلك يتخلل البطالات، ثم خطر لي عند وقوفي على كلام الفقهاء الذين نحن بصدده هذه الأبيات:
تقضى زماني والقضاء مصرفي ... وكان إلى العلم الشريف تشوفي
وما كانت الأيام إلا قلائلاً ... به ثم مال القلب نحو التصوف
ومن لم يسل في دهره نحوه يمت ... ولم يهو من صاحي جمالاً ويعرف
فإن كنت ذا جهل بمنهج حبه ... ومشربه سل عنه أهل التعرف
قلت وفضل التصوف وأهله أولي الصفاء والأنوار والمعارف والأسرار، والقرب والمنادمات والحضرة والمشاهدات، لا يسعه مجلدات، وقد ذكرت نبذة من ذلك في كتاب الأسرار والنظير، في فضل ذكر الله تعالى وتلاوة كتابه العزيز، وفضل الأولياء والناسكين، والفقراء والمساكين، وفي كتاب روض الرياحين في حكايات الصالحين، وفي كتاب نشر المحاسن الغالية في فضل المشايخ أولي المقامات العالية، قدس الله تعالى أرواحهم، ونور ضرائحهم ونفعنا ببركاتهم، وجعلنا معهم في محياهم ومماتهم، آمين، ولله در قائلهم في وصف راح الهوى المعمورة من نور الجمال التي سكر بها المحبون أولو الأحوال، حيث أنشد وقال:
هبنا لأهل الدير كم سكروا بها ... وما شربوا منها، ولكنهم هموا
стр. 847
على نفسه فليبك من ضاع عمره ... وليس له منها نصيب ولاسهم
وفيها توفي أبو علي الحسن بن خلف القيراوني المقرىء، صاحب تلخيص العبارات في القراءات. والوزير مؤيد الدين الحسين بن علي الأصبهاني، صاحب ديوان الإنشاء للسلطان محمد بن ملك شاه، كان من أفراد الدهر وحامل لواء النظم والنثر وهو صاحب لامية العجم. والحافظ الكبير أبو علي بن سكرة حسين بن محمد الأندلسي حج سنة إحدى وثمانين وسمع ببغداد من البانياسي وطبقته، وأخذ التعليقة الكبرى عن أبي بكر الإمام الشاشي المستظهري واخذ بدمشق عن الفقيه الإمام نصر المقدسي، ورد إلى بلاده بعلم جم وبرع في الحديث وفنونه، وصنف التصانيف. فأكره على القضاء، فوليه، ثم اختفى حتى عفي، واستشهد في المصاف وهو أبناء الستين. وفيها توفي الإمام أبو نصر عبد الرحمن ابن الإمام أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري كان إماماً كبيراً، أشبه أباه في علومه ومجالسه، وواظب على حضور درس إمام الحرمين حتى حصل طريقته في المذهب والخلاف. ثم خرج، فوصل الى بغداد، وعقد بها مجلس وعظ، وحصل له قبول عظيم، وحضر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي مجلسه. وأطبق علماء بغداد على أنهم لم يروا مثله. وكان يعظ في المدرسة النظامية ورباط شيخ الشيوخ، وله مع الحنابلة خصام بسبب الاعتقاد إذ هو وأبو وشيخه إمام الحرمين وغيرهم من أكابر العلماء ورؤوس الأشاعرة، وانتهى الأمر إلى فتنة بين الفريقين، قتل فيها جماعة من الطائفتين، وركب أحد أولاد نظام الملك حتى سكنها، وبلغ الخبر نظام الملك وهو بأصبهان وسير إليه استدعاءه، فلما حضر عنده زاد في إكرامه، ثم جهزه إلى نيسابور فلما وصل إليها لازم الوعظ والدرس إلى أن قارب انتهاء أمره، فأصابه ضعف في أعضائه وقال بعضهم: فالج فأقام لذلك مقدار شهر، ثم توفي ضحوة نهار الجمعة الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من السنة المذكورة بنيسابور، ودفن بالمشهد المعروف بهم، وكان يحفظ من الشعر والحكايات شيئاً كثيراً. وأبو منصور محمود بن اسماعيل الصيرفي الأشقر، راوي المعجم الكبير للطبراني. قال السلفي: كان صالحاً.
стр. 848
سنة خمس عشرة وخمس مائة
فيها احترقت دار السلطنة ببغداد، فتلف ما قيمته ألف ألف دينار. وفيها توفي أبو علي الحداد: الحسن بن أحمد الأصبهاني المقرىء المجود، مسند الوقت، وكان مع علو إسناده أوسع أهل زمانه رواية، حمل الكثير عن أبي نعيم، وكا ن خيراً صالحاً. وفيها توفي الملك الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجمالي الأرمني، كان الملك الأفضل وزيراً للمستعلي العبيدي، وكان حسن التدبير فحل الرأي، وهو الذي أقام المستعلي بعد موت أبيه المستنصر مقامه، وخلف من الأموال ما لم يسمع بمثلهما، قيل إنه خلف ستمائة ألف دينار عيناً، ومائتين وخمسين إردباً دراهم نقد مصر، وخمساً وسبعين ألف ثوب ديباج أطلس، وثلاثين راحلة أخفافها من ذهب عراقي، وداوة ذهب فيها جوهر قيمته أثنا عشر ألف دينار، ومائة مسمار من ذهب وزن كل مسمار مائة مثقال، في عشرة مجالس، في كل مجلس عشرة مسامير، على كل مسمار منديل مشدود بذهب من الألوان أيما أحب منها لبسه - وخمس مائة صندوق لكسوته خاصة من دف دمياط وبلد أخرى سموها، وخلف من الرقيق والخيل والبغال والمراكب والطيب والتجمل والحلي ما لا يعلم قدره إلا الله، وخلف خارجاً من ذلك من البقر والجواميس والغنم كما يطول عدده، وبلغ ضمان ألبانها في سنة وفاته ثلاثين ألف دينار، ووجد في تركته صندوقان كبيران فيهما إبر ذهب برسم النساء والجواري. وكان شهماً مهيباً بعيد الغور، ولي وزارة السيف والقلم، وإليه قضاء القضاة والتقدم على الدعاة في ولاية المستعلي، ثم الأمر، وكانا معه صورة بلا معنى، وكان قد أذن للناس في إظهار عقائدهم، وأمات شعار دعوة الباطنية، فنقموه لذلك، ووثب عليه ثلاثة من الباطنية فضربوه بالسكاكين فقتلوه، وحملوه بآخر رمق، وقيل إن الأمير دسهم عليه بتدبير أبي عبد الله البطائحي الذي وزر بعده، ولقب بالمأمون. وفيها توفي أبو القاسم علي بن جعفر السعدي الصقلي المولد، المعروف بابن القطاع،
стр. 849
المصري المنزل والوفاة، كان من أئمة الأدب خصوصاً اللغة، وله تصانيف نافعة منها كتاب الأفعال، أحسن فيه كل الإحسان، وهو أجود من الأفعال لابن القوطبة، وإن كان ذاك سبقه إليه، وله كتاب أبنية الأسماء، جمع فيه فأوعب، وعروض حسن جيد، وكتاب الدرة الخطيرة المختارة من شعر الجزيرة، ولمح اللمح، جمع فيه خلقاً من علماء الأندلس، قرأ الأدب على فضلاء صقلية كابن البراء اللغوي وأمثاله، وأجاد النحو غاية الإجادة، ورحل عن صقلية لما أشرف على تملكها الفرنج، ووصل إلى مصر في حدود سنة خمس مائة، وبالغ أهل مصر في إكرامه، ومن شعره:
وشادن لبيانه عقد ... حلت عقودي وأوهنت جلدي
عابوه جهلاً بها فقلت لهم ... أما سمعتم بالنفث في العقد؟
وله شعر كثير، توفي بمصر: وفيها توفي الحافظ أبو الخير بن عوض الهروي. كان عالماً صاحب حديث وإفادة، حريصاً على الطلب.
سنة ست عشرة وخمس مائة
توفي الإمام محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي الشافعي المحدث المقرىء، صاحب التصانيف، وعالم أهل خراسان، كان سيداً زاهداً قانعاً، يأكل الخبز وحده، فليم في ذلك، فصار يأكله بالزيت، وكان أبوه يصنع الفراء، توفي بمروروذ، ودفن عند شيخه القاضي حسين، أخذ الفقه عنه، وصنف في تفسير كلام الله تعالى، وأوضح المشكلات من قوله ﵌، وروى الحديث، ودرس، وكان لا يلقي الدرس إلا على طهارة، وصنف كتباً كثيرة منها: كتاب التهذيب في الفقه، وشرح السنة في الحديث، ومعالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم، وكتاب المصابيح، والجمع بين الصحيحين، وغير ذلك، والبغوي نسبة إلى بلدة بخراسان بين مرو وهراة يقال لها بغ، بالباء الموحدة والغين المعجمة.
والحافظ أبو محمد عبد الله بن أحمد السمرقندي، سمع من أبي بكر الخطيب وجماعة، ورحل إلى نيسابور وأصبهان. وأبو القاسم بن الفحام الصقلي: عبد الرحمن بن أبي بكر، مصنف التجويد في القراءات.
стр. 850
وأبو محمد الحرير: صاحب المقامات، القاسم بن علي بن محمد البصري الأديب، حامل لواء البراعة وفارس النظم والنثر، ونسجهما بظرافة الصناعة، كان من رؤساء بلده، روى الحديث عن أبي تمام محمد بن الحسين وغيره، وعاش سبعين سنة، ورزق الحظوة التامة في عمل المقامات، واشتملت على شيء كثير من كلام العرب من لغاتها وأمثالها ورموز أسرار كلامها، حتى قال بعض الفضلاء: من عرفها حق معرفتها استدل بها على فضل هذا الرجل وكثرة إطلاعه وغزارة مادته. وكان سبب وضعه لها ما حكاه ولده أبو القاسم عبد الله قال: كان أبي جالساً في مسجد بني حرام، فدخل شيخ ذو طمرين عليه أهبة السفر، رث الحال فصيح الكلام حسن العبارة، فسألته الجماعة: من أين الشيخ؟ فقال: من سروج، فاستخبروه عن كنيته قال: أبو زيد، فعمل أبي المقامة المعروفة بالحرامية، وهي الثامنة والأربعون، وعزاها إلى أبي زيد المذكور، واشتهرت، فبلغ خبرها الوزير شرف الدين أبا نصر القاشاني - بالقاف والشين المعجمة - وزير الإمام المسترشد باللة، فلما وقف عليها أعجبته، وأشار على والدي أن يضم إليها غيرها، فأتمها خمسين مقامة. وإلى الوزير المذكور أشار الحريري في خطبة المقامات بقوله: فأشار من إشارته حكم، وطاعته غنم إلى أن أنشىء مقامات أتلو فيها تلوالبديع، وإن لم يدرك الظالع شيئاً والضليع. هكذا وجد في عدة تواريخ في نسخة من المقامات عليها خطه، وقد كتب بخطه أيضاً على ظهرها أنه صنفها للوزير جلال الدين عميد الدولة أبي علي الحسن بن أبي المعز علي ابن صدقة وزير المسترشد، قيل: وهذا أصح من الرواية الأولى، لكونه بخط المصنف، والله أعلم. وذكر القاضي أبو الحسن علي بن يوسف الشيباني وزير حلب في كتابه المسمى أنباء الرواة على أبناء النجاة أن أبا زيد المذكور اسمه المطهر بن سلار، وكان بصيرياً نحوياً لغوياً، وصحب الحريري المذكور، واشتغل عليه بالبصرة، وتخرج به، روى عنه القاضي أبو الفتح محمد بن أحمد الميداني الواسطي ملحة الإعراب للحريري، وذكر أنه سمعها منه عن الحريري وقال: قدم علينا واسط سنة ثمان وثلاثين وخمس مائة، فسمعنا منه، وتوتجه منها مصعداً إلى بغداد، فوصلها، وأقام مدة يسيرة وتوفي بها رحمه الله تعالى. وأما تسمية الراوي لها بالحارث بن همام فإنما عنى به نفسه، هكذا ذكر ابن خلكان
стр. 851
وقال: وقفت عليه في بعض شروح المقامات، وهو مأخوذ من قول النبي ﵌: كلكم حارث وكلكم همام، فالحارث: الكاسب، والهمام: كثير الاهتمام، وما من شخص إلا وهو حارث وهمام، لأن كل أحد كاسب ومهتم بأموره. وقد اعتنى، بشرحها خلق كثير، فمنهم من طول، ومنهم من اختصر، قال ابن خلكان: ورأيت في بعض المجاميع أن الحريري لما عمل المقامات كان قد عملها أربعين مقامة، وحملها من البصرة إلى بغداد، فادعاها فلم يصدقه من أدباء بغداد، وقالوا إنها ليست من تصنيفه، بل هي لرجل مغربي من أهل البلاغة مات بالبصرة، ووقعت أوراقه إليه فادعاها، فاستدعاه الوزير إلى الديوان وسأله عن صناعته فقال: أنا رجل منشىء، فاقترح عليه إنشاء الرسالة في واقعة عينها، فانفرد في ناحية عن الديوان، وأخذ الدواة والورقة، ومكث زماناً كثيراً فلم يفتح الله سبحانه عليه بشيء من ذلك، فقام وهو خجلان، وكان في جملة من أنكر دعواه في عملها أبو القاسم بن أفلح الشاعر، فلما لم يعمل الحريري الرسالة التي اقترحها الوزير أنشد ابن أفلح هذين البيتين، وقيل إنهما لابن محمد الحريمي البغدادي الشاعر المشهور:
شيخ لنا من ربيعة الفرس ... ينتف عثنوته من الهوس
أنطقه الله بالمشان كما ... رماه وسط الديوان بالخرس
وكان الحريري يزعم أنه من ربيعة الفرس، وكان مولعاً ينتف لحيته عند الفكرة، وكان يسكن في مشان البصرة، فلما رجع إلى بلده عمل عشر مقامات أخر، وسيرهن واعتذر من عيه وحصره بالديوان بما لحقه من المهابة، وللحريري تاليف حسان منها: درة الغواص في أوهام الخواص ومنها ملحة الإعراب، منظومة في النحو والآداب، وله أيضاً شرحها، وله ديوان رسائل وشعر كثير غير شعره الذي في المقامات، ومن ذلك قوله:
قال العواذل ما هذا الغرام به ... أما ترى الشعر في خديه قد نبتا
فقلت والله لو أن المفند لي ... تأمل الرشد في عينيه ما ثبتا
ومن أقام بأرض وهي مجدبة ... فكيف يرحل منها والربيع أتى
وله قصائد استعمل فيها التجنيس كثيراً، ويحكى أنه كان دميماً قبيح المنظر، فجاءه شخص غريب يزوره ويأخذ عنه شيئاً من شعره، فلما رآه استزرى شكله، ففهم الحريري ذلك منه، فلما التمس أن يملي عليه قال: اكتب.
стр. 852
ما أنت أول سار غره قمر ... ورائد أعجبته خضرة الدمن
فاختر لنفسك غيري إنني رجل ... مثل المعيدي فاسمع بي ولا تزني
فخجل الرجل منه وانصرف عنه. والمعيدي: بضم الميم وفتح العين المهملة وسكون المثناة من تحت وبعدها دال مهملة مكسورة: رجل منسوب إلى معد بن عدنان، وقد نسبوه بعدما صغروه وخففوا منه الدال، وفيه جاء المثل المشهور: لأن تسمع بالمعيد خير من أن تراه، وهذا المثل يضرب لمن له صيت وذكر ولا منظر له، قال المفضل الضبي: أول من تكلم بهذا المثل المنذر بن ماء السماء قاله لمشقة بن ضمرة التميمي الدارمي، وكان قد سمع بذكره، فلما رآه قبحه، فقال له هذا المثل، وسار عنه، فقال له شقة: أبيت اللعن إن الرجال ليسوا بحرزير مراد منها الأجسام، إنما المرء بأصغريه، قلبه ولسانه، فأعجب المنذر بما رأى من عقله وبيانه، ومن شعر الحريري قوله:
لا تزر من تحب في كل شهر ... غير يوم ولاتزده عليه
فاضتياء الهلال في الشهر يوم ... ثم لا تنظر العيون إليه
قلت: وقد عارضت بيتي الحريري اللذين أطلق فيهما الزيارة في كل شهر مرة تشبيهاً بالهلال، بأبيات فصلت فيها بين المزورين المتفاوتين في الأحوال، وأشرت إلى أن - بعضهم وهو أخصهم بالمودة والأنس - يزار كل يوم كالشمس، وبعضهم ممن يليه في الود والدفعة في كل أسبوع كالجمعة، وبعضهم ممن قل وده أو شق بعمه أو كان مع قرب الدار يؤثر قلة المزار وملاقاة الرجال في الشهر مرة كالهلال، وبعضهم ممن نأت به البلاد وإن كان من أهل الصحبة والوداد - في السنة مرتين تشبيهاً بالعيدين، كما يختلف بالقرب وبعد البلاد ويختلف بالقلة وكثرة الوداد، فصلت بين الحالات المذكورات بهذه الأبيات:
لا تزرنا في الحمى كل عام ... غير مثنى على مرور الدهور
هل ترى العيد زائراً كل عام ... غير ثنتين عائداً بالسرور
أو دنت داره ففي كل يوم ... فيه للشمس بهجة بالظهور
أو ترى بين قرب دار وبعد ... زر كما زاره هلال الشهور
أو ترى قدر بعده دون هذا ... بالجمع تلك ضاحكات الثغور
يجتلي حسنه بغر الليالي ... أو يزهر قد اكتسى ثوب نور
إن تساووا محاسناً سار أولاً ... فاوتن بالكواكب كالبدور
стр. 853
غير أن المزار في كل يوم ... عند حب غرامه في الصدور
واعتدال بحبها زاد حباً ... عند من زرت في خبا أو قصور
والذي يؤثر التقلل مثلي ... زر قليلاً بذاك كثر الأجور
كل شهر وإن دنا منك داراً ... مرة أو بحسب حال المزور
والبرايا على اختلاف طباع ... في اجتماع وعزله وحضور
خذ مقالي مفصلاً ذا وضوح ... ما به مشكل ولا ذو قصور
رحم الله متقنا صنعه في ضيق ... لحد مجاور للقبور
فعسى الله دعوة من شقيق ... فأرى ما نظمت في ذي السطور
وكذلك عارضت قصيدته التي فضل بها الغني على الفقير، ومن جملتها قوله في هذه الأبيات:
فانظر بعينك هل أرض معطلة ... من النبات كأرض حفها الشجر
أبعد عما تيسر الأغنياء به ... فأي فضل له ود ما له ثمر
وارحل ركابك عن أرض ظمئت بها ... إلى الجنان الذي يهمي به المطر
وعارضته بقصيدة، وسميتها المنهج الأسنى في تفضيل الفقر على الغنى هذه الأبيات، منها:
قل للحريري من ذا في الحرير غدا ... وقصر در وحور زانها الحور
وفاكهات وأنها رمد فقة ... شهيدو وكثبان مسك والحصى درر
وجل نور وياقوت أسرتها ... تزهو براكبها والحسن والسرر
وطيب عيش ترى كل النعيم به ... ما تشتهي النفس مما ليس ينحصر
والضد في ضنك أهوال وروعتها ... سنين خمس منير جابذ الخبر
فسوف يدري العلى للفقر أم لغنى ... وأرض من منهما قد حفها الشجر
ومن له عود وصل يانع خضر ... زاه وذاك بذاك الحسن والثمر
إذا هشيماً رأى الغصن البصير له ... تذري الرياح به قد حلت الغير
يحكي سراباً ظن ذو ظمأ ... أو حلم نوم فلم يوجد له أثر
انقد بعين فؤاد جوهراً لهما ... عين البصيرة تدري الحسن لا البصر
فجوهر الفقر تزهو جوهريته ... بالحك، والمال زيف حين يختبر
وإنظر هل الزرع في أرض مجردة ... كزرع أرض وفيها الغيث والشجر
إن الفقير الذي للفقر مصطبر ... هو الغني والغنى بالمال مفتقر
يكفيك لو كان الفؤاد له نوع ... اعتبار إذا مرت به الغير
стр. 854
من ليس يغنيه منا وادياً ذهب ... يهلع ويجمع ولا يشبع ويدخر
مستقبلاً فيه آفات معجلة ... وفي المال لصافي الماء جا كدر
شغلاً عن الله مع حب لمبغضة ... ورب هول غدا والنار تستعر
والفقر كم من سعادات يحوز بها ... بفوز حلب لها بالسبق تبتدر
مع الفراغ لطاعات مقربة ... ممن هو الملك الوهاب مقتدر
ولذة وحلاوات معجلة ... والأنس بالله فيه القوم قد سرروا
والطيب قد فاح، إذ لاح الجمال لهم ... والراح يسقون من كأس بها سكروا
فعربدوا ثم باحوا بالهوى علناً ... لما قوي الحب ما في كتمه صبروا
ساحوا وباحوا وصاحوا صار مدحتهم ... خلع العذار، لحى العذال أو غدروا
يا سعد عبد غني القلب ذي أرب ... راض بمقدور مولى ما به ضجر
من فتية زارعي الخيرات أرضهم ... نقوا من الغيث والأشجار إذ بذروا
إن قيل بأفضل من لا يحتلي محلاً ... ممدوحة أي فضل فيه يفتخر
قل حب محبوب ونصر هدى ... ليافعي رجا هذين مدخر
مع من أحب يكون المرء يومئذ ... والأجر حق لقوم للهدى نصروا
في كل هذا نصوص الشرع ناطقة ... مع الكتاب حديث صح مشتهر
وما لعبد نزول فوق منزلة ... أولاه مولاه بل يرضى ويأتمر
لا بد في الملك من ترتيب مملكة ... لو لم يكن ما نهى الناهون أو أمروا
فيها أمير وجندي له وبها ... وزير ملك ومخدوم ومحتقر
في الخلق دار بنوه وفق حكمتهم ... وقدروا الأمر فيه حسب ما قدروا
فكيف ترتيب خدام لمملكة ... عن حكمة الحق ما قد قدر القدر
هذا رسول نبي داود، ذا ملك ... وذا ولي وذا راج وذا حذر
وذاك قطب وذا غوث وذا وتد ... وذا بديل إذا ما امتدت به حضروا
وذا عليم وهذا عابد شجر ... وذا تقي وهذا مؤمن برر
سلم له وارض بالمقدور إن له ... حكماً به مودع، سر له خبر
فطاعة الحكيم مع تسليم حكمته ... وظيفة العبد راضيها له خطر
فنسأل الله توفيق القيام بها ... والصرف عن كل وصف ضمنه خطر
ها هي بدت في حكمي فقر معارضه ... من في الحرير الغني بالمال يفتخر
مصونة جا حسن مخدرة ... عن غير كفو فعنه الحسن مستتر
عن أربعين لقد فاقت بأربعة ... من سبعة نيف سبعين مختصر
ختامها حمد ربي والصلاة على ... ختام رسل سراج دونه القمر
стр. 855
يعني أن الأبيات المذكورة هنا أربعة وأربعون مختصرة من قصيدة له مشتملة على سبعة وسبعين بيتاً. توفي الحريري رحمه تعالى الله في السنة المذكورة، وقيل في سنة خمسين بالبصرة في سكة بني حرام، فنسب إليهم من هذه السكة التي سكن بها، وكانت ولادته في سنة ست وأربعين وأربعمائة. والمشان بفتح الميم والشين المعجمة، بعد الألف نون: بليدة فوق البصرة، كثيرة النخل، شديدة الوخم، وكان أصل الحريري منها، ويقال إنه كان له ثمانية عشر ألف نخلة، وكان فاضلاً نبيلاً جليل القدر، له تاريخ لطيف سماه: صدور زمان القبور وقبور زمان الصدور، نقل منه العلماء والأصبهاني في كتاب: نصرة الفترة وعصرة الفترة الذي ذكر فيه أخبار الدولة السلجوقية نقلاً كثيراً وفيها توفي الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد الأصبهاني الدقاق، كان محدثاً أثرياً فقيراً متقللاً
سنة سبع عشرة وخمس مائة
في أولها التقى الخليفة المسترشد بالله ودبيس الأسدي، وكان دبيس قد طغى وتمرد، ووعد عسكره بنهب بغداد، وجرد المسترشد يومئذ سيفه، ووقف على تل، فانهزم جمع دبيس، وقتل خلق منهم، وقتل من جيش الخليفة نحو عشرين رجلاً، وعاد مؤيداً منصوراً وذهب دبيس فعات ونهب وقتل في نواحي البصرة. وفيها توفي ابن الخياط الشاعر المشهور: أبو عبد الله أحمد بن محمد التغلبي الدمشقي الكاتب، كتب أولاً لبعض الأمراء، ثم مدح الملوك والكبار، وبلغ في النظم الذروة العليا، أخذ عن أبي فتيان بن الجيوش، وعنه أخذ ابن القيرواني، قال السلفي: كان شاعر الشام في زمانه. وفيها توفي الحافظ الكبير أبو نعيم عبد الله بن أبي علي الحداد، مؤلف أطراف الصحيحين، كان عجباً في الإحسان إلى الراحلة وإفادتهم مع الزهد والعبادة والفضيلة التامة.
стр. 856
وفيها توفي أبو الغنائم بن المهتدي بالله: محمد بن محمد الهاشمي الخطيب. وفيها توفي الحافظ أبو الحسن محمد بن مرزوق البغدادي ﵀. وفيها توفي أبو صادق مرشد بن يحيى المسندي البصري.
سنة ثمان عشرة وخمس مائة
فيها كسر ابن بهرام - صاحب حلب - الفرنج، ثم نازل منبج فجاءه سهم فقتله، فحمله ابن عمه - صاحب ماردين - إلى ظاهر حلب، وتسلم حلب، وأقام بها نائباً، ورد إلى ماردين، فراحت حلب. وفيها أخذت الفرنج صور بالأمان، وبقيت في أيديهم إلى سنة تسعين وست مائة. وفيها توفي أبو الفضل أحمد بن محمد الدينوري، البغدادي المولد، الشاعر المعروف بابن الخازن، كان فاضلاً فائق الخط، أوحد وقته، اهتم ولده نصر الله الكاتب المشهور بجمع شعره، فجمع منه، وهو حسن السبك، منه قوله: - وقد أضافة الحكيم أبو القاسم الأهوازي يوماً، وزاد في خدمته وإكرامه، وكان في داره بستان وحمام، فأدخله فيهما:
وافيت منزله فلم أر حاجباً ... إلا تلقاني بسن ضاحك
والبشر في وجه الغلام إمارة ... لمقدمات ضياء وجه المالك
ودخلت جنته وزرت حميمه ... فشكرت رضواناً ورأفة مالك
قال ابن خلكان: ثم إني وجدت هذه الأبيات للحكيم أبي القاسم هبة الله بن الحسين الأهوازي الطبيب الأصفهاني، ذكره العماد في الخريدة. وفيها توفي الحسن بن الصباح صاحب الألموت، وزعيم الإسماعيلي، وكان ذاهيبة، ماكراً زندقياً من شاطين الإنس. وفيها توفي أبو الفتح سلطان بن ابراهيم المقدسي الشافعي الفقيه، قال السلفي: كان من أفقه الفقهاء بمصر، تفقه عليه أكثرهم، وقال غيره: أخذ عن أبي نصر المقدسي، وسمع من أبي بكر الخطيب، وسمع من جماعة. وفيها توفي أبو بكر غالب بن عبد الرحمن بن غالب القرماطي الحافظ، كان حافظاً للحديث وطرقه وعالمه، عارفاً برجاله، ذاكراً لمتونه ومعانيه. ذكر بعضهم أنه كرر صحيح البخاري سبعمائة مرة،، كان أديباً شاعراً لغوياً ديناً.
стр. 857
وفيها توفي أبو الفضل أحمد بن محمد الميداني النيسابوري، كان أديباً فاضلاً عارفاً باللغة، واختص بصحبة الإمام أبي الحسن الواحدي، صاحب التفسير، ثم قرأ على غيره، وأتقن في العربية خصوص اللغة وأمثال العرب، وله فيها التصانيف المفيدة، منها: كتاب الأمثال المنسوب إليه، ولم يعمل مثله في بابه، وكتاب: السامي في الأسامي، وهو جيد في بابه، وكان قد سمع الحديث ورواه، وكان ينشد كثيراً:
تنفس صبح الشيب في ليل عارضي ... فقلت: عساه يكتفي بعذاري
فلما فشا عاتبته فأجابني ... أيا هل ترى صبحاً بغير نهار؟
سنة تسع عشرة وخمس مائة
فيها سار الخليفة لمحاربة دبيس، فانخذل دبيس وذل، وطلب العفو، وكان معه طغرل بك ابن السلطان محمد فمرض، ثم سارا إلى خراسان، واستجارا لسنجر، فأجارهما، ثم قبض على دبيس خدمة للخليفة. وفيها توفي أبو عبد الله بن البطائحي المأمون، وزير الديار المصرية للآم، وكان أبوه جاسوساً للمصريين، فمات. روى محمد هذا يتيماً رآه شاباً ظريفاً، فأعجبه فاستخدمه مع الفراشين، ثم تقدم عنده، ثم آل أمره، إلى أن ولي بعده، وفيها توفي أبو البركات بن البخاري البغدادي المعدل هبة الله بن محمد.
سنة عشرين وخمس مائة
يوم الأضحى منها خطب المسترشد بالله، وصعد المنبر ووقف ابنه ولي العهد - الراشد بالله - دونه بيده سيف مشهور، وكان المكبرون خطباء الجوامع، ونزل فنحر بيده بدن، وكان يوماً مشهوداً ما عهد للإسلام مثله منذ دهر. وفيها توفي الإمام الرباني ذو الأسرار والمعرف والمواهب واللطائف: أبو الفتوح أحمد بن محمد الطوسي الغزالي الواعظ - أخو الإمام حجة الإسلام أبي حامد.
стр. 858
شيخ مشهور فصيح مفوة، صاحب قبول تام لبلاغته وحسن إيراده وعذوبة لسانه، وعظ مرة عند السلطان محمود فأعطاه ألف دينار، وكان مليح الوعظ حسن المنظر صاحب كرامات وإشارات، وكان من الفقهاء، غير أنه مال إلى الوعظ والتصوف فغلب عليه، ودرس بالنظامية نيابة عن أخيه أبي حامد، لما ترك التدريس زهادة فيه، اختصر كتاب أخيه المسمى بإحياء علوم الدين، في مجلد واحد، وسماه: لباب الأحياء، وله كتاب آخر سماه: الذخيرة في علم البصيرة، وطاف البلاد، وخدم الصوفية بنفسه، وخدموه، وصحبهم وصحبوه، وكان مائلاً إلى الانقطاع والعزلة. وذكره ابن النجار في تاريخ بغداد فقال: كان قد قرأ القارىء بحضرته: " ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم " - الزمر ٥٣ -، فقال: شرفهم بياء الإضافة إلى نفسه بقوله يا عبادي، ثم أنشد:؟ وهان علي اللوم في جنب حبها وقول الأعادي إنه لخليع
أصم إذا نوديت باسمي وإنني ... إذا قيل لي: يا عبدها، لسميع
وهذا مثل قول بعضهم: لا تدعني إلا بيا عبدي، فإنه أشرف أسمائي، وتوفي بقزوين - رحمه الله تعالى. قلت هكذا أثنى عليه الحافظ ابن النجار وغيره من العلماء والأولياء، ولا التفات إلى
ما أومى إليه الذهبي من بعض الطعن فيه. ومما يحكى من مكاشفاته أنه سأله إنسان عن أخيه محمد، أين هو؟ فقال: في الدم، ثم طلبه السائل فوجده في المسجد، فتعجب من قول أخيه في الدم، وذكر له ذلك فقال: صدق، كنت أفكر في مسألة من مسائل المستحاضة - رحمة الله تعالى عليهما. وفيها توفي أبو بحر الأسدي. سفيان بن العاصي محدث قرطبة. وصاعد بن سيار أبو العلاء الهروي الدهان، قال السمعاني: كان حافظاً متقناً، كتب الكتب الكثيرة، وجمع الأبواب، وعرف الرجال. وأبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد المالكي، قاضي الجماعة بقرطبة ومفتيها. روى عن أبي علي الغساني وأبي مروان بن مروان وخلق، وكان من أوعية العلم، له تصانيف مشهورة، عاش سبعين سنة. وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن بركات السعيدي المصري النحوي اللغوي، روى عن القضاعي وغيره، وسمع البخاري من كريمة بمكة.
стр. 859
وفيها توفي أبو الفتح أحمد بن علي المعروف بابن برهان الفقيه الشافعي، كان متبحراً في الأصول والفروع والمتفق والمختلف، وتفقه على أبي حامد الغزالي وأبي بكر الشاشي وأبي الحسن المعروف بالكيا، وصار ماهراً في فنونه، وصنف كتاب الوجيز في أصول الفقه، وولي التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد دون الشهر، وبرهان بفتح الباء الموحدة وسكون الراء. وفيها توفي الإمام أبو بكر بن الوليد القريشي الفهري الأندلسي، الفقيه المالكي الطرطوشي. بضم الطائين المهملتين بينهما راء ساكنة وبعدهما واو ساكنة ثم شين معجمة منسوباً إلى طرطوشة: مدينة في آخر بلاد المسلمين بالأندلس. صحب أبا الوليد الباجي، وأخد عنه مسائل الخلاف، وسمع منه وأجاز له، وقرأ الفرائض والحساب، وقرأ الأدب على أبي محمد بن حزم، ورحل إلى المشرق سنة ست وسبعين وأربعمائة،. وحج ودخل بغداد والبصرة، وتفقه على أبي بكر محمد الشاشي المعروف بالمستظهري الفقيه الشافعي، وعلى أبي العباس أحمد الجرجاني، وسكن الشام ودرس بها، وكان إماماً عالماً عاملاً زاهداً ورعاً ديناً متواضعاً متقشفاً متقللاً من الدنيا، راضياً منها باليسير، على ما ذكره بعض المؤرخين. وكان يقول: إذا عرض لك أمران: أمر دنيا وأمر أخرى، فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدنيا والأخرى، وكان كثيراً ما ينشد:
إن لله عباداً فطنا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
فكروافيها فلماعلموا ... أنها ليست لحي وطنا
جعلوها لجة واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا
قلت: هكذا قال بعضهم: فكروا فيها، وقال بعضهم: نظروا فيها، والكل معناه واحد، فإن المراد: ينظروا نظرة القلب، وله من التصانيف: سراج الملوك، وغيره وله طريقة في الخلاف، ونسب إليه أشعار من ذلك:
إذا كنت في حاجة مرسلاً ... وأنت بإنجازها معزم
فأرسل بأكمه خلانه ... به صمم أعطش أبكم
ودع عنك كل رسول سوى ... رسول يقال له الدرهم
وحكي أنه اجتمع بالإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي في بلاد الشام، وقصد
стр. 860
مناظرته، فقال له أبو حامد: هذا شيء تركناه بصبية بالعراق، يعني: ترك المغالبة بالعلم والمفاخرة فيه لصبية - جميع صبي - كأنه شبه من يطلب هذا بالصبيان لغلبة الهوى عليهم، نسأل الله التوفيق لصالح الأعمال وحسن الخاتمة عند منتهى الآجال.
؟ سنة إحدى وعشرين وخمس مائة
فيها أقبل السلطان محمود بن محمد ابن ملك شاه في جيشه محارباً للمسترشد بالله، فتحول أهل بغداد كلهم إلى الجانب الغربي، ونزل محمود والعسكر بالجانب الشرقي، وتراموا بالنشاب، وترددت الرسل في الصلح، فلم يفعل الخليفة، فنهبت دار الخلافة، فغضب الخليفة، وخرج من المخيم. والوزير ابن صدقة بين يديه - فقدموا السفن في دفعة واحدة، وعبر عسكر الخليفة، وألبسوا الملاحين السلاح، وسبح العيارون وصاح المسترشد: يا لبني هاشم، فتحركت النفوس معه، هذا وعسكر السلطان مشغولون بالنهب، فلما رأوا الجد ولوا الأدبار، وعمل فيهم السيف، وأسر منهم خلق، وقتل جماعة أمراء، ودخل الخليفة إلى داره، وكان معه يومئذ قريب من ثلاثين ألف مقاتل، ثم وقع الصلح. وفيها ورد الخبر بأن سنجر صاحب خراسان قتل من الباطنية اثني عثر ألفاً، ومرض السلطان محمود، وتعلل بعد الصلح، فرحل إلى همدان، وولي بغداد الأمير عماد الدين زنكي، ثم صرف بعد أشهر، وفوض إليه الموصل، وسار إليها لموت متوليها. وفي السنة المذكورة توفي أبو السعادات أحمد بن أحمد بن عبد الواحد الهاشمي العباسي المتوكلي، شريف صالح خير. روى عن الخطيب وغيره، وعاش ثمانين سنة. ختم التراويح ليلة سبع وعشرين، ورجع إلى منزله فسقط من السطح فمات رحمه الله تعالى. وفيها توفي أبو الحسن بن الدينوري علي بن عبد الواحد، روى عن القزويني وأبي محمد الخلال، وهو أقدم شيخ لابن الجوزي، وأبو العز القلانسي محمد بن الحسين بن بندار الواسطي مقرىء العراق وصاحب التصانيف في القراءات. وفيهما توفي عبد الله بن محمد المعروف بابن السيد البطليوسي النحوي، كان عالماً بالآداب واللغات، متبحراً فيهما ومقدماً في معرفتهما وإتقانهما، وكان الناس يجتمعون إليه ويقرؤون عليه، ويقتبسون منه، وكان حسن التعليم جيد التفهيم، ثقة ضابطاً، ألف كتباً نافعة، منها كتاب المثلث فى مجلدين، أتى فيه بالعجائب، ودل على اطلاع عظيم، فإن
стр. 861
مثلث قطرب في كراسة واحدة، قالوا: ومع هذا استعمل فيه الضرورة وما لا يجوز، وغلط في بعض ذلك، وله كتاب: الاقتضاب في شرح أدب الكتا، وشرح سقط الزند لأبي العلاء المعري شرحاً استوفى فيه المقاصد، وهو أجود من شرح أبي العلاء، وله كتاب الخلل في شرح أبيات الجمل والخلل في أغاليط الجمل أيضا وكتاب شرح الموطأ، قيل وشرح ديوان المتنبي وكتباً أخرى، وله نظم حسن، فمن ذلك قوله:
أخو العلم حي خالد بعد موته ... وأوصاله تحت التراب رميم
وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى ... يظن من الأحياء وهو عديم
سنة اثنتين وعشرين وخمس مائة
في أولها تملك حلب عماد الدين زنكي. وفيها سار السلطان محمود إلى خدمة عمه سنجر، فانطلق له دبيس بن صدقة وقال: اعزل زنكي عن الموصل والشام، وأولي دبيساً، واسأل الخليفة أن يصفح عنه، فأخذه ورجع. وفيها توفي الحافظ أبو محمد عبد الله بن أحمد الأشبيلي، كان حافظاً للحديث وعلله، عارفاً برجاله وبالجرح والتعديل، ثقة، كتب الكثير، واختص بأبي علي الغساني، وله تصانيف في الرجال. وابن صدقة الوزير أبو علي الحسن وزير المسترشد، كان ذا حزم وعقل ودهاء ورأي وأدب وفضل.
سنة ثلاث وعشرين وخمس مائة
فيها أصلح زنكي نفسه بأن يحمل للسلطان في السنة مائة ألف دينار وخيلاً وثياباً وافرة. وفي رمضان منها هجم دبيس على نواحي بغداد وعلى الحلة، وبعث الى المسترشد يقول: إن رضيت عني رددت أضعاف ما ذهب به من الأموال، فقصده عسكر محمود، فدخل البرية بعد أن أخذ من العراق نحو خمس مائة ألف دينار.
стр. 862
وفيها أخد زنكي حماة، ثم نازل حمص وأسر صاحبها، وأخذه معه لما لم يقدرعلى أخذها، ورد إلى الموصل. وفيها قتل بدمشق نحو ستة آلاف ممن كان يرمى بعقيدة الإسماعيلي، وكان قد دخل الشام بهرام الأستراباذي، وأضل خلقاً كثيراً، وأقام داعياً بدمشق، فكثر أتباعه، وملك عدة حصون بالشام، ثم راسل الفرنج ليسلم إليهم دمشق - فيما قيل - ويعوضوه بصور، وقرر، الباطنية بدمشق أن يغلقوا أبواب الجامع - والناس في الصلاة - ووعد الفرنج أن يهجموا البلد حينئذ، فقتله بوري بن طغتكين - بالطاء المهملة والغين المعجمة والكاف بين المثناة من فوق ومن تحت ثم النون - وعلق رأسه على القلعة، ووضع السيف في الباطنية الإسماعيلية بدمشق في نصف رمضان يوم الجمعة، وسلم بهرام بانياس للفرنج، وجاءت الفرنج فنازلت دمشق، ثم تناجى عسكر دمشق والعرب والتركمان، فبيتوا للفرنج، فقتلوا وأسروا. وفيها توفي أبو الحسن عبد الله بن محمد ابن الإمام أبي بكر البيهقي. سمع الكتب من جده ومن الصابوني وجماعة. وفيها توفي أبو الفضل جعفر بن عبد الواحد الثقفي الأصفهاني الرئيس. وفيها توفي الفقيه العلامة أحد الأئمة الكبار يوسف بن عبد العزيز، نزيل الإسكندرية، أحكم الأصول والفروع، وروى الصحيحين، وله التعليقة الكبرى في الخلاف.
سنة اربع وعثسرين وخمس مائة
فيها التقى زنكي الفرنج بناحية حلب، وثبت الجمعان، ثم ولت الفرنج، فوضع السيف فيهم، وافتتح زنكي حصن الأثارب، فنازل حصن كادم. وفيها أخذ السلطان محمود قلعة الألموت.
стр. 863
وفيها ظهرت ببغداد عقارب طيارة قتلت جماعة أطفال. وفيها توفي أبو إسحاق ابراهيم بن يحيى الكلبي الغزي المشهور، شاعر محسن، ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق، وسمع من الشيخ نصر المقدسي سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، رحل إلى بغداد وأقام بالمدرسة النظامية عدة سنين، ومدح ورثى غيرواحد من المدرسين بها وغيرهم، ثم رحل إلى خراسان وامتدح بها جماعة من رؤسائها، وانتشر شعره هناك، وذكر له عدة مقاطع من الشعر، وأثنى عليه. انتهى كلام الحافظ. قال ابن خلكان: وله ديوان شعر اختاره بنفسه، وذكر في خطبته أنه ألف بيت، وذكره العماد الكاتب في الخريدة، وأثنى عليه، وقال: إنه جاب البلاد وتغرب، وتغلغل في أقطار خراسان وكرمان، ومدح وزير كرمان مكرم بن العلاء في قصيدته البائية التي أبدع فيها. منها قوله:
حملنا من الأيام ما لا نطيقه ... كما حمل العظم الكثير العصائبا
ومنها في قصر الليل. وهي معنى لطيف:
وليل رجونا أن يدب عذاره ... فما اختط حتى صار بالفجر شائبا
ومن شعره قوله:
قالوا هجرت السفر، قلت: ضرورة ... وباب الدواعي والبواعث مغلق
خلت الديار فلا كريم يرتجى ... منه النوال ولا مليح بعشق
ومما يستملحه الأدباء ويستظرفونه قوله:
إشارة منك كفينا وأحسنها ... رد السلام غداة البين بالعنم
أم ترانا وقد ضمت يد ليد ... عند العناق وقد لاقى فم لفم
حتى إذا طرح عنها المرط من دهش ... فانحل بالضم سلك العقد في النظم
تبسمت فأضاءالليل فالتقطت ... حباب منتشرفي ضوء منتظم
стр. 864
قيل: والبيت الأخير منها ينظر إلى قول الشريف الرضي من جملة قصيدته:
وبات بارق ذاك الثغر يوضح لي ... مواقع اللثم في داج من الظلم
وولد الغزي المذكور بغزة، وبها قبر هاشم جد النبي ﷺ وتوفي بين مرو وبلخ من بلاد خراسان، ودفن ببلخ. وأما كون هاشم قبره بغزة فذكر عبد الملك بن هشام أن أول من سن الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء والصيف: هاشم بن عبد مناف جد النبي ﵌ ثم هلك هاشم بغزة من أرض الشام تاجراً، فقال مطرود بن كعب الخزاعي يبكيه:
وهاشم في ضريح وسط بلقعة ... تسقى الرياح عليه بين غزات
قال أهل العلم باللغة: إنما قال غزات: وهي غزة واحدة كأنه سمى كل ناحية منها باسم البلدة، وجمعها على غزات، فصارت من ذلك الوقت تعرف بغزة هاشم لأن قبره بها، لكنه غير طاهر لا يعرف، وإلى ذلك أشار أبو نواس الشاعر المشهور لما توجه إلى مصر ليمدح ابن عبد الحميد صاحب ديوان الخراج، ذكر المنازل في طريقه فقال:
طوالب بالركبان غزة هاشم ... وبالفرما من حاجهن شقور
والفرما بفتح الفاء والراء المدينة العظمى التي كانت كرسي الديار المصرية في زمن ابراهيم الخليل ﷺ ومن بعض قراها: هاجر أم اسماعيل ﷺ من قرية تسمى أم العرب، ومن الاتفاق الغريب أن اسماعيل أبو العرب، وأمه من أم العرب، والشقور بضم الشين المعجمة والقاف: بمعنى الأمور المهمة اللاصقة بالقلب. وفيها توفي الاخشيد اسماعيل بن الفضل الأصبهاني. وابن الغزال أبو محمد عبد الله بن محمد المصري المجاور، شيخ صالح مقرىء. وفيها توفيت أم ابراهيم فاطمة بنت عبد الله بن أحمد الأصبهانية - رحمها الله -. وفيها توفي الفقيه الحافظ الظاهري نزيل بغداد أبو عامر العبدري محمد بن سعدون. قال ابن عساكر: كان فقيهاً على مذهب داود، وكان أحفظ شيخ لقيته، قال القاضي أبو بكر ابن العربي: هو أثبت من لقيته، وقال ابن ناصر: كان فهماً عالماً متعففاً مع فقر، وقال السلفي: كان من أعيان علماء الإسلام، متصرفاً في فنون كثيرة، وقال ابن عساكر: بلغني أنه قال: أهل البدع يحتجون بقوله تعالى " ليس كمثله شيء " - الشورى ١١ -، أي في الإلهية لا
стр. 865
في الصورة، لم يحتج بقوله تعالى " لستن كأحد من النساء أن اتقيتن " - الأحزاب ٣٢ -، أي في الحرمة. وفيها توفي محمد بن عبد الله بن تومرت - بضم المثناة من فوق وفتح الميم وسكون الراء والمثناة في آخره المصمودي البربري الهرغي، بفتح الهاء وسكون الراء بعدها غين معجمة، نسبة إلى هرغة: وهي قبيلة كبيرة من المصامدة في جبل السوس في أقصى المغرب، ينتسب إلى الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنهما - الملقب بالمهدي، رحل إلى المشرق، ولقي الإمام أبا حامد الغزالي وطائفة، وحصل فنوناً من العلم والأصول والكلام والحديث، وحج وأقام بمكة مدة مديدة، وكان رجلاً ورعاً ساكناً ناسكاً زاهداً متقشفاً، شجاعاً جلداً عاقلاً، عميق الفكر بعيد الغور، فصيحاً، مهيباً لذاته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد صاحب دعوة عبد المؤمن بن علي بالمغرب، نشأ هناك ثم رحل إلى المشرق في شيعته طالباً للعلم، فانتهى إلى العراق، وكان كثيراً ظرافاً بساماً في وجوه الناس، مقبلاً على العبادة، لا يصحبه من متاع الدنيا إلا عصا وركو، وكان متحملاً للأذى من الناس، وناله بمكة شيء من المكروه، فخرج منها إلى مصر، وبالغ في الإنكار، فزادوا في أذاه، وطردته الدولة - وكان إذا خاف من البطش وإيقاع الفعل به خلط في كلامه فينسب إلى الجنون - فخرج من مصر إلى الاسكندرية، وركب البحر متوجهاً إلى بلاده، وكان قد رأى في منامه وهو في بلاد الشرق كأنه شرب ماء البحر جميعه كرتين، فلما ركب في السفينة شرع في تغيير المنكر جميعه على أهل السفينة، وألزمهم إقامة الصلاة وقراءة الأحزاب من القرآن، ولم يزل على ذلك حتى انتهى إلى المهدية - إحدى مدن إفريقية - وكان ملكها يومئذ الأمير يحيى بن تميم بن المعز الصبهاجي، وذلك في سنة خمس وخمس مائة على ما ذكر في تاريخ القيروان. وذكر غيره أنه اجتاز في رجوعه من العراق بإفريقية أيام ولاية الأمير تميم والد يحيى المذكور والله أعلم بالصواب. ولما وصل إلى المهدية نزل في مسجد مغلق وهو على الطريق، وجلس في طاق شارع إلى المحجة ينظر إلى المارة، فلا يرى منكراً من عادة الملاهي أو أواني الخمور، إلا نزل إليها وكسرها، وتسامع الناس به في البلاد، فجأووا إليه، وقرؤوا عليه كتباً من أصول الدين، وبلغ خبره الأمير، فاستدعاه مع جماعة من الفقهاء.
فلما رأى سمته، وسمع كلامه أكرمه، وأجله وسأله الدعاء، فقال له: أصلحك الله
стр. 866
تعالى لرعيتك، ولم يقم بعد ذلك في المهدية إلا أياماً يسيرة، ثم انتقل إلى بجاي، وأقام بها مدة وهو على حاله في الإنكار، فأخرج منها إلى بعض قراها، واسمها ملال، فوجد بها عبد المؤمن بن علي القيسي. وذكروا في بعض تواريخ المغرب عن سيرة ملوكه أن محمد بن تومرت كان قد اطلع من علوم أهل البيت على كتاب يسمى الجف: بفتح الجيم وسكون الفاء وفي آخره راء - وسيأتي إيضاح الجفر المذكور إن شاء الله تعالى في سنة ثمان وخمسين - وانه رأى فيه صفة رجل يظهر بالمغرب الأقصى بمكان يسمى السوس من ذرية الرسول ﷺ يدعو إلى الله ، يكون مقامه ومدفنه بموضع من المغرب يسمى بترمذ - وسيأتي ضبط حروفه بعد إن شاء الله تعالى - ورأى فيه أيضاً أن استقامة ذلك الأمر واستيلاءه وتمكنه يكون على يد رجل من أصحابه، هجاء اسمه ع ب د م وم ن، وتجاوز وقته المائة الخامسة للهجرة، فأوقع الله في نفسه أنه القائم بأول الأمر، وأن أوانه قد أزف، فما كان يمر بموضع إلا سأل عنه، ولا يرى أحداً إلا أخذ اسمه وتفقد حليته - وكانت حلية عبد المؤمن معه - فبينا هو في الطريق، إذ رأى شاباً قد بلغ أشده على الصفة التي منه، فقال له وقد تجاوزه: ما اسمك يا شاب؟ فقال: عبد المؤمن، فرجع إليه وقال: الله أكبر، أنت بغيتي، فنظر في حليته، فوافقت ما عنده، فقال له: ممن أنت؟ فقال: من كومية - بضم الكاف وسكون الواو وكسر الميم وفتح المثناة من تحت - قبيلة، فقال: أين مقصدك؟ فقال: الشرق، فقال: ما تبغي من الشرق؟ قال: أطلب علماً، قال: فقد وجدت علماً وشرفاً وذكراً، اصحبني تنله، فوافقه على ذلك، فألقى محمد إليه أمره، وأودعه سره. وكان محمد قد صحب رجلاً يسمى عبد الله الونشريشي بالنون بعد الواو ثم الشين المعجمة مكررة قبل الراء والمثناة من تحت وبعدهما - ففاوضه فيما عزم عليه من القيام فوافقه على ذلك أتم الموافقة. وكان الونشريشي ممن تهذب وقرأ فقهاً، وكان جميلاً فصيحاً في لغة العرب وأهل المغوب، فتحدثاً يوماً في كيفية الوصول إلى الأمر المطلوب، فقال محمد لعبد الله: أترى أن تستر ما أنت عليه من العلم والفصاحة عن الناس، وتظهر من العجز واللكن والحصر والتعري عن الفضائل ما تشتهر به عند الناس، ليتخذ الخروج واكتساب العلم دفعة واحدة، ليقوم لك ذلك مقام المعجزة عند حاجتنا إليه، فتصدق فيما تقوله. ففعل عبد الله ذلك.
стр. 867
ثم ان محمداً استدعى أشخاصاً من أهل المغرب أجلاداً في القوى الجسمانية أغماراً، وكان أميل إلى الأغمار من أولي الفطن والاستبصار، فاجتمع له منهم ستة سوى الونشريشي، ثم إنه رحل إلى أقصى المغرب، واجتمع بعبد المؤمن بعد ذلك، وتوجهوا جميعاً إلى مراكش - وسلطانها يومئذ علي بن يوسف بن سفيان وكان ملكاً عظيماً حليماً ورعاً عادلاً متواضعاً، وكان بحضرته رجل يقال له ملك بن وهيب الأندلسي - وكان عالماً صالحاً، وشرع محمد في الإنكار على جاري عادته، حتى أنكر على ابنه الملك - وله في ذلك قصة يطول شرحها فبلغ خبره الملك، وأنه يحدث في تغير الدولة فتحدث ملك بن وهيب في أمره وقال: تخاف من فتح باب يعسر علينا سده، والرأي أن تحضر هذا الشخص وأصحابه ليسمع كلامهم بحضور جماعة من علماء البلد، أجاب الملك، إلى ذلك - وكان محمد وأصحابه مقيمين في مسجد خراب خارج البلد - وطلبوهم، فلما ضمهم المجلس قال الملك لعلماء بلده: سلوا هذا الرجل ما يبغي منا، فانتدب له قاضي المرورية واسمه محمد بن اسود - فقال: ما هذا الذي يذكر عنك من الأقوال في حق الملك العادل الحليم المنقاد إلى الحق، المؤثر طاعة الله على هواه؟ فقال محمد: أما ما نقل عني فقد قلته، ولي من ورائه أقوال، وأما قولك إنه يؤثر طاعة الله على هواه، وينقاد إلى الحق فقد ظهر صحة اعتبار هذا القول عنه، لتعلم، بتعريته عن هذه الصفة أنه مغرور بما يقولون له، وتطرونه به مع علمكم أن الحجة عليه متوجهة - فهل بلغك يا قاضي أن الخمر تباع جهاراً، وأن الخنازير تمشي بين المسلمين، وتؤخذ أموال اليتامى؟ - وعد من ذلك شيئاً كثيراً. فلما سمع الملك كلامه ذزفت عيناه، وأطرق حياء، ففهم الحاضرون من فحوى كلامه أنه طامع في المملكة لنفسه. ولما رأوا سكوت الملك وانخداعه، لم يتكلم أحد منهم، فقال ملك بن وهيب - وكان
كثير الاجتراء على الملك: - أيها الملك؛ إن عندي لنصيحة، إن قبلتها حمدت عاقبتها، وإن تركتها لم تأمن غائلتها، فقال الملك: ما هي؟ قال: إني خائف عليك من هذا الرجل، وأرى أنك تعتقله وأصحابه، وتنفق عليهم كل يوم ديناراً لتكفي شره، وإن لم تفعل ذلك لينفق عليك خزائنك كلها، ثم لا ينفعك ذلك. فوافقه الملك، فقال وزيره: يقبح بك أن تبكي من موعظة هذا الرجل، ثم تسيء إليه في مجلس واحد، وأن يظهر منك الخوف منه - مع عظم ملكك - وهو رجل فقير لا يملك سد جوعه!!، فلما سمع الملك كلامه أخذته عزة النفس، واستهون أمره، وصرفه، وسأله الدعاء. وحكى صاحب كتاب المغرب أنه لما خرج من عند الملك لم يزل وجهه تلقاء وجهه إلى أن فارقه، فقيل له: نراك تأدبت مع الملك؟! فقال: أردت أن لا يفارق وجهي الباطل ما استطعت حتى أغيره. فلما خرج محمد وأصحابه من عند الملك قال لهم: لا مقام لنا مع وجود ملك بن وهيب، فما نأمن أن يغادر الملك في أمرنا، فينا لنا منه مكروه، وإن لنا بمدينة أغمات أخاً في الله، فنقصد المرور به، فلم نعدم منه رأياً وإيماء صالحاً واسم هذا الشخص عبد الحق بن ابراهيم من فقهاء المصامدة - فخرجوا إليه ونزلوا عليه، وأخبره محمد خبرهم، وأطلعه على مقصدهم، وما جرى لهم عند الملك، فقال عبد الحق: هذا الموضع لا يحميكم، وإن أحصن هذه المواضع المجاورة لهذا البلد تينمل بكسر المثناة من فوق وسكون المثناة من تحت وبعدها نون ثم ميم مفتوحة ولام مشددة - في المكان الفلاني، وبيننا وبين ذلك مسافة يوم في هذا الجبل، فانقطعوا فيه برهة ريثما ينسى ذكركم. فلما سمع محمد بهذا الاسم تجدد له ذكر اسم الموضع الذي رآه في كتاب الجفر، فقصده مع أصحابه، فلما أتوه رآهم أهله على تلك الصورة، فعلموا أنهم طلاب العلم، فقاموا إليهم، وأكرموهم، وتلقوهم بالترحاب، وأكرموهم في أكرم منازلهم. وسأل الملك عنهم بعد خروجهم من مجلسه، فقيل له: إنهم سافروا، فسره ذلك وقال: تخلصنا من الإثم بحسبهم. ثم إن أهل الجبل تسامعوا بوصول محمد إليهم - وكان قد سار فيهم ذكره فجاؤوه - من كل فج عميق، وتبركوا بزيارته، وكان كل من أتاه استدناه، وعرض عليه ما في نفسه من الخروج على الملك، فإن أجابه أضافه إلى خواصه، وإن خالقه أعرض عنه، وكان يستميل الأحداث وذوي الغباوة، وكان ذو الحلم والعقل من أهاليهم يهنونهم ويحذرونهم من إتباعه، ويخوفونهم من سطوة الملك، فكان لا يتم له مع ذلك حال. وطالت المدة، وخاف محمد من مفاجأة الأجل قبل بلوغ الأمل، وخشي أن يطرأ علىير الاجتراء على الملك: - أيها الملك؛ إن عندي لنصيحة، إن قبلتها حمدت عاقبتها، وإن تركتها لم تأمن غائلتها، فقال الملك: ما هي؟ قال: إني خائف عليك من هذا الرجل، وأرى أنك تعتقله وأصحابه، وتنفق عليهم كل يوم ديناراً لتكفي شره، وإن لم تفعل ذلك لينفق عليك خزائنك كلها، ثم لا ينفعك ذلك. فوافقه الملك، فقال وزيره: يقبح بك أن تبكي من
стр. 868
موعظة هذا الرجل، ثم تسيء إليه في مجلس واحد، وأن يظهر منك الخوف منه - مع عظم ملكك - وهو رجل فقير لا يملك سد جوعه!!، فلما سمع الملك كلامه أخذته عزة النفس، واستهون أمره، وصرفه، وسأله الدعاء. وحكى صاحب كتاب المغرب أنه لما خرج من عند الملك لم يزل وجهه تلقاء وجهه إلى أن فارقه، فقيل له: نراك تأدبت مع الملك؟! فقال: أردت أن لا يفارق وجهي الباطل ما استطعت حتى أغيره. فلما خرج محمد وأصحابه من عند الملك قال لهم: لا مقام لنا مع وجود ملك بن وهيب، فما نأمن أن يغادر الملك في أمرنا، فينا لنا منه مكروه، وإن لنا بمدينة أغمات أخاً في الله، فنقصد المرور به، فلم نعدم منه رأياً وإيماء صالحاً واسم هذا الشخص عبد الحق بن ابراهيم من فقهاء المصامدة - فخرجوا إليه ونزلوا عليه، وأخبره محمد خبرهم، وأطلعه على مقصدهم، وما جرى لهم عند الملك، فقال عبد الحق: هذا الموضع لا يحميكم، وإن أحصن هذه المواضع المجاورة لهذا البلد تينمل بكسر المثناة من فوق وسكون المثناة من تحت وبعدها نون ثم ميم مفتوحة ولام مشددة - في المكان الفلاني، وبيننا وبين ذلك مسافة يوم في هذا الجبل، فانقطعوا فيه برهة ريثما ينسى ذكركم. فلما سمع محمد بهذا الاسم تجدد له ذكر اسم الموضع الذي رآه في كتاب الجفر، فقصده مع أصحابه، فلما أتوه رآهم أهله على تلك الصورة، فعلموا أنهم طلاب العلم، فقاموا إليهم، وأكرموهم، وتلقوهم بالترحاب، وأكرموهم في أكرم منازلهم. وسأل الملك عنهم بعد خروجهم من مجلسه، فقيل له: إنهم سافروا، فسره ذلك وقال: تخلصنا من الإثم بحسبهم. ثم إن أهل الجبل تسامعوا بوصول محمد إليهم - وكان قد سار فيهم ذكره فجاؤوه - من كل فج عميق، وتبركوا بزيارته، وكان كل من أتاه استدناه، وعرض عليه ما في نفسه من الخروج على الملك، فإن أجابه أضافه إلى خواصه، وإن خالقه أعرض عنه، وكان يستميل الأحداث وذوي الغباوة، وكان ذو الحلم والعقل من أهاليهم يهنونهم ويحذرونهم من
стр. 869
إتباعه، ويخوفونهم من سطوة الملك، فكان لا يتم له مع ذلك حال. وطالت المدة، وخاف محمد من مفاجأة الأجل قبل بلوغ الأمل، وخشي أن يطرأ على
أهل الجبل من جهة الملك ما يحوجهم إلى تسليمه إليهم والتخلي عنه، فشرع في إعمال الحيلة فيما يشاركونه فيه ليبغضوا على الملك بسببه، فرأى بعض أولاد القوم شقراً زرقاً، وألوان آبائهم السمرة والكحل، فسألهم عن سبب ذلك فلم يجيبوه، فألزمهم الإجابة فقالوا: نحن من رعية هذا الملك، وله علينا خرإج في كل سنة، يصعد مماليكه إلينا، وينزلون في بيوتنا، ويخرجوننا عنها، ويستحلون من فيها من النسوان، فيأتي الأولاد على هذه الصفة، وما لنا قدرة على دفع ذلك عنا. قال محمد: والله إن الموت خير من هذه الحياة، وكيف رضيتم بهذا - وأنتم أضرب خلق الله بالسيف، وأطعنهم بالحربة؟! - فقالوا: بالرغم لا بالرضى. فقال: أرأيتم لو أن ناصراً نصركم على أعدائكم، ما كنتم تصنعون؟ قالوا كنا نقدم أنفسنا بين يديه بالموت، قالوا: ومن هو؟ قال: ضيفكم. يعني: نفسه، فقالوا: السمع والطاعة. وكانوا يغالون في تعظيمه، فأخذ عليهم العهود والمواثيق، واطمأن قلبه. ثم قال لهم: استعدوا لحضور هؤلاء بالسلاح، فإذا جاءكم فأجروهم على عوائدهم، وخلوا بينهم وبين النساء، وميلوا عليهم بالخمور، فإذا سكروا فاذنوني بهم. فلما حضر المماليك، وفعل معهم أهل الجبل ما أشار به - وكان ليلاً - أعلموه بذلك، فأمر بقتلهم بأسرهم، فلم يمض من الليل سوى ساعة حتى أتوا على آخرهم، ولم يفلت منهم سوى مملوك واحد كان خارج المنازل لحاجة، وسمع النكبة عليهم والوقع بهم، فهرب من غير الطريق حتى خلص من الجبل، ولحق بمراكش، وأخبر الملك بما جرى، فندم الملك على فوات محمد من يده، وعلم أن الحزم كان مع ملك بن وهيب بما أشار به، فجهز من وقته خيلاً بمقدار ما يسع ذلك الوادي، فإنه ضيق المسلك، وعلم محمد أنه لا بد من عسكر يخرج إليهم، فأمر أهل الجبل بالقعود على أبواب الوادي، وراصده، واستنجد لهم بعض المجاورين، فلما وصلت الخيل إليهم أقبلت عليهم الحجارة من جانب الوادي مثل المطر - وكان ذلك من أول النهار إلى آخره - وحال بينهم الليل، ورجع العسكر إلى الملك فأخبروه بما نزل بهم، فعلم أنه لا طاقة له بأهل الجبل لتحصنهم، فأعرض عنهم، وتحقق محمد ذلك منه، وصفا له مودة أهل الجبل، فعند ذلك استدعى الونشريشي المذكور وقال له: هذا أوان إظهار فضائلك دفعة واحدة لتقوم المعجزة، لتستميل بك قلوب من لا يدخل في الطاعة. ثم اتفقا على أنه يصلي الصبح، ويقول بلسان فصيح بعد استعمال العجمة واللكنة في
стр. 870
تلك المدة: - إني رأيت البارحة في منامي: وقد نزل ملكان من السماء، وشقا فؤادي، وغلاه وحشياه علماً وحكمة وقرآناً، فلما أصبح قال ذلك - وهو فصل يطول شرحه - فاتفق أنه انقاد له كل صعب القياد، وعجبوا من حاله وحفظه القرآن في النوم، فقال له محمد: فعجل لنا بالبشرى في أنفسنا، وعرفنا: أسعداء نحن أم أشقياء؟ فقال له: أما أنت؛ فإنك المهدي القائم بأمر الله، ومن معك سعد، ومن خالفك هلك، ثم قال: أعرض أصحابك علي حتى أميز أهل الجنة من أهل النار، وعمل في ذلك حيلة قتل بها من خالف أمر محمد، وأبقى من أطاعه - وشرح ذلك يطول - وكان غرضه أن لا يبقى في الجبل مخالف لمحمد. فلما قتل من قتل علم محمد أن في الباقين من له أهل وأقارب قتلوا، وأنهم لا تطيب قلوبهم بذلك، فجمعهم وبشرهم بانتقال ملك مراكش إليهم، واغتنامهم أموالهم، فسرهم ذلك، وسلاهم عن أهلهم. وبالجملة فإن تفصيل هذه الواقعة طويل، وخلاصة الأمر أن محمداً لم يزل حتى جهز جيشاً عدد رجآله عشرة آلاف - ما بين فارس وراجل - وفيهم عبد المؤمن والونشريشي وأصحابه كلهم، وأقام هو بالجبل، فنزل القوم لحصار مراكش، وأقاموا عليها شهراً ثم كسروا كسرة شنيعة، وهرب من سلم من القتل، وكان فيمن سلم عبد المؤمن، وقتل الونثسريشي، وبلغ محمداً الخبر - وهو بالجبل - وحضرته الوفاة قبل عود أصحابه إليه، فأوصى من حضر أن يبلغ ألفائبين أن النصر بهم وألفاقبة حميدة، فلا يضجروا، وليعتادوا القتال، وأن الله سيفتح على أيديهم - والحرب سجال - وإنكم ستقومون ويضعفون، وسيفتح لكم وتكثرون ويقفون، وأنتم في مبدأ أمروهم في آخره - ومثل هذه الوصايا وأشباهها، وهي وصية طويلة. ثم إنه توفي رحمة الله تعالى في السنة المذكورة، ودفن في الجبل، وقبره هناك مشهور يزار. وكانت ولادته يوم عاشوراء سنة خمس وثمانين وأربع مائة، وأول دعأنه إلى هذا الأمر سنة أربع عشرة وخمس مائة، وكان رجلاً ربعة
قصيراً أسمر عظيم آلهامة حاد النظر. قال صاحب كتاب المغرب في أخبار أهل المغرب في حقه: آثاره تنبئك عن أخباره، وحتى كأنك بألفا قدم في الثرى وهذة في الثريا، ونفس ترى إراقة ماء الحياة دون ماء المحيا. وكان قوته - من غزل أخت له - رغيفاً في كل يوم بقليل سمن أو زيت، ولم ينتقل عن هذا حين كثرت عليه الدنيا، ورأى أصحابه يوماً - وقد مالت نفوسهم إلى كثرة ما غنموه - فأمر بضم جميعه، فأحرقه وقال: من كان يبتغي الدنيا فما له عندي إلا ما رأى، ومن يبتغي الآخرة فجزاؤه على الله تعالى، وكان على خمول زيه وبسط وجهه مهيباً، منيع الحجاب إلا عند مظلمة، وله رجل مخص بخدمته والإذن عليه، وكان له شعر ومن ذلك: قصيراً أسمر عظيم آلهامة حاد النظر. قال صاحب كتاب المغرب في أخبار أهل المغرب في حقه: آثاره تنبئك عن أخباره، وحتى كأنك بألفا قدم في الثرى وهذة في الثريا، ونفس ترى إراقة ماء الحياة دون ماء المحيا. وكان قوته - من غزل أخت له - رغيفاً في كل يوم بقليل سمن أو زيت، ولم ينتقل عن
стр. 871
هذا حين كثرت عليه الدنيا، ورأى أصحابه يوماً - وقد مالت نفوسهم إلى كثرة ما غنموه - فأمر بضم جميعه، فأحرقه وقال: من كان يبتغي الدنيا فما له عندي إلا ما رأى، ومن يبتغي الآخرة فجزاؤه على الله تعالى، وكان على خمول زيه وبسط وجهه مهيباً، منيع الحجاب إلا عند مظلمة، وله رجل مخص بخدمته والإذن عليه، وكان له شعر ومن ذلك:
أخذت بأعضادهم إذ نأوا ... وخلفك القوم اذ ودعوا
فكم أنت تنهي ولا تنتهي ... وتسمع وعظاً ولا تسمع
فيا حجر الشجر حتى متى ... تسد الحديد ولا تقطع
وكان كثيراً ما ينشد:
تجرد من الدنيا فإنك إنما ... خرجت إلى الدنيا وأنت مجرد
ولم يفتتح شيئاً من البلاد، وإنما قرر القواعد ومهدها ورتبها، وكانت الفتوحات على يد عبد المؤمن كما سيأتي في ترجمته - أن أول ما أخذ تلمسان ثم فاس ثم سلا ثم سبتة ثم مراكش، واستوثق له الأمر، وامتد ملكه إلى المغرب الأقصى والأدنى وبلاد إفريقية وكثير من بلاد الأندلس. ومما ذكر بعض المؤرخين أنه ادعى الإمامة وأنه معصوم، قال: وكان على طريقة مثلى لا تنكر معه العظمة، وقيل: كان حاذقاً في ضرب إلىمل، وقيل: اتفق لعبد المؤمن أنه كان قد رأى أنه جمل في صحفة مع ابن تاشفين، ثم اختطف الصحفة منه، فقال له المعبر هذه إلىؤيا: لا ينبغي أن تكون ذلك، بل هي لرجل يخرج على ابن تاشفين، ثم يغلب على الأمر. وذكر أنه بعدما انكسرت المصادمة انتصرت مرة أخرى، ثم استنجد أمرهم وأخذوا في شن ألفارات في بلاد ابن تاشفين، وكثر ألفاخلون في دعوتهم. وكان ابن تومرت لم يزل على لون واحد من الزهد والتقلل والعبادة وإقامة السنن والشعائر. قال: غير أنه أفسد بالدعاء - كونه المهدي - وبسرعته في الدعاء، وكان ربما كاشف أصحابه، ووعدهم بأمور فيوافق، وكان طويل الصمت حسن الخشوع والسمت رحمه الله تعالى.
стр. 872
وفيها توفي الآمر بأحكام الله أبو علي منصور بن المستعلي بالله العبيدي - صاحب مصر - كان مشتهراً بالظلم والفسق، امتدت دولته ثلاثين سنة. فلما تمكن وكبر قتل وزيره الأفضل، وأقام في الوزارة الشامون البطائحي، ثم صادره وقتله، ولما خرج إلى الجيزة في وقت كمن له قوم بالسلاح، فلما مر على الجسر نزلوا عليه بالسيوف، ولم يكن له عقب، فبايعوا بعده ابن عمه الحافظ عبد الحميد ابن الأمير محمد بن المستنصر. وفيها توفي أبو محمد بن الأكفاني هبة الله بن أحمد بن محمد الأنصاري الدمشقي الحافظ. وفيها توفيت فاطمة الجوزدانية بالجيم وبعد الواو زاي وذال معجمة وبين الألف وياء النسبة نون أم ابراهيم بنت عبد الله الأصبهانية، سمعت من ابن ريذة معجم الطبراني، وعاشت تسعاً وتسعين سنة.
سنة خمس وعشرين وخمس مائة
وفيها توفي الشيخ الكبير الولي الشهير ألفارف بالله، الخبير ذو الكرامات الكريمات والأحوال العظيمات والمقامات العلية والطريقة السنية أبو عبد الله حماد بن مسلم الدباس، كان أمياً، وفتح عليه بالمعارف والأسرار، وصار قدوة للمشايخ الكبار، وكبرت به الأصاغر، وهو الشيخ الذي خضعت له رقاب الشيوخ الأكابر محيي الدين أبي محمد عبد ألفادر الجيلاني - رضي الله تعالى عنهم، ونفعنا بهم آمين - ولكل واحد من الكرامات ما لا يسعه إلا مجلمات، وقد ذكرت شيئاً من ذلك في غير هذا الكتاب يدهش من سمعه من ذوي القلوب والألفاب، وكانت وفاة الشيخ المذكور ذي المناقب المشهورة في شهر رمضان من السنة المذكورة. وفيها توفي عن ثمان وثمانين سنة الولي الكبير الشهير الإمام النجيب النبيه المعروف بالشيخ محمد بن عبدويه: المشهور بالفضل والورع والاحسان المدفون في بلاد اليمن في جزيرة كمران - بفتح الحروف الثلاثة - تفقه على الشيخ الإمام أبي إسحاق الشيرازي في بغداد بكتابه المهذب ومسائل الخلاف وبكتبه في الأصول والجدل، ودخل اليمن بكتاب المهذب، وهو أول من دخل به اليمن - على ما بلغني - وسكن عدن مدة، ثم انتقل إلى زبيد - وملوكها الحبشة يومئذ - فدخلها مفضل بن أبي البركات بعسكر من العرب، وكان للشيخ
стр. 873
المذكور مال يتجر به، فانتهب مع جملة ما نهب من زبيد، قال الامام المعروف بابن سمرة في تاريخه: وأظن ذلك وقع في الوقعة الأولى سنة تسمع وتسعين وأربعمائة. ثم خرج ابن عبدويه المذكور فسكن في جزيرة كمران، قلت وبها توفي، وأنا ممن زار قبره هنالك. قال ابن سمرة: وكانت أهل التوحيد وأهل الجلالات - يأتون للسلام عليه، ويقبلون رأسه - وهو قاعد - وكان كثير الزهد والورع، متحرياً في المطعم، لا يأكل إلا الأرز من بلاد آلهند، وكان عبيده يسافرون إلى الحبشة وآلهند ومكة وعدن للتجارة، فأخلف الله تعالى عليه أموالاً، فكان ينفق على طلبة العلم منها، وكان ظاهر التقوى مؤألفا للمسلمين من كل أفق. وله تصنيف في أصول الفقه سماه الإرشاد، وكان له ولد عالم بعلم الكلام والأصول مع تنوير في الفقه يسمى عبد الله، تفقه بأبيه، ومات قبله في سنة ثلاث وعشرين وخمس مائة، ودفن في الجزيرة المذكورة، ودفن والده لما توفى إلى جنبه، وقبرهما هنالك بجنب المسجد يزاران، يزورهم الصالحون وغيرهم، ويتبرك بترابهما. قال ابن سمرة: وله ذرية فقراء في هذه الجزيرة إلى اليوم، وهم ذوو مروءة ودين، وذكر أنه حج من عدن في البحر مع الشيخ الكبير الولي الشهير: مدافع بن سعيد التميمي، ومروا بالجزيرة المذكورة في سنة أربع وسبعين وخمس مائة، فكنا نقصد القبرين، ونزورهما واردين وصادرين، ونتبرك بالمسجد والقبرين وآثار الفقيهين وآثار التدريس. وفي المسجد ختمة موقوفة، ذكر بعض ذرية الشيخ محمد أنه بخط جده محمد المذكور، هذا بعض كلام ابن سمرة في ذلك. قلت: وقد زرت المسجد والقبرين، فأدركت بعض ذرية الوليين المذكورين، وأضافوني خبزاً وتمراً وملما، وسمكاً يقال له الشيراز، وكان الشيخ في ذلك الزمان لمكان الشيخ أحمد الأسوم، من أهل الصلاح وممن أشار إليه بالسر والصلاح، وكان الشيخ ابن عبدويه المذكور معظماً عند الناس غزير العلم كريم النفس، ارتحل إليه خلائق من فقهاء اليمن من بلمان شتى لعلمه وجوده وإتقانه وفهمه، وأخذوا عنه العلم، وكتب للشيخ أبي إسحاق المهذب وغيره، والتاريخ قرأه بعضهم عليه في سنة تسع عشرة وخمس مائة، كان قد ابتلي بذهاب البصر، فقال عند ذلك مخاطباً لنفسه - رحمة الله عليه -:
وقالوا قد دها عينيك سوء ... فلو عالجته بالقدح زالا
فقلت إلىب مختبري بهذا ... فإن أصبر أنل منه الجلالا
وإن أجزع حرمت الأجر منه ... وكان حصيصتي منه الوبالا
وإني صابر راض شكور ... ولست مغيراً ما قد أنا لا
стр. 874
صنيع مليكنا حسن جميل ... وليس لصنعه شيء مثالاً
وربي غير متصف بحيف ... تعالى ربنا عن ذا تعالى
ولما توفي ولده المتقدم ذكره رثاه بعض فقهاء اليمن بقصيدة، قال في بعضها:
أمن بعد عبد الله نجل محمد ... يصون دموع العين من كان مسلما
وقد غاض بحر العلم مذ غاب شخصه ... ولكن بحر الوجد من بعده طمى
وفي السنة المذكورة توفي أبو العلاء - ابن عبد الملك الإيادي الإشبيلي طبيب الأندلس صاحب التصانيف، حدث عن أبي الغساني وجماعة، وله شعر رائق ورئاسة كبيرة. وفيها توفي الملقب بعين القضاة أبو المعالي عبد الله بن محمد آلهمداني الفقيه العلامة الأديب، وأحد من يضرب به المثل في الذكاء ألفارع النجيب، دخل فى مذهب التصوف، وأخذ في الكلام والإشارات الدقيقة وما لا يفهمه الخلق من أسرار الحقيقة مما نسب فيه إلى الكفيان فقتل به مصلوباً بهمذان. وفيها توفي السلطان مغيث الدين محمود ابن السلطان محمد بن ملكشاه السلجوقي، وكان قد خطب له ببغداد وغيرها، وله معرفة بالنحو والشعر والتاريخ، وكان شديد الميل إلى أهل العلم والخير - وتوفي بهمذان. وفيها توفي مسند العراق هبة الله بن حصين الشيباني البغدادي. وفيها توفي محمد بن عبد الملك بن زهير الإيادي الأندلسي الإشبيلي، من أهل بيت كلهم وزراء وعلماء ورؤساء وحكماء. قال الحافظ أبو الخطاب ابن دحية في كتابه المسمى المطرب من أشعار أهل المغرب، وكان شيخنا أبو بكر - يعني ابن زهير المذكور بمكان من اللغة مكين، ومورد من الطب معين، كان يحفظ شعر ذي إلىمة وهو ثلث لغة العرب، مع الإشراف على جميع أقوال أهل الطب والمنزلة العلما عند أصحاب المغرب، مع سمو النسب وكثرة الأموال والنشب، صحبته زماناً طويلاً، واستفدت منه أدباً جليلاً، ومن شعر ابن زهير المذكور وقد شاخ وغلب عليه الشيب:
إني نظرت إلى المرآة إذ جليت ... فأنكرت مقلماي كل ما رأنا
رأيت فيها شويخاً لست أعرفه ... وكنت أعهده من قبل ذاك فتى
فقلت: أين الذي بالأمس كان هنا ... متى ترحل عن هذا المكان متى؟
стр. 875
فاسضحكت ثم قالت وهي معجبة ... إن الذي أنكرته مقلماك أتى
كانت سليمى تنادي يا أخي وقد ... صارت سليمى تنادي اليوم يا أبتا
قلت وقد عارضت هذه الأبيات لما أنشدها بعض المغاربة بقصيدة تنيف على ثمانين بيتاً سميتها: الرياض في الوعظ والاتعاظ وفي بيان حدود الأسنان والعراض وهي هذه:
وناعم فاقد ألفا يذكرنا ... نجداً واحداً وسلما والصفا ومنى
ومن بها حل والعيش الذي انصرمت ... واللمالي التي فيها بلوغ منى
وسادة كانت الأيام زاهرة ... بالنور واليمن فيهم زينوا اليمنا
ما بين حلى سقي من غيث رحمته ربي ثرى من بها ثاو ومن عدنا
إن قلت في فضل سادات لنا سلفوا ... فقول حسان في الأسلاف قد حسنا
لكنني في مديحي قد عممت به ... شيوخ الإسلام لم أخصص أحبتنا
من كان في شرق أرض أو بمغربها ... والشام واليمن ألفاوي لمحتدنا
ومدح شيب أتت في الشرع مدحته ... معارضاً من له بالذم أفهمنا
يا من رأى منقبات الشيب منقصه ... لم تدر كم قيل في علماه حدثنا
وكم روى من إمام نور ذاك عدا ... وما به من وقار قد رووه لنا
كذلك الحق يستحيي تبارك من ... ذي شيبة كلها تروي أئمتنا
صغرته إذ شويخاً قلت مع خطأ ... التصغير أيضاً خطا واوبه قرنا
كبره واقصد به تعظيم حرمة من ... بالدين دانوا وزانوا بالحلي الزمنا
قل غيرنا وبه للنفس مدحتها ... فالله يعلم منك السر والعلنا
لما نظرت إلى المرآة قد جليت ... شاهدت في تلك شيخاً قد علاه سنا
فقلت من ذا وعهدي قبل ذاك فتى ... بالزهور يرفل في ثوب الشباب هنا
فقال منها لمان ألفال ذاك مضى ... في ليل جهل قبيل الصبح حين دنا
وذا بدا حين فجر العقل ضاء به ... نور الوقار مع الأحلام قد سكنا
وبين ذين بدت أعلام نور بها ... كهولة زانها وشي وحسن ثنا
وهكذا العمر دولات كفاكهة ... زهو وأرطابها قد أورثت شحنا
وبعد أرطابها تمر فضيلته ... مشهورة فيه قوت للفقير غنى
ففي الثلاثين للشبان منزلة ... فيها ثناها انتهى ما بعد ذاك بنا
في تلك عيش نفوس أخضر وبها ... نعيم دنيا عني قد شابه وضنا
تكدير صفو ومن بعد الحياة فنا ... فالحزن يتلو سروراً والبكاء عنا
منازل الشيخ من خمسين قبل بدت ... من أربعين وفيها الانتهاء فنا
стр. 876
وبعد ذاك رحيل نحو دار بقا ... فيها نعيم وسعد وشقا وعنا
حسب اكتساب لماعات ومعصية ... إليهما ألفابق المقدور قاد لنا
فضلاً وعدلاً، ومن شاء الكريم حبا ... عفواً وخير الذي عصيانه ودنا
منازل الكهل بين المنزلين ثوت ... للصاليحن بها عيش القلوب هنا
إلى نهايات غايات الحياة بها ... رياض فضل لأرباب القلوب مفا
وللجنان جنان الوصل مثمرة ... فكم فواكه فيها للنفوس من حنا
على مدى الدهر قد زادت زكاوتها ... لذاذة عند ذي ذوق وطيب جنا
من فاكهات فعال الصألفات جنوا ... وذو البطالات يجني الشوك مشبهنا
يا مشبهي يافعي في بطالته ... وضيعة العمر قولوا يا مصيبتنا
يا حسرتا بالنحاس الدون جوهرة ... النفيس بعنا، وما الدنيا له ثمنا
بل كل فيد من إنماس الحياة سما ... فضلاً على عيش دنيا معقباً فتنا
يا غبن من باع داراً بالفلوس إذا ... ما مفلس الدين جا بالدين مرتهنا
قد ضيع العمر لا علم ولا عمل ... مسوده أبيض والعظم القوي وهنا
هل بعدما ابيض زرع في منارعه ... إلا حصاد وهل في وقت ذاك ونا
حصد القضا بغتة تأتيه أمنية ... خف النوازل فالمغرور من أمنا
فكم صغير زروع حصد ذاك أتى ... فانهض بعزم وحزم عل ذاك دنا
شمر وعمر بحصن القلب حارسه ... ومن العدو الذي أمسى له وطنا
أين الجهاد وإكثار السهاد إذا ... لذ إلىقاد نفى عن طرفه الوسنا
وأين تأديب نفس في رياضتها ... بالجوع والصمت والسمت الذي حسنا
وبئس مثلي بثوب العجز مشتملاً ... نحو التكاسل قد مهر الجياد ثنا
يلقى علائقه أمست عوائقه ... عن كسب خير وفي القلب الونا وطنا
سلم الذنوب وداء من عيوب هوى ... قد صيرا كل من قد ثبط زمنا
يا بارد القلب يا خالي الفؤاد ومن ... ما هزه ذكر من في حاجز سكنا
ولا نسيم صبا نجد الغرام ولا ... نشر الحزام ولا من في النقا عطنا
ولا خيام لسلمى دون ذي سلم ... ولا العقيق ومن من رامتين دنا
ولا صفا عند جيران الصفا وهوى ... من في خيام زهت من دون خيف منا
من يشرب الحب لم ماء العذيب يذقومن زكا بالهوى ما شم طيب منا
ولا بكى عندما ناح الحمام ولا ... يرتاح إن لاح من برق الحجاز سنا
стр. 877
ولا لنعما ونعمان هواه ولا ... يشتاق في المنزل الأصلي إلىضا وطنا
ولا دنا من خيام في حمى وهوى ... نور الجمال الذي كم عاشق فتنا
مثلي بعيد وكل قد ألم به ... النذير لاه ومن سطواته أمنا
نذير هادم لذات الشبيب فتى ... مفيق لجماعات الصحاب دنا
ومسكت ذا فصاحات به شمت الأ ... عدا وسروا وأحباب بكوا حزنا
وقدموا لرحيل حان مركبه ... مطية إلىاحلين النعش والكفنا
وشيعوه إلى أن جاء منزله ... تحت الجنادل في بيت البلاد فنا
في ضيق للحد ترعى الدود آكلة ... خدين يا طألفا بالحسن قد فتنا
ومقلة حل فيها الحسن سائلة ... وطيب الريح أضحى جيفه نتنا
وبعد ذاك نشور وإلىحيل إلى ... دار الجزا فعذاب أو لماء منا
ما لا يبال ولا عين رأته ولا ... لوصفه جاء ذكر طارق أذنا
هذا مقالي تناهى في العراض وفي ... اعتذاري عن اللوم الملم بنا
ما أحسن الحق والإنصاف حيث هما ... حلا ولو في مساكين هما سكنا
فافهم هديت سوى نهج إلىشاد وكن ... محققاً ومحقاً من ملا فطنا
حسن البلاغة مع حسن استعارتها ... ضاعا مع العي أو من يكتم الحسنا
من ليس يمدح سلمى عندما جليت ... يحكي لمن في الثرى البدر البهي دفنا
يا سامعاً لفظ نظمي لا تظن به ... مدحي لنفسي قبيح إن أقول: أنا
لا تحسبن فيه تخصيصاً لمدحتها ... والله ما طرف قلبي نحو ذاك رنا
لكني عارضت في مدح الشيوخ به ... من ذمهم في مديح والسباب عنى
من لفظه ذاك مفهوم ومعذرتي ... في ذكر نفسي جلي عند من فطنا
ما لي طريق ومرآة بها نظري ... شخصي سوى ما أرى غيري بها كمنا
إلا الذي قلت في روم العراض به ... مثل الذي قال: لاسوء يظن بنا
والله ما أرتضي فيها مطالعتي ... كيلا أرى شين وجه للذنوب جنا
هاك المقال الذي جاء العراض لمن ... قال له ينهى ألفافيات بنا
نظرت يوماً إلى المرآة إذ جليت ... فانكرت مقلماي عندما رأتا
رأيت فيها شويخاً لست أعرفه ... وكنت أعرف فيها قبل ذاك فتى
فقلت اين الذي بالأمس كان هنامتى ترحل عن هذا المحل متى؟
فاستضحكت ثم قالت وهي ما نطقت ... قد كان ذاك وهذا بعد ذاك أتى
هذا بذاك وكل لا دوام له ... أما ترى العود يذوي بعدما نبتا؟
стр. 878
بالواو يروي شويخاً عن مقالته ... صواب ذاك شييخاً حين شاب عتا
بالله أنصف من المداح ذين هدى ... منا ومن مادح الدنيا بما نعتا
ها قد ثنت عن ثمانين العنان وما ... في مهرها من كلال نحو ذاك أتى
على الثمانين قد نافت ثمانية ... تزهو رياض عراض في أوان شتا
ختامها حمد ربي والصلاة على ... ختام رسل به ألفاران كلمتا
والآل والصحب سامي المجد ما نغمت ... حمامتا أيكة خضرا وغردتا
؟؟؟؟؟؟
سنة ست وعشرين وخمس مائة
فيها كانت الوقعة بناحية الدينور بين السلطان سنجر وبين ابني أخيه: سلجوق ومسعود. قال ابن الجوزي: كان مع سنجر مائة وستون ألفا، ومع مسعود ثلاثون ألفا، وبلغت القتلى أربعين ألفا فقتلوا قتلة جاهلية على الملك لا على الدين، وقتل أتابك السلجوقي، وجاء مسعود لما رأى الغلبة إلى بين يدي سنجر، فعفا عنه، وأعاده إلى مكانه، وقرر سلطنة بغداد لطغرل بك - بالماء المهملة والغين المعجمة وإلىاء الموحدة قبل ألفاف - ورد هو إلى خراسان. وفيها التقى المسترشد بالله بزنكي - بالزاي والنون قبل ألفاف - ودبيس، وشهر المسترشد يومئذ السيف، وحمل بنفسه - وكان في الفتن فانهزم دبيس وقتل من عسكرهما خلق. وفيها توفي الملك الأكمل أحمد بن الأفضل أمير الجيوش شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجمالي المصري، سجن بعد قتل أبيه مدة إلى أن قتل الأمير، وأقيم الحافظ، وأخرج الأكمل؟ وولي وزارة السيف والقلم، وكان شهماً عالي آلهمة كأبيه وجده، فحجر على الحافظ، ومنعه من الظهور، وأخذ أكثر ما في القصر، وأهمل ناموس الخلافة العبيدية لأنه سنياً كأبيه، لكنه أظهر التمسك بالإمام المنتظر، وأبطل من الأذان: حي على خير العمل، وغير قواعد القوم، فأبغضه الدعاة والقواد، وعملوا عليه، فيكب للعب الكرة في المحرم فوثبوا عليه، وطعنه مملوك الحافظ بحربة، وأخرجوا الحافظ، ونزل إلى دار الأكمل واستولى على خزائنه.
стр. 879
وفيها توفي أبو المعز محمد بن عبد الله السلمي العكبري، وهو آخر من روى عن القاضي أبي الحسن ألفاوردي. وروى عنه الجوهري والقاضي أبو طيب الطبري وغيرهم. وفيها توفي بوري - بضم الموحدة وكسر إلىاء بين الواو والماء - الملقب بتاج الملوك، صاحب دمشق ابن صاحبها طغتكين مملوك تاج الدولة السلجوقي فنفي عليه ألفاطنية، فخرج وتعلل أشهراً ومات، وولي بعده ابنه شمس الملوك اسماعيل، وكان شجاعاً مجاهداً جواداً كريماً. وفيها توفي الإمام العلامة أبو محمد عبد الله بن أبي جعفر ألفالكي، انتهت إليه رئاسة ألفالكية. روى عن ابن البر وغيره من الكبار، وسمع بمكة صحيح مسلم من أبي عبد الله الطبري. وفيها توفي القاضي أبو الحسن ابن الفياء البغدادي الحنبلي، وكان متفنناً مناظراً عارفاً بالمذهب ودقائقه، أكثر الحط على الأشعرية، قتل ليلة عاشوراء، وأخذ مآله، ثم قتل قاتله.
سنة سبع وعشرين وخمس مائة
فيها قدمت التركمان، فأغاروا على أعمال طرابل، فالتقاهم فينج طرابلس، فهزمهم التركمان. وفيها سار المسترشد بالله في اثني عثر ألفا إلى الموصل، فحاصرها ثمانين يوماً وزنكي بها، ثم ترحل خوفاً على بغداد من دبيس والسلطان مسعود. وفيها توفي مسند العراق أبو غالب بن البناء البغدادي الحنبلي. وفيها توفي أبو العباس أحمد بن سلامة الكرخي. برع في المذهب وغوامضه على الشيخين أبي إسحاق وابن الصباغ، حتى صار يضرب به المثل في الخلاف والمناظرة، ثم علم أولاد الخليفة.
стр. 880
وفيها توفي العلامة أبو الفتح الميهن، وأبو سعيد صاحب التعليقة، تفقه بمرو وغزنة، وشاع فضله، وبعد صيته، وولي نظامية بغداد مرتين، وخرج له عدة تلامذة. وكان يتوقد ذكاء، تفقه على أبي المظفر بن السمعاني وموفق آلهروي، وكان يرجع إلى خوف ودين. وفيها توفي ابن الزاغوني أبو الحسن بن عبيد الله البغدادي شيخ الحنابلة. روى الحديث وقرأ القراءات، وبرع في المذاهب والأصول والوعظ، وصنف التصانيف واشتهر. وفيها توفي رئيس نيسابور وصدرها وقاضيها وعالمها أبو سعيد محمد بن أحمد الصاعدي، وأبو حازم بن الفياء الفقيه الحنبلي محمد ابن القاضي أبي يعلى، برع في المذهب والأصول والخلاف، وبرع أهل زمانه بالزهد والديانة، صنف كتاب التبصرة في الخلاف ورؤوس المسائل وشرح مختصر الجرمي، وغير ذلك.
سنة ثمان وعشرين وخمس مائة
وفيها قدم رسول السلطان سنجر، فأكرم، وأرسل إليه المسترشد بالله خلعة عظيمة، قومت بمائة وعشرين ألف دينار. ثم عرض المسترشد جيشه، فبلغ خمسة عشر ألفا في عدد وزينة لم ير مثلها، وجدد المسترشد قواعد الخلافة، ونشر رسمها، وهابته الملوك. وفيها توفي الشيخ الكبير أبو الوقت أحمد بن علي الشيرازي صاحب إلىباط والأصحاب والمريدين ببغداد، وكان يحضر السماع. وفيها توفي شيخ الشافعية أبو علي ألفارقي الحسن بن ابراهيم، تفقه على محمد بن بيان ألفازروني، ثم ارتحل إلى الشيخ أبي إسحاق، وحفظ عليه المهذب، وتفقه على ابن الصباغ، وحفظ عليه الشامل، وكان ورعاً زاهداً صاحب حق مجوداً لحفظ الكتابين المذكورين، وقد سمع من أبي جعفر بن سلمة وجماعة، وولي قضاء واسط مدة وعليه تفقه القاضي أبو سعيد بن أبي عصرون. وفيها وقيل في التي تليها توفي ابن أبي الصلت أمية بن عبد العزيز ألفاني الأندلسي، كان ماهراً في علوم الأوائل من الطبيعي والرياضي والآلهي، كثير التصانيف بديع النظم،
следующие страницы →