← История

История · id 9091

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

اليافعي

Полный текст (1 334 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وبعد ذاك رحيل نحو دار بقا ... فيها نعيم وسعد وشقا وعنا حسب اكتساب لماعات ومعصية ... إليهما ألفابق المقدور قاد لنا فضلاً وعدلاً، ومن شاء الكريم حبا ... عفواً وخير الذي عصيانه ودنا منازل الكهل بين المنزلين ثوت ... للصاليحن بها عيش القلوب هنا إلى نهايات غايات الحياة بها ... رياض فضل لأرباب القلوب مفا وللجنان جنان الوصل مثمرة ... فكم فواكه فيها للنفوس من حنا على مدى الدهر قد زادت زكاوتها ... لذاذة عند ذي ذوق وطيب جنا من فاكهات فعال الصألفات جنوا ... وذو البطالات يجني الشوك مشبهنا يا مشبهي يافعي في بطالته ... وضيعة العمر قولوا يا مصيبتنا يا حسرتا بالنحاس الدون جوهرة ... النفيس بعنا، وما الدنيا له ثمنا بل كل فيد من إنماس الحياة سما ... فضلاً على عيش دنيا معقباً فتنا يا غبن من باع داراً بالفلوس إذا ... ما مفلس الدين جا بالدين مرتهنا قد ضيع العمر لا علم ولا عمل ... مسوده أبيض والعظم القوي وهنا هل بعدما ابيض زرع في منارعه ... إلا حصاد وهل في وقت ذاك ونا حصد القضا بغتة تأتيه أمنية ... خف النوازل فالمغرور من أمنا فكم صغير زروع حصد ذاك أتى ... فانهض بعزم وحزم عل ذاك دنا شمر وعمر بحصن القلب حارسه ... ومن العدو الذي أمسى له وطنا أين الجهاد وإكثار السهاد إذا ... لذ إلىقاد نفى عن طرفه الوسنا وأين تأديب نفس في رياضتها ... بالجوع والصمت والسمت الذي حسنا وبئس مثلي بثوب العجز مشتملاً ... نحو التكاسل قد مهر الجياد ثنا يلقى علائقه أمست عوائقه ... عن كسب خير وفي القلب الونا وطنا سلم الذنوب وداء من عيوب هوى ... قد صيرا كل من قد ثبط زمنا يا بارد القلب يا خالي الفؤاد ومن ... ما هزه ذكر من في حاجز سكنا ولا نسيم صبا نجد الغرام ولا ... نشر الحزام ولا من في النقا عطنا ولا خيام لسلمى دون ذي سلم ... ولا العقيق ومن من رامتين دنا ولا صفا عند جيران الصفا وهوى ... من في خيام زهت من دون خيف منا من يشرب الحب لم ماء العذيب يذقومن زكا بالهوى ما شم طيب منا ولا بكى عندما ناح الحمام ولا ... يرتاح إن لاح من برق الحجاز سنا

стр. 877

ولا لنعما ونعمان هواه ولا ... يشتاق في المنزل الأصلي إلىضا وطنا ولا دنا من خيام في حمى وهوى ... نور الجمال الذي كم عاشق فتنا مثلي بعيد وكل قد ألم به ... النذير لاه ومن سطواته أمنا نذير هادم لذات الشبيب فتى ... مفيق لجماعات الصحاب دنا ومسكت ذا فصاحات به شمت الأ ... عدا وسروا وأحباب بكوا حزنا وقدموا لرحيل حان مركبه ... مطية إلىاحلين النعش والكفنا وشيعوه إلى أن جاء منزله ... تحت الجنادل في بيت البلاد فنا في ضيق للحد ترعى الدود آكلة ... خدين يا طألفا بالحسن قد فتنا ومقلة حل فيها الحسن سائلة ... وطيب الريح أضحى جيفه نتنا وبعد ذاك نشور وإلىحيل إلى ... دار الجزا فعذاب أو لماء منا ما لا يبال ولا عين رأته ولا ... لوصفه جاء ذكر طارق أذنا هذا مقالي تناهى في العراض وفي ... اعتذاري عن اللوم الملم بنا ما أحسن الحق والإنصاف حيث هما ... حلا ولو في مساكين هما سكنا فافهم هديت سوى نهج إلىشاد وكن ... محققاً ومحقاً من ملا فطنا حسن البلاغة مع حسن استعارتها ... ضاعا مع العي أو من يكتم الحسنا من ليس يمدح سلمى عندما جليت ... يحكي لمن في الثرى البدر البهي دفنا يا سامعاً لفظ نظمي لا تظن به ... مدحي لنفسي قبيح إن أقول: أنا لا تحسبن فيه تخصيصاً لمدحتها ... والله ما طرف قلبي نحو ذاك رنا لكني عارضت في مدح الشيوخ به ... من ذمهم في مديح والسباب عنى من لفظه ذاك مفهوم ومعذرتي ... في ذكر نفسي جلي عند من فطنا ما لي طريق ومرآة بها نظري ... شخصي سوى ما أرى غيري بها كمنا إلا الذي قلت في روم العراض به ... مثل الذي قال: لاسوء يظن بنا والله ما أرتضي فيها مطالعتي ... كيلا أرى شين وجه للذنوب جنا هاك المقال الذي جاء العراض لمن ... قال له ينهى ألفافيات بنا نظرت يوماً إلى المرآة إذ جليت ... فانكرت مقلماي عندما رأتا رأيت فيها شويخاً لست أعرفه ... وكنت أعرف فيها قبل ذاك فتى فقلت اين الذي بالأمس كان هنامتى ترحل عن هذا المحل متى؟ فاستضحكت ثم قالت وهي ما نطقت ... قد كان ذاك وهذا بعد ذاك أتى هذا بذاك وكل لا دوام له ... أما ترى العود يذوي بعدما نبتا؟

стр. 878

بالواو يروي شويخاً عن مقالته ... صواب ذاك شييخاً حين شاب عتا بالله أنصف من المداح ذين هدى ... منا ومن مادح الدنيا بما نعتا ها قد ثنت عن ثمانين العنان وما ... في مهرها من كلال نحو ذاك أتى على الثمانين قد نافت ثمانية ... تزهو رياض عراض في أوان شتا ختامها حمد ربي والصلاة على ... ختام رسل به ألفاران كلمتا والآل والصحب سامي المجد ما نغمت ... حمامتا أيكة خضرا وغردتا ؟؟؟؟؟؟ سنة ست وعشرين وخمس مائة فيها كانت الوقعة بناحية الدينور بين السلطان سنجر وبين ابني أخيه: سلجوق ومسعود. قال ابن الجوزي: كان مع سنجر مائة وستون ألفا، ومع مسعود ثلاثون ألفا، وبلغت القتلى أربعين ألفا فقتلوا قتلة جاهلية على الملك لا على الدين، وقتل أتابك السلجوقي، وجاء مسعود لما رأى الغلبة إلى بين يدي سنجر، فعفا عنه، وأعاده إلى مكانه، وقرر سلطنة بغداد لطغرل بك - بالماء المهملة والغين المعجمة وإلىاء الموحدة قبل ألفاف - ورد هو إلى خراسان. وفيها التقى المسترشد بالله بزنكي - بالزاي والنون قبل ألفاف - ودبيس، وشهر المسترشد يومئذ السيف، وحمل بنفسه - وكان في الفتن فانهزم دبيس وقتل من عسكرهما خلق. وفيها توفي الملك الأكمل أحمد بن الأفضل أمير الجيوش شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجمالي المصري، سجن بعد قتل أبيه مدة إلى أن قتل الأمير، وأقيم الحافظ، وأخرج الأكمل؟ وولي وزارة السيف والقلم، وكان شهماً عالي آلهمة كأبيه وجده، فحجر على الحافظ، ومنعه من الظهور، وأخذ أكثر ما في القصر، وأهمل ناموس الخلافة العبيدية لأنه سنياً كأبيه، لكنه أظهر التمسك بالإمام المنتظر، وأبطل من الأذان: حي على خير العمل، وغير قواعد القوم، فأبغضه الدعاة والقواد، وعملوا عليه، فيكب للعب الكرة في المحرم فوثبوا عليه، وطعنه مملوك الحافظ بحربة، وأخرجوا الحافظ، ونزل إلى دار الأكمل واستولى على خزائنه.

стр. 879

وفيها توفي أبو المعز محمد بن عبد الله السلمي العكبري، وهو آخر من روى عن القاضي أبي الحسن ألفاوردي. وروى عنه الجوهري والقاضي أبو طيب الطبري وغيرهم. وفيها توفي بوري - بضم الموحدة وكسر إلىاء بين الواو والماء - الملقب بتاج الملوك، صاحب دمشق ابن صاحبها طغتكين مملوك تاج الدولة السلجوقي فنفي عليه ألفاطنية، فخرج وتعلل أشهراً ومات، وولي بعده ابنه شمس الملوك اسماعيل، وكان شجاعاً مجاهداً جواداً كريماً. وفيها توفي الإمام العلامة أبو محمد عبد الله بن أبي جعفر ألفالكي، انتهت إليه رئاسة ألفالكية. روى عن ابن البر وغيره من الكبار، وسمع بمكة صحيح مسلم من أبي عبد الله الطبري. وفيها توفي القاضي أبو الحسن ابن الفياء البغدادي الحنبلي، وكان متفنناً مناظراً عارفاً بالمذهب ودقائقه، أكثر الحط على الأشعرية، قتل ليلة عاشوراء، وأخذ مآله، ثم قتل قاتله. سنة سبع وعشرين وخمس مائة فيها قدمت التركمان، فأغاروا على أعمال طرابل، فالتقاهم فينج طرابلس، فهزمهم التركمان. وفيها سار المسترشد بالله في اثني عثر ألفا إلى الموصل، فحاصرها ثمانين يوماً وزنكي بها، ثم ترحل خوفاً على بغداد من دبيس والسلطان مسعود. وفيها توفي مسند العراق أبو غالب بن البناء البغدادي الحنبلي. وفيها توفي أبو العباس أحمد بن سلامة الكرخي. برع في المذهب وغوامضه على الشيخين أبي إسحاق وابن الصباغ، حتى صار يضرب به المثل في الخلاف والمناظرة، ثم علم أولاد الخليفة.

стр. 880

وفيها توفي العلامة أبو الفتح الميهن، وأبو سعيد صاحب التعليقة، تفقه بمرو وغزنة، وشاع فضله، وبعد صيته، وولي نظامية بغداد مرتين، وخرج له عدة تلامذة. وكان يتوقد ذكاء، تفقه على أبي المظفر بن السمعاني وموفق آلهروي، وكان يرجع إلى خوف ودين. وفيها توفي ابن الزاغوني أبو الحسن بن عبيد الله البغدادي شيخ الحنابلة. روى الحديث وقرأ القراءات، وبرع في المذاهب والأصول والوعظ، وصنف التصانيف واشتهر. وفيها توفي رئيس نيسابور وصدرها وقاضيها وعالمها أبو سعيد محمد بن أحمد الصاعدي، وأبو حازم بن الفياء الفقيه الحنبلي محمد ابن القاضي أبي يعلى، برع في المذهب والأصول والخلاف، وبرع أهل زمانه بالزهد والديانة، صنف كتاب التبصرة في الخلاف ورؤوس المسائل وشرح مختصر الجرمي، وغير ذلك. سنة ثمان وعشرين وخمس مائة وفيها قدم رسول السلطان سنجر، فأكرم، وأرسل إليه المسترشد بالله خلعة عظيمة، قومت بمائة وعشرين ألف دينار. ثم عرض المسترشد جيشه، فبلغ خمسة عشر ألفا في عدد وزينة لم ير مثلها، وجدد المسترشد قواعد الخلافة، ونشر رسمها، وهابته الملوك. وفيها توفي الشيخ الكبير أبو الوقت أحمد بن علي الشيرازي صاحب إلىباط والأصحاب والمريدين ببغداد، وكان يحضر السماع. وفيها توفي شيخ الشافعية أبو علي ألفارقي الحسن بن ابراهيم، تفقه على محمد بن بيان ألفازروني، ثم ارتحل إلى الشيخ أبي إسحاق، وحفظ عليه المهذب، وتفقه على ابن الصباغ، وحفظ عليه الشامل، وكان ورعاً زاهداً صاحب حق مجوداً لحفظ الكتابين المذكورين، وقد سمع من أبي جعفر بن سلمة وجماعة، وولي قضاء واسط مدة وعليه تفقه القاضي أبو سعيد بن أبي عصرون. وفيها وقيل في التي تليها توفي ابن أبي الصلت أمية بن عبد العزيز ألفاني الأندلسي، كان ماهراً في علوم الأوائل من الطبيعي والرياضي والآلهي، كثير التصانيف بديع النظم،

стр. 881

رأساً في معرفة علم آلهيئة والنجوم والموسيقى انتقل في البلاد ومات غريباً. ومن تصانيفه كتابه الذي سماه الحديقة، على أسلوب يتيمة الدهر للثعالبي، ورسالة العمل بالاصطرلاب، وكتاب الوجيز في آلهندسة، وكتاب الأدوية المفيدة، وكتاب في المنطق سماه تقويم الدهر، وكتاب سماه الانتصار في إلىد على ابن رضوان في ردة على حنين بن إسحاق في مسائلة. لما صنف الوجيز للأفضل الملقب بشاهنشاه عرضه على شيخه أبي عبد الله الحلبي فلما وقف عليه قال: هذا الكتاب لا ينفع المبتدىء، ويستغنى عنه للمنتهي، وكان فاضلاً في علوم الأدب عارفاً بفن الحكمة، يقال له الأديب الحكيم، وانتقل إلى ثغر الاسكندرية، ومن جملة ما ينسب إليه من النظم: إذا كان أصلي من تراب فكلها ... بلادي وكل العالمين أقاربي ولا بد لي أن أسأل العيس حاجة ... تشق على شم الذرة، والغوارب ومما نسب إليه أيضاً العماد ألفاتب في الخريدة. وقائلة ما بال مثلك خاملاً ... أأنت ضعيف إلىأي أم أنت عاجز؟ فقلت لها ذنبي إلى القوم أنني ... لما لم يجوزوه من المجد حائز وما فاتني شيء سوى الحظ وحده ... وأما المعالي فهي عندي غرائز وله أيضاً: سكنتك يا دار الفناء مصدقاً ... بأني إلى دار البقاء أصير وأعظم ما في الأمر أني صائر ... إلى عادل في الأمر ليس يجور فياليت شعري كيف ألفاه عندها ... وزادي قليل والذنوب كثير؟ فإن أك مجزياً بذنبي فإنني ... بسوء عقاب المذنبين جدير وإن يك عفو منك ربي ورحمة ... فثم نعيم دائم وسرور كانت وفاته بالمهدية من بلاد المغرب، ونزل من صاحبها علي بن يحيى بن تميم بن المعز منزلة جليلة بعد أن كان قد نفاه الأفضل من مصر. انتهى مختصراً. سنة تسع وعشرين وخمس مائة وفيها حشر السلطان محمود، وجميع الجيوش، ونفذ خمسة آلاف فكبسوا مقدمة المسترشد، وأخذوا خيلهم وأمتعتهم، فيد إلى بغدا بأسوأ حال، ثم سار الخليفة إليه

стр. 882

في سبعة آلاف، وكان مسعود بهمذان في بضع عشرة ألفا، فالتقوا في رمضان، فانكسر عسكر الخليفة، وأحيط به وبخواصه، وأخذت خزائنه، وكان معه على البغال أربعة آلاف ألف دينار، ولم يقتل سوى خمسة أنفس، وحصل المسترشد في أسر مسعود، وأقام أهل بغداد يوم العيد عليه سنة ألفاتم، وهاشوا على شحنة مسعود، فاقتتل الأجناد والعوام، وقتل جمع كثير، وأشرفت بغداد على اللهب. ثم أمر الشحنة فنودي أن سلمانكم آت بين يدي الخليفة، وعلى كتفه ألفاشية، فسكنوا. وأما مسعود فسار، ومعه الخليفة معتقلاً إلى مراغة - وبها داود بن محمود - فأرسل سنجر يهدد مسعوداً ويخوفه، ويأمره أن يتلافى الأمر بأن يعيد المسترشد إلى دسته، ويمشي في ركابه، فسارع إلى ذلك، واتفق أن مسعوداً ركب في جيشه، فهجم على سرادق المسترشد سبعة عشر من ألفاطنية، فقتلوه بظاهر مراغة، وجلس السلطان للعزاء، فوقع البكاء والنوح، وجاء الخبر إلى ولده إلىاشد، فبايعوه ببغداد طول الليل، وأقام عليه البغداديون مأتماً ما سمع بمثله قط. وكانت خلافة المسترشد بالله الفضل بن المستظهر بالله أحمد بن المقتدي بالله عبد الله ابن محمد ألفائم آلهاشمي العباسي سبع عشرة سنة ونصفاً. واستخلف بعده ابنه، وسنه إذ ذاك سبع وعشرون سنة، وقيل إن ألفاطنية جهزهم عليه مسعود، قيل: ولم يل الخلافة بعد المعتضد بالله أشهم منه، كان بطلاً شجاعاً مقداماً شديد آلهيبة، ذا رأي ويقظة وهمة عالية. وقد روى عن أبي القاسم بن بيان إلىزاز - بالزاي المكررة قبل الألف وبعدها. وفيها توفي شمس الملوك اسماعيل بن تاج الملوك بوري بن طغتكين - ولي دمشق بعد أبيه، وأخذ من الفرنج عدة حصون، وكان وافي الحرمة موصوفاً بالشجاعة، لكنه كان ظألفا مصادراً جباراً مفسداً، فيتبت أمه زمند خاتون من وثب عليه، فقتله في قلعة دمشق وكانت دولته ثلاث سنين وتولى بعده في الملك أخوه محمود. وفيها قتل حسن ابن الحافظ لدين الله العبيدي المصري الذي ولي وزارة أبيه ثلاثة أعوام، فظلم وغشم، وفتك حتى إنه قتل في ليلة أربعين أميراً، فخافه أبوه، وجهز لحربه جماعة، فالتقاهم، واختبطت مصر، ثم دس عليه أبوه من سقاه السم، فهلك.

стр. 883

وفيها توفي دبيس بن صدقة ملك العرب أبو الأعز، ولد الأمير سيف الدولة الأسدي، كان فارساً شجاعاً مقداماً ممدحاً، خرج على المسترشد بالله، ودخل خراسان والشام والجزيرة، واستولى على كثير من العراق، قتله السلطان مسعود، وأظهر أنه قتله آخذاً بثأر المسترشد، وهو من بيت كبير، وإياه أراد الحريري في المقامة ألفاسعة والثلاثين بقوله: والأسدي دبيس، لأنه كان معاصره، فيام التقرب إليه بذكره في مقاماته، على ما ذكره ابن خلكان. وله نظم حسن منه قوله: ألا قل لبدران الذي حن نازعاً ... إلى أرضه والحر ليس يخيب تمتع بأيام السرور فإنما ... عذار الأماني بآلهموم تشيب ولله في تلك الحوادث حكمة ... وللأرض من كأس الكرام نصيب وفيها توفي الحافظ الأديب الشيخ عبد ألفافي بن اسماعيل بن عبد ألفافي ألفارسي، صاحب تاريخ نيسابور، ومصنف مجمع الغرائب والمفهم في شرح مختصر صحيح مسلم. كان إماماً في الحديث واللغة والأدب والبلاغة. حدث عن جده لأمه الشيخ الإمام أبي القاسم القشيري وطبقته، أجازه أبو محمد الجوهري وآخرون. وفيها توفي قاضي الجماعة محمد بن أحمد التجيبي القرطبي ألفالكي. روى عن أبي علي الغساني وطائفة، وكان من جلة العلماء وكبارهم، مع الدين والخشوع. قتل مظلوماً بجامع قرطبة في صلاة الجمعة - رحمه الله تعالى -. سنة ثلاثين وخمس مائة فيها جاء أمير من جهة السلطان المسعود يطلب من إلىاشد بالله سبعمائة ألف دينار، فاستشار الأعيان، فأشاروا عليه بألفاجيل، فيد على مسعود بقوة نفس، وأخذ يتهيأ، فانزعج أهل بغداد، وعلقوا السلاح، ثم إن إلىاشد قبض على إقبال ألفادم، وأخذت حواصله، فتألم العسكر لذلك، وشغبوا، ووقع اللهب، ثم جاء زنكي، وسأل في إقبال سؤالاً تحته إلزام، فأطلق له. ثم خرج بالعساكر، فجاء عسكر مسعود، فنازلوا بغداد، وقاتلهم الناس، وخامر جماعة أمراء إلى إلىاشد، ثم بعد أيام وصل مسعود يطلب من إلىاشد الصلح، فقرئت مكاتبته على الأمراء، فأبوا إلا القتال، فأقبل مسعود في خمسة آلاف راكب، ودام الحصار، واضطرب عسكر الخليفة، وجرت أمور يطول ذكرها، ثم كاتب مسعود زنكي، وواعده ومناه، فكتب إلى الأمراء إنكم إن قتلتم زنكي أعطيتكم بلاده، فعلم زنكي بذاك، فيحل هو

стр. 884

وإلىاشد عن بغداد، فدخلها مسعود فأظهر العدل، واجتمع إليه الاعيان والعلماء، وحطوا على إلىاشد، وطعنوا فيه. وقيل خوفهم وأرهبهم إن لم يخلعوا إلىاشد، فكتبوا محضراً ذكروا فيه ما يقتضي خلعه، وأحضروا محمد بن المستظهر، فبايعوه، ولقبوه المقتفي لأمر الله. ثم أخذ مسعود جميع ما في دار الخلافة حتى لم يدع فيها سوى أربعة أفياس. وفي السنة المذكورة توفي الحافظ أبو نصر ابراهيم بن الفضل الأصفهاني. وفيها توفي شيخ دمشق ومحدثها النحوي الزاهد علي بن أحمد الغساني. روى عن أبي بكر الخطيب وكثيرين. قال السلفي: لم يكن في وقته مثله في دمشق كان إماماً زاهداً عائذاً ثقة، قال الحافظ ابن عساكر: كان متحرزاً متيقظاً منقطعاً في بيته. وفيها توفي أبو سهل محمد بن ابراهيم الأصبهاني المنكي راوي مسند إلىوياني عن أبي الفضل إلىازي. وفيها توفي الشيخ الكبير أستاذ الصوفية بخراسان ألفارف القدوة الشهير أبو عبد الله محمد بن حمويه الجويني. روى عن موسى بن عمران الانصاري وجماعة، وصنف في التصوف، وكان بعيد الصيت ومسند أصفهان في زمانه. وفيها توفي أبو بكر محمد بن علي الصألفاني. وراويه أبو عبد الله محمد بن الفضل الصاعدي النيسابوري فقيه الحرم ألفارسي. روى عن الكبار، وتفيد بكتب كبار، وصار مسند خراسان، وكان شافعياً مفتياً مناظراً محدثاً واعظاً، صحب إمام الحرمين أبا المعالي الجويني، وعلق عنه الأصول، ونشأ بين الصوفية، وعاش تسعين سنة، وهو المقول فيه: للفياوي ألف راوي. وكان يحمل الطعام إلى المسافرين الواردين عليه، ويخدمهم بنفسه - مع كبر سنه وقدره - وخرج حاجاً إلى مكة، وعقد له مجلس الوعظ ببغداد وسائر البلاد التي توجه إليها، وأظهر العلم بالحرمين، وعاد إلى نيسابور، وقعد للتدريس. وسمع صحيح البخاري من سعيد بن أبي سعد، وصحيح مسلم من عبد ألفافي ألفارسي، وسمع من شيخ أبي إسحاق الشيرازي والحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، والأستاذ أبي القاسم عبد الكريم القشيري وإمام الحرمين، وتفيد برواية عدة كتب للمافظ البيهقي، مثل دلائل النبوة، والأسماء والصفات والبعث والنشور، والدعوات الكبيرة والصغيرة. والفياوي بضم الماء وفتح إلىاء، وهذه النسبة إلى فياوة بليدة مما يلي خوارزم، بناها عبد الله بن طاهر في خلافة الشامون، وهو يومئذ أمير خراسان، وللفياوي فضائل جمة

стр. 885

ذكرت شيئاً منها في كتابي ألفاش المعلم، وممن رواها الإمام الحافظ إلىاوية ألفاهر المعروف بأبي القاسم ابن عساكر. سنة إحدى وثلاثين وخمس مائة فيها دفع زنكي إلىاشد المخلوع عن الموصل، وتسلل الناس عنه، وبقي حائراً، فنفذ مسعود الذي فارس لماخذوه، ففاتهم وجاء إلى مراغة، فبكى عند قبر أبيه، وحثا على رأسه التراب، فيق له أهل مراغة، وقام معه داود السلطان ولد محمود، فالتقى داود ومسعود، فقتل خلق من جيش مسعود، وصادر مسعود إلىعية ببغداد، وعسف. وفيها أخذ زنكي بعلبك. وفيها توفي اسماعيل بن أبي القاسم النيسابوري، كان صوفياً صألفا من أصحاب الأستاذ أبي القاسم القشيري. وفيها أو فيما قبلها توفي مسند هراة في زمانه تميم بن أبي سعيد الجرجاني. وفيها توفي الحافظ أبو جعفر آلهمداني محمد بن الحسن، سمع بخراسان والعراق والحجاز. وفيها أبو عبد الله يحيى بن الحسن بن أحمد بن أحمد بن البناء البغدادي، وكان ذا علم وصلاح. سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة فيها قويت شوكت إلىاشد بالله وكثرت جموعه، فلم يلبث أن قتل. وفيها توفي الحافظ أبو نصر ألفازي محمد بن عمر الأصبهاني، قال ابن السمعاني: ما رأيت في شيوخي كثر رحلة منه، كان ثقة حافظاً. وفيها توفي أبو القاسم أحمد بن محمد بن القرطبي المالكي، أحد الأئمة ﵀. وفيها توفي اسماعيل بن أحمد الفقيه الشافعي النيسابوري. تفقه على إمام الحرمين، وبرع في الفقه، وروى عن جماعة.

стр. 886

وفيها توفي أبو المظفر عبد المنعم ابن الأستاذ أبي القاسم القشيري، آخر إخوته وفاة، حدث عن البيهقي والكبار. وفيها توفي أبو الحسن الخدامي علي بن عبد الله الأندلسي، أحد الأئمة صنف في التفسير والأصول، وأجاز له الحافظ ابن عبد البر وأم الخير فاطمة بنت علي بن المظفر البغدادية المقرئة. وقيل في السنة التي قبلها وقيل بعدها توفي شيخ الكرخ وعالمها ومفتيها أبو الحسن محمد بن عبد الملك الفقيه الشافعي. قال ابن السمعاني: إمام ورع فقيه مفت، محدث أديب، أفنى عمره في طلب العلم ونشره. وفيها توفي إلىاشد بالله أبو جعفر بن المسترشد بالله بن المستظهر بالله، خطب بولاية العهد أكثر أيام والده، وبويع بعده. وكان شاباً أبيض مليحاً، تام الشكل شديد البطش، شجاع النفس حسن السيرة، جواداً شاعراً فصيحاً، لم تطل دولته، خلعوه لأمور ملفقة، وسار إلى أصبهان ومعه السلطان داود بن محمود، ومرض هناك، فوثب عليه جماعة من ألفاطنية وقتلوه. وفيها توفي الإمام العلامة أبو الحسن يونس بن محمد بن مغيث القرطبي. كان رأساً في الفقه والحديث والأنساب والتواريخ واللغة وعلو الإسناد. وفيها توفيت أم الخير فاطمة بنت علي البغدادي المقرئة المعروفة ببنت الزعبل - بالزاي والموحدة بينهما عين مهملة - روت صحيح مسلم وغريب الخطابي عن الحافظ أبي الحسين ألفارسي، وعاشت سبعاً وتسعين سنة. سنة ثلاث وثلاثين وخمس مائة قال أبو الفيج بن الجوزي: فيها كانت زلزلة عظيمة بحيرة، أتت على مائة ألف وثلاثين أهلكتهم، قيل: صار مكان الدماء أسود، وقال ابن الأثير: الذين هلكوا مائتا ألف وثلاثون ألفا. وفيها توفي الشيخ أبو العباس أحمد بن عبد الملك بن أبي حمنة. روى عن جماعة،

стр. 887

وتفيد بالإجازة عن أبي عمرو ألفاني. وفيها توفي جمال الإسلام أبو الحسن علي بن مسلم السلمي الشافعي، مدرس الغزالية ومفتي الشام في عصره، صنف في الفقه والتفسير، وتصدر للاشتغال وإلىواية. وفيها توفي صاحب دمشق محمود بن بوري، ولي بعد قتل أخيه شمس الملوك. سنة أربع وثلاثين وخمس مائة فيها حاصر زنكي دمشق. وفيها توفي القاضي أبو المفضل القرشي الدمشقي، من أصحاب الفقية الإمام أبي نصر المقدسي. وفيها توفي البديع الأصطرلابي هبة الله بن الحسين ألفاعر المشهور، أحد الأدباء الفضلاء. كان وحيد زمانه في علم الآلات الفلكية متقناً لهذه الصناعة، وأثنى عليه غير واحد من المؤرخين، وذكروا له عدة مقاطيع، فمن ذلك قوله: أهدى لمجلسه الكريم وإنما ... أهدى له ما حزت من نعمأنه كالبحر يمطره السحاب وما له ... فضل عليه لأنه من مأنه وكان كثير الخلاعة يستعمل المجون في شعره، وكان قد جمعه ودونه، واختار ديوان ابن حجاج، ورتبه على مائة وواحد وأربعين باباً، وجعل كل باب في فن من فنون شعره، وكان قد جمعه ونفاه وسقاه: درة ألفاج من شعر ابن حجاج. وكان ظريفاً في جميع حركاته، والأصطرلابي نسبة إلى الأصطرلاب بفتح آلهمنة وسكون الصاد المهملة وبعضهم يكتبه بالسين وضم الماء المهملات وقبل الألف راء وبعدها موحدة وهو الآله المعروفة. قال كوشيار بن كنان بن باسهري الجبلي صاحب كتاب الزيج في إلىسالة التي وضعها في العلم الأصطرلابي: هو كلمة يونانية معناها ميزان الشمس، وقيل إن لاب اسم الشمس بلمان يونان، فكأنه قال: أصطر الشمس إشارة إلى الخطوط التي فيها، وقيل إن أول من وضعه بطلميوس صاحب المجسطي، وكان سبب وضعه له أنه كان معه كرة فلكية - وهو راكب - فسقطت منه، فداستها دابته، فخسفتها، فبقيت على هيئة الاصطرلاب. وكان أرباب علم الرياضيات يعتقدون أن هذه الصورة لا ترتسم في جسم كروي على هيئة الأفلاك، فلما

стр. 888

رأه بطلميوس على تلك الصورة علم أنه يرتسم في السطح ويكون نصف دائرة، ويحصل منه ما يحصل من الكرة، فوضع الاصطرلاب، ولم يسبق إليه، وما اهتدى أحد من المتقدمين إلى أن هذا القدر يتأتى في الخط، ولم يزل الأمر مستمراً على استعمال الكرة والاصطرلاب إلى أن استنبط الشيخ شرف الدين الطوسي المذكور في ترجمة الشيخ كمال الدين بن يونس - رحمهما الله تعالى -، وهو شيخه في هذا العلم - أن يضع المقصود من الكرة والاصطرلاب في خط، فوضعه وسماه العصا، وعمل له رسالة بديعة، وكان قد أخطأ في بعض هذا الوضع، فأصلحه الشيخ كمال الدين، وهذبه. والطوسي أول من أظهر هذا في الوجود، فصارت آلهيئة توجد في الكرة، لأنها تشتمل على الطول والعرض والعمق، ويوجد في السطح الذي هو مركب من الطول والعرض بغير عمق، ويوجد في الخط الذي هو عبارة عن الطول فقط، ولم يبق سوى النقطة، ولا يتصور أن يعمل فيها شيء، لأنها ليست جسماً ولا سطحاً ولا خطاً، بل هي في طرف الخط. كما أن الخط طرف السطح، والسطح طرف الجسم، والنقطة لا تتجزأ، فلا يتصور أن يرتسم فيها شيء، وهذا وإن كان خروجاً عما نحن بصدده فإنه لا يخلو عن فائدة، والعلم به خير من الجهل به. سنة خمس وثلاثين وخمس مائة فيها ألح زنكي على دمشق للحصار، وخرب وعاث بحوران، ثم التقاه عسكر دمشق، فقتل جماعة، ثم ترحل إلى الشرق. وفيها توفي الحافظ الكبير أبو القاسم اسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الطليحي الأصبهاني، إمام أئمة وقته وأستاذ علماء عصره. قال ابن السمعاني: هو أستاذي في الحديث، وعنه أخذت هذا القدر، وهو إمام في التفسير والحديث واللغة والأدب، عارف بالمتون والأسانيد. أملى بجامع أصبهان قربياً من ثلاثة آلاف مجلس. وقال أبو عامر العبدري: ما رأيت مثله ذاكرته، فيأيته حافظاً للحديث، عارفاً بكل علم متفنناً، وقال غيره: صنف التفسير في ثلاثين مجلما كباراً. وفيها توفي رزين بن معاوية العبدري الأندلسي، مصنف تجريد الصحاح. ومحمد بن عبد ألفاقي الأنصاري الحنبلي، سمع من علي بن عيسى ألفاقلاني، وأبي الطيب الطبري وطائفة. وتفقه على القاضي أبي يعلى، وبرع في الحساب وآلهندسة، وشارك

стр. 889

في العلوم. قال ابن السمعاني: ما رأيت أجمع للفنون منه، نظر في كل علم. وفيها توفي الشيخ الكبير العالم ألفارف، ذو الأسرار والمعارف أبو يعقوب يوسف بن أيوب بن يوسف آلهمذاني شيخ الصوفية بمرو وبقية مشايخ الطريق ألفالكين الشاملين، تفقه على الشيخ أبي إسحاق، فأحكم مذهب الشافعي، وبرع في المناظرة، ثم ترك ذلك وأقبل على شأنه. روى عن الخطيب والكبار، وسمع بأصبهان وبخارى وسمرقند، ووعظ وخوف، وانتفع به الخلق، وكان صاحب أحوال وكرامات، وتوفي في ربيع الأول عن أربع وتسعين سنة. وفيها توفي أبو نصر محمد بن عبيد الله بن خاقان القيسي صاحب كتاب قلائد العقيان، له عدة تصانيف منها الكتاب المذكور، جمع فيه الشعراء المغرب وطائفة كثيرة، وتكلم على ترجمة كل واحد منهم بأحسن عبارة وألطف إشارة. هكذا حكي عنه. وله أيضاً كتاب مطمح الأنفس ومسرح ألفانس في ملح أهل الأندلس، وهو ثلاث نسخ: كبرى ووسطى وصغرى، وهو كثير ألفائدة، لكنه قليل الوجود في هذه البلاد، وكلامه في هذه الكتب يدل على فضله وغزارة مادته، وكان كثير الأسفار سريع التنقلات. قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية في كتابه الموسوم بالمطرب من أشعار أهل المغرب: لقيت جماعة من أصحابه حدثوني عنه تصانيفه وعجائبه، وكان مخلوع العذار في دنياه، ولكن كلامه في تآليفه كالسحر الحلال والماء الزلال، قيل: ذبح في مسكنه في مراكش، أشار بقتله أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن يوسف بن تاشفين. وفيها توفي أبو يعقوب يوسف بن أيوب بن يوسف آلهمداني، الفقيه ألفاضل العالم الشامل إلىباني، قدم بغداد ولازم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، واشتغل عليه حتى برع في أصول الفقه والمذهب والخلاف. وسمع الحديث من جماعة ببغداد وأصبهان وسمرقند، ثم زهد في الدنيا، ولزم العبادة والرياضة والمجاهدة حتى صار من العلماء الذين يهتدي بهم الخلق إلى الله ، وعقد له مجلس الوعظ في المدرسة النظامية في بغداد، وصادف قبولاً عظيماً من الناس. قال الشيخ الصالح أبو الفضل صافي بن عبد الله الصوفي: حضرت مجلس شيخنا يوسف آلهمداني في النظامية - وكان قد اجتمع عليه العالم - فقام فقيه يعرف بابن السقا، وسآله، فقال الشيخ ألفارف ذو المعارف والنور يوسف بن أيوب المذكور: جلس، فإني أجد من كلامك رائحة الكفي، ولعلك تموت على غير دين الإسلام. قال أبو الفضل: فاتفق بعد

стр. 890

هذا القول بمدة أن قدم رسول نصراني من ملك إلىوم إلى الخليفة، فمضى إليه ابن السقا، وسآله أن يستصحبه، وقال له: يقع لي أن أترك دين الإسلام، وأدخل في دينكم؛ فقبله النصراني، وخرج معه إلى القسطنطينية، والتحق بملك إلىوم، وتنصر، ومات على النصرانية. وقال الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود المعروف بابن النجار البغدادي في تاريخ بغداد في ترجمة يوسف آلهمداني المذكور: سمعت أبا الكرم عبد السلام بن أحمد المقرىء يقول: كان ابن السقا قارئاً للقرآن الكريم، مجوداً في تلاوته. حدثني من رآه في القسطنطينية ملقى على دكة مريضاً، وبيده حلق مروحة يدفع بها الذباب عن وجهه، قال: فسألته: هل القرآن باق على حفظك؟ قال: ما أذكر منه إلا آية واحدة " ربما يود الذين كفيوا لو كانوا مسلمين "، - الحجر ٢ -، وألفاقي نسيته. نعوذ بالله من سوء القضاء. قلت وقد ذكرت في بعض كتبي عما نقل في مناقب الشيخ القطب إلىباني أستاذ الأكابر أبي محمد محيي الدين عبد ألفادر الجيلاني قدس الله تعالى سره قضية ابن السقا المذكور وكفيه، أنه كان سبب إساءته على رجل من الأولياء يقال له الغوث، وأنه خرج رسولاً للخليفة إلى ملك إلىوم، فافتتن بابنة الملك، فطلب زواجها، فامتنعوا من ذلك إلا بكفيه، فكفي. وقال بعضهم: كان أبو يعقوب المذكور صاحب الأحوال والمواهب الجزيلة والكرامات والمقامات الجليلة، وإليه انتهت تربية المريدين الصادقين، وكان قد برع في الفقه، ففاق أقرانه، خصوصاً في علم النظر. وكان الشيخ أبو إسحاق يقدمه على جماعة كثيرة من أصحابه - مع صغر سنه - لزهده وحسن سريرته واشتغآله بما يعنيه، ثم ترك كل ما كان فيه من المناظرة، واشتغل بما هو الأهم من عبادة الله تعالى ودعوة الخلق وإرشاد الأصحاب إلى الطريق المستقيم، ونزل مرو وسكنها، وخرج إلى هراة وأقام بها مدة، ثم سئل إلىجوع إلى مرو في آخر عمره فأجاب، ورجع إليه، وخرج إلى هراة ثانياً، ثم عزم على إلىجوع إلى مرر، وخرج فأدركته منيته في الطريق، فدفن ثم نقل بعد ذلك إلى مرو، ونقل ذلك ابن النجار في تاريخه عن السمعاني. سنة ست وثلاثين وخمس مائة فيها كانت ملحمة عظيمة بين السلطان سنجر وبين الترك الكفية فيما وراء اللهر، أصيب فيها المسلمون، وأقبل سنجر في نفي يسير، بحيث وصل بلخ في ستة أنفس، وأسرت

стр. 891

زوجته وبنته، وقتل من جيشه مائة ألف أو أكثر، قيل: كان في القتلى أربعة آلاف امرأة، وكانت الترك في ثلاث مائة ألف فارس. وفيها توفي الشيخ الكبير ألفارف بالله الشهير ذو المواهب واللمائف والعلوم إلىبانية والمعارف أبو العباس ابن العريف أحمد بن محمد الصنهاجي الأندلسي الصوفي. كان له معرفة بالعلوم وعناية بالقراءات وجمع إلىوايات والطرق، متناهياً في الفضل والدين. وكان المريدون والعباد والزهاد يقصدونه، ولما كثر أتباعه خاف منه السلطان، وتوهم أن يخرج عليه، فطلبه، فأحضر إلى مراكش، فتوفي في الطريق قبل أن يصل، وقيل بعد أن وصل، وكان من أهل المنية. وفيها توفي الإمام أحد العلماء الأعلام، الفقيه المحدث الأصولي، الأديب محمد بن علي التميمي ألفازري. شرح صحيح مسلم شرحاً جيداً سماه كتاب المعلم بفوائد كتاب مسلم، وعليه بنى القاضي عياض بن موسى اليحصبي ألفالكي كتاباً اسماه الإكمال في شرح مسلم. وله في الأدب كتب متعددة. وكان فاضلاً متقناً، توفي في ثامن عشر ربيع الأول من السنة المذكورة، وقيل يوم الاثنين ثاني الشهر المذكور بالمهدية وعمره ثلاث وثمانون سنة. وألفازري نسبة إلى مازر وهي بفتح الزاي، وقد تكسر أيضاً، وهي بليدة بجزيرة صقلية. وفي السنة المذكورة توفي الحافظ أبو القاسم اسماعيل بن أحمد السمرقندي. وفيها توفي الإمام المفتي الشافعي عبد الجبار بن محمد، إمام جامع نيسابور، تفقه على إمام الحرمين، وسمع البيهقي والقشيري والجماعة. وفيها توفي الشيخ ألفارف ذو المواهب واللمائف أبو الحكم عبد السلام بن عبد إلىحمن المعروف بابن برجان الأندلسي اللخمي الإشبيلي شيخ الصوفية ومؤلف شرح أسماء الله الحسنى، توفي غريباً بمراكش. قال الأبار: كان من أهل المعرفة بالقراءات والحديث، والتحقيق، بعلم الكلام، والتصوف مع الزهد والاجتهاد في العبادة، وقبره بإزاء قبر ابن العريف. وفيها توفي شيخ الحنابلة بالشام بعد والده ابن الشيخ أبي الفيح عبد الواحد الشيرازي الدمشقي الفقيه الواعظ.

стр. 892

وفيها توفي هبة الله بن أحمد البغدادي، المقرىء المحقق إمام جامع دمشق. ختم عليه خلق كثير، وله اعتناء بالحديث. سنة سبع وثلاثين وخمس مائة فيها توفي أبو الفتح بن البيضاوي القاضي عبد الله بن محمد بن محمد بن محمد أخو القاضي القضاة أبي القاسم الزينبي لأمه. وفيها توفي صاحب المغرب علي بن يوسف بن تاشفين، كان يرجع إلى عدل ودين وتعبد وحسن طوية، وشدة إيثار لأهل العلم وتعظيم لهم، قيل: وهو الذي أمر بإحراق كتب الإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، والذي وثب عليه ابن تومرت الملقب بالمهدي الذي صحبه عبد المؤمن. توفي في رجب من السنة المذكورة. وفيها توفي الحافظ عمر بن محمد النسفي السمرقندي الحنفي. يقال له مائة مصنف. وفيها توفي قاضي دمشق وابن قاضيها أبو المعالي القرشي الشافعي. سمع من جماعة، وتفقه على الإمام أبي نصر المقدسي. سنة ثمان وثلاثين وخمس مائة فيها حاصر سنجر مدينة خوارزم، وكاد أن يأخذها، فذل خوارزم شاه، وبذل الساعة. وفيها توفي الحافظ مفيد بغداد أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي. كان واسع إلىواية، متقناً دائم البشر، سريع الدمعة، جمع وخرج وحصل، ولم يتزوج قط. وفيها توفي الوزير أبو القاسم علي بن طراد الزينبي العباسي، وزير المسترشد والمقتفي. اشتغل بالعبادة والخير لما تغير عليه المقتفي إلى أن مات، وكان يضرب به المثل بحسنه في صباه. وفيها توفي أبو الفتوح محمد بن الفضل الأسفيائيني، الواعظ المتكلم. له تصانيف في الأصول والتصوف. قال الحافظ ابن عساكر: أجرى من رأيت لماناً وجناناً، وأسرعهم جواباً، وأسلمهم خطاباً. لازمت حضور مجلسه، فما رأيت مثله واعظاً ولا مذكراً. وفيها توفي العلامة النحوي اللغوي المفسر المعتزلي أبو القاسم محمود بن عمر

стр. 893

الزمخشري الخوارزمي، صاحب الكشاف والمفصل. عاش إحدى وسبعين سنة متفنناً في التفسير والحديث والنحو واللغة وعلم البيان إمام عصره في فنونه. وله التصانيف البديعة الكثيرة الممدوحة الشهيرة، عدد بعضهم منها نحو ثلاثين مصنفاً في التفسير والحديث وإلىواة وعلم الفيائض والنحو والفقه واللغة والأمثال والأصول والعروض والشعر. ومن ذلك كتاب شافي العي من كلام الشافعي وغير ذلك، وكان شروعه في تأليف المفضل في غرة شهر رمضان سنة ثلاث عشرة وخمس مائة، وفيغ منه في غرة المحرم، أظنه قال: سنة خمس عشرة وخمس مائة. وكان قد جاور بمكة زماناً، فصار يقال له: جار الله لذلك، حتى صار هذا اللقب علماً عليه. وكانت إحدى رجليه ساقطة، فكان يمشي في خشب. وسبب سقوطها أنه أصابه في بعض أسفاره برد شديد وثلج كثير، وكان معه محضر فيه شهادة خلق كثير ممن اطلعوا على حقيقة ذلك خوفاً من أن يظن قطعها لريبة. وذكر بعض المؤرخين أنه أمسك عصفوراً، وربطه بخيط في رجله، ففلت من يده، فأدركه وقد دخل في جرق، فجذبه فانقطعت رجله في الخيط، فتألمت والدته لذلك، ودعت عليه بقطع رجله كما قطع رجله. فلما وصل إلى سن الطلب، رحل إلى بخارى لطلب العلم، فسقط عن ألفابة، فانكسرت رجله، وبلغت إلى حالة اقتضت قطعها - والله أعلم أي ذلك كان -. ولما صنف كتاب الكشاف استتفتح الخطبة بالحمد لله الذي خلق القرآن، فقيل له: متى تركته على هذه آلهيئة هجره الناس، فغيره بالذي أنزل القرآن. وقيل: هذا إصلاح الناس لا إصلاح المصنف، ومن شعره يرثي شيخه أبا مضر: وقائلة ما هذه الدرر التي ... تساقط من عينيك سمطين سمطين فقلت لها الدر الذي كان قد حشى ... أبو مضر أذني تساقط من عيني وهذا مثل قول القاضي أبي بكر الأرجان، ولا يدري أيهما أخذ من الآخر، لأنهما كانا متعاصرين وهو. ولم يبكني إلا حديث فياقهم ... لما أسرته إلى أدمعي

стр. 894

هو ذلك الدر الذي أودعته ... في مسمعي أجريته من مدمعي ومما أنشده لغيره في كتابه الكشاف عند تفسير قوله تعالى في سورة البقرة " إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها " - البقرة ٢٦ -، فإنه قال: أنشدت لبعضهم: يا من يرى مد البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى عروق نياطها في نحوها ... والمخ في تلك العظام النحل اغفي لعبد تاب من فيطاته ... ما كان منه في الزمان الأول قال ابن خلكان: وكان بعض الفضلاء قد أنشدني هذه الأبيات بمدينة حلب، وقال: إن الزمخشري المذكور أوصى أن يكتب على لوح قبره: آلهي؛ لقد أصبحت ضيفك في الثرى ... وللضعيف حق عند كل كريم فهب لي ذنوبي في قراي فإنها ... عظام، ولا يقرى بغير عظيم سنة تسع وثلاثين وخمس مائة فيها أخذ زنكي إلىها من الفرنج. وتوفي تاشفين صاحب المغرب ولد علي بن يوسف بن تاشفين المصمودي البربري الملثم. كانت دولته في ضعف وسفال مع وجود عبد المؤمن، فتحصن، فصعد إليه أصحاب عبد المؤمن، فلما أيقن بآلهلكة ركض فرسه، فتردى إلى البحر، فتحطم وتلف، ولم يبق لعبد المؤمن منازع، فتوجه وأخذ تلمسان. وفيها توفي أبو منصور إلىزاز سعيد بن محمد البغدادي شيخ الشافعية، ومدرس النظامية، تفقه على الغزالي وأسعد الميهني والكيا وألفاشي والمتولي، وروى عن رزق الله التميمي. وفيها توفيت مسندة أصفهان أم البهاء، فاطمة بنت محمد البغدادية الواعظة، روت عن أبي الفضل إلىازي وجماعة. وفيها توفي أبو منصور محمد بن عبد الملك البغدادي المقرىء، مصنف المفتاح والموضع في القراءات العشرة.

стр. 895

وفيها توفي وقيل في التي بعدها توفي أبو منصور موهوب بن أبي طاهر الجواليقي البغدادي الأديب اللغوي. كان إماماً في فنون الأدب، وهو متدين ثقة غزير الفضل، وافي العقل، مليح الخط، كثير الضبط صنف التصانيف المفيدة، وانتشرت عنه مثل شرح أدب ألفاتب وثمة درة الغواص في أوهام الخواص للحريري صاحب المقامات، وسماه: التكملة فيما يلحن فيه الشامة، إلى غير ذلك، وله نوادر كثيرة. وكان إماماً للمقتفي بالله. وما زاده في أول دخوله عليه على قوله: السلام على أمير المؤمنين: ورحمة الله تعالى. فقال له اين التلميذ النصراني - وكان قائماً بين يدي المقتفي، وله ادلال الخدمة والصحبة: ما هكذا يسلم على أمير المؤمنين يا شيخ، فلم يلتفت إليه، وقال للمقتفي: يا أمير المؤمنين، سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية، ثم قال: يا أمير المؤمنين؛ لو حلف حالف أن نصرانياً أو يهودياً لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه، لما لزمته الكفارة، لأن الله تعالى يختم على قلوبهم، ولن يفك ختم الله تعالى إلا الإيمان. فقال: صدقت وأحسنت فيما فعلت. فكأنما ألجم ابن التلميذ بحجر مع فضله وغزارة أدبه. سمع ابن الجواليقي من شيوخ زمانه، وأخذ عنه الناس علماً جما، وينسب إليه قليل من الشعر، من ذلك هذان البيتان، وقال بعض المطلعين: وجدتهما من جملة أبيات لابن الخشاب، وهما: ورد الورى سلمال جوادك فارتووا ... ووقفت خلف الورد وقفة حائم حيران أطلب غفلة من وارد ... والورد لا يزداد غير تزاحم قلت: لقد أبدع قائلهما في معناهما، وأجاد وبالغ في مدحه بما تضمنه هذا الإنشاد. وحكى اسماعيل بن الجواليقي المذكور قال: كنت في حلقة والدي يوم الجمعة بعد الصلاة بجامع القصر - والناس يقرؤون عليه - فوقف عليه شاب وقال: يا سيدي؛ قد سمعت ببيتين من الشعر، ولم أفهم معناهما، وأريد أن تسمعهما مني، وتعرفني معناهما. فقال: قل، فأنشد. وصل الحبيب جنان الخلد أسكنها ... وهجرة الناس تصليني بها النارا فالشمس بالقوس أمست وهي نازلة ... إن لم يزرني وبالجوزاء إن زارا فلما سمعهما والدي قال: يا بني؛ هذا شيء من معرفة علم النجوم، وتسييرها لأمر صنعه أهل الأدب، قال: فانصرف ألفاب من غير حصول فائدة، فاستحي والدي من أن

стр. 896

يسأل عن شيء ليس عنده منه علم، وقام وآلى على نفسه أن لا يجلس في حلقته حتى ينظر في علم النجوم، ويعرف تسيير الشمس والقمر. فنظر في ذلك، وحصلت معرفته، ثم جلس. ومعنى البيت المسؤول عنه أن الشمس إذا كانت في آخر القوس كان الليل في غاية الطول، لأنه يكون آخر فصل الخريف، وإذا كانت في آخر الجوزاء كان الليل في غاية القصر، لأنه آخر فصل الربيع، فكأنه يقول: إذا لم يزرني فالليل عندي في غاية الطول، وإن زارني كأن الليل عندي في غاية القصر. انتهى. قلت: وفي نهاية الطول والقصر المذكورين في البرجين المذكورين. والاعتدال في برجي الحمل والميزان. وشدة البرد في برج الدلو، وشدة الحر في برج الأسد، أشرت بهذه الأبيات الأربعة حيث أقول: إذا طال بالجوزاء نهار مفاخراً ... رماه بقوس طول ليل فيقصر وإن حمل الإنصاف يوماً بعدله ... أتاه بميزان بها العدل يظهر وإن شد حبل البرد دلواً ليستقوا ... أتى أسد في حرب حر وعسكر فيكسر هذا ذاك حيناً، وحربهم ... سجال، ويغزو ذاك هذا فيكسر سنة أربعين وخمس مائة فيها توفي الحافظ أبو سعد أحمد بن محمد البغدادي الأصبهاني. كان ثقة خيراً، يحفظ صحيح مسلم. سنة احدى واربعين وخمس مائة فيها حاصر عماد الدين زكي الملقب بالملك المنصور - صاحب الموصل - قلعة جعبر، فوثب عليه ثلاثة من غلمانه فقتلو، وتملك الموصل بعده ابنه غازي، وتملك حلب وغيرها من نواحيها ابنه الآخر نور الدين محمود. وكان زنكي من الأمراء المتقدمين، وفوض إليه السلطان محمود بن ملكشاه السلجوقي ولاية بغداد في سنة إحدى وعشرين وخمس مائة، ثم أمره السلطان محمود بالتجهيز إلى الموصل والاستعداد لقتال الفرنج بالشام، فوصل إلى الموصل، وملكها، ودفع الفرنج عن

стр. 897

حلب وقد ضايقوها بالحصار - ثم عاد إلى الموصل، فأقام بها، وهو من كبراء الدولة السلجوقية، فقتله ألفاطنية بجامع الموصل - يوم الجمعة تاسع ذي القعدة سنة عشرين وخمس مائة - جلسوا له في الجامع بزي الصوفية، فلما انفتل من صلاته قاموا إليه واثخنوه جراحاً لأنه كان قد تصدى لقتلهم، وقتل منهم عصبة كبيرة، فلما قتل رسم المسترشد أمير المؤمنين بتولية الموصل لولده زنكي، فتوجه زنكي إلى الموصل، فتسلمها وما والاها من البلاد، ثم توجه إلى قلعة جعبر فحاصرها، حتى أشرف على أخذها، فأصبح مقتولاً كما تقدم. وفيها أخذت الفرنج طرابلس الغرب بالسيف ثم عمروها. وفيها توفي شيخ الشيوخ أبو البركات اسماعيل ابن الشيخ أبي سعد - أحمد بن محمود النيسابوري البغدادي، وكان جليل القدر. وفيها توفي زنكي الأتابك صاحب الموصل وحلب، وكان فارساً شجاعاً ميمون النقيبة شديد ألفاس، قوي إلىأس عظيم آلهيبة، ملك الموصل وحلب وحماه وحمص وبعلبك وإلىها والمعرة. قتله بعض غلمانه كما تقدم وهو نائم وهربوا إلى قلعة جعبر. وفيها توفي أبو الحسن سعد الخير بن محمد الأنصاري الأندلسي المحدث. كان فقيهاً عألفا متقناً، رحل إلى المشرق، وتفقه على الإمام أبي حامد الغزالي وشيخ المقرئين بالعراق. وفيها توفي المقرىء النحوي أبو محمد عبد الله بن علي البغدادي. سنة اثنتين وأربعين وخمس مائة وفيها كان الغلاء المفيط - وفيما قبلها بإفريقية - حتى أكلوا لحوم الآدميين. وفيها توفي أبو الحسن بن الآبنوسي أحمد بن عبد الله البغدادي الشافعي الوكيل. سمع وتفقه وبرع، وقرأ الكلام والاعتزال، ثم لطف الله تعالى به وتحول سنياً.

стр. 898

وفيها توفي أبو جعفر أحمد بن عبد إلىحمن الأندلسي البطروجي أحد الأئمة. روى عن أبي علي الغساني وغيره. كان إماماً حافظاً بصيراً بالحديث ومعرفة رجآله وعلله، ومعرفة مذهب مالك ودقائقه. وله مصنفات مشهورة. وفيها توفي أبو القاسم علي ابن الإمام العلامة أبي نصر عبد السيد بن الصباغ. وفيها توفي أبو الفتح نصر الله بن محمد المصيصي ثم الدمشقي، الفقيه الشافعي الأصولي الأشعري. سمع من أبي بكر الخطيب، وتفقه على الإمام أبي نصر المقدسي، ودرس بالغزالية، وأفتى واشتغل، وصار شيخ دمشق في وقته. وفيها توفي الشريف أبو السعادات المعروف بابن الشجري: هبة الله بن علي العلوي الحسيني البغدادي النحوي اللغوي، صاحب التصانيف، كان متضلما من علم الآداب وأشعار العرب وأيامها وأحوآلها، كامل الفضائل. له عدة تصانيف، منها: كتاب الأماني، أو قال: الأمالي وهو أكبر تآليفه وأكثرها فائدة، أملاه في أربعة وثمانين مجلما، مشتملاً على خمسة فنون من علم الأدب. ولما فيغ من إملأنه حضر عنده أبو محمد المعروف بابن الخشاب، والتمس سماعه عليه، فلم يجبه إلى ذلك، فعاداه، ورد عليه في مواضع من الكتاب، ونسبه فيه إلى الخطأ. فوقف أبو السعادات المذكور على إلىد، فيد عليه في رده، وبين وجوه غلطه، وجمعه كتاباً سماه: الانتصار، وهو على صغر حجمه مفيد جداً، وسمعه عليه الناس. وجمع أيضاً كتاباً سماه: الحماسة، تضاهي به الحماسة لأبي تمام ألفائي، وهو كتاب مليح غريب، أحسن فيه. وله في النحو عدة تصانيف، وكان حسن الكلام حلو الألفاظ، فصيحاً جيد البيان والتفهيم، وقرأ الحديث على جماعة من الشيوخ المتأخرين. وذكره الحافظ أبو سعد بن السمعاني في كتاب الذيل، وقال: اجتمعت معه في دار الوزير أبي القاسم بن طراد الزينبي وقت قراءتي عليه الحديث، وعلقت عنه شيئاً من الشعر في المدرسة، ثم مضيت إليه وقرأت عليه جزءاً من أمالي أبي العباس الثعلب. وحكى أبو البركات عبد إلىحمن بن الأنباري في كتابه مناقب الأدباء: إن العلامة أبا القاسم محمود الزمخشري، لما قدم بغداد قاصداً للحج، مضى إلى زيارته شيخنا - أبو السعادات بن الشجري، ومضينا معه إليه فلما اجتمع به أنشده قول المتنبي: واستأثر الأخبار قبل لمانه ... فلما التقينا صغر الخبر الخبر

стр. 899

ثم أنشد بعد دلك: كانت مساءلة إلىكبان تخبرني ... عن جعفر بن فلاح أحسن الخبر حتى التقينا فلا والله ما سمعتأذني بأحسن مما قد رأى بصري فقال العلامة الزمخشري: روي عن النبي ﵌ أنه لما قدم إليه زيد الخيل قال له: " يا زيد، ما وصف لي أحد في ألفاهلية ولا في الإسلام إلا رأيته دون ما وصف لي غيرك ". قال ابن الأنباري: فخرجنا من عنده، ونحن نعجب كيف يستشهد الشريف بالشعر، والزمخشري بالحديث، وهو رجل أعجمي، هذا معنى كلام ابن الأنباري، وكان أبو السعادات المذكور نقيب ألفالبين بالكرخ نيابة عن ولده، وله شعر حسن، من ذلك قوله: هذه السديرة والغدير ألفافح ... فاحفظ فؤادك إنني لك ناصح يا سدرة الوادي الذي إن ضله ... ألفاري هداه نشرها المتفاوح هل عايد قبل الممات لمغرم ... عيش تقضى في ظلالك صالح شط المنار به ونوئي منزلاً ... بصميم قلبك فهو دان نازح غصن تعطفه النسيم وفوقه ... قمريحف به ظلام طايح ولقد مررنا بالعقيق فشاقنا ... فيه مراتع للمها ومسارح ظللنا به نبكي، فكم من مضمر ... وجداً أذاع هواه دمع سافح قلت ضله ألفاري رأيته الصواب، وفي الأصل المنقول منه: الوادي، ثم وجدته في نسخه أخرى كما ذكرت من الصواب. وهذه أبيات من قصيدة له في مدح الوزير المظفر بن علي الملقب بنظام الدين. سنة ثلاث واربعين وخمس مائة في ربيع الأول منها نازل الفرنج دمشق في عشرة آلاف فارس وستين ألف راجل، فخرج المسلمون من دمشق، وكانوا مائة وثلاثين ألف راجل وعسكر البلد، فاستشهد نحو مائتين، ثم برزوا في اليوم الثاني، فاستشهد جماعة، وقتل من الفرنج عدد كثير. فلما كان في اليوم الشامس وصل غازي وأخوه نور الدين في عشرين ألفا إلى حماه. وكان أهل دمشق في الاستغاثة والتضرع إلى الله تعالى، وأخرجوا المصحف العثماني إلى صحن الجامع، وضج النساء والأطفال مكشفين إلىؤوس، وصدقوا الافتقار إلى الله عز وجل

стр. 900

فأغاثهم، وركب قسيس الفرنج، وفي عنقه صليب وفي يديه صليب، وقال: أنا قد وعدني المسيح أن آخذ دمشق، فاجتمعوا حوله، وحمل على البلد، فحمل عليه المسلمون فقتلوه - لعنة الله تعالى - وقتلوا حماره، وأحرقوا الصلمان، ووصلت النجدة، فانهزمت الفرنج، وأصيب منهم خلق. وفيها توفي أبو الحسن علي بن أبي الوفاء المعروف بابن مسهر الموصلي. كان شاعراً بارعاً رئيساً مقدماً، يمدح الخلفاء والملوك والأمراء. وله ديوان شعر في مجلدين، ومن شعره في صفة الخيل. سود حوافيها بيض حجافلها ... صبح تولد بين الصبح والغسق من طول ما وطئت ظهر الدجى حنتاوطول ما كرعت من منهل الفلق ومنها في صفة الفهد: والشمس مذ لقبوها بالغزالة ... أعطته إلىشا حسداً من لونها اليقق ويعطيه حباً كي يسالمها ... على المنايا نعاج إلىمل بالحدق هذا ولم يبرزا مع سلم ... جانبه يوماً لناظره إلا على فيق وهذه الأبيات مع جودتها مأخوذة من أبيات الأمير المعروف بابن السراج الصوري. ولابن مسهر أيضاً في بعض الرؤساء: ولما اشتكيت اشتكى كل ما ... على الأرض واعتل شرق وغرب لأنك قلب لجسم الزمان ... وما صح جسم إذا اعتل قلب ومن غريب الاتفاق ما حكى أبو الفتح بن أبي الغنائم أنه رأى في منامه منشداً ينشد: وأعجب من صبر القلوص التي سرت ... بهودجك المنموم أنى استقلت وأطبق أحناء الضلوع على جوى ... جميع وصبر مستحيل مشتت قال أبو الفتح: فلما انتبهت مكثت مدة أسائل عن قائل هذين البيتين، فلم أجد عنه مخبراً، ثم اتفق بعد سنين نزول ابن مسهر المذكور في ضيافتي، فتجارينا في بعض اللمالي ذكر المنامات، فذكرت له المنام الذي رأيته والبيتين فقال: أقسم بالله أنهما من شعري، من جملة قصيدة منها: إذا ما لمان الدمع نم على الهوى ... فليس بشر ما الضلوع أحنت

стр. 901

فوالله ما أدري عشية ودعت ... أناحت حمامات النوى أم تغنت؟ وأعجب من صبر القلوص التي سرتبهودجك المنموم أنى استقلت أعاتب فيك اليعملات على النوى ... وأسأل عنك الريح من حيث هبت وألصق أحناء الضلوع على جوى ... جميع وصبر مستحيل مشتت قال: فلما أنشدنا هذه الأبيات إلىقاق عجبنا من هذا الاتفاق. وفيها توفي أبو إسحاق الغنوي ابراهيم بن محمد بن نبهان إلىقي الصوفي الفقيه الشافعي. تفقه على الإمام حجة الإسلام الغزالي وغيره، وسمع رزق الله التميمي، وكان ذا سمت وعبادة، وهو راوي خطيب ابن نباتة. وفيها توفي محدث بغداد ومفيدها المبارك بن كامل الخفاف، وكان فقيراً متعففاً. وفيها وقيل في التي تليها: توفي الفقيه الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي المعافيي الأندلسي الأشبيلي، رحل إلى المشرق، ودخل الشام، ولقي بها الإمام محمد بن الوليد الطرطوشي، وتفقه عنده، ودخل بغداد، وسمع بها من جماعة، ثم دخل الحجاز فحج، ثم عاد إلى بغداد، وصحب الإمام أبا حامد الغزالي والإمام أبا بكر ألفاشي وغيرهما من العلماء والأدباء، ثم صدر عنهم ولقي بمصر والاسكندرية جماعة من المحدثين، فكتب عنهم، واستفاد منهم. ثم عاد إلى الأندلس، ثم قدم إلى اشبيلية بعلم كثير، ولم يدخل أحد قبله إلى المشرق من علماء المغرب في إلىحلة للعلم، وكان من أهل اليقين في العلوم والاستخبار والجمع لها، عارفاً متكلماً في أنواعها باقدامها حريصاً على نشرها، ثاقب الذهن في تمييز الصواب منها، مع آداب وأخلاق وحسن معاشرة، وكرم نفس. واستقضي ببلده، فنفع الله تعالى به أهلها لإبرام أمره ونفوذ أحكامه، وكان له في الظالمين صولة مرهوبة، ثم صرف عن القضاء، وأقبل على نشر العلم. وله مصنفات منها كتاب عارضة الأحوذي في شرح الترمذي كذا هو في الأصل المنقول منه قال: وألفارضة: القدرة على الكلام، يقال فلان شديد ألفارضة إذا كان ذا قدرة على الكلام، والأحوذي: الخفيف في الشيء لحذقه، وقال الأصمعي: المستمر في الأمور القاهرة لها. وفيها توفي أبو الدر ياقوت إلىومي عتيق بن الخباري. حدث بدمشق ومصر وبغداد. وفيها توفي أبو الحجاج الفندلاوي يوسف بن دوناس المغربي ألفالكي. كان فقيهاً

стр. 902

عألفا صألفا حلو المجالسة، شديد التعصب للأشعرية، صاحب حط على الحنابلة. قتل في سبيل الله في حصار الفرنج بدمشق، مقبلاً غير مدبر بالذيروز، وقبره يزار بمقبرة باب الصغير. وفيها قتل شاهنشاه ابن نجم الدين أيوب، في الوقعة التي اجتمع فيها الفرنج سبع مائة ألف ما بين فارس وراجل - على ما قيل - وتقدموا، إلى باب دمشق، وعزموا على أخذ بلاد المسلمين قاطبة، فنصر الله عليهم المسلمين - ولله الحمد -. سنة أربع وأربعين وخمس مائة فيها توفي القاضي أحمد بن محمد الأرجاني - بفتح آلهمنة وكسر إلىاء مع خلاف في تشديدها وتخفيفها وبعدها جيم - له شعر رائق، وكان قاضي تستر. وهو وإن كان في العجم ففي العرب محتدة. وكان فقيهاً شاعراً. وفي ذلك قوله: أنا أشعر الفقهاء غير مدافع ... في العصر أو أنا أفقه الشعراء شعري إذا ما قلت دونه الورى ... بالطبع لا بتكلف الالماء كالصوت في قلل الجبال إذا عل ... للسمع هاج تجاوب الأصداء قلت: ليس في الأصل المنقول منه قلل، بل لفظ آخر معناه غير مفهوم. ومن شعره: لوكنت أجهل ما علمت لسرني ... جهلي كما قد ساءني ما أعلم كالصعو يرتع في الرياض وإنما ... حبس آلهزار لأنه يترنم والصعوة بالصاد المهملة، وآلهزار بالزاي المعجمة: طائران. ومنه: شاور سواك إذا نابتك نائبة ... يوماً وإن كنت من أهل المشورات فالعين تنظر منها ما دنا ونأى ... ولا ترى نفسها إلا بمرآة ومنه: أنحو كم ويرد وجهي القهقرى ... عنكم، فسيري مثل سير الكوكب فالقصد نحو المشرق الأقصى لكم ... والسير رؤي العين نحو المغرب

стр. 903

ومنه: أحب المرء ظاهره جميللصاحبه وباطنه سليم مودته تدوم لكل هول ... وهل كل مودته تدوم؟ وهذا البيت الأخير يقرأ معكوساً، أعني: من آخره إلى أوله، ولا يتغير شيء من لفظه، ولا من معناه، وله ديوان شعر فيه كل معنى لطيف. وفيها توفي أبو المحاسن أسعد بن علي بن الموفق آلهروي الحنفي العبد الصالح، راوي الصحيح وألفارمي. وفيها توفي الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد بن محمد العبيدي الرافضي صاحب مصر. وفيها توفي القاضي الإمام العلامة أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن موسى ابن عياض اليحصبي، أحد الحفاظ الأعلام. سمع من أبي علي بن سكرة، وأبي محمد بن غياث وطبقتهما، وأجاز له أبو علي الغساني، وولي قضاء سبتة مدة ثم قضاء غرناطة، وصنف التصانيف الجليلة المفيده، منها: الإكمال في شرح صحيح مسلم، كمل به: المعلم في شرح مسلم للإمام ألفازري. ومنها: الشفا في تعريف حقوق المصطفى. ومشارق الأنوار في تفسير غريب الحديث. وكان إمام وقته في الحديث وعلومه والنحو واللغة، وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم، وهو من أهل اليقين في العلوم والذكاء. وله شعر حسن: ومنه قوله: الله أعلم أني منذ لم أركم ... كطائر خانه ريش الجناحين فلو قدرت ركبت البحر نحوكم ... فإن بعدكم عني جني حيني والحين بفتح الماء: آلهلاك، وبالكسر: الوقت. وفيها توفي الحافظ المقدسي أبو الحسن علي بن أبي المكارم الاسكندارني ألفالكي، كان فقيهاً فاضلاً، من أكابر الحفاظ المشاهير في الحديث وعلومه، صحب الحافظ أبا طاهر السلفي. وفيها توفي الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري، ولازمه وانتفع به ابن خلكان. وأنشدني أبو الحسن المقدسي المذكور لنفسه: أيا نفس بألفاثور عنخير مرسلوأصحابه وألفابعين تمسكي عساك إذا بالغت في نشر دينه ... بما طاب من نشر له أن تمسكي وخافي غداً يوم الحساب جهنماً ... إذا لفحت نيرانها أن تمسك

стр. 904

قلت: وبيان الجناس في هذه القوافي الثلاث واختلاف معانيها أن الأولى من التمسك، والثانية من التطيب بالمسك، والثالثة من: مسه يمسه. قال: وأنشدني أيضاً لنفسه رحمة الله تعالى عليه: ولمياء تحيي من تحيي بريقها ... كأن مناج إلىاح بالمسك فيها وما ذقت فاهاً غير أني رويته ... عن الثقة المسواك، وهو موافيها هذا المعنى مستعمل، ومنه قول الآخر: وأخبرني أترابها أن ريقهاعلى ما حكى عود الأراك لذيذ وقول الآخر: يا أطيب الناس ريقاً غير مختبر ... إلا شهادة أطراف المساويك وفيها توفي يوسف الدين غازي بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل ملك غازي المذكور الموصل بعد أن كان مقطعاً شهرزو، من جهة السلطان محمود السلجوقي، وكذلك ما كان لأبيه من ديار ربيع، وترتيب أحوآله، وأخذ أخوه نور الدين محمود حلب وما والاها من بلاد الشام، ولم تكن دمشق يومئذ لهم، وكان غازي المذكور منطوياً على خير وصلاح، يحب العلم وأهله، وبنى بالموصل المدرسة المعروفة بالعتيقة، ولم تطل مدته في المملكة. سنة خمس وأربعين وخمس مائة فيها أخذت العربان ركب العراق، وأخذ للماتون - أخت السلطان مسعود - ما قيمته مائة ألف دينار، وتمنق الناس. ومات خلق جوعاً وعطشاً. وفيها نازل نور الدين دمشق وضايقها، ثم خرج إليه صاحبها مجير الدين، ووزيره ابن الصوفي، فخلع عليهما، ورد إلى حلب - ونفوس الناس قد أحبته لما رأوا من دينه -.

стр. 905

وفيها توفي المبارك بن أحمد الكندي البغدادي الخباز، سمع أبا نصر الزينبي، وعاصم ابن الحسن، وطائفة. وفيها توفي إلىئيس أبو علي الحسين بن علي النيسابوري، روى عن الفضل بن المحب وجماعة. سنة ست وأربعين وخمس مائة فيها توفي الحافظ أبو نصر عبد إلىحمن بن عبد الجبار، وكان صألفا فاضلاً متواضعا، سمع جماعة من شيوخ زمانه. وفيها توفي أبو الأسعد عبد إلىحمن بن عبد الواحد ابن الشيخ أبي القاسم القشيري خطيب نيسابور ومسندها. سمع من جده حضوراً، ومن جدته فاطمة بنت الدقاق، ويعقوب ابن أحمد الصيرفي وطائفة. وروى الكتب الكبار كالبخاري ومسند أبي عوانة. وفيها توفني الحافظ أبو الوليد الدباغ يوسف بن عبد العزيز اللخمي، ثم القرشي. سنة سبع وأربعين وخمس مائة وفيها توفي المقرىء الأستاذ أبو عبد الله محمد بن الحسن المعروف بألفاني. أخذ القراءات عن أبي داود وغيره، وسمع الحديث، وتصدر للإقراء وتعليم العربية، وكان مشاركاً في علوم جمة، صاحب تحقيقات وإتقان، ولي خطابة بلده. وفيها توفي القاضي أبو الفضل محمد بن عمر بن يوسف الفقيه الشافعي. ولد ببغداد، وسمع جماعة منهم ابن الشامون وابن المهتدي وابن الخياط. وكان ثقة صألفا، تفقه على الشيخ أبي إسحاق، وانتهى إليه علو الإسناد بالعراق، وولي قضاء دير ألفاقول. وفيها توفي محمد بن منصور النيسابوري. شيخ صالح، سمع القشيري ويعقوب الصيرفي والكبار ﵀. وفيها توفي السلطان مسعود بن محمود بن ملكشاه السلجوقي. استقل بالملك، وامتدت أيامه، وكان منهمكاً في اللهو واللعب، عاش خمساً وأربعين سنة، وكان قد آذى المقتفي، فقبض عليه شهراً، فمات. وقيل: حدث به القيء، وغلبه الغثيان، واستمر به ذلك إلى أن توفي. وكان قد اقتتل هو وأخوه محمود على الملك، فالتقيا، فانتصر عليه محمود، ثم تقلبت الأحوال بمسعود المذكور إلى أن تسلطن، وكان سلماناً عادلاً لين ألفانب، كبير

стр. 906

النفس، ففيق مملكته على أصحابه، ولم يكن له من السلطنة غير الاسم، وكان حسن الأخلاق كثير المناح والانبساط مع الناس، فمن ذلك أن أتابك زنكي - صاحب الموصل - أرسل إليه القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله بن أبي القاسم الشهرزوري في رسالته، فوصل إليه، وأقام معه في العسكر، فوقف يوماً على خيمة الوزير حتى قارب أذان المغرب، فعاد إلى خيمته، فأذن المغرب - وهو في الطريق - فيأى إنساناً فقيهاً في خيمة، فنزل إليه فصلى معه، ثم سآله كمال الدين: من أين أنت؟ فقال: أنا قاضي مدينة كذا، فقال له كمال الدين: القضاة ثلاثة، قاضيان في النار، وهما أنا وأنت، وقاض في الجنة - وهو من لا يعرف أبواب هؤلاء الظلمة ولا يراهم - فلما كان من الغد أرسل السلطان، وأحضر كمال الدين إليه، فلما دخل كمال الدين عليه ورآه ضحك وقال: القضاة ثلاثة. فقال كمال الدين: نعم يا مولانا؛ فقال: والله صدقت؛ ما أسعد من لا يرانا ولا نراه. سنة ثمان واربعين وخمس مائة فيها خرجت الغز على أهل خراسان، وهم تركمان ما وراء اللهر، فالتقاهم سنجر، فاستباحوا عسكره قتلاً واسراً، ثم هجموا نيسابور، فقتلوا فيها قتلاً ذريعاً، ثم أخذوا بلخ، وأسر السلطان سنجر، فبقي في أيديهم -، وكانوا نحو مائة ألف - فلما ملكت الخطا ما وراء اللهر طردوا عنها هؤلاء الغز فنزلوا بنواحي بلخ، ثم ساروا وعملوا بخراسان ما لا يعمله الكفار من القتل والأسر والخراب والمصادرة والعذاب، ثم تجمع عسكر خراسان، فواقعوا الغز وقعات، كان الظفي في أكثرها للغز. وفي السنة المذكورة أخذت الفرنج عسقلان بعد عدة حصارات، وكان المصريون يمدونها بالرجال والذخائر، فاختلف عسكرها، وقتل منهم جماعة، فاغتنم الفرنج غفلتهم، فيكبوا الأسوار ودخلوها. وفيها توفي الزاهد ألفابد أبو العباس أحمد بن أبي غالب البغدادي الوراق. زاره السلطان مسعود في مسجده، فتشاغل عنه بالصلاة، وما زاده على أن قال: يا مسعود؛ اعدل وادع لي الله، أكبر وأحرم بالصلاة، فبكى السلطان، وأبطل المكوس والضرائب وتاب. وفيها توفي أبو الحسين إلىفاء أحمد بن منير الأطرابلسي ألفاعر المشهور. وكان رافضياً هجاء فائق النظم، وله ديوان.

стр. 907

وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن نصر المخزومي ألفالدي، المعروف بابن القيسراني ألفاعر المشهور ومن الشعراء المجيدين والأدباء المتفننين - وكان بينه وبين ابن منير المذكور معارضة كجرير والفيزدق في زمانهما، وبينهما مهاجاة ومكاتبات وأجوبة، وكانا مقيمين بحلب، ومتنافسين في صناعتهما كما جرت عادة التظراء، ومن شعر ابن المنير المذكور: وإذا الكريم رأى الخمول نزيلهفي منزل فالحزم أن يترحلا فالبدر لما أن تضاءل جد في ... طلب الكمال فحازه متنقل سفهاً لحلمك إن رضيت بمشربرنق ورزق الله قد ملأ الملا ساهمت عيسك مر عيشك قاعداً ... افلا فليت بهن ناصية الفل فارق ترق كالسيف سل فبان في ... متنيه ما أخفى القراب وأخمل لا تحسبن ذهاب نفسك ميتة ... ما الموت إلا أن تعيش مذلل لا ترض من دنياك ما أرضاك مندنس وكن طيفاًجلى ثم انجل وصل آلهجير بهجر قوم كلما ... أمطرتهم شهداً جنوا لك حنظلا لله علمي بالزمان وأهله ... ذنب الفضيلة عندهم أن تكمل طبعوا على لؤم الطباع فخيرهم ... إن قلت قال وإن سكت تأولا أنا من إذا ما الدهر هم بخفضه ... سامته همته السماك الأعزلا والطرابلسي نسبة إلى طرابلس، وهي مدينة بساحل الشام قريبه من بعلبك، وقد تزاد آلهمنة في أولها، فيقال: أطرابلس، وقوله: سفهاً بحلمك إن رضيت بمشرب ... رنق، ورزق الله قد ملأ المل إلىنق: بإلىاء والنون وألفاف: قال في الصحاح: وإلىنق بالتحريك: مصدر قولك: رنق الماء بالكسر إذا تكدر، وعيش رنق: أي كدر، والله أعلم - ومن شعر ابن القيسراني: والله لو أنصف العشاق أنفسهم ... فدوك فيها بما عزوا وما صانوا ما أنت حين تغشى في مجالسهم ... إلا نسيم الصبا والقوم أغصان وله هذا البيت من قصيدة وكان كثير الإعجاب به: وأهوى الذي أهوى له البدر ساجداً ... ألست تري في وجهه أثر الترب ومن معانيه البديعة قوله من جملة قصيدة رائقة: هذا الذي سلب العشاق نومهم ... أما ترى عينه ملأى من الوسن؟

стр. 908

ألفالدي نسبة إلى خالد بن الوليد المخزومي. قال ابن خلكان هذا بزعم أهل بيته، وأكثر المؤرخين وعلماء الأنساب يقولون إن خألفا - رضي الله تعالى عنه - لم يتصل نسبه، بل انقطع منذ زمان - والله أعلم -. وفيها توفي أبو الفتح عبد الملك بن عبد الله الكروخي آلهرو، المشهور بالخير والصلاح، ﵀. وفيها توفي الزاهد الواعظ أبو الحسن علي بن الحسن، درس بالصادرية وقام عليه الحنابلة لأنه تكلم فيهم، وكان معظماً مفخماً في الدولة معرضاً عن الدنيا. وفيها توفي الملك العادل علي بن السلار الكردي ثم المصري وزير الظافي العبيدي صاحب مصر. وكان سنياً شافعياً، شجاعاً مقداماً، شهماً مائلاً إلى أرباب الفضل والصلاح، عمر بالقاهرة مساجد، وكان مع هذه الأوصاف ذا سيرة جائرة وسطوة قاهرة. يحكى أنه دخل يوماً على الموفق أبي الكرم بن المعصوم، فشكا إليه حآله من غرامة لزمته بسبب الولاية، فلما أطال عليه الكلام قال له: والله إن كلامك لا يدخل في أذني، فحقد عليه لذلك، فلما ترقى إلى درجة الوزارة طلبه، فخاف منه واستتر مدة، فنادى عليه في البلد وأهدر دم من يخفيه، فأخرجه الذي خبأه، فخرج في زي امرأة بإزار، وخف فعرف وأخمد، وحمل إلى الملقب بالعادل، فأمر بإحضار لوح خشب ومسمار طويل، وأمر به فألقي على جنبه، وطرح اللوح تحت أذنه، ثم ضرب المسمار في أذنه الآخرى وصار كلما صرخ يقول له: دخل كلامي في أذنك أم لا؟ ولم يزل كذلك حتى نفذ المسمار من الأذن التي على اللوح، ثم عطف المسمار على اللوح، ويقال إنه شنقه بعد ذلك، ثم آل الأمر إلى أن جهز عسكراً إلى جهة الشام، وجعل عليه عباس بن أبي الفتوح مقدماً، فكره المقدم المذكور فياق الديار المصرية وما هو عليه فيها من إلىاحة، وما يقاسيه في لماء العدو فيزق على العادل من قتله على فياشه في واقعة يطول ذكرها نسأل الله ألفافية من شر الدنيا وغوائلها. وفيها توفي أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني المتكلم على مذهب الأشعري، كان إماماً مبرزاً فقيهاً متكلماً، تفقه على أبي نصر القشيري وأحمد الخوافي وغيرهما، وبرع في الفقه، وقرأ الكلام على أبي القاسم الأنصاري، وتفيد فيه.

стр. 909

وصنف كتباً، منها نهاية الإقدام في علم الكلام: وكتاب الملل والنحل وتلخيص الأقسام لمذاهب الأنام في الكلام وكان كثير المحفوظ، حسن المحاورة، يعظ الناس. دخل بغداد وأقام بها ثلاث سنين، فظهر له قبول كثير عند العوام، وسمع الحديث من علي ابن المديني وغيره، وكتب عنه الحافظ أبو سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني وذكره في كتاب الذيل. وشهرستان: بفتح السين المعجمة وإلىاء وسكون آلهاء بينهما والسين المهملة بعد إلىاء وقبل الألف المثناة من فوق وبعدها نون: وهو اسم لثلاث مدن: الأولى في خراسان بين نيسابور وخوارزم، وهي المشهورة، ومنها أبو الفتح المذكور، والثانية قصبة بناحية نيسابور من أرض فارس. والثالثة مدينة جي بأصبهان، بينها وبين مدينة أصبهان نحو ميل، وبها قبر الإمام إلىاشد بن المسترشد. وكان الشهرستاني المذكور يروي بالإسناد المتصل إلى النظام البلخي العالم المشهور ابراهيم بن بشار أنه كان يقول: لو كان للفياق صورة لارتاع لها القلوب، ولهدأ الجبال، ولجمر الغضا أقل توهجاً من حمله، ولو عذب الله أهل النار بالفياق لاستراحوا إلى ما قبله من العذاب. وكان يروي للدريدي أيضاً باتصال الإسناد إليه ومن قوله: ودعته حين لا تودعه ... روحي ولكنها تسير معه ثم افترقنا وفي القلوب لناضيق مكان وفي الدموع سعه ويروي أيضاً مسنداً إليه: يا راحلين بمهجة ... في الحب متلفة شقيه الحب فيه بلية ... وبليتي فوق البلية كل ذلك رواه ابن السمعاني في الذيل. وفيها توفي الإمام العلامة محيي الدين محمد بن يحيى النيسابوري شيخ الشافعية وصاحب الغزالي. انتهت إليه رئاسة المذهب بخراسان، وقصده الفقهاء من البلاد، صنف التصانيف ودرس بنظامية بلده، واستفاد منه خلق كثير، وبرع علماً وزهداً، وصنف كتاب: المحيط في شرح الوسيط والإنصاف في مسائل الخلاف، وغير ذلك من الكتب. ذكره الحافظ عبد ألفافي ألفارسي في تاريخ نيسابور، وأثنى عليه وقال: كان له حظ في التذكير واستمداد في سائر العلوم، وكان يدرس بنظامية نيسابور، ثم درس بمدينه هراة في المدرسة النظامية، ومن جملة مسموعاته ما سمعت من الشيخ أحمد بن علي المعروف بابن عبدوس بقراءة الإمام أبي نصر عبد إلىحمن ابن الأستاذ أبي القاسم عبد الكريم القشيري في سنة ست وتسعين وأربع مائة: وحضر بعض فضلاء عصره، وسمع فوائده وحسن ألفاظه

стр. 910

فأنشده: رواة الدين والإسلام تحيى ... بمحيي الدين مولانا ابن يحيى كأن الله رب العرش يلقي ... عليه حين يلقي الدرس وحيا توفي شهيداً - رحمه الله تعالى في شهر رمضان، قتلته الغز لما استولوا - على نيسابور، ولما مات رثاه جماعة من العلماء، ومن جملتهم أبو الحسن علي بن أبي القاسم البيقهي، قال فيه: يا سافكاً دم عالم متبحر ... قد طار في أقصى الممالك صيته بالله قل لي يا ظلوم ولا تخف ... من كان محيي الدين كيف تميته؟ وفيها توفي الحافظ خطيب مرو أبو طاهر محمد بن محمد المروزي. تفقه على أبي المظفر السمعاني وغيره، وسمع من طائفة. وكذا معرفة وفهم مع الثقة والفضل والتعفف. وفيها توفي شيخ الصوفية ببلدة الخطيب أبو الفتح محمد بن عبد إلىحمن الكشميهني المروزي، آخر من روى كتاب البخاري عن محمد بن أبي عمران. وفيها توفي هبة الله بن الحسين بن أبي شريك ألفاسب، وكان حشوياً مذموماً.: فيها توفي صاحب الأحوال والكرامات أبو الحسن المقدسي. ؟؟؟ سنة تسع وأربعين وخمس مائة فيها تمكن المقتفي بموت السلطان مسعود، وعرض عسكره، وكانوا ستة آلاف فارس، فأنفق فيهم ثلاثمائة ألف دينار، وجهزهم مع الوزير ابن هبيرة. وحرض بعض كبار الدولة السلطان محمد على قصد العراق، واستأذن في التقدم، فأذن في ذلك، فجمع التركمان وجاؤوا، فسار لحربهم المقتفي، ونازلهم أياماً، ثم عمل المصاف في رجب، فانهزمت ميسرة المقتفي، فحمل بنفسه ورفع الصرخة، وسل السيف وصاح: آل مضر، كذب الشيطان. فوقعت آلهزيمة على التركمان، وأخذ لهم في ما قيل أربعمائة ألف رأس غنم، وأسرت أولادهم، ثم مالوا على واسط، فسار ابن هبيرة بالعساكر، فهزمهم ورجع منصوراً، فتلماه المقتفي.

стр. 911

وفيها نزل ألفارجي علي بن مهدي - الملقب: عبد النبي - إلىتهامة اليمن بمن تبعه من العساكر، وهو يستبيح دماء الناس، وكانت عقيدته التكفير بالذنب. روى بالإسناد في سيرة الشيخ الكبير ألفارف بالله المعروف بالصياد: أحمد بن أبي الخير اليمني: قال صاحبه الشيخ الجليل ذو العطاء الجزيل شيخ شيوخ الطريقة وإمامهم عي علوم الحقيقة عبد الله بن علي الأسدي اليمني قال: كنت أنا والصياد متتآخيين بمدينة زبيد في زمن الحبشة، وكنا معتكفين في المسجد الجامع، فلما كان آخر دولة الحبشة سمعنا بظهور علي بن مهدي وإقبال الناس عليه - سمعنا به في قرية من قرى وادي زبيد - فقال لي الصياد: يا أخي سر بنا نشاهد هذا إلىجل، إن كان كما زعموا صألفا تباركاً بزيارته. قال: فتقدمت أنا وهو في يوم الأحد الثالث عشر من شعبان سنة تسع وأربعين وخمس مائة إلى أن وصلنا إلى المكان الذي هو فيه، فوجدنا معه خلما كثيراً - وهو يطعمهم التمر، ويقدمهم على الأكل أفواجاً أفواجاً، وقد نصبوا له خشباً من النخل، وبنوا له على رأسه بيتاً لا يطلعه إلا بدرجة فلما وصلنا قعدنا في طرف الناس إلى أن أكلوا جميعهم. وصاح صائحهم: من كان لم يأكل فلمات وإلا فلا يلومن إلا نفسه، فلم يجبه أحد، وطلعوا إلى السهوة التي هو قاعد عليها بغدأنه، وقد أبصرنا ولم نشعر بإبصاره لنا، فقال لبعض أصحابه: قدم إلى هذين إلىجلين - وأومى إلينا - فأتى رسوله فقال: أجيبوا الإمام - صلوات الله عليه - وهكذا ذكر: الصلاة عليه. قال فكر هنا، فلم يزل بنا حتى سرنا معه، فلما وصلنا إليه سلمنا عليه، فيحب بنا وبش بنا بشاشة عظيمة، وقدم الطعام إلينا، فقلنا: ما لنا به حاجة، نحن صيام، ولم نأكل شيئاً. فقال لنا: أريد من تفضلكما أن تصحباني إلى مسجد ألفازة، فأجبناه إلى ذلك، وخرج معنا في ذلك الوقت وقد تغدى فأخذنا طريق االساحل إلى أن وصلنا مسجد ألفازة، فدخلنا المسجد جميعاً بعد صلاة الضحى، فيكعنا ما شاء الله تعالى، وقعدنا ولم يقعد ابن مهدي المذكور، بل يطالع من ألفاب ساعة ومن ألفاقة ساعة، ولم يزل كذلك ساعة، ثم رمى نفسه في المحراب وقال: أنا جاركما من هذا الشخص الذي وصل إلينا - قلت: يعني أنا مستجير بكما منه - قال: فتقدمنا إلى ألفاب فإذا بزيلعي يمشي على البحر - وهو طويل وبيده عصا يتوكأ عليها - فلما وصل إلينا سلم علينا ودخل المسجد، فلما رأى ابن مهدي زعق عليه زعقة منكرة وقال: يا شيطان يا فتان، تدخل هذا المسجد اليوم؟! أقتلك وأريح

стр. 912

الناس منك. وحمل عليه يريد أن يضربه بالعصا، فأخذنا ندفعه عنه، ونسآله بالله أن يتركه لنا، فقد استجار بنا، فتركه، وركع ركعتين في المسجد، وودعنا، وخرج يمشي على الماء في طريقه التي أتى فيها. ورجع ابن مهدي إلى حالته الأولى يطالع من ألفاب تارة ومن ألفاقة تارة أخرى، فلما كان بعد ساعة أخرى، أقبل ورمى نفسه في المحراب وقال: أنا جاركما من هذا الذي وصل إلينا، فقمنا وطالعنا، وإذا برجل بدوي طويل أقبل من الخبت، وهو يمشي وبيده عصا، فلما وصل إلى المسجد سلم علينا، فلما رأى ابن مهدي في المحراب صاح عليه صيحة منكرة مثل الصيحة الأولى وقال: يا شيطان يا فتان، ما تعمل في هذا الموضع المبارك؟!! اليوم أريح الناس منك. وحمل عليه بعصا ليضربه، فلم نزل ندفعه عنه، ونسآله بالله أن يتركه، فلم يتركه إلا بشدة عظيمة. ثم ركع ركعتين في المسجد، وودعنا، ورجع في طريقه الذي جاء منها، فقال لنا ابن مهدي: أريد أن تصحباني إلى الموضع الذي وجدتماني فيه، فقال له الصياد: ما بقينا نصحبك، ولا نمشي معك. فلم يزل بنا حتى أنعمنا له أن نصحبه إلى قرية الأهواب - بالماء الموحدة - فلما خرجنا معه إليها تركناه ورجعنا إلى زبيد في ذلك اليوم، فأقمنا بها مدة يسيرة، فلما كانت سنة أربع وخمسين وخمس مائة كثرت العساكر معه، وظهر منه ما ظهر من التكفير بالذنب واستباحة دماء المسلمين. انتهى. وفي سنة تسع وأربعين وخمس مائة المذكورة جاءت الأخبار أن السلطان محمود شاه قاصد بغداد، فاستعرض المقتفي جيشه، فزادوا على اثني عشر ألف فارس، فضعف عزم محمد شاه، فخامر عليه جماعة أمراء، ولجؤوا إلى الخليفة. وجاءت الأخبار بما لحق السلطان سنجر من الذل له اسم السلطنة، ولا يلتفت إليه وأنه يبكي على نفسه. وفيها في صفر أخذ نور الدين دمشق من مجير الدين أحمد بن بوري بن طغتكين على أن يعوضه بحمص، ولم ثم ذلك له، فغضب وسار إلى بغداد، وبنى بها داراً فاخرة، وبقي بها مدة، وبعث المقتفي عهداً بالسلطنة لنور الدين، وأمره بالمسير إلى مصر، فاشتغل عن ذلك بحرب الفرنج. وفيها توفي الظافي بالله أبو منصور اسماعيل ابن الحافظ لدين الله العبيدي. كان منهمكاً في الملاهي والقصف، وكان يأنس إلى نصر بن عباس ولد وزيره، فدس عليه من قتله، وأخفى قتله، ثم ذهب إلى أبيه عباس فأعلمه بذلك، وكان أبوه قد أمره بقتله، لأن نصراً كان في غاية الجمال وكان الناس يتهمونه به فقال له أبوه: قد أتلفت عرضك بصحبة الظافي وتحدث الناس فيكما، فاقتله حتى تسلم من هذه التهمة، فقتله. فلما كان الصبح من تلك الليلة حضر عباس إلى باب القصر، وطلب الحضور عند الظافي في شغل منهم، فطلبه الخدم في المواضع التي عادته أن يبيت فيها، فلم يوجد، فقيل لعباس: ما نعلم أين هو، فنزل عن مركوبه، ودخل القصر بمن معه ممن يثق بهم، وقال للخدم: أخرجوا إلي أخوي مولانا، فأخرجوا له جبرائيل ويوسف ابني الحافظ، فسآلهما عنه فقالا: سل ولدك عنه فإنه أعلم به منا، فأمر بضرب رقابهما وقال: هذان قتلاه، هذه خلاصة هذه القضية. والجامع الظافيي الذي بالقاهرة داخل باب زويلة منسوب إليه، وهو الذي عمره ووقف عليه شيئاً كثيراً - على ما يقال والله أعلم -. وفيها توفي أبو البركات عبد الله بن محمد بن الفضل الفياوي النيسابوري، كان رأساً في معرفة الشروط، حدث بمسند أبي عوانة، ومات من الجوع بنيسابور في فتنة الغز. وفيها توفي أبو العشائر محمد بن خليل القيسي الدمشقي، صاحب الإمام نصر المقدسي. وفيها توفي الحافظ أبو المعز - المبارك ابن أحمد الأنصاري. وفيها توفي مؤيد الدولة - وزير صاحب دمشق. ورجعنا إلى زبيد في ذلك اليوم، فأقمنا بها مدة يسيرة، فلما كانت سنة أربع وخمسين وخمس مائة كثرت العساكر معه، وظهر منه ما ظهر من التكفير بالذنب واستباحة دماء المسلمين. انتهى. وفي سنة تسع وأربعين وخمس مائة المذكورة جاءت الأخبار أن السلطان محمود شاه قاصد بغداد، فاستعرض المقتفي جيشه، فزادوا على اثني عشر ألف فارس، فضعف عزم محمد شاه، فخامر عليه جماعة أمراء، ولجؤوا إلى الخليفة. وجاءت الأخبار بما لحق السلطان سنجر من الذل له اسم السلطنة، ولا يلتفت إليه وأنه يبكي على نفسه. وفيها في صفر أخذ نور الدين دمشق من مجير الدين أحمد بن بوري بن طغتكين على أن يعوضه بحمص، ولم ثم ذلك له، فغضب وسار إلى بغداد، وبنى بها داراً فاخرة، وبقي بها مدة، وبعث المقتفي عهداً بالسلطنة لنور الدين، وأمره بالمسير إلى مصر، فاشتغل عن ذلك بحرب الفرنج. وفيها توفي الظافي بالله أبو منصور اسماعيل ابن الحافظ لدين الله العبيدي. كان منهمكاً في الملاهي والقصف، وكان يأنس إلى نصر بن عباس ولد وزيره، فدس عليه من قتله،

стр. 913

وأخفى قتله، ثم ذهب إلى أبيه عباس فأعلمه بذلك، وكان أبوه قد أمره بقتله، لأن نصراً كان في غاية الجمال وكان الناس يتهمونه به فقال له أبوه: قد أتلفت عرضك بصحبة الظافي وتحدث الناس فيكما، فاقتله حتى تسلم من هذه التهمة، فقتله. فلما كان الصبح من تلك الليلة حضر عباس إلى باب القصر، وطلب الحضور عند الظافي في شغل منهم، فطلبه الخدم في المواضع التي عادته أن يبيت فيها، فلم يوجد، فقيل لعباس: ما نعلم أين هو، فنزل عن مركوبه، ودخل القصر بمن معه ممن يثق بهم، وقال للخدم: أخرجوا إلي أخوي مولانا، فأخرجوا له جبرائيل ويوسف ابني الحافظ، فسآلهما عنه فقالا: سل ولدك عنه فإنه أعلم به منا، فأمر بضرب رقابهما وقال: هذان قتلاه، هذه خلاصة هذه القضية. والجامع الظافيي الذي بالقاهرة داخل باب زويلة منسوب إليه، وهو الذي عمره ووقف عليه شيئاً كثيراً - على ما يقال والله أعلم -. وفيها توفي أبو البركات عبد الله بن محمد بن الفضل الفياوي النيسابوري، كان رأساً في معرفة الشروط، حدث بمسند أبي عوانة، ومات من الجوع بنيسابور في فتنة الغز. وفيها توفي أبو العشائر محمد بن خليل القيسي الدمشقي، صاحب الإمام نصر المقدسي. وفيها توفي الحافظ أبو المعز - المبارك ابن أحمد الأنصاري. وفيها توفي مؤيد الدولة - وزير صاحب دمشق. سنة خمسين وخمس مائة فيها عسكر طلائع بالصعيد، وأقبل لماخذ القاهرة، فانهزم منه عباس وابنه الذي كان قتل الظافي، ودخل طلائع القاهرة بأعلام مشهورة بثياب سود، مظهراً للحزن، وفي الأعلام شعور نساء القصر، كن يبعثن إليه بها في طي الكتب حزناً على الظافي. وفيها توفي الإمام العلامة أبو العباس أحمد بن معد التجيبي الأندلسي الأقليشي سمع أبا الوليد بن الدباغ وطائفة، وبمكة من الكروخي، وكان زاهداً عارفاً متفنناً صاحب تصانيف مفيدة،: له شعر في الزهد. وفيها توفي، الحافظ محدث العراق أبو الفضل، محمد بن ناصر البغدادي، اعتني

стр. 914

بالحديث بعد أن برع في اللغة. قال ابن النجار: كان ثقة ثبتاً، حسن الطريقة متديناً، فقير متعففاً نظيفاً نزهاً، وقف كتباًِ وخلف ثياباً خليقة وثلاثة دنانير، لم يعقب. وفيها توفي أبو الكرم الشهرزوري المبارك بن الحسن البغدادي شيخ المقرئين ومصنف المصباح في العشرة، كان صألفا خيراً، قرأ عليه خلق كثير، وأجاز له أبو الغنائم بن الشامون وطائفة، وسمع من اسماعيل بن مسعدة وغيره، وقرأ القراءات على عبد السيد بن عتاب وطائفة، وانتهى إليه علو الإسناد. وفيها توفي قاضي القضاة بالديار المصرية أبو المعالي محلي بن جميع القرشي المخزومي الشافعي. ولي بتفويض العادل بن السلار، وله كتاب الذخائر في المذهب، من المصنفات المعتبرة. وفيها توفي الحافظ السلامي البغدادي محمد بن ناصر. كان حافظ بغداد في زمانه، أديباً وافي الحظ من الأدب، كثير البحث عن الفوائد وإثباتها، روى عنه الأئمة فأكثر وأخذ عنه علماء عصره، منهم الحافظ أبو الفيج بن الجوزي وأكثر روايته عنه. وفيها توفي الفقيه ألفاضل الورع الزاهد عمر بن عبد الله بن سليمان بن السري اليمني من جبال اليمن. توفي بمكة حاجاً. روى القاضي أبو الطيب طاهر ابن الإمام يحيى بن أبي الخير اليمني أنه كان قد أصابه بثرات في وجهه، فيام معالجتها على يد الحكيم، وارتحل إليه وكان في ذي جبلة - فيأى ليلة قدومه إليه عيسى ابن مريم - صلوات الله على نبينا وعليه - فقال: يا روح الله؛ امسح على وجهي وادع ل؛ ففعل، فلما قام من آخر ليلته وأمر الماء على وجهه وجد فيه خفة، وأحس عافية، فاستبشر بصدق رؤياه. فلما أسفي نظر في المرآة، فإذا وجهه قد صح وأنار، فحمد الله تعالى، ورجع إلى منزله قد عاماه العليم الحكيم. قلت: انظر - رحمك الله - كيف رام الشفاء من علاج الحكمة الكسبية، فشفاه الله تعالى بحكم الحكمة الوهبية الآلهية، ولم يجعل ذلك على يد من هو أفضل منه من الأنبياء، رده باللطف ومناسبة الحكمة من حكيم إلى حكيم ليكون شفاؤه بفضل تقدير العزيز العليم. سنة إحدى وخمسين وخمس مائة فيها توفي مسند أصبهان أبو القاسم اسماعيل بن علي بن الحسين النيسابوري، ثم الأصبهاني الصوفي، نيف على مائة سنة.

стр. 915

وفيها توفي أبو الحسن علي بن أحمد اليزدي الشافعي المقرىء الزاهد، برع في القراءات والمذهب، وصنف في القراءات والفقه والزهد، وكان رأساً في الزهد والورع. وفيها توفي الشيخ أبو البيان بن محفوظ القرشي الشافعي اللغوي الدمشقي الصوفي المعروف بابن الحوراني، كان أستاذاً ملازماً للحفظ - والمطالعة، كثير العبادة بالمراقبة، كبير ألفان بعيد الصيت، صاحب أحوال ومقامات، لازماً للسنة والأثر. وله تآليف وأذكار مسجوعة وأشعار مطبوعة، وأصحاب ومريدون، وفقراء بهديه يقتدون. كان هو والشيخ رسلان شيخي دمشق في عصرهما. وفيها توفي الخطيب أبو الفضل يحيى بن سلامة. كان علامة الزمان في علمه ومقرىء العصر في نظمه ونثره ومن نظمه الممدوح قوله أشكو إلى الله من نارين: واحدة ... في وجنتيه وأخرى منه في كبدي ومن سقامين: سلم قد أحل دمي ... من الجفون، وسلم حل في جسدي ومن نمومين: دمعي حين أذكره ... يذيع سري، وواش منه بإلىصد ومن ضعيفين: صبري حين أذكره ... ووده، ويراه الناس طوع يدي وكان قد اشتغل بالأدب وبرع فيه، ثم اشتغل بالفقه على مذهب الإمام الشافعي، وأجاد فيه، وتولى الخطابة في فارقين، وتصدر للفتوى بها، واشتغل عليه الناس، وانتفعوا به، ولم يزل على رئاسته وجلالته وامادته إلى أن توفي - رحمه الله تعالى. سنة اثنتين وخمسين وخمس مائة فيها نازل بغداد محمد شاه ابن السلطان محمود، فاختلف عسكر المقتفي عليه، وقاتلت الشامة، ونهب ألفانب الغربي، واشتد الخطب، واقتتلوا في السفن أشد قتال، وفيق المقتفي الأموال والسلاح، ونهض أتم نهوض حتى إنه كان من جملة ما عمل له بعض الزخاجين ثمانية عشر ألف قارورة للنفط، ودام الحصار نحواً من شهرين، وقتل خلق كثير من الفييقين، وجاءت الأخبار بأخذ همذان - وهي لمحمد شاه - فقلق لذلك وقلت عليهم الميرة، وجرت أمور طويلة، ثم ترحلوا خائبين. وفيها خرجت الإسماعيلية على حجاج خراسان فقتلوا وسبوا، واستباحوا إلىكب
следующие страницы →