Полный текст (1 334 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
ويبالغ في الإنفاق حتى عرف بالجواد، وصار ذلك كالعلم عليه، وأثر آثاراً جميلة، واجرى الماء إلى عرفات أيام الموسم من مكان بعيد، وعمل الدرج من أسفل الجبل إلى أعلاه، وبنى سور مدينة إلىسول ﵌، وما كان قد خرب من مسجده، وكان يحمل في كل سنة إلى مكة والمدينة من الأموال والكسوات للفقراء والمنقطعين ما يقوم بهم مدة سنة. وكان له ديوان مرتب باسم أرباب إلىسوم والقصاد لا غير، وتنوع في فعل الخير حتى أنه جاء في زمنه غلاء مفرط، فواسى الناس حتى لم يبق له شيء، وكان إقطاعه عشر مغل البلاد على جاري عادة وزراء الدولة السلجوقية. وأخبر بعض وكلأنه أنه دخل يوماً فناوله بقيارة وقال له: بع هذا واصرف ثمنه إلى المحاويج، فقال له الوكيل: إنه لم يبق شيء عندك سوى هذا البقيار والذي على رأسك، وإذا بعت هذا ربما تحتاج إلى تغيير البقيار، فلا تجد ما تلبسه، فقال له: إن هذا الوقت صعب كما ترى، وربما لا أجد وقتاً أصنع فيه الخير كهذا الوقت، فخرج الوكيل، وباع البقيار وتصدق بثمنه. وله من النوادر أشياء كثيرة، وأقام على هذه ألفالة إلى أن توفي السلطان غازي وتولى أخوه قطب الدين، فاستكثر إقطاعه، وثقل عليه أمره، وقبض عليه، وحبسه إلى أن توفي مسجوناً في العشر الأخير من شهر رمضان - وقيل من شعبان في السنة المذكورة - وصلي عليه، وكان يوماً مشهوراً من ضجيج الضعفاء والأرامل والأيتام حول جنازته، ودفن بالموصل إلى بعض سنة ستين، ثم نقل إلى مكة - حرسها الله تعالى - وطيف به حول الكعبة بعد أن صعدوا به ليلة الوقفة إلى جبل عرفات، وكانو يطوفون به كل يوم مراراً مدة مقامهم بمكة، وكان يوم دخوله مكة يوماً مشهوراً من اجتماع الخلق والبكاء عليه وكان معه شخص مرتب يذكر مآثره، ويعقد محاسنه إذا وصلوا به إلى المزارات والمواضع المعظمة، فلما انتهوا به إلى الكعبة وقف وأنشد:
يا كعبة الإسلام هذا الذي ... جاءك يسعى كعبة الجود
قصدت في الشام وهذا الذي ... لم يخل يوماً غير مقصود
ثم حمل إلى مدينة إلىسول ﵌ ودفن بها بالبقيع بعد أن
стр. 947
أدخل المدينة وطيف به حول حجرة إلىسول ﵌. وكان ولده الملقب جلال الدولة من الأدباء الفضلاء البلماء الكرماء، وله ديوان رسائل أجاد فيه، وجمعه أبو السعادات بن الأثير وسماه: كتاب الجواهر واللآلىء من إملاء المولى الوزير الجلالي.
سنة ستين وخمس مائة
فيها وقعت فتنةهائلة بأصبهان تعصباً للمذاهب، وبقي الشر والقتل والقتال ثمانية أيام حتى قتل خلق كثير، وأحرقت أماكن كثيرة. وفيها توفي أبو المعمر حذيفة بن سعد الأزجي. وفيها توفي فقيه أهل الجزيرة أبو القاسم عمر بن محمد الشافعي الجزري، إمام جزيرة ابن عمر ومفتيها. تفقه على الإمام الغزالي وغيره، وسمع عليه وعلى أخيه، وصحب ألفاشي صاحب كتاب المستظهري، واشتغل أولاً على الشيخ أبي الغنائم السلمي ألفارقي وعلى الكبار، وصار أحفظ أهل زمانه للمذهب، وله مصنف كبيرعلى أشكالات المهذب وغريب ألفاظه وأسماء رجاله، وكان من العلم والدين في محل رفيع، وانتفع به خلق كثير. وفيها توفي القاضي أبو يعلى الصغير محمد بن محمد ابن القاضي الكبير، أبو يعلى ابن الفراء البغدادي الحنبلي. وكان موصوفاً بالذكاء والفصاحة، ولي قضاء واسط، ثم عزل منها. وفيها توفي أبو طالب العلوي محمد بن محمد بن محمد الشريف الحسني البصري نقيب ألفالبين. روى عن أبي علي التستري وجعفر العبادي وجماعة، واستقدمه ابن هبيرة لسماع السنن، فروى الكتاب بالإجازة سوى الجزء الأول، فإنه بالسماع من التستري. وفيها توفي أبو الحسن ابن التلميذ أمين الدولة هبة الله بن صاعد النصراني البغدادي شيخ قومه وقسيسيهم.
стр. 948
وفيها توفي شيخ الطب جالينوس عصره صاحب التصانيف ووزير المقتفي أبو المظفر الملقب عون الدين يحيى بن محمد بن هبيرة. دخل بغداد شاباً، فطلب العلم وتفقه، وسمع الحديث وقرأ القراءات، وشارك في الفنون، وصار من فضلاء زمانه. ثم دخل في الكتاب، وولي مصارف الخزانة، ثم ترقى وولي ديوان ألفاص، ثم استوزره المقتفي، فبقي وزيراً إلى أن مات، وكان شامة بين الوزراء لعدله ودينه وتواضعه ومعروفه وفضائله. روى عن جماعة، ولما ولاه المقتفي امتنع من لبس خلعة الحرير، وحلف أنه لا يلبسها. وكان مجلسه معموراً بالعلماء والفقهاء والبحث وسماع الحديث. وشرح: الجمع بين الصحيحين، وألف كتاب العبادات في مذهب الإمام أحمد. ومات شهيداً مسموماً، وسمع منه خلق كثير منهم الحافظ أبو الفرج بن الجوزي واختصر كتاب إصلاح المنطق، وله أرجوزة في المقصور والممدود، وأرجوزة في علم الخط، وغير ذلك. ومدحه الشعراء منهم: أبو الفتح محمد بن عبد الله سبط ابن التعاويذي، قال:
سقاها الحياء أربع وطلول ... حكت دنفي من بعدهم ونحولي
ضمنت لها أجفان عين قريحة ... من الدمع مدرار الشوؤن همول
لئن حال رسم ألفارعما عهدته ... فعهد الهوى في القلب غير محيل
خليلي قد هاج الغرام وشاقني ... سنا بارق بالأجر عين كليل
ووكل طرفي بالسهاد بنظرتي ... قضاء مليء بالديون ملول
إذا قلت قد أنحلت جسمي صبابة ... يقول: وهل حب بغير نحول
وإن قلت دمعي بالأسى فيك شاهدي ... يقول شهود الدمع غير عدول
فلا تعذلاني إن بكيت صبابة ... على ناقض عهد الوفاء ملول
فابرح ما تمنى به الصب في الهوى ... ملال حبيب أو ملام عذول
ودون الكئيب الفرد بيض عقائل ... لعين بألفاب لنا وعقول
غداة التقت ألفاظها وقلوبنا ... فلم يجل إلا عن دم وقتيل
ألا حبذا والي الأراك وقد وشت ... برياك ريحا شمأل وقبول
وفي أبرديه كلما اعتلت الصباشفاء فؤاد بالغرامعليل
دعوت سلواً فيك غير مساعد ... وحاولت صبراً عنك غير جميل
تعرفت أسباب الهوى وحملته ... على كاهل للنائبات حمول
فلم أحظ من حب الغواني بطائل ... سوى رعي ليل بالغرام طويل
إلى كم تمنيني اللمالي بما جد ... رزين وقار الحلم غير عجول
أهز اختيالاً في هواه معاطفي ... وأسحب تيهاً في ثراه ذيولي
لقد طال عهدي بالنوال وإنني ... لصب إلى تقبيل كف مثيل
стр. 949
وإن يدي يحيى الوزير لمافل ... بها لي، وعون الدين خير كفيل
وأهدي إلى الوزير عون الدين دواة بلور مرصعة بمرجان، وفي مجلسه جماعة فيهم حيص بيص، فقال الوزير: يحسن أن يقال في هذه الدواة شيء من الشعر، فقال بعض ألفاضرين:
ألين لماود الحديد كرامةً ... يقدره في السرد كيف يريد
ولان ذلك البلور وهو حجارة ... ومعطفه صعب المرام شديد
فقال حيص بيص له: إنما وصفت صانع الدواة، ولم تصفهما؟! فقال الوزير: من غيره؟ فقال حيص بيص:
صيغت دواتك من يوميك فاشتبها ... على الأنام ببلور ومرجان
فيوم سلمك مبيض يفيض ندى ... ويوم حربك قان بالدم ألفاني
وقد تقدمت حكاية عنه في السبب الذي نال به الوزارة في ترجمة السيد الجليل الولي الحفيل ذي الوصف الجميل والمجد الأثيل معروف - عرفنا الله تعالى بركته - في سنة مائتين.
سنة إحدى وستين وخمس مائة
فيها كثر ببغداد إلىوافض والسب، وعظم الخطب. وفيها توفي مسند أصبهان الإمام أبو عبد الله الحسن بن العباس الأصبهاني إلىستمي الفقيه الشافعي، سمع أبا عمرو بن منده وطائفة، وتفرد ورحل إليه، وكان زاهداً ورعاً خاشعاً فقيهاً مفتياً محققاً، تفقه بجماعة. وفيها توفي الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد المغربي الصنهاجي. روى عن أبي الحسن الجذامي والقاضي عياض، وكان عألفا بالحديث وطرقه وبالنحو واللغة والنسب، كثير الفضائل وقبره بظاهر بعلبك. وفيها توفي قطب الأولياء الكرام، شيخ المسلمين والإسلام، ركن الشريعة، وعلم الطريقة، وموضح أسرار الحقيقة، حامل راية علما للمعارف والمفاخر، شيخ الشيوخ وقدوة الأولياء العارفين الأكابر، أستاذ أرباب الوجود أبو محمد محيي الدين عبد ألفادر بن أبي صالح الجيلي، قدس الله روحه ونور ضريحه، لما تحلى ﵁ بحلل العلوم الشرعية ونال لمائفها، وتجمل بتيجان الفنون الدينية، وحاز شرائفها، وهجر في مهاجرته إلى الحق كل الخلائق، وتزود في سفره إلى ربه أحسن الآداب وأشرف الحقائق، وعقدت له ألوية الولاية فوق العلى ذوائبها، ورفعت له منازل جلي له، في سماء القرب
стр. 950
كواكبها، ونظر قلبه إلى رقوم الفتح في ذيول الكشف عن الأسرار، وشخص سره إلى شموس المعارف من مطالع الأنوار. وأشهدت بصيرته عرائس الحقائق في مقاصير الغيوب، وأسكنت سريرته حضرة القدس في خلوة وصل المحب بالمحبوب، ورفعت أسراره إلى مشاهد المجد والكمال، ودام إحضاره في معالم العز والجلال، هنالك نكشف له علم السر المصون، واتضح له حقيقة الحق المكنون، واطلع على معاني خفايا مكامن المكنونات، وشاهد مجاري القدر في تصاريف المشيئات، واخترع الحكم من معادنها، وأظهر التحف من مكامنها، فآتاه الله الأمر النقي من تدنيس التلبيس بالجلوس للوعظ والتصدر للتدريس. وكان أول جلوسه للوعظ في الحلبة النورانية في شوال سنة إحدى وعشرين وخمس مائة، فجلس مجلما لله درة من مجلس، تجلله الهيبة والبهاء، وتحف به الملائكة والأولياء، فقام بنص الكتاب والسنة خطيباً على الأشهاد، ودعا الخلق إلى الله تعالى فأسرعوا إلى الانقياد، فيا له من داع أجابته أرواح المشتاقين، ومن مناد لبته قلوب العارفين، ومن حاد هيم ركائب النفوس في فلوات الشوق إلى رؤية الجمال، ومن هاد ساق نجائب القلوب إلى حمى الوصال، ومن ساق روى عطاش العقول من شراب القدس، وشوقها إلى منادمة الحبيب على بساط الأنس، وكشف براقع اللبس عن وجوه المعارف، ورفع أغطية الغين عن عين شرائف اللمائف، وهز أعطاف القلوب بوصف جمال القدم، وأرقص أشباح الأرواح بسماع نعت كمال الكرم - وناغي أطيار الأسرار في صوامع قدسها بألفان لذيذ أنسها، فطارت من أركان أطورها في حبها إلى أنوار أنوار هامع جنسها، وجلى عرائس المواعظ فدهثى لبهجة حسنها العشاق، وزف مخدرات المواهب فصبا لمعنى جمالها كل مشتاق، ونطق بنفائس الحكم من رياض أنس أينعت مروجها، وأبرز جواهر التوحيد من بحار علوم تلاطمت أمواجها، يرى من معانيها درراً وياقوتاً، ويجد من درها دواء ومن ياقوتها قوتاً، ودبج روض الحقائق بحدائق ذات بهجة فيا لها للمالكين إلى الله محجة وحجة، وبث لآلىء الفتح على بساط الإفهام، فتسابق لالتقاطها أولو الألفاب والأقلام، فتنضدت منها فوائد هدى في أعناق ذوي الهمم العلية، يصل المتحلي بها بإذن الله تعالى إلى مقامات السنية، فجال في النفوس مجال الإنفاس في الصدور، وعبق بالقلوب عبق إلىوض الممطور، وأبرأ النفوس من أسقامها، وشفى الخواطر من أوهامها، فما سمعه إلا من أوضح بالتوبة دجونه، أو من اكتحل بالبكاء جفونه، فكم رد إلى الله عاصياً، وكم ثبت الله به واهياً، وكم أصحى من خمر الهوى سكارى، وكم فك من قيود الناس أسارى، وكم اصطفى الله به أوتاداً وأبدالاً، وكم وهب الله به مقاماً وحالاً، وما زالت نجائب المواهب ترحل إليه. رحمة الله ﵎ عليه:
عبد له فوق المعالي رتبة ... وله المماجد والفخار الأفخر
стр. 951
وله الحقائق والطرائق في الهدى ... وله المعارف كالكواكب تزهر
وله الفضائل والمكارم والندى ... وله المناقب في المحافل تنشر
وله التقدم والتعالي في العلى ... وله المراتب في النهاية تكبر
غوث الورى غيث الندى نور الهدى ... بدر الدجى شمس الضحى بل أنور
قطع العلوم مع العقول فأصبحت ... أطوارها من دونه تتحير
ما في علاه مقالة لمخالف ... فمسائل الإجماع فيه تسطر
قلت هذا ما ترجمه فيه بعضهم، وهو كذلك، بل فوق ذلك. وأما ترجمة الذهبي في قوله: والشيخ عبد ألفادر بن أبي صالح الزاهد: فمدحه بصفة الزهد، التي هي من أوائل منازل ألفالكين المبتدئين من المريدين، وقول: انتهى إليه التقدم في الوعظ والكلام على الخواطر؛ فغض من منصبه ألفالي، وقدح لا مدح فيما له من المفاخر والمعالي.
فمن مدح ألفادات أهل نهاية ... وسامي مقامات بأوصاف مبتدي
فقد ذمهم فيما به ظن مدحهم ... وكم معتد فيها بزعمه مهتدي
وهو ألفائل - رضي الله تعالى عنه - منطقاً بالهدى والمعارف والحكم. لا بالهوى والخرافات والخطوط التي تذمم:
ما في الصبابة منهل مستعذب ... إلا ولي فيه الألذ الأطيب
أو في الوصال مكانة مخصوصة ... إلا ومنزلتي أعز وأقرب
وهبت لي الأيام رونق صفوها ... فحلت مناهلها وطاب المشرب
وغدوت مخطوباً بالكل كريمة ... لا يهتدي فيها اللبيب ويخطب
أنا من رجال لا يخاف جليسهم ... ريب الزمان ولا يرى ما يرهب
قوم لهم في كل مجد رتبة ... علوية وبكل جيش موكب
أنا بلبل الأفراح أملىء دوحها ... طرباً، وفي العلماء باز أشهب
أضحت جيوش الحب تحت مشيئتي ... طوعاً ومهما رمته لا يعزب
أصبحت لا أملاً ولا أمنية ... أرجو، ولا موعودة أترقب
ما زلت أرتع في ميادين إلىضى ... حتى وهبت مكانة لا توهب
أضحى الزمان كحلة مرقومةتزهو ونحن لهالطراز المذهب
أفلت شموس الأولين، وشمسنا ... أبداً على فلك العلى لا تغرب
ذكروالشيخ عبد ألفادر بن أبي صالح الزاهد
نسبه ومولده وصنعته رضي الله تعالى عنه
أما نسبه ﵁ فهو الشيخ محيي الدين أبو محمد عبد ألفادر بن أبي صالح
стр. 952
موسى بن ابي عبد الله بن يحيى الزاهد بن محمد بن داود بن موسى بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى ابن أمير المؤمنين أبي محمد الحسن ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضوان الله تعالى عليهم - سبط أبي عبد الله الصومعي الزاهد، وبه كان يعرف حين كان بجيلان. وأما مولده ﵁: فسئل - رضي الله تعالى عنه - عن مولده فقال: لا أعلمه حقيقة، لكني قدمت بغداد في السنة التي مات فيها التميمي، وعمري إذ ذاك ثماني عشرة سنة. قال إلىاوي: والتميمي هذا هو أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب، توفي سنة ثمانين وأربع مائة، فيكون مولده رضي الله تعالى عنه سنة سبعين وأربعمائة، وذكر أبو الفضل أحمد ابن صالح الجيلي أن مولد الشيخ محيي الدين المذكور سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، وأنه دخل بغداد سنة ثمان وثمانين وأربع مائة وله ثماني عشرة سنة. قلت: وذكر بعضهم أنه منسوب إلى جيل بكسر الجيم وسكون المثناة من تحت وهي بلاد متفرقة وراء طبرستان، وبها ولد، ويقال لها أيضاً جيلان وكيلان، وكيل أيضاً قرية على شاطىء دجلة على مسيرة يوم من بغداد من جهة طريق واسط، ويقال: فيها أيضاً جيل - بالجيم - ومن ثم يقال: كيل العجم، وكيل العراق والجيل أيضاً قرية تحت المدائن، وفي النسبة يقال: جيلاني وكيلاني وجيلي وكيلي. وأمه رضي الله تعالى عنه أم الخير أمة الجبار: فاطمة بنت أبي عبد الله الصومعي، وكان لها حظ وافر من الخير والصلاح. والصومعي من جملة - مشايخ جيلان ورؤساء زهادهم، وله الأحوال والكرامات الجلية، وأخوه الشيخ أبو أحمد عبد الله - سنه دون سنه - نشأ نشوءاً صألفا في العلم والخبرة، ومات بجيلان شاباً، وعمته المرأة الصالحة أم محمد عائثة بنت عبد الله ذات الكرامات الظاهرة. روي أن بلاد جيلان أجدبت مرة، واستسقى أهلها، فلم يسقوا، فأتى المشايخ إلى دار الشيخة عائشة المذكورة، وسألوها الاستسقاء لهم، فقامت إلى رحبة بيتها، وكنست الأرض وقالت: يا رب، أنا كنست، فرش أنت! قال: فلم يلبثوا أن مطرت السماء كأفواه القرب، فرجعوا إلى بيوتهم يخوضون في الماء. وأما صفة الشيخ ﵁ فروي أنه كان نحيف البدن ربع الشامة، عريض الصدر عريض اللحية وطويلها، أسمر مقرون ألفاجبين، أدعج العينين، ذا صوت جهوري وسمت
стр. 953
بهي، وقدر علي علم وفي ﵁.
شيء من علمه وتسمية بعض شيوخه
قال بعض الأئمة المتكلمين في مناقبه: لما علم أن طلب العلم على كل مسلم فريضة، أنه شفاء للأنفس المريضة، إذ هو أوضح مناهج التقوى سبيلاً. وأبلغها حجة وأظهرها دليلاً، وأرفع معارج اليقين وأعلى مدارج المتقين، وأعظم مناصب الدين وأفخر مراتب المهتدين، وهو المرقاة إلى مقامات القرب والمعرفة، والوسيلة إلى المتولي بالحضرة المشرفة، شمر عن ساق الجد والاجتهاد في تحصيله، وسارع في طلب فروعه وأصوله، وقصد الأشياخ الأئمة أعلام الهدى علماء الأمة فاشتغل بالقرآن العظيم حتى أتقنه، وعمر بداريته سره وعلنه، وتفقه بالشيوخ، منهم: أبو الوفاء علي بن عقيل، وأبو الخطاب محفوظ ابن أحمد الكلوذاني، وأبو الحسين محمد ابن القاضي أبي يعلى، وأبو سعد المبارك بن علي المخزومي رضي الله تعالى عنهم - وأخذ عنهم مذهباً وخلافاً وفروعاً وأصولاً. وسمع الحديث من جماعة، منهم أبو غالب محمد بن الحسن ألفاقلاني، وأبو سعد محمد بن عبد الكريم، وأبو الغنائم محمد بن علي بن ميمون، وأبو بكر أحمد بن المظفر التمار، وأبو محمد جعفر بن أحمد ألفاري، وأبو القاسم علي بن أحمد الكرخي، وأبو عثمان اسماعيل ابن محمد الأصبهاني، وأبو طالب عبد ألفادر بن محمد، وابن عمه أبو طاهر عبد إلىحمن بن أحمد، وأبو البركات هبة الله بن المبارك، وأبو العز محمد بن المختار الهاشمي، وأبو نصر محمد، وأبو غالب أحمد، وأبو عبد الله يحيى أبناء الإمام أبي الحسن علي بن البنا، وأبو الحسين المبارك بن عبد الجبار، وأبو منصور عبد إلىحمن بن أبي غالب، وأبو البركات طلحة بن أحمد ألفاقولي وغيرهم - رحمة الله عليهم. وقرأ الأدب على أبي زكريا يحيى بن علي التبريزي، وصحب الشيخ ألفارف بالله قدوة المحققين وإمام ألفالكين وحجة العارفين أبا الخير حماد بن مسلم الدباس، وأخذ عنه علم الطريقة وتأدب به، وأخذ الخرقة الشريفة من يد القاضي أبي سعد المخرمي، ولقي الجماعة من أعيان شيوخ الزمان وأكابر المشايخ أولي العرفان. أكرم بهم مجداً وسودداً، وشرفاً وفخراً مؤبداً. فهم حماة ملة الإسلام وذوادها، وأنصار الشريعة وأعضادها، وأعلام الدين وأركانه، وسيوف الحق وسنانه. فقام - رضي الله تعالى عنه في أخذ العلوم الشرعية عنهم دائباً، وفي تلقي الفنون الدينية منهم واصباً. حتى فاق أهل زمانه. وتميز من بين أقرانه. ثم إن الله تعالى أظهره للخلق وأوقع له القبول العظيم الشام، عند ألفاص منهم والشام، والهيبة والجلالة الوافرة، والمناقب الشريفة ألفاخرة عند العلماء، وأظهر الله الحكم من قلبه على لمانه، وظهرت علامات قربه، من الله تعالى وإمارات - ولايته، وشواهد تخصيصه مع
стр. 954
قدم راسخ في المجاهدة والعبادة، وتجرد خالص من دواعي الهوى وشوائب إلىكون إلى ألفادة، ومقاطعة دائمة بجميع الخلائق، وصبر جميل في طلب مولاة بقطع العلائق، وتجرع الغصص على مر الشدائد والبلوى، ورفض كلي لجميع الأشغال اشتغالاً بالمولى. ثم لما أراد الله به نفع الخلائق بعدما تضلع من العلوم الظاهرة وأسرار الحقائق، أضيف إلى مدرسة أستاذه أبي سعد المخرمي مما حولها من المنازل والأمكنة ما يزيد على مثلها، وبذل الأغنياء في عمارتها أعمالهم، وعمل الفقراء فيها بأنفسهم، فتكملت المدرسة المنسوبة إليه الآن، وكان الفراغ منها في سنة ثمان وعشرين وخمس مائة، وتصدر فيها للتدريس والوعظ والفتوى، وجلس بها للوعظ وقصد بالزيارات والنذور، واجتمع عنده بها من العلماء والفقهاء والصلحاء جماعة كثيرون، انتفعوا بكلامه وصحبته ومجالسته وخدمته، وقصد إليه طلبة العلم من الآفاق، فحملوا عنه وسمعوا منه، وانتهت إليه تربية المريدين بالعراق، وولي خزانة الأسرار وأوتي مقاليد الحقائق، وسلمت إليه أزمة المعارف، وصرف في الوجود المغارب منه والمشارق، فأصبح قطب الوقت مرجوعاً إليه حكماً وعلماً، وقام بالنظر والفتيا نقضاً وبرماً، وبرهن على العلم فرعاً وأصلاً، وبين الحكم عقلاً ونقلاً، وانتصر للحق قولاً وفعلاً. وصنف كتباً مفيدة وأملأ فوائد فريدة، فتحدث بذكره إلىفاق، وسارت بفضله إلىكبان وانتشرت أخباره في الآفاق، وأعملت المطي إليه ومدت إليه الأعناق، وتنزهت في حدائق محاسنه الأعين، ونطقت ببدائع أوصافه الألسن، ولقب بإمام الفريقين وموضح الطريقين، وكريم الجدين ومعلم الطرفين، مشتملاً برداء المفاخر والفضائل، صادقاً فيه قول ألفائل:
بمقدمه انهل السحاب وأعشب ال ... عراق وزال الغي واتضح إلىشد
فعيدانه رند، وصحراؤه حمى ... وحصاؤه در وأمواجه شهد
يميس به صدر العراق صبابة ... وفي قلب نجد من محاسنه وجد
وفي الشرق برق من مقابس نوره ... وفي الغرب من ذكرى جلالته رعد
فأضحى الزمان مشرقة به مناكبه، والدين مشرفة به مناصبه، والعلم عالية به مراتبه، والشرع منصورة به كتائبه، فانتمى إليه جمع عظيم من العلماء، وتلمذ له خلق كثير من الفقهاء، حذفت ذكرهم اختصاراً لكثرة عددهم ومشقة ذكرهم. وكذلك لبس الخرقة منه خلائق لا يحصون - من الفقراء والمشايخ الكبراء والعلماء
стр. 955
الخبراء، وقد ذكرت في كتاب: خلاصة المفاخر في أخبار مناقب الشيخ عبد ألفادر وفي كتاب: نشر المحاسن ألفالية في فضل المشايخ أولي المقامات ألفالية، وغيرهما أن جمهور شيوخ اليمن يرجعون في لبس الخرقة إليه، بعضهم لبسها من يده لما قدمت أعلام فضائله عليهم، والأكثرون من رسول أرسله إليهم. وفيه وفي ألفاس الخرقة وانتساب معظم شيوخ اليمن في لبسها إليه. قلت في بعض القصيدات العشرة الأولة من هذه الأبيات:
وفي منهج الأشياخ ألفاس خرقة ... لهم سنة أصل روى ذاك عن أصل
ولبس اليمانيين يرجع غألفا ... إلى سيد سامي فخار على الكل
إمام الورى قطب الملا قائلاً على ... رقاب جميع الأولما قدمي أعلى
فطأطأ له، كل بشرق ومغرب ... رقاباً سوى فرد فعوقب بالعزل
مليك له التصريف في الكون نافذ ... بشرق وغرب الأرض والوعر والسهل
سراج الدجى شمس على فلك العلى ... بجيلان مبدؤها طلوعاً بلا أفل
طراز جمال مذهب فوق حلة ... غد الكون فيها الدهر يختال ذا رفل
يتيمة در زان عقد ولأنه ... يهيج على جيد الوجود به مجلي
لجدواك يا بحر الندى عبد قادرإلىيافعي ذو افتقار وذو محل
قفا هاهنا في رأس نهر عيونهم ... ملاها ومن بحر النبوة مستملي
وسبحانك اللهم رباً مقدساً ... وواسع فضل للورى فضله مولي
وأما كراماته ﵁، فخارجة عن الحصر، وقد ذكرت شيئاً منها في كتاب نشر المحاسن، وقد أخبرني من أدركت من أعلام الأئمة الأكابر أن كراماته تواترت، أو قريب من التواتر. ومعلوم بالاتفاق أنه لم يظهر ظهور كراماته لغيره من شيوخ الآفاق. وها أنا أقتصر في هذا الكتاب على واحدة منها، وهي ما روى الشيخ الإمام الفقيه العالم المقرىء أبو الحسن علي بن يوسف بن جرير بن معضاد الشافعي اللخمي في مناقب الشيخ عبد ألفادر بسنده من خمس طرق، وعن جماعة من الشيوخ الجلة أعلام الهدى العارفين المقنتين للاقتداء قالوا: جاءت امرأة بولدها إلى الشيخ عبد ألفادر، فقالت له: يا سيدي، إني رأيت قلب ابني هذا شديد التعلق بك، وقد خرجت عن حقي فيه لله ، ولك. فقبله الشيخ، وأمره بالمجاهدة وسلوك الطريق، فدخلت أمه عليه يوماً فوجدته نحيلاً مصفراًمن آثار الجوع والسهر، ووجدته يأكل قرصاً من الشعير، فدخلت إلى الشيخ فوجدت بين يديه إناء فيه عظام دجاجة مسلوقة قد أكلها، فقالت: يا سيدي؛ تأكل لحم دجاج ويأكل ابني خبز الشعير!! فوضع يده على تلك العظام وقال: قومي بإذن الله تعالى الذي يحيي العظام وهي
стр. 956
رميم، فقامت دجاجة سوية وصاحت. فقال الشيخ: إذا صار ابنك هكذا فلماكل ما شاء. وأما كلامه ﵁ فكثير جداً في انواع شتى، لا تسعه إلا مجلمات ودفاتر، وقد ذكرت شيئاً منه في كتاب: نشر المحاسن وخلاصة المفاخر. وها أنا أذكر منه ألفاظاً مختصرة في الشريعة المطهرة. قال رضي الله تعالى عنه: الإيمان طائر غيبي ينزل من أفق يختص برحمته من يشاء، فيسقط على شجرة قلب العبد، يترنم بلذيذ لحون يبشرهم ربهم، يطير من قفص صدر صاحبه إلى مقعد صدق الشريعة المحمدية - ثمرة شجرة الوجود -. الملة الإسلامية شمس أضاءت بنورها ظلمة الكون إتباع شرعه يعطي سعادة ألفارين. في قلب صاحب الشرع الأعظم ودائع بدائع الحكم. في أسرار صاحب الناموس الأكبر خزائن جواهر الغيب، اجعل قبول أمره طريقك إلى الله تعالى، صير كعبة عقلك مهبط أملاك كلمات أحكامه. من ماء غمام أقواله تشرب عطاش الأرواح. في عيون حياة ألفاظه يغتسل خطر العقول. نادى منادي الطلب للأرواح الشامنة في القوالب، آثار ساكن عزمها إلى العلى، طارت بأجنحة الغرام في فضاء المحبة، وقعت بعد التعب على أغصان الشوق، تناغت في شجرة بلابلها بمطربات ألفان الحنين إلى جمال وأشهدهم، وأزعجها هبوب نسيم الغرام إلى إعادة لذاذة ألست خرجت بعض تلك الطيور من أقفاص الصدور، ويتلمح أثراً من مطارها القديم، تنشق نسمة من مهب التكليم، تتذكر عيشها في ظل أثل الوص، تشكو جواها بعد بعاد الأحباب، فسمعت داعي الله تعالى بلمان إنسان عين الوجود، انتقش دعاؤه ﵌ في صفحات ألواح الأرواح، صارت دعوته ريحاً تهز أغصان أشجار القلوب، أضطربت فرسان العقول في ميادين الصور غراماً بما سمعت، اهتزت الألفاب بأيدي الوجد طرباً بذلك الوجد، صار عشقها له سراً من اسرار القدم، وأصبح ولههاً به، لطيفة من لمائف القدر، إذا أشرقت على النفوس الخربة أنوار الغيب حفظت الأسرار وارتفعت الحجب الظاهرة عن عيون بصائرها، لاحظت جمال صاحب الكون مشاهدته بصفاء مرايا الأسرار، كعبة كل عارف، موضع نظرات الحق منه أقرب الطرق إلى إلله تعالى، لزوم قانون العبودية والاستمساك بعروة الشريعة الإسلامية والاستقامة على جادة التقوى. أنسك بالله على قدر وحشتك عن غيره، ثقتك به على قدر معرفتك له، الكدر في الأعمال نوع من الحرمان. الانغماس في طلب الدنيا يثني العقل عن طلب الله ، الرياء في المطالب كسوف في شموس طلب ألفالب، والنفاق في المقاصد خدش في وجوه قصد ألفاصد، عدم المطلوب
стр. 957
عذاب القلوب، فرقة الأحباب عذاب العقول، علائق زهرة الدنيا حجاب يمنع من الوصول إلى ملكوت العلى، إقبالك على الله تعالى بوجه عبادتك سبب إقبالك عليه بوجه إلىحمة، لو بلغ طفل عقلك الأسد في حجر ألفاديب ما التفت إلى الدنيا، لكن هو بعد في مهد، شغلتنا أموالنا وأهلونا، الأرواح القاهرة قناديل هياكل الأجساد، العقول الصافية ملوك قصور الصور. يا غلام افتح عين قلبك لتلقى عرائس أسرار الأزل، وانتشق بمشم روحك هبوب نسيم لمائف القدر، إن الله تعالى وضع تماثيل الوجود على ساحل بحر الدنيا لامتحان عيون أهل البصيرة، وسلم من الالتفات إلى زخرفها أطفال أرواح
أقيمت في مقصورة الثبات، وربيت في حجور العصمة، وأرخيت عليها أكناف آيات الأمر، وكوشفت بلمائف محبات القدر، وجليت عليها عرائس الغيب. وقال رضي الله تعالى عنه: حليت عروس آدم في خلع، إن الله اصطفى، وسجدت الملائكة لسطوع نور " ونفخت فيه من روحي "، - الحجر ٢٩ - وسمع موسى فوق روضة الطور بلبلاً يترنم بلذيذ لحن: إني أنا الله. وانس ساقياً يفرغ شراب القدم في كؤوس، أنا اخترتك، أشتاق إلى رؤية ألفاقي، هزت أعطافه نشوات سكره، وكتب بيده شدة توقه في طرس عشقه حروفاً، أرني، فانقلب القلم في يده، فقال: لن تراني. قيل له عند انقضاء دولته: يا موسى؛ سلم بقلم إلىسالة لصاحب: " ويكلم الناس في المهد " - آل عمران ٤٦ - واعطه الدواة ليكتب في كتب توحيدي: إني عبد الله. وتنقش في صحف رسالته سطور: " ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد " - الصف ٦ - يمت في مقصورة الثبات، وربيت في حجور العصمة، وأرخيت عليها أكناف آيات الأمر، وكوشفت بلمائف محبات القدر، وجليت عليها عرائس الغيب. وقال رضي الله تعالى عنه: حليت عروس آدم في خلع، إن الله اصطفى، وسجدت الملائكة لسطوع نور " ونفخت فيه من روحي "، - الحجر ٢٩ - وسمع موسى فوق روضة الطور بلبلاً يترنم بلذيذ لحن: إني أنا الله. وانس ساقياً يفرغ شراب القدم في كؤوس، أنا اخترتك، أشتاق إلى رؤية ألفاقي، هزت أعطافه نشوات سكره، وكتب بيده شدة توقه في طرس عشقه حروفاً، أرني، فانقلب القلم في يده، فقال: لن تراني. قيل له عند انقضاء دولته: يا موسى؛ سلم بقلم إلىسالة لصاحب: " ويكلم الناس في المهد " - آل عمران ٤٦ - واعطه الدواة ليكتب في كتب توحيدي: إني عبد الله. وتنقش في صحف رسالته سطور: " ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد " - الصف ٦
وقال رضي الله تعالى عنه: طارت نحل الأرواح قبل وجود الأشباح من كورات كن في فضاء مروض التوحيد، ليرعى من زهر أشجار الأنس، ويأكل من ثمار أغصان المعرفة، ويتخذ بيوتاً في مواطن القدس فوق قمم جبال العز، ويسلك سبيل الدنو إلى ربها في حضرة العلو في مقام قربها، ويجني ثمرات الحضور بأيدي الهمم ألفالية، فاصطادها صياد القدر بشباك التكليف، وحصرها بيد الأمر في أقفاص الأشباح، فألهتها من الهياكل بهجة حسن الصفة، وألفت مساكن البشرية، فنسيت موطناً من القدس الأشرف، فأوحى ربك إلى نحل الأرواح أن اسلكي سبل ربك ذللاً في مسالك الأشباح، وكلي من كل ثمرات الشريعة، وارعي من أزهار أنوار الحقيقة. فلما طار طائرها ليرعى حب الحب من حدائق المجاهدة وقع في شرك المحبة، ورأى ماء البلاء في غدير الولاء، فقال: كيف الخلاص؟ روض أنيق
стр. 958
لكن ثمره مر، ومنهل عذب لكن فيه كم من غريق؟ فناداها حادي مطايا صدق الطلب بلمان النصح: يا أرباب الوله في حب معشوق الأرواح! ويا أصحاب الحرق في غاية أماني العارفين! ما بينكم وبين مطلوبكم سوى ارتفاع استار الصور، ولا يحجبكم عنه إلا حجب الهياكل، فطيروا إليه بأجنحة الغرام، واطلبوا عنده الحياة الأبدية، وموتوا عن شهوات إرادتكم ليحييكم به عنده في مقعد صدق. وقال رضي الله تعالى عنه: سرير الأسرار لا ينصب إلا في سرادق حق اليقين، وحق اليقين نقطة دائرة التوحيد، والتوحيد قاعدة بناء الوجود، الهوية الأحدية مغناطيس حديد قلوب العارفين، وإلىوضة الأبدية مراتع أسرار المكاشفين، كاشف الأرواح ليلة ألست بأسرار قدمه، الاطف العقول في مقام، وإذ أخذ بالألفاف تقرير عهده، باسط الخواطر في حضرة السرمدية بمباسطة، وأشهدهم بقرب إلى الأسرار في جناب الأزل بمخاطبة ألست، سقاهم كأس حبه بأيدي سقاة قربه، خرجوا إلى الدنيا وفي رؤوسهم نشوات ذلك الخمار، وفي عيون عقولهم بقايا رسوم ذلك الجمال، وفي أحداق قلوبهم يرفاه ذلك الجناب. واحرقتاه عليكم!! كيف تموتون وما عرفتم - ربكم؟!! الشجاعة صبر ساعة يا عجمي الفطنة، سافروا إلى بلاد العرب يا موتي الطبيعة، سافروا إلى بلاد هند الهداية. سقى بعض العارفين من هذا الشراب قطرة، وأفرغ ساقي القدر له منه بقية، فقامت روحه ترقص طرباً بين ندمأنه، قرأ لمان حال موسى وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً. قال المخبر عن صدق طلبه: " وخر موسى صعقاً " - الأعراف ١٤٣ - قيل: يا موسى؛ معدة طبعك ضعيفة عن تناول شراب، تجلي أنيق عينك ضيق عن مقابلة أنوار سبحات " ارني أنظر إليك " - الأعراف ١٤٣ - عين الحدث لا تنفتح في شعاع شمس القدم، ورد النظر ما يطلع في شجر كانون هذا الكون، أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا خلعة النظر في الدنيا مدخرة في خزائن الغيب لصاحب " قاب قوسين " - النجم ٩ - هذا الشرف لا يناله من الخلائق سوى سيد ولد آدم ويتيمة عقد البشر: " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده "، - الأنعام ١٥٢ -. قال إلىواة عنه: وأول كلام تكلم به على الناس على الكرسي - رضي الله تعالى عنه، قوله: أغواص الفكر يغوص في بحر القلب على درر المعارف، فيستخرجها إلى ساحل الصدر، فينادي عليها سمسار ترجمان اللمان، فتشتري بنفائس أثمان حسن الساعة " في بيوت أذن الله أن ترفع "، - النور ٣٦ -. قلت: فهذا ما أثرت الاقتصار على ذكره للاختصار من كلامه الجليل المقدار المشتمل على الحكم والمعارف والأسرار. وقد أشرت في بعض هذه الأبيات المختصرة إلى محاسن
стр. 959
كلامه المشتهرة، المنسوجة في الأسلوب الغريب الذي لم ينسج غيره على منواله العجيب:
أيا مادحاً نسجاً وشاه ابن جوزي ... حلاه بأسلوب بعنيك فاخر
كأنك لم تنظر نسيج معارف ... وأسرار زاهي حكمة وسرائر
بأطرف أسلوب وأطرف حلةوأشرف نسج باهجالحسن زاهر
لدى حضرة ألفاه أشرف صانع ... وأعرف أستاذ دعي عبد قادر
به شرف الأكوان قطب زمانه ... رداء مجده فيه طراز المفاخر
له قدم تسمو تعالى فخارها ... لها خضعت طوعاً رقاب الأكابر
وما نسج فتح من نفيس مواهب ... كنسج طباع من قريحة خاطر
وأين الثريا في علاها من الثرى ... وبل الندى في الفضل من وبل ماطر
كذا أين من باز العلى عاكف يرى ... على جيفة أو لاقط المتناثر
فما طائر تلقيه للماز صائداً ... وللماز تلقى صائداً كل طائر
وأين بعيد ألفار من ساكن الحمى ... نديم هوى في حضرة القدس حاضر
تسقى من إلىاح التي لم ريحها ... يرح ذاك، فضلاً عن شراب تداير
شريف معلى بل مولى على الورى ... وتصريفه قد عمهم غير قاصر
له في الوجود ألفاه والحكم نافذ ... خفير الورى في عصره غير خافر
لقد خفر الأكوان شرقاً ومغرباً ... وما في ضياء أخفرن أو دياجر
له الجن والأملاك والأنس كلهم ... يخافون لا شخص يرى غير حاذر
به اسأل، فإن ألفيت قولي مصدقاً ... وإلا أكذبن للمافعي في المحاضر
على روحه رضوان ربي مقدساً ... مدى الدهر زاكي النشر من غير آخر
وختمي لها حمدي لربي مصلما ... على المصطفى من قبل خلق العناصر
محمد الشامي على ذروة العلى ... غياث الورى عند الدواهي الذواعر
قلت: وأما اعتقاده فقد أخبرني - والله - من لا أشك في صدقه من أصحاب شيخ عصره وفريد دهره الشيخ نجم الدين الأصبهاني - قدس الله تعالى روحه - أنه قال: رجع آخراً عما كان يعتقده أولاً لما بلغه أن الفقيه الإمام ألفارع المشكور تقي الدين بن دقيق العيد المشهور تعجب من شذوذ الشيخ عبد ألفادر المذكور في اعتقاده عن موافقة الجمهور من المشايخ العارفين والعلماء المحققين في مسألة الجهة المعروفة. قلت: ومثل الشيخ نجم الدين المذكور إذا أخبر فعلى الخبير سقط المخبر، إذ هو من أهل الاطلاع ظاهراً وباطناً. أما ألفاطن فلأنه من أهل النور والكشف، وأما الظاهر فلقرب ألفار إذ كان العراق لهما موطناً، فهو الجامع - بين المعرفتين جميعاً مرتقياً في الولاية مقاماً
стр. 960
عزيزاً رفيعاً. ومما يؤيد ذلك ويدل على عدم اعتقاده الجهة والمكان في حال النهاية والعرفان كلامه المشهور عنه في مناقبه الثابتة برواية الرجال ألفائعة في البلمان، ومن ذلك قوله المشتمل على يواقيت الحكم وابتهاج النور، وهو هذا النسيج العجيب والأسلوب الغريب والدر المنثور. قال رضي الله تعالى عنه: نودي في معاقل الأفاق وفجاج الأكوان ومعالم المصنوعات أن سلمان الصفات القديمة وملك النعوت العظيمة يريد أن يمر على مسالك المعالم ويبدو في مشاهد الشواهد، فحدقوا عقولكم وصفوا سرائركم، وقيدوا أفكاركم وغضوا أبصاركم، واحصروا بلاغتكم وكفوا مناطقكم والسنتكم. فبرز من جناب العزة سنا بارق مجلل بالهيبة، مظلل بالعظمة، متوج بالجلال، مكلل بالكمال، أخذ بنواصي الأنوار قاهراً لمعاني الأسرار، فتجلى في حلل لطفه وتلطفه، ودنا بتقربه وتعرفه، له مطالع ومشارق، ولوائح وبوارق، وشواهد ومناطق، ومعارف وحقائق، وعوارف ومناشق، تجلو مطالعة " إلىحمن على العرش استوى " - طه ٥ - ويسفر مشارقه " وسع كرسيه السماوات والأرض " - البقرة ٢٥٥ - ويوضح لوامحه، " يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء "، - ألفائدة ٦٤ - ويكشف بوارقه " وهو معكم أينما كنتم "، - الحديد ٤ - ويبدي شواهده " والسماوات مطويات بيمينه "، - الزمر ٦٧ - ويفصح مناطقه " والله من ورأنهم محيط "، - البروج ٢٠ - وينادي معارفه " وهو السميع البصير "، - الشورى ١١ - ويطق حقائقه " ليس كمثله شيء "، - الشورى ١١ - ويشهد عوارفه " لا تدركه الأبصار "، - الانعام ١٠٣ - وتتأرج مناشقة " قل الله ثم ذرهم " وظهرت معه بدائع القدم في أحسن صورة من بهجة الكمال ألفارز من حريم العز، عليها من ملابس الجمال غرائب العجائب، فطاف بها طائف من ربك في طرائق المكنونات ومصنوعات المصنوعات ومكنونات ألفائنات، فوقع الكل في مهاوي الهيبة، وتاهوا في مهامه الدهشة، وإذا الندا من حضرة القدس " ألست بربكم " فقالوا بلمان الذل والخضوع في مقام التوحيد والإقرار بوحدانية إلهيته: بلى، وأشهدهم على أنفسهم لقيام الحجة، يوم تشهد عليهم ألسنتهم، فيتبع الخلائق ذلك ألفارق، وسلكوا نحوه طرائق، فاقتفى قوم ولم يستضيئوا هى من علم ولا إثارة، بل حكموا العقول ومقاييسها. فاتبعوا الأهوية وأباليسها. فمنهم طائفة ضلوا في تيه التمويه ووقعوا في التجسيم والتشبيه، الذين أهلكهم الشقاء حين ابتلى أخيارهم، وأولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم. ومنهم فرقة - حاروا في أضاليل التعطيل. ومنهم عصابة هلكوا ابأباطيل الحلول، وأغرقوا فأدخلوا ناراً، فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً. ومبادىء التوحيد والتنزيه تنادي في صفحات الوجود أن سلمان الصفات القديمة
стр. 961
وملك النعوت العظيمة إلى الآن في مقر العز والجلال ومظل القدرة والكمال. ما انتقل إلى مكان، لم يتغير عما عليه كان. يحتجب بجلال عزته في معالي كبريأنه وعظمته، فوجم العرش من خوف البطش، إذ جعل محلاً للافتراء ومجالاً للامتراء، وصاح بلمان إلىهبة من البعد: يا أرباب الغيبة عن إلىشد، إني منذ خلقت في دهشة الوله ووحشة التحير لمع لي من جناب الأزل بارق " إلىحمن على العرش استوى "، - طه ٥ - فلما صوبت نظري إلى نفسي وقع حده على جرم السماء فانطبع فيه: " ثم استوى إلى السماء "، - البقرة ٢٩ - فهبت فيها نظري، وشخص إليها بصري وطمحت إشراقات أنواره إلى عالم الثرى، فانتقش في طي مكنوناته مكتوب " واسجد واقترب "، - العلق ١٩ - فأتى رهين غريتي وقرين زفرتي، لا أسمع غير الأخبار ولا أشهد غير الآثار، وأتبع قوم سبيل إلىشاد في إشراق أنواره. ونصبو الشرع أمامهم، وأخذوا الحق إمامهم، واقتدوا بعساكر التوفيق
جنداً جنداً، وسبقت إليهم ركائب ألفاييد وفداً وفداً، وشموس الهداية تسري معهم، وعيون العناية ترعى مرتعهم وتجمعهم، فأوصلهم الصدق في اتباع الحق إلى مسالك التوحيد ومعارف التمجيد، وعلت بهم إلىتب إلى مقام القرب، وسقوط الكيف والتشبيه والحدود، ووجوب التنزيه والإجلال لواجب الوجود. قلت: فهذا بعض كلامه في ذلك محتوياً على التوحيد والتنزيه ومصرحاً بنفي التجسيم والتشبيه، مفصحاً بكون الحق تعالى لم ينتقل إلى مكان، ولم يتغيرعما عليه كان، جامعاً بين فصاحة العبارة وملاحة الاستعارة وكذلك قوله في المشاهدة: لا بد في الشهود من سقوط مشهودين ونفى تعلق الحط بالحيز والوقت والأين، ومحو ثبوت الفيق والجمع والقرب والبين. وقد ذكرت في كتاب نشر المحاسن. شيئاً من كلامه في الاعتقاد والأسرار وعلم ألفاطن. ومن كلامه أيضاً المروي عنه في مناقبه لما قيل له أن فلاناً - وسموا له بعض مريديه - يقول إنه يرى الله بعيني رأسه، فاستدعى به وسأله عن ذلك فقال: نعم، فانتهره ونهاه عن هذا القول، وأخذ عليه أن لا يعود إليه فقيل له: أمحق هذا - أم مبطل؟ قال: هو محق ملبس عليه، وذلك أنه شهد ببصيرته نور الجمال، ثم خرق من بصيرته إلى بصره منفذاً فرأى بصره ببصيرته يتصلى شعاعها بنور شهوده، فظن أن بصره رأى ما شهدته بصيرته، وإنما رأى بصره ببصيرته فحسب، وهو لا يدري. قال الله تعالى: " مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان "، - الرحمن٢٠ - وان الله يبعث بمشيئته على أيدي ألفافه أنوار جلاله وجماله إلى قلوب عباده، فتأخذ منها ما يأخذ المصور من الصور، ولا ضرر، ومن وراء ذلك رداء كبريأنه الذي لا سبيل إلى انخراقه. قال إلىاوي: وكان جمع من المشايخ والعلماء حاضرين هذه الواقعة، فأطربهم سماع هذا الكلام، ودهشوا من حسن إفصاحه عن حال إلىجل، وقام بعضهم ومزق ثيابه، وخرج إلى الصحراء عرياناً يعني هائماً. جنداً جنداً، وسبقت إليهم ركائب ألفاييد وفداً وفداً، وشموس الهداية تسري معهم، وعيون العناية ترعى مرتعهم وتجمعهم، فأوصلهم الصدق في اتباع الحق إلى مسالك التوحيد ومعارف التمجيد، وعلت بهم إلىتب إلى مقام القرب، وسقوط الكيف والتشبيه والحدود، ووجوب التنزيه والإجلال لواجب الوجود. قلت: فهذا بعض كلامه في ذلك محتوياً على التوحيد والتنزيه ومصرحاً بنفي التجسيم والتشبيه، مفصحاً بكون الحق تعالى لم ينتقل إلى مكان، ولم يتغيرعما عليه كان، جامعاً بين فصاحة العبارة وملاحة الاستعارة وكذلك قوله في المشاهدة: لا بد في الشهود من سقوط مشهودين ونفى تعلق الحط بالحيز والوقت والأين، ومحو ثبوت الفيق والجمع والقرب والبين. وقد ذكرت في كتاب نشر المحاسن. شيئاً من كلامه في الاعتقاد والأسرار وعلم ألفاطن. ومن كلامه أيضاً المروي عنه في مناقبه لما قيل له أن فلاناً - وسموا له بعض مريديه - يقول إنه يرى الله بعيني رأسه، فاستدعى به وسأله عن ذلك فقال: نعم، فانتهره ونهاه عن هذا القول، وأخذ عليه أن لا يعود إليه فقيل له: أمحق هذا - أم مبطل؟ قال: هو محق ملبس عليه، وذلك أنه شهد ببصيرته نور الجمال، ثم خرق من بصيرته إلى بصره منفذاً فرأى بصره ببصيرته يتصلى شعاعها بنور شهوده، فظن أن بصره رأى ما شهدته بصيرته، وإنما رأى بصره ببصيرته فحسب، وهو لا يدري. قال الله تعالى: " مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان "، - الرحمن٢٠ - وان الله يبعث بمشيئته على أيدي ألفافه أنوار جلاله وجماله إلى قلوب عباده، فتأخذ منها ما يأخذ المصور من الصور، ولا ضرر، ومن وراء ذلك رداء كبريأنه الذي لا سبيل إلى انخراقه.
стр. 962
قال إلىاوي: وكان جمع من المشايخ والعلماء حاضرين هذه الواقعة، فأطربهم سماع هذا الكلام، ودهشوا من حسن إفصاحه عن حال إلىجل، وقام بعضهم ومزق ثيابه، وخرج إلى الصحراء عرياناً يعني هائماً.
قلت: وقوله: ومن وراء ذلك رداء الكبرياء الذي لا سبيل إلى انخراقه - نحو مما أشار إليه الشيخ الكبير ألفارف بالله السيد الجليل شيخ الشيوخ أبو الغيث ابن جميل - قدس الله روحه - بقوله: كل خيال نقاب لوجه الأمر العزيزي، والأمر العزيزي نقاب لجلال جمال سبحات وجه الله الكريم فرضاً، لئلا يبرز من ذلك الجلال ذرة، فلا يبقى أحد من الثقلين، ولا من سواهما لا يعرف لله طاعة ولا عصياناً. قلت: قوله: لا يعرف لله طاعة ولا عصياناً: يظهر فيه لي احتمالان، الاحتمال الأول: الإشارة إلى الفناء الكلي، واصطلام الحس والمحسوس، وفقدان وجدان جميع الوجود لاستيلاء سلمان جلال الجمال في حالة الشهود، فلا يشعر حينئذ بطاعة ولا معصية ولا مطيع ولا عاصي. والاحتمال الثاني: أن يشهد القدر سابقاً المقدور بسوط - القضاء المبرم، وقائداً له إلى العلم ألفابق بزمام الحكم المحكم، وصار مزعجاً بالخروج إلى حيز الوجود من حيز العدم، واقعاً - لا محالة - بقدرة الملك ألفادر وإيجاد خالق كل شيء العزيز ألفاهر المهروب منه إليه المستعاذ به منه، جل وعلا وتبارك وتعالى. قلت: فهذا ما اقتصرت عليه من ترجمة قطب الأولياء الأكابر المتوج بتاج الشرف والمفاخر، شيخ الوجود ومطلع السعود، محيي الدين عبد ألفادر، الذي لا تسع ترجمة محاسنه إلا مجلمات، على هذه النبذة اليسيرة في نحو تصنيف كراسة صغيرة، وقد اقتصر الذهبي منهاعلى نحو سبعة أسطرحقيرة. وفي السنة المذكورة توفي الإمام الحافظ تاج الإسلام أبو سعد عبد الكريم بن محمد ابن منصور المروزي، محدث المشرق، صاحب التصانيف الكثيرة وإلىحلة الواسعة. سمع بنيساور وهراة وبغداد وأصبهان ودمشق، وله معجم شيوخه في عشر مجلمات. كان ثقة مكثراً واسع العلم كثير الفضائل، ظريفاً لطيفاً نبيلاً متجملاً شريفاً. وفي السنة المذكورة توفي القاضي الرشيد أبو الحسين أحمد ابن القاضي الرشيد أبي الحسن علي الغساني الأسواني. كان من أهل الفضل والنباهة وإلىئاسة، صنف كتاب جنان الجنان ورياض الأذهان وذكر فيه جماعة من مشاهير الفضلاء، وله ديوان شعر، ولأخيه القاضي المهذب ديوان شعر أيضاً، وكانا مجيدين في نظمهما ونثرهما، ومن نظم القاضي المهذب قوله في قصيدة:
стр. 963
وترى المجرة والنجوم كأنما ... تسقي الرياض بجدول ملآن
لو لم يكن نهراً لما عامت به ... أبداً نجوم الحوت والسرطان
وذكر العماد ألفاتب في كتاب السيل على الذيل الذي ذيل به على الخريدة أنه كان أشعر من أخيه الرشيد، والرشيد أعلم منه في سائر العلوم. قلت: ويشبه أن يكون نسبة هذين الأخوين الشريفين: إلىضي والمرتضى، فإن إلىضي كان أشعر، والمرتضى كان أعلم. وولي الرشيد المذكور النظر في ثغر الاسكندرية بغير اختياره، وقتله الوزير شاور ظلماً وكان أوحد عصره في علم الهندسة والرياضيات والعلوم الشرعيات، والآداب والشعريات. وقال العماد: أنشدني محمد بن موسى اليمني ببغداد قال: أنشدني القاضي الرشيد باليمن لنفسه في رجل:
لئن خاب ظني في رجائك بعدما ... ظننت فإني قد ظفرت بمنصفر
فإنك قد كلفتني محل منة ... ملكت بها شكري لدى كل موقف
لأنك قد حذرتني كل صاحب ... وأعلمتني أن ليس في الأرض من يفي
وله أيضاً مما نقله عنه العماد المذكور.
إذا ما نبت بالحر دار يودها ... ولم يرتحل عنها فليس بذي حزم
وهبه بها صباً ألم يدر أنه ... سيزعجه منها الحمام على رغم
وله أيضاً مما أنشده عنه أمير أبو الفوارس مرهف بن أسامة:
جلت علي إلىزايا بل جلت هممي ... وهل يضر جلاء الصارم الذكر
غيري بغيره عن حسن شيمته ... صرف الزمان وما يأتي من الغير
لو كانت النار للماقوت محرقة ... لمان يشتبه ألفاقوت بالحجر
لا تغررن بأطماري وقيمتها ... فإنما هي أصداف على درر
ولا تظن خفاء النجم من صغر ... فالذنب في ذاك محمول على البصر
وهذا البيت الأخير مأخوذ من قول أبي العلاء المعري، حيث قال فى قصيدة له طويلة:
والنجم تستصغر الأبصار رؤيته ... والذنب للطرف لا للنجم فى الصغر
وكان الرشيد قد سافر إلى اليمن رسولاً، ومدح جماعة من ملوكها. وممن مدحه منهم علي بن حاتم الهمداني، قال فيه:
لئن أجدبت أرض الصعيد وأقحطوا ... فلست أبالي القحط في أرض قحطان
стр. 964
ومذ كفلت لي مأرب بمأربي ... فلست على آسوان يوماً بأسوان
وإن جهلت حقي زعانف خندف ... فقد عرفت فضلي غطارف همدان
فحسده ألفاعي وهو في مذهب الإسماعيلية الذي يدعو الخلق إلى متابعة الإمام المعصوم على زعمهم في عدن على ذلك، فكتب بالأبيات إلى صاحب مصر، فكانت سبب الغضب عليه، فأمسكه وأنفذه إليهم مقيداً مجرداً، وأخذ جميع موجوده، فأقام باليمن مدة، ثم رجع إلى مصر، فقتله شاور كما تقدم، وقوله:
وإن جهلت حقي زعانف خندف ... فقد عرقت فضلي غطارف همدان
يحتاج إلى تفسير لمن ليس باللغة خبيراً، أما الزعانف فهي بالزاي ثم العين المهملة وبين الألف والماء نون - وهي اطراف الأديم وأكارعه، وأما خندف وهي بكسر الماء المعجمة وقبل ألفال المهملة نون ساكنة وهي قبيلة تنسب إلى أمها امرأة ألفاس بن مضر، واسمها ليلى. والخندفة مشية كالهرولة، ويقال: خندف إلىجل، إذا مشى قألفا قدميه كأنه يغترف بهما، وأما غطارف فهو بالغين المعجمة والماء المهملة وإلىاء بعد الألف جمع غطريف، وهو السيد، وفرخ ألفازي، وقحطان قبيلة مسماة باسم جدها وهو أبو اليمن وهمدان بألفال المهملة وسكون الميم قبلها قبيلة من اليمن. وأما بالذال المعجمة وفتح الميم فبلد بالعجم. والغساني بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المشددة نسبة إلى غسان، وهي قبيلة كبيرة من الازد، شربوا من ماء غسان، وهو باليمن فنسبوا إليه، ومنهم بنو جفنة رهط الملوك. ويقال غان اسم قبيلة، والأسواني نسبة إلى أسوان بضم الهمزة وسكون السين المهملة، وهي بلدة بصعيد مص.
سنة اثنتين وستين وخمس مائة
فيها سار أسد الدين السير الثاني إلى مصر ببعض جيش نور الدين، فنازل الجيزة شهرين، واستنجد وزيرمصرالفرنج، فدخلوا إلى النيل من دمياط، والتقوا، فانتصر أسد الدين، وقتل ألوف من الفرنج. قال ابن الأثير: هذه من أعجب ما أرخ أن ألفي فارس تهزم عساكر مصر والفرنج. ثم
стр. 965
استولى أسد الدين على بلاد الصعيد وتقوى بخراجها، وأقامت الفرنج بالقاهرة حتى استر أسوا، ثم قصدوا الاسكندرية وقد أخذها صلاح الدين، فحاصروه أربعة أشهر، ثم كرأسد الدين منجداً له، فترحلت الملاعين بعد أن قد استقر لهم بالقاهرة شحنة، وقطيعة مائة ألف دينار في الشام. وصالح شاور أسد الدين على خمسين ألف دينار، وأخذها ونزل الشام.
وفيها قدم قطب الدين صاحب الموصل على أخيه نور الدين، فغزوا الفرنج، فأخذوا حصناً بعد حصن. وفيها احتراق البلادين حرقاً عظيماً، حتى صار تاريخاً، وأقامت النار أياماً. وفيها توفي خطيب دمشق أبو البركات الخضر بن شبل الفقيه الشافعي، درس بالغزالية وبالمجاهدية، وبنى له نور الدين المدرسة المعروفة بالعمادية. وفيها توفي ابن حمدون صاحب التذكرة أبو المعالي محمد بن أبي سعد ألفاتب الملقب كافي الكفاءة البغدادي. كان فاضلاً ذا معرفة تامة بالأدب والكتابة، من بيت مشهور بإلىئاسة والفضل، صنف كتاب التذكرة، وهو من أحسن المجاميع، يشتمل على التاريخ والأدب والنوادر والأشعار، لم يجمع أحد من المتأخرين مثله، ذكره العماد ألفاتب في كتاب الخريدة، وأنشد لنفسه لغزاً في مروحة الجيش:
ومرسلة معقودة دون قصدها ... منفذة تجري لجيش طليقها
يمر خفيف الريح وهي مقيمة ... وتسري وقد سدت عليها طريقها
لها من سليمان النبي وراثة ... وقد عزمت نحو النبيط عروقها
إذا صدق النوء الشمالي أمحلت ... وتمطر والجوزاء ذاك حريقها
وتحسبها إحدى الصنائع أنها ... لذلك كانت كل روح صديقها
قلت: وفي المروحة أيضاً أنشدنا بعض شيوخنا، وهو الشيخ الصالح أبو بكر ابن ألفائغ لنفسه:
وفي عدن حر كأن لهيبه ... من النار في أرجأنها اليوم لافح
أدافع عني بالمراوح جيشه ... فيا ضعف من يحمي قفاه المراوح
стр. 966
وفيها توفي الإمام تاج الإسلام أبو سعد عبد الكريم بن أبي بكر محمد بن أبي المظفر منصور بن محمد التميمي السمعاني المروزي الفقيه الشافعي، ذكره الشيخ عز الدين أبو الحسن علي بن الأثير الجزري في مختصره فقال. أبوسعد واسطة عقد البيت السمعاني، وعينهم ألفاصرة ويدهم الناصرة، وإليه انتهت رئاستهم، وبه كملت سيادتهم. رحل في طلب العلم والحديث إلى شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها، إلى ما وراء النهر وسائر بلاد خراسان مرات، وإلى قومس والري وأصبهان وهمدان وبلاد الجبال والعراق والحجاز والموصل والجزيرة والشام وغيرها من البلاد التي يطول ذكرها ويتعذر حصرها، ولقي العلماء وجالسهم، وأخذ عنهم، واقتدى بأفعالهم الجميلة وأثارهم الحميدة، وروى عنهم. وكانت عدة شيوخه تزيد على أربعة آلاف شيخ، وكان حافظاً ثقة مكثراً واسع العلم كثير الفضائل ظريفاً لطيفاً مبجلاً نظيفاً نبيلاً شريفاً، وصنف التصانيف الحسنة العزيزة ألفائدة، من ذلك تذييل تاريخ بغداد الذي صنفه ألفاضل أبو بكر الخطيب وهو نحو خمسة عشر مجلما. وتاريخ مرو يزيد على عشرين مجلما، والأنساب نحو ثماني مجلمات وهو الذي اختصره الشيخ عز الدين المذكور، واستدرك عليه مختصره في ثلاث مجلمات. وكانت ولادة أبي سعد يوم الاثنين ألفادي والعشرين في شعبان سنة ست وخمس مائة، وكان أبوه إماماً فاضلاً مناظراً فقيهاً محدثاً شافعياً، وله عدة تصانيف وشعر غسله قبل موته وإملاء لم يسبق إلى مثله، وتوفي أبوه المذكور وقت فراغ الناس من صلاة الجمعة ثاني عشر صفر سنة عشر وخمس مائة. وفيها توفي الحافظ المفسر الواعظ الأديب المتقن أبو شجاع عمر بن محمد البسطامي.
؟؟؟
سنة ثلاث وستين وخمس مائة
وفيها أعطى نور الدين لنائبه أسد الدين حمص وأعمالها، فبقيت في يده مائة سنة. وفيها توفي أبو محمد عبد الله بن علي الأصبهاني المقرىء، كان عألفا زاهداً معمراً.
стр. 967
وفيها توفي أبو الحسين هبة الله بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر الفقيه الشافعي، قرأ القراءات وسمع الحديث وتفقه ودرس بالغزالية، وأفتى واعتنى بفنون العلم، وكان ورعاً خيراً كبير القدر، عرضت عليه خطابة البلد فامتنع. وفيها توفي الشيخ الكبير الولي الشهير ألفارف بالله الخبير ذو المقامات الطية والأحوال السنية والأنفاس الصادقة والكرامات ألفارقة والتصانيف المفيدة الوثيقة في الشريعة والحقيقة أبو النجيب عبد ألفاهر بن عبد الله السهروردي القرشي البكري، نسبة إلى أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - بينه وبينه اثنا عشر أباً، كان من أعيان المحققين وأعلام العلماء الشاملين وصفوة العارفين، وهو أحد من درس بالنظامية وتصدر للفتوى، وجمع ووضع التصانيف، وكان يلقب مفتي العراقين وقدوة الفريقين انعقد عليه إجماع المشايخ والعلماء بالاحترام، وأوقع الله له في الصدور القبول الشام، وكان يشرح أحوال القوم، ويتطيلس ويلبس لماس العلماء، ويركب البغلة ويرفع بين يديه - ألفاشية على ما نقله بعض العلماء في تصنيفه. ومن كراماته ما روى بعض أصحابه، وهو الشيخ أبو محمد عبد الله بن مسعود المعروف بإلىومي قال: مررت مرة مع شيخنا أبي النجيب بسوق السلطان ببغداد، فنظر إلى شاة مسلوخة معلقة عند جزار، فوقف عنده وقال له: إن هذه ألفاة تقول لي أنها ميتة، فغشي على الجزار، فتاب على يدي الشيخ المذكور، وأقر بصحة قوله. وله كرامات أخرى، وكلام نفيس ومحاسن جليلة لا نطول بذكر ذلك. وفيها قتل ظلماً القاضي المهذب أبو محمد الحسن ابن القاضي الرشيد الغساني الأسواني، وكان أوحد عصره في العلوم الشرعيات والهندسية والرياضيات والآداب والشعريات. ومن شعره ما تقدم من قوله في سنة إحدى وستين:
غيري يغيره عن حسن شيمته ... صرف الزمان وما يأتي من الغير
إلى آخر الأبيات
سنة أربع وستين وخمس مائة
فيها سار أسد الدين مسيره الثالث إلى مصر، وكانت الفرنج قد ملكت تنيس
стр. 968
وحاصروا القاهرة، وأخذوا كل ما كان خارج السور، فكاتب شاور نور الدين واستنجد به، وسود كتابه وجعل في طيه ذوائب نساء القصر. وكان نور الدين بحلب، فساق إليه أسد الدين من حمص، فجمع العساكر ثم توجه في عسكر يقال كان سبعين ألفا ما بين فارس وراجل، فتقهقرت الفرنج، ودخل القاهرة وجلس في دست الملك، وخلع عليه العاضد خلع السلطنة، وعهد إليه بوزارته، وقبض على شاور، فأرسل إليه العاضد بطلب رأس شاور، فقطعه، وأرسل به إليه.
وشاور المذكور كان قد ولاه الملك الصالح بلاد الصعيد، ثم لما مات الملك الصالح دخل القاهرة بالعساكر، وقتل الملك ولد الملك الصالح، وجلس مكانه. ثم بعد شهرين مات أسد الدين، فقلد العاضد منصبه ابن أخيه صلاح الدين يوسف ابن نجم الدين، ولقبه بالملك الناصر، ثم ثار عليه السودان، فحاربهم وظفر بهم وقتل منهم قتلاً عظيماً. وفيها توفي صاحب دمشق مجير الدين الملقب بالملك المظفر. وفيها توفي شاور مقتولاً كما ذكرنا، وقد تقدم ذكر قهره لوزير العاضد الملقب بالعادل، وقتله له وجلوسه في الوزارة مكانه. وفيها توفي شيخ المقرئين بالأندلس أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن هذيل. وكان فيه مجموع فضائل من القراءة والزهد والورع والتواضع والتقلل من الدنيا والإعراض عنها وكثرة الصيام والقيام والصدقة والتجويد والإتقان في القراءات. وفيها توفي القاضي زكي الدين أبو الحسن علي ابن القاضي أبي المعالي محمد بن يحيى القرشي قاضي دمشق، استعفي عن القضاء فأعفي، وسار فحج.
وفيها توفي أبو المعالي محمد بن أبي الحسن علي بن محمد القرشي الأموي العثماني، كان ذا فضائل عديدة من الفقه والأدب وغيرهما، وله النظم المليح والخطب وإلىسائل، وتولى القضاء بدمشق، وكانت له عند السلطان صلاح الدين المنزلة السنية
стр. 969
والمكانة المكينة، ولما فتح السلطان صلاح الدين مدينة حلب أنشده القاضي محيي الدين أبو المعالي المذكور قصيدة أجاد فيها كل الإجادة، وكان من جملتها هذا البيت:
وفتحك القلعة الشهباء في صفر ... مبشر بفتوح القدس في رجب
وكان كما قال، فإن القدس فتحت لثلاث بقين من رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، فقيل له: من أين لك هذا؟ فقال: أخذته من تفسير ابن برجان في تفسير قوله تعالى " ألم غلبت إلىوم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين " - إلىوم ا - ٣ - والمنقول عن ابن برجان أنه ذكر له حساباً طويلاً وطريقاً في استخراج ذلك حتى حرره من قوله تعالى " بضع سنين ". ولما ملك صلاح الدين المذكور حلب فوض الحكم والقضاء بها للماضي أبي المعالي المذكور. ولما فتح القدس تطاول إلى الخطابة بها يوم الجمعة كل واحد من العلماء الذين كانوا في خدمته حاضرين، وجهز كل واحد منهم خطبة بليغة طمعاً في أن يكون هو الذي يعتن لذلك، فخرج المرسوم للماضي أبي المعالي المذكور أن يخطب، وحضر السلطان وأعيان دولته، وذلك في أول جمعة صليت بالقدس بعد الفتح، فلما رقي على المنبر استفتح بسورة ألفاتحة ثم قال: فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين، ثم قرأ سورة الأنعام " الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور " إلى آخر الآيات الثلاث، ثم قرأ من سورة سبحان " وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولما ولم يكن له شريك في الملك " - الاسراء ١١١ - الآية، ثم قرأ من أول الكهف " الحمد لله " إلى اخر الثلاث الآيات، ثم قرأ من النمل " وقل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى " - النمل ٥٩ - ثم قرأ من سورة سبأ " الحمد لله " الخ الآية، ثم قرأ من سورة فاطر " الحمد لله فاطر السموات والأرض "، - فاطر ١ - وكان قصده أن يذكر جميع تحميدات القرآن الكريم، ثم شرع في الخطبة فقال:؟ الحمد لله معز الإسلام بنصره، ومذل الشرك بقهره، ومصرف الأمور جماعة أدباً كثيراً واتفقوا على فضله ومعرفته. بأمره، ومديم النعم بشكره، ومستدرج الكفار بمكره، الذي قدر الأيام دولاً بعدله، وجعل ألفاقبة للمتقين بفضله، وأفاء على عباده من ظله، وأظهر
стр. 970
دينه على الدين كله، ألفاهر فوق عباده فلا يمانع، والظاهرعلى خليقته فلا ينازع، والآمر بما شاء فلا يراجع، وألفاكم بما يريد فلا يدافع، أحمده على إظفاره وإظهاره، وإعزازه لأولمانه ونصره لأنصاره، وتطهيره بيته المقدس من أدناس الشرك وأوضار، حمد من استشعر الحمد باطن سره وظاهراً جهاره، وأشهد أن لا آله الا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد، شهادة من طهر بالتوحيد قلبه، وأرضى به ربه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، رافع الشك ودافع الشرك وداحض الإفك، الذي أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به منه إلى السموات العلى، إلى سدرة المنتهى، عندها جنة ألفاوى، ما زاغ البصر وما طغى، صلى الله عليه وعلى خيلفته أبي بكر الصديق ألفابق إلى الإيمان، وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول من رفع عن هذا البيت شعار الصلمان، وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذي النورين جامع القرآن وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مزلزل الشرك ومكسر الأوثان، وعلى آله وأصحابه وألفابعين لهم بإحسان. أيها الناس! أبشروا برضوان الله الذي هو الداية القصوى والدرجة العلما لما يسره الله على أيديكم من استرداد هذه ألفالة من الأمة ألفالة، وردها إلى مقرها من الإسلام بعد ابتذالها في أيدى المشركين قريباً من مائة عام، وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يرفع ويذكر فيها اسمه، وإماطة الشرك عن طرقه بعد أن امتد عليها رواقه واستقر فيها رسمه، ورفع قواعده بالتوحيد، فإنه بنى عليه وشيد بنيانه بالتمجيد، وإنه أسس على التقوى من خلفه ومن بين يديه، فهو موطن أبيكم ابراهيم ومعراج نبيكم عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، وقبلتكمم التي كنتم تصلون إليها في ابتداء الإسلام، وهو مقر الأنبياء ومقدس الأولياء، ومدفن إلىسل ومهبط الوحي، ومنزل به ينزل الأمر والنهي، وهو في أرض المحشر وصعيد المنشر، وهو في الأرض المقدسة التي ذكرها الله تعالى في كتابه المبين، وهو المسجد الذي صلى فيه رسول الله بالملائكة المقربين، وهو البلد الذي بعث الله إليه عبده ورسوله وكلمته التي ألفاها إلى مريم وروحه عيسى الذي كرمه برسالته، وشرفه بنبوته، ولم يزحزحه عن رتبة عبوديته، فقال تعالى: " لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون "، - النساء ١٧٢ - كذب العادلون بالله وضلوا ضلالاً بعيداً، ما اتخذ الله من ولد وما
كان معه إله، إذا لذهب كل إله بما خلق، وأملا الآية " لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم "، أألفائدة ١٧، ٧٢ - إلى آخر الآيات من ألفائدة..... وهو أول القبلتين وثاني المسجد وثالث الحرمين، لا تشد إلىحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه. وهذا نحو من ثلث خطبته، رمت الاقتصار إيثاراً للاختصار. وفيها توفي الحافظ أبو أحمد معمر بن عبد الواحد القرشي العبشمي الأصبهاني، معه إله، إذا لذهب كل إله بما خلق، وأملا الآية " لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم "، أألفائدة ١٧، ٧٢ - إلى آخر الآيات من ألفائدة..... وهو أول القبلتين وثاني المسجد وثالث الحرمين، لا تشد إلىحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا
стр. 971
تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه. وهذا نحو من ثلث خطبته، رمت الاقتصار إيثاراً للاختصار. وفيها توفي الحافظ أبو أحمد معمر بن عبد الواحد القرشي العبشمي الأصبهاني، سمع من جماعة كثيرين، واعتنى بالحديث وجمعه، ووعظ وأملا وكان ذا قبول ووجاهة، توفني في طريق الحجاز، رحمه الله تعالى.
؟؟
سنة خمس وستين وخمس مائة
فيها وقعت الزلزلة العظمى بالشام، وأطنب جماعة في تعظيمها حتى قال بعضهم هلك بحلب تحت الهدم ثمانون ألفا. وفيها حاصرت الملاعين الفرنج دمياط خمسين يوماً، ثم ارتحلوا من أجل أن نور الدين وصلاح الدين أجلما عليهم وعلى بلادهم براً وبحراً. وعن صلاح الدين أنه قال: ما رأيت أكرم من العاضد، أخرج إلي في هذه المرة ألف ألف دينار سوى الثياب وغيرها. يعني بالعاضد أحد الخلفاء العبيديين. وفيها حاصر نور الدين سنجار، ثم أخذها بالأمان، وتوجه إلى الموصل وبنى بها جامعاً، ورتب أمورها، ثم رجع فنازل الكر، ونصب عليها منجنيقي، ثم رحل عنها لحرب نجدة الفرنج، فانهزموا. وفيها توفي أبو الفضل أحمد بن صالح بن شافع الجيلي ثم البغدادي، أحد العلماء والمعدلين والفضلاء والمحدثين.
стр. 972
وفيها توفي صاحب الموصل وابن صاحبها السلطان قطب الدين مودود بن زنكي. وفيها توفي أبو المكارم عبد الواحد بن هلال الأزدي المعدل، سمع من غير واحد، وأجاز له الفقيه نصر، وكان رئيساً جليلاً كثير العبادة والبر. وفيها توفي أبو بكر بن النقور، بالنون وألفاف وفي آخره راء، عبد الله بن محمد البغدادي ثقة محدث من اولاد الشيوخ.
سنة ست وستين وخمس مائة
فيها توفي أبو زرعة طاهر ابن الحافظ محمد بن طاهر المقدسي ثم الهمذاني. وفيها توفي الحافظ المعدل أبو مسعود عبد إلىحمن بن أبي الوفاء علي بن أحمد الأصبها ني. وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن يوسف الزينبي شاطبة، سمع من جماعة قال بعضهم: كان عارفاً بالأثر مشاركاً في التفسير، حافظاً للفروع، بصيراً باللغة والكلام فصيحاً مفوهاً، مع الوقار والصمت والصيام والخشوع، ولي قضاء شاطبة، وحدث وصنف. وفيها توفي المستنجد بالله أبو المظفر يوسف ابن المقتفي لأمر الله محمد ابن المستظهر بالله أحمد بن المقتدي العباسي. وفيها توفي ابن الجلال القاضي الأديب موفق الدين يوسف بن محمد، صاحب ديوان الإنشاء. ولي بعده القاضي المعروف بألفاضل. وفيها توفي المعافري عبد الجبار بن محمد المغربي، كان إماماً في اللغة وفنون الأدب، اشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به، واشتغل ببغداد ودخل الديار المصرية.
سنة سبع وستين وخمس مائة
في أولها تجاسر صلاح الدين وقطع خطبة العاضد العبيدي، وخطب للمستضيء أمير
стр. 973
المؤمنين العباسي، فأعقب ذلك موت العاضد العبيدي يوم عاشوراء، فجلس صلاح الدين للعزاء، وبالغ في الحزن والبكاء، وتسلم القصر وما حوى، واهتبط على أهل القصر في مكان أفرد لهم، وقرر لهم ما يكفيهم، ووصل إلى بغداد أبو نصر سعد بن عصرون رسولاً بذلك، فزينت بغداد فرحاً وكانت خطبة بني العباس قد قطعت من مصر مائتي سنة وتسع سنين وحلت مكانها خطبة بني عبيد. فأرسله بالخلع لنور الدين وصلاح الدين، وكانت خلعة نور الدين فرجية وجبة وقباء وطوق ذهب وزنه ألف دينار، ومعها حصان بسرجه، وحصان يجنب بين يديه، وسيفان ولواء، فقفد السيفين إشارة إلى الجمع له بين الشام ومصر. وفيها سار نور الدين لحصار الكرك، وطلب صلاح الدين فاعتذي، فلم يقبل عذره، وهم بالدخول إلى مصر وعزل صلاح الدين عنها، فبلغ ذلك صلاح الدين فجمع خواصه وواله وخاله شهاب الدين ألفارمي في جماعة أمراء، واستشارهم فقال ابن أخيه عمر: إذا جاءنا ققاتلناه. وتابعه غيره على ذلك من ألفاضرين، فشتمهم والد صلاح الدين نجم الدين أيوب، وأحد وزيرهم، وقال لابنه: أنا أبوك وهذا خالك، في هؤلاء من يريد لك الخير مثلنا؟ فقال: لا، قال: والله لو رأيت أنا وهذا نور الدين لم يمكنا إلا أن ننزل نقبل الأرض، ولو أمرنا بضرب عنقك لفعلنا، فما ظنك بغيرنا، وهذه البلاد لنور الدين؟! ! فإن أراد عزلك فأي حاجة له في المجيء، بل يطلبك بكتاب. ثم تفرقوا وكتب غير واحد من الأمراء بهذا المجلس المذكور إلى نور الدين، فلما خلا نجم الدين بابنه قال: أنت جاهل، تجمع هذا الجمع وتطلعهم على سرك؟! فلو قصدك نور الدين لم تر منهم معك أحداً، فاكتب إليه واخضع له، ففعل. وفيها توفي يحيى بن سعدون بن تمام الأزدي القرطبي الملقب صائن الدين، أحد الأئمة المتأخرين في القراءات وعلوم القرآن الكريم والحديث والنحو واللغة وغير ذلك، ودخل الاسكندرية وسمع من جماعة كثيرة وكذلك بمصر، ودخل بغداد وقرأ القران، وسمع
стр. 974
الحديث على جماعة من أكابر زمانه، وكان ديناً ورعاً، عليه وقار وسكينة، وكان ثقة ثبتاً نبيلاً قليل الكلام كثير الخير مفيداً، وأقام بدمشق مدة، واستوطن الموصل، ودخل أصبهان، ثم عاد إلى الموصل، وأخذ عنه شيوخ ذلك العصر. قال ابن خلكان: وكان شيخنا قاضي حلب بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع يفتخر بقراءته عليه ورويته، وكان كل يوم يسمط له دجاجة، ويتولى طبخها بيده. وكان كثيراً ما ينشد مسنداً إلى أبي الخير ألفاتب الواسطي:
جرى قلم القضاء بما يكون ... فسيان التحرك والسكون
جنون منك أن تسعى لرزق ... ويرزق في غشاوته الجنين
وفيها توفي العلامة أبو محمد الخشاب عبد الله بن أحمد البغدادي النحوي المحدث، طلب وسمع وأكثر وقرأ الكثير وكتب بخطه المليح المتقن، وأخذ العربية عن أبي السعادات ابن الشجري وابن الجواليقي، وأتقن النحو واللغة والتصريف والنسب والفرائض والحساب والهندسة وغير ذلك، وصنف التصانيف. وكان إليه المنتهى في حسن القراءة وسرعتها وفصاحتها مع الفهم والعذوبة، وانتهت إليه الإمامة في النحو، وكان متضلما من العلوم، وخطه في نهاية الحسن، وكان ظريفاً مزاحاً، وله شعر قليل من ذلك قوله في كتاب اللغز:
وذي أوجه لكنه غير بائح ... بصر، وذو الوجهين للسر مظهر
تناجيك بالأسرار أسرار وجهه ... فتسمعها بالعين ما دمت تنظر
وهذا المعنى مأخوذ من قول المتنبي في ابن العميد:
خلقت صفاتك في العيون كلامه ... كالخط يملاء مسمعي من أبصرا
وشرح كتاب الجمل لعبد ألفاهر الجرجاني وسماه: المرتجل في شرح الجمل، وترك أبواباً في وسط الكتاب ما تكلم عليها، وشرح اللمع لابن جني ولم يكمله. وكانت فيه بزازة وقلة اكتراث بألفاكل والملابس، وسخ الثياب يسقى في جرة مكسورة، وما تأهل قط ولا تسرى. وذكر العماد انه كان بينه وبينه صحبة ومكاتبات، قال: ولما مات رأيته في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: خيراً، فقلت: فهل يرحم الله الأدباء؟ فقال: نعم، فقلت: وإن كانوا مقصرين؟ فقال: يجري عتاب كثير ثم يكون بعده النعيم. انتهى. قلت فافهم معنى هذا الكلام أيها الواقف عليه، إنما ذكر هذا للمقصرين في الخيرات لا للماصين أولي السيئات كأمثالنا. نسأل الله الكريم أن يسامحنا ويعفو عنا.
стр. 975
وفيها توفي العاضد لدين الله عبد الله ابن الحافظ لدين الله العبيدي المصري، أحد خلفاء ألفاطنية. وفي أيامه قدم حسين بن نزار بن المستنصري في جموع من المغرب، فلما قرب منه غدر به أصحابه، وقبضوا عليه وحملوه إلى العاضد، فذبحه صبراً. وكان موت العاضد بإسهال مفرط، وقيل: مات غماً لما سمع بقطع خطبته. وفيها توفي أبو الحسن بن النعمة على بن عبد الله الأنصاري الأندلسي، أحد الأعلام، تصدر لإقراء القرآن والحديث الفقه والنحو واللغة، وكان عألفا حافظاً للفقه والتفاسير ومعاني الآثار، مقدماً في علم اللمان -، فصيحاً مفوهاً ورعاً فاضلاً معظماً، دمث الأخلاق. انتهت إليه رئاسة الإقراء والفتوى، وصنف كتاباً كبيراً في شرح سنن النسائي بلغ فيه الداية. وفيها توفي أبو المظفر محمد بن أسعد بن الحكي، كان له القبول الشام في الوعظ بدمشق، سمع ودرس وصنف تفسير القرآن، وشرح مقامات الحريري. وفيها توفي أبو حامد النووي الطوسي الفقيه الشافعي محمد بن محمد، تلميذ محمد ابن يحيى. كان إليه المنتهى في معرفة علم الكلام والنظر والبلاغة والجدل، بارعاً في معرفة مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، وصنف في الخلاف تعليقة جيدة، وله جدل مليح سماه: المقترح في المصطلح، أكثر الفقهاء الاشتغال به، وشرحه الفقيه أبو الفتح مظفز بن عبد الله المصري شرحاً مستوفي، وكان حلو العبارة ذا فصاحة وبراعة، دخل بغداد فصادف قبولاً وافراً من الشام وألفاص، وكان يحضر عنده كل يوم خلق كثير، وله حلقة المناظرة بجامع القصر، ويحضر عنده المدرسون والأعيان، ويجلس للوعظ في النظامتة - ومدرسها يومئذ ألفاشي أحمد بن عبد الله - وكان هو يدرس في المدرسة النهائية قريباً من النظامية، يذكر فيها كل يوم عدة دروس. وذكر بعض المؤرخين أنه وعظ، وبعد صيته، وشغب على الحنابلة فأصبح ميتاً ويقال إن الحنابلة أهدوا له مع امرأة صحن حلواء مسمومة.
стр. 976
وفيها توفي الإمام أبو بكر الأزدي يحيى بن سعدون القرطبي النحوي، نزيل الموصل وشيخها، سمع بقرطبة ومصر وبغداد، وأخذ عن الزمخشري وبرع في العربية والقراءات، وتصدر فيها مدة. وكان ذا عبادة وورع، وتبحر في العلوم. وفيها توفي أبو الفتوح نصرالله بن قلانس ألفاعر اللخمي الإسكندري. كان شاعراً مجيداً وفاضلاً نبيلاً، صحب الشيخ الحافظ أبا طاهر السلفي، وانتفع بصحبته، وأثنى عليه الحافظ المذكور، ودخل بلاد اليمن، وامتدح بعض الوزارء في مدينة عدن، فأحسن إليه وأجزل صلتة، تم ركب البحر فغرق جميع ما كان معه، فعاد إليه عرياناً، وأنشده قصيدة مطلعها:
صدرنا وقد نادى السماح بنا ردوا ... فعدنا إلى مغناك والعود أمد
وأنشده أيضاً قصيدة مفتتحها:
سافر إذا حاولت قدراً ... سار الهلال فعاد بدرا
والماء يكسب ماجرى ... طيبا ًويخبث ما استقرا
وتنقل الدرر النفيسة ... بدلت بالبحر نحرا
ومعنى البيت الثاني مأخوذ من قول بديع الزمان: الماء إذا طال مكثه ظهر خبثه. والبيت الثالث مأخوذ من قول صرد ألفاعر وهو:
نقل ركابك في الفلا ... ودع الغواني في الخدور
لولا التنقل ما ارتقى ... درر البحور إلى النحور
سنة ثمان وستين وخمس مائة
فيها دخل قراقوش - بألفاق مكررة والشين المعجمة - ابن أخي السلطان صلاح الدين بلاد المغرب، فنازل طرابلس مدة وافتتحها - وكان للفرنج -. وفيها سار شمس الدولة أخو صلاح الدين إلى اليمن، فافتتحها وقبض على المتغلب عليها الزنديق المسمى بعبد النبي.
стр. 977
وفيها حاصر صلاح الدين الكرك، ولم يفتتحها في هذه المرة. وفيها سار نور الدين فافتتح بهنسة وغيرها، ثم دخل الموصل، ودان له صاحب إلىوم. وفيها توفي الأمير نجم الدين أيوب بن شاذي - بالشين والذال المعجمتين - ويلقب بالملك الأفضل، والد الملوك: صلاح الدين وسيف الدين وشمس الدولة وسيف الإسلام وشاهنشاه وتاج الملوك بوري وست الشام وربيعة خاتون، وأخو الملك أسد الدين. شب به فرسه، فحمل إلى داره ومات بعد أيام، وكان يلقب بالأجل الأفضل. وأول ما ولي نجم الدين المذكور ولاية قلعة تكريت بعد ولاية أبيه لها بتولية وإليها نائب السلطان غياث الدين مسعود السلجوقي، ثم إن النائب المذكورغضب على نجم الدين بسبب أخيه أسد الدين، وذلك أنه مرت عليه امرأة باكية، فسألها كن سبب بكأنها، فذكرت له أنه تعرض لها إنسان، فتناول أسد الدين حربة بيد ذلك الإنسان، وضربه بها فقتله، فأمسكه أخوه نجم الدين واعتقله، وكتب إلى النائب يعرفه بذلك، فوصل جوابه وهو يقول لأبيكما: علي حق، وبيني وبينه مودة مؤكدة، فما يمكنني أن أكافئكما بسيئة تصدر مني ولكني أشتهي منكما أن تخرجا من بلدي. فلما وصلهما الجواب ما أمكنهما المقام بتكريت، فخرجا منها، ووصلا إلى الموصل، فأحسن إليهما الأتابك عماد الدين زنكي، وزاد في إكرامهما والإنعام عليهما، وأقطعهما إقطاعاً جسناً، ثم لما ملك الأتابك قلعة بعلبك استخلف بها نجم الدين أيوب، وفيها بنى خانقاهاً للصوفية يقال لها النجمية - وهي منسوبة إليه - عمرها في مدة إقامته بها، وكان رجلاً مباركاً كثير الصلاح مائلاً إلى أهل الخير، حسن النية جميل الطوية، ديناً عاقلاً كريماً، وفي سيرته وما جرى له كلام طويل ذكروا في آخره أنه لما تولى ولده صلاح الدين وزارة الديار المصرية في أيام العاضد صاحب مصر من العبيديين استدعى أباه نجم الدين المذكور من الشام. - وكان في دمشق في خدمة السلطان نور الدين محمود بن زنكي - فجهزه نور الدين وأرسله إليه، فدخل القاهرة لست بقين من رجب سنة خمس وستين وخمسمائة، وخرج العاضد إلى لقائه إكراماً لولده صلاح الدين، وفعل معه من الأدب ما هو اللائق بمثله، وعرض صلاح الدين على والده المذكور أمر الوزارة كله، وجعله له فأبى
стр. 978
وقال: يا ولدي؛ ما اختارك الله لهذا الأمر إلا وأنت أهل له، ولا ينبغي أن تغير موضع السعادة. ولم يزل عنده حتى استقل صلاح الدين بمملكة البلاد - كما سيأتي في ترجمته - ثم خرج صلاح الدين إلى الكرك ليحاصرها، وأبوه بالقاهرة، فركب يوماً ليسير على عادة الجند فخرج من باب النصر - أحد أبواب القاهرة - فشبت به فرسه، فألقاه، وبقي متألفا أياماً، ثم توفي - رحمه الله تعالى -. وفيها توفي ملك النحاة أبو نزار الحسن بن صافي البغدادي. كان نحوياً بارعاً، أصولياً متكلماً، رئيساً ماجداً، قدم دمشق واشتغل بها، وصنف في الفقه والنحو والكلام، وعاش ثمانين سنة. وسمع الحديث، وقرأ مذهب الإمام الشافعي وأصول الدين على أبي عبد الله القيرواني، والخلاف على أسعد الميهن، وأصول الفقه على أبي الفتح بن برهان صاحب الوجيز والوسيط في أصول الفقه، وقرأ النحو على الفصيحي، والفصيحي قرأ على عبد القاهر الجرجاني صاحب الجمل الصغير، وسافر إلى خراسان وكرمان وغزنة، ورحل إلى الشام، واستوطن دمشق وتوفي بها. وله مصنفات كثيرة في الفقه والأصلين والنحو، وله ديوان شعر، ومدح النبي ﵌ بقصيدة، ومن شعره:
سلوت بحمد الله عنها فأصبحت ... دواعي الهوى من نحوها لا أجيبها
على أنني لا شامتإن أصابهابلاء، راض لواش بعيبها
ولقب نفسه ملك النحاة وكان يسخط على من يخاطبه بغير ذلك وأخذ عنه جماعة ادباء كثيراً واتفقوا على فضله ومعرفته.
سنة تسع وستين وخمس مائة
فيها توفي الملك العادل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، كان ملكاً عادلاً زاهداً عابداً ورعاً متمسكاً بالشريعة مائلاً إلى الخير مجاهداً في سبيل الله كثير الصدقات، بنى المدارس في بلاد الإسلام الكبار مثل دمشق وحلب وبعلبك ومنبج والرحب، وبنى بمدينة الموصل الجامع النوري، وبحماة الجامع الذي على نهر العاصي، وجامع
стр. 979
الره، وجامع منبج، ومارستان دمشق، ودار الحديث بها، وله من المناقب وألفاثر والمفاخر ما يستغرق الوصف، وكان في الأولياء معدوداً من الأربعين، وصلاح الدين من الثلاث مائة، ذكر ذلك بعض الشيوخ العارفين. لما قتل أبوه سار في خدمته صلاح الدين محمد بن أيوب وعساكر الشام إلى مدينة حلب وحماة وحمص ومنبج وحران فملكها، وملك أخوه سيف الدين الموصل وما والاها، ثم إن نور الدين نزل على دمشق محاصراً لها - وصاحبها يومئذ مجير الدين أتابك الملك رواق بن تتش بالمثناة من فوق مكررة ثم الشين المعجمة السلجوقي - وكان نزول نور الدين عليها ثالث صفر سنة تسع واربعين وخمس مائة، وملكها يوم الأحد تاسع الشهر المذكور، ثم استولى على بقية بلاد الشام من حمص وحماة وبعلبك - وهو الذي بنى سورها - ومنبج وما بين ذلك، وافتتح من بلاد الروم عدة حصون منها مرعش وبهنسا وتلك الأطراف، وافتتح أيضاً من بلاد الفرنج أيضاً حارم وعزاز وبانياس وغير ذلك مما يزيد عدته على خمسين حصناً، ثم سير الأمير أسد الدين عم صلاح الدين إلى مصر ثلاث مرات، وملكها السلطان صلاح الدين في المرة الثالثة نيابة عنه، وجعل اسمه في الخطبة والسكة.
стр. 980
وكان بينه وبين أبي الحسن سنان بن سليمان بن محمد الملقب راشد الدين صاحب قلاع الإسماعيلية ومقدم الفرقة الباطنية - وإليه تنسب الطائفة السنية مكاتبات ومحاورات بسبب المحاورة - فكتب إليه نور الدين في بعض الأزمنة كتاباً يهدده فيه ويتواعده بسب اقتضاء ذلك، فشق على سنان، فكتب جوابه أبياتاً ورسالة:
يا ذا الذي بقراع السيف هددنا ... لا قام مصرع جنبي حين تصرعه
قام الحمام إلى البازي يهدد ... فاستيقظت لأسود البر أصيعه
أضحى يسدفم الأفعى بإصبعهيكفيه ما قد تلاقي منه إصبعه
وقفنا على تفصيله وحمله وعلمنا ما هددنا به من قوله وعمله، فيا لله العجب من ذبابة تطن في أذن فيل وبعوضة تعد في التماثيل، ولقد قالها من قبلك قوم آخرون فدمرنا عليهم ما كان لهم من ناصرين، أو للحق تدحضون وللباطل تنصرون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. وأما ما صدر من قولك في قطع رأسي وقلعك لقلاعي من الجبال الرواسي فتلك أماني كاذبة وخيالالت غير صائبة، فإن الجواهر لا تزول بالأعراض كما أن الأرواح لا تضمحل بالأمراض، كم من قوي وضعيف، ودنيء وشريف، فإن عدنا إلى الظواهر والمحسوسات، وعدلنا عن البواطن والمعقولات فلنا أسوة رسول - الله ﵌ في قوله: " ما أوذي نبي ما أوذيت "، وقد علمتم ما جرى على عترته وأهل بيته وشيعته، والحال ما حال والأمر ما زال، ولله الحمد في الآخرة والأولى إذ نحن مظلومون لا ظالمون، ومغصوبون لا غاصبون، وإذا " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً "، وقد علمتم ظاهر حالنا وكيفية رحالنا، وما يتمنوه من الفوت ويتقربون به إلى حياض الموت قل " فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين "، - الجمعة ٦و٧ - وفي أمثال العاقة السائرة: أو للبط تهددون بالشط؟ فهيىء للبلايا جلباباً، وتدرع للرزايا أثواباً، فلأظهرن عليك منك ولأتعبنهم فيك عنك، فتكون كالباحث عن حتفه بظلفه، والجادع مارن أنفه بكفه، وما ذلك على الله بعزيز. وفي رواية: فإذا وقفت على كتابنا هذا فكن لأمرنا بالمرصاد ومن حالك على اقتصاد، واقرأ أول النحل وآخر ص. والصحيح أنه كتب هذا اللفظ إلى السلطان صلاح الدين بن أبي أيوب، وبالجملة فإن محاسن نور الدين كثيرة، وسيرته في حسنها شهيرة. وكانت وفاته - رحمه الله تعالى - بعلة
стр. 981
الخوانيق، وأشار عليه الأطباء بالقصد فامتنع، وكان مهيباً فما روجع ودفن في بيت بقلعة دمشق كان يلازم الجلوس فيه والمبيت أيضاً، ثم نقل إلى تربته بالمدرسة التي أنشأها عند باب سوق الخواصين. وروي عن جماعة أن الدعاء عند قبره مستجاب، وكانت ولادته سنة إحدى عشرة وخمس مائة، فجميع عمره نيف وخمسون سنة، وكان قد عهد بالملك إلى ولده الملك الصالح اسماعيل، فقام من بعده، وخرج السلطان صلاح الدين من مصر، وملك دمشق وغيرها في بلاد الشام، وتركه في مدينة حلب، ولم يزل بها حتى توفي سنة سبع وسبعين وخمسمائة. وكان لموته وقع عظيم في قلوب الناس، وتأسفوا عليه لأنه كان محسناً محمود السيرة - رحمه الله تعالى -. وفيها وعظ الشهاب الطوسي ببغداد فقال: ابن ملجم لم يكفر بقتل علي - رضي الله تعالى عنه - فرجموه بالآجر، وهاجت الشيعة، فلولا العلماء لقتل، وحرقوا منبره، وهيؤوا له للمعياد الآتي قوارير النفط - ليحرقوه، ولامه نقيب النقباء، فأساء الأدب، فنفوه، فذهب إلى مصر وارتفع بها شأنه وعظم. وفيها توفي الحافظ أبوعلي العطار الحسن بن أحمد الهمداني المقرىء الأستاذ، شيخ همدان وقارئها وحافظها. رحل وحمل القراءات والحديث، قرأ بواسطة علي القلانسي، وببغداد على جماعة، وسمع من ابن بيان وطبقته، وبخراسان من الفراوي وطبقته، وبرع على حافظ زمانه في حفظ ما يتعلق بالحديث من الأنساب والتواريخ والأسماء والكنى والقصص والسير، وله تصانيف في القراءات والحديث والرقائق في مجلدات كبيرة، منها كتاب زاد المسافر خمسون مجلداً. وكان إماماً في العربية، وحفظ في اللغة كتاب الجمهرة، وأخرج جميع ما ورثه، وكان أبوه تاجراً، وسافر مراراً ماشياً يحمل كتبه على ظهره، ويبيت في المساجد، ويأكل خبز الدخن إلى أن نشر الله تعالى ذكره في الآفاق. قال ابن النجار: هو إمام في علوم القرآن والحديث والأدب والزهد والتمسك بالأثر. وفيها توفي سعيد بن المبارك البغدادي النحوي المعروف بابن الدهان، صاحب التصانيف الكثيرة، ألف شرحاً للإيضاح في ثلاثة وأربعين مجلداً، وكان سيبويه زمانه. وفيها توفي المسمى بعبد النبي ابن المهدي، الذي تغلب على اليمن، وتلقب
стр. 982
بالمهدي. وكان أبوه أيضاً قد استولى على اليمن، فظلم وغشم وذبح الأطفال، وكان باطنياً من دعاة المصريين بني عبيد، وهلك سنة ست وستين، وقام بعده ولده المذكور فاستباح الحرائر وتمرد على الله فقتله شمس الدولة كما مضى. وفيها توفي الفقيه عمارة بن علي بن زيدان الحكمي المذحجي اليمني الشافعي الفرضي نزيل مصر وشاعر العصر. كان شديد التعصب للسنة أديباً
ماهراً، ولم يزل يماشي الحال في دولة المصريين إلى أن ملك صلاح الدين فمدحه، ثم إنه شرع في أمور وأخذ مع رفاق من الرؤساء في التعصب للعبيديين وإعادة دولتهم، فنقل أمرهم - وكانوا ثمانية - إلى صلاح الدين، فسبقهم في رمضان. ذكر في بعض تآليفه أنه من قحطان، وأن وطنه من تهامه اليمن: مدينة يقال لها برطان، من وادي سباع، وبعدها من مكة في مهب الجنوب أحد عشر يوماً. واشتغل بالفقه في زبيد مدة أربع سنين، وحج سنة تسع وأربعين وخمس مائة، وسيره قاسم بن هاشم صاحب مكة - شرفها الله تعالى - إلى الديار المصرية - وصاحبها يومئذ الفائزين الظافر - ومدحه ووزيره بقصيدة يقول فيها: هراً، ولم يزل يماشي الحال في دولة المصريين إلى أن ملك صلاح الدين فمدحه، ثم إنه شرع في أمور وأخذ مع رفاق من الرؤساء في التعصب للعبيديين وإعادة دولتهم، فنقل أمرهم - وكانوا ثمانية - إلى صلاح الدين، فسبقهم في رمضان. ذكر في بعض تآليفه أنه من قحطان، وأن وطنه من تهامه اليمن: مدينة يقال لها برطان، من وادي سباع، وبعدها من مكة في مهب الجنوب أحد عشر يوماً. واشتغل بالفقه في زبيد مدة أربع سنين، وحج سنة تسع وأربعين وخمس مائة، وسيره قاسم بن هاشم صاحب مكة - شرفها الله تعالى - إلى الديار المصرية - وصاحبها يومئذ الفائزين الظافر - ومدحه ووزيره بقصيدة يقول فيها:
الحمد للعيش بعد العزم والهمم ... حمداً يقوم بما أوليت من نعم
لا أجحد الحق عندي للركاب به ... تمنيت اللجم فيها ريتة الخطم
قرير، بعد مرار العيش من نظري ... حتى رأيت إمام العصر من أمم
وأجري من الكعبة البطحاء والحرم ... السامي إلى كعبة المعروف والكرم
إلى أن قال:
أقسمت بالفائز المعصوم معتقداً ... فوز النجاة، وأجري البر في القسم
لقد حمى الدين والدنيا وأهلهم ... وزيره الصالح الفراج للغمم
خليفة ووزير مد عدلهما ... ظلاً على مفرق الإسلام والأمم
زيادة النيل نقص عند فيضهما ... فما عسى تتعاطى منية الديم
فاستحسنا قصيدته، وأجز لاصلته، ثم رجع متوجهاً إلى مكة، ثم منها إلى زبيد في سنة إحدى وخمسين، ثم حج من عامه، فأعاده صاحب مكة المذكور في رسالة إلى مصر
стр. 983
مرة ثانية، فاستوطنها ولم يفارقها بعد. وكانت بينه وبين الكامل بن شاور صحبة مؤكدة قبل وزارته، فلما وزر استحال عليه فكتب إليه:
إذا لم يسالمك الزمان فحارب ... وباعد إذا لم تنتفع بالأقارب
ولا تحتقر كبداً ضعيفاً فربما ... تموت الأفاعي من سموم العقارب
فقد هد قدماً عرش بليقس هدهد ... وخرب فأر قبل ذا سد مأرب
إذا كان رأس ألفال عمرك فاحترز ... عليه من الإنفاق في غير واجب
مع أبيات اخرى بالغة في الحسن، وقوله: من أمم هو بفتح الهمزة والميم الأولى، يقال: أخذت ذلك من أمم أي من قرب. قال زهير: وحيره ما هم لو أنهم أمم أي: لو أنهم بالقرب مني. والأمم أيضاً الشيء اليسير، يقال: ما سألت إلا أمماً. وأما الأمم بضم الهمزة في قوله: ظل على مفرق الإسلام والأمم فهو جمع أمة.
سنة سبعين وخمس مائة
فيها قدم صلاح الدين وأخذ دمشق بلا ضربة ولا طعنة، وسار الصالح اسماعيل في حاشيته إلى حلب، ثم سار صلاح الدين فحاصر حمص بالمجانيق، ثم سار فأخذ حماة، ثم حاصر حلب، ثم رد وتسلم حمص، ثم عطف إلى بعلبك فتسلمها، ثم كر والتقى صاحب الموصل مسعود بن مودود فإنهزم عسكر الموصل أسوأ هزيمة، ثم وقع الصلح. واستناب بدمشق أخاه سيف الإسلام، وكان بمصر أخوه العادل. وفيها توفي أحمد بن المبارك خادم الشيخ عبد القادر الذي كان يبسط المرقعة له على الكرسي. وفيها توفي القاضي علي بن عمر بن عبد العزيز بن قرة اليمني. كان حافظاً في التفسير واعظاً على المنابر، مقبول الكلمة في أهل بلده عارفاً بتأويل الرؤيا. قيل: إن رجلاً رأى في المنام الفقيه نعيماً العشاري الذي كان يحفظ عشرة علوم، فسأله عن رؤيا فقال: إن تأويل الرؤيا يا صرف عني إلى القاضي علي بن عمر. توفي في الطرية - بتشديد الياء المثناة من تحت وفتح الطاء المهملة وكسر الراء - قرية في ناحية مسجد الرباط من بلاد اليمن بساحل عدن.
سنة احدى وسبعين وخمس مائة
فيها شنق السلطان المبتدع ابن مهدي - الملقب نفسه عبد
стр. 984
النبي - هو وأخوه أحمد في زبيد برسم السلطان شمس الدولة أول من ملك اليمن من بني أيوب. وابن مهدي المذكور من الآفات الكائنات والبليات والفتن العظيمات في بلاد اليمن. وفيها نقض صاحب الموصل الصلح، وسار إلى السلطان سيف الدين غازي، فالتقاه صلاح الدين بنواحي حلب، فانهزم غازي وجمعه - وكانوا ستة آلاف وخمس مائة - لم يقتل سوى رجل واحد، ثم سار صلاح الدين فأخذ منبج ثم نازل قلعة عزاز، ووثب عليه الإسماعيلية فجرحوه في خد، فأخذوا وقتلوا، وافتتح القلعة، ثم نازل حلب شهراً، ثم وقع الصلح: وترحل عنهم، وأطلق قلعة عزاز لولد السلطان نور الدين علي. وفيها توفي الفقيه الإمام المحدث البارع الحافظ المتقن الضابط ذو العلم الواسع شيخ الإسلام. ومحدث الشام ناصر السنة قامع البدعة، زين الحافظ بحر العلوم الزاخر، رئيس المحدثين المقر له بالتقدم، العارف ألفاهر ثقة الدين أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر، الذي اشتهر في زمانه بعلو شأنه، ولم ير مثله في أقرانه، الجامع بين المعقول والمنقول، والمميز بين الصحيح والمعلوم، كان محدث زمانه ومن أعيان الفقهاء الشافعية، غلب عليه الحديث واشتهر به، وبالغ في طلبه إلى أن جمع منه ما لم يتفق لغيره، رحل وطوف، وجاب البلاد ولقي المشايخ، وكان رفيق الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن السمعاني في الرحلة، وكان أبو القاسم المذكور حافظاً ديناً جمع بين معرفة المتون والاسانيد، سمع ببغداد في سنة عشر وخمسمائة من أصحاب البرمكي والتنوخي والجوهري، ثم رجع إلى دمشق، ثم رحل إلى خراسان، ودخل نيسابور وهراة وأصبهان والجبال، وصنف التصانيف المفيدة، وخرج التخاريج، وكان حسن الكلام على الأحاديث محظوظاً على الجمع والتأليف، صنف التاريخ الكبير لدمشق في ثمانين مجلداً، أتى فيه بالعجائب، وهوعلى نسق تاريخ بغداد.
стр. 985
قال الإمام ابن خلكان: قال لي شيخنا الحافظ العلامة زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري - رحمه الله تعالى - وقد جرى ذكر تاريخ ابن عساكر المذكور، وأخرج لي منه مجلداً، وطال الحديث في أمره واستعظامه: ما أظن هذا الرجل إلا عزم على وضع هذا التاريخ من يوم عقل على نفسه، وشرع في الجمع من ذلك الوقت، وإلا فالعمر يقصرعن أن يجمع الإنسان فيه مثل هذا الكتاب بعد الاشتغال والتنبيه. قال: ولقد قال الحق، ومن وقف عليه عرف حقيقة هذا القول، ومتى يتسع الإنسان الوقت حتى يضع مثله، وهذا الذي ظهر هو الذي اختاره، وما صح له إلا بعد مسودات ما يكاد ينضبط حصرها، وله تآليف حسنة غيره، وأخرى ممتعة، قال: وله شعر لا بأس به، فمن ذلك قوله على ما قيل:
ألا إن الحديث أجل علم ... وأشرفه الأحاديث العوالي
وأنفع كل علم منه عندي ... وأحسنه الفوائد في الأمالي
وإنك لن ترى للعلم شيئاً ... محققه كأفواه الرجال
فكن يا صاح ذا حرص عليه ... وخذه من الرجال بلا ملال
ولا تأخذه من صحف فترمى ... من التصحيف بالداء العضال
ومن المنسوب إليه أيضاً:
أيا نفس ويحك جاء المشيب ... فماذا التصابي وماذا العزل
تولى شبابي كأن لم يكن ... وجاء مشيبي كأن لم يزل
كأني بنفسي على غرة ... وخطب المنون بها قد نزل
فياليت شعري ممن أكوان ... وما قدر الله لي في الأزل
وقد التزم في هذه الأبيات ما لا يلزم، وهو اطراد الزاي قبل اللام، والبيت الثاني هو بيت علي بن جبلة حيث يقول:
شباب كأن لم يكن ... وشيب كأن لم يزل
وليس بينهما إلا تغييريسير كما تراه. وقال بعض أهل العلم بالحديث والتواريخ: ساد أهل زمانه في الحديث ورجاله، وبلغ فيه الذروة العليا، ومن تصفح تاريخه علم منزلة الرجل في الحفظ. قلت: بل من تأمل تصانيفه من حيث الجملة علم مكانه في الحفظ والضبط للعلم والاطلاع وجودة الفهم والبلاغة والتحقيق والاتساع في العلوم، وفضائل تحتها من المناقب والمحاسن كل طائل. ومن تآليفه الشهيرة المشتملة على الفضائل الكثيرة كتاب: تبيين كذب المفتري فيما ذسب إلى الشيخ الإمام أبي الحسن الأشعري. جمع فيه بين حسن العبارة والبلاغة والإيضاح والتحقيق
следующие страницы →