Полный текст (1 334 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
الخوانيق، وأشار عليه الأطباء بالقصد فامتنع، وكان مهيباً فما روجع ودفن في بيت بقلعة دمشق كان يلازم الجلوس فيه والمبيت أيضاً، ثم نقل إلى تربته بالمدرسة التي أنشأها عند باب سوق الخواصين. وروي عن جماعة أن الدعاء عند قبره مستجاب، وكانت ولادته سنة إحدى عشرة وخمس مائة، فجميع عمره نيف وخمسون سنة، وكان قد عهد بالملك إلى ولده الملك الصالح اسماعيل، فقام من بعده، وخرج السلطان صلاح الدين من مصر، وملك دمشق وغيرها في بلاد الشام، وتركه في مدينة حلب، ولم يزل بها حتى توفي سنة سبع وسبعين وخمسمائة. وكان لموته وقع عظيم في قلوب الناس، وتأسفوا عليه لأنه كان محسناً محمود السيرة - رحمه الله تعالى -. وفيها وعظ الشهاب الطوسي ببغداد فقال: ابن ملجم لم يكفر بقتل علي - رضي الله تعالى عنه - فرجموه بالآجر، وهاجت الشيعة، فلولا العلماء لقتل، وحرقوا منبره، وهيؤوا له للمعياد الآتي قوارير النفط - ليحرقوه، ولامه نقيب النقباء، فأساء الأدب، فنفوه، فذهب إلى مصر وارتفع بها شأنه وعظم. وفيها توفي الحافظ أبوعلي العطار الحسن بن أحمد الهمداني المقرىء الأستاذ، شيخ همدان وقارئها وحافظها. رحل وحمل القراءات والحديث، قرأ بواسطة علي القلانسي، وببغداد على جماعة، وسمع من ابن بيان وطبقته، وبخراسان من الفراوي وطبقته، وبرع على حافظ زمانه في حفظ ما يتعلق بالحديث من الأنساب والتواريخ والأسماء والكنى والقصص والسير، وله تصانيف في القراءات والحديث والرقائق في مجلدات كبيرة، منها كتاب زاد المسافر خمسون مجلداً. وكان إماماً في العربية، وحفظ في اللغة كتاب الجمهرة، وأخرج جميع ما ورثه، وكان أبوه تاجراً، وسافر مراراً ماشياً يحمل كتبه على ظهره، ويبيت في المساجد، ويأكل خبز الدخن إلى أن نشر الله تعالى ذكره في الآفاق. قال ابن النجار: هو إمام في علوم القرآن والحديث والأدب والزهد والتمسك بالأثر. وفيها توفي سعيد بن المبارك البغدادي النحوي المعروف بابن الدهان، صاحب التصانيف الكثيرة، ألف شرحاً للإيضاح في ثلاثة وأربعين مجلداً، وكان سيبويه زمانه. وفيها توفي المسمى بعبد النبي ابن المهدي، الذي تغلب على اليمن، وتلقب
стр. 982
بالمهدي. وكان أبوه أيضاً قد استولى على اليمن، فظلم وغشم وذبح الأطفال، وكان باطنياً من دعاة المصريين بني عبيد، وهلك سنة ست وستين، وقام بعده ولده المذكور فاستباح الحرائر وتمرد على الله فقتله شمس الدولة كما مضى. وفيها توفي الفقيه عمارة بن علي بن زيدان الحكمي المذحجي اليمني الشافعي الفرضي نزيل مصر وشاعر العصر. كان شديد التعصب للسنة أديباً
ماهراً، ولم يزل يماشي الحال في دولة المصريين إلى أن ملك صلاح الدين فمدحه، ثم إنه شرع في أمور وأخذ مع رفاق من الرؤساء في التعصب للعبيديين وإعادة دولتهم، فنقل أمرهم - وكانوا ثمانية - إلى صلاح الدين، فسبقهم في رمضان. ذكر في بعض تآليفه أنه من قحطان، وأن وطنه من تهامه اليمن: مدينة يقال لها برطان، من وادي سباع، وبعدها من مكة في مهب الجنوب أحد عشر يوماً. واشتغل بالفقه في زبيد مدة أربع سنين، وحج سنة تسع وأربعين وخمس مائة، وسيره قاسم بن هاشم صاحب مكة - شرفها الله تعالى - إلى الديار المصرية - وصاحبها يومئذ الفائزين الظافر - ومدحه ووزيره بقصيدة يقول فيها: هراً، ولم يزل يماشي الحال في دولة المصريين إلى أن ملك صلاح الدين فمدحه، ثم إنه شرع في أمور وأخذ مع رفاق من الرؤساء في التعصب للعبيديين وإعادة دولتهم، فنقل أمرهم - وكانوا ثمانية - إلى صلاح الدين، فسبقهم في رمضان. ذكر في بعض تآليفه أنه من قحطان، وأن وطنه من تهامه اليمن: مدينة يقال لها برطان، من وادي سباع، وبعدها من مكة في مهب الجنوب أحد عشر يوماً. واشتغل بالفقه في زبيد مدة أربع سنين، وحج سنة تسع وأربعين وخمس مائة، وسيره قاسم بن هاشم صاحب مكة - شرفها الله تعالى - إلى الديار المصرية - وصاحبها يومئذ الفائزين الظافر - ومدحه ووزيره بقصيدة يقول فيها:
الحمد للعيش بعد العزم والهمم ... حمداً يقوم بما أوليت من نعم
لا أجحد الحق عندي للركاب به ... تمنيت اللجم فيها ريتة الخطم
قرير، بعد مرار العيش من نظري ... حتى رأيت إمام العصر من أمم
وأجري من الكعبة البطحاء والحرم ... السامي إلى كعبة المعروف والكرم
إلى أن قال:
أقسمت بالفائز المعصوم معتقداً ... فوز النجاة، وأجري البر في القسم
لقد حمى الدين والدنيا وأهلهم ... وزيره الصالح الفراج للغمم
خليفة ووزير مد عدلهما ... ظلاً على مفرق الإسلام والأمم
زيادة النيل نقص عند فيضهما ... فما عسى تتعاطى منية الديم
فاستحسنا قصيدته، وأجز لاصلته، ثم رجع متوجهاً إلى مكة، ثم منها إلى زبيد في سنة إحدى وخمسين، ثم حج من عامه، فأعاده صاحب مكة المذكور في رسالة إلى مصر
стр. 983
مرة ثانية، فاستوطنها ولم يفارقها بعد. وكانت بينه وبين الكامل بن شاور صحبة مؤكدة قبل وزارته، فلما وزر استحال عليه فكتب إليه:
إذا لم يسالمك الزمان فحارب ... وباعد إذا لم تنتفع بالأقارب
ولا تحتقر كبداً ضعيفاً فربما ... تموت الأفاعي من سموم العقارب
فقد هد قدماً عرش بليقس هدهد ... وخرب فأر قبل ذا سد مأرب
إذا كان رأس ألفال عمرك فاحترز ... عليه من الإنفاق في غير واجب
مع أبيات اخرى بالغة في الحسن، وقوله: من أمم هو بفتح الهمزة والميم الأولى، يقال: أخذت ذلك من أمم أي من قرب. قال زهير: وحيره ما هم لو أنهم أمم أي: لو أنهم بالقرب مني. والأمم أيضاً الشيء اليسير، يقال: ما سألت إلا أمماً. وأما الأمم بضم الهمزة في قوله: ظل على مفرق الإسلام والأمم فهو جمع أمة.
سنة سبعين وخمس مائة
فيها قدم صلاح الدين وأخذ دمشق بلا ضربة ولا طعنة، وسار الصالح اسماعيل في حاشيته إلى حلب، ثم سار صلاح الدين فحاصر حمص بالمجانيق، ثم سار فأخذ حماة، ثم حاصر حلب، ثم رد وتسلم حمص، ثم عطف إلى بعلبك فتسلمها، ثم كر والتقى صاحب الموصل مسعود بن مودود فإنهزم عسكر الموصل أسوأ هزيمة، ثم وقع الصلح. واستناب بدمشق أخاه سيف الإسلام، وكان بمصر أخوه العادل. وفيها توفي أحمد بن المبارك خادم الشيخ عبد القادر الذي كان يبسط المرقعة له على الكرسي. وفيها توفي القاضي علي بن عمر بن عبد العزيز بن قرة اليمني. كان حافظاً في التفسير واعظاً على المنابر، مقبول الكلمة في أهل بلده عارفاً بتأويل الرؤيا. قيل: إن رجلاً رأى في المنام الفقيه نعيماً العشاري الذي كان يحفظ عشرة علوم، فسأله عن رؤيا فقال: إن تأويل الرؤيا يا صرف عني إلى القاضي علي بن عمر. توفي في الطرية - بتشديد الياء المثناة من تحت وفتح الطاء المهملة وكسر الراء - قرية في ناحية مسجد الرباط من بلاد اليمن بساحل عدن.
سنة احدى وسبعين وخمس مائة
فيها شنق السلطان المبتدع ابن مهدي - الملقب نفسه عبد
стр. 984
النبي - هو وأخوه أحمد في زبيد برسم السلطان شمس الدولة أول من ملك اليمن من بني أيوب. وابن مهدي المذكور من الآفات الكائنات والبليات والفتن العظيمات في بلاد اليمن. وفيها نقض صاحب الموصل الصلح، وسار إلى السلطان سيف الدين غازي، فالتقاه صلاح الدين بنواحي حلب، فانهزم غازي وجمعه - وكانوا ستة آلاف وخمس مائة - لم يقتل سوى رجل واحد، ثم سار صلاح الدين فأخذ منبج ثم نازل قلعة عزاز، ووثب عليه الإسماعيلية فجرحوه في خد، فأخذوا وقتلوا، وافتتح القلعة، ثم نازل حلب شهراً، ثم وقع الصلح: وترحل عنهم، وأطلق قلعة عزاز لولد السلطان نور الدين علي. وفيها توفي الفقيه الإمام المحدث البارع الحافظ المتقن الضابط ذو العلم الواسع شيخ الإسلام. ومحدث الشام ناصر السنة قامع البدعة، زين الحافظ بحر العلوم الزاخر، رئيس المحدثين المقر له بالتقدم، العارف ألفاهر ثقة الدين أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر، الذي اشتهر في زمانه بعلو شأنه، ولم ير مثله في أقرانه، الجامع بين المعقول والمنقول، والمميز بين الصحيح والمعلوم، كان محدث زمانه ومن أعيان الفقهاء الشافعية، غلب عليه الحديث واشتهر به، وبالغ في طلبه إلى أن جمع منه ما لم يتفق لغيره، رحل وطوف، وجاب البلاد ولقي المشايخ، وكان رفيق الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن السمعاني في الرحلة، وكان أبو القاسم المذكور حافظاً ديناً جمع بين معرفة المتون والاسانيد، سمع ببغداد في سنة عشر وخمسمائة من أصحاب البرمكي والتنوخي والجوهري، ثم رجع إلى دمشق، ثم رحل إلى خراسان، ودخل نيسابور وهراة وأصبهان والجبال، وصنف التصانيف المفيدة، وخرج التخاريج، وكان حسن الكلام على الأحاديث محظوظاً على الجمع والتأليف، صنف التاريخ الكبير لدمشق في ثمانين مجلداً، أتى فيه بالعجائب، وهوعلى نسق تاريخ بغداد.
стр. 985
قال الإمام ابن خلكان: قال لي شيخنا الحافظ العلامة زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري - رحمه الله تعالى - وقد جرى ذكر تاريخ ابن عساكر المذكور، وأخرج لي منه مجلداً، وطال الحديث في أمره واستعظامه: ما أظن هذا الرجل إلا عزم على وضع هذا التاريخ من يوم عقل على نفسه، وشرع في الجمع من ذلك الوقت، وإلا فالعمر يقصرعن أن يجمع الإنسان فيه مثل هذا الكتاب بعد الاشتغال والتنبيه. قال: ولقد قال الحق، ومن وقف عليه عرف حقيقة هذا القول، ومتى يتسع الإنسان الوقت حتى يضع مثله، وهذا الذي ظهر هو الذي اختاره، وما صح له إلا بعد مسودات ما يكاد ينضبط حصرها، وله تآليف حسنة غيره، وأخرى ممتعة، قال: وله شعر لا بأس به، فمن ذلك قوله على ما قيل:
ألا إن الحديث أجل علم ... وأشرفه الأحاديث العوالي
وأنفع كل علم منه عندي ... وأحسنه الفوائد في الأمالي
وإنك لن ترى للعلم شيئاً ... محققه كأفواه الرجال
فكن يا صاح ذا حرص عليه ... وخذه من الرجال بلا ملال
ولا تأخذه من صحف فترمى ... من التصحيف بالداء العضال
ومن المنسوب إليه أيضاً:
أيا نفس ويحك جاء المشيب ... فماذا التصابي وماذا العزل
تولى شبابي كأن لم يكن ... وجاء مشيبي كأن لم يزل
كأني بنفسي على غرة ... وخطب المنون بها قد نزل
فياليت شعري ممن أكوان ... وما قدر الله لي في الأزل
وقد التزم في هذه الأبيات ما لا يلزم، وهو اطراد الزاي قبل اللام، والبيت الثاني هو بيت علي بن جبلة حيث يقول:
شباب كأن لم يكن ... وشيب كأن لم يزل
وليس بينهما إلا تغييريسير كما تراه. وقال بعض أهل العلم بالحديث والتواريخ: ساد أهل زمانه في الحديث ورجاله، وبلغ فيه الذروة العليا، ومن تصفح تاريخه علم منزلة الرجل في الحفظ. قلت: بل من تأمل تصانيفه من حيث الجملة علم مكانه في الحفظ والضبط للعلم والاطلاع وجودة الفهم والبلاغة والتحقيق والاتساع في العلوم، وفضائل تحتها من المناقب والمحاسن كل طائل. ومن تآليفه الشهيرة المشتملة على الفضائل الكثيرة كتاب: تبيين كذب المفتري فيما ذسب إلى الشيخ الإمام أبي الحسن الأشعري. جمع فيه بين حسن العبارة والبلاغة والإيضاح والتحقيق
стр. 986
واستعياب الأدلة النقلية وطرقها، مع إسناد كل طريق. وذكر فيه طبقات أعيان أصحابه من زمان الشيخ أبي الحسن إلى زمانه، وأوضح ماله من المناقب والمكارم والفضائل والعزائم ورد إلى من رماه وافترى عليه بالعظائم. قلت: وكتابه المذكور الذي وفق لإنشائه ووضعه، قد اختصرته أنا في نحو من ربعه وسميته: الشاش المعلم شاؤش كتاب المرهم. المعلم بشرف المفاخر العلية في مناقب الأئمة الأشعرية، ذكر هو فيه قريباً من ثمانين إماماً من أعيان الأئمة الأشعرية، ووفيته فيما اختصرته مائة من الأئمة الجلة النقية، واختصاري له بحذف الأسانيد اختصاراً على ما هو المقصود والمراد من ذكر أعيان الأئمة المشهورين بالموافقة في الاعتقاد، والرد على المبتدعين أولي الزيغ والإلحاد. وكان ابن عساكر المذكور ﵁ حسن السيرة والسريرة. قال الحافظ الرئيس أبو المواهب: لو أر مثله، ولا من اجتمع فيه من لزوم طريقة واحدة منذ أربعين سنة من لزوم الصلوات في الصف الأول إلا من عذر والاعتكاف في شهر رمضان وعشر ذي الحجة، وعدم التطلع وتحصيل الأملاك وبناء الدور، قد أسقط ذلك عن نفسه، وأعرض عن طلب المناصب من الإمامة والخطابة إياها بعد ما عرضت عليه، وقلة الالتفات - أو قال -: عدم الالتفات إلى الأمراء، وأخذ نفسه بالأمر بالمعروف والنهي عن المكنر، لا تأخذه في الله لومة لائم، ذكره الإمام الحافظ ابن النجار في تاريخه فقال: إمام المحدثين في وقته، ومن انتهت إليه الرئاسة في الحفظ والإتقان والمعرفة التامة والثقة، وبه ختم هذا الشأن. وقال ابنه الحافظ أبو محمد القاسم: كان أبي - رحمه الله تعالى - مواظباً على صلاة الجماعة وتلاوة القرآن، يختم في كل جمعة، وفي شهر رمضان في كل يوم، ويحيي ليلة النصف للعيدين، وكان كثير النوافل والإذكار، ويحاسب نفسه على كل لحظة يذهب في غير طاعة. سمع من جماعة من المحدثين كثيرين نحواً من ألف وثلاث مائة شيخ وثمانين امرأة، وحدث بأصبهان وخراسان وبغداد وغيرها من البلاد، وسمع منه جماعة من كبار الحفاظ وخلق كثير وجم غفير. وقال الحافظ عبد القاهر الرهاوي: رأيت الحافظ السلفي والحافظ أبا العلاء الهمداني والحافظ أبا موسى المدني، فما رأيت فيهم مثل ابن عساكر رحمه الله تعالى. وفيها توفي السيد الفقيه الورع الزاهد أبو بكر بن سالم بن عبد الله من جبال اليمن،
стр. 987
استأذن عليه السلطان شمس الدولة، فتبرك بالسلام عليه واستسعد بالنظر إليه، وسأله الدعاء وأن يمسح له على بدنه. وفيها توفي جعدة العطاردي الإمام مجد الدين الفقيه الشافعي الأصولي الواعظ أبو منصور محمد بن أسعد - الطوسي - تلميذ الإمام البغوي، وراوي كتابيه: شرح السنة ومعالم التنزيل. دخل بلداناً كثيرة، وتفقه وبعد صيته في الوعظ، هكذا ذكر بعضهم. وقال ابن خلكان: كان فقيهاً فاضلاً واعظاً فصيحاً أصولياً، اشتغل على الإمام السمعاني، ثم على الإمام البغوي، وذكر تنقله إلى مرو، ثم إلى مرو روذ، ثم إلى بخارى، وعوده إلى مرو، وعقد مجلس الوعظ له بها، ثم انتقل إلى العراق، ثم إلى الموصل واجتمع الناس عليه بسبب الوعظ، وسمعوا منه الحديث، وأنشد يوماً على الكرسي من جملة أبياته:
تحية صوب المزن يقرأها الرعد ... على منزل كانت تحل به هند
تأت فأعرناها القلوب صبابة ... وعارية العشاق ليس لهارد
وكانت مجالسه في الوعظ من أحسن المجالس.
سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة
فيها أمر السلطان صلاح الدين ببناء السور الكبيرالمحيط بمصر والقاهرة من البر، وطوله تسع وعشرون ألف ذراع وثلاث مائة ذراع بالقاسمي فلم يزل العمل فيه إلى أن مات صلاح الدين. وأنفق عليه أموالاً لا تحصى، وأمر أيضاً بإنشاء قلعة الجبل، ثم توجه إلى الاسكندرية، وسمع الحديث من السلفي. وفيها وقعة مقدم السودان المسمىبالكنز، جمع جيشاً بالصعيد، وسار إلى القاهرة في مائة ألف، فخرج له لحربه نائب مصر سيف الدولة، فالتقوا، فانكسر الكنز، وقتل في
стр. 988
المصاف من السودان، قيل: ثمانون ألفاً. وفيها توفي أبو محمد عبد الله بن عبد الله بن عبد الرحمن الأموي العثماني الديباجي محدث الإسكندرية، وكان صالحاً متعففاً يقرىء النحو واللغة والحديث. وفيها توفي أبو الفضل قاضي القضاة ابن السهروردي، ومن جلالته أن السلطان صلاح الدين لما أخذ دمشق وتمنعت عليه القلعة أياماً مشى إلى دار القاضي أبي الفضل المذكور، فانزعج، وخرج ليلقاه فدخل وجلس وقال: طب نفساً، فالأمر أمرك والبلد بلدك.
سنة ثلاث وسبعين وخمس مائة
فيها وقعة الرملة سار صلاح الدين من مصر، فسبى وغنم بلاد عسقلان، وسار إلى الرمل، فالتقى الفرنج، فحملوا على المسلمين وهزموهم، وثبت السلطان صلاح الدين وابن أخيه تقي الدين، ودخل الليل واحتوت الفرنج على العسكر بما فيه، وتمزق العسكر، وعطشوا في الرمال وأستشهدوا جماعة، وتحير صلاح الدين ونجا، وقتل ولد لتقي الدين عمره عشرون سنة، وأشر الأمير الفقيه عيسى الهكاري، وكانت نوبة صعبة، ونزلت الفرنج على حماة، وحاصرتها أربعة أشهر لاشتغال السلطان بلم سعث الجيش. وفيها توفي السلطان أرسلان السلجوقي، والوزير أبو الفرج محمد بن عبد الله بن هبة الله، وكان جواداً سرياً معظماً مهيباً، خرج للحج في تجمل عظيم، فوثب عليه واحد من الباطنية فقتله فى أوائل ذي القعدة.
стр. 989
وفيها توفي أبو محمد ابن المأمون الأديب هارون بن العباس العباسي المأموني البغدادي، صاحب التاريخ، وشرح أيضاً مقامات الحريري.
سنة اربع وسبعين وخمس مائة
فيها أخذ ابن قرابا الرافضي، ووجد في بيته يسب الصحابة، فقطعت يده ولسانه، ورجمته العامة، فهرب وسبح في الماء، فرموه بالآجر فغرق، فأخرجوه وأحرقوه. ثم ألحق ذلك بالتتبع على الرافضة، وأحرقت كتبهم، وانقمعوا حتى صاروا إلى ذلة اليهود، وتهيأ عليهم من ذلك ما لم يتهيأ ببغداد نحو مائتين وخمسين سنة. وفيها خرج نائب دمشق فرخ شاه ابن أخي السلطان، فالتقى الفرنج، فهزمهم وقتل مقدما لهم كان يضرب به المثل في الشجاعة. وفيها أطلق السلطان حماة عند موت صاحبها - خاله شهاب الدين - لابن أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر ابن شاهنشاه، وأطلق له أيضاً المعرة ومنبج وفاء منه، فبعث إليها نوابه. وفيها توفي حيص بيص أبو الفوارس سعد بن محمد التميمي الشاعر، وله ديوان معروف، وكان وافر الأدب متضلعاً من اللغة، بصيراً بالفقه والمناظرة. وقال الشيخ نصر الله بن محلي: - قال ابن خلكان: وكان من ثقات أهل السنة، رأيت في المنام علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه - فقلت له: يا أمير المؤمنين؛ يفتحون مكة ويقولون: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ثم تم على ولدك الحسين ما تم، فقال لي: أما سمعت أبيات ابن الصيفي في هذا؟!! فقلت لا، فقال: اسمعها منه. ثم استيقظت فبادرت إلى دار ابن الصيفي، فخرج إلي، فذكرت له الرؤيا، فشهق وأجهش بالبكاء، وحلف بالله إن كانت خرجت من فمي أو خطي إلى أحد، وإن كنت نظمتها إلا في ليلتي هذه، ثم أنشدني:
ملكنا فكان العفو منا سجية ... فلما ملكتم سال بالدم أبطح
وحللتم قتل الأسارى وطال ما ... عدونا على الأسراء نعفوا ونصفح
وحسبكم هذا التفاوت بيننا ... وكل إناء بالذي فيه يرشح
стр. 990
وإنما قيل له حيص بيص لأنه رأى الناس يوماً في حركة مزعجة وأمر شديد فقال: ما للناس في حيص بيص؟! فبقي عليه هذا اللقب. ومعنى هاتين الكلمتين: الشدة والاختلاط. وفيها توفيت مسندة العراق شهدة بنت أبي نصر أحمد بن الفرج، الكاتبة العابدة الصالحة الدينورية الأصل، البغدادية المولد والوفاة. كانت من أهل كتبة الخط الجيد، وسمع عليها خلق كثير، وكان لها السماع العالي، ألحقت فيه الأصاغر بالأكابر، سمعت من أبي الخطاب نصر بن أحمد بن النضر وأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن طلحة الثعالبي، وطراد بن محمد وآخرين واشتهر ذكرها وبعد صيتها، وكانت ذات بر وخير. والدينورية نسبة إلى دينور، قيل بكسر الدال المهملة. قال الحافظ أبو سعد السمعاني بفتحها. وقال ابن خلكان: الأصح الكسر: وهي بلدة من بلاد الجيل نسب إليها جماعة من العلماء. وفيها توفي القدوة المشار إليه بالصلاح والورع والعبادة وإجابة الدعوة أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري الأندلسي، قرأ العربية ولزم أبا بكر بن العربي مدة، وكان من أولياء الله تعالى الذين تذكر بالله رؤيتهم، وآثار مشهورة مشكورة، وكراماته موصوفة معروفة مع الحظ الوافر من الفقه والقراءات. وفها توفي السديد محمد بن هبة الله بن عبد الله السلماسي الفقيه الشافعي، كان إماماً في عسره، تولى الإعادة بالمدرسة النظامية ببغداد، وكان مسدداً في الفتيا، واتقن عدة فنون، وهو الذي شهر طريقة الشريف بالعراق، وقيل إنه كان يذكر بطريقة الشريف والوسيط والمستصفى للغزالي من غير مراجعة كتاب. قصده الناس من البلاد، واشتغلوا عليه، وانتفعوا به، وخرجوا علماء مدرسين مصنفين، من جملتهم الشيخان الإمامان عماد الدين محمد وكمال الدين موسى ولدا يونس، والشيخ شرف الدين أبو المظفر محمد بن علوان بن مهاجر وغيرهم من الأفاضل والسلماسي بفتح السين المهملة واللام والميم وبعد الالف سين ثانية نسبة الى سلماس: وهي مدينة من " بلاد آذربيجان، تخرج به جماعة مشاهير.
سنة خمس وسبعين وخمس مائة
فيها نزل صلاح الدين على بانياس، وأغارت سراياه على الفرنج، ثم أخبر بجمع الفرنج وتهيئهم للمجيء، فبادر في الحال وكبسهم، فإذا هم في ألف قنطارية وعشرة آلاف راجل، فحملوا على المسلمين فثبتوا لهم، ثم حمل المسلمون عليهم فهزموهم، ووضعوا فيهم السيف وأسروا مائتين وستين - أسيراً، منهم مقدم لهم، فاستفك نفسه بألف أسير،
стр. 991
وبجملة من الما، وانهزم ملكهم جريحاً. وفيها جاء أرسلان صاحب الروم في عشرين ألفاً، فنهض إليه تقي الدين صاحب حماة وسيف الدين المسطور في ألف فارس، فكبسوا على الروميين، فركبوا خيولهم عري، ونجوا، وحوى تقي الدين الخيام بما فيها، ثم من على الأسرى بأموالهم وسرجهم. وفيها توفي المستضيء بأمر الله بن المستنجد بن المقتفي بن المستظهر بن المقتدي العباسي، وبويع بعد أبيه، وكان ذا دين وحلم وأناة ورأفة ومعروف زائد. قال ابن الجوزي: أظهر من العدل والكرم ما لم نره في أعمارنا، وفرق مالاً عظيماً للهاشميين وفي المدارس، وكان ليس للمال عنده وقع، أو قال: قدر. انتهى كلامه. قيل: وكان يطلب ابن الجوزي، ويأمره بعقد مجلس الوعظ، ويجلس بحيث يسمع ولا يرى. وفي أيامه اختفى الرفض ببغداد ووهي، وأما بمصر والشام فتلاشى، وزالت دعوة العبيديين، وخطب له بديار مصر واليمن وبعض المغرب، وبويع بعده ابنه أحمد الناصر لدين الله. واليسع بن عيسى بن حزم الغافقي المقرىء، أخذ القراءات عن جماعة منهم أبوه، وأقرأ بالاسكندرية والقاهرة، وقربه صلاح الدين واحترمه، وكان فقيهاً مفتياً محدثاً، مقرئاً نساباً اخبارياً بديع الخط، وقيل: هو أول من خطب بالدعوة العباسية بمصر. وفيها توفي الحافظ أبو المحاسن عمر بن علي القرشي الزبيري الدمشقي القاضي نزيل بغداد، صحب أبا النجيب السهروردي، وسمع من أبي الدر ياقوت الرومي وطائفة. وتوفي الحافظ المقرىء محمد بن خير الإشبيلي، فاق الأقران في ضبط القراءات
وبرع في الحديث واشتهر بالإتقان وسعة المعرفة بالعربية. وفيها توفي الحافظ ابن أبي غالب الضرير، برع في الحديث حتى صار يرجع إلى قوله، وانتهى إليه معرفة رجال الحديث وحفظه. وفيها توفي أبو الفضل منوجهر بن محمد الكاتب، كان أديباً فاضلاً مليح الإنشاء حسن الطريقة، روى عن جماعة المقامات عن الحريري.
стр. 992
وفيها توفي الأستاذ المقرىء المحقق يوسف بن عبد الله الأندلسي المعروف بابن عباد، أخذ القراءات عن جماعة، وسمع عن خلق كثير، واعتنى بصناعة الحديث، وكتب العالي والنازل، وبرع في معرفة الرجال، وصنف التصانيف الكثيرة.
سنة ست وسبعين وخمس مائة
فيها نزل صلاح الدين على حمص من بلاد الأرمن، فافتتحه وهدمه، ثم رج، فوافاه التقليد وخلع السلطنة من الناصر لدين الله، فركب، وكان يوماً مشهوراً. وفيها قدم السلطان سيف الإسلام بن أيوب إلى بلاد اليمن مولى عليها بعد أخيه شمس الدولة. وفيها توفي القاضي الفقيه العالم الورع الزاهد محمد بن سعيد القريضي - اليمني اللحجي - بسكون الحاء المهملة وكسر الجيم - وكان موصوفاً بالفضائل والمحاسن، وله مصنفات حسنة منها: المستصفى في ذكر سنن المصطفى ومختصر الإحياء قيل إنه رأى ﵌ فدعا له بالتثبيت. وفيها توفي القاضي ابن القاضي طاهر ابن الإمام يحيى بن أبي الخير العمراني، تقلد ولاية القضاء في أيام شمس الدولة، ومات في شهفة - يوم الجمعة منتصف ذي الحجة. وفيها توفي أبو طاهر السلفي الحافظ العلامة الكبير مسند الدنيا. وفيها توفي معمر الحفاظ أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد الأصفاني. سمع من الثقفي وأحمد بن عبد الغفار ومكي - الإسلام وخلق كثير، وخرج عنهم في معجم، وحدث بأصبهان قال: وكنت ابن سبع عشرة سنة أو أكثر أو أقل، ورحل تلك السنة فأدرك بها أبا الخطاب وابن البطر ببغداد، وعمل معجماً لشيوخ بغداد، ثم حج وسمع بالحرمين والكوفة والبصرة وهمدان والزنجان والري والدينور وقزوين وأذربيجان والشام ومصر،
стр. 993
فأكثر وأطال، وتفقه فأتقن مذهب الشافعي، وبرع في الآدب وجود القرآن بروايات، وكان اشتغاله بالفقه على أبي الحسن الكيا، وفي اللغة على الخطيب يحيى بن علي التبريزي اللغوي، وقصده الناس من الأماكن البعيدة، وسمعوا عليه وانتفعوا به، ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله، وبنى له العادل أبو الحسن علي بن السلار - وزير الظافر العبيدي صاحب مصر مدرسة في الإسكندرية، وفوضها إليه ومما وجه بخطه من قصيدة لمحمد بن عبد الجبار الأندلسي.
لولا اشتغال بالأمير ومدحه ... لأطلت في ذاك الغزال تغزلي
لكن أوصاف الجلال غلبنني ... فتركت أوصاف الجمال بمعزل
واستوطن الإسكندرية بضعاً وستين سنة مكباً على الاشتغال والمطالعة والنسخ وتحصيل الكتب، وجاوز المائة بلا ريب، وإنما النزاع في مقدار الزيادة، ومات يوم الجمعة بكرة الخامس ربيع الآخر رحمه الله تعالى. وفيها توفي شمس الدولة الملك المعظم توران شاه بن أيوب بن شاذي، وكان أسن من أخيه صلاح الدين، وكان يحترمه ويتأدب معه. أرسله فغزا النوبة، فسبى وغنم، ثم بعثه فافتتح اليمن - وكانت بيد الخوارج الباطنية - وأقام بها ثلاث سنين، بعثه إليها لما بلغه أن باليمن، إنساناً يسمى عبد النبي بن مهدي يزعم أنه ينتشر ملكه حتى يملك الأرض كلها، وكان قد ملك كثيراً من بلاد اليمن واستولى على حصونها، وخطب لنفسه، فجهز صلاح الدين جيشاً إليها مع أخيه المذكور من الديار المصرية في رجب سنة تسع وستين وخمسمائة، فمضى إليها، ففتح الله على يديه، وقتل الخارجي المذكور الذي كان فيها، وملك معظمها، وأعطى وأغنى خلقاً كثيراً، وكان كريماً أريحياً، ثم اشتاق إلى أطيب الشام ونضارتها، وكان القاضي الفاضل يكتب إليه الرسائل الفائقة، ويودعها شرح الأشواق. وكانت له من أخيه إقطاعات، وتوابه باليمن يجبون له الأموال. ومات وعليه من الديون مائتا ألف دينار، فقضاها عنه أخوه صلاح الدين. ولما تزايد به الشوق قدم إلى الشام وأقام بدمشق نائباً لأخيه، ثم تحول إلى مصر فتوفي بالإسكندرية، فنقل إلى الشام، فدفنته أخته ست الشام بمدرستها التي أنشأتها بظاهر دمشق، فهناك قبره وقبر ولدها حسام الدين، وكان قد تزوجها ناصر الدين، وتوفيت في ذي القعدة سنة ست عشرة وستمائة. وحكى الشيخ الأديب الفاضل مهذب الدين أبو طالب - نزيل مصر قال: رأيت في النوم شمس الدولة وهو ميت، فمدحته بأبيات وهو في القبر، فلف كفنه ورماه إلي
стр. 994
وأنشدني:
لا تستقلن معروفاً سمحت به ... ميتاً فأمسيت منه عارياً بدني
ولا تظنن جودي شأنه بخل ... من بعد بذلي ملك الشام واليمن
إني خرجت من الدنيا وليس معي ... من كل ما ملكت كفي سوى كفني
وتوران بضم المثناة من فوق وبعد الواو راء - ومعنى توران شاه: ملك الشرق. وفيها توفي أبو المفاخر المأموني راوي صحيح مسلم بمصر: سعيد بن الحسن العباسي، روى الحديث هو وابنه وحفيده ونافلته. قلت: هكذا قال الذهبي مغايراً بين الحفيد والنافلة، والمعروف اتحادهما، وهما ولدا ولد، نعم قد قيل أيضاً أن الحفدة يطلقون على الأعوان والخدم. وفيها توفي أبو الحسن بن عطار النحوي علي بن عبد الرحمن السلمي، كان علامة اللغة وحجة في العربية.
وفيها توفي أبو العز محمد بن محمد المعروف بابن الخراساني البغدادي الأديب صاحب العروض والنوادر وديوان شعر في مجلدات. كان صاحب طرف وذكاء مفرط وتفنن في الأدب، روى عن جماعة. وفيها توفي صاحب الموصل غازي بن زنكي، كان منطوياً على خير وصلاح، يحب العلم وأهله، وبنى بالموصل المدرسة المعروفة بالعتيقة، وقدم مع سيف الإسلام إلى اليمن. وفي هذه السنة أو بعدها توفي الفقيه الفاضل القاضي أثير الدين قاضي قضاة المسلمين باليمن، وسمع عليه الشهاب وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، وسمعه وهو ابن ثلاث سنين، سمعه عليه جماعة. قال ابن سمرة: كنت فيهم. ثم غضب عليه السلطان سيف الإسلام، وحمله رسالة إلى بغداد في صورة طرد وإبعاد، ثم رجع إلى مكة وكتب إلى سيف الإسلام سلطان اليمن:
وما أنا إلا المسك ضاع عندكم ... يضيع وعند الأكرمين يضوع
وفيها توفي - وقيل في سنة تسع - أبو الفضل الشيخ الإمام ﵁ الموصلي الشافعي يونس بن محمد بن منعة رضي الدين والد الشيخين: عماد الدين أبي حامد محمد، وكمال الدين أبي الفتح موسى. تفقه الشيخ يونس على الحسين بن نصير السكبي الجهني
стр. 995
الملقب تاج الإسلام في الموصل حين قدمها، وكان أصله من أهل إربل، ثم انحدر إلى بغداد، وتفقه بها على الشيخ أبي منصور سعيد بن محمد مدرس النظامية، ثم أصعد إلى الموصل، فصادف بها قبولاً تاماً عند المتولي بها الأمير أبي الحسن - والد الملك المعطم - وجعل إليه تدريس مسجده، وفوض نظره إليه، وكان يدرس ويناظر ويفتي، فقصده الطلاب للاشتغال عليه والمباحثة مع ولديه المذكورين، ولم يزل على قدم الفتوى والتدريس والمناظرة إلى أن توفي بالموصل في السنة المذكورة. وكانوا بيت علم، خرج من بينهم جماعة من الفضلاء، وانتفع بهم أهل تلك البلاد وغيرها، وكانوا مقصودين من بلاد العراق والعجم وغيرها.
وفيها توفي سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي ين أقسنقر صاحب الموصل، تقلد المملكة بعد وفاة أبيه مودود، ولما توفي والده بلغ الخبر نور الدين، فسار من ليلته طالباً بلاد الموصل، فوصل إلى الرقة في المحرم سنة ست وستين وخمس مائة وملكها، وسار منها إلى نصيبين، فملكها في الشهر المذكور، وأخذ سنجار في ربيع الآخر، ثم قصد الموصل، وقصد أن لا يقاتلها، فعبر بعسكره من محاصة - وهي بليدة بقرب الموصل - وسار حتى خيم قبالة الموصل، وراسل ابن أخيه سيف الدين المذكور، وعرفه صحة قصده، فصالحه، ودخل الموصل وأقر صاحبها فيها، وزوجه ابنته، وأعطى أخاه عماد الدين سنجار، وخرج من الموصل وعاد إلى الشام، ودخل حلب في شعبان من السنة المذكورة، فلما مات نور الدين وملك صلاح الدين دمشق، نزل على حلب فحاصرها، وسير سيف الدين جيشاً مقدمه أخوه عز الدين مسعود، والتقوا عند قرون حماة، فانكسر عز الدين بن مسعود، فتجهز سيف الدين بنفسه، فخرج إلى لقائه وتصافا على تل السلطان بين حلب وحماة - سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، فانكسرت ميسرة صلاح الدين بمظفر الدين بن زين الدين فإنه كان في ميمنة سيف الدين - ثم حمل صلاح الدين بنفسه، فانهزم جيش سيف الدين وعاد إلى حلب، ثم رحل إلى الموصل، ولما توفي سيف الدين تولى بعده أخوه عز الدين مسعود.
стр. 996
وفيها توفي الشيخ الكبير الولي الشهير ذو الجاه الواسع المعروف بمدافع.
سنة سبع وسبعين وخمس مائة
فيها توفي الملك الصالح أبو الفتح اسماعيل ابن السلطان نور الدين محمود بن زنكي ختنه أبوه، فزينت دمشق، وعمل وقتاً باهراً، ثم مات أبوه بعد ختانه بأيام، فأوصى له بالسلطنة، فلم يتم له ذلك، وبقيت له حلب، وكان شاباً ديناً عاقلاً محبباً إلى أهل حلب إلى الغابة، بحيث إنهم قاتلوا صلاح الدين قتال الموت لما جاء ليتملكها، وما تركوا شيئاً من مجهودهم، ولما توفي أقاموا عليه المآتم، وبالغرا في النوح والبكاء عليه، وفرشوا الرماد في الطرق وكان عمره تسع عشرة سنة، وأوصى بحلب ابن عمه عز الدين مسعود بن مودود، فجاء وتملكها. وفيها توفي كمال الدين بن الأنباري العبد الصالح أبو البركات عبد الرحمن بن محمد. كان من الأئمة المشار إليهم في علم النحو، وتفقه في مذهب الإمام الشافعي بالمدرسة النظامية، وتصدرلإقراء النحوواللغة، وأخذ اللغة عن أبي منصور بن الجواليقي، والنحو عن أبي السعادات هبة الله بن السجزي الآتي ذكر فضله - إن شاء الله تعالى - وأخذ عنه، وانتفع بصحبته في علم الأدب، واشتغل عليه خلق كثير وصاروا علماء، وصنف في النحو كتاب أسرار العربية، وهو كتاب سهل المأخذ كثير الفائدة وله كتاب الميزان في النحو أيضاً، وكتاب في طبقات الأدباء جمع فيه بين المتقدمين والمتأخرين مع صغر حجمه، وكتبه كلها نافعة، وكان نفسه مباركاً ما قرأ عليه أحد إلا وتميز، ثم انقطع في آخر عمره في بيته مشتغلاً بالعلم العبادة، وترك الدنيا ومجالسة أهلها، ولم يزل على سيرة حميدة زاهداً عابداً. وكانت ولادته في سنة ثلاث عشرة وخمس مائة ببغداد، ودفن في تربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي. والأنبار: بلدة قديمة على الفرات بينها ويين بغداد عشرة فراسخ. وفيها توفي شيخ الشيوخ أبو الفتح عمر بن علي ابن الشيخ محمد بن حمويه الجويني الصوفي، روى عن جده الفراوي، وجماعة، ونصبه نور الدين شيخ الشيوخ بالشام، وكان وافر الحرمة.
سنة ثمان وسبعين وخمس مائة
فيها سار صلاح الدين فافتتح حران وسروج وسنجار ونصيبين والرقة والبصرة،
стр. 997
ونازل الموصل، ولم يظفر بها لحصانتها، ثم جاء رسول الخليفة يأمره بالترحل عنها، فرحل عنها، ورجع، فأخذ عز الدين مسعود، وعوضه بسنجار. وفيها لبس لباس الفتوة الناصر لدين الله من شيخ الفتوة عبد الجبار، وابتهج بذلك، وبقي يلبس الملوك. وفيها بعث صلاح الدين أخاه سيف الإسلام طغتكين بذلك - بالطاء المهملة والغين المعجمة والمثناة من فوق قبل الكاف ومن تحت بعدها ثم النون - على مملكة اليمن، فدخلها وتسلمها من نواب أخيه. وفيها توفي أبو الكرم هبة الله بن علي الأنصاري الخزرجي المصري المعروف بالبوصيري، كان أديباً كاتباً، له سماعات عالية وروايات تفرد بها، والحق الأصاغر بالأكابر في علو الإسناد، ولم يكن في آخر عصره في درجته مثله. سمع بقراءته جماعة من الكبار، ورحل إليه الطلاب من الأمصار. قال الذهبي. وفيها توفي أحمد بن الرفاعي الزاهد القدوة أبو العباس بن علي بن يحيى كان أبوه قد نزل بالبطائح، بالعراق بقرية أم عبيدة، فتزوج بأخت الشيخ منصور الزاهد، فولدت له الشيخ أحمد في سنة خمس مائة، وتفقه قليلاً على مذهب الشافعي، وكان إليه المنتهى في التواضع والقناعة ولين الكلمة، والذل والانكسار والارزاء على نفسه، وسلامة الباطن. ولكن أصحابه فيهم الجيد والرديء، وقد كثر الزغل فيهم، وتحدرت لهم أحوال شيطانية من دخول النيران والركوب على السباع واللعب بالحيات، وهذا ما عرفه الشيخ والأصلحاء أصحابه - فنعوذ بالله من الشيطان. قلت: هذه ترجمة الذهبي عليه في كتابه الموسوم بالعبر، ولم يزد على هذا، وهذا من العجائب في اقتصاره على هذا في ذكر شيخ الشيوخ الذي ملأت شهرته بالمشارق والمغارب، تاج العارفين، وإمام المعرفين، ذي الأنوار الزاهرة، والكرامات القاهرة، والمقامات العلية والأحوال السنية، والبركات العامة، والفضائل الشهيرة بين الخاصة والعامة: أحمد بن أبي الحسن الرفاعي. وقد ذكرت شيئاً من كراماته ومحاسنه في كتابي الموسوم بروض الرياحين، وفي كتاب الموسوم بالأطراف، وهو كما ترجم عليه بعض العلماء الفضلاء المعتقدين في المشايخ والفقراء حيث قال فيه: هو من أجل العارفين وعظماء المحققين وصدور المقربين، صاحب المقامات العلية والأحوال السنية، والأفعال الخارقة. والأنفاس الصادقة، والفتح المؤنق والكشف المشرق، والقلب الأنور والسر الأظهر والقدر الأكبر، والمعارف الباهرة والحقائق الظاهرة، واللطائف الشريفة والهمم
стр. 998
المنيفة، والقدم الراسخ في التصريف الناقد، والباع الطويل في أحكام الولاية، خرق الله على يديه العوائد، وقلب له الأعيان، وأظهر العجائب، فله مجلس القرب في الحضرة الشريفة، ورفيع المقام والقبول العظيم عند الخاص والعام، عطرت بذكره الآفاق والأقطار، ولاح منه نور الفلاح، واستطار صيته في الوجود استطارة النار بالرياح. قلت: ومن كراماته ما روى ابن أخته الشيخ الجليل أبو الحسن علي قال: كنت يوماً جالساً عند باب خلوة خالي الشيخ أحمد رضي الله تعالى عنه، وليس فيها غيره، وسمعت عنده حساً، فنظرت فإذا عنده رجل ما رأيته قبل، فتحدثا طويلاً، ثم خرج الرجل من كوة في حائط الخلوة ومر في الهوى كالبرق الخاطف، فدخلت على خالي وقلت له: من الرجل؟ فقال له: أو رأيته؟. قلت: نعم، قال: هو الرجل الذي يحفظ الله به قطر البحر المحيط، وهو أحد الأربعة الخواص، إلا أنه هجر منذ ثلاث وهو لا يعلم. فقلت له: يا سيدي؛ ما سبب هجره؟ قال: إنه مقيم بجزيرة في البحر المحيط، ومنذ ثلاث ليال أمطرت جزيرته حتى سالت أوديتها، فخطر في نفسه: لو كان هذا المطر في العمران، ثم استغفر الله تعالى، فهجر بسبب اعتراضه. فقلت له: أعلمته؟ قال: لا، إني استحييت منه، فقلت له: لو أذنت لي لأعلمته، فقال: أو تفعل ذلك؟ قلت: نعم، فقال: رنق، فرنقت، ثم سمعت صوتاً: يا علي، ارفع رأسك، فرفعت رأسي من رنقي، فإذا أنا بجزيرة في البحر المحيط فتحيرت في أمري، وقمت أمشي فيها فإذا بذلك الرجل، فسلمت عليه وأخبرته، فقال: ناشدتك الله ألا فعلت ما أقول لك، قلت: نعم، قال: ضع خرقتي في عنقي، واسحبني على وجهي، وناد علي، هذا جزاء من تعرض على الله سبحانه. قال: فوضعت الخرقة في عنقه وهممت بسحبه، وإذا هاتف يقول: يا علي، دعه فقد ضجت عليه ملائكة السماء باكية عليه وسائلة فيه، وقد رضي
عنه. قال: فأغمي علي ساعة، ثم سري عني وإذا أنا بين يدي خالي في خلوته. والله ما أدري كيف ذهبت ولا كيف جئت. قلت وقد اقتصرت على ما يسمع من كراماته في هذه القضية الفردة من بين ما لا يحصى، ولا يستطيع من رام ذلك عده. قال الإمام ابن خلكان: كان شافعي المذهب، أصله من العرب وسكن في البطائح في قرية يقال لها: أم عبيدة، وانضم إليه خلق عظيم، وأحسنوا الاعتقاد فيه وتبعوه. والطائفة المعروفة بالبطائحية والرفاعية من الفقراء منسوبة إليه. قال: ولأتباعه أحوال عجيبة في الحيات والنزول في التنانير وهي تضطرم بالنار فيطفئونها، ويقال إنهم في بلادهم يركبون الأسود، ومثل هذا وأشباهه، ولهم مواسم يجتمع عندهم من الفقراء عالم لا يعد ولا يحصى، ويقومون بكفاية الكل منهم، وأمورهم مشهورة مستفيضة، فلا حاجة إلى الإطالة. وذكر أصحابه وأتباعه ذكراً جميلاً يدل على حسن اعتقاده في الفقراء من حيث الجملة، وحمل أحوالهم على السداد خلافاً لما قدمته عن الذهبي من الطعن فيهم وسوء الاعتقاد. قال ابن خلكان: وكان للشيخ أحمد - على ما كان عليه من الاشتغال بالعبادة - شعر، فمنه على ما قيل: هـ. قال: فأغمي علي ساعة، ثم سري عني وإذا أنا بين يدي خالي في خلوته. والله ما أدري كيف ذهبت ولا كيف جئت. قلت وقد اقتصرت على ما يسمع من كراماته في هذه القضية الفردة من بين ما لا يحصى، ولا يستطيع من رام ذلك عده. قال الإمام ابن خلكان: كان شافعي المذهب، أصله من العرب وسكن في البطائح في قرية يقال لها: أم عبيدة، وانضم إليه خلق عظيم، وأحسنوا الاعتقاد فيه وتبعوه. والطائفة المعروفة بالبطائحية والرفاعية من الفقراء منسوبة إليه. قال: ولأتباعه أحوال عجيبة في الحيات والنزول في التنانير وهي تضطرم بالنار فيطفئونها، ويقال إنهم في بلادهم يركبون الأسود، ومثل هذا وأشباهه، ولهم مواسم يجتمع عندهم من الفقراء عالم لا يعد ولا يحصى، ويقومون بكفاية الكل منهم، وأمورهم مشهورة مستفيضة، فلا حاجة إلى الإطالة. وذكر أصحابه وأتباعه ذكراً جميلاً يدل على حسن اعتقاده في الفقراء من
стр. 999
حيث الجملة، وحمل أحوالهم على السداد خلافاً لما قدمته عن الذهبي من الطعن فيهم وسوء الاعتقاد. قال ابن خلكان: وكان للشيخ أحمد - على ما كان عليه من الاشتغال بالعبادة - شعر، فمنه على ما قيل:
إذا جن ليلي هام قلبي بذكركم ... أنوح كما ناح الحمام المطوق
وفوقي سحاب يمطر الهم والأسى ... وتحتي بحار للهوى تتدفق
سلوا أم عمر وكيف بات أسيرها ... تفك الأسارى دونه وهو موثق
فلا هو مقتول ففي القتل راحة ... ولا هو ممنون عليه فيطاق
قال: ولم يزل على تلك الحال إلى أن توفي يوم الخميس الثاني والعشرين من جمادى الأولى من السنة المذكورة بأم عبيدة، وهو في عشر السبعين. والرفاعي بكسر الراء نسبة إلى رجل من العرب يقال له رفاعة، قال: هكذا نقلته من خط بعض أهل بيته، بفتح العين المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون المثناة من تحت وقبل الهاء دال مهملة - وهي عدة قرى مجتمعة في وسط الماء بين واسط وبصرة، ولها في العراق شهرة. انتهى. قلت: وذكر غيره أن الأبيات المذكورة سمعها الشيخ سيدي أحمد المذكور من القوال، وكانت سبب موته. وفي مناقبه وما اتصف به من المحاسن والآداب والكرامات العظام مصنف لبعض الأئمة الأعلام، وهو السيد الجليل المعروف بابن عبد المحسن الواسطي. وفي السنة المذكورة توفي الحافظ محدث الأندلس ومؤرخها ومسندها أبو القاسم بن بشكوال خلف بن عبد الملك الخزرجي الأنصاري القرطبي. كان من علماء الأندلس، وله التصانيف المفيدة، منها كتاب الصلة الذي جعله ذيلاً على تاريخ علماء الأندلس تصنيف القاضي أبي الوليد عبد الله بن محمد المعروف بابن الفرضي، وقد جمع فيه خلقاً كثيراً، وله كتاب صغير في أحوال الأندلس - وما أقصر فيه - وكتاب الغوامض والمبهمات، وذكر فيه من جاء ذكره مبهماً في الحديث، فعينه ونسج فيه على منوال الخطيب البغدادي الذي وضعه على هذا الأسلوب، وجزء لطيف ذكر فيه من روى الموطأ عن أنى بن مالك - كذا في الأصل الذي وقفت عليه. من تاريخ ابن خلكان، عن أنى بن مالك - ولم يقل: مالك بن أنس، فإن أراد رواة الموطأ عن أنس بن مالك الصحابي فهو صحيح. وقال: ورتب أسماءهم على حروف المعجم فبلغت عدتهم ثلاثاً وسبعين رجلاً. ومجلد لطيف سماه:
стр. 1000
كتاب المستعين بالله تعالى عند الحاجات والمهمات والمتضرعين إلى الله بالرغبات والدعوات وما يسر الله الكريم لهم من الإجابات والكرامات، وله غير ذلك من المصنفات. وفيها توفي خطيب الموصل أبو الفضل عبد الله بن أحمد الطوسي ثم البغدادي. قال ابن النجار: قرأ الفقه والأصول على الكبار وأبي بكر الشاشي، والأدب على أبي زكريا التبريزي، وولي خطابة الموصل زماناً، وتفرد في الدنيا وقصده الرحالون. وفيها توفي الفقيه العلامة أبو المعالي مسعود بن محمد النيسابوري، تفقه على محمد ابن يحيى صاحب الغزالي، وتأدب على أبيه، وسمع من جماعة، وبرع في الوعظ وحصل له القبول ببغداد، ثم قدم دمشق ودرس بالمجاهدية والغزالية، ثم خرج إلى حلب ودرس بالمدرستين اللتين بناهما نور الدين وأسد الدين، ثم ذهب إلى همدان ودرس بها، ثم عاد إلى دمشق ودرس بالغزالية وانتهت إليه رئاسة المذهب بدمشق، وكان حسن الأخلاق قليل التصنع. مات في سلخ رمضان ودفن يوم العيد، وكان عالماً صالحاً ورعاً، صنف كتاب الهادي في الفقه - وهو مختصر نافع -، لم يأت فيه إلا بالقول الذي عليه الفتوى.
سنة تسع وسبعين وخمس مائة
فيها توفي بوري - بضم الموحدة وكسر الراء - ابن أيوب بن شاذي، الملقب بتاج الملك، أخو السلطان صلاح الدين، وهو أصغر أولاد أبيه. قال ابن خلكان: كانت فيه فضيلة، وله ديوان شعر فيه الغث والسمين، ولكنه بالنسبة إلى مثله جيد. ومما نقل عنه من الشعر:
ياحياتي حين ترضى ... ومماتي حين تسخط
آه من ورد على خديه بالمسك منقط ... بين جفنيك سلطان على ضعفي مسلط
قد تصبرت وإن ... برح بي الشوق وأفرط
فلعل الدهر يوماً ... بالتلاقي منك يغلط
ومنه أيضاً:
أيا حامل الرمح الشبيه بقده ... ويا شاهراً سيفاً حكى لحظة غضبا
ضع الرمح واغمد ما سللت فربما ... قتلت، وما حاولت طعناً ولا ضربا
стр. 1001
ومنه أيضاً:
أقبل من أعشقه راكباً ... من جوانب الغور على أشهب
فقلت: سبحانك يا ذا العلي ... أشرقت الشمس من الغرب
قلت: وجميع أشعاره هذه ليس فيها شيء من الغث الذي ذكر عنه، بل كلها من السمين الحسن المنبىء عن فضيلة اللسن. وكان موته من جراحه أصابته في مدينة حلب يوم حاصرها أخوه صلاح الدين، وكانت طعنة في ركبتي. قال: العماد الأصبهاني في البرق الشامي: بينما صلاح الدين جالس في سماط قد أعده في المخيم ضيافة بعد الصلح، وعماد الدين صاحب حلب إلى جانبه، ونحن في أغبط عيش وأتم سرور، إذ جاء الحاجب إلى صلاح الدين وأسر إليه بموت أخيه، فلم يتغير عن حالته، وأمر بتجهيزه ودفنه سراً وأعطى الضيافة حقها إلى آخرها. ويقال أنه كان يقول: ما أخذنا حلب رخيصة بقتل تاج الملك. وفيهل توفي قاضي زبيد الإمام الفاضل البارع المجود علي بن حسين السيري - بفتح السين المهملة وسكون المثناة من تحت وكسر الراء قرية مصيرة - بضم الميم وفتح الصاد المهملة وسكون المثناة من تحت وفتح الراء - بمخلاف الساعد قافلاً من مكة. وكان مع فضله ورعاً نظيفاً، تفقه على شيوخ زبيد، وأجمع على تفضيله الموالف والمخالف، ويقال إنه أجاب عن ألف مسألة وردت عليه من التعنت التي يمنحه به أهل زبيد على يد القاضي ابن النجاب. قال ابن سمرة في تاريخه؛ ولقد سمعت من بعض المشايخ السادة بشواحط، يعني؛ في جبال اليمن مكاناً يذكر من بعض فضائله وكرمه ما يتعجب منه السامع ويقصر عن بلوغه الطامع، مع ديانته وأمانته. وفيها وقيل بل في سنة ست كما تقدم توفي الإمام رضي الدين يونس الموصلي الشافعي. وفيها توفيت الشيخة الفاضلة تقية بنت غيث - بالغين المعجمة ثم المثناة من تحت ثم المثلثة - ابن علي السلمي الصوري. صبحت الحافظ أبا طاهر محمد بن أحمد السلفي الأصبهاني - وكانت فاضلة ولها شعر جيد - ذكرها في بعض تعاليقه وأثنى عليه، وكتب بخطه: عثرت في منزل سكناي فانجرح أخمصي، فشقت وليدة في الدار خرقة من خمارها وعصبته، فأنشدت تقية المذكورة في الحال لنفسها:
стр. 1002
لو وجدت السبيل جدت بخدي ... عوضاً من خمار تلك الوليدة
كيف لي أن أقبل اليوم رجلاً ... سلكت دهرها الطريق الحميدة
قال ابن خلكان: وحكى الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري أنها نظمت قصيدة تمدح بها الملك المظفر عمر ابن أخي السلطان صلاح الدين - وكانت القصيدة خمرية - وصفت بها آلة المجلس وما يتعلق بالخمر، فلما وقف عليها قال: الشيخة تعرف هذه الأحوال من زمن صباها. فبلغها ذلك، فنظمت قصيدة أخرى حربية وصفت فيها الحرب وما يتعلق بها أحسن وصف، ثم سيرت بها إليه تقول: علمي بتلك كعلمي بهذه. وكان قصدها براءة ساحتها مما نسبها إليه في صباها. وفيها توفي أبو عبد الله محمد المعروف بالأبله البغدادي الشاعر المشهور، أحد المتأخرين المجيدين، جمع في شعره بين الصناعة والرقة، وله ديوان شعر كثير الوجود بأيدي الناس، ذكره العماد الأصبهاني فقال: هو شاب ظريف يتزي بزي الجند، رقيق أسلوب الشعر حلو الصناعة رائق البراعة، عذب اللفظ أرق من النسيم السحري وأحسن من الوشي التستري، وكل ما ينظمه ولو أنه يسير والمغنون يغنون برانقات أبياته فهم يتهافتون على نظمه المطرب تهافت الطير الحوم على عذب المشرب. ومن رقيق شعره:
دعني أكايد لوعتي وأعاني ... أين الطليق من الأسير العاني
آليت لا أدع الملام بعزتي ... من بعد ما أخذ الغرام عناني
أولى تروض العاذلات وقد أرى ... روضات حسن في خدود حسان
ولدي يلتمس السلو ولم يزل ... حي الصبابة ميت السلوان
يا برق إن تجفو العقيقوطالماأغنته عنكسحائب الأجفان
في قصيدة له طويلة وله من أخرى
لئن وقرت يوماً بسمعي ملامة ... لهند فلا عقب الملامة في هند
ولا وجدت عيني سبيلاً إلى البكا ... ولا بت في أصل الصبابة والوجد
وبحت بما ألقى ورحت مقابلاً ... سماحة مجد الدين بالكفر والجحد
стр. 1003
سنة ثمانين وخمس مائة
فيها نازل صلاح الدين الكرك، ونصب عليها المجانيق، فجاءتها نجدات الفرنج، فرأى أن حصارها يطول، فسار وهجم نابلو، فنهب وسبى. وفيها أخذ كحلان - بضم الكاف وسكون الحاء المهملة - وأخرج منه أهله، وعقد في ولايته للشريف مهدي بن أسعد بن عبد الصمد الجوالي. وفيها توفي السلطان أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن القيسي صاحب المغرب، كان
أبوه قد جعل الأمر بعده لولده محمد، وكان طياشاً شريباً للخمر، فخلعه الموحدون واتفقوا على أبي يعقوب، وكان حلو الكلام ومليح المفاكهة، بصيراً باللغة وأيام الناس، قوي المشاركة في الحديث والقرآن وغير ذلك. وقيل إنه كان يحفظ أحد الصحيحين، وكان سخياً جواداً، هماماً فقيهاً حافظاً، لأن أباه هذبه، وقرن به أكمل رجال الحرب والمعارف، فنشأ في ظهور الخيل بين أبطال الفرسان، وفي قراءة العلم بين أفاضل العلماء، أولى التحقيق والإتقان، وكان ميله إلى الحكمة والفلسفة أكثر من ميله إلى الأدب وبقية العلوم، وكان جماعاً مناعاً ضابطاً بخراج مملكته، عارفاً بسياسة رعيته، وكان ربما يحضر حتى لا يكاد يغيب، ويغيب حتى لا يكاد يحضر، وله في غيبته نواب وخلفاء وحكام، وقد فوض الأمر إليهم لما علم من صلاحهم لذلك. والدنانير اليوسفية منسوبة إليه. فلما تمهدت له الأمور واستقرت قواعد ملكه دخل إلى جزيرة الأندلس، فكشف مصالح دولته، وتفقد أحوالها، وفي صحبته مائة ألف فارس من المغرب، أو قال: من العرب والموحدين، ثم أخذ في استرجاع بلاد المسلمين من أيدي الفرنج، - وكانوا قد استولوا عليها - فاتسعت مملكة الأندلس. وفي سنة خمس وسبعين قصد بلاد إفريقية، وفتح مدينة قفص، ثم دخل جزيرة الأندلس في سنة ثمانين وخمسمائة ومعه جمع كثيف، وقصد غربي بلادها، فحاصر العدو هنالك شهراً، واصابه مرض فمات منه في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة، وكان قد استخلف ولده يعقوب، وقيل: إنه لم يستخلف، بل اتفق رأي قواد الموحدين وأولاد عبد
стр. 1004
المؤمن على تملكه، فملكوا. وذكر بعض المؤرخين أنه افتتح الأندلس وغيرها، وتهيأ له من ذلك ما لا يتهيأ لأبيه، وهادن ملك صقلية على جزية تحملها، وكان يملي أحاديث الجهاد بنفسه على الموحدين، فتجهز لغزو النصارى، واستنفر في سنة تسع وسبعين ودخل الأندلس، ثم تكلموا في الرحيل، فتسابق الجيش حتى بقي أبو يعقوب في قلة من الناس، فانتهزت الفرنج الفرصة، وخرجوا فحملوا على الناس فهزمزهم، وأحاطت الفرنج بالمخيم فقتل على بابه طائفة من أعيان الجند وخلصوا إلى أبي يعقوب، وطعن في بطنه، ومات بعد أيام يسيرة في رجب، وبايعوا ولده يعقوب.
سنة احدى وثمانين وخمس مائة
فيها نازل صلاح الدين الموصل، وكانت قد سارت إلى خدمته ابنة الملك نور الدين محمود زوجة عز الدين - صاحب البلد - وخضعت له، فردها خائبة وحصر الموصل، فبذل أهلها نفوسهم وقاتلوا أشد قتال، فندم وترحل عنهم لحصانتها، ثم نزل على ميافارقين، فأخذها بالأمان، ثم رد إلى الموصل وحاصرها أيضاً، ثم وقع الصلح على أن يخطبوا له وأن يكون صاحبها طوعه، وأن يكون لصلاح الدين شهرزور وحصونها، ثم رحل فمرض واشتد مرضه بحران حتى أرجفوا بموته، وسقط شعر لحيته ورأسه. وفيها هاجت الفتنة العظيمة بين التركمان وبين الأكراد في الجزيرة، وقتل من الفريقين خلق لا يحصون. وفيها توفي صدر الإسلام أبو الطاهر اسماعيل بن بكر المعروف بابن عوف الزهري الإسكندراني المالكي. تفقه على أبي بكر الطرطوسي، وسمع منه ومن أبي عبد الله الرازي. برع في المذهب وتخرج به الأصحاب، وقصده السلطان صلاح الدين وسمع منه الموطأ. وعاش ستاً وتسعين سنة. وفيها توفي البهلول محمد شمس الدين صاحب أذربيجان وعراق العجم، ويقال: كان له خمسة آلاف مملوك. وفيها توفي الشيخ الكبير الولي الشهير صاحب الكرامات الخارقة والأنفاس الصادقة والأحوال الفاخرة والأنوار القاهرة، والمقامات العالية والمناقب السامية، والمواهب الجزيلة والأوصاف الجميلة، والطور العالي، في الحقائق والمعراج الرفيع في المعارج، والترقي في
стр. 1005
درجات السابقين والسبق إلى منازل المقربين: حيوة بن قيس الحراني - رضي الله تعالى عنه - كان من أجلاء المشايخ العارفين وأعيان الصفوة المحققين، أحد أركان هذا الشأن وعلم العلماء الأعيان، صاحب التصريف النافذ في الوجود، والقدم الراسخ وعظيم الفضل النابع من عين الوجود، وهو أحد الأربعة الذين قال فيهم الشيخ أبو الحسن القرشي: إن أربعة من المشايخ يتصرفون في قبورهم كتصرف الأحياء: الشيخ معروف الكرخي، والشيخ عبد القادر الجيلي، والشيخ عقيل المنبجي، والشيخ حيوة بن قيس الحراني - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - انتهت إليه رئاسة هذا الأمر علماً وحالاً وزهداً واجلالاً، تزكى في تربيته كثير من المريدين بالرياضات، وتخرج بصحبته غير واحد من أهل المقامات، وتلمذ له جماعة كثيرة من أصحاب الأحوال والكرامات، وأشار إليه المشايخ والعلماء وغيرهم بالتبجيل، وانتهى إليه عالم عظيم ونال العطاء الجزيل. ومن كلامه ﵁: قيمة القشور بلبابها وقيمة الرجال بألبابها، وعز العبيد بأربابها وفخر المحبة بأحبابها. ثم قال: آثار المحبة إذا بدت أماتت قوماً وأحيت أسراراً، ونفت أشراراً وأنارت أسراراً. ثم أنشد:
وإذا الرياحمع العشي تناوحتأسهرن حاسده وهجن غيورا
وأمتن ذا بوجود وجد دائم ... وأقمن ذا، وكشفن عنه ستورا
ومنه المحبة تعلق القلب بين الهيبة والأنس، وهي سمة الطائفة وعنوان الطريقة، ووسيلة إلى رؤية المحبوب وهيمان إلى لقاء المطلوب. وكان رضي الله تعالى عنه يتمثل بهذه الأبيات:
مواجيد حق، أوجد الحق كلها ... وإن عجزت عنها فهوم الأكابر
وما الحب إلا خطرة ثم نظرة ... ينشي لهيباً بين تلك السرائر
إذا سكن السر السريرة ضوعفت ... ثلاثة أحوال لأهل البصائر
فحال بعيد السر عن كنه وجده ... ويحضره للشوق في حال حائر
حاول به رمت ذرى السر وانثنت ... إلى منظراً فناه عن كل ناظر
قلت هكذا في الاصل ثلاثة أحوال، والمفسر منها حالان دون الثلاث. وله رضي الله تعالى عنه من الكرامات وعجائب الآيات ما يذهل العقول وذكر اليسير منه يطول. من ذلك ما حكى الشيخ الصالح غانم بن يعلى التكريتي قال: سافرت مرة من اليمن في البحر المالح، فلما توسطنا بحر الهند وغلب علينا الريح أخذتنا الأمواج من كل جانب، وانكسرت بنا السفينة، فنجوت على لوح منها، فألقاني إلى جزيرة، فطفت فيها،
стр. 1006
فلم أر فيها أحداً، وإذا هي كثيرة الخيرات. رأيت فيها مسجداً فدخلته فإذا فيه أربعة نفر، فسلمت عليهم فردوا علي السلام، وسألوني عن قصتي فأخبرتهم، وجلست عندهم بقية يومي ذلك، فرأيت من توجههم وحسن إقبالهم على الله تعالى أمراً عظيماً. فلما كان وقت العشاء دخل الشيخ حيوة الحراني فقاموا يبادرون إلى السلام عليه، فتقدم وصلى بهم العشاء، ثم استرسلوا في الصلاة إلى طلوع الفجر، فسمعت الشيخ حيوة يناجي ويقول: إلهي؛ لا أجد لي في سواك مطمعاً، ولا إلى غيرك منتجعاً، قد أنخت ببابك ناظراً إلى حجابك، متى تكشف لي عن تفريج الكربة، والترقي إلى مجلس القرية، وقد أوثقت نفسي عن السرور بك فوسمتها بذكرك، ولي فيها كوامن أفراح ترتاح إليها صبابات أشواقي، ولي معك أحوال سيكشفها اللقاء يا حبيب التائبين، ويا سرور العارفين، ويا قرة عين العابدين، ويا أنس المنفردين، ويا حرز اللاجين ويا ظهر المنقطعين، ويا من حنت إليه قلوب الصديقين، ويا من أنست به أفئدة المحبين، وعليه عكفت همة الخاشعين. ثم بكى بكاء شديداً، ورأيت الأنوار قد حفت بهم وأضاء ذلك المكان كإضاءة القمر ليلة البدر، ثم خرج الشيخ حيوة من المسجد وهو يقول:
سير المحب إلى المحبوب إعجال ... والقلب فيه من الأحوال بلبال
أطوي المهامة من قفر على قدم ... إليك يدفعني سهل وأجبال
فقال ولي أولئك النفر: اتبع الشيخ، فتبعته، وكانت الأرض برها وبحرها وسهلها وجبلها يطوي تحت أقدامنا طياً. كنت أسمعه كلما خطا خطوة يقول: يا رب حيوة كن لحيوة، وإذا نحن بحران في أسرع وقت، فوافينا الناس يصلون بها صلاة الصبح. سكن حران واستوطنها إلى أن توفي بها رحمه الله تعالى. وفيها توفي الفقيه الفاضل محمد بن زكريا المدرس في الشويرا: بضم الشين المعجمة وفتح الواو وسكون المثناة من تحت وفتح الراء من بلاد اليمن. توفي وله ولد خلفه يفضل عليه في العلم، خلفه في التدريس اسمه ابراهيم، تفقه بأبيه المذكور، وكان يختم في رمضان في كل يوم وليلة. وفيها توفي المهذب بن الدهان عبد الله بن أسعد بن علي الموصلي الفقيه الشافعي الأديب الشاعر النحوي ذو الفنون. توفي بحمص وكان مدرسايها. وفيها توفي الحافظ عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي الإشبيلي المعروف بابن الخراط، أحد الاعلام، مؤلف الأحكام الكبرى، والصغرى، والجمع بين الصحيحين،
стр. 1007
وكتاب الغريبين في اللغة، وكتاب الجمع بين الكتب الستة. نزل ببجاية، وولي خطابتها، وتوفي بها بعدما لحقه محنة من الدولة، وكان مع جلالته في العلم قانعاً متعففاً موصوفاً بالصلاح والورع ولزوم السنة. وفيها توفي الإمام الحافظ العلامة المشهور أبو زيد عبد الرحمن ابن الخطيب عبد الله ابن الخطيب أحمد الخثعمي السهيلي الأندلسي المالقي صاحب كتاب الروض الأنف في شرح سيرة رسول الله ﵌، وكتاب التعريف والإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء الأعلام، وكتاب نتائج الفكر ومسألة رؤية الله تعالى في المنام ورؤية النبي ﵊، ومسألة السر في أعور الدجال، ومسائل كثيرة مفيدة وقال ابن دحية: أنشدني وقال: إنه ما سأل الله تعالى بها حاجة إلا أعطاه إياها:
يا من يرى ما في الضمير ويسمع ... أنت المعد لكل ما يتوقع
يا من يرجى للشدائد كلها ... يا من إليه المشتكى والمفزع
يا من خزائن رزقهفي قول كنامنن فإن الخير عندك أجمع
ما لي سوى فقري إليك وسيلة ... فبالافتقار إليك فقري أدفع
ما لي سوى قرعي لبابك حيلة ... فلئن رددت فأي باب أقرع؟
من ذا الذي أدعو وأهتف باسمه ... إن كان فضلك عن فقيرك يمنع؟
حاشا لمجودك أن تقنط عاصياً ... الفضل أجزل والمواهب أوسع
قلت: قوله: فإن الخير عندك أجمع: يحتاج إلى تأويل في إعرابه، والإلزم أن يكون من الإقواء المعيب في الشعر، فإن أجمع تأكيد للخير وهو منصوب فيكون منصوباً وله أشعار كثيرة نافية، أخذ القراءة عن جماعة، وروى عن ابن العربي والكبار، وبرع في العربية والنحو واللغة وفي الأخبار والآثار. وكان ببلده يتصف بالعفاف، ويتبلغ بالكفاف، حتى نما خبره إلى صاحب مراكش، فطلبه إليها وأحسن إليه، وأقبل بوجه الإقبال عليه، وأقام بها نحو ثلاثة أعوام، وتوفي بها. والسهيلي نسبة إلى قرية بالقرب من مالقة سميت باسم الكوكب لأنه لا يرى في جميع بلاد الأندلس إلا من جبل مطل عليها. ومالقة: بفتح الميم واللام والقاف مدينة كبيرة بالأندلس. وغلط السمعاني في قوله أنها بكسر اللام.
стр. 1008
وفيها توفي الحافظ أبو موسى محمد بن عمر المعروف بالمديني صاحب التصانيف.
سنة اثنتين وثمانين وخمس مائة
قال العماد الكاتب: أجمع المنجمون في هذا العلم في جميع البلاد على خراب العالم في شعبان عند اجتماع الكواكب السبعة في الميزان بطوفان الريح، وخوفوا بذلك ملوك الأعاجم والروم، فشرعوا في حفر مغارات ونقلوا إليها الماء والأزواد وتهيؤوا، فلما كانمت الليلة التي عينها المنجمون بمثل ريح عاد ونحن جلوس عند السلطان والشموع توقد ولم يتحرك ولم تر ليلة مثلها في ركودها. وقال محمد بن القادسي: فرش الرماد في أسواق بغداد، وعلقت المسوح يوم عاشوراء، وناح أهل الكرخ، وتعدى الأمر إلى سب الصحابة، وكانوا يصيحون به ما بقي كتمان. وقالى غيره: وقعت فتنة ببغداد بين الرافضة والسنية قتل فيها خلق كثير، وكان ذلك منسوباً إلى الصاحب الملقب بمجد الدين. وفيها توفي الإمام العلامة أبو محمد عبد الله المقدسي ثم المصري النحوي صاحب التصانيف، روى عن طائفة، وانتهى إليه علم العربية في زمانه، وقصد من البلاد لتحقيقه وتبحره، وكان يتحدث ملحوناً ويتبرم ممن يخاطبه بإعراب. ويحكى عنه حكايات في سذاجة الطبع، يأخذ في كمه العنب مع الحطب والبيض، فيقطر على رجله ماء العنب فيرفع رأسه ويقول: هذا من العجب، يمطر مع الضحو.
سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة
فيها افتتح صلاح الدين بالشام فتحاً مبيناً ونصر نصراً مبيناً، وهزم الفرنج وأسر ملوكهم، وكانوا أربعين ألفاً. ونازل القدس وأخذه، وأخذ عكا وافتتح عدة حصون، وعز الإسلام وعلاه، ودخل على المسلمين سرور لا يعلمه إلا الله تعالى، وفيها قتل ابن
стр. 1009
الصاحب ببغداد، فذلت الرافضة. وفيها توفي القاضي عيسى بن علي، ولاه سيف الإسلام قضاء الجند. وفيها توفي الفقيه الفاضل الورع المصنف حسن بن أبي بكر الشيباني الساكن في الجوهة من بلاد اليمن، تفقه على الشيخ الإمام أبي عبد الله محمد بن عبدويه المتقدم ذكره، وبعبد الله الهروي والطويري، لزم مجلسه تسع سنين، ورحل إلى عدن رحلتين بينهما أربعون سنة، وله مصتفات حسنة. وعرض عليه قضاء زبيد في ولاية شمس الدولة، وفي ولاية أخيه سيف الإسلام فامتنع واعتذر، فقيل له: أرشدنا إلى من تراه، فأشار بالقاضي عبد الله بن محمد بن أبي عقامة. قال ابن سمرة بعدما ذكر بني عقامة: وبهم نشر الله تعالى مذهب الشافعي في تهامة. وذكر منهم جماعة منهم: القاضي أبو الفتوح بن أبي عقامة - بفتح العين المهملة - الثعلبي كان عالماً مجوداً، له مصنفات حسنة منها: كتاب التحقيق، وكتاب الخبايا، أخذ عن الفقيه أبي الغنائم، وهو عن الشيخ أبي حامد الاسفرائيني ومنهم القاضي محمد بن علي بن أبي عقامة الخطيب، قيل إنه ولي قضاء زبيد زمن الحبشة، وكان معظماً عندهم ذا جاه كبير وعلم غزير. ومنهم الحسن بن محمد بن أبي عقامة الخطيب، قيل إنه كان ينظم الخطبة على المنبر، وإليه تنسب الخطب العقامية. ومنهم القاضي محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي عقامة وأخوه أبو بكر ابن عبد الله، وقال: وآخرهم في هذا الزمان القاضي عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي عقامة الثعلبي قاضي زبيد من جهة الأمير، تفقه فقهاء زبيد وأخذ عنهم، وله معرفة بالحديث والتفسير. وفضائل آل أبي عقامة مشهورة. قلت: وفقهاء اليمن ينشدون أبياتاً وينسبونها إلى القاضي ابن أبي عقامة يمدح فيه بمعرفة عشرين علماً، ولا أدري أي المذكورين هو. وفيها قويت نفس السلطان ابن أرسلان، وأرسل إلى بغداد بأن يعمر له دار السلطان وأن يخطبوا له ويرفع له الشأن، فأمر الناصر بهدم الدار والآخراب، وأخرج رسوله مهاناً بلا جواب. وفيها توفي شيخ الفتوة وحامل لوائها عبد الجبار بن يوسف البغدادي حاجاً بمكة. وكان قد علا شأنه بكون الخليفة الناصر يفتي، ومحدث بغداد وصالحها عبد المغيث بن زهير وابن الدامغاني قاضي القضاة أبو الحسن علي بن أحمد الحنفي. وكان ساكناً وقوراً محتشماً.
стр. 1010
وفيها توفي المقدم الأمير الكبير محمد بن عبد الملك، كان من أعيان أمراء الدولتين بطلاً شجاعاً محتشماً عاقلاً، شهد في الشام المذكور الفتوحات، وحج، فلما نزل بعرفات رفع علم السلطان صلاح الدين، وضرب الكوسات فأنكر عليه أمير ركب العراق، فلم يلتفت وركب في طلبه وركب إليه الآخر، فالتقوا وقتل جماعة من الفريقين، وأصاب ابن المقدم سهم في عينه، فخرج سريعاً، ثم مات من الغد بمنى. وتوفي شيخ الحنابلة الملقب بناصر الإسلام نصر بن قينان - وكان موصوفاً بالورع والزهد والتعبد. وفيها توفي مجد الدين الصاحب هبة الله بن علي، ولي أستاذ دار للمستضيء، ولما ولي الناصر رفع منزلته وبسط يده وكان رافضياً سباياً لما تمكن أحيى شعار الإمامية، واشتهر بأشياء قبيحة، فقتل وأخذت حواصله، من جملتها ألف ألف دينار.
سنة اربع وثمانين وخمس مائة
دخلت، وصلاح الدين يصول وبخيوله يجول، حتى لاقت الفرنج منه ما ذكره يطول، وافتتح أخوه الملك العادل الكرك بالأمان، سلموها له لفريط القحط في رمضان. وفيها توفي أسامة بن مرشد الأمير الكبير مؤيد الدولة أبو المظفر الكناني - الشيرازي، أحد الأبطال المشهورين والشعراء المبرزين، له عدة تصانيف في الأدب والأخبار والنثر ونظم الأشعار، له ديوان شعر في جزأين ومن شعره:
لا تستعر جلداً على هجرانهم ... فقواك تضعف عن صدود دائم
واعلم بأنك إن رجعت إليهم ... طوعاً وإلا عدت عودة راغم
стр. 1011
وله في ابن طليب المصري، وقد احترقت داره:
انظر إلى الأيام كيف تسوقنا ... قهراً إلى الإقرار بالأقدار
ما أوقد ابن طليب قط بداره ... ناراً وكان خرابها بالنار
قال ابن خلكان: ومما يناسب هذه الواقعة أن الوجيه بن صورة المصري - دلال الكتب - كانت له دار موصوفة بالحسن فاحترقت، فقال علي بن مفرح المعروف بالمنجم:
أقول وقد عاينت دار ابن صورة ... وللنار فيها مارج يتضرم
كذا كل مال أصله من نهاوش ... فمما قليل في نهار يعدم
قلت: ومع هذا البيتين بيت ثالث أفرط فيه ما ينبغي أن يذكر، والبيت الثاني مأخوذ من قوله ﵌: " من أصاب مالاً من نهاوش أهبه الله في نهابر ". والنهاوش الحرام، والنهابر المهالك. وقال لغزاً، وقد قلع ضرسه:
وصاحب لا أمل الدهرصحبتهيشفي لنفسيويسعى سعي مجتهد
لم ألقه مذ تصاحبنا فحين بدا ... لناظري افترقنا فرقة الأبد
قلت: وقد فسرت هذا اللغز حيث قلت:
ضرس امرىء غاب عن عينيه في فمه ... عليه في طحن مايغذوه معتمد
نعم الرحى صور الباري بحكمته ... تراه عند انقلاع غير مرتدد
وفيها توفي الإمام عبد الرحمن بن محمد بن حبيش الأنصاري. كان من أئمة الحديث والقراءات والنحو واللغة، ولي خطابة مرسية وقضاءها، واشتهر ذكره وبعد صيته، وصنف كتاب المغازي في مجلدات. وفيها توفي شيخ الحنفية في زمانه بما وراء النهر عمر ابن الإمام شمس الأئمة بكر بن علي رحمه الله تعالى. وفيها توفي التاج المسعودي محمد بن عبد الرحمن الخراساني الصوفي الرحال
стр. 1012
الأديب. كتب وسعى وجمع فأوعى، وصنف شرحاً طويلاً للمقامات، استوعب فيه ما لم يستوعبه غيره في خمس مجلدات كبار، ولم يبلغ أحد من شرح المقامات إلى هذا القدر ولا إلى نصفه، وكان مقيماً بدمشق، والناس يأخذون عنه بعد أن كان يعلم الملك الأفضل عند السلطان صلاح الدين، حصل له بطريقة كتباً نفيسة غريبة، وبها استعان على شرح المقامات. وحكى أبو البركات الهاشمي قال: لما دخل السلطان صلاح الدين حلب نزل المسعودي المذكور إلى جامع حلب، وقعد في خزانة كتب الوقف، واختار منها جملة أخذها لم يمنعه منها مانع، ولقد رأيته وهو يحشوها في عدل وقال ابن النجار: كان من الفضلاء في كل فن في الفقه والحديث والأدب، وكان من أظرف المشايخ وأجملهم، توفي عن اثنتين وثمانين سنة. وفيها توفي أبو الفتح التعاويذي، الشاعر الذي سار نظمه في الآفاق، وتقدم على شعراء العراق. هكذا ذكر بعضهم في السنة المذكورة، وقد قدمنا عن بعضهم ذكر موته في سنة ثلاث وخمسين، وذكرت شيئاً من فضائله هناك. وفيها توفي الإمام الحافظ محمد بن موسى الخازمي الهمداني الملقب زين الدين، أحد الحفاظ المتقنين وعباد الله الصالحين، سمع من أبي الوقت حضوراً، وسمع من أبي زرعة، ومعمر بن الفاخر بالخاء المعجمة ورحل إلى العراق وأصبهان والجزيرة وبلاد فارس وهمدان والشام والنواحي، وصنف التصانيف، وكان إماماً ذكياً ثاقب الذهن، فقيهاً بارعاً ومحدثاً ماهراً، بصيراً بالرجال والعلل، متبحراً في علم السنن ذا زهد وتعبد، وتأله وانقباض عن الناس، وغلب عليه الحديث، وبرع فيه واشتهر به، وصنف فيه وفي غيره كتباً مفيدة منها: الناسخ والمنسوخ في الحديث، وكتاب الفصل في مشتبه السنة، وكتاب عجالة المبتدىء في النسب، وكتاب ما اتفق لفظه وافترق مسماه في الأماكن والبلدان المشتبهة في الخط، وكتاب سلسلة الذهب فيما روى الإمام أحمد بن حنبل عن الإمام الشافعي، وشروط الأئمة، وغير ذلك من الكتب النافعة. واستوطن بغداد ساكناً في الجانب الشرقي، ولم يزل مواظباً للاشتغال ملازم الخير إلى أن توفي رحمة الله تعالى عليه، فدفن في الشونيزية إلى جانب سمنون بن حمزة، مقابل قبر الجنيد رحمة الله تعالى على الجميع، بعد أن صلى عليه خلق كثير برحبة جامع القصر، وحمل إلى الجانب الغربي فصلي عليه مرة بعد أخرى، وفرق كتبه على أصحاب الحديث. وكانت ولادته في سنة ثمان أو تسع وأربعين وخمس مائة،
стр. 1013
ونسبته إلى جده حازم. وفيها توفي الفقيه الفاضل قاضي عدن ذو الفضل أحمد بن عبد الله بن محمد اليمني القريظي، كان حافظاً مجوداً في الحديث بارعاً عارفاً باللغة والعربية، أقام في مجلس الحكم بها أربعين سنة.
سنة خمس وثمانين وخمس مائة
في أول شعبان منها التقى صلاح الدين الفرنج، وفي وسطه التقاهم أيضاً، فانهزم المسلمون واستشهد جماعة، ثم ثبت السلطان والأبطال كروا عليهم ووضعوا فيه السيف، وجافت الأرض من كثرة القتلى، ونازلت الفرنج عكا، فساق صلاح الدين وضايقهم، وبقي محاصراً، والتقاهم المسلمون مرات، وطال الأمر وعظم الخطب، وبقي الحصار والحالة هذه عشرين شهراً أو أكثر، وجاء الفرنج في البر والبحر، وملأوا السهل والوعر حتى قيل إن عدة من جاء منهم بلغت ست مائة ألف. وفيها توفي فقيه الشام قاضي القضاة أبو سعد عبد الله بن محمد المعروف بابن عصرون التميمي ئم الموصلي وأحد الأعلام. تفقه بالموصل وسمع بها، ثم رحل إلى بغداد فقرأ القراءات ودرس النحو والأصلين ودخل واسط وتفقه بها، ورجع إلى الموصل بعلوم جمة، ودرس بها وأفتى، ثم سكن سنجار، ثم قدم حلب ودرس بها وأقبل عليه نور الدين، فقدم معه عند مفتتح دمشق، ودرس بالغزالية، ثم رد وولي قضاء سنجار وحران مدة، ثم قدم دمشق وولي القضاء لصلاح الدين، وله مصنفات كثيرة. وفيها توقي المبارك بن المبارك شيخ الشافعية في وقته ببغداد وصاحب الخط المنسوب ومؤدب أولاد الناصر لدين الله، درس بالنظامية، وتفقه به جماعة وحدث، وكان صاحب علم وعمل ونسك وورع، وكان قد جود للكتابة حتى بالغ بعضهم وقال: هو أكتب من ابن البواب. ثم اشتغل بالفقه فبلغ فيه الداية. وفيها توفي صاحب الطريقة في الخلاف أبو طالب محمد بن علي التميمي الأصبهاني. تفقه على الشهيد محمد بن يحيى تلميذ حخه الإسلام أبي حامد الغزالي، وبرع في الخلاف، وصنف فيه التعليقة التي شهدت بفضله وتحقيقه وتدبيره على أكثر نظرائه، وجمع فيها بين الفقه والتحقيق. وكان عمدة المدرسين في إلقاء الدروس، واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به، وصاروا علماء مشاهير، وكان له في الوعظ اليد الطولى، وكان متفنناً في العلوم خطيباً،
стр. 1014
قاضياً مدرساً. وفيها توفي محمد بن يوسف البحراني الشاعر المشهور، وكان إماماً مقدماً في علم العربية متفنناً في أنواع الشعر، من أعلم الناس بالعروض والقوافي، وأحذقهم بنقد الشعر وأعرفهم بجيده من ردئيه، واشتغل بشيء من علوم الأوائل، وحل كتاب إقليدس، وبدأ بنظم الشعر وهو صبي صغير بالبحرين جرياً على عادة العرب قبل أن ينظر في الأدب. وكان قد رحل إلى شهرزور، وأقام بها مدة، ثم رحل إلى دمشق وخدم السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى بقصيدة طويلة، وله ديوان شعر جيد ورسائل حسنة، ومن شعره قصيدة مدح بها أبا المظفر صاحب إربل، من جملتها هذه الأبيات.
رب دار بالفضا طال بلاها ... عكف الركب عليها فبكاها
درست إلا بقايا أسطر ... سمح الدهر بها ثم محاها
كان لي فيها زمان وانقضى ... فسقى الله زماني وسقاها
والبحراني نسبة إلى البحرين: وهي بليدة بالقرب من هجر. قال الأزهري: وإنما سمي البحرين لان في ناحية قراها بحيرة على باب الأحساء، وقرى هجر بينها وبين البحر الأخضر عشرة فراسخ، وقدرت البحيرة ثلاثة أميال في مثلها، وعن أبي محمد اليزيدي قال: سألني المهدي وسأل الكسائي عن النسبة إلى البحرين وإلى الحصنين، ثم قالوا: حصني وبحراني، فقال الكسائي: كرهوا أن يقولوا: حصناني لاجتماع النونين، قال: وقلت أنا: كرهوا أن يقولوا بحري، فيشبه النسبة إلى البحر.
سنة ست وثمانين وخمس مائة
فيها توفي الحافظ الكبير أبو المواهب الحسن بن هبة الله المحفوظ ابن صصري الدمشقي، سمع من الحافظ ابن عساكر وغيره، وتخرج به، وسمع بالعراق وهمدان وأصبهان والجزيرة والنواحي من شيوخ فيها، وبرع في هذا الشأن، وجمع وصنف مع الثقة والجلالة والكرم والرئاسة. وفيها توفي الحافظ النحوي محمد بن عبد الله الفهري الاشبيلي، برع في الفقه والعربية، وانتهت إليه الرئاسة في الحفظ والفتيا.
стр. 1015
وفيها توفي قاضي القضاة أبو حامد محمد ابن قاضي القضاة أبي الفضل محمد بن عبد الله الشهرزوري الشافعي، له مع فضائله أشعار جيدة، منها قوله في وصف جرادة:
لها فخذا بكر وساقا نعامة ... وقادمتا نسر وجؤجؤه ضيغم
خبتهاأفاعي الرمل بطناً وأنعمتعليها جياد الخيل بالرأس والفم
ويحكى عنه رئاسة جسيمة ومكارم عظيمة.
سنة سبع وثمانين وخمس مائة
فيها اشتدت مضايقة الفرنج لعكا وقلة الأقوات على المسلمين بها، فسلموها بالأمان. وفيها توفي أبو المعالي عبد المنعم بن عبد الله بن محمد بن الفضل الفراوي النيساوري مسند خراسان، سمع من جده وجماعة. وفيها توفي صاحب حماة الملك المظفر عمر ابن شاهنشاه بن أيوب أحد الأبطال ابن أخي السلطان صلاح الدين. كان شجاعاً مقداماً منصوراً في الحروب، مؤيداً في الوقائع، له مشاهد مشهورة مع الفرنج، وآثار حميدة في المضافات دلت عليه التواريخ، وله في أبواب البر معروف متسع، منها مدارس شافعية ومالكية وأوقاف كثيرة، وكثرة إحسان إلى العلماء والفقراء وأرباب الخير، وناب عن عمه صلاح الدين بالديار المصرية في بعض غيباته عنها، ثم استدعاه صلاح الدين إليه في الشام ورتب في الديار المصرية ولده العزيز الملك عثمان ومعه الملك العادل، فشق ذلك على الملك المظفر المذكور، وعزم على دخول بلاد المغرب، وقبح عليه أصحابه ذلك فامتثل قول عمه، وحضر إلى خدمته وخرج صلاح الدين فالتقاه، وفرح به وأعطاه حماة، فتوجه إليها ورتب فيها بعده ولده الملك المنصور أبو المعالي الملقب ناصر الدين. وفيها توفي الفقيه نجم الدين محمد بن الموفق الصوفي الزاهد الفقيه الشافعي. تفقه على الإمام محمد بن يحيى تلميذ حجة الاسلام، وكان يستحضر كتابه المحيط في شرح
стр. 1016
الوسيط، وألف كتاباً سماه تحقيق المحيط، في ستة عشر مجلداً. روى ودرس وأفتى، وكان صلاح الدين يعتقد فيه ويبالغ في احترامه، وعمر له مدرسة الشافعية، وكان يبالغ في ذم العبيديين، ولما هاب صلاح الدين من الإقدام على قطع خطبة العاضد وقف قدام المنبر، وأمر أن يخطب الخطيب لبني العباس، ففعل ولم يقع، إلا الخير. قال الذهبي: ثم عمد إلى قبر ابن الكيزاني - من غلاة السنة وأهل الأثر - فنبشه وقال: لا يكون صديق وزنديق في موضع واحد. يعني: هو والشافعي، فثارت حنابلة مصر عليه، ووقعت الفتنة وصار بينهم حروب. قلت: وقوله من غلاة السنة وأهل الأثر: أي ممن يتغالى في تقرير الظواهر وعدم تأويلها، وإنما قال الذهبي: وغلاة أهل السنة، لأنه كثيراً ما يشير إلى أن الظاهرية هم أهل السنة، مفهماً بذلك أن اعتقاده موافق لأهل الظاهر - والله أعلم بالسرائر - ولما توفي المذكور في السنة المذكورة دفن في قبة تحت رجلي الإمام الشافعي ﵁ وبينهما شباك. وكان أصحابه يصفون فضله ودينه، وأنه كان سليم الباطن قليل المعرفة بأحوال الدنيا. وفيها توفي الحكيم شهاب الدين يحيى بن حبش بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة وبالشين المعجمة - السهروردي المقتول بحلب. كان بارعاً في الحكمة وعلوم الفلسفة والأصول الفقهية وعلم الكلام - وشيخه وشيخ فخر الدين الرازي واحد، وهو مجد الدين الجيلي، وكان الحكيم المذكور مفرط الذكاء فصيح العبارة، مناظراً محجاجاً متزهداً، وكان علمه أكثر من عقله، ويقال إنه كان يعرف السيمياء. حكي أنه خرج من دمشق مع جماعة، فلما وصلوا إلى القابون لقوا قطيع غنم مع تركماني، فقال أصحابه: زيد رأساً من هذا الغنم، فأخذوا رأساً بعشرة دراهم كانت معه، فقال صاحب الغنم: خذوا رأساً أصغر منه، فقال: امشوا وأنا أقف معه وأرضيه، فتقدموا، وبقي يتحدث معه ويطيب قلبه، فلما بعدوا قليلاً تبعهم وتركه، وبقي التركماني يمشي خلفه ويصيح به، فلم يلتفت إليه حتى لحقه وجذب يده اليسرى وقال: أين تروح وتخلفني؟ وإذا بيده قد انخلعت من عند كتفه وصارت في يد التركماني، ودمها يجري، فبهت التركماني وتحير، ورمى اليد وخاف وهرب، وأخذ هو تلك بيده اليمنى، ولحق أصحابه وهو يلتفت إليه حتى غاب عنه. ولما وصل إلى أصحابه رأوا في يده اليمنى منديلاً لا غيره. قال ابن خلكان: ويحكى عنه مثل هذا أشياء كثيرة - انتهى والله أعلم بصحتها. قلت: ومثل هذا ما سمعته ممن يحكى عمن صاحب ابن سينا إلى جبل حراء أنه أخذ
стр. 1017
من بدوي شاة في الطريق، فذبحها هو وأصحابه، وشووها وأكلوها، فجاء البدوي إلى رأس الجبل يطالبه بالثمن، فجلس معه في مكانه بعيداً عن رفقائه، وتمدد بين يدي البدوي، فنظر إليه ذلك البدوي فإذا هو مذبوح، ففزع البدوي وهرب. قلت: وهذه الأفعال وأشباهها يئست من أفعال، وبئس من يفعلها، وبئس المعلم - الموصل إليها.
رجعنا إلى ذكر الحكيم السهروردي، له تصانيف عديدة كالتنقيحات في أصول الفقه، والتلويحات، وكتاب الهياكل، والرسالة الغريبة وغير ذلك. ومن كلامه: حرام على الأجساد المظلمة أن تلحق في ملكوت السماوات، فوحد الله تعالى وأنت بتعظيمه ملآن، واذكره وأنت من ملابس الأكوان عريان، ولو ما كان في الوجود شمس لأظلمت الأكوان، وأبى النظام أن يكون غير ما كان، فخفت حتى قلت لست بظاهر، وظهرت من سعيي على الأكوان، اللهم خلص لطيفي من هذا العالم الكثيف. وتنسب إليه أشعار، فمن ذلك:
جعلت هياكلها تجرعلى الحمى ... وصبت لمغناها القديم تشوقا
وتلفتت نحو الديار فشاقها ... ربع عفت أطلاله فتمزقا
وقفت تسائله فرد جوابها ... رجع الصدى أن لا سبيل إلى اللقا
فكأنها برق تآلف بالحمى ... ثم انطوى وكأنه ما أبرقا
ومن شعره المشهور:
أبداً تحن إليكم الأرواح ... ووصالكم ريحانة والراح
وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم ... وإلى لقاء جمالكم ترتاح
وارحمتا للعاشقين تحملوا ... ثقل المحبة والهوى فضاح
بالسر إن باحوا تباح دماؤهم ... وكذا دماء البائحين تباح
فإذا هم كتموا فحدث عنهم ... عند الوشاة المدمع السحاح
وبدت شواهد للسقام عليهم ... فيها لمشكل أمرهم إيضاح
خفض الجناح لكم وليس عليكم ... للصب في خفض الجناح جناح
فإلى لقاكم نفسه مرتاحة ... وإلى رضاكم طرفه طماح
عودوا بنور الوصل من غسق الدجى ... فالهجر ليل والوصال صباح
صافاهم فصفوا له قلوبهم ... في نورها المشكاة والمصباح
ركبوا على سفن الهوى ودموعهم ... بحر وشدة شوقهم ملاح
والله ما طلبوا الوقوف ببابه ... حتى دعوا وأتاهم المفتاح
لا يطربون بغير ذكر حبيبهم ... أبداً وكل زمانهم أفراح
حضروا وقد غابت شواهد ذاتهم ... فتهتكوا لما رأوه وصاحوا
стр. 1018
أفناهم عنهم وقد كشفت لهم ... حجب البقا فتلاشت الأرواح
مع أبيات أخرى في أثنائها وفي آخرها أوليتها حذف هجر الإعراض - عند لمعان برق سحاب بعض الأعراض. وكان شافعي المذهب ويلقب بالمؤيد بالملكوت. قال ابن خلكان: وكان يتهم بانحلال العقيدة والتعطيل واعتقاد مذهب الحكماء المتقدمين، واشتهرعنه ذلك، فلما وصل إلى حلب أفتى علماؤها بإباحة قتله، بما ظهر لهم من سوء مذهبه في اعتقاده قال: وقال الشيخ سيف الدين الآمدي: اجتمعت بالسهروردي في حلب، فقال لي: لا بد لي أن أملك الأرض، فقلت له: من أين لك هذا؟ قال: رأيت في المنام كأني شربت ماء البحر، فقلت: لعل هذا يكون اشتهار العلم وما يناسبها، فرأيته لا يرجع عما وقع في نفسه، ورأيته كثير العلم قليل العقل. وكان في دولة الملك الظاهر ابن السلطان صلاح الدين، فحبسه، ثم خنقه بإشارة والده صلاح الدين - وعمره ثمان وقيل: ست وثلاثون - وقيل: قتله وصلبه أياماً. وقيل: خير بين أنواع القتل فاختار أن يموت جوعاً لاعتياده الرياضات، فمنع من الطعام حتى تلف. ونقل ابن الجوزي في تاريخه عن ابن شداد قال: أقمت بحلب للاشتغال بالعلم الشريف، ورأيت أهلها مختلفين في أمر، فمنهم من ينسبه إلى الزندقه والإلحاد - وهم أكثر الناس - ومنهم من يعتقد فيه الصلاح وأنه من أهل الكرامات ويقولون: ظهر لهم بعد قتله ما يشهد له بذلك. وانتهى، والله أعلم ببواطن العباد وإليه المرجع والمعاد.
سنة ثمان وثمانين وخمس مائة
فيها سار شهاب الدين الغوري صاحب غزنة بجيوشه، فالتقى ملك الهند، فانتصر المسلمون واستحر القتل بالهنود، وأسر ملكهم، وغنم المسلمون ما لا ينحصر، من ذلك أربعة عشر فيلاً.
وفيها التقى المسلمون بالشام الفرنج غير مرة، والنصرة كلها للمسلمين إلا واحدة، مقدمها الملك العادل، فدهمهم العدو وهزمهم. وفيها توفي أبو الفضل اسماعيل بن علي الشافعي الفرضي، من أعيان المحدثين.
стр. 1019
تفقه على جمال الإسلام ابن المسلم وغيره، وسمع من هبة الله بن الأكفاني وطبقته، ورحل إلى بغداد فسمع بها جماعة من الكبار، وكتب الحديث الكثير، وكان بصيراً بعقد الوثائق والسجلات. وفيها توفي المشطوب الأمير - مقدم الجيوش سيف الدين علي بن أحمد بن أبي الهيجاء الهكاري نائب عكا، لما أخذت الفرنج عكا أسروه، ثم اشتري بمبلغ عظيم، ثم أقطعه صلاح الدين القد، فتوفي بها. وفيها توفي أبو المرهف نصر بن منصور الشاعر المشهور، كان ضريراً، قدم بغداد وحفظ القرآن المجيد، وتفقه على مذهب الإمام أحمد، وسمع الحديث من القاضي ابن الباقلاني وأبي البركات عبد الوهاب بن المبارك وأبي الفضل ابن الناصر وغيرهم، وقرأ الأدب على ابي منصور الجواليقي، وله ديوان شهر، ومن شعره قوله من قصيدة له:
وأخوف ما أخاف على فؤادي ... إذا ما أنجد البرق اللموع
لقدحملت من طول الثناء ... عن الأحباب ما لا أستطيع
وكان زاهداً ورعاً حسن المقاصد في الشعر.
سنة تسع وثمانين وخمس مائة
وفيها توفي صاحب مكة داود بن عيسى بن فليتة بن قاسم بن محمد بن أبي هاشم العلوي الحسيني. ومحمود سلطان شاه أخوه الملك علاء الدين خوارزم شاه ابنا أرسلان الخوارزمي. وسنان بن سليمان أبو الحسن البصري الإسماعيلي الباطني صاحب الدعوة وصاحب حصون الإسماعيلية. كان أديباً متفنناً متكلماً عالماً عارفاً بالفلسفة أخبارياً شاعراً. وصاحب الموصل السلطان عز الدين مسعود بن مودود أتابك بن زنكي. قال ابن الأثير: بقي عشرة أيام لا يتكلم إلا بالشهادتين وبالتلاوة، ورزق خاتمة خير، وكان كثير الخير والإحسان يزور الصالحين ويقربهم ويشفعهم، وفيه حلم وحياء ودين. ودفن في مدرسته في الموصل، وتملك بعده ولده نور الدين.
стр. 1020
وفيها توفي السلطان صلاح الدين الملك الناصر أبو المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي - بالشين والذال المعجمتين وبينهما ألف في آخره ياء النسبة ومعناه بالعربية فرحان - صاحب الديارالمصرية والبلاد الشامية والعراق واليمنية. وتراجم أبيه أيوب وقرابته من الإخوة والأعمام مذكورة في مواضعها، وصلاح الدين المذكور كان واسطة العقد وشهرته وشائعته شهيرة مغنية عن مدحته والتعريف بصفته وسيرته. وقد ذكر بعض المؤرخين الاتفاق على أن أباه وأهله من الاكراد، وذكر بعضهم نسبه أباً، فإما إلى عدنان ثم رفعه إلى آدم ﷺ وذكر ابن الأثير أن مجاهد الدين متولي شحنة العراق من جهة السلطان غياث الدين السلجوقي مسعود رأى في نجم الدين أيوب شاذي عقلاً ورأياً حسناً وحسن سيرة، فجعله وألياً بتكريت حافظاً للقلعة، فلما انهزم أتابك الشهيد صاحب - الموصل عماد الدين زنكي بالعراق في أيام الإمام المسترشد وكان قد جاء على قصد حصار بغداد - وصل بعد انهزامه إلى تكريت، فخدمه نجم الدين أيوب، وأقام له السفن فعبر دجلة هناك، وتبعه أصحابه فأحسن نجم الدين إليهم وسيرهم، ثم إن أسد الدين أخا نجم الدين قتل إنساناً بتكريت لكلام جرى بينهما، فأرسل مجاهد الدين إليهما، وأخرجهما من تكريت، فقصدا عماد الدين زنكي صاحب الموصل، فأحسن إليهما، وعرف لهما خدمتهما، واقطعهما إقطاعاً حسناً وصار من جملة جنده. فلما فتح عماد الدين زنكي بعلبك جعل نجم الدين والياً عليها وحافظاً، فلما قتل عماد الدين زنكي وتولى بعده ولده سيف الدين غازي بن زنكي أرسل إليه نجم الدين أيوب، وطلب منه عسكراً ليستعين به على قتال صاحب دمشق مجير الدين - وكان قد حاصر أيوب فلم ينجده بالعسكر، فلما رأى نجم الدين تلك الحال وخاف أن يؤخذ قهراً، أرسل في تسليم القلعة، وطلب أقطاعاً ذكره، فأجيب إلى ذلك، وحلف له صاحب دمشق، فسلم القلعة ووفى له بما حلف عليه من الإقطاع، وصار عنده من أكبر الأمراء. واتصل أخوه أسد الدين بالخدمة النورية المتعلقة بنور الدين محمود صاحب حلب - وكان يخدمه - فقربه نور الدين وأقطعه، وكان يرى منه في الحروب آثاراً يعجز عنها غيره لشجاعته وجرأته، فصارت له حمص والرحبة وغيرهما، وجعله مقدم عساكره. وكان صلاح الدين مولده سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة بقلعة تكريت لما كان عمه
وأبوه بها، ثم إن عماد الدين قصد حصار دمشق فلم تحصل له، فرجع إلى بعلبك فحاصرها شهراً وملكها سنة أربع وثلاثين وخمس مائة، ورتب فيها نجم الدين أيوب، ولم يزل صلاح الدين تحت كنف أبيه حتى ترعرع. وحاصر نور الدين بن عماد الدين زنكي دمشق،
следующие страницы →