Полный текст (256 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
محتويات كتاب الانواء لابن قتيبة الدينورى
الموضوع/ الصفحة
التصدير العام (فى الانكليسية) . (٦-)
مقدمة المصححين
جدول اسماء المنازل والنجوم المقدرة لها يب
كتب الأنواء فى الأدب العربى يج
جدول اسماء الذين ألف كل واحد منهم كتابا اسمه «كتاب الأنواء» يد
مكانة ابن قتيبة يط
منهاج ابن قتيبة كج
هل سرق ابن قتيبة شيئا من الدينورى؟ كد
إلزام البيرونى على ابن قتيبة كح
المخطوطات من كتاب الأنواء لا
ترجمة ابن قتيبة م
مقدمة المصنف وغرض التأليف ١
ذكر منازل القمر ٤
معنى النوء ٦
كيف يكون الطلوع والغروب؟ ٩
стр. 2
فرق ما بين الغروب الذى هو أفول وبين الغروب الذى له النوء ١٢
تحديد الوقت الذى فيه يسقط النجم بالغداة ١٣
معنى العرب فى نسبة المطر إلى النوء ١٣
أسماء المنازل وهيئاتها: ١٦
١- الشرطان ١٧
٢- البطين ٢٠
٣- الئريا ٢٣
٤- الدبران ٧
٣ ٥- الهقعة ٤١
٦- الهنعة ٤٢
ذكر كواكب الجوزاء ٤٥
٧- الذراع ٤٨
٨- النثرة ٥٤
٩- الطرف ٥٥
١٠- الجبهة ٥٦
١١- الزبرة ٥٨
١٢- الصرفة ٥٩
١٣- العواء ٦٠
١٤- السماك ٦٢
١٥- الغفر ٦٧
стр. 3
١٦- الزبانى ٦٨
١٧- الإكليل ٦٩
١٨- القلب ٧٠
١٩- الشولة ٧١
٢٠- النعائم ٧٤
٢١- البلدة ٧٥
٢٢- سعد الذابح ٧٦
٢٣- سعد بلع ٧٧
٢٤- سعد السعود ٧٨
٢٥- سعد الأخبية ٧٩
٢٦- الفرغ الأول ٨٢
٢٧- الفرغ الثانى ٨٣
٢٨- الحوت ٨٤
كيف يكون نزول القمر بهذه المنازل؟ ٨٥
ما ينسب إليه البوارح من هذه المنازل ٨٨
أوقات النتاج ٩٤
أوقات تبدّى العرب ورجوعها إلى محاضرها ٩٦
ذكر الأزمنة الأربعة وتحديد أوقاتها ١٠٠
الأزمنة وتحديد أوقاتها عند العرب ١٠٣
ذكر نجوم الأزمنة ورقائبها ونجوم أنوائها ١٠٩
فصل الربيع ١٠٩
стр. 4
فصل القيظ ١١٤
فصل الخريف ١١٥
فصل الشتاء ١١٨
ذكر البروج ١٢٠
القطب ١٢٢
المجرّة ١٢٣
الفلك والسماء ١٢٤
ذكر الكواكب الخنس ١٢٦
مكث الخنس والشمس والقمر فى البروج ١٢٨
صفات الخنس ١٢٨
ذكر الشمس والقمر ١٢٨
الشمس ١٣٦
ذكر المشارق والمغارب ١٤١
الفجران ١٤٢
الشفقان ١٤٣
ذكر مشاهير الكواكب وما داناها: ١٤٥
بنات نعش الصغرى ١٤٥
بنات نعش الكبرى ١٤٧
الحران ١٤٨
العوائذ ١٤٨
القرن ١٤٩
стр. 5
الشاء ١٤٩
الضباع ١٤٩
الحية ١٥٠
الأبيض ١٥٠
الفكة ١٥٠
النسقان ١٥٠
النسران ١٥١
الفوارس والردف ١٥١
الصليب ١٥١
سهيل ١٥٢
الكواكب المنسوبة الى سهيل والمشبهة به ١٥٧
ذكر الرياح وتحديد مهابها ١٥٨
أفعال الرياح ١٦١
اللواقح من الرياح والحوائل ١٦٣
ذكر السحاب والبرق والمطر ١٦٩
مخايل السحاب ١٦٩
الاستدلال بالبرق ١٧٧
الاستدلال بالحمرة على الغيث ١٧٩
الأوقات التى تحمد للنوء والمطر ١٨٠
اختلاف مناظر النجوم ١٨٢
стр. 6
الاهتداء بالنجوم والمسير بطلوعها وغروبها ١٨٦
كيف يكون الاهتداء بالنجوم؟ ١٩٠
ذيل للمؤلف مجهول ١٩١
الفهارس:
فهرس المآخذ والمصادر ١٩٥
الفهرس الجامع المشتمل على الأعلام والقبائل والأماكن والكتب وغيرها ٢٠١
فهرس أسماء النجوم والكواكب وما يليها ٢١١
فهرس القوافى والبحور (١- ١٨)
стр. 7
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
(مقدمة المصححين)
إذا حاول مؤرخ الآداب والعلوم العربية أن يدلى ببيان عاجل عما بلغه العرب من معلومات ومعارف وألفوه من كتب وتآليف فيما يخص علم النجوم والهيئة، وجب عليه بادى ذى بدء أن يميّز أدقّ تمييز بين المعارف المتداولة فى الأوساط المترقية المتخصصة والمؤلفات المعدّة لها من جهة، وبين تقاليد العامة ومعلوماتها المتوارثة والكتب المدوّنة لها من جهة اخرى فاستمع إلى ما يقول الجاحظ فى «كتاب الحيوان» (ج ٦، ص ٣٠) عن الأعراب، حيث يذكر أنهم:
«عرفوا الآثار فى الأرض والرمل، وعرفوا الأنواء ونجوم الاهتداء، لأن كل من كان بالصحاصح الأماليس، حيث لا أمارة ولا هادى مع حاجته إلى بعد الشقة، مضطرّ إلى التماس ما ينجيه ويؤدّيه، ولحاجته إلى الغيث، وفراره من الجدب، وضنّه بالحياة، اضطرّته الحاجة إلى تعرف شأن الغيث؛ ولأنه فى كل حال يرى السماء وما يجرى فيها من
стр. 8
الكواكب، ويرى التعاقب بينها والنجوم الثوابت فيها، وما يسير منها مجتمعا، وما يسير منها فاردا، وما يكون منها راجعا ومستقيما» .
هذا قول الجاحظ. ولا بأس بأن نعتمد عليه فيما نحن بصدده.
فجعل الأعرابى إذن يستدل بالشمس نهارا، وبالقمر والكواكب والرياح ليلا، فعرف من الشمس أوقات شروقها وغروبها، ومن القمر ليالى ظهوره واستسراره، ومن أنوار الكواكب أوقات طلوعها وسقوطها ومواقعها من الفلك. ثم لا حظ أن حوادث تخص البرد والحر، والشتاء والجدب. وأحوال الحيوان والنبات، لها علاقة ظاهرة بدوران الشمس وبطلوع القمر والكواكب وسقوطها، حتى استنبط من مشاهداته وتجاربه نواميس بسيطة لا تتجاوز دائرة الاختبار ولا تخرج عن نطاق المعطيات العملية.
هذا كله شأن الامم الساذجة، كما بيّنه الجاحظ. غير أننا، وإن ضربنا صفحا عن عبادة النجوم الشائعة فى بطون من العرب القدماء، سنرى بعد قليل أن البدو عرفوا أكثر مما ذكرناه من معرفة أحوال النجوم. ولكنهم لم يفضوا إلى ذلك استنباطا، بل اقتباسا على الأكثر.
مهما كان هذا، إن غرض العرب من علم الأنواء لم يكن فى أول الأمر إلا معرفة أوقات المطر وأسمات السفر يهتدون بسير النجوم.
فلما ظهر الاسلام، زاد مقصدا آخر، وهو معرفة القبلة وأوقات الصلاة والصوم من حركات الكواكب ومن الفجرين والشفقين، وطلوع الشمس وزوالها وغروبها، وطلوع الهلال والسحر، إلى غير ذلك من
стр. 9
سائط هذا العلم. ثم خرجوا من جزيرتهم وفتحوا قسما لا يستهان به من المعمورة، وظهروا على امم كانت قد بلغت درجه عالية من الحضارة، واهتمت بالنجوم اهتمام علماء مضاربين لا اهتمام شعراء متبدّين.
فتمتّنت حينئذ العلاقات بينهم وبين العجم، ونشأ من اختلاط العناصر المختلفة تطوّر عام ظهرت نتائجه فى جميع ميادين الحياة وأصناف المعارف، فضلا عن نشوء العلوم المرتكزة على القرآن، منها الحديث والنحو والفقه والتأريخ، حتى مبادئ علم الهيئة لحاجة المسلمين إلى الصوم والصلاة. غير أن أقوى حافز لتقدم معارفهم بالفلك والهيئة جاءهم من الخارج. وذلك أن بعيد فتح السند ادخل إلى العراق، فى أواسط القرن الثانى للهجرة، الكتابان المعروفان عند العرب بالسندهند وأرجبهد، فنقلا إلى العربية ببعض التصرف، وانتشر مضمونهما فى الدوائر المثقفة الراغبة فى العلوم رغبة صحيحة. وفى الوقت نفسه، أو بعده بقليل، عرف العرب الأزياج الفارسية، وبصفة خاصة كتبا يونانية منها «المجسطى» لبطولموس (المعروف ببطلميوس) الذى نقله إلى العربية الحجاج بن يوسف بن مطر سنة ٢١٢ للهجرة.
لسنا بحاجة إلى الإطالة فى ذكر جميع الكتب اليونانية والهندية التى عرّبت فى القرون الوسطى، بل كفى بما قلنا إشارة إلى هذا العامل القوى الذى حمل المسلمين- ومنهم عرب وعجم- على البحث عن علم الهيئة. ولسنا بحاجة أيضا إلى ذكر جميع الفلكيين الذين اشتهرت أسماؤهم فى هذا الفرع من العلوم وأكسبوا الامة العربية فخرا خالدا
стр. 10
فمنهم يحيى بن أبى منصور وتلامذته. ومحمد بن موسى الخوارزمى (المتوفى م ٢٣٦) ، موسى بن شاكر وابناؤه، والبتّانى (م ٣١٧) ، وثابت بن قرّة (م ٢٨٨) ، وعبد الرحمن الصوفى (م ٣٧٦) ، وأبو الوفاء (م ٣٨٨) ، وابن يونس (م ٣٩٩) ، ومسلمة المجريطى (م ٣٩٨) ، وابن الهيثم (م ٤٣٠) ، والبيرونى (م ٤٤٠) ، وأشباههم.
جميع هؤلاء الفلكيين قاموا برصد وحساب، حتى أنهم حققوا معطيات بطولموس وصحّحوها، فزادوا طريفا على تالد واكتسبوا بذلك شهرة لا تزال حية إلى أيامنا، غير أنهم لم يغيروا نظريات بطولموس تغييرا يذكر، بل أبقوها على حالها فى الجملة وإن صحّحوا أحسابه فى التفصيل. فالأرض عندهم وعند من سبقهم من الفلكيين القدماء كرة ثابتة لا تتحرك: وهى مركز العالم يحيط بها الأفلاك التسعة. وهى، كما يقول القزوينى فى «عجائب البلدان» (ص ١٦) . «كرات محيطة بعضها بالبعض، حتى حصلت من جملتها كرة واحدة يقال لها العالم ... [ف] يماس السطح الأدنى من كل واحدة منها السطح الأعلى من التى دونها.
وأدناها إلى العناصر [أى الأرض] فلك القمر، ثم فلك عطارد ثم فلك الزهرة، ثم فلك الشمس، ثم فلك المريخ، ثم فلك المشترى، ثم فلك زحل، ثم فلك الثوابت، ثم فلك الأفلاك» - هـ، فهذا الفلك التاسع يدور حول القطبين، وبالأخرى حول الأرض؛ وتتحرك معها جميع الأفلاك الأخرى.
ومما يهمنا هنا من هذا الجهاز العلوى، الفلك الثامن وهو فلك
стр. 11
الثوابت. سمّيت ثوابت لأنها فى ظاهر العين لا تتحرك إلا بحركة جميع الفلك، إذ أن الكواكب فيه «مركوزة كالفص فى الخاتم» كما قال القزوينى (ص ١٧) .
ذهب الفلكيون هذا المذهب وسلكوا هذا المسلك إلى أن سقط نجمهم افولا، وطلع نجم الغرب شروقا حوالى القرن التاسع للهجرة.
إن نحن ألقينا نظرة إجمالية على المؤلفات التى نتجت من تلك الحركة العلمية الحميدة، استطعنا أن نقسمها قسمين رئيسيين:
(القسم الأول) يحتوى على المؤلفات التى لا تخرج عن نطاق العلم المحض؛ وفيها قيّد الفلكيون المذكورون آنفا نتائج أعمالهم وجهودهم فى سبيل الحقيقة، وهى التى تكوّن قطعة من التراث العلمى الذى تفخر به العرب، فنقلت من العربية إلى اللاتينية فى القرون الوسطى وبقيت قبلة يصلّى إليها علماء الغرب إلى عهد كوپرنيك (Copernicus) وجليل (غليليو، (Galileo) (فأبطلت حينئذ المتكشفات الجديدة المذهب القديم. وهيهات بين إبطال نظريات فانية موقتة، وإبطال أشغال توالت عليها أجيال متعددة! وبقيت ذكرى العرب حية حتى أن عددا غير قليل من المصطلحات وكثيرا من أسماء النجوم اقتبستها اللغات الغربية، وإن شوّهتها تشويها قبيحا جعلها غير مفهومة، بيد أن العرب لم يأخذوا من العجم إلا عددا قليلا من مصطلحاتهم.
ليس قصدنا فى هذه العجالة ذكر جميع الكتب والأزياج التى خلفها الفلكيون القدماء. وفى الحقيقة تغنينا شهرتها عن ذكرها، بل
стр. 12
يجدر بنا أن نبين تأثيرها فى (القسم الثانى) من الكتب، أى المؤلفات التى تقع بين العلم المحض والأدب المحض، وتأخذ من هذا ومن ذاك لتكوّن فنّا متوسطا يتّصل بالعلم بقدر ما يتصل بالأدب. وإنه ليجب علينا، ليفى الموضوع حقّه، ألّا ننسى أن الفلاسفة والمتكلمين التفتوا إلى مذاهب الفلكيين لما وجدوا فيها من آراء تبعثهم على التأمل فى خلق العالم، فأدخلوا المسائل الفلكية فى مناقشاتهم ومجادلاتهم الكلامية.
وزيادة على ذلك، أثرت المذاهب الفلكية فى فن آخر- نعنى الجغرافيا- تأثيرا أقوى؛ فان جميع أصحاب المؤلفات الجغرافية، أو على الأقل معظمهم أبوا إلا أن يفتحوا بابا خاصا بصورة العالم حسب التصورات المعاصرة، فتوغلوا فى علم التقويم والأطوال والأعراض، معتمدين على نظريات الفلكيين، آخذين بأقوال سلفهم فى هذا الشأن، لأنهم قلّما نظروا بأنفسهم فى علم لا يخلو من صعوبة على عامة الأدباء. فتجد الفصل المذكور حتى فى الكتب الرامية إلى وصف البلدان والممالك والمسالك، فضلا عن المؤلفات التى قد اكتسبت أصحابها من علم الهيئة نصيبا لا بأس به، كالبلخى والبيرونى. ثم تلفى أيضا مادة علمية فى الموسوعات المحتوية على جميع المعارف والعلوم الواجب اكتسابها على من تقدّم إلى خدمة السلطان مثلا مسالك الأبصار لابن فضل الله العمرى- كما تجدها فى تآليف رجال منسوبين إلى الصوفية يجتهدون فى وصف ما خلقه الله ويعتبرون العالم بأسره مظهرا من مظاهر فضل الله على عباده ونعمته عليهم. فأحسن ممثّل لهذا الفن هو القزوينى (م ٦٨٢) الذى يقول فى مقدمة كتابه «عجائب البلدان» (ص ٥- ٦)
стр. 13
«فمن أراد صدق هذا القول [أى تعجب الإنسان مما خلقه الله] ، فلينظر بعين البصيرة إلى هذه الأجسام الرفيعة، وسعتها، وصلابتها، وحفظها عن التغير والفساد إلى أن يبلغ الكتاب أجله. فانّ الأرض والهواء والبحار، بالإضافة إليها، كحلقة ملقاة فى فلاة. قال الله تعالى [سورة الذاريات ٥١/٤٧] : (والسماء بنينها بأييد وإنّا لموسعون) .
ثم إلى دورانها مختلفا؛ فان بعضها يدور بالنسبة إلينا رحوية، وبعضها حمائلية، وبعضها دولابية، وبعضها يدور سريعا، وبعضها يدور بطيئا.
ثم إلى دوام حركاتها من غير فتور. ثم إلى إمساكها من غير عمد تتعمد به، أو علاقة تتدلى بها. ثم لينظر إلى كواكبها وشمسها وقمرها، واختلاف مشارقها ومغاربها لاختلاف الأوقات التى هى سبب نشوء الحيوان والنبات. ثم إلى عدد كواكبها فى منازل مرتبة، بحساب مقدر لا يزيد ولا ينقص. ثم إلى عدد كواكبها وكثرتها واختلاف ألوانها ... ثم إلى مسير الشمس فى فلكها مدة سنة، وطلوعها وغروبها كل يوم لاختلاف الليل والنهار، ومعرفة الأوقات، وتمييز وقت المعاش عن وقت الاستراحة. ثم إمالتها عن وسط السماء إلى الجنوب وإلى الشمال، حتى وقع الصيف والشتاء والربيع والخريف. وقد اتفق الباحثون على أنها مثل كرة الأرض مائة مرة ونيّف وستّون مرة ...
ثم لينظر إلى جرم القمر وكيفية اكتسابه النور من الشمس. لينوب منها بالليل؛ ثم إلى امتلائه وانمحاقه، ثم إلى كسوف الشمس وخسوف القمر ... » هـ-.
стр. 14
إنّ جميع منتجات الفكر العربى، التى ذكرناها إلى الآن، تستفيد قليلا أو كثيرا من أبحاث الفلكيين. وكأن بعضها يعمّم أسهل المعلومات وأقربها إلى أذهان الناس. وينشر فى طبقات أوسع من الدوائر المختصة جملة من المعارف يتوارثها خلف عن سلف. ولكن العامة ما تبرح، على اختلاف الأجيال والبلدان، تتمسك بالماضى. وينضم إليها فى هذا الشأن عدد غير قليل من المثقفين المحافظين، الذين لا يقبلون «البدع» إلا بطول المدة، ويقولون (حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا) فماذا كان عليه آباؤهم؟
لقد سبق أن قلنا إن الأعراب فى صحاريهم يستدلون بالشمس والقمر والنجوم، فسمّوا أعظمها وأشدها نورا بأسماء عادية مأخوذة من الحياة اليومية. وتداولت بينهم معرفتها منذ أقدم الزمان. ثم لاحظوا أن بعض النجوم تطلع أو تسقط، ويحدث مع طلوعها أو سقوطها حوادث تمّس الحياة البدوية من نتاج المواشى ومعالجة النخيل وهطول المطر إلى غير ذلك، مما يهتم به البدوى أشد الاهتمام؛ فشاهدوا أن تلك النجوم الخاصة تتقارن اثنين اثنين، حتى يطلع أحدها فى المشرق غداة حينما يسقط أخوه فى المغرب؛ فسمّوا الطالع «رقيبا» ، كأنه يرقب سقوط الآخر؛ وسمّوا الساقط «نوءا» ، من «ناء» . «وإنما قيل باء، إذا سقط. لأنه يميل، والميل هو النوء، ومعنى قول الله [سورة القصص ٢٨- ٧٦] : لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ
أى لتميل بها من ثقلها» (فقرة «١١» من متن هذا الكتاب على صفحة ٧) .
стр. 15
وكذلك عدّوا فى السنة الشمسية عددا غير معلوم- يكاد يكون ٢٨ «١» - من أوقات مختلفة المدة، يدلّ على ابتدائها سقوط نجم معلوم؛ وأطلقوا على كل واحد منها اسم النوء «٢» (وجمعه أنواء) ، فنشأ من ملاحظاتهم أسجاع «٣» تخصّ طلوع الرقائب وسقوط الأنواء، وتشير إلى الحوادث التى يمتاز بها كل نوء. وعلاوة على الأسجاع البسيطة المتداولة بين الناس، نشأ أيضا علم على حدة، كالقيافة والعرافة وغير هما من علوم البادية، فتخصّص فيه بعض الأشخاص فى كل قبيلة. وربما تميزت بالخبرة فيه قبيلة بأجمعها، كبنى ماوية وبنى مرة (راجع فقرة «٣» من متن هذا الكتاب صفحة ٢) .
هذا ما كان العرب قد بلغه استنباطا فى قديم الزمان. ثم أخذوا من اليونان معرفة البروج، وذلك قبل الإسلام إذ ذكرها القرآن أربع مرات، حتى ورد مثلا فى الآية ١٦ من سورة الحجر: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ
. ولفظ البرج يونانى الأصل وفى اللاتينية (burgus) غير أنه ليس من المستبعد أن العرب لم يأخذوا البروج من اليونان مباشرة، بل بواسطة بابل أو إيران، كما أنه من الأكيد أنهم اقتبسوا منازل القمر من الهند
стр. 16
بواسطة الفرس. وذلك قبل الإسلام أيضا، حيث يذكرها القرآن مرتين: وقد ورد فى الآية ٥ من سورة يونس: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
؛ ويشبه الجهاز الهندىّ الأنواء العربية، غير أن القرآن لا يذكر الأنواء. ولذلك السكوت سببان: أولهما لإبطال التقاليد المناقضة لتعاليم الإسلام، لأن العرب كانوا يعتقدون أن النوء هو الذى ينشىء المطر؛ وثانيهما الاختلاط بين الأنواء والمنازل واندماج المذهب القديم فى المذهب الهندى المأخوذ مؤخرا. ومما يلقى ضوءا لا بأس به على هذه المعضلة قول الفلكى الشهير عبد الرحمن الصوفى (صور الكواكب، ص ١١- ١٢) .
«والعرب لم تستعمل صور البروج على حقيقتها. وإنما قسّمت دور الفلك على مقدار الأيام التى يقطع القمر فيها الفلك، وهى ثمانية وعشرون يوما على التقريب، وطلبت فى كل قسم منها علامة تكون أبعاد ما بينها فى رأى العين مقدار سير القمر فى يوم وليلة. وبدأت بالشرطين، وكانت أول العلامات من عند نقطة الاعتدال [الربيعى] .
ثم طلبت بعد الشرطين علامة اخرى، يكون بعدها من الشرطين مقدار سير القمر فى يوم ليلة؛ فوجدت البطين. وبعد البطين، الثريا. ثم الدبران؛ وكذلك المنازل كلها. ولم تلتفت إلى البروج وأقسامها ومقادير صورها، إلا أنها أدخلت الهقعة فى جملة المنازل وليست من البروج وإنما هى من الصور الجنوبية على رأس الجبار. وكذلك الفرغان، هما
стр. 17
من صورة الفرس فى ناحية الشمال. ونسبت كواكب كثيرة إلى أعضاء الأسد. هى من صور غير صورة الأسد: فجعلت الكوكبين اللذين على رأس التوأمين واللذين يسميان الكلب المتقدم: ذراعى الأسد؛ واللطخة التى على صدر السرطان سمّتها نثرة الأسد، وهى مخطمه. وصيّرت العواء وركيه؛ والسماكين ساقيه، فصيّرت صورة الأسد ثمانية منازل من ثلاثة أبراج. فقدّر أبو حنيفة أن هذه المنازل كلها على الحقيقة من صورة الأسد، فأنكر أن تكون صورة واحدة على ثلاثة أبراج، كل برج منها يسمّى باسم آخر؛ ولم يعرف صورة السرطان، ولا صورتى الأسد والعذراء» - هـ.
ومهما كان من أمر، فقد أصبحت الأنواء جهازا متماسك الأجزاء. يفسره ابن قتيبة (فقرة «١٣» ص ٩ من متن هذا الكتاب) كما يلى:
كأن الشمس حلّت الثريا بالغداة، فسترت الثريا والبطين قبلها، فيكون الطالع بالغداة الشرطين، ويكون الغارب بالغداة رقيب الشرطين وهو الغفر. ويكون النوء للغفر. وتقيم الشمس بالثريا ثلثة عشر يوما، ثم تنتقل إلى الدبران، فتستره؛ وتستر الثريا أيضا، لأنها تستر المنزل الذى حلّت به ومنزلا قبله، على ما أعلمتك. فتقيم فى الدبران ثلثة عشر يوما، ثم تنتقل إلى الهقعة. فتنكشف الثريا بعد ستة وعشرين يوما. فتكون الثريا الطالع بالغداة. ويسقط رقيب الثريا وهو الإكليل.
ويكون النوء للاكليل» - هـ.
стр. 18
جدول اسماء المنازل والنجوم المقدرة لها
رقم: اسم المنزل: النجوم المقدرة للمنزل: يوم الطلوع حسب ابن قتيبة: يوم السقوط، وهو ابتداء النوء حسب ابن قتيبة: مدة النوء فى الأيام حسب ابن قتيبة
١: الشرطان ١٦:arietis:نيسان: ١٦ تشرين الأول: ٣
٢: البطين ٢٩:arietis:نيسان: ٣٠ تشرين الأول: ٣
٣: الثريا:: ١٣ أيار: ١٣ تشرين الثانى: ٥ أو ٧
٤: الدبران ٢٦:tauri:أيار: ٢٦ تشرين الثانى: ١ أو ٣
٥: الهقعة ٩:orionis:حزيران: ٩ كانون الأول: ٦
٦: الهنعة ٢٢:geminorum:حزيران: ٢١ كانون الأول: ٣
٧: الذراع ٤:geminorum:تموز: ٤ كانون الثانى: ٣ أو ٥
٨: النثرة ١٧:cancri:تموز: ١٧ كانون الثانى: ٧
٩: الطرف ١:canceri G leonis:آب: ٣١ كانون الثانى: ٦
١٠: الجبهة ١٤:leonis:آب: ١٢ شباط:
١١: الزبرة ٢٧:leonis:آب: ٢٥ شباط: ٤
١٢: الصرفة ٩:leonis:أيلول: ٩ آذار: ٣
١٣: العواء ٢٢:virginis:أيلول: ٢٢ آذار: ٣
١٤: السماك ٥:virginis:تشرين الأول: ٤ نيسان: ٤
١٥: الغفر ١٨:virginis:تشرين الأول: ١٧ نيسان: ١ أو ٣
١٦: الزبانى ٣١:librae:تشرين الأول: ٣٠ نيسان: ٣
١٧: الإكليل ١٣:librae:تشرين الثانى: ١٣ أيار: ٤
١٨: القلب ٢٦:scorpii:تشرين الثانى: ٢٦ أيار:
١٩: الشولة ٩:scorpii:كانون الأول: ٩ حزيران:
٢٠: النعائم ٢٢:sagittarii:كانون الأول: ٢٢ حزيران: ١
٢١: البلدة ٤:sagittarii:كانون الثانى: ٤ تموز: ١ أو ٣
٢٢: سعد الذابح ١٧:capricorni:كانون الثانى: ١٧ تموز: ١
٢٣: سعد بلع ٣٠:aquarii capricorni:كانون الثانى: ١ آب: ١
٢٤: سعد السعود ١٢:aquarii:شباط: ١٤ آب: ١
٢٥: سعد الأخبية ٢٥:aquarii:شباط: ٢٧ آب:
٢٦: الفرغ الأول ٩:andromedae G pegasi:آذار: ٩ أيلول: ٣
٢٧: الفرغ الثانى ٢٢:pegasi G andromedae:آذار: ٢٢ أيلول: ٤
٢٨: بطن الحوت ٤:andromedae:نيسان: ٥ تشرين الأول:
стр. 19
كتب الأنواء فى الأدب العربى .
لقد سبق أن قلنا ان القرآن لا يذكر الأنواء، فلا ينهى صريحا عن الاعتقاد بها، غير أن الآية (٥٠) من سورة النجم: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى
تجبر المسلمين على الاعتقاد بأن الله هو الذى يقدر تغيرات الحالة الجوية، بيد أن العرب فى الجاهلية كانوا يجعلون النجوم مقدرة لها. ثم أبطل رسول الله ثلاثا من امور الجاهلية: الطعن فى الأنساب، والنياحة، والأنواء ومع ذلك لم تزل المعرفة بالأنواء والعمل بها فى القبائل العربية إلى أيامنا. أما الأوساط المثقفة، فلولا كتب خاصة بها، لنسيتها تماما.
عند ما كانت مبادئ علم الهيئة تنتشر فى الدوائر العربية بفضل السند هند وغيره من المؤلفات المنقولة إلى لغة الضاد، كان العلماء المتخصصون بالنحو والشعر واللغة يجمعون ما يقدرون عليه من الوثائق الصحيحة المحفوظة فى صدور الأعراب خاصة، والعرب عامة، ولم يلبث بعضهم أن دوّنوا كتبا قائمة على مفهوم بسيط واحد كالخيل والإبل والمطر وغيرها.
ومن المعلوم أن تلك الآثار المتقدمة، المحتوية على أشعار ومصطلحات قديمة، هى التى مكّنت اللغويين المتأخرين من تدوين قواميسهم الضافية.
وهكذا انقاد العلماء إلى طلب الأشعار والأسجاع والألفاظ المتعلقة بالنجوم وتدوينها فى كتب يسمى كل واحد منها بكتاب الأنواء.
والراجح أن أول من اعتنى بجمع المعلومات عن الأنواء هم اللغويون والأدباء. ثم استفاد منهم آخرون، مثل الفقهاء والنباتيين وأصحاب الخراج والمال، ومؤلفى جغرافيا. وهاك فهرست هذه المؤلفات:
стр. 20
جدول اسماء الذين ألف كل واحد منهم كتابا اسمه «كتاب الأنواء» :
رقم/ أسماء الذين ألف كل واحد منهم كتابا اسمه «كتاب الأنواء» / سنة الولادة/ سنة الوفاة مع الاختلاف، / صفحة ابن النديم/ صفحة بروكلمان المجلد الأول اصل/ صفحة بروكلمان المجلد الأول ذيل
١/مؤرج بن عمر أبو فيد السدوسى العجلى/؟ / ١٩٥، ١٧٤، ٢٠٠/٤٨/١٠٢/١٦٠
٢/النضر بن شميل المازنى التميمى المروزى القاضى/؟ / ٢٠٣، ٢٠٤/٥٢/١٠٢/١٦١
٣/ابن كناسة أبو يحيى محمد بن عبد الله الأسدى الكوفى/ ١٣٣/٢٠٧/٧١/٦٣/٠
٤/الأصمعى، عبد الملك بن قريب الباهلى/ ١٢٢/٢١٦، ٢١٣/٥٥/١٠٤/١٦٣
٥/محمد بن زياد ابن الأعرابى (وكان أبوه عبدا من أهل السند) / ١٥٠/٢٣٠، ٢٣١، ٢٣٢/٨٨/١١٦/١٧٩
٦/محمد بن حبيب البغدادى/؟ / ٢٤٥/٨٨، ١٠٦/١٠٦/١٦٥
٧/أبو محلّم بن هشام الشيبانى/؟ / ٢٤٨/٤٦/٠/٠
٨/المبرّد، محمد بن يزيد الأزدى/ ٢١٠/٢٥٨/٥٩/١٠٨/١٦٨
٩/أبو معشر البلخى، جعفر بن محمد بن عمر (وكان قد جاوز المائة) /؟ / ٢٧٢/٢٧٧/٢٢١/٣٩٤
١٠/ابن قتيبة أبو محمد عبد الله بن مسلم القاضى/ ٢١٣/٢٧٦// ١٢٠/١٨٤
١١/أبو حنيفة الدينورى/؟ / ٢٨٢/٧٨/١٢٣/١٨٧
١٢/المرثدى أبو أحمد بن بشر [الذى كتب إليه ابن الرومى (المتوفى سنة ٢٧٦ أو ٢٨٣ أو ٢٨٤) الأشعار. وكتابه «كبير فى نهاية الحسن» كما قال ابن النديم] . /؟ /؟ / ١٢٩/٠/٠
١٣/ابن خرّداذبه، عبيد الله بن عبد الله أبو القاسم/ ٢٣٠/٣٠٠/١٤٨/٢٢٥/٤٠٤
١٤/الزجّاج، أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق (فى أكثر من ٨٠ عاما) /؟ / ٣١٠، ٣١٦/٨٨/١١٠/١٧٠
١٥/الأخفش الصغير، (الأصغر) أبو الحسن على بن سليمان بن المفضّل/؟ / ٣١٥/٨٣/١٢٥/١٨٩
١٦/ابن عمّار الثقفى/؟ / ٣١٩/٨٨، ١٤٨/٠/٠
١٧/ابن دريد، أبو بكر بن حسن الأزدى البصرى/ ٢٢٣/٣٢١/٨٨/١١١/١٧٢
١٨/وكيع القاضى (محمد بن خلف بن حيّان) /؟ /؟ / ٨٨/٠/٠
١٩/القاسم بن معن/؟ /؟ / ٦٩/٠/٠
٢٠/الحسن بن سهل بن نوبخت/؟ /؟ / ٢٧٥/٠/٠
٢١/الدهنى/؟ /؟ / ٨٨/٠/٠
٢٢/المزيدى/؟ /؟ / ٨٨/٠/٠
٢٣/أبو غالب أحمد بن سليم الرازى/؟ /؟ / ٨٨/٠/٠
٢٤/ابن الأجدابى/؟ /؟ / كشف الظنون ٥: ٥٤
стр. 21
وجميع هذه الكتب لم يبق منها إلا الأسماء ما عدا كتاب ابن قتيبة. ولكن يسوغ لنا أن نفترض أن كل هذه الكتب تضمنت بيانا عن جهاز الأنواء، وذكر المنازل، والأيام التى تطلع وتسقط فيها النجوم المقدرة للمنازل، والاستدلال بالكواكب، وذكر الرياح والأمطار. نعم منهم من اقتصر على النقل أو السرقة دون أن ينظر فى علم النجوم حق النظر. ومما يؤيد ظنّنا قول عبد الرحمن الصوفى فيهم، فقال:
«إنى رأيت كثيرا من الناس يخوضون فى طلب معرفة الكواكب الثابتة ومواقعها من الفلك وصورها، ووجدتهم على فرقتين: إحداهما تسلك طريق المنجمين [يعنى الفلكيين] ، ومعولها على كرات مصورة من عمل من لم يعرف الكواكب بأعيانها، وإنما عولوا على ما وجدوه فى الكتب من أطوالها وعروضها ... » (ص ١- ٢) . «وأما الفرقة الاخرى فانها سلكت طريقة العرب فى معرفة الأنواء ومنازل القمر، ومعولهم على ما وجدوه فى الكتب المؤلفة فى هذا المعنى. ووجدنا فى الأنواء كتبا كثيرة، أتمها وأكملها فى فنه كتاب أبى حنيفة الدينورى، فانه يدل على معرفة تامة بالأخبار الواردة عن العرب فى ذلك وأشعارها وأسجاعها فوق معرفة غيره ممن ألفوا الكتب فى هذا الفن. ولا أدرى كيف كانت معرفته بالكواكب على مذهب العرب عيانا، فانه يحكى عن ابن الأعرابى وابن كناسة وغير هما أشياء كثيرة من أمر الكواكب تدل على قلة معرفتهم بها. وإن أبا حنيفة أيضا لو عرف الكواكب،
стр. 22
لم يسند الخطأ اليهم. ثم كل من عرف من الفرقتين إحدى الطريقتين، لم يعرف الاخرى» (أيضا، ص ٧- ٨) .
ثم بعد أن أتى بأمثلة عن جهل بعض المنجمين، قال:
«ولما رأيت هؤلاء القوم، مع ذكرهم فى الآفاق وتقدمهم فى الصناعة واقتداء الناس بهم واستعمالهم مؤلفاتهم، قد تبع كل واحد منهم من تقدمه من غير تأمل لخطائه وصوابه بالعيان والنظر، حتى ظن كل من نظر فى مؤلفاتهم أن ذلك عن معرفة بالكواكب ومواقعها.
ووجدت فى كتبهم من التخلف، ولا سيّما فى كتب الأنواء من حكاياتهم عن العرب والرواة عنهم، أشياء من أمر المنازل وسائر الكواكب ظاهرة الفساد، ولو ذكرتها، لطال الكتاب بلا فائدة. عزمت مرات كثيرة على إظهار ذلك وكشفه، فكان يعترينى فتور فى حال، وأشغال تصدّنى عن المراد فى اخرى، إلى أن شرقى الله تعالى بخدمة الملك الجليل عضد الدولة ... ولم أجد بحضرته، زاد الله فى جلالتها، من المنجمين من يعرف شيأ من الصور الثمانى والأربعين التى ذكرها بطلميوس فى كتابه المعروف بالمجسطى على حقيقتها، ولا شيئا من الكواكب التى فى الصور على مذهب المنجمين ولا على مذهب العرب إلا اليسير ... ولم أجد لمن تقدمنى من العلماء أيضا فى أحد الفنّين كتابا يوثق بمعرفة مؤلفه ...
فرأيت أن أتقدم إليه بتأليف كتاب جامع يشتمل على وصف الصور الثمانى والأربعين» - هـ.
يظهر من هذا النص الواضح أن كتب الأنواء التى ذكرنا أسماء
стр. 23
مؤلفيها لم تكن خليقة بارضاء متخصص كعبد الرحمن الصوفى. ويبدو منه أيضا أن الفلكيين لم يلتفتوا إلى إصلاح الخطا المتوارث. زد على ذلك: إن بعض المنجمين- ونعنى بذلك أصحاب التنجيم- كانوا قبل عهد الصوفى قد استعملوا الأنواء فى حساباتهم التنجيمية، دون مراعاة الحقيقة العلمية. وألفوا بدورهم كتبا موسومة بكتب الأنواء، نذكر منهم الحسن بن سهل بن نوبخت، وأبا معشر البلخى، وثابت بن قرة «١» . ثم جاء البيرونى (٣٦٢- ٤٤٠) فحذا حذو الصوفى، وأصلح بعض الأخطاء فى فصوله المتعلقة بالمنازل عند مختلف الامم.
ونشأ من كتب الأنواء القديمة فنّ جديد يحتوى على تقويمات حقيقية. وذلك أنه كان من المحتوم أن تنتشر عند العرب التقويمات المعروفة فى بلاد اخرى، كمصر والصين واليونان. وأغلب الظن أنها دخلت فى الأدب العربى لتقضى حاجة المنجمين. ثم انتشرت واتسعت، فركزت على السنة الشمسية، واستعملت أسماء الشهور السريانية فى العراق، والقبطية فى مصر «٢» ، اللاتينية فى الأندلس، والفارسية فى إيران؛ وقس على هذا.
ولا ندرى هل كان كتاب الأنواء المعزو إلى ابن خرّداذبه على شكل تقويم. ولكن أول تقويم بلغنا، ولو جزئيا، هو تأليف سنان بن ثابت بن
стр. 24
قرة (المتوفى ٣٣١) «١» ، الذى ألّف للمعتضد كتابا فى الأنواء، رتبه على الأيام، وذكر لكل يوم ما يخصه من أحوال الأرض والجو، فنقل كتابه إلى الأندلس حيث كان تعرف كتب ابن قتيبة، وأبى حنيفة الدينورى «٢» وابن دريد، وثابت بن قرّة، وابن خرّداذبه «٣» ؛ حتى نرى حينئذ مؤلفين أندلسيين يؤلفون تقويمات شتّى، أشهرها ما نشره المستشرق دوزى Dozy تحت عنوان «٤» Calendrier de cordoue de iannee ٩٦ i مستندا إلى نص عربى معزو إلى عريب بن سعد وربيع بن زيد، وإلى ترجمة لاتينية متأخرة. ثم أخذ منه، أو اعتمد عليه، جميع المؤلفين الأندلسيين الذين ألفوا كتبا للأنواء على شكل تقويمات، منهم عبد الله ابن حسين بن عاصم المعروف بالغربال (م ٤٠٣) «٥» ، والخطيب الاموى القرطبى (م ٦٠٢) «٦» ؛ وابن العوّام فى كتاب الفلاحة، وابن البنّاء المرّاكشى (٦٥٤- ٧٢١) «٧» . وإلى جانب ذلك يجدر بنا أن نذكر أيضا الارجوزة فى «تعريف منازل القمر» لمحمد المقرى، نشرها موتيلنسكى بالجزائر «٨» ، والتقويمات الشعبية التى تصدر كل سنة وتستعمل المعطيات القديمة.
стр. 25
مكانة ابن قتيبة
أما ما يختص بمؤلفنا ابن قتيبة، فلم يكن منجما من أصحاب الحساب ليشتغل بدقائق الرياضيات الفلكية؛ ولا نباتيا ولا موظفا فى ديوان الخراج يعنى بما يعنى به أصحاب الفلاحة والرعى من الحضر والبدو.
أما مسائل الفقه، فقد ألف فيه كتابا خاصا، سمّاه «كتاب الصيام» (كما ذكر فى فقرة «١٤٧» من كتابه هذا) . فلم يبق له إلا مبادئ علم مناظر النجوم التى فيها ما يفيد الطلاب المبتدئين والعوام المتثقفين الذين يريدون أن يعرفوا شيأ من كل شىء بدون أن يغوصوا إلى غوامض الفن ودقائق العلم مع ما فيها من الاختلاف والنزاع فيما بين المتخصصين به.
لم يصل إلينا مع الأسف كتب من سبقه، فنعرف نشأة العلم العربى عن الأنواء وتطوّره منذ أول عهده إلى عصر ابن قتيبة.
ولا يقارن تأليف ابن قتيبة أيضا بكتب الهند والفرس واليونان والقبط وغيرهم، فيطول البحث إلا أننا نعجب من أن ابن قتيبة لا يذكر بتاتا الأوهام والخرافات التى لا بد منها فى ذكر النجوم والأجرام الفلكية عند سائر الامم القديمة. فكتاب ابن قتيبة علم محض، ولو كان بسيطا لا يشتمل إلا على المبادئ.
ولا يجدر بنا أن نقارن كتاب ابن قتيبة بكتب المتأخرين أيضا لأسباب: الأول منها أنه لم يصل إلينا الكثير منها؛ وثانيا أن المقارنة تليق بين كتابين فى نفس الموضوع، فابن قتيبة يؤلف لطلاب مبادئ هذا العلم بوجه عام، وكتب غيره، التى وصلت إلينا، تعنى بموضوعات خاصة.
стр. 26
على كل حال، ما لا يدرك كله، لا يترك كله. عاش ابن قتيبة فى القرن الثالث للهجرة. ولم يبدإ العرب بتدوين علمهم بالأنواء إلا فى أواخر القرن الثانى كما يتّضح من فهرست ابن النديم. فلم يمض عليه نصف قرن إلا وقد توفّر من الكتب فى هذا الموضوع ما يدهش المؤرخ. فنجد تآليف اسم كل واحد منها «كتاب الأنواء» لتسعة قبل ابن قتيبة، ولأربعة عشر ممن ماتوا بعده فى النصف الأول من القرن التالى. وكتب الأنواء الأربعة والعشرون هذه، سوى التى تبحث فى نفس الموضوع بأسماء اخرى مثل «الزبج على سنى العرب» للفزارى (المتوفى ١٨٠) ، وكتاب الأمطار والرياح لما شاء الله اليهودى (م ٣٠٣) ، وكتاب الأزمنة لقطرب (م ٢٠٦) ، وكتاب الأيام والليالى لابن السكّيت (م ٢٤٤) ، وكتب أبى حاتم السجستانى (م ٢٥٥) فى الشتاء والصيف، والحر والبرد، والشمس والقمر، والليل والنهار، إلى غير ذلك مما ذكره ابن النديم. وليتبيّن فرق ما بين كتاب ابن قتيبة فى الأنواء، وكتب المتأخرين الموسومة بنفس العنوان، رأينا أن نورد ههنا صفحة مما قال ابن البنّاء المرّاكشى فى كتابه (ص ٨) :
«شهر أبريل: اسمه بالسريانية، نيسان وعدد أيامه ثلاثون يوما، وبرجه الحمل، ودرّيه الأحمر [أى المريخ] . وله من المنازل النطح [أى الشرطان] والبطين وثلث الثريا. والمتوسط للفجر فيه أول يوم منه إلى ثلاثة عشر يوما منه: الشولة، ثم النعائم إلى آخره مع أوحد من مايه [أى شهر أيار] .
стр. 27
ويستهل القمر فيه بالثريا. وصلاة الظهر فيه على أربعة أقدام، والعصر على عشرة أقدام. وهو أول تأريخ أبينا آدم ﵇.
والنهار فيه من اثنتى عشرة ساعة وثلثى ساعة. والليل من إحدى عشرة ساعة وثلث ساعة.
١) [أى فى اليوم الأول من الشهر] تكتب بطائق العقرب [أى الطلاسم] ، ونصّها: (ضجّت، عقّت، قرست، غير ان قطّ فقطّ.
سلام على نوح فى العالمين) . من قرأها ومسّ العقرب لم يضرّه. وإن كتبت على موضع اللدغ، سكن الوجع.
وتكتبها من هذا اليوم إلى ثلاثة مايه [أى شهر أيار] ، وتعلق فى البيوت، فلا تكاد توجد. وإن وجدت، قتلت.
٤) بخنس من بخانس البحر.
٦) نوء السماك. ومدته خمس ليال. ومطره محمود، به يخلص العام.
وقد تقدم أنه أحد الأربعة المحمودة المعتمد عليها فى خصب العام.
وإن نقص أحدها، يؤثر [أى فى خصب السنة] .
١١) يحذر فيه على الزرع من ريح تفسده. وهو يوم رجز. ومطره يقتل الخطاطيف ...
١٤) عيد النصارى الكبير.
١٥) يطلق الفحول من الخيل على الرماك بعد تمام الوضع بسبعة أيام. ومدة حمل الرماك من يوم علقها إلى يوم وضعها أحد عشر شهرا، بل ثلاثة عشر شهرا.
стр. 28
١٩) نوء الغفر. ومدته ثلاث ليال. وتزعم العرب أن كل ما فيه من نتاج الإبل فهو شرّ نتاج، لاستقباله الحرّ. ويسمى ما ينتج فيه هبعا.
٢٠) يوم رجز ٢٧) أول مطر النيسان. وإن كان فيه مطر، أصلح الزرع صلحا عظيما. وما عجن من الخبز بماء مطر النيسان اختمر بدون خمير.
٣٠) عيد القبط، يقال له الفسيح بمصر «١» وإن كسف القمر فى هذا الشهر، دلّ على هلاك البهلئم، ويكثر المطر، ويقع الدود فى النبات. وإن كان فيه رعد، والقمر فى الزيادة، يشتد من العام آخره. وإن كان فى نقصانه، فالخير عامّ. ويستحب فى هذا الشهر الحمام-[أو الجماع، حسب رواية اخرى]- ويجتنب أكل كل ذى عرق يخرق من تحت الأرض، والأحوات [أى السمك] ، والموالح. ولا يؤكل اللحم إلا طريا. ويؤكل الشواء والدجاج والبيض ولحوم الطير. ويجتنب الحلاوة والفجل. وفيه تبيض إناث الطواويس.
ويغرس الزيتون فى هذا الشهر، والرمان، والآس. وهو لذلك محمود، لا يكاد يخيب. وفيه يعمل ماء الورد، فيأتى فى غاية من الطيب والنفحة، وشرابه ومربّاه ودهنه. وفيه يزرع اللفّاح والخيار، ويذكّر النخل، ويقلم سعفه. وتزعم العرب أن النخلة إذا قلمت فى هذا الشهر، جنى منها التمر فى الشهر مثله من العام الآتى» - هـ.
стр. 29
منهاج ابن قتيبة
قال ابن قتيبة فى مقدمة هذا التاليف (فقرة «هـ» ص ٤) : «وقد قيّدت بهذا الكتاب أطرافا من هذا الفن، أدركت بعضها بالتوقيف، وبعضها بالاعتبار، واستخرجت بعضها من الأشعار» .
فاذا نظرنا إلى أسماء الرجال والرواة من هذا الكتاب، وجدنا أن ابن قتيبة حكى عمن سلفه من مؤلفى كتب الأنواء عن ابن الأعرابى، وابن كناسة، والأصمعى، ومؤرّج، ولم يكن لقى أحدهم. وروى كذلك عن أبى زياد، وأبى زيد، أبى عبيدة، وأبى عمرو، وأدهم بن عمران العبدى، وأيوب بن موسى بن طلحة، والشعبى، والمعقّر البارقى فى مسائل اللغة وعلم النجوم.
ولكنه لا يسمى ولا مرة واحدة، أحدا من أساتذته أو معاصريه مثل محمد بن حبيب، وأبى محلم، والمبرّد، والدينورى والمرثدى.
إن ابن قتيبة لا يثق بأصحاب الحساب مثل أبى إسحاق إبراهيم بن حبيب الفزارى، وأبى معشر البلخى، وثابت بن قرّة وغيرهم، فلا يروى عنهم. ولكن مسائل علم النجوم كانت قد بدأت تسرى فى عوام المسلمين، يقرّ ابن قتيبة ببعضها (مثلا فقرة «٢١» ص ١٥: «وكعمل القمر فى المدّ والجزر» ) ، ولا يدرى ماذا يقول فى اخرى (مثلا فقرة «١٣٩» ص ١٢٤:
«وقد سمعت من يذكر أن الأفلاك أطواق تجرى فيها النجوم والشمس والقمر؛ والسماء فوقها. ولست أدرى كيف هذا، ولا وجدت عليه شاهدا من الكتاب ولا من الحديث ولا قول العرب» ) .
стр. 30
هل سرق ابن قتيبة شيئا من الدينورى ؟
قال المسعودى فى مروج الذهب (ج ٣، ص ٤٤٢ طبع اوربا) :
«فأما قبلة أهل المشرق والمغرب والتيمن والجدى، فقد ذكرنا جملا من ذلك فى كتابنا أخبار الزمان. وقد جرّد ذلك فى كتابه أبو حنيفة الدينورى. وقد سلب ذلك ابن قتيبة، فنقله إلى كتبه وجعله من نفسه.
فقد فعل ذلك فى كثير من كتب أبى حنيفة الدينورى هذا. وكان أبو حنيفة ذا محل من العلم كبير» - هـ.
مع الأسف لم يصل إلينا إلا القليل النزر من كتب الدينورى (الأخبار الطوال، وقطعة من كتاب النبات، فحسب) لنحكم فى النزاع بيقين. وقال المستشرق الروسى الكبير إغناطيوس كراتشكوفسكى فى مقدمة فهارسه للاخبار الطوال ما يأتى ترجمة:
« ... إن ابن قتيبة كان معاصرا لأبى حنيفة الذى عاش طويلا فى دينور، حيث سكن أيضا ابن قتيبة مدّة كقاضى تلك البلدة. ولكن من الصعب أن يقال إن بينهما صلة السارق العلمى والمسروق منه فى أمر الكتب التأريخية. وكان وستنفلد قد ظنّ (فى طبقات المؤرخين العرب.
Geschichts chreiber der Araber
ص ٢٧، رقم ٢٩/٢) أن هذا يكاد يتعلق بعيون الأخبار. ولكن منذ ما طبع عيون الأخبار [لابن قتيبة] والأخبار الطوال [للدينورى] وجب إسقاط هذا الظن السوء. نعم هناك كتب اخرى تأريخية للدينورى لم تصل إلينا، مثل كتاب البلدان وتكاد أن تكون هى موضوع هذه السرقة. ولكن الأحسن فى رأينا أن تترك
стр. 31
هذا الاحتمال تماما فى شأن الكتب التأريخية، لأنه كان مبنيّا على سهو من حاجى خليفة، واعتمد عليه أهل اوربا زائدا عن اللازم. والعبارة من كشف الظنون التى أولدت هذا الوهم هى هذه:
تاريخ أبى حنيفة الخ. قال المسعودى: هو كبير. أخذ ابن قتيبة ما ذكره، وجعله عن نفسه (٢/١٠٥، رقم ٢١١٧) .
ولكن بيان المسعودى، الذى اعتمد عليه حاجى خليفة، معروف موجود فى مروج الذهب (٣/٤٤٢) إلا أنه لم يعين كتابا خاصا، ولم يسمه أبدا. وكل هذا من اختلاق صاحب كشف الظنون. ويظهر على كل حال أن المسعودى لم يرد الكتب التأريخية لهذين المؤلفين فى هذا الصدد، لأن كلام المسعودى هذا فى باب المسائل الفلكية الذى فى «ذكر القول فى تأثير النيرين فى هذا العالم، وجمل مما قيل فى ذلك مما لحق بهذا الباب» .
ونحن نعرف أن العرب اهتموا بالأنواء بصورة خاصة، وأن كتاب أبى حنيفة يعد من امهات الكتب فى هذا الفن. فلا يستبعد أن يقال إن كتابا من هذا الموضوع [لأبى حنيفة] هو الذى عزى إلى ابن قتيبة. إن أبا حنيفة الدينورى لم يشتهر أبدا كمؤرخ، إذ ليس فى الألقاب التى يدعى بها لقب المؤرخ؛ فكثيرا ما يسمى نباتيا أو لغويا، وأحيانا أيضا فلكيا ولم بك يسمى مؤرخا قط. إنا نعرف أسماء كتب ابن قتيبة فى علم النجوم.
ولعلى سبب خمولها هو الذى ذكره المسعودى فقد ظهرت هذه السرقة قبل أن تمضى على وفاتهما خمسون عاما-[أى عند تأليف مروج الذهب]-
стр. 32
ونعلم أن لابن قتيبة فى علم النجوم كتاب الأنواء «١» (ذكره بروكلمان فى تاريخ الآداب العربية ... ج ١، ص ١٢٢، رقم ٨؛ وزوتر فى طبقات الرياضيين والفلكيين العرب suter ,Die Mathematiker u.،
Astronomen der Araber
طبع ليبسك سنة ١٩٠٠، ص ٣١، رقم ٥٧) ، وكتاب فى علم الفلك «٢» [ذكره زوتر أيضا] . نعم لن يقال بكل ثقة أن المسعودى أراد هذين التألفين [لابن قتيبة] ولكن بيانه يتعلق بالكتب التأريخية لابن قتيبة بثقة أقل من هذا» هـ-.
هذا ما قال كراتشكوفسكى ولم يكن قد رأى نسخة كتاب الأنواء لابن قتيبة ولا للدينورى. مع الأسف لم يصل إلينا كتاب أبى حنيفة الدينورى بتمامه فنقضى فيه بالجزم. ولكن نقل عنه ابن سيده، والمرزوقى، وابن منظور، وصاحب تاج العروس، وعبد القادر البغدادى وغيرهم. وهذه الملتقطات قد جمعت لدينا فى مجلد على حجم كتاب الأنواء لابن قتيبة إن الدينورى توفى بعد ابن قتيبة بست سنوات ولكن لا نعرف تأريخ ولادته فنعلم هل كان أكبر من ابن قتيبة سنّا أم أصغر منه. وكذلك نجهل تأريخ تاليف كتاب الأنواء لابن قتيبة كما للدينورى.
نعم إن أبا حنيفة الدينورى كان معنيا بعلم الفلك ومشاهدة الكواكب، فقد ذكر عبد الرحمن الصوفى (فى صور الكواكب، ص ٧- ٩) :
«ووجدنا فى الأنواء كتبا كثيرة أتمّها وأكملها فى فنّه كتاب
стр. 33
أبى حنيفة الدينورى ... وقد كنت أظنّ بأبى حنيفة أن له رياضة بعلم الهيئة والرصد. فقد كنت بالدينور فى سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة من سنى الهجرة فى صحبة الاستاذ الرئيس أبى الفضل محمد بن الحسين ﵀، وكان نازلا فى حجرته [أى حجرة الدينورى] . وحكى لى جماعة من المشايخ أنه كان يرصد الكواكب على سطح هذه الحجرة سنين كثيرة.
فلما ظهر تأليفه، وتأملت ما أودعه كتابه، علمت أن الذى كان يراعيه إنما كان طلب الظاهر المشهور من الكواكب، وما كان يجده فى كتب الأنواء من ذكر المنازل وما أشبهها» هـ-.
مهما كان الأمر، فلم يذكر عن ابن قتيبة انه اشتغل بالرصد وبالنجوم ولو بظواهرها. وكذلك سافر الدينورى فى القفار والبرارى، كما فى البلاد والعمارات من العرب والعجم، طلبا للعلم فجمع مواد لدائرة معارفه النباتية الشهيرة؛ وكانت قسمين: قسم القاموس الأبجدى لأسماء النبات وأوصافه، وقسم الأبواب المختصة بشتى احوال النبات من نموه إلى هلاكه مع ما يتعلق بالسحائب والأمطار، والسيول والأنهار، والرياح والفصول وأصناف الأرضين مقدمة لتجنيس النبات. وكان الكتاب فى ست مجلدات ضخمة (توجد الآن الخامسة منها فى ٤٦٥ صفحة) .
وكان قد بحث فيه عن الأنواء أيضا، كما يظهر من اقتباسات البصرى فى التنبيهات على أغلاط الرواة. وكان من مواد كتاب النبات التى هذّبها ونشرها على حدة مع زيادات بأسم كتاب الأنواء فيما يظهر.
إذا كانت الصلة بين سلف وخلف صلة الغارة العلمية. لسهل تعيين
стр. 34
السارق والمسروق منه. وليس كذلك بين معاصرين حيث يحتمل أن يكون كل واحد منهما على سبيل البدل أغار على صاحبه بدون أن نقدر على تعيينه؛ ويمكن كذلك أن يكونا قد اقتبسا المواد عن عين المصدر وهو كتب من تقدمهما مثل مؤرج والأصمعى وابن كناسة.
ومما يؤيد بيان المسعودى أن عبارات عديدة من أنواء ابن قتيبة توافق حرفا حرفا ما زوى عن أبى حنيفة الدينورى. وفى كثير من الأحيان بيان الدينورى أكمل وأكثر إطنابا، وبيان ابن قتيبة أوجز وأقصر.
والذى يدعونا خاصة إلى قبول بيان المسعودى أن الأخطاء أيضا مشتركة بينهما. ولا يقال إن الدينورى نقل خطأ ابن قتيبة بدون أن ينتبه إليه، لأنه توجد منها أمثلة تدل على أن بيان الدينورى أطول، فلا يمكن أن يكون ابن قتيبة سرقه، بل عكس ذلك، مثلا فى رواية حديث نبوى عن أصناف السحاب وأمارات الغيث (فقرة «١٩٦» ص ١٦٩) ، أو فى تفسير كلمة إمّرة» (فقرة «٦٦» ص ٥٢) إلى غير ذلك مما يطول ذكره ههنا.
إلزام البيرونى على ابن قتيبة
إن البيرونى حمل على ابن قتيبة من ناحية أخرى فقال فى ذكره المنازل عند أهل خوارزم (فى كتاب الآثار الباقية، ص ٢٣٨) :
«وهم أعرف بها كانوا من العرب. يدلّك على ذلك موافقة تسميتهم لها للاسماء التى سمّاها متولى تصويرها ومخالفة فى ذلك من العرب وتصورهم إياها بغير صورها حتى أنهم عدوّا الجوزاء فى جملة البروج مكان التوأمين ... وكذلك لو تأملت أساميهم للكواكب الثابتة، لعلمت أنهم كانوا
стр. 35
من علم البروج والصور بمعزل وإن كان أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الجبلى يهوّل ويطول فى جميع كتبه، وخاصة فى كتابه فى تفضيل العرب على العجم. وزعم أن العرب أعلم الامم بالكواكب ومطالعها ومساقطها. ولا أدرى أجهل أم تجاهل ما عليه الزراعون والأكرة فى كل موضع وبقعة من علم ابتداء الأعمال وغيرها ومعرفة الأوقات على مثل ذلك. فان من كان السماء سقفه، ولم يكنّه غيرها، ودام عليه طلوع الكواكب وغروبها على نظام واحد، علّق مبادئ أسبابه ومعرفة الأوقات بها. بل كان للعرب ما لم يكن لغيرهم، وهو تخليد ما عرفوه أو حدسوه، حقا كان أو باطلا، حمدا كان أو ذمّا، بالأشعار والارجوزة والأسجاع.
وكانوا يتوارثونها فتبقى عندهم أو بعدهم. ولو تأملتها من كتب الأنواء.
وخاصة كتابه الذى وسمه بعلم مناظر النجوم «١» ومما أوردنا بعضه فى آخر الكتاب، لعلمت أنهم لم يختصوا من ذلك بأكثر مما اختص فلّاحو كل بقعة. ولكن الرجل مفرط فيما يخوض فيه، وغير خال عن الأخلاق الجبلية فى الاستبداد بالرأى. وكلامه فى هذا الكتاب المذكور يدل على إحن وترات بينه وبين الفرس إذ لم يرض بتفضيل العرب عليهم حتى جعلهم أرذل الامم وأخسّها وأنذلها؛ ووصفهم بالكفر ومعاندة الإسلام بأكثر مما وصف الله به الأعراب فى سورة التوبة، ونسب إليهم من القبائح ما لو تفكر قليلا وتذكّر أوائل من فضل عليهم، لكذّب نفسه فى أكثر ما قاله فى الفريقين تفرّطا وتعدّيا» - هـ.
стр. 36
لم يصل إلينا مع الأسف كتاب «فضل العرب» بتمامه. والذى نشره المرحوم محمد كرد على (فى رسائل البلغاء، طبعة جديدة للجنة التأليف والترجمة بمصر سنة ١٩٤٦، ص ٣٤٤ إلى ٣٧٧) ليس إلا قطعة منه نلتقط منها ما سيبين القارئ اسلوب ابن قتيبة فى هذا البحث السياسى من الجدال الشعوبى من ذلك العصر:
«فلا يمنعنى نسبى فى العجم أن أدفعها عما تدعيه لها جهلتها (ص ٣٥٦) .
ولم أر فى هذه الشعوبية أرسم عداوة ولا أشد نصبا للعرب من السفلة والحشوة وأوباش النبط وأبناء أكرة القرى. فأما أشراف العجم وذوو الأخطار منهم وأهل الديانة فيعرفون ما لهم وما عليهم، ويرون الشرف ثابتا (ص ٣٤٥) . وعدل القول فى الشرف أن الناس لأب وامّ، خلقوا من تراب واعيدوا إلى التراب، وجروا مجرى البول، وطووا على الأقذار. ثم إلى الله مرجعهم، فتنقطع الأنساب وتبطل الأحساب إلا من كان حسبه تقوى الله (ص ٣٥٦) . فهذه حالها فى الجاهلية مع أحوال كثيرة فى العلم والمعرفة سنذكرها بتمامها بعد إن شاء الله» (ص ٣٧٣) .
فليس فى هذا كله ما يستوجب الحملة الشديدة التى أباحها البيرونى.
والحقّ أن ابن قتيبة، الذى كان عجمى النسب، كما ذكر هو فى أول الكلام، لم يرد بهذه الرسالة الانتصار الروح الإسلامية. ولم يكن قصده تفضيل العرب على أحد، بل تسكيت الذين كانوا ينقمون من العرب تعصبا، وينسبون إليهم الأقذار والتوحش.
كما قلنا آنفا لم يصل إلينا مع الأسف قسم العلوم من كتاب
стр. 37
ابن قتيبة فى تفضيل العرب على العجم فنحكم فيه بعين اليقين. أما ما فى كتابنا هذا؛ فجميع ما قال ابن قتيبة عن الموضوع، هو كما يلى:
«وكان غرضى فى جميع ما أنبأت به الاقتصار على ما تعرف العرب فى ذلك وتستعمله، دون ما يدعيه المنسوبون إلى الفلسفة من الأعاجم، ودون ما يدعيه أصحاب الحساب. فانى رأيت علم العرب بها هو العلم الظاهر للعيان، الصادق عند الامتحان» (فقرة «٢» ص ١، ٢) .
فلا توجد فيه داعية كافية للحملة الشعواء التى حمل بها البيرونى على مؤلفنا. ولو صح ما روى البيرونى، فهو أمر سياسى، يتعلق بجواب غلاة الشعوبية الذين أنكروا جميع الفضل للعرب، بدوّيهم وحضريّهم، وكان فى الحقيقة دسيسة وسترا ينقمون من ورائه الإسلام وتسويته بين جميع أبناء آدم. فلا فائدة ههنا فى البحث عن هذه المغالاة والتنافس.
المخطوطات من كتاب الأنواء
استفدنا فى تهيئة هذا الطبع من جميع ما يعرف من محظوطات هذا الكتاب. وهى أربعة: الاثنتان منها فى اوكسفورد (إنكلترا) ، والثالثة فى بغداد، والرابعة فى مصر:
(١) مخطوطة اوكسفورد TNUH.) رقم ٤٨٠) . هى نسخة جميلة الخط، فى ٨٥ ورقة، من القطع المتوسط، بسبعة عشر سطرا فى كل صفحة، يقع كتاب الأنواء فيها من ورقة ١/ب إلى ٨٣/الف؛ ثم يجيىء بعد ذلك كتاب ناقص الآخر، مجهول العنوان، مجهول المؤلف فى وصف الفصول الأربعة وما يقابلها من شهور السنة الشمسية السريانية.
يبتدئ:
стр. 38
«الحمد لله. أزمنة السنة الأربعة» ، وينتهى؛ «ولسبع عشرة منه يدخل الشمس الجوزاء فيكون» .
والكتاب نوع من التقويمات، ولا بأس بنشره كما هو، فانه صغير وفيه بعض الفوائد. وفى أول المخطوطة ورقة فيها تسجيلات مكتبة بودليان باوكسفورد، وبعض الأشعار البسيطة، والتوقيع الآتى:
«ملكه الفقير نور الدين بن نوح غفر الله لهما آمين» . وأهم من هذا، عبارتان باللغة العربية ولكن بالخط العبرانى قرأهما الاستاذ جورج وجده، وننقلهما إلى الأحرف العربية:
الف) «تأليف أبى محمد المسلم بن قتيبة الدينورى فى علم النجوم ومطلعها ومسقطها فى الفلك. مشترى فى الموصل نصف قرش آمدى» .
ب) «من الموصل من عنت الشين (؟) فتح الله. مشترى نصف قزش» .
والراجح أن فتح الله هذا كان يهوديا. ثم فى الورقة التالية اسم الكتاب وعدة توقيعات، اندرس بعضها؛ وبعضها بالعربية وبعضها بالتركية.
وهاك أهمها:
ج) «كتاب الأنواء تأليف أبى محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينورى رضى الله عنه» .
د) «من كتب نعمن أبوبكر المغيالى (؟) سنة ٨٦٨»
стр. 39
هـ) «بو تاليف ... محمد بن مراد ابو ... عفا الله عنهما ...
ابو ...
ملكه أبو الوفا العرضى فى آخر شوال سنة ٩٢١» .
و) « ... رقوم البروج حمل، ثور، جوزه، سرطان، اسد، سنبله، ميزان، عقرب، قوس، جدى، دلو، حوت.
ملكه الفقير؟؟؟ (؟) نور الدين، ثم يبدأ الكتاب بالقلم الجلىّ الواضح. والعبارة مشكّلة أحيانا، ومهملة اخرى. وتمت كتابة هذه النسخة بالعبارة الآتية:
تم كتاب علم النجوم بأسره
والحمد لله رب العلمين كثيرا كما هو أهله وكان الفراغ منه فى التاسع عشر من شهر ربيع الاول سنة عشرين وسبعمئة وحسبنا الله ونعم الوكيل والنسخة جيدة، ولكن فيها أغلاط أهمّها فى تمييز الأرقام المذكرة والمؤنثة عشرات من المرات، فقد سها فى النحو فى أكثر الأحيان عند ذكر الأرقام. وصححناه بدون ذكر الكلمة فى الأصل. ولن يقال إن
стр. 40
الإمام الأديب ابن قتيبة ارتكب هذه الأغلاط. وفى رأينا أن ورّاقا أملى عليه أحد هذا الكتاب على سبيل الاستعجال، فكتب الأعداد بالارقام بدل الكلمات. ثم نقل الكتاب كاتب آخر من تلك النسخة، فردّ الأرقام إلى الكلمات، ولم يتقن النحو فكتب ما شاء وجاء بما جاء ونسى، كذلك حرف الألف أحيانا فى آخر الجمع المذكر الغائب وكتبها فى آخر الواحد المذكر الغائب، وهو كثير، مثل «تسحوا» بدل «تسحو» . وكتب «بنوا إسرائيل» وكرّر كلمات مرّة، ونسى كتابتها اخرى. ولم يشعر أن «الشعريين» تثنية الشعرى فكتب فى أكثر الأحيان «شعرتين» بالتاء المثناة الفوقانية، إلى غير ذلك مما هو من المعتاد فى المخطوطات. فصححنا حسب ما استطعنا.
(٢) النسخة الثانية فى اوكسفورد هى L marsh LL) رقم ٥٣١) .
وهى فى ٧٨ ورقة بالقطع المتوسط بخط ردئ وأغلاط لا نهاية لها.
ونجد على الورقة الاولى منها العبارة الآتية:
كتاب فى علم الفلك لابن قتيبة ﵀ كتاب الأنواء تأليف أبى محمد عبد الله ابن مسلم ابن قتيبة الدينورى رضى الله عنه
следующие страницы →