← Прочие науки

Прочие науки · id 9093

الأنواء في مواسم العرب لابن قتيبة الدينوري

ابن قتيبة

Полный текст (256 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لم يصل إلينا مع الأسف كتاب «فضل العرب» بتمامه. والذى نشره المرحوم محمد كرد على (فى رسائل البلغاء، طبعة جديدة للجنة التأليف والترجمة بمصر سنة ١٩٤٦، ص ٣٤٤ إلى ٣٧٧) ليس إلا قطعة منه نلتقط منها ما سيبين القارئ اسلوب ابن قتيبة فى هذا البحث السياسى من الجدال الشعوبى من ذلك العصر: «فلا يمنعنى نسبى فى العجم أن أدفعها عما تدعيه لها جهلتها (ص ٣٥٦) . ولم أر فى هذه الشعوبية أرسم عداوة ولا أشد نصبا للعرب من السفلة والحشوة وأوباش النبط وأبناء أكرة القرى. فأما أشراف العجم وذوو الأخطار منهم وأهل الديانة فيعرفون ما لهم وما عليهم، ويرون الشرف ثابتا (ص ٣٤٥) . وعدل القول فى الشرف أن الناس لأب وامّ، خلقوا من تراب واعيدوا إلى التراب، وجروا مجرى البول، وطووا على الأقذار. ثم إلى الله مرجعهم، فتنقطع الأنساب وتبطل الأحساب إلا من كان حسبه تقوى الله (ص ٣٥٦) . فهذه حالها فى الجاهلية مع أحوال كثيرة فى العلم والمعرفة سنذكرها بتمامها بعد إن شاء الله» (ص ٣٧٣) . فليس فى هذا كله ما يستوجب الحملة الشديدة التى أباحها البيرونى. والحقّ أن ابن قتيبة، الذى كان عجمى النسب، كما ذكر هو فى أول الكلام، لم يرد بهذه الرسالة الانتصار الروح الإسلامية. ولم يكن قصده تفضيل العرب على أحد، بل تسكيت الذين كانوا ينقمون من العرب تعصبا، وينسبون إليهم الأقذار والتوحش. كما قلنا آنفا لم يصل إلينا مع الأسف قسم العلوم من كتاب

стр. 37

ابن قتيبة فى تفضيل العرب على العجم فنحكم فيه بعين اليقين. أما ما فى كتابنا هذا؛ فجميع ما قال ابن قتيبة عن الموضوع، هو كما يلى: «وكان غرضى فى جميع ما أنبأت به الاقتصار على ما تعرف العرب فى ذلك وتستعمله، دون ما يدعيه المنسوبون إلى الفلسفة من الأعاجم، ودون ما يدعيه أصحاب الحساب. فانى رأيت علم العرب بها هو العلم الظاهر للعيان، الصادق عند الامتحان» (فقرة «٢» ص ١، ٢) . فلا توجد فيه داعية كافية للحملة الشعواء التى حمل بها البيرونى على مؤلفنا. ولو صح ما روى البيرونى، فهو أمر سياسى، يتعلق بجواب غلاة الشعوبية الذين أنكروا جميع الفضل للعرب، بدوّيهم وحضريّهم، وكان فى الحقيقة دسيسة وسترا ينقمون من ورائه الإسلام وتسويته بين جميع أبناء آدم. فلا فائدة ههنا فى البحث عن هذه المغالاة والتنافس. المخطوطات من كتاب الأنواء استفدنا فى تهيئة هذا الطبع من جميع ما يعرف من محظوطات هذا الكتاب. وهى أربعة: الاثنتان منها فى اوكسفورد (إنكلترا) ، والثالثة فى بغداد، والرابعة فى مصر: (١) مخطوطة اوكسفورد TNUH.) رقم ٤٨٠) . هى نسخة جميلة الخط، فى ٨٥ ورقة، من القطع المتوسط، بسبعة عشر سطرا فى كل صفحة، يقع كتاب الأنواء فيها من ورقة ١/ب إلى ٨٣/الف؛ ثم يجيىء بعد ذلك كتاب ناقص الآخر، مجهول العنوان، مجهول المؤلف فى وصف الفصول الأربعة وما يقابلها من شهور السنة الشمسية السريانية. يبتدئ:

стр. 38

«الحمد لله. أزمنة السنة الأربعة» ، وينتهى؛ «ولسبع عشرة منه يدخل الشمس الجوزاء فيكون» . والكتاب نوع من التقويمات، ولا بأس بنشره كما هو، فانه صغير وفيه بعض الفوائد. وفى أول المخطوطة ورقة فيها تسجيلات مكتبة بودليان باوكسفورد، وبعض الأشعار البسيطة، والتوقيع الآتى: «ملكه الفقير نور الدين بن نوح غفر الله لهما آمين» . وأهم من هذا، عبارتان باللغة العربية ولكن بالخط العبرانى قرأهما الاستاذ جورج وجده، وننقلهما إلى الأحرف العربية: الف) «تأليف أبى محمد المسلم بن قتيبة الدينورى فى علم النجوم ومطلعها ومسقطها فى الفلك. مشترى فى الموصل نصف قرش آمدى» . ب) «من الموصل من عنت الشين (؟) فتح الله. مشترى نصف قزش» . والراجح أن فتح الله هذا كان يهوديا. ثم فى الورقة التالية اسم الكتاب وعدة توقيعات، اندرس بعضها؛ وبعضها بالعربية وبعضها بالتركية. وهاك أهمها: ج) «كتاب الأنواء تأليف أبى محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينورى رضى الله عنه» . د) «من كتب نعمن أبوبكر المغيالى (؟) سنة ٨٦٨»

стр. 39

هـ) «بو تاليف ... محمد بن مراد ابو ... عفا الله عنهما ... ابو ... ملكه أبو الوفا العرضى فى آخر شوال سنة ٩٢١» . و) « ... رقوم البروج حمل، ثور، جوزه، سرطان، اسد، سنبله، ميزان، عقرب، قوس، جدى، دلو، حوت. ملكه الفقير؟؟؟ (؟) نور الدين، ثم يبدأ الكتاب بالقلم الجلىّ الواضح. والعبارة مشكّلة أحيانا، ومهملة اخرى. وتمت كتابة هذه النسخة بالعبارة الآتية: تم كتاب علم النجوم بأسره والحمد لله رب العلمين كثيرا كما هو أهله وكان الفراغ منه فى التاسع عشر من شهر ربيع الاول سنة عشرين وسبعمئة وحسبنا الله ونعم الوكيل والنسخة جيدة، ولكن فيها أغلاط أهمّها فى تمييز الأرقام المذكرة والمؤنثة عشرات من المرات، فقد سها فى النحو فى أكثر الأحيان عند ذكر الأرقام. وصححناه بدون ذكر الكلمة فى الأصل. ولن يقال إن

стр. 40

الإمام الأديب ابن قتيبة ارتكب هذه الأغلاط. وفى رأينا أن ورّاقا أملى عليه أحد هذا الكتاب على سبيل الاستعجال، فكتب الأعداد بالارقام بدل الكلمات. ثم نقل الكتاب كاتب آخر من تلك النسخة، فردّ الأرقام إلى الكلمات، ولم يتقن النحو فكتب ما شاء وجاء بما جاء ونسى، كذلك حرف الألف أحيانا فى آخر الجمع المذكر الغائب وكتبها فى آخر الواحد المذكر الغائب، وهو كثير، مثل «تسحوا» بدل «تسحو» . وكتب «بنوا إسرائيل» وكرّر كلمات مرّة، ونسى كتابتها اخرى. ولم يشعر أن «الشعريين» تثنية الشعرى فكتب فى أكثر الأحيان «شعرتين» بالتاء المثناة الفوقانية، إلى غير ذلك مما هو من المعتاد فى المخطوطات. فصححنا حسب ما استطعنا. (٢) النسخة الثانية فى اوكسفورد هى L marsh LL) رقم ٥٣١) . وهى فى ٧٨ ورقة بالقطع المتوسط بخط ردئ وأغلاط لا نهاية لها. ونجد على الورقة الاولى منها العبارة الآتية: كتاب فى علم الفلك لابن قتيبة ﵀ كتاب الأنواء تأليف أبى محمد عبد الله ابن مسلم ابن قتيبة الدينورى رضى الله عنه

стр. 41

وقال الكتاتب فى آخر النسخة: وكان الفراغ منه فى الثالث عشر خلون من ربيع الآخر سنة ثمانية وعشرين بعد الألف من الهجرة على يد الفقير الحقير الراجى عفو ربّه المستجير العبد الضعيف الفانى أبى بكر بن؟؟؟ (؟) غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين آمين آمين آمين يا رب العالمين سنة ١٠٢٨ وفى رأينا أن هذه النسخة منقولة من النسخة المذكورة سالفا فانه لا يوجد بينهما فرق؛ وجميع الأغلاط من النسخة الاولى موجودة منقولة ههنا مع زيادات من الأغلاط من سهو الكتابة وسوء القراءة وغير ذلك. ولعل أبابكر، كاتب هذه النسخة، هو من أحفاد أبى بكر مالك النسخة الاولى. نحن قابلناها مع صاحبتها. ولم نجد فائدة فى تسجيل اختلافاتهما فان المنقول عنه موجود، وهو مغن. فالنقل نقل لا أصل له. (٣) النسخة الثالثة محفوظة فى مكتبة الآباء الكرمليين فى بغداد، وصفتها مجلة سومر البغدادية فى عددها (سنة ١٩٥١، ص ٢٨١) . وهى النسخة التى استنسخها المرحوم أحمد زكى باشا المصرى. وليست فى الحقيقة إلا نقل النسخة الاولى التى هى الآن فى بودليان (اوكسفورد) ، كما سنبين فيما يلى. ومن المحتمل أن نسخة بودليان كانت فى ملك الرجل

стр. 42

الذى نقل هذه النسخة فأبقى النقل وباع الأصل الذى جلبه الإنكليز إلى اوكسفورد، فانه لم يغير صفحات الأصل فى نقله وهى تبتدئ بعين الكلمات فى كلتا النسختين. (٤) النسخة الرابعة كان وصفها أولا الاستاذ أحمد زكى العدوى رئيس القسم الأدبى بدار الكتب المصرية، فى المجلد الرابع (ص ٣٠- ٣١) من عيون الأخبار لابن قتيبة، المطبوع سنة ١٩٣٠، حين وصف ذلك الكتاب وأراد أن يتكلم عن حياة المؤلف وتآليفه. وكان فيما قال: «٢٧) كتاب الأنواء: ذكره ابن النديم، وابن خلكان، والداودى، والسيوطى، والسمعانى، والقفطى، ومؤلف طبقات فقهاء السادة الحنفية، وصاحب كشف الظنون. وهو من تحف النوادر. المحفوظة بالخزانة الزكية لواقفها صاحب السعادة الاستاذ أحمد زكى باشا. ويقع فى ١٦٨ صفحة ويظهر أنه ناقص من آخره «١» . ولم يعلم كاتبه، غير أنه ثابت من الصفحة الاولى أن الاستاذ الكبير السيد محمود الآلوسى قابله على أصله وعنى بتصحيحه. وفيه تعليقات كثيرة على هوامشه. وأوله بعد البسملة الخ» إنا طلبنا هذه النسخة، فتفضلت دار الكتب المصرية بارسال الشرائط المصغّرة (ميكرو فلمات) فوجدنا فى صفحتها الاولى ما يأتى: «حضرة المحترم سكرتير معالى وزير المعارف احتراما. الكتاب جيد. منقولة من صورة (لا عن أصل) مصححة

стр. 43

بمعرفة السيد محمود الألوسى المتوفى سنة ١٢٧٠. ولا توجد نسخة منه فى دار الكتب. ونودّ لو أن معالى الوزير يتفضل ليسمح للدار بأخذ صورة عنها. وتقبلوا فائق احترامى. فقط. المخلص (إمضاء) أحمد العدوى ١٨/٥/١٩٣٠» ثم على الورقة التاليه ما نصه: «كتاب الأنواء تاليف أبى محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينورى رضى الله عنه فى الأصل مكتوب هذه الكلمات م حمل، ثور، جوزه، سرطان، أسد، سنبلة، ميزان، عقرب، قوس، جدى، دلو، حوت» وتحته بخط جديد: قابله على أصله وعنى بتصحيحه العلامة الكبير السيد محمود شكرى الآلوسى البغدادى حفظه الله وأبقاه هذا الكتاب من تحف النوادر المحفوظة بالخزانة الزكية لواقفها كاتب هذه السطور (إمضاء) أحمد زكى باشا

стр. 44

وفى أسفل الصفحة: مطبعة دار الكتب المصرية قسم التصوير كما سيرى القارئ، إن كلمة «مسلم ابن قتيبة» و «رضى الله عنه» ، وخاصة «جوزة» - بدل «جوزاء» الذى كان الصحيح منها- كل هذا يوجد على النسخة الاولى فى اوكسفورد. والذى يقطع الظن هو ما وقع فى آخر النسخة المصرية: «صورة ما فى الأصل: تم كتاب النجوم بأسره. والحمد لله رب العالمين كثيرا كما هو أهله. وكان الفراغ من تأليفه فى التاسع عشر من شهر ربيع الأول سنة عشرين وسبعمائة. وحسبنا الله ونعم الوكيل. وقد وقع فراغ كتابة هذه النسخة سنة ١٣٣٨ من الهجرة» فهو عين ما فى النسخة الاولى فى اوكسفورد، سوى أنه صحّف كلمة المنقول عنه «كان الفراغ منه» ، فقال «كان الفراغ من تأليفه» ثم لما قابلنا هذه النسخة بالنسخة الاوكسفوردية وجدنا أن نسخة بغداد (وعكسها الشمسى المصرى) أبقى الأصل تماما حتى الصفحة للصفحة، ونقل جميع الأغلاط فيها بعينها (مع بعض التصحيحات من عنده) . إن القيمة الوحيدة إذن لهذه النسخة هى هوامش المرحوم الآلوسى، وليست

стр. 45

بكثيرة؛ وأكثرها للمراجعة إلى لسان العرب، سوى مرتين أو ثلاث. وكنا ايضا قد وصلنا إلى ما وصل إليه الشيخ، بل إلى أكثر من ذلك. وسنثبت فى تعليقاتنا من هوامش الشيخ الآلوسى ما فيه فائدة. عنوان الكتاب وقد بقى سؤال نبحث فيه الآن. وهو الاسم الحقيقى لهذا الكتاب. وقد رأينا فيما مضى ما قال البيرونى عن كتاب ابن قتيبة: «لو تأملتها من كتب الأنواء، وخاصة كتابه الذى وسمه بعلم مناظر النجوم الخ» وكذلك رأينا أن المخطوطة الاولى من اوكسفورد تذكر فى العنوان «كتاب الأنواء» ، ثم تقول فى آخر الكتاب؛ «تم كتاب علم النجوم بأسره» . ورأينا أيضا أن المخطوطة الثانية من اوكسفورد يعنون الكتاب. «كتاب فى علم الفلك لابن قتيبة ﵀. كتاب الأنواء تأليف ابى محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينورى رضى الله عنه» . فما الصحيح من اسمه؟ إن راجعنا إلى كتب ابن قتيبة نفسه، وجدنا فى كتاب المعانى الكبير ذكرا لكتابنا مرتين، حيث قال: الف) «وقد ذكرناه فى كتاب الأنواء» (راجع ص ٣٧٥) ب) «ونجم الأخذ مفسر فى كتاب الأنواء» (ص ٧٣٨) . فهو كما قال. وكذلك فى كتاب معروف الّف للسلطان صلاح الدين الأيوبى ما يأتى:

стр. 46

«وهذا فيه علم وحساب يطول شرحه. فمن أراد معرفة ذلك فعليه بكتاب الأنواء لابن قتيبة، فلا غنى «للمؤذن فى معرفته ليحتاط على معرفة الصبح» . (نهاية الرتبة فى طلب الحسبة لعبد الرحمن بن نصر الشيزرى، مصر، طبع مصر، ص ١١٢) لا نظن أن ابن قتيبة ألف كتابين أو ثلاثة فى نفس الموضوع. والذى قاله البيرونى ليس إلا إشارة إلى محتويات الكتاب، لا إلى إسمه. لأنه قال «كتب الأنواء» ، وهذا اسم عشرات من الكتب لشتّى المؤلفين، مختلفة فى المادة والتفصيل. فأراد البيرونى أن فى كتاب الأنواء لابن قتيبة علم مناظر النجوم، أكثر من أنواء المطر، كما هو الحال عند غيره من مؤلفى كتب الأنواء. أما الذى كتبه ناسخا المخطوطتين فى اوكسفورد، فليس له أهمية فعندهما تناقض وتعارض، فمرة يقولون كذا ومرة خلافه. ولما صرّح ابن قتيبة نفسه فى تأليف له أن اسم كتابه هو «كتاب الأنواء» ، وهذا هو الاسم الذى عرف به بعده من لدن ابن النديم والشيزرى وابن خلكان وغيرهم فلا يعتنى إلى عنوان آخر ولو ذكره أبو الريحان البيرونى. والعصمة لله. ترجمة ابن قتيبة أما ترجمة حياة المؤلف، فقد أثبتها ناشر وكتاب الميسر، وكتاب عيون الأخبار، وكتاب المعانى الكبير ما فيه غنى عن إعادتها. ولا نعرف كثيرا من سوانح حياته إلا أنه ولد سنة ٢١٣، وكان قاضيا فى دينور،

стр. 47

وتوفى فى سنة ٢٧٦ هـ. وله تآليف عديدة نشر منها بعضها، وهذا آخرها؛ وبعضها مخطوطة لم تطبع إلى الآن، وضاعت أخرى على أيدى الزمان. ومما لا بأس بذكره أن ابن قتيبة يشكو أهل زمانه ويقول: «وقد كان هذا الشأن عزيزا، والمعنيّون به قليلا، والأدب غضّ والزمان زمان. فكيف به اليوم مع دثور العلم وموت الخواطر وإعراض الناس» (فقرة «٤» ص ٤ من هذا الكتاب) . وليس هذا إلا من عادة المؤلفين منذ قديم الزمان فى جميع البلدان، وحسن ظنّهم بمن مضى. وقال مثله الحريرى فى مقاماته، بل هى بأجمعها قصة الأديب المفلس. وعصر ابن قتيبة والحريرى عصر الذهب للعلوم والمعارف العربية. ومثله أيضا شكوى أبى بكر الصديق رضى الله عنه فى السنة الثامنة للهجرة عند فتح النبى ﵊ مكّة المكرّمة شرفها الله حيث قال: «فو الله ان الأمانة فى الناس اليوم لقليل» (سيرة ابن هشام، ص ٨١٥) . هذا ما تيسر لنا من تحقيق هذه المخطوطة وتنقيحها، والعصمة لله.

стр. 48

[الخطبة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه توفيقى. ١) هذا كتاب أخبرت فيه بمذاهب العرب فى علم النجوم: مطالعها، ومساقطها، وصفاتها، وصورها، وأسماء منازل القمر منها، وأنوائها، وفرق ما بين يمانيها وشاميها، والأزمنة وفصولها، والأمطار وأوقاتها، وأختلاف أسمائها فى الفصول، وأوقات التبدّى لتتبع مساقط الغيث وارتياد الكلاء وأوقات حضور المياه، وما أودعته العرب أسجاعها فى طلوع كل نجم من الدلالات على الحوادث عند طلوعه، وعن الرياح وأفعالها، وتحديد مهابّها، وأوقات بوارحها، وعن الفلك والقطب والمجرّة والبروج والنجوم الخنّس «١» والشمس والقمر، ودرارى الكواكب ومشاهيرها «٢» والاهتداء بها، وعن السحاب ومخايله ما طره ومخلفه، والبروق خلّبها وصادقها، وأمارات خصب الزمان وجدوبته، إلى غير ذلك- ن. ٢) وكان غرضى فى جميع ما أنبأت به الاقتصار على ما تعرف

стр. 49

٢/الف العرب فى ذلك وتستعمله؛ دون ما يدّعيه المنسوبون إلى الفلسفة/ من الأعاجم، ودون ما يدّعيه أصحاب الحساب. فانى رأيت علم العرب بها هو العلم الظاهر للعيان، الصادق عند الامتحان، النافع لنازل البرّ وراكب البحر وابن السبيل. يقول الله جلّ وعزّ: «وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها فى ظلمات البرّ والبحر» «١» . فكم من قوم حاد بهم الليل عن سواء السبيل فى لجج البحار، وفى المهامه القفار، حتى أشرفوا على الهلاك، ثم أحياهم الله بنجم أمّوه أو بريح استنشوها. قال ابن أحمر «٢» وذكر فلاة: يهلّ بالفرقد ركبانها كما يهلّ الراكب المعتمر «٣» وهؤلاء قوم ضلّوا الطريق وتمادت بهم الحيرة حتى خشوا الهلكة، ثم لاح لهم الفرقد فعرفوا به سمت وجهتهم، فرفعوا أصواتهم بالتكبير كما يرفع المعتمر صوته بالتلبية- ن. ٣) ويقال إن أعلم العرب بالنجوم كاب وبنوشيبان وإن العلم من كلب فى بنى ماوية: ومن شيبان فى مرّة. وصحبنى رجل من الأعراب فى فلاة ليلا/ فأقبلت أسئله عن محالّ قوم من العرب ومياههم؛ وجعل

стр. 50

يدلّنى على كل محلّة بنجم، وعلى كل ضياء «١» بنجم. فربما أشار إلى النجم وسمّاه، وربما قال لى: تراه، وربما قال لى: ولّ وجهك نجم كذا، أى اجعل مسيرك بين «٢» نجم كذا حتى تأتيهم. فرأيت النجوم تقودهم إلى موضع حاجاتهم، كما تقود مهايع الطريق سالك العمارات. ولحاجتهم إلى التقلب فى البلاد والتصرف إلى المعاش وعلمهم، أن لا تقلّب ولا تصرّف فى الفلوات إلا بالنجوم، عنوا بمعرفة مناظرها. ولحاجاتهم إلى الانتقال عن محاضرهم إلى المياه وعلمهم، أن لا «٣» نقلة إلا لوقت صحيح يوثق فيه بالغيث والكلاء، عنوا بمطالعها ومساقطها. هذا مع الحاجة إلى معرفة وقت الطرق ووقت النتاج ووقت الفصال، ووقت غور مياه الأرض وزيادتها [و] تأبير النخل، ووقت ينع الثمر ووقت جداده، ووقت الحصاد، ووقت وباء السنة فى الناس وفى الإبل وغيرها من النعم بالطلوع والغروب. ٤) وقد يحتاج نازل المدن «٤» وسالك العمارات، وإن كان مستغنيا/ فى بعض الأحوال عن هذا الشأن إلى معرفته، مستظهرا به النوائب فى الأسفار والنكبات ومعرفة ما يعرفون من علامات الخصب والجدب، وعلامات السحاب الماطر والسحاب المخلف، والبروق الصادقة «٥» والكاذبة، والرياح اللاقحة «٦» والحائلة، ومعرفة المغارب والمشارق

стр. 51

والزوال والفجرين والشفقين ومعرفة سمت القبلة. وقد كان هذا الشأن عزيزا، والمعنيوّن به قليلا والأدب غضّ والزمان زمان، فكيف به اليوم مع دثور العلم وموت الخواطر وإعراض الناس- ن. ٥) وقد قيّدت بهذا الكتات أطرافا من هذا الفن أدركت بعضها بالتوقيف، وبعضها بالاعتبار، واستخرجت بعضها من الأشعار ونبّهت على إغفال من أغفل من الشعراء وخالف ما عليه أكثرهم لشبهة دخلت عليه. وما أبرأ إليك بعد من العثرة والزلّة. وما أستغنى منك «١» إن وقفت على شىء من التنبيه والدلالة ولا إستنكف من الرجوع إلى الصواب عن الغلط. فان هذا الفن لطيف خفىّ، وابن آدم إلى العجز والضعف والعجلة «وفوق كل ذى علم عليم» «٢» . ونحن نسأل الله أن ينفعنا/ وإياك بالعلم، ويعرفنا قدره، ويجعل شغلنا بالعمل المقرّب منه، ويؤتينا بفضله أفضل ما آتاه من أمّله بخير نية عليه، وأرشد هدى إليه. إنه واسع كريم. ذكر منازل القمر «٣» ٦) ومنازل القمر ثمانية وعشرون منزلا. ينزل القمر كل ليلة بمنزل منها من مهلّه إلى ثمان وعشرين ليلة. فان كان الشهر تسعا وعشرين ليلة، استسرّ ليلة ثمان وعشرين ليلة تمضى من الشهر. وإن كان ثلاثين استسرّ ليلة تسع وعشرين. وهو فى السرار نازل بالمنازل. فاذا بدا

стр. 52

من الشهر الثانى هلالا، طلع وقد قطع ليلة السرار منزلا من هذه المنازل. وسأبيّن هذا فى باب القمر. ومعنى قول رسول الله ﷺ فى هلال شعبان وهلال رمضان:» إذا غمّ عليكم فاقدروا له وإذا غمّ عليكم. فأكملوا العدّة- ن «١» » . ٧) وهذه المنازل تسمّى «نجوم الأخذ» «٢» لأخذ القمر كل ليلة فى منزل منها. ويقال إن نجوم الأخذ هى التى يرمى بها مسترق السمع «٣» ، لأنها تأخذه. قال الشاعر يصف وحشية فى عدوها ويشبّهها بكوكب منقّض: نفدت كنجم الأخذ يرقد شأوها «٤» . يشبهها من يستنكف «٥» شهابا/ فان كانت نجوم الأخذ هى التى يرمى بها مسترق السمع، فقد أصاب هذا الشاعر فى التشبيه. وإن كانت نجوم الأخذ منازل القمر. فقد غلط، لأن النجوم التى ينزل بها القمر لا يرمى بها مسترق السمع ولا تنقّض «٦» إلا للمغيب. وما أرى نجوم الأخذ إلا منازل القمر على ما ذكر أولا. يقول الآخر: وأخوت نجوم الأخذ إلا أنضّة ... أنضّة محل ليس قاطرها يثرى «٧»

стр. 53

ألا تراه يقول «وأخوت نجوم الأخذ» أى فاءت «١» من غير أن يكون مطر. ويقال: أخوى النجم يخوى إخواء، وخوى يخوى خيّا، إذا سقط ولم يكن مع سقوطه مطر. والنجوم المنقضّة للرمى لا يكون لها نوء ولا إخواء وقوله «إلا أنضّة» ، يريد: أخوت إلا من ندى قليل. يقال: وهل نضّ إليك من حقك شىء. «والمثرى» «٢» من الثرى، وهو الندى يريد أن قاطرها لا يبلّ تراب الأرض فيثريه- ن. ٨) وهذه المنازل الثمانية والعشرون تبدو للناظر منها فى السماء أربعة عشر منزلا، وتخفى عنه أربعة عشر منزلا. وكلما غاب منها واحد، طلع من المشرق رقيبه فلست تعدم منها أبدا أربعة عشر منزلا. / وكذلك البروج. وهى اثنا عشر برجا. كل برج منزلان وثلث من هذه الثمانية والعشرين. وإنما يبدو لك منها ستة بروج. وهذا يدل على أن الظاهر لنا من السماء لأبصارنا نصفها، والله أعلم. وسأذكر هذا عند ذكر الرقائب إن شاء الله. وهم يعدّون أربعة عشر منزلا من هذه المنازل شاميّة، وأربعة عشر يمانية. فأول الشامية الشرطان، وآخرها السماك الأعزل. وأول اليمانية الغفر، وآخرها الرشاء. معنى النوء «٣» ٩) معنى النّوء سقوط النجم منها فى المغرب مع؟؟؟، وطلوع آخر يقابله من ساعته فى المشرق. وسقوط كل نجم منها فى ثلاثة

стр. 54

عشر يوما، خلا الجبهة، فان «١» لها أربعة عشر يوما. فيكون انقضاء سقوط الثمانية والعشرين مع انقضاء السنة. ثم يرجع الأمر إلى النجم الأول فى ابتداء السنة المقبلة. وكانت العرب تقول لا بدّ لكل كوكب من مطر، أو ريح، أو برد، أو حرّ، فينسبون ذلك إلى النجم. وإذا مضت مدة النوء، ولم يكن فيها مطر، قيل: خوى نجم كذا، وأخوى- ن. ١٠) واختلفوا فى ذى النوء من النجمين. فقال بعضهم: هو الطالع لأنه إذا طلع، ناء أى [مال] بثقل طلوع. ناء،/ أى طلع. كما يقال ناء بحمله، إذا نهض به وقد أثقله. واحتجّ بقول الله «٢» : «ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ» . قال أراد لتنوء بها العصبة فقلب «٣» أى تنهض بها وهى مثقلة. وهو قول أبى عبيدة. وهذا قول قد بيّنت فساده فى كتابى المؤلّف فى «تأويل مشكل القرآن «٤» -. ن. ١١) وقال آخر: هو النجم الغارب. وهذا أعجب إلىّ، والشاهد عليه أكثر. وإنما قيل ناء إذا سقط، لأنه يميل، والميل هو النوء ومعنى قول الله : «لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ» أى لتميل بها من ثقلها. قال الراجز: حتى إذا ما التأمت مفاصله ... وناء فى شقّ الشّمال كاهله «٥»

стр. 55

أى مال كاهله فى شقّ الشمال لما انحنى على القوس. ويدل على أن النوء الساقط، قول ذى الرمّة بصف مطرا: أصاب الأرض منقمس الثريا ... بساحية وأتبعها طلالا «١» و «منقمس الثريا» غروبها. يقال قمس فى الماء، إذا غاص فيه. و «الساحية» مطر [٥] شديدة الوقع تسحو الأرض، أى تقشر وجهها، كما تسحو القرطاس إذا قشرته. وكذلك قوله أيضا: جدا قضّة الآساد وارتجست له ... بنوء السماكين الغيوث الروايح «٢» و «الجدا» المطر العام الغزير/ وقوله «قضّة الآساد» يريد سقوط نجم الأسد، فجعلها آسادا، ونسب المطر إلى مغيبها. وقال الراعى «٣» : إذا لم يكن رسل يعود عليهم ... مرينا لهم بالشوحط المتقوّب بقايا الذرى «٤» حتى تعود عليهم ... عزالى سحاب فى اغتماسة كوكب أى حتى تمطروا «٥» فى سقوط كوكب. و «الشوحط المتقوب» يعنى القداح التى «٦» يضرب بها. وقد بينت هذا فى «كتاب الميسر» «٧» - ن.

стр. 56

١٢) واختلفوا ايضا فى قدر مدة النوء. فقال بعضهم: إذا سقط النجم فما بين سقوطه إلى سقوط التالى له، هو نوؤه. وذلك ثلثة عشر يوما على ما بيّنت. فكل ما كان فى هذه الثلثة عشر يوما من مطر أو ريح أو حرّ أو برد، فهو فى نوء ذلك النجم الساقط. فاذا سقط بعده «١» التالى له، نسب ما كان بعده إلى انقضاء ثلثة عشر يوما إلى نوئه. وقال آخرون: بل لكل نجم من هذه الثمانية والعشرين وقت لنوئه من الثلثة عشر يوما. فما كان فى ذلك الوقت، نسب إلى النجم. وما كان بعد مضيى ذلك الوقت فى الثلثة عشر يوما، لم ينسب إليه. وأنا مبيّن ما حدّوه فى أوقات أنواء الكواكب عند تسميتى منازل القمر ووصفى لها إن شاء الله. وهذا القول أعجب إلىّ من الأول لقول الكميت: تصل النتاج إلى اللقاح مزيّة «٢» ... لخفوق كوكبها وإن لم تخفق و «خفوق الكوكب» ، سقوطه. فأخبرك أنها تمطر بالنوء وبغير النوء. وفى هذا البيت أيضا دليل على أن النوء منسوب إلى الساقط، لا إلى الطالع. وكان ابن كناسة يقول: إذا سقط نجم مع الصبح، ذهب نوؤه؛ يذهب إلى أن مدة النوء تكون قبل سقوطه- ن. باب كيف يكون الطلوع والغروب ١٣) والشمس تحلّ بالغداة فى منزل من هذه المنازل، فتستر المنزل الذى حلّت به وتستر منزلا قبله. فترى ما قبل هذين المنزلين ظاهرا بالغداة. وهذا المرئىّ هو الطالع. وهو المراد من قولهم: إذا

стр. 57

طلع كذا، كان كذا. والساقط فى المغرب بالغداة إذا طلع هذا هو رقيبه. والنوء منسوب إليه. ومقام الشمس فى المنزل الذى تحلّ به حتى تفارقه وتصير إلى المنزل الذى بعده ثلثة عشر يوما. فكل منزل حلت به الشمس فانه يطلع بالغداة بعد ستة وعشرين يوما. فيكون بين حلول الشمس به وبين طلوعه هذا المقدار. وهو نوآن. وسامثّل لك ما قلت لتزداد له فهما. كأن الشمس حلّت الثريا بالغداة، فسترت «الثّريا» «والبطين» قبلها «١» فيكون الطالع بالغداة، الشرطين؛ ويكون الغارب بالغداة، رقيب الشرطين وهو الغفر. ويكون النوء للغفر. وتقيم الشمس بالثريا ثلثة عشر يوما، ثم تنتقل إلى «الدبران» فتستره وتستر الثريا أيضا. لأنها تستر المنزل الذى حلت به ومنزلا قبله، على ما أعلمتك. فتقيم فى الدبران ثلثة عشر يوما، ثم تنتقل إلى الهقعة فتنكشف الثريا بعد ستة وعشرين يوما. فتكون الثريا الطالع بالغداة ويسقط رقيب الثريا وهو الإكليل. ويكون النوء للاكليل- ن. ١٤) وليس ما أذكر من الطلوع لوقت والغروب لوقت عند ذكرى طلوع المنازل وسقوطها بمستو فى جميع المنازل من البلدان على تحديد هذه الأوقات. ولكنه يختلف. فربما طلع النجم ببلد فى وقت، وطلع فى غير ذلك البلد [فى] وقت آخر، إما قبله وإما بعده بأيام. فهذان الهرّازان، وهما النسر الواقع وقلب العقرب، يطلعان معا بنجد. ويطلع النسر الواقع على أهل الكوفة بعد قلب العقرب

стр. 58

بسبع. ويطلع قلب العقرب على أهل الربذة قبل النسر بثلث. / وربما طلع النجم ببلد، ولم يطلع ببلد آخر. كسهيل، فانه يظهر بأرض العرب وباليمن، ولا يرى بأرمينية. وبين رؤيته بالحجاز وبين رؤيته بالعراق بضع عشرة ليلة. وبنات نعش تغرب بعدن، ولا تغرب بأرمينية. ١٥) وبلغنى أن كل بلد جنوبى، فالكواكب اليمانية فيه تطلع قبل طلوعها فى البلد الشمالى. وكل بلد شمالى، فالكواكب الشأمية فيه تطلع قبل طلوعها فى البلد الجنوبى. وفى الكواكب الشامية ما يكون له فى الليلة الواحدة غروب من أولها فى المغرب فطلوع من آخرها بالمشرق. كالعيّوق والسماك الرامح والقكّة «١» والعوائذ والنسر الواقع والفوارس والردف والكف الخضيب. ومددها فى ذلك تختلف. فمنها ما يرى كذلك أياما، ومنها ما يرى شهرا، ومنها ما يرى أكثر من شهر. وإذا نزل القمر فى استوائه ليلة أربع عشرة أو ثلث عشرة بمنزل من المنازل، فهو سقوط ذلك المنزل. لأن القمر يطلع من أول المشرق ليلة أربع عشرة أو ثلث عشرة «٢» مع غروب الشمس، ويغيب صبحا مع طلوع الشمس، فيسقط ذلك النجم الذى كان به نازلا.

стр. 59

فرق ما بين الغروب الذى/ هو أفول وبين الغروب الذى له النوء ١٦) الغروب نوعان: أحدهما الغروب الذى يكون له النوء. وهو سقوط النجم بالغداة فى المغرب بعد الفجر، وقبل طلوع الشمس، وطلوع رقيبه فى المشرق فى ذلك الوقت. ولا يكون هذا إلّا فى غداة واحدة من السنة للكوكب الواحد. فأما السقوط الذى هو أفول واستسرار. فانه يكون من أول الليل. وذلك أن هذا النجم الساقط بالغداة فى افق المغرب يرى هذا «١» اليوم الذى سقط فيه متأخر السقوط عن ذلك الوقت، فيسقط قبله. ولا يزال يتأخر فى كل يوم حتى يكون سقوطه فى آخر الليل، ثم يتأخر فى الليل إلى أن يسقط أول الليل فى المغرب، ثم يستسرّ بعد ذلك فلا يرى ليالى كثيرة ثم يرى بالغداة طالعا فى المشرق خفيا. فهذا سقوط الأفول. ١٧) ومقادير استسرار الكواكب مختلفة. وكل منازل القمر لها استسرار فأما غيرها، فمنه ما يستسرّ، ومنه ما لا يستسرّ. وبين العرب وبين أصحاب الحساب فى مقادير استسرارها اختلاف، كاختلافهم فى مدة استسرار الثريا. فان العرب تذكر أنها تستسرّ أربعين ليلة؟ وتزعم أصحاب الحساب/ أنها تستسرّ ثلثا وخمسين ليلة. ولا أرى ذلك إلّا لأن العرب عملت فيه على مفارقة الشمس لها بثلثة عشر يوما. وقد بيّنت هذا فى باب الطلوع والغروب- ن.

стр. 60

تحديد الوقت الذى يسقط فيه النجم بالغداة ١٨) وسقوط النجم ذى النوء بالغداة بعد الفجر وقبل طلوع الشمس وانمحاق الكواكب بضوئها وقد بقى من غلس الظلام شىء يسير. فقد حدّ ذلك الشاعر فى قوله، وهو ابن الرقاع: وأبصر الناظر الشعرى مبيّنة ... لما دنا من صلوة الصبح ينصرف «١» فى حمرة لا بياض الصبح أغرقها ... وقد علا الليل عنها فهو منكشف «٢» لا ييأس الليل منها حين تتبعه «٣» ... ولا النهار بها للّيل يعترف يريد أنها طلعت فى الفجر ببقية من سواد الليل وابتداء شىء من ضوء النهار. فالليل لا ييأس منها لبقيّته، والنهار لا يسلمها للّيل لابتدائه فكأنها شىء بين اثنين يتجاذبانه- ن. معنى العرب فى نسبة «٤» المطر إلى النوء ١٩) وقد تدّبرت ما جاء فى الشعر من نسبة العرب المطر إلى نوء النجم، فوجدته نوعين: أحدهما أن يجعلوا نوء النجم علما للمطر ووقتا [له] ، كما يجعلون الشتاء للبرد وقتا، والقيظ للحرّ وقتا/ وكما يقولون لمطر الشتاء «الشتىّ» ، فينسبونه إليه لأنه وقت له. ومن ذهب منهم إلى هذا المذهب، ونوى فى النوء هذه النيّة، فقال: «مطرنا بنوء الثريا» يريد حين تبيّن «٥» ناءت، لم يكن بذلك بأس، ولا عليه فيه إن شاء الله جناح، وإليه ذهب ابن عباس فى قوله للمرأة التى جعل زوجها أمرها

стр. 61

فى يدها؛ فطلقته. «خطّأ الله نوءها ألا طلّقت نفسها» ، يريد: أخلى الله نوءها من المطر. والمعنى حرمها الله الخير كما حرم من لم يمطر وقت المطر، وكذلك قول عمر للعباس حين استسقى به: «يا عمّ رسول الله، كم بقى من نوء الثريا» فان العلماء بها يزعمون أنها تعترض فى الافق سبعا كأنه علم أن نوء الثريا وقت يرجا فيه المطر ويؤمّل فسأله عنه: «أخرج، ام بقيت منه بقيّة؟» - ن. ٢٠) والنوع الآخر هو أن يجعل الفعل للكوكب فيكون عنده هو الذى أنشأ السحاب، وأتى بالمطر وهذا من امور الجاهلية. وإياه أراد رسول الله ﷺ : «ثلث من امور الجاهلية: الطعن فى الأنساب، والنياحة، والأنواء» «١» وقال: «إن الله يقول ما انعمت على عبادى نعمة إلّا اصبحت طائفة منهم بها كافرين، يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا؛ فأما من آمن بى/ وحمدنى على سقياى، فذلك الذى آمن بى وكفر بالكواكب «٢» » وقال «لو أن الله حبس القطر عن

стр. 62

الناس سبع سنين، ثم أرسله، أصبحت به طائفة كافرين؛ يقولون: مطرنا بنوء المجدح «١» وقال ابن عباس فى قول الله جلّ وعزّ «وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ» «٢» أراد الأنواء والرزق ها هنا بمعنى الشكر أى تجعلون شكركم لله على ما رزقكم أن تنسبوا ذلك الرزق إلى الكواكب. فمن ذلك قول رؤبة: وجفّ أنواء السحاب المرتزق «٣» أى جفّ البقل الذى كان بالنوء المرتزق. وقول الآخر: مقابلة فى الأكرمين وبعلها ... أبو الأنجم المستمطرات نوالها ٢١) ولولا أن رسول الله ﷺ ذمّ مذاهب العرب فى الأنواء، فدلّ ذلك على أنه لا عمل للنوء فى السحاب والرياح والمطر، لساغ للظانّ باكثار العرب فى هذا أن يظنّ أن للنوء عملا فى المطر كعمل الريح فى إنشاء السحاب واستنزال المطر وإلقاح الشجره، وكعمل القمر فى المدّ والجزر وهذه اشياء سخّرها الله ووصف الخلق بها، فلم تعد ما سخّرت له، والأفعال مضافة إليها، والفعل/ لله بها. وكل هذه الثمانية والعشرين لها نوء، غير أن بعضها عندهم أحمد وأغزر، وهم بذكره ألهج؛ كنوء الثريا، وأنواء نجوم الأسد.

стр. 63

ويجعلونها إناثا، وذوات. نتاج. ويجعلون ما لا نوء له ذكرا و «١» منحوسا قال ذو الرمة: تربّع من حنبى قبا «٢» فعوارض ... نتاج الثريا نوءها غير مجدح «٣» وقال آخر: سقتها من الجوزاء والدلو خلفة ... مباكير لم يندب بهن صرار «والمباكير» اللواتى يبكرن بالحمل. «والصرار» أعواد تصرّ بها الضروع فتندبها، أى تبقى فيها آثارا. وهى الندوب. واحدها ندب. فأعلمك أنها حوامل، ولا كحمل الابل التى تندب اخلافها الأصرّة. وقال الآخر فى تذكير ما لا نوء له: فانك قد بعثت عليك نحسا ... شقيت به كواكبه ذكور «٤» وربما نسبوا إلى بعض هذه المنازل المنحوسة «٥» إذا لم يكن نوؤها محموذا كالدبران، وقلب العقرب. وسترى هذا كله عند ذكرنا أسماء المنازل وصفاتها. أسماء المنازل وهيئاتها «٦» ٢٢) /وهذه المنازل الثمانية والعشرون ذوات الأنواء. هى التى ذكرها الله جلّ وعزّ فقال: «وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ

стр. 64

الْقَدِيمِ» «١» يريد أنه ينزل كل ليلة منزلا منها، حتى يصير فى آخر ليلة من الثمانى والعشرين كالعذق القديم. والعذق إذا قدم، دقّ واستقوس: فشبه القمر به عند استسراره. وربما كان المنزل منها نجوما، فيسمى كلها نجما. وإنما أفردوا، وهى عدد. لأنهم ذهبوا إلى أنها منزل واحد. وربما جمعوا على العدد. وسترى ذلك إن شاء الله. ١- الشرطان «٢» ٢٣) فأول ما يعدون منها الشرطان. وهما أول الشأمية. والشرطان كوكبان. يقال إنهما قرنا الحمل. ويسميان النطح والناطح. ويسمى النطيح أيضا. وبينهما فى رأى العين قاب قوس «٣» إذا صار فى كبد السماء. وكذلك كل مقدار أذكره بين كوكبين فانما مسافة ما بينهما إذا حلقا وصارا فى وسط السماء. والكواكب تتدانى فى جو السماء، وتتباعد فى الافقين «٤» - ن. ٢٤) وأحد الشرطين فى ناحية الشمال، والآخر فى ناحية الجنوب وإلى جانب الشمال/ كوكب صغير يعد معهما أحيانا، فيقال الأشراط قال العجاج:

стр. 65

من باكر الأشراط أشراطىّ «١» وربما نسبوا إلى أحدهما فيقال شرطى. وإذا أحببت أن تعرفهما، طلبتهما بين الحوت والثريا. وإذا حلت الشمس بهما، فقد حلت برأس الحمل. وهما أول نجوم فصل الربيع. من عند ذلك يعتدل الزمان، ويستوى الليل والنهار. يقول ساجع العرب: إذا طلع الشرطان، استوى الزمان، وحضرت الأوطان، وتهادى الجيران» . «٢» وطلوعهما لست عشرة ليلة تخلو من نيسان. وسقوطهما لست عشرة ليلة تخلو من تشرين الاول. وحلول الشمس بهما لعشرين ليلة تخلو من آذار. ومعنى قول الساجع «إذا طلع الشرطان حضرت الأوطان» يريد أنهم يرجعون عن البوادى الى أوطانهم ومياههم. لأن الغدران بالبوادى حينئذ قد قلت، والحرّ قد رقّ، وكاد النبات يهيج باقبال أوائل الحرّ «وتهادى الجيران» يكون حينئذ لأنهم كانوا متفرقين فى النجع. وإذا رجعوا إلى مياههم، التقوا وتقاربوا، فأهدى بعضهم إلى بعض. ويدل

стр. 66

على أن المياه تقل فى نيسان عند طلوع الشرطين قول/ عدى بن الرقاع يصف حميرا رعت مكانا «١» ذكره: شباطا وكانونين حتى تعدّرت ... عليهن فى نيسان باقية الشّرب «٢» وذكر شهور الروم لأنه كان ينزل الشأم، فعرفها. والعرب تقول: إذا طلعت الأشراط، نقصت الأنباط» «٣» ، يريدون نقصان الماء المستنبط- ن. ٢٥) ويقال إن الله خلق الخلق كله، والشمس برأس الحمل والزمان معتدل والليل والنهار متساويان. فأول الأزمنة فصل الصيف. وهو الذى يدعوه الناس الربيع. فكلما حلت الشمس برأس الحمل، فقد مضت للعالم سنة. ولذلك قال الحسن بن هانىء «٤» : ألم تر الشمس حلّت الحملا ... وقام وزن الزمان واعتدلا وغنّت الطير بعد عجمتها ... واستوفت الخمر حولها كملا يريد، استوقت الخمر حول الشمس كملا. فالهاء فى قوله «حولها» كناية عن الشمس لأنه «٥» ذكر الشمس فى البيت الأول، فحسنت الكناية

стр. 67

عنها فى البيت الثانى. وإذا حلت الشمس برأس الحمل، فقد مضت سنة الشمس مذحلت برأسه فى السنة التى قبلها. / فان قال قائل فان الخمر فى وقت حلول الشمس بالحمل إنما يأتى لها منذ اعتصرت ستة أشهر، فكيف تستوفى حولا كملا «١» . قلنا الاستيفاء هو استتمام العدد واستقصاء آخره لحقت أوله أو لم تلحقه. ألا ترى أنك تقول لرجل، أخذت بقية له من دين على آخر: «استوفيت حقك من فلان» ، وأنت لم تأخذ الحق كله، لأن تلك البقية وفاء الشىء فاذا أخذتها، فقد استوفيتها- ن. ٢٦) ونوء الشرطين نوء غير محمود. ومدته ثلاثة أيام إلا عند من جعل مدة النوء من سقوط النجم إلى سقوط التالى له. وذلك ثلاثة عشر يوما على ما قدمت من القول. قال الشاعر، وأحسبه الكميت: ومن شرطىّ مرثعّن «٢» تحللت ... غزال بها منه بثجّاجة سجل وهذا يدل على غزارة هذا النوء عندهم. وقدام الشرطين كوكبان، بينهما وبين الحوت، يقال لهما الأنيسان «٣» . فيهما اعوجاج. وليسا على استواء الشرطين- ن. ٢- البطين «٤» ٢٧) ثم «البطين» . وهو ثلاثة كواكب خفية كأنها أثافىّ.

стр. 68

ويقال إنها «بطن الحمل» . وإذا أنت آثرت أن تعرفها، التمستها بين الشرطين وبين الثريا. وطلوعه لليلة تبقى من نيسان. وسقوطه لليلة تبقى من/ تشرين الأول [و] عند سقوطه يرتج البحر «١» ، ولا تجرى فيه جارية وتقطع الحدأ والرخم والخطاطيف إلى الغور، وتسكن النمل. يقول ساجع العرب: «إذا طلع البطين، اقتضى الدّين، وظهر الزّين، واقتفى بالعطار «٢» والقين «٣» » واقتضاؤهم الدين عند طلوع البطين، لأنهم يرجعون عن البوادى إلى أوطانهم. وإذا طلع الشرطان، على ما قد أعلمتك فيتهادون ويتلاقون ولا يزالون كذلك ثلاثة عشر يوما، حتى يطلع البطين فيطمئنون ويقتضى بعضهم بعضا ما له عليه من الدين. وقوله «ظهر الزين» ، يريد أنهم عند التلاقى يتجملون بأحسن ما يقدرون عليه. ويقال: تزينها «٤» بالنبات. و «اقتفاؤهم بالعطار «٥» والقين» برّهم بهما لحاجتهم إلى ابتياع الطيب من العطار، وإصلاح القين ما رثّ من

стр. 69

آلاتهم وأمتعتهم- ن. ٢٨) ونوءه ثلث ليال إلا فى قول من جعل النوء ما بين سقوط النجم وسقوط التالى له. وهو نوء غير مذكور «١» ، لا أعلم أنى سمعته إلا فى شعر مجهول أنشده ابن الأعرابى فى وصف ناقة: لها موفد وفّاه واص كأنه ... زرابىّ قيل قد تحومى مبهم «٢» وفا «٣» عليه الليث أفلاذ كبده ... وكهّله فلذ من البطن مردم «موفد» ، سنام مشرف. «وفّاه» ، تمّمه. «واص» ، نبت كثير متصل يقال: وصى النبت ووصل «٤» ، إذا اتصل. «زرابى قيل» ، أى طنافس ملك. شبه النبت لما فيه من التهاويل بالطنافس. و «مبهم» ، ذوبهمى. وقوله «وفا «٥» عليه الليث» ، يريد مطر بنوء الأسد. و «والأفلاذ» ، القطع. «وكهله» أى جعله كهلا تامّا، من قوله: اكتهل النبات، إذا تم. «فلذ» أى عطاء. يقال: فلذ له، إذا أعطاه. «والبطن» ، أراد البطين، فكبّره. «مردم» ، لازم. يقال أردمت عليه الحمىّ، إذا لزمته. ويروى: وكهّله فلذ من البطن مرزم «والفلذ» ، «٦» المطر لوقت. «والمرزم» ، ذو الإرزام. وهو صوت الرعد. وأصله صوت الناقة. وحكى ابن الأعرابى عنهم أنهم كانوا

стр. 70

يقولون: «ما ناء البطين، إذا كان منه مطر لم يضر مع أنواء الأسد.» «١» قال مؤرج: «هو شر الأنواء وأنزرها مطرا. وقل ما أصابهم إلا أخطأهم نوء الثريا» «٢» ونوءها أشرف الأنواء وأغزرها. فهم لا يذكرون نوء البطين فى شعر ولا غيره. ٣- الثريا «٣» ٢٩) ثم الثريّا. ويقال إنها ألية الحمل. وهى أشهر هذه المنازل وذكرهم لها أكثر من ذكرهم غيرها. وجاءت مصغرة لاجتماعها. ولم يتكلم بها إلا كذلك، كما قيل حميّا الكأس، وسكيّت الخيل. وأصلها من/ الثروة «٤» ، وهى كثرة العدد. وهى ستة أنجم ظاهرة، فى خللها نجوم كثيرة خفية. ويسمونها نجما. كما قال الراعى وذكر امرأة أضافها: فباتت تعدّ النجم فى مستحيرة ... سريع بأبدى الآكلين جمودها «٥»

стр. 71

فقوله «تعد النجم» دليل على الجمع، لأن العدد لا يقع إلّا على ذلك. و «مستحيرة» ، جفنة قد تحير فيها الدسم، فهى ترى نجوم السماء فيها. لأن الثريا فى الشتاء تصير فى كبد السماء وإذا كبّدت السماء صارت على قمّة الرأس فرأيتها فى الماء وفى المرآة وفى كل شىء صفا. ٣٠) قال ذو الرمة يشبه بيض النعام بالنجوم: تعاليه فى الأدحىّ بيضا بقفرة ... كنجم الثريا لاح بين السحائب «١» وقال المرّار: ويوم من النجم مستوقد ... يسوق إلى الموت نور الظباء «٢» يريد يوما من أيام الثريا. فسماها كلها نجما. فاذا سمعتهم يذكرون «النجم» من غير أن ينسبوه إلى شىء، فاعلم أنهم يريدون الثريا. وهم يكثرون تشبيهها. فمن أحسن ما قيل فى ذلك، قول امرئ القيس: إذا ما الثريا فى السماء تعرّضت ... تعرّض أثناء الوشاح المفصّل «٣» أراد وقت مغيب الثريا، وعند ذلك تتعرض. وهى إذا طلعت تستقبل

стр. 72

الناظر إليها بأنفها. فاذا غربت تعرّضت، أى تحرّفت كأنها جانحة كتحرف ثى الوشاح إذا القى. والوشاح خيط فيه خرز منظوم قد جمع طرفاه فأسفله أوسع من أعلاه. وكذلك الثريا. ٣١) وقال ذو الرمة: قطعت اعتسافا والثريا كأنها ... على قمّة الرأس ابن ماء محلّق «١» شبهها بطائر ماء. وقال ابن الزبير الأسدى «٢» : وقد خرّم الغدر الثريا كأنها ... له راية بيضاء تخفض «٣» للطعن شبهها حين تدلت للمغيب براية خفضت «٤» بيضاء. وهذا نحو قول الآخر: وتدلّت كأنها عنقود وقال عقبة بن رؤبة فى بعض كلامه: «والنجم قد تصوّب كأنه عنقود ملاحىّ» بتخفيف اللام وتشديد الياء. وقال آخر: سرى بعدما غار الثريا وبعد ما ... كأن الثريا حلّه الغور منخل «حلّه الغور» أى قصده. قال الأصمعى: لم يحسن فى التشبيه. ٣٢) /وللعرب فيها أسجاع. قولهم: إذا طلع النجم، فالحرّ «٥» فى حدم والعشب فى حطم» يريد أنه حينئذ يهيج وينكسر «والعانات فى

стр. 73

كدم» «١» ، أى تتعاضّ. ٣٣) وطلوعها لثلث عشرة ليلة تخلو من أيار. وسقوطها لثلث عشرة تخلو من تشرين الأخر. وأما الاستسرار من الثريا فتظهر «٢» من أول الليل فى المشرق عند ابتداء البرد. ثم ترتفع فى كل ليلة حتى تتوسط السماء مع غروب الشمس. وذاك الوقت أشد ما يكون البرد. ثم تنحدر عن وسط السماء فتكون كل ليلة أقرب من افق المغرب وأبعد من وسط السماء إلى أن يهلّ معها الهلال لأول ليلة. ثم تمكث شيئا يسيرا، ثم تغيب فلا تظهر نيفا وخمسين ليلة. وهذا المغرب هو استسرا [ر] ها. ثم تبدو بالغداة من المشرق فى قوة الحرّ. وفى جميع هذه الأحوال قد قالت الشعراء. قال حاتم يذكر ظهورها من أول الليل فى أشد البرد، ويدلّ بذلك على شدة الزمان: إذا النجم أمسى مغرب الشمس رابيا ... ولم يك برق فى السماء ينيرها «٣» يقول: إذا ارتفعت الثريا مع غروب الشمس فى المغرب و «٤» لم يكن فى ذلك الوقت برق، يريد لم يكن فيه مطر. وفى هذا الوقت يقول

стр. 74

الساجع: «طلع النجم عشاء، ابتغى الراعى كساء» «١» /. وقال الأعشى: يراقبن من جوع جلاء مخافة ... نجوم الثريا الطالعات الشواخصا «٢» يريد أنهن يعلمن أن الضيق وظلف العيش دائم ما دامت الثريا طالعة عشاء. فهن يراقبنها ويقدّرن لهن «٣» وينتظرن لين الزمان. ٣٤) وفى توسلطها للسماء مع غروب الشمس فى شدة البرد يقول ساجع العرب «اذا أمست الثريا قمّ رأس، ففى الدّثار فاخنس، وعظماهنّ فاحدس، وإن سئلت فاعبس ثم اعبس» «٤» «قمّ رأس» ، يريد إذا صارت الثريا عند المساء حذاء رأس القائم، «فاخنس فى الدثار» ، يريد استتر من البرد ولا تظهر ولا تسافر. وقوله «وعظماهن» فاحدس يريد عظمى الإبل فاصرع للنحر. قال مؤرّج «عند ذلك تقول الماعزة» الاست جهرى- أى عارية- والنبت ألوى، والشّعر دقاق، والجلد رقاق. ثم ثغت فرقا منه اى من هذا الوقت، وقوله «وإن سئلت فاعبس» ، يريد. أظهر العبوس لمن سألك، أمره بالمنع إبقاء على نفسه من كلب الزمان. وقال الكميت:

стр. 75

وأنت ابن زاد الركب «١» فى كل شتوة ... أميره «٢» والساقى إذا النجم أفغرا يريد. إذا صارت الثريا فى وسط السماء، فمن نظر إليه فغرفاه أى فتح فاه. وذلك من شدة البرد/ وصفه بالإحسان فى هذا الوقت. ٣٥) وقال القطامىّ فى مثل ذلك: إذا كبّد النجم السماء بشتوة ... على حين هرّ الكلب والثلج خاشف «٣» قوله «على حين هرّ الكلب» يريد أنه لا يقدر على النباح من شدة الجهد، فهو يهرّ ونحوه قال الاعشى يصف المرأة: وتسخن ليلة لا يستطيع ... نباحا بها «٤» الكلب إلا هريرا» وقال الكميت فى مثل ذلك يصف سنة جدب: كأن الثريا أطلعت فى اغتشائها «٦» ... بوجه فتاة الحى ذات المجاسد «٧»
следующие страницы →